صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : يتيمة الدهر
المؤلف : الثعالبي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قعدت تفسين فوق طنفستي ... ما بين راحي وبين ريحاني
فما عدمنا من الكنيف إذا ... حضرت إلا بنات وردان
سمعت ميمون بن سهل الواسطي يقول: حضرت مجلس الصاحب ليلة بجرجان في جماعة من الفقهاء المتكلمين كالعادة كانت عنده في أكثر ليالي الأسبوع، فلما امتد المجلس وخالط النعاس بعض الأعيان وجد الصاحب رائحة تأذى بها وتأفف منه أن أنشد هذه الأبيات المتقدم:
قومي تنحي فلست من شاني
وجاء الفراشون بالند فتلافوا تلك الفرطة، وتقوض المجلس.
وقال في شهر رمضان وقد جاء في آب:
شهرٌ أراه يلج مع من ... يغتاظ من طوله ويدرد
فالبول قد جف من حماه ... في الجوف والجعس قد تقدد
وكان ضمن فرائض الصدقات بسقي الفرات، واستخلف على نواحي فم النيل خليفة فكتب إليه:
الحمد لله وشكراً له ... والله أهل الحمد والشكر
يا أيها الذئب الذي اخترته ... خليفة ينظر في أمري
أوصيك بالأغنام شراً وهل ... يوصي أبو جعدة بالشر
امش إليها مشية الليث أو ... فاحمل عليها حملة البر
ولا تدع في النيل من إثرها ... إلا بقايا الصوف والبعر
أنظر إلى السكباج من شمها ... أو مر مجتازاً على القدر
فاقبض على لحيته واحترز ... من حيلةٍ في أمرها تجري
أريد أن تحصي طاقاتها ... ولك ما فيها من الشعر
اعمل بها لي عمراً جامعاً ... مستظهراً فيه كما تدري
واحذر إذا وفيتها في غدٍ ... أن ينقص الكيل عن الحزر
حتى إذا جئتك سلمتها ... بذلك الإحصا إلى جحري
أوصيك في القوم بهذا الذي ... عقدته في السر والجهر
وكيف لا أوصي بهذا وقد ... بليت منهم ببني البظر
واضطرني جور زماني إلى ... معيشة تزري على الحر
والدهر قد صارت به هيضةٌ ... فنحن غرقى في خرا الدهر
وقال في ابن سكرة:
سلحةٌ بعد قرقره ... من سلاح المزوره
باتت الليل كله ... جوف بطني مخمره
ثم رامت تخلصاً ... فاغتدت ذات طرطره
ثم سارت كأسهمٍ ... عن قسي موتره
فأصابت بوثبةٍ ... جوف ذقن ابن سكره
وقال لأبي الفضل الشيرازي لما تقلد الوزارة، وعرض بأبي الفرج بن فسابخس:
سعدك للحاسدين نحسٌ ... وهم ظلامٌ وأنت شمس
ارفق عليهم فلن يعودوا ... إليك حتى يعود أمس
فأنت تحت الظلام تسعى ... وذاك تحت اللحاف يفسو
وكان يوماً جالساً بجنب الدست في دار أبي الفرج فسابخس، فعرضه له حاجة إلى الخلاء فبادر ورجع، فسئل عن مبادرته فقال:
يا سائلي عن خبري ... زاحم جوفي قذري
فكدت أن أخرى على ... دست الرئيس الطبري
فقمت أعدو حافياً ... وقد تغشى بصري
حتى خريت خريةً ... مثل الخبيص الجزري
كأنها من عظمها ... روثة كرشٍ بقري
وقال:
أبا الحسين بن نصر ... أبشر بعز ونصر
فأنت في الصدر أحلى ... من المنى جوف صدري
وليت لحية من لا ... يهواك في جوف حجري
من أين مثلي حر ... أو سفلة غيرُ حر
خراي عند القوافي ... وذقن غيري بشعري
ومن تكلف في الشع ... ر نظم سبحةِ در
نظمت من مثل طبعي ال ... خسيس سبحة بعر
وجملة القول أني ... إحدى عجائب دهري
قد در ضرعي على ما ... ترى فلله دري
وقال من إنسان طبري مات بالقولنج:
يا غصة الموت افغري ... فاك لروح الطبري
حتى تمجيها على ... علاتها في سقر
يا أيها الثاوي الذي ... أفلح لو كان خري

(1/324)


لمثل ذا اليوم يقا ... ل من خري فقد بري
وقال يستميح شراباً:
ألا يا إخوتي وذوي ودادي ... دعاءُ فتى إجابته مناهُ
زيادة دجلةٍ والورد غضٌ ... قد استولى على قلبي هواهُ
فهذي ليس يفتنني سواها ... وهذا ليس يسبيني سواه
أما فيكم فتى يرثي لصحوي ... فيسقيني المشوم ولو خراه
وقال:
يا عيني السفلى لحى سادتي ... قد شهدت بالزور فاستعبري
أبكي عليها كلّما سرحت ... في استي بدمعٍ سلسٍ أصفر
واتخذ دعوة كبيرة في أيام عز الدولة، ودعا إليها أقواماً شتى من رجال الدولة وقال:
قل للأمير المرتجى ... من جاءني فقد نجا
ومن أبي فذقنه ... في عصعصي قد لججا
يسبح في بحر خرا ... إذا جرى تموجا
وها هنا حكمٌ إذا ... كوى لحاهم أنضجا
ومن لم يجئ فذقنه ... في است الذي استدعي فجا
فقل لمن لجج في ... جوابه أو مجمجا
سبالك المحفوف قد ... حرك مني مخرجا
مؤزراً بالجعس في ... حافاته مصهرجا
فيه خراً معتقٌ ... كالبن حين كرجا
تدفعه مقعدتي ... بعد العشا ملهوجاً
من قبل أن تطبخه ... طبيعتي فينضجا
من كل من سرمي إلى ... لحيته قد التجا
عاشرت باستي ذقنه ... فامتزجا وازدوجا
وصعدا ونزلا ... ودخلا وخرجا
ولن ترى أحسن من ... ذقنٍ تواخى شرجا
وقال من أخرى:
أنظر لهرون وقد جاءني ... يطمع أن يبتزني ضيعتي
جذبت قوس استي في وجهه ... فقرطست لحيته ضرطتي
ومن أخرى في قائد من الأتراك أراد أخذ داره:
إن أطفالي الذين تراهم ... حول ناري في الليل مثل الفراش
أترى ما شممت ريح فساهم ... حين باكرتني وهم في الفراش
وجعيساتهم خلال الزوايا ... مثل ذرق الفراخ في الأعشاش
لا ترمهم واقبل نصيحة رأيي ... لك واحذر مغبة الغشاش
وقال من أبيات وقد دخل رجل اسمه عمرو والمزين يحفى شاربه:
قد لعمري فارت طبيعة حجري ... منذ أحفى المقراض شارب عمر
كلما قص شعرةً صر منها ... عصعصي النذل أو تفرقع ظهري
وقال من قصيدة في الوزير وقد أراده على الخروج معه لقتال أهل البطيحة:
يا سائلي عن بكاي حين رأى ... دموع عيني تسابق المطرا
ساعة قيل الوزير منحدرٌ ... أسرع دمعي وفاض منحدرا
وقلت يا نفس تصبرين وهل ... يعيش بعد الفراق من صبرا
شاورته والهوى يفتته ... والرأي رأيُ الصواب قد حضرا
أهوى انحداري والحزم يكرهه ... وتارك الحزم يكرب الغررا
لأنني عاقلٌ ويعجبني ... لزوم بيتي وأكره السفرا
الخيش نصف النهار يعجبني ... والماء بالثلج بارداً خصرا
والشرب في روشني أقول به ... كما أرى الماء منه والقمرا
ولا أقود الخيل العتاق بلى ... أسوق بين الأزقة البقرا
من كل جاموسةٍ لعنبلها ... رأس بقرنيه يفلق الحجرا
قد نفخ الشحم جوفها فغدا ... كأنه بطن ناقةٍ عشرا
لما أتتني بالليل مقبلةً ... وثوبها بالخرا قد ائتزرا
تركض مثل الحصان نافرةً ... ومن يرد الحصان إن نفرا؟
مد ذراعي في سرمها لبباً ... وسد أيري في سرمها شعرا
أحسن في الحرب من صفوفكم ... غداً قعودي أصفف الطررا
وأنتف الشعر من جبين حر ... لطفت في نتفه وما شعرا

(1/325)


أو مبعرٍ جعسه يطالعني ... من كوة الباب كلما زحرا
هيهات أن أحضر القتال ... وأن ترى بعينيك فيه لي أثرا
بل الذي لا يزال يعجبني ال ... دبيب بالليل خائفاً حذرا
أنا إلى تلك هي نائمة ... وذا إلى ذاك بعد ما سكرا
وضجة النيك كلما ضرطت ... واحدةٌ تحت واحدٍ نخرا
وقول بعض المميزين وقد ... شم فسانا بأنفه سحرا
في جعس هذا فطورةٌ وأرى ... أن خرا تلك بعد ما اختمرا
الدف يوم الصبوح دبدبتي ... وبوقي النايُ كلما زمرا
وخريتي كلما رميت بها ... مقتل ذقنٍ خصبتها بخرا
هذا اعتقادي وهكذا أبداً ... أرى لنفسي فأنت كيف ترى
وقال:
إذا تغني سليمٌ عاق ... المسرة عني
وافى بذقن سخيف ال ... مغني وجئت ببطني
فلحية التيس منه ... وسلحة الفيل سني
ملح مما يتمثل به من أحوال السلف
قال من قصيدة في أبي الفضل الشيرازي:
الناس يفدونك اضطراراً ... منهم وأفديك باختياري
وبعضهم في جوار بعضٍ ... وأنت حتى أموت جاري
فعش لخبزي وعش لمائي ... وعش لداري وأهل داري
يا من بإحسانه بلغت الس ... ماء في العز واليسار
فاليوم قارون في غناه ... عبدي وكسرى ركاب داري
وقال:
يا من يدي من خيره فارغه ... مليت لبس النعمة السابغه
قد هشمت رأسي بأحجارها ... ألفاظك الهاشمة الدامغة
فيا أبا قابوس في ملكه ... رفقاً أبيت اللعن بالنابغه
وقال:
إنك إنسانٌ له موقعٌ ... من ناظري في جوف إنسانه
فكيف تخشى هجو من مدحه ... فيك يرى أول ديوانه
ومن له في شعره مذهبٌ ... ذكرك فيه نور بستانه
تمضي لياليه وأيامه ... وسره فيك كإعلانه
ولست ممن يخلط الكفر في ... شكر أياديك بإيمانه
قل للذي جهز في السعي بي ... بضاعةٌ عادت بخسرانه
قل للذي جهز في السعي بي ... بضاعةٌ عادت بخسرانه
لا تغترر أنك من فارسٍ ... في معدن الملك وأوطانه
لو حدثت كسرى بذا نفسه ... صفعته في وسط إيوانه
وقال من بختيار:
فديت وجه الأمير في قمرٍ ... يجلو القذى نوره عن البصر
فديت من وجهه يشككني ... في أنه من سلالة البشر
إن زليخا لو أبصرتك لما ... ملت إلى الحشر لذة النظر
ولم تقس يوسفاً إليك كما ... نجم السهى لا يقاس بالقمر
وكان يا سيدي قباك إذا ... هربت منها ينقد من دبُرِ
بل وحياتي لو كانت يوسفها ... لم تك من تهمة العزيز بري
لأنني عالمٌ بأنك لو ... شممت ريا نسيمها العطر
سبقتها وانزبقت تتبعها ... ما بين تلك البيوت والحجر
ولم تزل بالكدين تقصرها ... من قبل وقت العشا إلى السحر
وقد علمنا بأن سيدنا ال ... أمير ممن يقول بالبظر
ولم تكن تلك تشتكي أبداً ... ما كان من يوسفٍ من الحذر
طبعك كالماء في سهولته ... لكن أبو الزبرقان من حجر
إن الملوك الشباب ما خلقوا ... إلا صلاب الفياش والكمر
وقال:
إن بني برمك لو شاهدوا ... فعلك بالغائب والشاهدِ
ما اعترف الفضل بيحيى أباً ... ولا انتمى يحيى إلى خالدٍ
وقال:
وكاتبٍ بارعٍ بلاغتُهُ ... تجلو علينا كلام سحبان
وخطه والكتاب في يده ... ينثر دراً أمام مرجان
لو كان عند المأمون جوهره ... أهداه أو بعضه لبوران
وقال في رجل سقطت امرأته من السطح فماتت:

(1/326)


عفا الله عنها إنها يوم ودعت ... أجلَّ فقيدٍ في التراب مغيب
ولو أنها اعتلت لكان مصابها ... أخف على قلب الحزين المعذب
ولكن رأت في الأرض أفعى مجدلاً ... على قدر غرمول الحمار المشغب
فظنته أيراً والظنون كواذبُ ... إذا أخبرت عن عام ما في المغيب
وأهوت إليه من يفاعٍ ودونه ... ثمانون باعاً في علو مصوب
فصارت حديثاً شاع بين مصدقٍ ... تحققه علماً وبين مكذب
سعى الطمع المردي إليها بحتفها ... ومن يمتثل أمر المطامع يعطب
فأعظم يا هذا لك الله ربها ... وربك أجر الثكل في شاة أشعب
قل لأشعب: هل رأيت أطمع منك؟ قال: نعم، شاة كانت لي على سطح فنظرت إلى قوس قزح فظنته حبل قت، فأهوت إليه واثبة، فسقطت من السطح فاندقت عنقها.
وسأل الهنكري مغني سيف الدولة ابن حجاج أن يصنع شعراً يغني به بين يدي صاحبه فقال:
أمير يا من ندى كفه ... يزيد على العراض الممطر
أرى يومنا يوم كأسٍ تدو ... ر من يد ذي دعجٍ أحور
وأبيض يحدوك سكر الغرام ... على لثم شاربه الأخضر
بحمرة وجنته تستدل ... على أنه من بني الأصفر
وأنك من دونه قد ضرب ... ت هامة ذي لبدةٍ قسور
وشعر ابن حجاج يا سيدي ... يغني به عبدك الهنكري
عناءٌ وشعرٌ لنا يجمعا ... ن ما بين زلزل والبحتري
وقال:
عذراً على عبل الشوى مرحٍ ... والخيل من حوله مثل الحصى عددا
في خلعةٍ لو رآها يوم يلبسها ... نمرود قبل وجه الأرض أو سجدا
وقال:
يا من إذا ما اختللتُ أيدني ... ومن إذا ما ضعفت قواني
ابق لي اليوم ضعف ما بقيت ... أمس نسور الحكيم لقمان
وقال:
يا درة الملك ويا غرةً ... في وجه هذا الزمن الأدهم
تراب نعليك على ناظري ... أعز من عيسى على مريم
وقال:
فتى له عزم إذا كلت السي ... وف مثل المرهف الصارمِ
وراحةٌ لو صفعت حاتماً ... تعلم الجود قفا حاتمٍ
ومن أخرى:
هذا حديثي تنمي عجائبه ... بكثرة القال فيه والقيل
أجزني دفنه فشاع كما ... أعجز قابيل دفن هابيل
ومن أخرى:
وأبرصٍ من بني الزواني ... ملمعٍ أبلق اليدين
قلت وقد لج بي أذاه ... وزاد ما بينه وبيني
يا معشر الشيعة الحقوني ... قد ظفر الشمر بالحسين
ومن أخرى:
كل خفيف الرجلين ثقلٌ ... خفة رجليه بالحديد
أذقهُ من غب ما جناه ... ما ذاق يحيى من الرشيد
ومن أخرى:
واستوفى عمر الدهر في نعمةٍ ... دون مداها موقف الحشر
مصيبةٌ الحاسد في مكثها ... مصيبة الخنساء في صخر
ومن أخرى:
يا من يعادي الهوى جهلاً بموقعه ... ولا يزال يعادي المرء ما جهلا
أما رأيت الهوى استولى بفتنته ... على النبييين واستغوى بها الرسلا
فإن شككت فسل زيداً بقصته ... وأورياء يقولا الحق إن سئلا
لم بت هذا طلاقاً حبل زوجته ... وذاك في رقعة التابوت لم قتلا
ومن أخرى:
مولاي يا من كل شيء سوى ... نظيره في الحسن موجودُ
إن كنت أذنبت بجهلي فقد ... أذنب واستغفر داود
ومن أخرى:
ملكٌ لو لم يكن من ملكه ... غير دارٍ وشحت بالنعمِ
لو رمى شداد فيها طرفهُ ... زهدته بعدها في إرمِ
وله، وقد خرج هارباً من غرمائه:
هربتُ من موطني إلى بلدٍ ... قد صفر الجوع فيه منقاري
يقول قومٌ فر الخسيس ولو ... كان فتى كان غير فرار
لا عيب لا عيب في الفرار فقد ... فر نبي الهدى إلى الغار
ملح من سائر أمثاله في الجد والهزل
الواقعة في فنون نوادره قال:

(1/327)


جميع ما لي صدقه ... لأكسرن فستقه
فبس كم تهذين يا ... سندية مطلقه
لا بد للسندان أن ... يصبر تحت المطرقة
وفيشتي لا بد أن ... أسبكها في البوتقة
لا بد أن أطعن بال ... مردي صميم الدرقه
وأن أمر الميل في ... جوف سواد الحدقه
تريد مني أترك الل ... حم وأحسو المرقه!
ليس الثريد بابتي ... بسي من الملبقه
أريد من لحم است من ... أعشقها مدققه
أحب أن لا تشفقي ... عدمت هذي الشفقه
وكل شاة في غدٍ ... برجلها معلقه
لا بد من أن يقع ال ... زرفين جوف الحلقه
وقال:
أخشى على حسبتي العدو وفي ال ... ناس لمثلي أصادقٌ وعدي
هر يراني وفي فمي غددٌ ... والهر بالطبع يألف الغددا
وإن تغافلت عنه غافصني ... واستلب الكرش من يدي وغدا
وقال:
قد وقع الصلح على غلتي ... فاقتسموها كارة كاره
لا يدبر البقال إلا إذا ... تصلح السنور والفاره
وقال، وقد سأل صديق عن حاله والعمال يصادرونه:
أيها السائل عن حا ... لي أنا المضروب زيدٌ
وأنا المحبوس لكن ... ليس في رجلي قيد
وقال:
وقائلٍ هو رأس ال ... عمال بين الناس
والرأس يصلح إن لم ... ينفعك للرواس
هذا هو الحقُّ والح ... قُّ ما به من باس
وقال:
فقرٌ وذل وخمولٌ معاً ... أحسنت يا جامع سفيان
وقال:
الحمد لله إن لي أملاً ... أنا إلى الخص منه أستند
وقال:
إن كنت تحتقر العتاب تكبراً ... فالفيل يعمل فيه قرصُ البرغش
وقال:
وما الشيء للمرء يحتاله ... ولكنه للفتى يرزقُه
وقال:
دعوت نداك من ظمئي إليه ... فعناني بقيعتك السراب
سرابٌ لاح يلمع في سباخٍ ... فلا ماءٌ لديه ولا شراب
وليس الليث من جوعٍ بغادٍ ... على جيفٍ تحيط بها كلاب
وقال:
مستحيل المعنى يصلى إلى الح ... شر ويخرى في جانب المحراب
أنصاف أبيات له وأبيات في الأمثال
قال: ورب كلام تستثار به الحربُ وقال: حتى متى ترقص في زورقي؟ وقال: خود تزف إلى ضرير مقعدِ وقال: أصبحت أخلقُ منك بالزبدِ وقال: تفور من نصف خوصةٍ قدري وقال: فقلتُ من يفسو على الكنيف وقال:
عجبت من الزمان وأي شيءٍ ... عجيبٍ لا أراه من الزمانِ
أتأخذ قوت جرذانٍ عجافٍ ... فتجعله لأوعالٍ سمانِ
وقال:
وقد غمزوا مع العيدان عودي ... ليختبروا الصحيح من المريب
فلان الخروع الخوار منا ... وبان تكرم النبع الصليب
وقال في بواب أعور حجبه عن رئيس:
سمعت فيمن مات أو من بقي ... بمقبلٍ بوابه أعورُ
واللوزة المرة يا سيدي ... يفسد في الطعم بها السكر
وقال:
ولي شفيعٌ إليك شرفني ... إيجابه لي وزاد في قدري
نبهت منه لحاجتي عمراً ... ولم أعول فيها على عمرو
يريد قول بشار:
إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمراً ثم نم
وللآخر:
المستجير بعمروٍ عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
وقال:
عذرتُ الأسد أن صليت بناري ... مخاطرةً فما بال الكلاب
وأزواج الحرائر لم يجابوا ... لدي فكيف أزواج القحاب؟
وقال - وقد قال له بعض الرؤساء: ما أشبهك في الإبرام إلا بابن أبي رافع:
ضربت في الإبرام يا سيدي ... لي مثلاً بابن أبي رافع
فقلت في ذلك: لا تعجبوا ... من متخمٍ يفسو على جائع
وقال:
إني بليت بأقوام مواعدهم ... تزيدني فوق ما ألقاه من محنِ
ومن يذق لسعة الأفعى وإن سلمت ... منها حشاشته يفزع من الرسن

(1/328)


الشكوى ووصف سوء الحال
قال في ابن العميد:
فداؤك نفس عبد أنت مولى ... له يرجوك يا خير الموالي
حديثي منذ عهدك بي طويلٌ ... فهل لك في الأحاديث الطوال
وجملة ما يعبره مقالي ... حصول استي على حر المقالي
وأني بين قومٍ ليس فيهم ... فتى ينهى إلى الملك اختلالي
فلحمي ليس تطبخه قدوري ... وحوتي ليس تقليه المقالي
ومائي قد خلت منه جبابي ... وخبزي قد خلت منه سلالي
وكيسي الفارغُ المطروح خلفي ... بعيدُ العهد بالقطع الحلال
أفكر في مقامي وهو صعبٌ ... وأصعب منه عن وطني ارتحالي
فبي مرضان مختلفان حالي ال ... عليلة منهما تمسي بحال
إذا عالجت هذا جف كبدي ... وإن عالجت ذاك ربا طحالي
وكان يكتب في حداثته لرئيس، فتأخر عنه، فكتب يسأله عن حاله في تأخره فكتب إليه:
سألت يا مولاي عن قصتي ... وما اقتضى بالرسم إخلالي
ليست بجسمي علةٌ تشتكي ... وإنما العلة في حالي
وذاك داءٌ لم تزل ضامناً ... من سقمه برئي وإبلالي
وقال:
خليلي قد اتسعت محنتي ... على وضاقت بها حيلتي
عذرت عذاري في شيبه ... وما لمت أن شمطت لمتي
إلى كم يخاسسني دائماً ... زماني المقبح في عشرتي
تحيفني ظالماً غاشماً ... وكدر بعد الصفا عيشتي
وكنتُ تماسكتُ فيما مضى ... فقد خانني الدهر في مسكتي
إلى منزلٍ لا يواري إذا ... تحصلت فيه سوى سوأتي
مقيماً أروح إلى منزلٍ ... كقبري وما حضرت ميتتي
إذا ما ألم صديقي به ... على رغبةٍ منه في زورتي
فرشت له فيه بسط الحدي ... ث من باب بيتي إلى صفتي
ومعدته من خلال الكلا ... م تشكو خواها إلى معدتي
وقد فت في عضدي ما بهِ ... ولكن عليه غلبت علتي
وأغدو غدواً ملياً بأن ... يزيد به الله في شقوتي
فأيةُ دارٍ تيممتها ... تتيم بوابها حجتي
مقداد: لحد هون تم التصحيح
وإن أنا زاحمتُ حتى أموت ... دخلتُ وقد خرجت مهجتي
فيرفعني الناس عند الوصول ... إليهم وقد سقطت عمتي
وإن نهضوا بعد للأنصرا ... ف أسرعت في إثرهم نهضتي
وإن قدموا خيلهم للركوب ... خرجت فقدمت لي ركبتي
وفي جمل الناس غلمانهم ... وليس سوائي في جملتي
ولا لي غلامٌ فأدعوا به ... سوى من أبوه أخو عمتي
ركنت مليحاً أروق العيو ... ن أيضاً فقد قبحت خلقتي
يعرق خدي جفاف الهزال ... وحاف الشناج على وجنتي
وقوسني الهم حتى انطويت ... فصرتُ كأني أبو جدتي
وكان المزينُ فيما مضى ... تكسرُ أمشاطه طرتي
وكنت برأسٍ كلون الغداف ... فقد صرت أصلع من فيشتي
ويا رب بيضاء رود الشبا ... ب كانت تحن إلى وصلتي
فصارت تصد إذا أبصرت ... مشيبي وتغضب من صلعتي
على أنني قلت يوماً لها ... وقد أمضت العزم في هجرتي
دعي عنك ما فوقه عمتي ... فإن جمالي ورا تكتي
هنالك أيرٌ يسرُّ العيون ... طويلٌ عريضٌ على دقتي
ومنها:
سوى أنّ قلبي قد ضرفت ... ه في شغله بالأسى عطلتي
وكانت بتكريت لي غلةٌ ... فغلت بأجمعها غلتي
أغاروا على سمسمي غارةً ... تعدت فأنضت إلى حنطتي
فلا أزال في نقمةٍ كل من ... أزال بحيلته نعمتي
وقال:
قد قنعنا فهات خبزا بلحمٍ ... أنا من شدة الخوى في السياقِ
فرجي أن أشم رائحة اللح ... م ولو كان من فسا مراقِ
وقال:
ما حال من يأوي إلى منزلٍ ... أرفقُ منهُ المسجد الجامعُ

(1/329)


لا يرتوي العطشان فيه، ولا ... يلحق ما يقتاته الجائع
وسوقه كاسدةٌ بينكم ... لا مشترٍ فيها ولا بائعُ
وقال:
أتعشى بغير خبزٍ، وهذا ... خبري منذ مدةٍ في غدائي
فأنا اليوم من ملائكة الدو ... لة وحدي أحيا بغير غذاء
أيةٌ لم تكن لموسى بن عمرا ... ن ولا غيره من الأنبياء
نبذ من لطائف نوادره في أنواع الكدية
قال:
هذا وأيام أكلي ... عند الملوك الكبارِ
ما كنت أفطر إلا ... على كبود القماري
مشويةٌ وقلايا ... فاليوم سنور داري
إذا أرادت تعشى ... تنعصت لي بقار
وقال بواسط، وقد باع ثيابه:
يا سادتي قول ميتٍ ... في مثل صورة حي
لم يبق في الخرج شيء ... أتأذنون بشيء؟
وقال، وقد تولى أقطاعاً وخرج إليها فوجدها خربة:
سيدي عبدك في الزيتِ ... فر من الموتِ إلى الموت
حال وأقطاعي خرابُ فقد ... فررت من بيتي إلى بيتي
وقال:
مالي أرى بيت ما لي حلهُ زحلُ ... وحسبه من بعيدٍ أن يرى زحلا
فما ترى لا رأيت السوء في رجلٍ ... قد شب تحت خطوب الدهر واكتهلا
وقال، وقد رأى كلاب عز الدولة يختيار تطعم لحوم الجدا:
رأيتُ كلاب مولانا وقوفاً ... ورابضةً على ظهر الطريق
فمن وردٍ له ذنبُ طويلٌ ... يعقفه وملهوبٌ خلوقي
تغذى بالجدا فوددت أني ... وحقّ اله خركوشٌ سلوقي
فيا مولاي رافقني بكلبٍ ... لآكل كل يومِ مع رفيقي
أرى القصاب قد أضى عدوي ... لشؤم البخت والملحي صديقي
فلو أني افتصدت لما وجدتم ... سوى الحلتيت داخل السليقي
جفاني اللحم وهو شقيق روحي ... فمن يعدي على ذاك الشقيق
كأن اللحم في صوم النصارى ... توهمني ابن عم الجاثليق
وأحسن ما رآه الناس لحمٌ ... جرايته تضاف إلى الدقيق
وله في مثل ذلك:
يا سيد الناس عشت في نعمٍ ... تأوي إليها ممالكُ العجمِ
بديهتي في الخصام حاضرها ... أشهر في الفيلقين من علم
والخط خجطي كما تراه ولا ال ... زهرة بين القرطاس والقلم
هذا وخبزي حافٍ بلا مرقٍ ... فكيف لو ذقت ثردة الدسم
ما لي وللحم إن شهوتهُ ... قد تركتني لحماً على وضم
وما لحلقي والخبز يجرحه ... بالملح يشكو حزونه اللقم
وله في مثل ذلك:
يا من رأى البدر حسن صورته ... فبان في البدر موضع الحسدِ
نحن سنانيرُ أهل دولتكم ... فأنصفونا من صاحب الغدد
والله لولاك لم تبت مرق الل ... حم تروي شحومه ثردي
ولم يحور لي الدقيق ولا ... كانت تحوز المسلقات يدي
وكتب لبعض الوزراء، وقد أراد عمارة مسناة داره:
خفي فما أنت بمعذوره ... ولا على نصحك مشكوره
أذاك كم يصدع قلبي به ... وإنما قلبي قاروره
في كل شيء أنت يا هذه ... مغمومةٌ بي غير مسروره
حتى مسناتي التي أصبحت ... هي خرابُ غير معموره
أيتها المرأة لا تقلقي ... من قبل أن تستعملي الصوره
لي سيد أضحت عنايته ... على مسناتي موفوره
ناهدته فيها على أنها ... تجعل بالصاروج كافوره
مني أنا لا شيء ومن سيدي ال ... آجر والصناع والنوره
وكتب إلى بعض الرؤساء يلتمس منه عماة:
يا من له معجزات جودٍ ... توجت عندي له الإمامه
مال ي إذا ما الشمال هبت ... قامت على رأسي القيامه
ودميت في القفا عيونٌ ... بالطول في موضع الحجامه

(1/330)


أظن هذا من أجل أني ... في البرد أمشي بلا عمامه
وقال لبختيار حين عاود الحضرة بعد هزيمة الأتراك والحجاج معه:
الحمد لله جاءت النعمُ ... وانصرفت مع مجيئها النقمُ
واطلع البدر بعد غيبته ... فانكشفت عن وجوهنا الظلم
فأي شيءٍ تريد تعمل بي ... فإنني منك لست أحتشم؟!
أريد مما أفتتحته عملاً ... يثرد في دغباجه اللقم
وقال لسهل بن بشر يعرض بطلب مركوب:
يا بان بشرٍ يا سيدي يا ابن بشر ... يا معيني على ملمات دهري
حلق الله ذقن من يتشنا ... ك وألقاه في غيابه حجر
أي شيءٍ تريد تعمل بي اليو ... م فهذا أنا وأنت وشعري؟!
أنا في واسطٍ أروح وأغدو ... بين مد من الظنون وجزر
تارةً يسنح الغنى لي فأرجو ... ه، وطوراً أرى دلائل فقري
راجلاً أعزباً فرجلي وأيري ... بين بطنٍ قد أعوزاني وظهر
غير أني أرى عميرة بالل ... يل يمشي بجلدها بعض أمري
وكعابي التي يرضضها المش ... ي من أحيلها ليت شعري
أنت تدري وحسب عبدك فميا ... يرتجي منك قولهُ أنت تدري
وكتب إلى ابن قرة يقتضي مركوباً وعد به وهو على جناح السفر:
يا سيدي دعوة ذي رحلةٍ ... مقتصرٍ في الجري مسبوقِ
والقوم قد صح بهم عزمهم ... وضربوا بالطبل والبوق
وضمروا للسير أفراسهم ... وفرسي الأشهب في زيقي
بل لي كميتٌ ما رئي مثله ... يا سيدي قط لمخلوق
كأنني في متنه راكبٌ ... داليةً في رأس زرنوق
ما في فضلٌ لا ولا فيه لي ... لأنني وهو على الريق
وقال يتنجز رداء شرب:
ويحك اسكت فضحتني يا راسي ... أنت بالضد من رؤوس الناس
أنت والله فارغ القحف إلا ... من كنوز الخباط والإفلاس
بسك اقطع ففي ضماني الرداء ال ... شرب الأميري عن أبي العباس
أبيض الغزل فيه خط سوادٍ ... مثل خط الرئيس في القرطاس
وقال يتنجز دراهم:
يا قمراً في تمامه طلعا ... هذا رسولي إليك قد رجعا
في غاية الحسن والدماثة وال ... نعمة والظرف والجمال معاً
عن طيب معناه في لطافته ... كأنه في الكنيف قد وقعا
وهو يحب الصرار يفتقها ... ويشتهي أن يجمش القطعا
فاحسم بختم القرطاس مقطعه ... وامنع يديه عليه أن تقعا
واردده من همةٍ بختمكهُ ... كأنه بالفلوس قد صفعا
وقال ينجز شعيراً لدابته:
كيتي اصهل واضرط فقال نعم ... بالسمع يا سيدي وبالطاعه
نعم ولكن أين الشعير ترى ... فقلت هو ذات بجيهم الساعه
قال فممّن فقلتُ من رجلٍ ... قد صار في الجود حاتم الباعه
وقال وقد بعثه إليه:
كان لي ابن المعدل ... بالقفيز المعدلِ
من شعيرٍ بلا ترا ... ب نقي مغربل
ما أرى مثله فلا ... نٌ قضيماً لدلدل
وقال يطلب خيشاً:
يا أحرص الناس على مبعرٍ ... يدق مستنجاه بالفيش
حتى متى تتركني في لظى ... حر حزيران بلا خيش
وقال يستعين بأبي قرة على تطهير ابنه:
يا سيدي دعوةُ من لم تزل ... تعديه بالجود على دهرهِ
إن لي ابناً أمس خلفتهُ ... في منزلي كالفرخ في وكره
يبكي إذا ما عن ذكري له ... وفي فؤادي النار من ذكره
والعزم بي قد جد يا سيدي ... في شهرنا الأدنى على طهره
قفوني إني ضعيفُ القوى ... على الذي أنوبه في أمره
فأنت سترُ الله في وجه من ... أصبح ذاك الطفل في ستره
وقال لبعض بني حمدان:

(1/331)


فتى يغير المدح في داره ... على صناديق وأكياس
ذقت ندى راحته مرةً ... فطعمه في جوف أضراسي
وقال لرجل دعاه إلى عرس ثم بداله:
يا وقح الوجه جيد الحدقه ... خست بوعدي وكنت غير ثقه
أين نصيبي من الطعام وما ... طمعت في لعقةٍ من المرقه
أشفقت مني وكان يقنعني ... عندك ما ليس يوجب الشفقه
قطعة لحم في وزن خردلةٍ ... على رغيفٍ كأنه ورقه
وقال يطالب مشروباً:
يا سيدي عشت لي وبعدي ... أرضُ نعليك صحن خدي
عندك يا سيدي نبيذٌ ... وليس لي منه رطل دردي
تروي وأظمأ وذاك بني ال ... أحرار ضربُ من التعدي
وقد تناهى أمري إلى أن ... بكرت من منزلي أكدي
وقال في مثل ذلك:
أبا الحسين الزمان ذو دولٍ ... أسبابها عند علة العللِ
والعيش كالصاب في مرارته ... طوراً، وطوراً أحلى من العسلِ
ودار هذي الحياة مذ بنيت ... لم تخل من ساكن ومنتقلِ
والناس في طيبهم ونتنهم ... ضدان مثل التفاح والبصل
وهم مليحٌ وأخر وحشٌ ... ما بين رامشةٍ إلى جعل
فوجه هذا للسيف وحشته ... ووجه ذاك المليح للقبل
وليس هذا وقت الخطاب على ... جرايةٍ تقتضي ولا عمل
الوقت وقت الأركال تعملها ... ما بين ثاني الثقيل والرمل
وقحبةٍ تبلع القضيب ولا ... تعجبها غيره من الحمل
فابعث بقصيةٍ تحدثنا ... عن حرب صفين أو عن الجمل
غزيرة الورد إن بي ظمأ ... لا يرتوي من صبابة الوشل
ولا تجادل أخاك معتذراً ... فلست ممن يقول بالجدل
وقال في مثل ذلك:
يا ندمي قد خلوت بحر ... ليس منه ثقلٌ على ملكيهِ
اسقنيها وحدي سروراً ببدرٍ ... يعلم الله كيف شوقي إليه
يا ابن يحيى الذي أموت وأحيا ... في موالاته وبين يديه
منك هذا النبيذ والخبز واللح ... م الذي يشرب النبيذ عليه
وقال في مثل ذلك:
استمع شرح قصةٍ أنا منها ... بين وصلٍ ممن أحبُ وهجر
لي وعدٌ على غزالٍ غريرٍ ... ينجو الوعد كل غرةِ شهر
ومغن يحبط بالحال علماً ... فهو يأتي ولا يقول بحذر
وعليك انتهاء سكرهما اليو ... م إلى غاية المراد وسكري
فأرحني من الهموم براحٍ ... تصدر الهم عن موارد صدري
وابق حياً يضاف قسطٌ إلى عم ... رك طول الحياة من كل عمر
ما أخرج من خمرياته وما ينضاف إليها
قال:
وليس العيش إلا شرب راحٍ ... إلي بشربها الساقي يشيرُ
وكأسٍ يعدل الساقون فيها ... ولكن حكم سورتها يجورُ
وشدو صغيرةٍ كالخشف يحدي ... بصوتِ غنائها الرطل الكبير
ومن أخرى:
أسقني بالكبار إما بطاسٍ ... أو بكأسٍ محرورةٍ أو بجام
لا تكلني إلى الصغار التي تح ... كي قوارير جونة الحجام
وتقلد ديوان عشرتي اليو ... م بلا مشرفٍ وغير زمام
ومن أخرى:
الشرب لا الحرب عادتي ومعي ... ستة رهطٍ حندٌ صناديدُ
الدنٌ والرطل والمشمة والن ... قل وطبلُ التكريع والعودُ
ومن أخرى:
سيدي ما أظنه ... بعد يدري بما جرى
ما درى أن عبده ... فلسه قد تقشرا
عند قومٍ معروفهم ... في قد صار منكرا
كنتُ كالمسك مرةً ... بالدنانير أشتري
فأنا اليوم بعد ما ... صرت شيخاً كما ترى
عبدُ من عنده نبي ... ذٌ إذا كان أحمرا
خمرةٌ دنُّها يض ... من مسكاً وعنبرا
كم فمٍ ذاقها قطا ... ب وقد كان أبخرا

(1/332)


وغلامٍ بكأسها ... راح يسعى وبكرا
هو فينا بريحها ... عبق قد تعطرا
ظل يفسو وعندنا ... أنه قد تبخرا
ومن أخرى:
أيلول والعيد واعتدال ال ... هواء في الليل والنهارِ
وشهر شوال في تكافي ... ساعات أيامه القصار
أربعةٌ تقتضيك دين ال ... سماع واللهو والعقار
فاشرب لها بالكبير إن ال ... كبير للسادة الكبار
ومن أخرى:
والكأسُ تسلبني عقلي، وأهون ما ... لهوتُ عن ذكره عقلي إذا سلبا
حمراء يمسي يناني وهو فوق يدي ... منها بمثل شعاع الشمس مختضبا
ابتعتها غير مغبونٍ ولو طالبت الخ ... مار روحي أعطيت ما طلبا
وأربح الناس عندي في تجارته ... محصلٌ يشتري بالفضة الذهبا
ومن أخرى:
يا صاحبي استيقظا من رقدةٍ ... تزري عقل اللبيب الأكيسِ
هذي المجرة والنجوم كأنها ... نهرٌ تدفق في حديقة نرجس
وأرى الصبا قد غسلت بنسيمها ... فعلام شربي الراح غير مغلس
قوما اسقياني قهوةً روميةً ... مذ عهد قيصر دنها لم يُمس
صرفاً تضيف إذا تسلط حكمها ... موتُ العقول إلى حياة الأنفس
ومن أخرى:
من شروط الصبوح في المهرجان ... خفةُ الشغل مع خلو المكانِ
وحضور الطعام قبل طلوع الش ... مس مذ أمس بارد الألوان
والعروس التي تزف إلى الأر ... طال في ثوب صبغها الأرجواني
رسموا طين دنها وهو رطبٌ ... باسم كسرى كسرى أنو شروان
وترى سوسن الكؤوس عليها ... كسوةً من شقائق النعمان
ثم خفق الطبول بين الأغاني ... واصطكاك الأوتار في العيدان
والسماع الذي يمل على الأس ... ماع ما تشتهي بلا ترجمان
كل صوتٍ من اقتراحات إسحا ... ق التي زينت كتاب الأغاني
لا أعد الصبوح إلا غب وقاً ... إن جعلت الصبوح بعد الأذان
يا خليلي قد عطشت وفي الخم ... رة ري للحائم العطشان
فاسقياني محض التي نطق الوح ... ي بتحريمهما من القرآن
والتي ليس للتأول فهيا ... مذهبٌ غير طاعة الشيطان
واعدلال بي عن التي هدت النا ... ر قواها وحنقت بالدخان
إنني خشية من النار أخشى ... كل شيءٍ يُمس بالنيران
لا تخافا علي دقة كشحي ... لا تكال الرجال بالقفزان
فاسقياني بين الدنان إلى أن ... ترياني كبعض تلك الدنان
مقعداً بعد خفتي في نهوضي ... أخرساً بعد كثرة الهذيان
سكرةٌ بعد كسرةٍ تثبت اسمي ... في المفاليج أو مع العميان
اسقياني في المهرجان ولو كا ... ن لخمس بقين من رمضان
أسقياني فقد رأيت بعيني ... في قرار الجحيم أين مكاني
أنا حودابة وذهني صديدٌ ... تحت خصي فرعون أو هامان
كل شيءٍ قدمته لي فيه ... رأس مالٍ يأوي إلى الخسران
غير حبي أله الحواميم والحش ... ر وطه وسورة الرحمن
خمسةٌ حبهم إذا اشتدى خوفي ... ثقتي عند خالقي وأماني
قد تيقنت أنهم ينقلوني ... من يدي مالكٍ إلى رضوان
بهمُ قد أمنت خوف معادي ... وبهذا الوزير خوف زماني
يا أبا طاهرٍ ولولاك ما كا ... ن لبدر المساء في الأرض ثاني
لك يا سيدي دعا الفطر والأض ... حى ويوم النيروز والمهرجان
ومن أخرى في بختيار يهنئه بالأضحى:
قد صخب البم مع الزير ... فقم قليلاً غير مأمور
قم هاتها أصفى إذا رقرقت ... في الكاس من دمعةٍ مهجور

(1/333)


من يدٍ عذراء لها وجنةٌ ... تحار فيها أعينُ الحور
تحدثت فانتثر الدر من ... مشمةِ النرجس والخيري
وعنبرت أنفاسها نكهةً ... تبسم عن نفحة كافور
الليل والعشر يقولان لي ... مذ أمس قولاً غير مستور
أمسلمٌ قلت نعم ظاهري ... وباطني في الخمر نسطوري
من أجل هذا أنا مذ جئتما ... ما بين سكرانٍ ومخمور
فاسعد بيوم العيد واجلس له ... في خلوةٍ جلسة مسرور
وضح فيه بالدنان التي ... تخر بين البم والزير
من كل دن دم أوداجه ... أحل من لحم الخنازير
واستحضر العود ووجه به ... حتى نصلي بالطنابير
الركعة الأولى سريجية ... وركعة التسليم ماخوري
وهي صلاة العيد لا يستوي ... تجوزي فيها وتقصيري
والله لو كنت لها حاضراً ... لحير العالم تكبيري
فاشرب على ملكٍ تمليته ... موشحٍ بالعز منصور
في قدحٍ أزرق أو ساذجٍ ... أبيض مثل الثلج بلور
واستجل مع ذاك وذا أوجهاً ... صبيحةً مثل الدنانير
كأنما عينك ما بينهم ... تدور في زهرة منثور
ومن أخرى في أبي الفتح بن العميد، وكان قد هجر النبيذ بعد القبض على بختيار. وكان ابن بقية الوزير قد شرب وابن الحجاج إذ ذاك يتولى الحسبة ببغداد:
حقي على الأستاذ قد وجبا ... فإيه قد أصبحت منتسبا
مولاي ترك الشرب ينكره ... من كان في بغداد محتسبا
إن كان من غم الأمير فلم ... وزيره بالأمس قد شربا
إن الملوك إذا هم اقتتلوا ... أصبحتُ فيهم كلبَ من غلبا
فلذاك أسكر غير مكترثٍ ... وألف مع خيشومي الذنبا
يا سادتي قد جاءنا رجبٌ ... فتفضلوا واستقبلوا رجبا
بمدامةٍ لولا أبوتها ... ما كنت قط أشرفُ العنبا
حمراء مثل النار موقدةٍ ... لم تلق لا ناراً ولا حطبا
من قال إن المسك يشببها ... ريحاً فلا والله ما كذبا
ومن أخرى في بعض الوزراء:
فُديت بي يا سيدي وحدي ... وعشت ألفي سنة بعدي
قد رحل النرجس فاشرب على ... محاسن المنثور والورد
من لي بها عندك مشمولةً ... قد أصبحت معدومةً عندي
يمزجها لي رشا أغيدٌ ... بريقةٍ أحلى من الشهد
نهاية الحر مجس استه ... وريقه في غاية البرد
جنى من البستان لي وردة ... أحسن من إنجازه وعدي
وقال والوردة في كفه ... مع قدحٍ أذكى من الند
اشرب هنيئاً لك يا عاشقي ... ريقي من كفي على خدي
ومن أخرى:
يا من حقوق النيروز تلزمهُ ... رسمك يوم النيروز مشهورُ
فاسكر من الليل واصطبح سحراً ... غداً تراني وأنت مخمور
واستنطق الزير إنني رجلٌ ... يعجبني ما يقوله الزير
ومن أخرى:
قم فاسقني الراح أو تراني ... مبلبلُ العقل واللسانِ
إذا تكلمت لم يُفسر ... قولي إلا بترجمان
وله يهنئ نصرانياً بفصحه:
أوجع دماغاً القرع بالسلقِِ ... اليوم يوم القطع والبلقِ
اليوم يوم الراح يا سيدي ... فاشرب من الراح كما تسقي
كل سيدي واشرب ونك إنما ال ... حياة بين الشرب والفسق
افطر من الصوم على فقحةٍ ... زبدتها في طرف الزق
وابق سليماً ودع الموت لا ... ينجو على الخلق ولا يبقي
ما أخرج من خرافاته في مجونه ومفاحشاته
قال:
سرى متعرضاً طيف الخيال ... فسوف لا محالة بالمحال

(1/334)


ولكني انتهبت فكأني حزني ... على ما فاتني أسوأ لحالي
وما خلق النساء البظر إلا ... وبالاً حيث كان على الرجال
عزيزي في الزنا من كل تيسٍ ... عتيقٍ قد تمرد في الضلال
يحسن لي الحلال فنحن طول ال ... نهار اجتمعنا في جدال
وليس سوى الزنا همي ورأيي ... فبيكار الخصى نيك العيال
وفي النيك الحرام خزعبلاتٌ ... قليلاً ما تراها في الحلال
وسرمٌ مر مجتازاً بأيري ... كما صلى العشا والدرب خالي
فقال له إلى كم تزدريني ... وتكشف بالقبيح إلي بالي
ولم تختار الحر دوني ... وتكرهني وتعرض عن وصالي
ألم تر أن شكل البدر شكلي ... وأن الحر معكوس الهلالِ
تأمل تكتي فوقي وأين ال ... وهاد من الروابي والتلال
فنكس رأسه أيري طويلاً ... وفكر في الجواب عن السؤال
وفكر ثم قال له إذا لم ... توفق للصواب فما احتيالي
أبا الدراق ما للحر ذنبُ ... إذا فكرت في عذري ولالي
ولكني رأيت الحر فينا ... يسام الخسف حالاً بعد حال
فيقطع أنفه طفلاً وينشو ... كبيراً وهو منتوف السبال
ويلكم سدقه في كل وقتٍ ... بغير خصومةٍ وبلا قتال
وأنت فسيء الأخلاق جداً ... كما تدري قليلُ الإحتمال
بأول خاطرٍ من غير فكرٍ ... تشرس من لقيت ولا تبالي
ومدخلةٍ لها ردفُ سمينٌ ... وخصرٌ كالهلال من الهزال
يؤذن في استها أيري أذان الض ... حى ويقيم في وقت الزوال
وتعصب ريح عصعصها شمالاً ... وهل ريح أرق من الشمالي
وقد بادلتها فمبالها لي ... بمشورة استها ولها قذالي
كما لابن العميد جميع شكري ... ودنيا ابن العميد جميعها لي
ومن أخرى:
حميةُ السرم ولكنها ال ... بظراء شيرازية المفرق
قالت لأيري بعد ما صب في ... دواتها أكثر من دورق
أوحشت عش استي فقل لي متى ... تؤنسه يا عنق اللقلق
فقال هيهات وهل يرجع الل ... ص إذا فر من المطبق
ومن أخرى في حسبته:
يا معشر الناس اسمعوا دعوةً ... دخالةً بالنصح خراجه
من منكمُ طار على حسبتي ... قطعت بالدرة أوداجه
لأنه أقرن ليست له ... بعدي في زوجته حاجه
كأن أيري في آستها زمجٌ ... يطلب بين الشوك دراجه
ومن أخرى:
جاريةٌ أرض نبات استها ... رقيقةُ التربة خواره
تسبح في جانب مفساتها ... عين خرا بالعرض خراره
كأن لي منها على عاتقي ... كراع شاة فوق قناره
ومن أخرى:
وقينةٍ كلُّ من يعاشرها ... مغتبطُ بالسماع مسرورً
مبرودة الريق بعد هجعتها ... وجوفها في الفراش محرور
كأن تنورها الشديد حتى ... بقرب عهد الشباب مسجور
تشم رحي استها الزناة كما ... تشم ريح اللحم السنانير
فجوفها قربةٌ وفي حرها ... خندق بول وبظرها سور
ومن أخرى:
ولم أزل وهي إلى جانبي ... كظبيةٍ عفراء وحشيه
أنب مثل التيس فوق استها ... وهي بحال النيك تيسيه
ومن أخرى:
صمدت لها وجنح الليل داجٍ ... بأخطف للطريدة من عقابِ
وأولع بالمباعر من قرادٍ ... وأوقع في المقاذر من ذباب
ومن أخرى:
فتاةُ ما عرفنا قط منها ... بحمد الله إلا كل خير
فما تهوى سوى أيار شهرا ... وليس إمامها غير الزبير
ومن أخرى:
قالوا رأيناك بما فيك من ... هشاشة الفطنة والكيس

(1/335)


تحبو إلى باب أستها مثل ما ... يحبو ابن عامين إلى الديس
فأي شيءٍ كان قلت الذي ... يكون بني العنز والتيس
وقال:
يا سادتي ما استرق ديني ... شيء كمثل الحر السمينِ
لما أراه يزول عقلي ... عني ويعتادني جنوني
وأشتهي أن أغوص فيه ... من مشط رجلي إلى جبيني
وكلما شلتُ منه رأسي ... رزقت قوما يغوصوني
أغيب شهراً فلا تراني ... العيون والناس يطلبوني
حتى إذا كان بعد شهرٍ ... دل على موضعي أنيني
فديته كالعروس يجلى ... في دست وردٍ وياسمين
جبينه الصلت من حديدٍ ... وشدقه الرخو من عجين
وخير ما يقتنيه أيري ... صلابةٌ بُطنت بلين
وله:
يا صاح فاشرب واسقني ... من الشراب العكبري
مع أمردٍ عصعصهُ ... بجيد بلع الكمر
أو قينةٍ طنورها ال ... محفوف صلب الوتر
حوريةٌ قد شربت ... بالرطل ماء الكوثر
من الجنان وجهها ... وسرمها من سقر
لها حر كأنه ... وجه غلام خزري
ذو شعرةٍ أطرافها ... شبه رؤوس الأير
أصيح في نيكي لها ... تقدمي تأخري
أحسنت لي هم، هكذا ... مدي وشدي واعصري
العيش ما أطيب ذا ... يا مهجتي يا بصري
لمثل ذا الوقت انتفي ... أو احلقي أو نوري
ومن أخرى:
صبيةٌ بظرها بجنبي ... يبيت مثل الصبي المخضب
مفعول باب استها بأيري ال ... فاعل فوق الفراش ينصب
وسرمها كان أمس غراً ... لم يتفقه ولا تأدب
فاليوم قد صار منذُ قاسى ... أمور أهل الزنا وجرب
إذا رأى الأير من بعيدٍ ... بوق في وجهه ودبدب
ومن أخرى:
تبول من شدق مهزول به عجفٌ ... وقد تفقا عليه بظرها سمنا
ترغي وتزيد شدقاه إذا اختلفا ... كأنه شدق مفلوج حسى لبنا
ومن أخرى:
ذات حم يسقي الفراغات صرفاً ... من عصير الخصي بغير مزاج
بات دكشاب فيشتي في خراها ... يخلط الدوغباج بالزيرباج
وقال:
لو أن سرماً كان في ... يديه ملكُ اليمن
لكان أولى منه بي ... قطعةُ بطرٍ عفن
وقال:
عمرك الله يا ابن عمروٍ ... عمر ثلاثين ألف نسر
وجهك عند الصباح شمسي ... وأنت عند المساء بدري
مولاي ذا اليوم يوم سعدٍ ... أشرف عندي من ألف شهر
نذر فيه إذا التقينا ... سكراً إلى الليل بعد سكر
مع قينةٍ لا تريد غيري ... فهي تجيني بغير حذر
أيري على أنه طويلُ ... أقصر من بظرها بشبر
لصوف شعر استها مدادٌ ... يعجنه بولها بحبر
فأي شيءٍ تقول هو ذا ... أقوم حتى أفي بنذري
وقال:
ضرطت ونحن بعكبرا ... فتشوشت سفن الغروبِ
وفست على ريح الشما ... ل فألحقتها بالجنوبِ
ومسحتُ مبقلةً استها ... فوجدتها ألفي جريب
جاءت إلي وجوفها ... يغلي ولا قدرُ الزبيب
فسلقت بيضي في آستها ... وشويت في حرها عسيبي
ومن أخرى:
وكم حديثٍ كأنه سمرٌ ... قد مر لي في الزنا مع السمر
وافرة الردف فهو يثقلها ... لطيفةُ الكشح نضوة الخصر
طعم خراها مع طعم فيشلتي ... يشبه طعم اللبا مع التمر
لو لم أشبب بشعر عانتها ... ما طاب للناس كلهم شعري
قيل لأيري وقد رأوه ولا الهار ... ب بعد الحصول في الأسر
يشتد بعد العشا إلى حرها ... عدواً بال حشمةٍ ولا فكر

(1/336)


ما لك هو ذا تطير قال لهم ... أطير مستعجلاً إلى وكري
ولي خصى لو خرجت أعرضه اش ... تراه مني بروحه دري
إيري عليه كأنه وتدٌ ... قد علقت فيه دبة البزر
ومن أخرى:
يا ويحكم واللحم يعر ... ض والبزاة على الكنادر
قوموا بنا نحشو البظو ... ر بفيشنا حشو المساور
نبدأ بكراعاتهم ... ونعود نعثر بالزوامر
ثم الحوافظ إنه ... ن عجائزٌ سوطٌ عواهر
أحراحهم بيض العنا ... فق واللحى سود المباعر
كشيوخ أصحاب الحدي ... ث إذا تمشوا بالمحابر
ومن أخرى:
أنا ابن حجاج إليه أبي ... ينمي وقلبي من بني عذره
لم يخل جسمي في الهوى من ضنى ... قط ولا عيني من عبره
حبائبٌ مثل حصى عكبرا ... والرقبا مثل نوى البصره
حامضة البول ولكن لها ... مستنعظٌ أحلى من التمره
لها حر درته جرةٌ ... مبعرٌ روثته صخره
فما تلاحظنا سوى مرةٍ ... حتى أتى الشيخ أبو مره
نبذ من ملحه القصار من أخباره
كان قد دعا مغنية، فلما دارت الكؤوس تساكرت عليه وتناومت وهو جالس، فقال:
غطتِ البظراء لما ... عاينت مفتاح ديري
ورجت مني خيراً ... قلت لا ترجين خيري
اقعدي عندي وهذا ... فافعليه عند غيري
أنت في دعوة أذني ... لست في دعوة أيري
وحصلت عنده مغنية كان يتعاشق لها. ونام ابن حجاج، فتفرقع ظهره فغضبت وانصرفت، فقال:
قد غضبت ستي وقد أنكرت ... قرقعةً تظهر في ظهري
وليس لي ذنب ولكنني ... أضرط بالليل ولا أدري
فليت شعري وهو غضبانةٌ ... من حجرها أضرط أم حجري
وأنا أستظرف كنايته بالفرقعة عن الضراط.
ودعا مغنية، فخلا بها، فهجمت عليه صديقه له، فتضاربتا وتجارحتا وطال بينهما الشر. فقال:
رحم الله من أتاني بموسى ... فتقصى بحده جب أيري
كل يوم أغضي له عن جنايا ... تٍ كأن الحديث فيها لغيري
ولعمري كم في صباحٍ بشرٍ ... كان لولاه قد جرى لي بخير
ووردت عليه رقعة صديقين له يدعوانه للشرب وابنه قد جدر وملح فكتب إليهما:
يا سيدي النبيذ موجود ... وبابُ شرب النبيذ مسدودُ
قد ملُح ابني فيكف يشربُ من ... أمسى ولحم ابنه تمكسود
وعرض له صداع، فانفرد إخوانه بالشرب مع مغنية كان قد اشترطها، كتب إليهم:
حصلت أنا الشقي على الصداع ... وأنتم بالتمتع والسماع
خلوتم بالتي قلبي إليها ... شديدُ الشوق مشهور النزاع
فتاةٌ أصبح الإجماع فيها ... يقر بأنها شرط الجماعِ
وحصل مع رجل يكنى أبا ا لحسين في دار رجل بخيل، فالتمس أبو الحسين العشاء بعد الغداء، فقال ابن حجاج:
يا سيدي يا أبا الحسين ... أنت رفيعُ بنقطتين
يا كلب الضرس ما يدوي ... ضرسك إلا بكلبتين
ويلك قل لي جننت حتى ... نلتمس الخبز مرتين
في دار من خبزه عليه ... ألف رقيبٍ بألف عين
وحضر في دعوة، وأخر الطعام، فقال:
يا صابَ البيت الذي ... أضيافه ماتوا جميعاً
حصلتنا حتى نمو ... ت بدائنا عطشاً وجوعاً
مالي أرى فلك الرغي ... ف لديك مشترفاً رفيعاً
كالبدر لا نرجو إلى ... وقت المساء له طلوعاً
ونظر إليه يذهب ويجيء في داره، فقال:
يا ذاهباً في داره جائياً ... بغير معنى وبلا فائدة
قد جُن أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائده
وكان بعض أصحاب الدواوين يطالبه بحساب ناحية وليها، فكتب إليه:
أيا من وجهه قمرٌ منيرُ ... يضيء لنا وراحته السحابُ
إذا حضر الحساب أعدت ذكري ... وتنساني إذا حضر الشراب

(1/337)


أجبني بالقناني والمثاني ... ووجهك إنه نعم الجواب
وكلني في الحساب إلى إله ... يسامحني إذا وضع الحسابُ
وركب إلى بعض الرؤساء يهنئه بعيد النحر، فلم يصادفه، فكتب إليه:
أيا من وجهه كالشمس توفي ... فيحمق نورهُ بدرٌ التمام
لعيد النحر أيامٌ قصارٌ ... تلم بنا اجتيازاً كل عامِ
أمرنا كلّنا بالنيك فيها ... وأكل الطيبات وبالمدام
فقيل لنا اشربوا وكلوا ونيكوا ... حلالاً أو على وجه الحرام
وما قيل اقطعوها بالتهاني ... وتكرار التحايا والسلام
فيا طوبى لمن صلوا قعوداً ... وناكوا في الكواشل من قيام
وقد بكرتُ أمس على كميتٍ ... يقصر خطوه طول المقام
جريح الجنب من ضغط الحزام ... قريحِ الفك من مضغ اللجام
فإن أنا لم أعد فالله أولى ... بعذري ثم أنت بلا كلام
ووردت رقعة رجل على بعض الرؤساء وهو جالس يعرض عليه جارية رباها ويصف حسنها. فأمره بالإجابة فقال:
يا ذا الذي جاء بحر له ... في السر يهديه إلى أيري
علي شغل بالمهم الذي ... تراه فاطلب نايكاً غيري
وكان له صديق ولذلك الصديق ابن يكنى أبا جعفر، وكان مستهتراً بالقحاب فسأله أن يعاتبه ويشير عليه بالتزوج، فقال:
إياك والعفة إياكا ... إياك أن تفسد معناكا
أنت بخيرٍ يا أبا جعفرٍ ... ما دمت صلب الأير نياكاً
فنك ولو أمك واصفع ولو ... أباك إن لامك في ذاكا
وكان الوزير أبو الفضل والوزير أبو الفرج قد خلوا في الديوان لعقوبة أصحاب المهلبي عقب موته، وأمرا أن تلوث ثياب الناس بالنفط إن قربوا من الباب، وقد كان المهلبي فعل مثل هذا، فحضر ابن الحجاج فحجب وخاف النفط فانصرف فقال:
الصفح بالنفط في الثياب ... ما لم يكن قط في حسابي
ليس يقوم الوصول عندي ... مقام خيطين من ثيابي
يا رب من كان سن هذا ... فزده ضعفاً من العذاب
في قعر حمراء ليس فيها ... غير بني البظر والقحاب
تفعل في لحمه المهري ... ما يفعل الجمر بالكباب
فالقرد عندي جيل عمن ... يسن هذا على الكلاب
ووردت عليه رقعة خصم له بما يسوءه فكتب على ظهرها أبياتاً منها:
إني جعلت إجابتي في ظهرها ... عمداً ليمكن فضها في المجلس
كانت كنيفاً فائضاً يجل عمن ... يسن هذا على الكلاب
ووردت عليه رقعة له بما يسوءه فكتب على ظهرها أبياتاً منها:
إني جعلت أجابتي في ظهرها ... عمداً ليمكن فضها في المجلس
كانت كنيفاً فائضاً فزرعت في ... ظهر الكنيف حديقة من نرجس
وكان ابن شيراز قد صار السبع فقتله، ثم عاد لمثله، فكتب إليه ابن حجاج:
يا من إلى مجده انقطاعي ... ومن به أخصبت رباعي
قد زاد خوفي عليك جداً ... وعظم الأمر في ارتياعي
في كل يوم سبعٌ جديدٌ ... ينفر من ذكره استماعي
تغدو إليه بلا احتشامٍ ... ولا انقباضٍ ولا امتناع
وليس قتل السباع مما يدرك بالختل والخداع
فلا تطر بعدها لسبعٍ ... مراسه غير مستطاع
إن صراع السباع عندي ... حاشاك ضربٌ من الصداع
أعدل إلى الكأس والندامى ... والأكل والشرب والسماع
وأمردٍ جامع لشرط ال ... عناق والبوس والجماع
بلى أجع لي السباع واطرح ... خصمي في بركة السباع
فإن عيشي في أن أراه ... بين سباع الربى الجياع
وكان سأل بعض الرؤساء أن يتكلم في أمر كان له فوعده ثم أمسك وسكت فقال:
يا صنماً يعبده شعري ... بلا ثوابٍ وبلا أجر
إن لم تكن دباً فخاطبهم ... بلفظة تسمع في أمري

(1/338)


انطق بنفسٍ قبل أن يحسبوا ... أنك من طين وآجر
وقال وقد عرضت له علة صعبة، ثم صلح بعد اليأس، فكتب إلى بختيار:
يا سيدي عشت في نعيمٍ ... حلو الجنى دائم امسره
عبدك يشكو إليك حمى ... قد سبكته الصفراء نقره
حمى لتنورها وقودٌ ... يزيد في اليوم ألف سجره
قد حفرت تربةً لصيدي ... فكدت منها أصير صبره
علة سوءٍ كانت تريني ... نفسي فوق الفراش حسره
طالعني الموت من زوايا ... برسامها ألف ألف مره
قد نصب الفخ لي ولكن ... أفلت من فخه بشعره
وقوله:
يا سيدي دعوةُ من قلبهٌ ... من خوفِ ما مر به يخفقُ
قد نصب الفخ لصيدي أبو ... يحيى ولكن أفلت العقعق
وقلده الوزير ناحية، فخرج إليها يوم الخميس، وتبعه كتاب الصرف يوم الأحد، فقال:
يا من إذا نظر الهلا ... ل إلى محاسنه سجد
وإذا رأته الشمس كا ... دت أن تموت من الحسد
يوم الخميس بعثتني ... وصرفتني يوم الأحد
والناس قد غنموا علي ... كما رجعت إلى البلد
ما قام عمرو في الولا ... ية ساعةً حتى قعد
وقال في مثل ذلك:
يا مالك الصدر ما خلوت من ال ... إيراد ما عشت فيه والصدر
قلدتني ليلةً وباكرني ... كتاب صرفي المشوم في السحر
فقد بختي فكيف درت به ... دور لي جانب استه وخري
وقال، وقد حجبه بواب لبعض الرؤساء مرات فكتب إليه:
قولاً لمن إحسانه لم يزل ... شفاء علاتي وأوصابي
بي علةٌ تقطع أسبابها ... من راحة الصحة أسبابي
أخفيت ما بي اليوم منها فما ... تطلع الناس على ما بي
وليس يشفيني سوى نهشةٍ ... من قطعةٍ من كبد بواب
تبيت فيها وهي مشبوبة ... بالنار أضراسي وأنيابي
فامنن بأن تذبح لي واحداً ... بالنعل في دوارة الباب
فنقطةٌ من دم أوداجه ... أنفع لي من رطل جلاب
ملح من نوادره في ذكر الصفع
قال:
يا سخن العين التي لم تزل ... تعيش في الناس بلا عقلِ
إن لم تزن نفسك مستأنفاً ... والخوف بين القول والفعل
حل بيافوخك مني الذي ... يحل يوم العيد بالطبل
لا تجهل اليوم على من له ... معرفةٌ بالعقل والجهل
فتى وإن زلت به نعلهُ ... أصفع خلق الله بالنعل
وقال:
هاربٌ مني وقد خاف العمى ... بقفا للنعل بادي المقتل
وبكفي شمشكٌ منتعلٌ ... والقفا حبر الشمشك المنعل
وقال:
في البيت لي درة يحدث عن ... أفعالها الموغلون في الشارع
تأكل لحم القفا السمين كما ... يأكل رز البهطة الجائع
وقال:
رب مستصفعٍ نسخت بنعلي ... بين أجفانه شروط القوافي
كل نهب الطلى مباح حتى الرأ ... س حريب الآذان والأكتاف
فاتق الله في غطاريف أذني ... ك وأعصاب أخدعيك الضعاف
وقال:
يقل لابن حسنون وما زال من ... تعجرفٍ يصغو ويستعفي
أما ترى رخ يدي جائلاً ... وشاه أذنيك على الكشف
وقال:
وقد وقع المنع والحجاب معاً ... فكل من رام بابكم صفعا
وافيته طامعاً لأدخله ... ولم أكن قط أحمد الطمعا
فواثبوني جهلاً بمرتبتي ... في تحيث أشكو الصداع والصلعا
لا تطلبوا بعدها مواصلتي ... فإن حبل الوصال قد قطعا
وقال وقد صرف عن عمل كان إليه:
قال وأجفان مقلتيه تكف ... وجسمه ظاهر السقام دنف
أعمالنا هذه التي كثر ال ... إرجاف فيها بنا فليس تقف

(1/339)


قد صرفونا عنها فقلت لهم ... نعم وصادف عين واو نون ألف
وقال:
قلت وقد جاء حر شاذا ... لأي معنى قد جاء هذا
قالوا لصفع العباد حتى ... يجعل أقفاءهم جذاذاً
فقمت وابناي يتبعاني ... ننسل من بينهم لواذا
نبذ من ذكر سرقاته
من ذلك قوله:
شيخٌ فتى والشباب أكثرهم ... قد علم الله غير فتيان
من قول كثير:
يا عز هل لك في شيخٍ فتى أبداً ... وقد يكون شبابٌ غير فتيان
وقوله:
وأولاد الحرائ لم يجابوا ... لدي فكيف أولاد القحابِ
من قول دعبل:
إني لأهجو من يجود بما له ... أتظنني أدع اللئيم الواضعا
وقوله:
على أني أظنك سوف تنجو ... بعرضك من يدي منجى الذئابِ
من قول أبي الزيات:
نجا بك لؤمك منجى الذئاب ... حمته مقاذره أن ينالا
وقوله:
وأحسن ما رأينا قط راحا ... إذا كانت مطية كأس راحِ
من قول أبي تمام:
راحٌ إذا الراح كن مطيها ... كانت مطايا الشوق في الاحتشاء
وقوله:
سترتُ بظله من ريب دهري ... فعز على النوائب أن تراني
من قول أبي نواس:
تسترت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني
وقوله:
أمشي بقلبي، لا برجلي، إنما ... تمشي بحسب هوى القلوب الأرجلُ
من قول اللجلاج:
وما زرتكم عمدا
ولكن ذا الهوى ... إلى حيث يهوى القلب تهوي به الرجلُ
وقوله:
وخمارٍ أعد الكأس ظئراً ... لطارقه فلم يرضعه غيلا
أوفيهِ خلاص التبر وزناً ... فيسبكه ويعطينيه كيلاً
من قول ابن المعتز:
وخمارةٍ من بنات المجوس ... ترى الزق في بيتها شائلاً
وزناً لها ذهباً جامداً ... فكالت لنا ذهباً سائلاً
وقوله:
فتاةٌ كالمهاة تروق عيني ... مشاهدها وتفتنُ من رآها
تكاد ترد للمجبوب أيراً ... وتحدث للفتى العنين باها
من قول جحظة:
لو مر بالأعمى لأبص ... ر أو بغنينٍ لأنعظ
نبذ مما تكرر من معانيه
قال:
وفي فمي سكرةٌ حلوةٌ ... قد نغصتها لوزةٌ مره
وله:
واللوزة المرة يا سيدي ... يفسد في الطعم بها السكر
وله:
كأنه وهو إلى جنبها ... سكرةً مع لوزةٍ مرة
وله:
نبهت منه لحاجتي عمراً ... ولم أعول منه على عمرو
وله:
فما استجارت بعمرو مظلمةٌ ... بل حين جاءتك أنت يا عمر
فالشعر قد صار فيها وأتى ... مع ذا بتفصيل ذلك الخبر
وله في عكس المعنى:
ولم تنبه عمراً حاجتي ... بل وقعت منك على عمرو
وله:
خير الستور التي نعلقها ... ستر خصى مسبلٍ على حجر
والقدر إن لم يكن لها طبقٌ ... لم يتهر العصيبُ في القدر
وله:
ولم تر العين قط أحسن من ... ستر خصى مسبلٍ على حجر
وله:
كتبت رقعةً إلي وقد عب ... ت بسطرٍ مقرمطٍ خلف سطر
يا فتى سترُ باب سرمي خصاهُ ... هات قل لي متى تعلق بستري
وله:
أحن إذا رأيت الحر ليلاً ... بجنبي وهو منتوفٌ نظيفُ
ولا آباه إن هو جاء يوماً ... وفي رأس الكلاجق منه ليف
وله:
فاستأذنيه غداً وعودي ... إلي منتوفةً نظيفه
فقد تبينت فوق رأس ال ... حر ذي الزوزك ليفه
وله:
بيضاء وهجٌ استها يفور حمى ... وريقها العذب باردٌ خصرُ
وله:
بريقهُ كالثلج مبردةٌ ... ومبعرٌ كالنار محرورُ
وله:
نهاية الحر مجس آستها ... وريقها في غاية البرد
وله:
للبرد في ريقه كزازٌ ... وللحمى في آسته حريقُ
وله:
يا زوج من ريقها حميمٌ ... وريق مفسائها صقيعُ
وله:
وغلام شظى بكرفس مفسا ... ه قديماً أسنةُ الأقلام
وله:

(1/340)


لا ترى كرفسا على باب مفسا ... ه يشظي بصوفه الأقالما
وله:
ودواة استها بصوفٍ ولا اللي ... فُ يشظي أسنة الأقلام
وله:
كلما استمددت من سرمها ... شعب ستي قلمي الكرفسُ
وله من السريع
فديت من لقبني مثلما ... لقبته والحق لا يغضبُ
إن قلت يا عرقوب أطمعتني ... قال فلم نفسك يا أشعبُ
وله:
وعدتني وعداً وحاشاك أن ... تروغ منه روغة الذيب
ما كنت إذ أطمعتني أشعبا ... فيه ولا أنت بعرقوب
ما جاء له في التضمين
قال، وقد كان غاب في الحضرة مع الوزير ثم عاد فلما قرب توقف عن الدخول:
أيا مولاي دعوة مستغيث ... قد التهبت جوانحه بنارِ
أغثنا بالرحيل غداً فإنا ... من الشوق المبرح في حصارِ
وأبرح ما يكون الشوق يوماً ... إذا دنت الديار من الديار
وقال:
قد قلت لما غدا مدحي فما شكروا ... وراح ذمي فما بالوا ولا شعروا
علي تحت القوافي من معادنها ... وما علي إذا لم تفهم البقر
وقال:
ولم أطب إلى عذراء رودٍ ... بها عن وصل عاشقها نفارُ
ولا غرثى الوشاح كأن ورد ال ... حياء بوجنتيها الجلنار
بنفسي كل مهضوم حشاها ... إذا ظلمت فليس لها انتصارُ
ولكني طربت إلى خليلٍ ... سمحت ببذله ولي الخيار
فلما أن مضى في حفظ من لا ... يضيعه وشط به المزارُ
ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت منه مطلقةً نوارُ
فعيني ما تجف لها دموعٌ ... وقلبي ما يقر له قرار
وقال:
سيدي إن أقمت بعدك بالص ... عد فقلبي علي غير مقيمِ
غير أني أقول بالرغم مني ... فاملي أكف بأس همومي
من يكن يكره الفراق فإني ... أشتهيه لوقفةِ التسليم
وله يخاطب ابن بقية، وقد حجب عنه وهو على الشراب:
بحق رأس الأمير مثلي ... يظمأ في دولة الأمير
فما لكم تشربون دوني ... ولست في جملة الحضورِ
وقد قلت لما حجبتموني ... فاشتد من بابكم نفوري
إن دام هجرانكم على ذا ... طمتُ من بعنكم حصري
وقال:
صاح أيري ورمحه فوق خصيي ... ه ولا رمح ضمرة بن هلال
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائلٍ عن حيال
ثم أهوى بطعنةٍ بات منها ... يرم ستي ذاك الشقي بحال
فتولى يقول وهو طعينٌ ... دمه مع خراه مثل البزال
لم أكن من جناتها علم الل ... ه وإني بحرها اليوم صالي
وقال:
أسفر الصبح فاسقياني وقد كا ... ن من الليل وجهه ف ينقاب
وانظر اليوم كيف قد ضحك ال ... زهر إلى الروض من بكاء السحاب
إن صحوي وماء دجلة يجري ... تحت غيمٍ يصوبُ غير صواب
اتركاني ومن يعيرُ بالشي ... ب وينعي إلي عهد الشباب
فبياض البازي أصدق حسناً ... إن تأملت من سواد الغراب
وقال في ابن العميد يودعه ويصف الفرس ويذمه:
أيها السيد الذي طاب في المج ... د فروعاً كريمة وأصولا
لو مشى بي الشيخ الفرق لسابقت ... ك سيراً إلى الوداع ذميلاً
فتجاوزت خانقين وخلف ... ت ورائي على الطريق جلولا
لكن لاشيخ كان جذعاً من الخي ... ل طرياً فصار جذعاً طويلاً
كلما سار سال دمع مآقي ... ه ومن حق دمعه أن يسيلا
مستغيثاً يصيح تحتي ضراطاً ... مزوجاً في طريقه وصهيلاً
أبصر القت وهو يجري فغنى ... بعد ما كاد عقله أن يزولا
أزجر العين أن تبكي الطلولا ... إن في القلب من كليبٍ غليلا
وقال يصف ضعف فرسه:

(1/341)


يسومني المشي مضطراً وليس له ال ... مسكين بالمشي شبراً واحداً جلدُ
ما كلف الله نفساً فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلا بما تجدُ
وقال، وقد حجب مع جماعة من الكتاب:
قد قلت لما أن رجعت مولياً ... ومعي مدابيرٌ من الكتابِ
نحن الذين لهم يقال وكلنا ... فل العصا وطريدة الحجاب
قومٌ إذا قصدوا الملوك لمطلبٍ ... نُتفت شواربهم على الأبواب
وقال:
يا ربربُ اعبر بنا على ملكٍ ... توجهُ الله بالمهاباتِ
يقول للريح كلما عصفت ... هل لك يا ريح في مباراتي
وقال:
قالت وقد كشف الودا ... ع قناع حزنٍ قد علن
وأذل بالجزع الفرا ... ق قوي عزاءٍ ممتهن
يا من مُحنت بفقده ... حوشيتُ فيك من المحن
خلفتني والحزن بع ... دك يا قريني في قرن
فإذا صبرت ضرورةً ... صبر الوقيذ على الوسن
فترى يطيق الصبر عن ... ك أو السلو أبو الحسن
طفلٌ نشا وفؤاده ... بك الوقيذ على الوسن
كالفرخ يضعف قلبه ... عن أن يودع بالحزن
فأجبتها وهي التي اس ... تولت علي بلا ثمن
طلبُ المعاش مفرقٌ ... بين الأحبة والوطن
يا رب فازدد سالماً ... سكناً يحن إلى سكن
وكتب إلى رئيس تستهديه مشروباً وهو مع بعض أصدقائه وعندهم مغنية فلم يفعل:
يا سيدي جودك المشهور ما فعلا ... أبيع بالرخص يا هذا أم ابتذلا؟
واسوأتا من أناسٍ ظلت أطمعهم ... أن الذي التمسوه منك قد حصلا
حتى إذا عاد من أرسلته بيدٍ ... صفرٍ وما كان عندي أنه وصلا
قالوا لقينتهم غين عليه لنا ... صوتاً ضربنا له في شعره مثلاً
مازلت أسمع كم من واثق خجلٍ ... حتى بليت فكنت الواثق الخجلا
ما أخرج له في التخصل
قال من أبي تغلب، وقد توجه من الموصل إلى بغداد:
افضضِ الدن واسقني يا نديمي ... اسقني من رحيقه المختومِ
اسقني الخمرة التي نزلت في ... ها القوم آية التحريم
اسقنيها فإنني أنا والق ... س جميعاً نبولها في الجحيم
اسقنيها ولا تكلني إلى النق ... ل عليها ولا إلى المشموم
بادر الصبح بالصبيحة وجها ... فابنة الكرم شرط كل كريم
ثم قل للشمال من أين يا ري ... ح تحملت روح هذا النسيم
أترى الخضر مر لي فيك أن جز ... ت برضوان في جنان النعيم
أم تقدمت والأمير أبو تغل ... ب قد صح عزمه في القدوم
وقال في فتح قلعة أردمشت من قصيدة:
سقاني كأسه سحراً بوقتٍ ... وكان صبوحنا في يوم سبت
غلامٌ أعجمي فيه ظرفٌ ... وحذقٌ بالتلطف والتأتي
سقاني دو وسا وازددت منها ... على سكري وصبحني بهفت
فلما نمت قام وقال بروا ... لمن حولي خوى خاني بجفت
وفي باب آسته زغبٌ لطافٌ ... ملاحٌ مثل ورد الزاد رخت
ولكن كان لا يقوى لشؤمي ... وخذلاني به سواد بختي
فشدقت الصبي فدته نفسي ... بدوديكي وتيمردم درست
وكان من استه كالبنت بكراً ... مخدرة الخرا ففتحت بنتي
كما فتحت وحد السيف يدمي ... من الأعناق قلعة اردمشت
وقال في مدح صاعد:
ومهاةٍ غريرةٍ ... غضة الحسن ناهدِ
فتنتني بمعصمٍ ... وبكف وساعد
وبثغر منضدٍ ... شنب الريق بارد
ونسيم كأنه اش ... تق بارد
فهو طيباً كذكره ... في الثنا والمحامد
همةٌ في العلا اقتدت ... بالسهى والفراقد
وندى بخلت به ... كفُّ يحيى بن خالد
وقال:

(1/342)


كأنما باب استها ... شكلة كافٍ مطلقه
بين سطور كاتبِ ... حروفه محققه
يصكًّ لي بين يدي ... سيدنا في ورقه
باللحم والخبز الذي ... روحي به معلقه
يا من به قد فتحت ... أبواب رزقي المغلقة
وقع لمن علمه ... جودك حذق العقعقه
هذه نبذ من ملح الرائقة
وما يتصل بها
قال:
حلفتُ لقد بلغت مدى المعالي ... وأنت على تجاوزه قديرُ
فبحرك در لجته ثمينٌ ... وغيثك ماء مزنُته طهورُ
وقال لبعض الرؤساء في يوم كان المطر يجيء فيه ساعة ثم ينجلي الغيم، وتطلع الشمس ثم يعود:
يا سيدي تفديك مهجة خادمٍ ... لك يستقل لك الفداء بنفسه
يفديك من جليت أول كربةٍ ... عنه ومن أدركت آخر نفسهِ
انظر إلى اليوم الذي أشبهته ... لو كان جنسك ناشئاً من جنسهِ
يحكي نداك بغيثه فإذا انجلى ... فكأن وجهك ما انجلى من شمسهِ
لكن فضلت عليه أنك دائماً ... تبقى وهذا اليوم تابع أمسه
وقال:
هو الشيخ لما صفا جوهر ال ... فضائل منه ولم يكدرِ
أضاف الزمان إليه ابنه ... كما اقترن البدر بالمشتري
وقال لرئيس اختلف ابنه إلى الكتاب:
يا عارضاً يروي الثرى غيثه ... ومنهلاً يشفي الصدى مورده
أقعدت في الكتاب من لم يكن ... يضره أنك لا تقعده
أنت أبوه فهو يُنمي إلى ... كتابةٍ يوجبها محتدهُ
إن شئت علمهُ وإن شئت لا ... لا بد أن تحكي أباه يدُه
وقال:
لا زلت يا عمر أبي عمرو ... أبقى على الدهر من الدهر
فتى إذا ما جاء لي بحرُهُ ... أمرت من يخرى على البحر
وإن بدا لي وجهه طالعاً ... صفعت بالشمس قفا البدر
وله:
فديت عز الدولة المرتجى ... بمهجتي إن قبلت مهجتي
ومن أنا في عيلة إحسانه ... وفقر أهلي في عيلتي
ثيابه في سفطي بيتها ... وخبزه مأواه في ملتي
جرايةٌ أصبحت في رزقها ... في كل يوم أجتبي غلتي
وكان جوفي بالخوى مأتماً ... فاليوم بيت العرس في معدتي
وقال:
سيدي والذي يقيك ومن السو ... ء يميناً من أوكد الأيمان
لا جحدت النعمى لأكفر إحسا ... نك عندي يا دائم الإحسان
أنا في نزهةٍ من العيش في ظل ... ك طول الحياة كالبستان
ذاتِ زهرٍ فيه البنفسج والنر ... جس معه شقائق النعمان
جالسٌ في تبظرمٍ ترك الحا ... سد يقلى بعر آسته بوراني
وله في شارب دواء:
يا من به تتباهى ... مجالسُ الخلفاء
ومن تقصرُ عنه ... مدائح الشعراء
يا سيدي كيف أصبح ... ت بعد شرب الدواء
خرجت منه تضاهي ... في الحسن بدر السماء
في ثوب صحة جسمٍ ... مطرزٍ بالشفاء
وقال من أبيات في الصاحب:
يا أيها السيد الجليل الم ... رجو للحادث الجليل
كل مديحٍ أجملت فيه ... يقصر عن فعلك الجميل
وقال من ابن بقية:
يا بدر يا بدر التمام ... بك أشرقت خلع الإمام
يا من له الأسما العظا ... م بحرمة الأسما العظام
هب لي بقا ابن بقيةٍ ... هبةً تجدد كل عام
أنت الكريم فهب لنا ... هذا الكريم من الكرام
فلقد علمت بدعوتي ... أني على خبزي أحامي
قطعة من ملحه في
نوادره في سائر الفنون
وقال:
أعصر شبيبتي قف لي قليلاً ... أناشدك المودة أن تحولا
فديتك يا شبابي أنت ما لي ... أراك مكلكلاً نضواً عليلا
تولى حسنك المفقود عني ... وحول رحله إلا قليلاً

(1/343)


وقالوا الشيب يكسبه جلالاً ... معاذ الله بل خطباً جليلاً
وقال:
بياض الشيب تكرهه الغواني ... ويعجبها سوادٌ في الشباب
وشيبُ لحى الزناة فدتك ... ضراطٌ في اللحى عند القحاب
وقال:
طاقة آسٍ جنيت منها ... بلحظتي نرجساً ووردا
أرضاه مولى وليس يرضى ... مولاي بي في هواه عبدا
وقال:
فديت إنساناً على هجره ... ووصله تحسدني الناسُ
لما احتوى الورد على خده ... ودب في عارضه الآسُ
مزجت كأسي من جنى ريقه ... بمثل ما دارت به الكأسُ
وقال في أرمد:
أنا الفداء لعينٍ بعض أسهمها ... مشكوكةٌ بين أحشائي وفي كبدي
فيها سقامُ فتورٍ لا خفاء به ... تُجدد السقم في قلبي جسدي
كانت تعل فؤادي وهي سالمة ... فكيف بي وهو يشكو علة الرمد؟؟
وقال:
فديت من مر في الرصافة بي ... فقلت: يا سيدي، فلم يُجب
واصفر غيظاً علي وامتزجت ... صفرةُ ذاك اللجين بالذهب
وقال في أبي تغلب يستهديه فرساً:
اسمع المدح الذي لو قيل في ... أحد غيرك قالوا سرقا
جاء يستهديك مهراً أدهماً ... يركب الفارس منه غسقا
كالدجى تبصر من غرتهِ ... فوق أطباق دجاه فلقا
جل أن يحلق مطلوباً و من ... طلب الريح عليه لحقا
تراه واقفاً في سرجه ... يتلظى من ذكاه قلقا
فإذا طار به المشي مضى ... وهو كالريح يشق الطرقا
كالسحاب الجون إلا أنه ... ليس يسقي الأرض إلا عرقا
جمع الأمرين يعدو المرطى ... في مدى السبق ويمشي العنقا
وقال يصف الفرس الذي أهداه له أبو تغلب:
اليوم يوم سروري ... بالموصلي الذنوب
من عند قرمٍ كريمٍ ... جزل العطاء لبيب
آدابه جعلتهُ ... يُعنى بكل أديب
ركبت فيه القوافي ... فجاد بالمركوب
ذو غرةٍ يتلالا ... في حالكٍ غربيب
ولن الشباب عليه ... مع غرةٍ كالمشيب
صهيله جوف إذني ... ولا غناء غريب
وروثه المسك طيباً ... بين اللحى والجيوب
لولا اضطراري إليه ... نزهته عن ركوبي
وقال في خصم له أعمى:
سمعتم قط أعجب من ضريرٍ ... يقدر أن يجور على بصير؟
ولو شاء الوزير ولم يزل ليصلاحي في مشيئات الوزير
لألزمه العصا يمشي عليها ... وعلمزه القران على القبور
وفيه:
إن كان هذا الضرير يعنتني ... بحجةٍ مثل عينه غلقه
فوقع السوس في عصاه ولا ... بورك في قسطه من الصدقة
وقال:
لا يحسن الإشراف من مقعدٍ ... كأنه زرقة فروج
أقصر من يأجوج في قده ... وقرنه أطول من عوج
وقال:
أزجر العين أن ترى ... أزرق العين أشقرا
ما أرى البوم وجهه ... قط إلا تطيرا
وقال:
سيدي حشمتي عليك حرامٌ ... وبحكم الكريم تقضي الكرامُ
وأرى مذ ملكتني أن مثلي ... أبداً لا تفيدك الأيامُ
خادمٌ ناصحٌ، وعبدٌ محب ... وصديقٌ، وصاحبٌ، وغلامُ
خمسة قد جمعتهم لك وحدي ... لمعاني اختصاصهم والسلام
وقال يتشوق رئيساً ويصف رواقه:
لا والذي يا سيدي ... يفني الأنام وأنت باقي
ما للخليفة مثل صحن ... ك والتدلي والرواق
دارٌ غدت شرفاتها ... توفي على السبع الطباق
فقبابها وكواكب الج ... وزاء تسمو باتفاق
ولها حصونٌ تشتكي ... حيطانها بعد الفراق
ويضيع فيها الخضر وه ... و يسير في ظهر البراق
لما دخلت أطوافها ... ومشيت في طول الرواق

(1/344)


دارٌ بها يا سيدي ... ما بي إليك من اشتياق
وقال يناقض ابن المعتز في قوله:
لا تدعني لصبوحٍ ... إن الغبوق حبيبي
الليل لون شبابي ... والصبح لون مشيبي
وقال:
الصبح مثل البصير نورا ... والليل في صورة الضرير
فليت شعري بأي رأيٍ ... يختار أعمى على بصير
وقال:
كم من صديقٍ يروق عيني ... بالشكل والحسن واللباقه
ليس له في الجميل رأيٌ ... ولا بفعل القبيح طاقه
كأنه في القميص يمشي ... فالموذج السوق في رقاقه
وقال يصف بغلة:
تعرف لي أحسن من بغلهٍ ... جددت في البر بها عهدي
تنساب كالماء على حافرٍ ... كأنه من حجرٍ صلدِ
نابت عن الأشهب لما مضى ... نيابة الكلب عن الفهد
حشاشية من قصيدة لابن حجاج:
فأقسم لا بيسين وطه ... ولا بالذاريات ولا الحديد
ولكن بالوجوه البيض مثل ال ... أهلة تحت أغصان القدود
وشرب الري من خمر الثنايا ... وشم المسك من ورد الخدود
وتطفيتي حرار الوجه يوم ال ... فراق بمص رمان النهود
وبالخمر التي كانت لعادٍ ... ولكن بعد محنتهم بهود
مدامٌ في قديم الدهر كانت ... تعد لكل جبارٍ عنيد
مدامٌ ليس لي فيها إمامٌ ... أصلي خلفه غير الوليد
فصل
ملح ابن حجاج لا تنتهي حتى ينتهي عنها، وفيما أوردته منها كفاية، على أنها غيض من فيضها، وقراضة من تبرها، ولكن الكتاب لا يتسع لأكثر من ذلك، والله وأسأل العفو والمغفرة.
أبو القاسم علي بن جلبات
أحد أفراد الدهر في الشعر، وكنت أنشدت له لمعاً أوردتها في النسخة الأولى ثم وجدتها منسوبة إلى غيره، كقوله:
برزت لنا تحت القناع الأزرق ... ليلاً فعاد لنا كصبحٍ مشرق
الوجه بدرٌ والقناعُ سماؤهُ ... والشعر بينهما كليلٍ مُطبقٍ
ثم وقع إلي من شعره الصحيح في الخليفة القادر بالله والوزير أبي النصر سابور بن أردشير، فأخرجت غررها، وهي سوى ما يقع من شعره في مجموع أشعار أهل العراق في الوزير سابور، وإذا سقت ذلك أكرر ذكر ابن جلبات في جملتهم.
وقال أبو القاسم من قصدية في الخليفة القادر بالله:
وفي الدهر عن مطلٍ بما هو واعدٍ ... فساخطه راضٍ، وشاكيه حامدٌ
وأدركتِ الري الخلافة بعدما ... تجهمها عن موقف الحق ذائد
رأت قادراً بالله لم يعدُ قدره ... مدى العفو عما رام باغٍ وحاسدُ
رأينا به العباس معنى وصورةً ... فما عد عنا غائباً فهو شاهدُ
تقلبهُ فضلاً أشاد بذكره ... له قبله جد كريم ووالد
كذاك الأصول الزاكيات ذواهبٌ ... إلى ما رأتها بالزكاء المحاتد
ومن يكُ لله المهيمن سعيه ... ينل ساعياً في ظله وهو قاعد
ومنها:
فلله ما تأتي ولله ما ترى ... وما أنت فيه صادرُ الأمر واردُ
ومليت من رب السماء فوائداً ... عدوك منها قبل سيفك فائدُ
فوالله ما ندري أليث ضبارمٍ ... مفيت الأعادي أنت أم أنت عائد
كذا الخلفاء الراشدون الأولى مضوا ... وأنت عليهم بالبقية زائد
فلا عولت إلا على مجدك العلا ... ولا انتسبت إلا إليك المحامد
وقال في الوزير سابور بن أردشير:
رويدك قد تعاليت اطلاعاً ... على العلياء هماً وارتفاعاً
ونفسك لا ترى ببلوغ مجدٍ ... وإن أوفى على النجم اقتناعاً
إذا ما خطةٌ ضاقت عليه ... أشرت لها فأمعنت اتساعا
براي ما رأته الشمس إلا ... تمنت أن تكون له شعاعاً
وأذل بعزة صرف الليالي ... ورام عصيها حتى أطاعا
ندى وبسالةً علماً يقيناً ... بأنهما به في الخلق ذاعاً

(1/345)


تكفل ذا نداك وما رأينا ... جواداً كاملاً إلا شجاعاً
ودونك كل بكرٍ لم تملك ... سواك لها من الأنفِ افتراعا
رأت حسن اختراعك للمعالي ... فبارتها معانيها اختراعا
وها أنا ذا أرى لك كل وقتٍ ... ببدعٍ من مكارمك ابتداعاً
تراعي أمر ذا وتريش هذا ... فما لي لا أراش ولا أراعى؟
فلا زالت لك الدنيا فناءً ... ولا حل الفناء لها رباعاً
فقد أضحى افتراق المجد فيمن ... حوته من الورى فيك اجتماعا
وله من أخرى فيه:
فدم يا وزير العلا والنهى ... تنال المنى وتوقى الحذارا
وراعِ اختلالي سراً ولا ... تراع رباء اختلالي جهارا
ولا تستمع خبراً طارئاً ... عن المرء أو ت بتليه اختبارا
ولا تحسبن كل عودٍ يري ... ك مل أنت مورٍ من القدح نارا
فما كل وحشٍ يرى ضيغماً ... ولا كل عودٍ يسمى غفارا
وقال فيه:
أبا نصرٍ وأنت البحر طامٍ ... على العافين جياش العباب
يقيم مقام جيشٍ من ليوثٍ ... بفضل نهاه سطراً من كتاب
ومنها:
رآك لقصده أهلاً، وأنى ... يرجى الغيث من غير السحاب؟
وقد أظمأه ورد سواك إلا ال ... أقل، وأي رودٍ من سرابٍ؟
وقال من أخرى:
ويستبشر الإسلام أنك سالمٌ ... وإن بقاء الملك باسمك دائمُ
وأن المعالي ما بنى لك ذ و العلا ... وليس لما تبني يد الله هادمٌ
أنا الشمس إن لم تستبن عين ناظرٍ ... ضيائي فإنّ الذنب للعين لازمُ
وما دمت بعد الله لي عنه رازقاً ... فما أتظني أنه لي حارمُ
وقال من أخرى:
وأنت قرع زكاء الأصل منه، ولا ... يطيب إلا المنبت الثمرُ
وأنت بحر النهى ما للعقول إلى ... سواه مورد صفوٍ ما له كدرُ
وأنت بيت الندى طافت بكعبته ... حجاجه، ونداك الركن والحجر
وقد عُرفت ولم تحدد بمزلةٍ ... والشيء يجعل علماً وهو مشتهر
كالشمس تدركها الأبطار ظاهرةً ... وحد منزلها بالغيب مستتر
والملك من بعد طول الكد في دعةٍ ... كالعين أغفت وقد أعيا بها السهر
إليك جاب الفلا عزمٌ تمثل في ... تحقيقه منك قبل المورد الصدرُ
في كل طاميةٍ بالآل ظاميةٍ ... تصدى بها النفس ما يُروى بهت النظر
إذا الركائب من أشباهها لعبت ... بعد المقيل تولى حثها الأشر
أبثها فيك آمالي فما انتظرت ... لفرط ما طويت ما كنت أنتظر
حتى إذا هي حلت من ذراك حمى ... قالت: إلى منتهى المجد انتهى السفر
ألست لي يا أبا نصرٍ مدى أملي ... وأنني بك من اللأواء منتصر
فمر زماني لا ينتابني بأذى ... فإنه لك فيما شئت مؤتمر
محمد بن الحسين الحاتمي
حسن التصرف في الشعر، موفق على كثير من شعراء العصر، وأبوه أبو علي شاعر كاتب يجمع بين البلاغة في النثر والبراعة في النظم، وله الرسالة المعروفة في وقعة الأدهم، وليس يحضرني من شعره إلا بيتان هما عنوان محاسنه، وهما:
لي حبيبٌ لو قيل لي ما تمنى ... ما تعديته ولو بالمنون
أشتهى أن أحل في كل جسم ... فأراه بلحظ كل العيون
ومما اخترته لابنه قوله من قصيدة في الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين استهلالها:
حي رسم الغميم تحييى الغميما ... إن فقدت الهوى فحي الرسوما
واستمح مقلة الغمام على أط ... لاله ديمةً أبت أن تدوما
نثرت عقد دمعها فغدا النو ... ر بأعطاف روضها منظوما
هو مأوى الظباء إنساً ووحشاً ... ومحل الأسود خلقاً وخيما

(1/346)


كل ريمٍ يعطو فيصطاد ليثاً ... عند ليثٍ يسطو فيصطاد ريما
كم رعينا من البطاح وكأس ال ... راح والأوجه الملاح نجوما
حين رضنا من التصابي جموحاً ... وبعثنا من الوصال رميما
ودعتنا المنى إلى مرح الفت ... ك ولكننا أجبنا الحلوما
حين صرف الزمان كان اعتذاراً ... ورياح الخطوب كانت نسيما
وقد وقفنا على الطلول طلولاً ... ومثلنا على الرسوم رسوما
وخلعنا على البكاء عيوناً ... ونزفنا من الدموع جموما
ومتى يجشم الظليم مداها ... في سراها فقد ظليماً
وهي تبدي منها نجاراً ومن سي ... ر الدجى مخلفاً ومني كريما
وإلى القادر الإمام قريت البي ... د حرفاً أنضى بها الديموما
الإمام الماضي العزيم الذي را ... ح وأضحى على المعالي زعيما
وهو من أسرةٍ هم رسموا الده ... ر ذرى المجد والمعالي قديماً
وهم كالبحار جوداً وكالأنج ... م هدياً وكالسيوف عزيما
ومنها:
أنت أيدي بالخلافة ركن ال ... شرع فارتد نهجه مستقيماً
وذببت العدو عنه ولولا ... ك بلاد مريةٍ لعط أديما
أنت أنكحتني فقد أض ... حى ولداً وكان قبل عقيماً
دم تدم دولة المفاخر والمج ... د وحسن الزمان في أن تدوما
والبس المهرجان ما ابتسم الفج ... ر وأهدى من الرياض نسيماً
وقال:
منازلهم لا شافهتك النوازلٌ ... وأطلالهم حياك طل ووابلٌ
كأن الربا لم تلبس الأرض حالياً ... ولا أخملت بالنور تلك الخمائل
تعرفتها واستنكر الطرف أنها ... كما استنكرت سقم المحب العواذل
وكم قطع ليلٍ بعد ليلٍ قطعته ... وسرح الكرى عن جفن الكأس مائل
وخلت الثريا كف عذراء طفلةً ... مختمةً بالدر منها الأنامل
تخليتها في الأفق طرة جعبةٍ ... ملوكيةٍ لم تعتلقها حمائل
كأن نبالاً ستةً من لآلئ ... يوافى بها في قبة الأفق نائل
وعيشٍ كنوار الرياض استرقته ... خلاساً، وأحداث الليالي غوافل
لماماً وأغصان الشبيبة رطبةٌ ... وماء الصبا في ورد خدي جائل
ويومٍ كحلي الغانيات سلبته ... حلي الربا حتى انثنى وهو عاطل
سبقت إليه الصبح والشمس غضةٌ ... وصبغ الدجى عن مفرق الفجر ناصل
ونشوان من خمر الدلال سقيته ... شمولاً فنمت عن هواه الشمائل
شكا ظمأ منه الموشحُ، وارتوت ... بماء الصبا أردافه والخلاخل
إذا العيش مخضر الأصائل ناعمٌ ... وإذا زبرج الدنيا خليلٌ مواصلٌ
وليلٍ موشى بالنجوم صدعته ... بأبيض وشى صفحتيه الصياقل
إليك، أمير المؤمنين، ارتمت بنا ... نبات الفلا والمقربات الصواهل
إلى من له في جبهة الدهر ميسمٌ ... ومن سيفه من مفرق الدهر سائل
تشيم الحيا من كفه وهي لجةٌ ... تشقُّ جيوب القطر فيها الأنامل
ومن عودته المكرماتُ شمائلاً ... فليس له عنها، ولو شاء، ناقل
وإن راسل الأعداء فالجرد رسله ... إليهم، وأطراف العوالي الرسائل
بيومٍ عقيمٍ يلقح البيض بأسه ... ولود المنايا وهو أشمطُ ثاكل
إذا ما أسر النقع أنوارُ شمسه ... أذاعت بأسرار الحمام المناصل
فيما بدرُ لا تغرب، ويا بحرُ لا تفض ... ويا نوءُ لا تخلف حياً منك هاطل
عظمت فهذا الدهر دونك همةً ... وجدت فهذا القطر عندك يا خلُ
وقال في الأمير شمس المعالي:
كم قلوبٍ تحملت بالحمول ... ودموعٍ طلت بتلك الطلولِ

(1/347)


واصطبارٍ أضيع ما بين إيضا ... ع المطايا وفي المحل المحيلِ
ومنها:
وبنفسي بدرٌ يعود ضياء ال ... بدر من نور وجهه بالأفوالِ
اثمرت وجنتاه روضاً جنى ال ... ورد يفتر عن غدير شمولِ
وإلى مسرح الكارم قابو ... س أراح الندى سوام العقول
فارسُ الكائب والمن ... بر والخيل واليراع النحيل
تعبُ البيض والسلاهب والأر ... ماح والوفر والندى والعذول
وكهولٌ أوهت كواهلها السم ... ر تهادى إلى ابتغاء الدخول
يتعاطون بالصوارم كاسا ... ت المنايا على غناء الصهيل
كم يد للخطوب طالت على الأح ... رار قصرتها بباعٍ طويل
فابق ما استعبر الغمام وما عل ... ل صباً نسيمُ روضٍ عليل
الباب الثامن
في تفاريق قطع من ملح المقلين
من أهل بغداد ونواحيها، والطارئين عليها من الآفاق، والمقيمين بها.
من ملح المقلين من اهل بغداد
القاضي ابن معروف
هو أبو محمد بن عبد الله بن أحمد بن معروف، وكان - كما قرأته في فصل للصاحب - شجرة فضل، عودها أدب، وأغصانها علم، وثمرتها عقل، وعروقها شرف، تستقيها سماء الحرية، وتعذيها أرض المروءة، وقد تقدم بعض ذكره في منادمة المهلبي وغيره من الوزراء، وجمعه بين جد العلم وهزل الظرف، وخشونة الحكم، ولين قشرة العشرة، وكان على تقلده فضاء القضاة دفعات بالحرة واشتغاله بحلائل الأعمال من أمور المملكة - يقول شعراً لطيفاً في الغزل، يتعاوره القوالون والقيان ملحناً.
وقرأت لأبي إسحاق الصابي فصلاً من كتاب عن الوزير ابن بقية إلى ابن معروف، واستحسنه جداً في وصف نظمه ونثره وهو: وصل كتاب قاضي القضاة، بالألفاظ التي لو مازجت البحر لأعذبته، والمعاني التي لو واجهت دجى الليل لأزاحته وأذهبته، ولم أدر بأي مذاهبه فيها أعجب، ولا من أيها أتعجب، أمن قريض عقوده منظومة، أم من ألفاظ لآلئها منثورة، أم من ولوجها الأسماع سائغة، أم من شفائها العلة نافعة؟ وأما الأبيات التي رسم التقدم بتلحينها، وقال بمذهب أهل الحجاز فيها، فما أعرف كفؤاً لمثلها ملحناً، ولو كان إسحاق الموصلي، ولا مجيباً ولو كان امرأ القيس الكندي، ولا أرضى لها مهراً إلى حبات القلوب، ولا مجالاً إلا أرجاء الصدور، وقد جعل الله فيها من الفضل ما يشغلنا عن تعاطي الإجابة عنه، وقرن بها من الأطراب ما يكفينا تأمله عن صياغة الألحان له.
ولأبي إسحاق شعر كثير فيه، فمن ذلك قوله في افتتاح قصيدة:
أقسمت بالله ما يُرجى لمعروفِ ... في الحادثات سوى القاضي ابن معروفٍ
ولابن حجاج في بعض من كان يناوئ ابن معروف من الحكام:
يا أيها الحاكم الرقيع ... ذقنك في سلحتي نقيع
إن ابن معروف في محل ... مرامه متعبٌ منيع
فضله الله واجتباه ... للأمر واختاره المطيع
هذا له وحده فقل لي ... من أنت في الناس يا وضيع
وقد أوردت ما حضرت به من مشهور ما هو من شرط الكتاب من غرره، فمنها قوله من قصيدة:
لم تسلني الأيام عنك بمرها ... بلى زادني بعد اللقاء تتيما
وقد كنت لا أرضى من النيل بالرضا ... وآخذ ما فوق الرضا متلوما
فلما تفرقنا وشطت بنا النوى ... رضيت بطيفٍ منك يأتي مسلماً
وقال:
لو كنت تدري ما الذي صنع الهوى ... والشوق بالجسد النحيل البالي
لهجرت هجري واجتنبت تجنبي ... ووصلت من بعد الصدود وصالي
وقال:
وما سر قلبي منذ شطت بك النوى ... نعيم ولا كأسٌ ولا متصرف
وما ذقت طعم الماء إلا وجدته ... سوى ذلك الماء الذي كنت أعرف
ولم أشهد اللذات إلا تكلفا ... وأي نعيمٍ يقتضيه التكلفُ؟
وقال:
احذر عدوك مرةً ... واحذر صديقك ألفَ مره
فلربما انقلب الصدي ... ق فكان أعرف بالمضره
أبو الفرج الأصبهاني

(1/348)


علي بن الحسين الأموي الأصبهاني الأصل، البغدادي المنشأ، وكان من أعيان أدبائها وأفراد مصنفيها، وله شعر يجمع إتقان العلماء، وإحسان ظرفاء الشعراء، والذي رأيته من كتبه: كتاب القيان، وكتاب الأغاني، وكتاب الإماء الشواعر، وكتاب الديارات، وكتاب دعوة النجار، وكتاب مجرد الأغاني، وكتاب أخبار جحظة البرمكي، وما أشك في أن له غيرها، وكان منقطعاً إلى المهلبي الوزير، وكثير المدح، مختصاً به، فمن ذلك قوله فيه من قصيدة:
ولما انتجعنا لائذين بظله ... أعان وما عنى ومن وما منا
وردنا عليه مقترين فراشنا ... وردنا نداه مجدبين فأخصبنا
وله من قصيدة يهنئه بمولود من سرية رومية:
أسعد بمولودٍ أتاك مباركاً ... كالبدر أشرق جنح ليلٍ مقمرِ
سعدٌ لوقت سعادةٍ جاءت به ... أم حصانٌ من بنات الأصفر
متبجحٌ في ذروتي شرف الذرى ... بني المهلب منتماه وقيصر
شمس الضحى قرنت إلى بدر الدجى ... حتى إذا اجتمعا أتت بالمشتري
أخذه من مصراع ابن الرومي: شمس وبدرٌ ولدا كوبا وقال من قصيدة فيه عيدية:
إذا ما علا في الصدر للنهي والأمر ... وبثهما في النفع منه وفي الضر
وأجرى ظبى أقلامه وتدفقت ... بديهته كالمستمد من البحر
رأيت نظام الدر في نظم قوله ... ومنثوره الرقراق في ذلك النثر
ويقتضب المعنى الكثير بلفظه ... ويأتي بما تحوي الطوامير في سطر
أيا غرة الدهر ائتنف غرة الشهر ... وقابل هلال الفطر في ليلة الفطر
بأيمن إقبال وأسعد طائرٍ ... وأفضل ما ترجوه في أفسح العمر
مضى عنك شهر الصوم يشهد صادقاً ... بطهرك فيه واجتنابك للوزر
فأكرم بما خط الحفيظان منهما ... وأثنى به المثني وأطرى به المطري
وزكتك أوراقُ المصاحف وانتهى ... إلى الله منها طول درسك والذكر
وقبضك كف البطش عن كل مجرمٍ ... وبسطها بالعُرف في الخير والبر
وقد جاء شوال فشالت نعامة ال ... صيام وأبدلنا النعيم من الضر
وضجت حبيس الدنّ من طول حبسها ... ولامت على طول التجنب والهجر
أبرزها من قعر أسود مظلمٍ ... كإشراق بدرٍ مشرق اللون كالبدر
إذا ضمها والورد فوه وكفه ... فلا فرق بني اللون والطعم والنشر
وتحسبه إذ سلسل الكأس ناظماً ... على الكوكب الدري سمطاً من الدر
وقال يهنئه بالعافية:
أبا محمد المحمود يا حسن ال ... إحسان يا بحر الندى الطامي
حاشاك من عود عوادٍ إليك ومن ... دواء داءٍ ومن إلمام آلام
وقال فيه:
تأوب عيني طيفٌ ألمّ ... لظالمةٍ طرقت في الظلم
تخيل منها خيالٌ سرى ... فيسلب حلمي بذاك الحلم
فما أنس لا أنس إقبالها ... تميسُ بغصنِ سقتهُ الديم
وقد بدرت مثل بدر الدجى ... سما في السماء علواً وتم
على رأسها معجرٌ أزرقٌ ... وفي جيدها سبحة من برم
ولم ترتقب لطلوع الرقيب ... ولم تحتشم لطلوع الحشم
لقد سؤتني يا نظام السرور ... وأسقمتني يا شفاء السقم
أهذا المزار أم الأزورار ... إلمامكم ألم أم لمم
ويومٍ كمثل رداء العرو ... س حسناً وطيباً إذا ما يشم
خلعت عذاري ولم أعتذر ... ولم أحتشم فيه من يحتشم
وقابلتُ فيه صفاء الشمال ... بصفو الشمول وشجو النغم
فداؤك نفسي هذا الشتاء ... علينا بسلطانه قد هجم
ولم يبق من نشبي درهمٌ ... ولا من ثيابي إلا رمم
يؤثر فيها نسيم الهواء ... وتخرقُها خافيات الوهم
وأنت العماد ونحن العفاة ... وأنت الرئيس ونحن الخدم
وله فيه:

(1/349)


فداؤك نفسي من الحادثاتِ ... وريب الردى وحلول الحذر
فعالك تكبر عن موعدٍ ... ووعدك يسبق أن ينتظر
وكفك تهمي على المعتفين ... بفيض عفا وصفا من كدر
إذا عاقك الشغل عني ولم ... أذكرك نفسي خوف الضجر
تسكعتُ في حيرةٍ لا أجو ... ز منها إلى عضدٍ أو وزر
رهنت ثيابي وحال القضا ... ء دون القضاء وصد القدر
وهذا الشتاء عسوفٌ علي ... كما قد تراه قبيح الأثر
يغادي بصر من العاصفا ... ت أو دمقٍ مثل وخز الإبر
وسكان داري ممن أعو ... ل يلقين من برده كل شر
فهذي تحن، وهذي تئن ... وأدمع هاتيك تجري درر
إذا ما تململن تحت الظلام ... تعللن منك بحسن النظر
ولا حظن ربعك كالممحلي ... ن شاموا البروق رجاء المطر
يؤملن عودي بما ينتظرن ... كما يرتجى أيبٌ من سفر
فأنعم بإنجازِ ما قد وعدت ... فما غيرك اليوم من ينتظر
وعش لي وبعدي فأنت الحيا ... ة والسمع من جسدي والبصر
وقال من أخرى فيه:
يا فرجة الهم بعد اليأس والوجل ... يا فرحة الأمن بعد الروع والوهل
اسلم ودم وابق واملك وانم واسمُ وزد ... وأعط وامنع وضر وانفع وصل وصلِ
وقال في وصف الخمر من قصيدة:
وسلافٍ كالتبر أذكى من المس ... ك وأصفى صبغاً من الزعفران
كأن اليد التي تحتويها ... من صبيب العقيان في دستبان
وقريب منه قوله:
وبكر شربناها على الورد بكرةً ... فكانت لنا ورداً إلى ضحوة الغدِ
إذا قام مبيض اللباس يديرها ... توهمته يسعى بكم مورد
والأصل فيه قول أبي الشيص:
سقاني بها والليل قد شاب رأسه ... غزالٌ بحنّاء الغزالة مختضب
وقال في أبي سعيد السيرافي:
لست صدراً ولا قرأت على صد ... ر ولا علمك البكي بكافي
لعن الله كل شعرٍ ونحو ... وعروض يجيء من سيراف
وقال في القاضي الأيذجي، وكان التمس منه عكازة فلم يعطه إياها:
اسمع حديثي تسمع قصةً عجبا ... لا شيء أعجب منها تبهر القصصا
طلبت عكازةً للوحل تحملني ... ورمزتها عند من يخبي العصا فعصى
وكنت أحسبه يهوي عصا عصبٍ ... ولم أخل أنه صب بكل عصا
وكتب إلى القاضي التنوخي يلتمس منه خبرا:
يا أيها القاضي السني الذكر ... ومن علا على قضاة العصر
قد اجتمعنا في محل وعر ... ومنزلٍ ضنكٍ ومثوى قفر
خالٍ من الخير كثير اشر ... نلقى زماني ألمٍ وضر
من ليل بق ونهار حر ... فقد فقدت جلدي وصبري
وليس لي عند مجيء فكري ... سوى تشكي فادحاتِ أمري
بقلمٍ يخطها في سطر ... إلى فتى ذي أدبٍ وقدر
فاسمع لشكواي وجد بعذر ... قد صفرت محبرتي من حبر
ولم أجده مشترى فأشري ... فجد حباك الله طول العمر
بمثلها حبراً وفز بشكري ... من بين نظمٍ حسنٍ ونثر
ورب مجدٍ باسقٍ وفخرٍ ... نالهما الحر ببذل النزر
أبو الحسن بن مقلة
من أبناء الوزراء وبقية بني مقلة، يقول:
لست ذا ذلةٍ عضني الده ... ر ولا شامخاً إذا واتاني
أنا نارٌ في مرتقى نفس الحا ... سد ماءٌ جارٍ مع الإخوان
وقال من قصيدة:
وإذا رأيتُ فتىً بأعلى رتبةٍ ... في شامخٍ من عزه المترقعِ
قالت لي النفس العروف بفضلها: ... ما كان أولاني بهذا الموضع
وقال:
الدهرُ يلعب بالفتى فيهيضهُ ... طوراً، ويجبر عظمه فيُراشُ
وكذا رأينا الدهر في إعراضه ... ينحى وفي إقباله ينتاش
وقال:

(1/350)


أدل فيا حبذا من مدل ... ومن ظالمٍ لدمي مستحل
إذا ما تعزز قابلته ... بذل، وذلك جهد المقل
وقال:
أنت يا ذا الخال في الوج ... نة مما بي خالِ
لا تبالي بي ولا تخ ... طرني منك ببال
لا ولا تفكر في حا ... لي وقد تعرف حالي
أنا في الناس إمام ... ي وفي حبك غالي
أبو الحسن علي بن هرون بن المنجم
ذو نسب عريق في ظرفاء الأدباء، وندماء الخلفاء والوزراء، وفي أسرته يقول الصاحب:
لبني المنجم فطنةٌ لهبيه ... ومحاسنٌ عجمية عربيه
مازلت أمداحهم وأنشر فضلهم ... حتى عُرفت بشدةِ العصبيه
ولذكرهم في القسم الثالث من هذا الكتاب مكان في أصحاب الصاحب وشعرائه.
فأما أبو الحسن، الذي هو كبيرهم، فقد اقتصرت من ذكره واقتصاص أمره على نبذ حكاها الصاحب في كتابه المعروف بالروزنامجه، مما اتفق له مع أبي محمد الوزير المهلبي حين ورد الصاحب بغداد، وقد أرسل يحكيها لأستاذه ابن العميد، ثم أوردت ما علق بحفظي من ملحه.
فصل
استدعاني الأستاذ أبو محمد فحضرت وأبناء المنجم في مجلسه، وقد أعدا قصيدتين في مدحه فمنعهما من النشيد لأحضره فأنشدا قعوداً وجودا بعد تشبيب طويل، وحديث كثير: فإن لأبي الحسن رسماً أخشى تكذيب سيدنا إن شرحته، وعتابه إن طويته، ولأن أحصل عنده في صورة متزيد، أحب إلى من أن أحصل عنده من رتبة مقصر، يبتدئ فيقول ببحة عجيبة، بعد إرسال دموعه، وتردد الزفرات في حلقه، واستدعائه من جؤذر غلامه منديل عبراته، والله والله، وإلا فأيمان البيعة تلزمه وحرامها، وطلاقها وعتاقها، وما ينقلب إليه حرام وعبيده أحرار لوجه الله تعالى، إن كان هذا الشعر في استطاعة أحد مثله، أو اتفق من عهد أبي دؤاد الإيادي إلى زمان ابن الرومي لأحد شكله، بل عيبه أن محاسنه تتابعت، وبدائعه ترادفت، فقد كان في الحق أن يكون كل بيت منه في ديوان يجمله ويسود به شاعره، ثم ينشد، فإذا بلغ بيتاً يعجب ويتعجب من نفسه فيه قال: أيها الوزير من يستطيع هذا إلا عبدك علي بن هرون بن علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم جليس الخلفاء وأنيس الوزراء، ثم ينشد الابن والأب يعوذه ويهتز له، ويقول أبو عبد الله استودعه الله ولي عهدي وخليفتي من بعدي، ولو اشتجر اثنان من مصر وخراسان لما رضيت لفصل ما بينهما سواه، أمتعنا الله به ورعاه، وحديثه عجب، وإن استوفيته ضاع الغرض الذي قصدته، على أنه أيد الله مولانا من سعة النفس والخلق ووفور الأدب والفضل وتمام المروءة والظرف بحال أعجز عن وصفها، وأدل على جملتها أنه مع كثرة عياله واختلال أحواله طلب سيف الدولة جاريته المغنية بعشرين ألف درهم أحضرها صاحبه، فامتنع من بيعها، وأعتقها وتزوج بها.
فصل
وسمعت عنده أبا الحسن بن طرخان، وقد نمى إلى سيدنا خبر ابنه وحذفه والفتى يبرز عليه مع التمسك بمذهبه، وليس بالعراق ولا شيء من الآفاق طنبوري يشاكله أو يقاربه، ومما يغنى به من شعر أبي الحسن ويحلف على الرسم أن لا مداني له فيه:
بيني وبين الدهر فيك عتابُ ... سيطول أن لم يمحهُ الإعتابُ
يا غائباً بوصاله وكتابه ... هل يرتجى من غيبتيك إيابُ
وإذا بعدت فليس لي متعللٌ ... إلا رسولٌ بالرضا وعتاب
وإذا دعوت مساعداً فهو المنى ... سعد المحبُّ وساعد الأحبابُ
لولا التعلل بالرجاء تقطعت ... نفسٌ عليك شعارها الأوصاب
لا يأس من روح الإله فربما ... يصل القطوع وتحضر الغياب
وإلى ههنا من كتاب الروزنامجه.
وقرأت للصابي فصلاً يشتمل على ذكره وبيتين من شعره، وهو: قد شغل قلبي أيد الله سيدنا ما بلغني من تألمه من قدمه، وأضربي وبالأحرار انقطاعه بذلك عن مساعي كرمه. وأقول له، ما أنشدنيه علي بن هرون بن المنجم لنفسه من قصيدة كتب بها إلى أبي الحواري، وقد وثبت رجله من عثرة لحقته:
كيف نال العثار من لم يزل من ... ه مقيلاً من كل خطبٍ جسيم
أو ترقى الأذى إلى قدم لم ... تخطُ إلا إلى مقامٍ كريم
وقال في قدح أصفر:

(1/351)


وقدحٍ مورس السربال ... من نقشه قبل المدام حال
تحسبه ملآن وهو خال أخذ معنى قوله من نقشه قبل المدام حالي قريبه أبو محمد بن المنجم فقال من قصيدة في وصف دار الصاحب:
وأبوابها أثوابها من نقوشها ... فلا ظلم إلا حين ترخي ستورها
ولقد أحسن السرقة وجود اللفظ وزاد في المعنى.
الأحنف العكبري
أبو الحسن عقيل بن محمد العكبري
شاعر المكديين وظريفهم، ومليح الجملة والتفصيل منهم. وقرأت للصاحب فصلاً في ذكره فأوردته، وهو: لو أنشدتك ما أنشدنيه الأحتف العكبري لنفسه، وهو فرد بني ساسان اليوم بمدينة السلام، وحسن الطريقة في الشعر، لامتلأت عجباً من ظرفه، وإعجاباً بنظمه، ولا أقل من إيراد موضع افتخاره فإنه يقول:
على أني بحمد الل ... ه في بيتٍ من المجد
بإخواني بني ساسا ... ن أهل الجد والحد
لهم أرض خراسان ... فقاشان إلى الهند
إلى الروم إلى الزنج ... إلى البلغار والسند
إذا ما أعوز الطرق ... على الطراق والجند
حذاراً من أعاديهم ... من الأعراب والكرد
قطعنا ذلك النهج ... بلا سيفٍ ولا غمد
ومن خاف أعاديه ... بنا في الروع يستعدي
ولهذا البيت الأخير معنى بديع، وتفسيره: يريد أن ذوي الثورة وأهل الفضل والمروءة إذا وقع أحدهم في أيدي قطاع الطريق وأحب التخلص، وقال: أنا مكدي، فانظر كيف غاص، وأبرز هذا المعنى المعتاص. إلى ههنا كلام الصاحب.
وفي هذه القصيدة!
وقالوا قد سلا عنك ... وقد حال عن العهدِ
ولا والله ما أسلو ... ولكن قل ما عندي
وأنشدني علي بن مأمون المصيصي قال: أنشدني الأحنف لنفسه:
عشتُ في ذلةٍ وقلةِ مال ... واغترابٍ في معشر أندال
بالأماني أقول لا بالمعاني ... فغذائي حلاوة الآمال
لي رزقٌ يقول بالوقف في ال ... رأي ورجل تقول بالاعتزال
وقال:
رأيت في النوم دنيانا مزخرفةً ... مثل العروس تراءت في المقاصير
فقلت جودي فقالت لي على عجلٍ ... إذا تخلصت من أيدي الخنازير
وقال:
العنكبوت بنت بيتاً على وهنٍ ... تأوي إليه وما لي مثله وطنُ
والخنفساء لها من جنسها سكنٌ ... وليس لي مثلها إلف ولا سكنُ
وقال:
قد قسم الله رزقي في البلاد فما ... يكاد يدرك إلا بالتفاريق
ولست مكتسباً رزقاً بفلسفةٍ ... ولا بشعر ولكن بالمخاريق
والناس قد عملوا أني أخو حيلٍ ... فلست أنفق إلا في الرساتيق
وقال:
قال رؤيا المنام عندك حق ... قلت هيهات كل ذاك بخارُ
ليت يقظانهم يصح له الأم ... ر فكيف المغط والنخار
وقال:
سريرٌ بت بماخور ... على دف وطنبور
وصوت الطبل كردم طع ... وصوت الناي طلير
فصرنا من حمى البيت ... كأنا وسط تنور
وصرنا من أذى الصفع ... كمثل العمى والعور
لقد أصبحت مخموراً ... ولكن أي مخمور
وقال من قصيدة:
ترى العقيان كالذهب المصفى ... تركب فوق أثفار الدواب
وكيسي منه خلوٌ مثل كفي ... أما هذا من العجب العجاب
وقال:
قام للشقوة أيري ... وجرى بالنحس طيري
وولى حل سراوي ... لك يا مولاي غيري
وتقرات علينا ... كسعيد بن جبير
أترى قد عقر الناق ... ة يا مولاي أيري
ليس لي منك سوى صب ... حك الله بخير
ابن العصب الملحي
قد أجريت ذكره عند ذكر السري الرفاء، وكان يتطايب في المداخلة والمعاشرة، ويقول شعراً خفيف الروح.
كتب غليه ابن سكرة:
يا صديقاً أفادنيه زمانٌ ... فيه ضن بالأصدقاء وشح
بين شخصي وبين شخصك بعدٌ ... غير أن الخيال بالوصل سمح

(1/352)


إنما يمنع التآلف منا ... أنني سكر وأنك مُلحُ
فأجابه من أبيات منها:
هل يقول الإخوان يوماً لخل ... شاب منه محض المودة قدحُ
بيننا سكر فلا تفسدنه ... أو يقولون بيننا ويكَ ملحُ
وقال في قاض:
لنا قاض له وجهٌ ... على أخذ الرشا عابس
ولكن له أيراً ... يدق الرطب واليابس
وقال:
ذرفت عين الغمام ... فاستهلت بسجامِ
وبكى الإبريق في ال ... كأس بدمعٍ من مدام
فاسقني دمعاً بدمعٍ ... من مدامٍ وغمام
واعصِ من لامك فيه ... ليس ذا وقت الملام
أبو علي الحسن بن علي الخالع
شاعر مفلق من شعراء الوزير أبي نصر سابور بن أردشير، ولذكره موضع آخر في الباب التاسع. ومن ملح شعره قوله من أبيات:
اسقنا من شرابك الصرف نموز ... جه بماءٍ من الثنايا زلال
بنت كرمٍ كأنها خجلةُ الخ ... د تبدت في حلةٍ من دلال
وقال:
هو معلمٌ لهواك فاعلم ... وهي لرسوم كا نرسّم
قف مطلق العبرات مح ... تبس الصبابة يا متيّم
حنى ترى ديباج خدّ ... ك من دموعك فيه معلم
واذكر زمان خلاعة ... لك في مغانيه تقدّم
إذ أنت في مجموع ش ... مل الغانيات به مقسّم
يثني عناقك من سعا ... دٍ ساعداً عبلاً ومعصم
ونصير من نَغَمٍ إلي ... ك معاطف الغصن المنعّم
أرعيت ألحاظي بمو ... شي الرّبى خضلٍ موشّم
متضوّع الأرجاء من ... تفس الشمال إذا تنسّم
ألقت بكلِّ قرارة ... فيه يد الأنواء درهم
والأقحوان الغضّ من ... خجل الشقائق قد تبسّم
فكأنّما ريّاه أخ ... لاق الوزير وقد تكرّم
يامن إليه مقاليد ال ... علياء عن حقّ تساّم
مات السّماح فكنت في ... إحيائه عيسى ابن مريم
الشيخ أبو محمد عبد الله
بن محمد النامي الخوارزمي
أنا أختم هذا الباب بذكر من هو للعلم مجمع، وللأدب مفزع. وإليه الرحلة اليوم ببغداد في تدريس كتب الشافعي رحمه الله، مع الشيخ أبي حامد الإسفرائيني أيده الله، وله لسان يستوفي أقسام الفصاحة، ويجمع بن العذوبة وحسن العبارة والبراعة، وشعر يشرف بصاحبه، ويأخذ من القلب بمجامعه كقوله:
أيا زائر البيت العتيق وتاركي ... قتيل الهوى لو زرتني كان أجدرا
تحج احتساباً ثم تقتلُ عاشقاً ... فديتك لا تحجج ولا تقتلِ الورى
وكقوله، وكتب به إلى أبي سعيد بن أبي بكر الإسماعيلي:
حاش لله أن أزول عن العه ... د وإن زاد سيدي في الجفاءِ
تحج احتساباً ثم تقتلُ عاشقاً ... فديتك لا تحجج ولا تقتل الورى
وأنشدني أبو الحسن الكرخي، وقال: أنشدني الشيخ أبو محمد لنفسه:
يا عينُ منكِ شكايتي وبلائي ... أنت التي أسلمتني لشقائي
لما نظرت إلى محاسن وجهه ... أشعلت نار الشوق في أحشائي
ثم اعتبرت لتخدعيني بالكبا ... فكشفت ذاك السر للأعداء
فتأملي ماذا جنيتِ وأمسكي ... بالله عنا معشر الغرباء
وقال: أنشدني أيضاً لنفسه:
عجبت من معجبٍ بصورته ... وكان من قبل نطفةً مذره
وفي غدٍ بعد حسن صورته ... بصير في الأجيفة قذره
وهو على عجبه ونخوته ... ما بين ثوبيه يحمل العذره
وقال: أنشدني أبو محمد الحامدي له بيتين في سابور استملحتهما جداً، وهما:
سابور، ويحك! ما أخ ... سك! بل أخصك بالعيوب!
وجه قبيحٌ في التبس ... م كيف يحسن في القطوب
وأنشدني أبو حفص عمر بن علي الفقيه، قال: أنشدني أبو يعلى الواسطي، قال: أنشدني النامي لنفسه:
قلت له ورأى في وجهها أثراً ... فازور عنه كئيب القلب مدهوشاً

(1/353)


ما حسن ديباجة الخد المليح إذا ... لم يحكِ في حسنه الديباج منقوشاً
قال: وأنشدني أبو علي الكندي، قال: أنشدني النامي لنفسه، وقد أهدى هدية مهرجانية إلى بعض الرؤساء:
هديةُ المهرجان واجبة ... على السلاطين على الفقها
وإن جرى عبدكم على سننٍ ... من التهادي فما أتى سفها
حمل على أنني لكم قلمٌ ... قط برأسين يكشف الشبها
الباب التاسع
فيما أخرج من مجموع أشعار أهل العراق
وغيرهم
في الوزير أبي نصر سابور بن أردشير
منهم من تقدم ذكره ومنهم من تأخر، ومنهم من لا يجري له ذكر فيما سواه.
قال السلامي من قصيدة فيه وقد أعيد إلى الوزارة وخلع عليه:
اليوم طبق أفق الدولة النورُ ... وأوضحت فلق الملك التباشير
فكل عينٍ إليك اليوم طامحةٌ ... وكل قلبٍ بما خولت مسرورُ
أقبلت في خلع السلطان زينها ... ذيل على أنجم الجوزاء مجرور
كأنما نسجتها في الرياض يداً ... غيثٌ فرونقها بالحسن مغمور
ورحت فوق جوادٍ كالعقاب جرى ... والجود في سرجه والمجد والخير
محمد بن أحمد الحمدوني من قصدية له فيه:
وفي الظعائن مهضومُ الحشى غنجٌ ... يخطو بأعطاف نشوان الخطا ثملِ
ظبي مشى الورد من لحظي بوجنته ... مشي اللواحظ من عينيه في أجلي
ومترف الترب مجاج الندى عطرٍ ... مفوف النور موسوم الثرى خضلِ
قد شام جدوله فيها مهندةً ... فاهتز مثل اهتزاز الخائف الوجل
إذا نسيم الصبا باحت سرائره ... أصغى إليهن سمع الغصن بالميل
والروض تسحب فيه السحب أرديةً ... مظاهراتٍ عليها أظهر الحلل
يا مؤنس الملك والأيام موحشةٌ ... ورابط الجأش والآجال في وجل
مالي وللأرض لم أوطن بها وطناً ... كأنني بكرُ معنى سار في المثل
لو أنصف الدهر أو لانت معاطفه ... أصبحت عندك ذا خيلٍ وذا خول
لله لؤلؤ ألفاظٍ أساقطها ... لو كن للغيد ما استأنسن بالعطل
ومن عيون معانٍ لو كحلت بها ... نجل العيون لأغناها عن الكحل
سحرٌ من الفكر لو دارت سلافته ... على الزمان تمشى مشية الثمل
أبو الفرج الببغاء:
لمت الزمان على تأخير مطلبي ... فقال ما وجه لومي وهو محظورُ
فقلت لو شئت ما فات الغنى أملي ... فقال أخطأت بل لو شاء سابورُ
عذ بالوزير أبي نصر وسل شططاً ... أسرف فإنك في الإسراف معذور
وقد تقبلتُ هذا النصح من زمني ... والنصحُ حتى من الأعداء مشكورُ
وما لطرف رجائي عنك منصرفٌ ... وهل يفارق جرم المشتري النور
ابن بابك من قصيدة:
شمت برق الوزير فانهل حتى ... لم أجد مهرباً إلى الإعدام
وكأني وقد تقاصر باعي ... خائضٌ في عباب أخضر طامي
مستفيض الندى كريم السجايا ... عاجل العفو آجل الإنتقام
كذب الزاعمون أن المعالي ... في صدور المثقفات الدوامي
إنما المجد والندى والمساعي ... والردى في أسنةِ الأقلام
ابن لؤلؤ من قصيدة:
خصال العلا كلها من خصالي ... وصوب الحيا قطرةٌ من شمالي
خلقتُ كما شاءتِ المكرماتُ ... بعيدُ النظير فقيد المثال
تنزهني عن دنايا الأمو ... ر نفسي وتندبني للمعالي
فللبأس طول يدي والحسام ... وللمجد والحمد جاهي ومالي
وحرفٍ تعرس فيها الرياح ... إذا ما صغت للوني والكلال
أجرت تعوج مثل القس ... ي يحملن ركباً كمثل النبالِ
ومجنوبةٍ في حواشي المط ... ي ينفضن أعرافها كالسعالي
طلبن الوزير فتى أردش ... ير صنو الندى وحليف المعالي

(1/354)


بعيد مدى الجود لا يتقى ... مؤمله بكريه المطال
أغر يرى لك ما لا تراه ... لديه ويعطيك قبل السؤال
ويهتز من طربٍ للسما ... ح هز الصبا للرماح الطوال
الخليع النامي من قصيدة:
في أي منزل صبوةٍ لم أنزلِ ... وبأي منطق عاذلٍ لم أعذل
ما حق هذا الربع إذ فيه الهوى ... أن يستضام بوقفةِ المستعجل
كل إن حضرت إلى الدموع سؤاله ... فالدمع أفصح من سؤال المنزل
يا هذه إن لم يكن لك نائلٌ ... فعدى وإن لم تجملي فتجملي
جودي فإن لم تحسني فتعلمي ال ... إحسان من هذا الوزير المفضل
أعدي الزمان ندا أبي نصر فلو ... سمناهت أن يهب الصبا لم يبخل
أرضى الديانة والصيانة حكمه ... بكفايتي قلمٍ وقائم منصل
يا موئل الراجي وهل للحائم ال ... صادي سوى قطر الحيا من موئل
أسعد بإقبالٍ وعيدٍ قابلاً ... بك شخص سعدٍ ليس بالمترحل
وتمل فضلك فهو أفخر ملبسٍ ... وتبو عزك فهو أمنع معقل
وأخبر متى ما شئت إخلاصي تبن ... لك نيةُ المصفي من المتجمل
ما قلت قط لمنعمٍ هب لي وفي ... تحصيل رأيك قد رغبت فهبه لي
فالآن قد أوفى النجاح على لمنى ... بسعادتي في الأصل لا بتوصلي
وعلمتُ أني مقبلٌ وعلامة ال ... إقبال أني عذت منك بمقبل
الحاتمي من أجوزة:
أولى بعفوٍ من قدر ... لا عفو عن جانٍ أصر
يلم يجن ذنباً من أقر ... الصبر عنوان الظفر
أولى بفوز من صبر ... المجد في خوض الخطر
كفي العيان المختبر ... أولى بعرفٍ من شكر
شكر الرياض للمطر ... إن يطو معروفٌ نشر
الحمد خيرُ مدخر ... إن ساءك الزمان سر
ما كسر الدهر جبر ... من زجر الهوى انزجر
بادر من العيش الغرر ... ما العيش إلى المبتدر
لهفي لعصرٍ مدكر ... إذ غصن عيشي متصر
آصاله مثل البكر ... لم تفترع منه العذر
مر كلمحٍ بالبصر ... وأرجُ النشر عطر
غصنٌ ودعصٌ وقمر ... تحت ظلامٍ من شعر
ذي ريقةٍ تشكو الخصر ... شيبت بمسكٍ وسكر
محييةٌ ميت الوطر ... وسابحٍ سامي النظر
أسرع من وشك القدر ... وخاطر الوهم خطر
وسائلٍ من منحدر ... وقبلةٍ على حذر
ومنها:
أوفى على كل البشر ... سابور مجداً وأثر
وإنما العضب الذكر ... أعاره ما لم يعر
رأياً كمحتوم القدر ... فانصاع كالنجم انكدر
يحمد إن ذم المطر ... تهفو الرواسي إن زفر
في كفه نفعٌ وضر ... ولحظه خيرٌ وشرّ
والدهر طوعٌ ما أمر يجري بما ساء وسر
ذو خلقٍ سهلٍ يسر ... كمثل نوار الزهر
وشبه أنواءِ المطر ... يحيى أفانين الثمر
من بالغٍ ومنتظر ... كالأمن من بعد الحذر
والخير في أعقاب شر ... وكالكرى غب السهر
عمرت ما شاء الوطر ... فأنت للملك وزر
دونك عذراء الفقر ... تُتلى كما تتلى السور
الخالع من قصيدة:
أفي غلائها غصنُ من البان ... يهتز في نعمةٍ أم قد إنسان
هيفاءُ مرهفة الأعطاف إن خطرت ... أهدت نشاط الهوى من خطو كسلان
تبسمت فظننا أن مبسمها ... فيه من اللؤلؤ المجلو سمطان
وأومأت بيمينٍ لو دنت لفمي ... لأفسدت صالحاً من نسك إيماني
مقسم العيش في تحصيل مأثرة ... سيارةٍ يتقاضاها لباسان

(1/355)


فللدروع عليه يوم ملحمةٍ ... وللدرائع منه يوم ديوان
طرز الطلاقة في ديباجة غرته ... للبشر فيها إشاراتٌ بألوان
كأن ماء الحياة الغمر منسكباً ... فيها يفيض على نوار بستان
محمد بن بلبل من قصيدة:
أضحى الرجاء لبرق جودك شائماً ... وارتد روض الحمد وحفاً ناعماً
سميت نفسي إذ رجوتك واثقاً ... ودعوتها لك مذ مدحتك خادماً
فمتى أقوم بشكر نعمتك التي ... عقدت علي من الخطوب تمائماً
لا زال جدك للعدو مزاحماً ... يعلو وآنف حاسديك رواغما
وأسعد بعيدٍ قد حبتك سعوده ... عزاً يكون مع السعادة قادماً
أحمد بن علي المنجم من قصيدة:
أيهذا الوزير محصت بالإح ... سان جور الدنيا ووزر الزمان
فاشرب الراح راحة القلب أخت ال ... روح روح المكروب أنس الأماني
وابق ما شئت في نعيم تراهٍ ... لك أنموذجاً لعيش الجنان
السفياني من قصيدة:
روض المنى بك عاد غضاً مونقاً ... واهتز غصن المجد فيه وأورقا
وابيض وجه الدهر بعد سخومه ... وارتد بعد ظلامه فتألقا
فت الأنام فما يجاريك أمرؤ ... في حلبة الفخر المنيع المرتقى
ولو غتدى ظهر المجرة راكباً ... وغدا بأذيال السهى متعلقاً
أجرى فكان مسبقاً وصفا فكا ... ن مطبقاً وعفا فكان موفقاً
أحمد بن المغلس من قصيدة:
أبروقٌ تلألأت أم ثغورُ ... وليالٍ دجت لنا أم شعورُ
غصونٌ تأودت أم قدودٌ ... حاملاتٌ رمانهن الصدور
طالعاتُ من السجوف على الرك ... ب بدورٌ أبرزتهن الخدور
مثقلاتُ أردافهن ولكن ... مرهفاتٌ من فوقهن الخصورُ
مطمعاتٌ في وصلهن ودون ال ... وصل إن رمته دماءٌ تمور
عز منهن ما يرام كما ع ... ز جنابٌ يحتل فيه الوزير
نصر المجد حافظاً حرة المج ... د أبو نصر الرضا سابور
مفردٌ في الزمان ليس يداني ... ه ومن الناس مشبهٌ أو نظير
إن يجد واهباً فغيثٌ مطيرٌ ... أو يصل واثباً فليثٌ هصورُ
سعد بن محمد الأزدي من قصيدة:
أأجفو الهوى في بعهِ لا أخاطبه ... وأمضي ولم تعلب بدمعي ملاعبه؟
ومنها في وصف الحساب:
وأقمر منشور الجناح مرفرفٍ ... تحلى بعقيانِ البروق ترائبه
وخلف غمام الخدر بدرٌ مضمخ ... بحسن بديعٍ والحلي كواكبه
أرجى أبا نصر لعصرٍ كأنما ... من النار عيناه فمن ذا يغاضبه
على عيلةٍ لو حمل الدهر ثقلها ... لزلت به رجلاه وانقض غاربه
إذا ما رآه الناس قالوا تعجباً ... تبارك مختار الكمال وواهبه
الحسن بن محمد العضدي:
يلقاك إن لاقاك دهرك كالحاً ... متبسماً كالعارض المتبسم
وإذا سما نحو العلا لم يتخذ ... غير المواهب والعلا من سلم
سيان عزمك والحسام المنُتضى ... وندى يديك وصوبُ نوء المرزم
كم منهٍ لك لم يكدر صفوها ... من وكم نعمى شفعتَ بأنهم؟
أتراك تحرمني لطيف عنايةٍ ... وبك الغداة من الزمان تحرمي
وأنا ابنُ أنعمك القديمة فليصل ... منك السماح مؤخراً بمقدم
عون بن علي العنري:
لستُ على العتب بالمنيب ... ولا للوم بمستجيب
جل غرامي وزاد سقمي ... وذبت شوقاً إلى مذيبي
غير عجيبٍ نحول جسمي ... شوقاً إلى حسنه العجيب
تلهبُ الوجنتين منهُ ... غادر قلبي على لهيب
يا دهر أغربت في التعدي ... والجور ظلماً على الغريب
شوبك لي فرقةً بشوقٍ ... أطلع من لمتي مشيبي

(1/356)


حسبي أبو نصر المرجى ... عوناً على الدهر والخطوب
إن ضاق دهرٌ بنا أوينا ... منه إلى صدره الرحيب
الباب العاشر
في ذكر الشريف أبي الحسن الرضى
الموسوي النقيب وغرر شعره
هو أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم ا بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، ومولده ببغداد سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وابتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز العشر سنين بقليل، وهو اليوم أبدع أبناء الزمان، وأنجب سادة العراق، يتحلى مع محتده الشريف، ومفخره المنيف، بأدب ظاهر وفضل باهر، وحظ من جميع المحاسن وافر، ثم هو أشعر الطالبيين، من مضى منهم ومن غبر على كثرة شعرائهم المفلقين، كالجماني وابن طباطبا وابن الناصر وغيرهم، ولو قلت إنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق، وسيشهد بما أجريه من ذكره شاهد عدل من شعره العالي القدح، الممتنع عن القدح، الذي يجمع إلى السلاسة متانة، وإلى السهولة رصانة، ويشتمل على معان يقرب جناها، ويبعد مداها، فأما أبوه أبو أحمد فمنظرو علوية العراق مع أبي الحسن محمد بن عمر بن يحيى، وكان قديماً يتولى نقابة الطالبيين والحكم فيهم أجمعين، والنظر في المظالم والحج بالناس، ثم ردت هذه الأعمال كلها إلى ولده أبي الحسن هذا، وذلك في سنة ثمانين وثلاثمائة، فقال أبو الحسن قصيدة يهنئ بها أباه، ويشكره على تفويضه أكثر هذه الأعمال إليه:
انظر إلى الأيام كيف تعودُ ... وإلى المعالي الغر كيف تزيدُ
وإلى الزمان نبا وعاود عطفه ... فارتاح ظمآن وأوراق عودُ
قد عاود الأيام ماء شبابها ... فالعيش غض والليالي عيد
إقبال عز كالأسنة مقبلٍ ... يمضي وجد في العلاء جديدُ
وعلاً لأبلج من ذؤابة هاشمٍ ... يثني عليه السؤدد المعقود
قد فات مطلوباً وأدرك طالباً ... ومقارعوه على الأمور قعود
ما السؤدد المطلوب إلا دون ما ... يرمي إليه السؤدد المولود
فإذا هما اتفقا تكسرت القنا ... إن غالباً وتضعضع الجلمود
وله من قصيدة في أبيه، ويذكر حجه بالناس:
دعيني أطلب الدنيا فإني ... أرى المسعود من رزق الطلابا
ومن أبقى لأجله حديثاً ... ومن عانى لعاجله اكتساباً
وما الغبونُ إلا من دهته ... فلا مجداً ولا جدةً أصابا
ونصل السيف تلسم شف ... رتاه وتخلق كل أيام قرابا
وأيامٌ تجوز عليك بيضٌ ... وقد فتحت من الإقبال بابا
وكم يومٍ كيومك قدت فيه ... على الغور المقانب والركابا
إلى البلد الأمين مقوماتٌ ... تماطلها التعجل والإيابا
بحيث تفرغ الكوم المطايا ... حقائبها وتحتقب الثوابا
معالم إن أجال الطرف فيها ... مسيءُ القوم أقلع أو أنابا
وقال في الطائع لله أمير المؤمنين من قصيدة:
لله ثم لك المحل الأعظمُ ... وإليك ينتسب العلا الأقدمُ
ولت الرتاث من النبي محمدٍ ... والبيتُ والحجر العظيمُ وزمزمُ
تمضي الملوك وأنت طودٌ ثابتٌ ... ينجاب عنك متوجٌ ومعمم
لله أي مقام دينٍ قمتهُ ... والأمر من دون القضية مبهم
فكأنما كنت النبي مناجزاً ... بالقول أو بلسانه تتكلم
أيام طلقها المطيع وأوحشت ... مذ زال عن ذات الغاب الضيغم
فمضى وأعقب بعده مستيقظاً ... سجلاه بؤسي في الرجال وأنعم
كالغيث يخلفه الربيع وبعضهم ... كالنار يخلفه الرماد المظلم
ينظر معنى المصراع الأول إلى بيت المتنبي، وهو أحسن ما قيل فيه، وهو قوله: فإنك ماء الورد إن هب الورد ومعنى المصراع الثاني من قول الشاعر:
وبعضهم يكون أبوه منه ... مكان النار يخلفها الرماد
ومنها في وصف النوق:
هن القسي من النحول فإن سما ... طلبٌ فهن من النجاء الأسهم

(1/357)


ما أحسن ما جمع بين القسي والأسهم في هذين الوصفين! وما أراه سبق إليه على هذا الترتيب.
ومنها:
وعظمت قدراً أن يروقك مغنمٌ ... أو أن يصل على بنانك درهم
هي راحةٌ ما تستفيق من الندى ... أبد الزمان وبدرةٌ لا تختم
ما كان يومي دون مدحك أنني ... صب بغير جلال وجهك مغرم
أنت العلا فلقصدها ما أقتني ... من جوهرٍ ولمدحها ما أنظم
ما حق مثلي أن يضاع وقوله ... باقي العماد على الزمان مخيمُ
وأنا القريب قرابةً معلومةً ... والعرق يضرب والقرائب تلحم
إني لأرجو منك أن سيكون لي ... يومٌ أغيظ به الأعادي أيوم
وأنال عندك رتبةً مصقولةً ... إن عاين الأعداء رونقها عموا
إني وإن ضرب الحجاب بطوده ... أو حال دونك يذبل ويلملم
لأراك في مرآة جودك مثل ما ... يلقى العيان الناظرُ المتوسمُ
يا دهر دونك قد تماثل مدنفٌ ... واقتص مهتضم وأوراق معدم
إني عليك إذا امتلأت حميةً ... بندى أمير المؤمنين محرم
ومذ ادرعت فناءه وعطاءه ... أرمى يرميني الزمان فأسلم
وقال من قصيدة لما خلع الطائع يذكر فيها أيامه ويرثيها ويتوجع مما لحقه وذلك في شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة:
إن كان ذاك الطود خ ... ر فبعدما استعلى طويلاً
موفٍ على القلل الذوا ... هب في العلا عرضاً وطولا
قومٌ يسدد لحظه ... فيرى القروم لا مثولا
ويُرى عزيزاً حيث ح ... ل ولا يرى إلا ذليلاً
كالليت إلا أنه ات ... خذ العلا والعز غيلا
وعلا على الأقران لا ... مثلاً يعد ولا عديلا
من معشرٍ ركبوا العلا ... فأبوا عن الكرم النزولا
كرموا فروعاً بعد ما ... طابوا وقد عجموا أصولاً
نسبٌ غدا رواده ... يستنخبون له الفحولا
يا ناصر الدين الذي ... رجع الزمان به كليلا
يا صارم المجد الذي ... ملئت مضاربه فلولا
يا كوكب الإحسان أع ... جلك الدجى عنا أفولا
يا مصعب العلياء قا ... دتك العدى نقضاً ذلولاً
لهفي على ماضٍ قضى ... أن لا يُرى منه بديلاً
وزوال ملكٍ لم يكن ... يوماً يقدر أن يزولا
ومنازلٍ سطر الزما ... ن على مغانيها الحؤولا
من يزجر الدهر الغشو ... م ويكشفِ الخطب الجليلا؟
وتراه يمنع دوننا ... وادي النوائب أن يسيلا
عقاد ألوية الملو ... ك على العدى جيلاً فجيلا
صانعت يوم فراقه ... قلباً قد اعتنق الغليلا
ظعن الغنى عني وحو ... ل رحله إلا قليلاً
إن عاد يوماً عاد وج ... ه الدهر مقبلاً جميلاً
ولئن غدا طوع المنو ... ن ميمماً تلك السبيلا
فلقد يخلف مجده ... عبئاً على الدنيا ثقيلا
واستذرت الأيام من ... نفحاته ظلا ظليلا
وله من قصيدة يذكر فيها الحال يوم القبض على الطائع لله، ويصف خروجه من الدار سليماً، وقد سلبت ثياب أكثر الأشراف والقضاة، وانتهبوا وامتحنوا، فأخذ هو بالحزم ساعة، ووقف على الصورة، وبادر إلى نزول دجلة، وكان أول خارج من الدار، وتلوم من تلوم حتى جرى عليه ما جرى، ويذكر غرضاً آخر في نفسه ويشكو الزمان، ويذم عمل السلطان:
لواعج الشوق تخطيهم وتصميني ... واللوم في الحب ينهاهم ويغريني
سلا عن الوجد إني كل شارقةٍ ... تريشني الشيب والأيام تبريني
من لي ببلغة عيشٍ غير فاضلةٍ ... تكفني عن أذى الدنيا وتكفيني
أخي من باع دنياه وزخرفها ... بصونه كان عندي غير مغبون

(1/358)


قالوا أتقنع بالدون الخسيس وما ... قنعتُ بالدون بل قنعت بالدون
إذا ظننا وقدرنا جرى قدرٌ ... بنازلٍ غير موهومٍ ومظنون
أعجب بمسكة نفسي بعد ما رميت ... من النوائب بالأبكار والعون
ومن نجاتي يوم الدار حين هوى ... غيري ولم أخل من حزمٍ ينجيني
مرقت فيها مروق النجم منكدراً ... وقد تلاقت مصاريعٍ الردى دوني
وكنت أولاً طلاعٍ ثنيتها ... ومن ورائي شر غير مأمون
من بعد ما كان رب الملك مبتسماً ... إلي أدنيه في النجوى ويدنيني
أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه ... لقد تقارب بين العز والهون
ومنظرٍ كان بالسراء يضحكني ... يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني
هيهات أغتر بالسلطان ثانيةً ... قد ضل ولأجُ أبواب السلاطني
وقال في القادر بالله أبي العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر عند استقراره في دار الخلافة سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة:
شرف الخلافة يا بني العباس ... اليوم جدده أبو العباسد
وافى لحفظ فروعها وكنيه ... كان المثير مواضع الأغراس
هذا الذي رفعت يداه بناءها ال ... عالي وذاك موطدُ الأساس
كأنهم ألم فيه بقول ابن الرومي في المعتضد بالله:
كما بأبي العباس أنشئ ملككم ... كذا بأبي العباس منكم يجدد
رجع:
ذا الطود بقاه الزمان ذخيرةً ... من ذلك الجبل العظيم الراسي
فالآن فر العز في سكناته ... ثلج الضمائر بارد الأنفاس
وقفت أخامص طالبيه ورفهت ... أيدٍ نقضن معاقد الأحلاس
واحتل غاربه ولي خلافةٍ ... ما كان يلبسها على اللباس
سبق الرجال إلى ذراها ناجياً ... من نابِ كل مجاذبٍ نهاس
يقظانُ يجرح في الخطوب وينثني ... ولهاه للكلم الرغيب أواسي
ويرق أحياناً وبين ضلوعه ... قلبٌ على المال المثمر قاسي
تغدو ظبى البيض الرقاق بقلبه ... أحلى وأعذب من ظباء كناس
فكأن حمل السيف يقطر غربه ... أنسى يمين يديه حمل الكاس
أحسود ذي الغرر الشوادخ إنها ... حرمٌ على الأعيار لا الأفراس
لا تحسدن قوماً إذا فاضلتهم ... فضلوك في الأخلاق والأجناس
مجدٌ أميرُ المؤمنين أعدته ... غضاً كنوز المورق المياس
وبعثت في قلب الخلافة فرحةً ... دخلت على الخلفاء في الأرماس
أورق أمين الله عودي إنما ... أغراث مثلك في العلا أغراسي
وأملك على من كان قبلك سلوةً ... في فرط تقريبي وفي إيناسي
وله فيه من أخرى يصف فيها جلسة جلسها فأوصل إلى حضرته الحجيج وغيرهم وحضر الشريف ذلك المجلس، وعليه السواد في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة منها:
لمن الحدوج تهزهن الأنيق ... والركب يطفو في السراب ويغرق
إني اهتديتُ؟ فلا اهتديت! وبيننا ... سورٌ علي من الظلام وخندقُ
ومطلحون لهم بكل ثنيةٍ ... ملقى وسادته الثرى والمرفق
أبغاة هذا المجد، إن مرامه ... دحضٌ يزل بطالبيه ويزلق
لا تحرجوا هذي البحار فربما ... كان الذي يروي المعاطش يغرق
دعوا مجاذبة الخلافة إنها ... أرجٌ بغير ثيابهم لا يعبق
أبوكم العباس ما استسقى به ... بعد القنوط قبائلٌ إلا سقوا
بعج الغمام بدعوةٍ مسموعةٍ ... فأجابه شرق البوارق مغرق
لله يومٌ أطلعتك به العلا ... علماً يزاول بالعيون ويرشق
لما سمت بك غرةٌ مرموقةٌ ... كالشمس تبهر بالضياء وترمق
وبرزت في برد النبي وللهدى ... نورٌ على أسرار وجهك مشرق

(1/359)