ينابيع المودة لذوي القربى

الشيخ سليمان بن ابراهيم القندوزي الحنفي

المجلد الثالث


[ 1 ]

ينابيع المودة لذوي القربى


[ 3 ]

ينابيع المودة لذوي القربى

للشيخ سليمان بن ابراهيم القندوزي الحنفي (1220 - 1294 ه‍(

تحقيق سيد علي جمال اشرف الحسيني

المجلد الثالث


[ 4 ]

ينابيع المودة لذوي القربى (ج 3)

تأليف: سليمان بن ابراهيم القندوزي الحنفي

تحقيق: سيد علي جمال اشرف الحسيني

لناشر: دار الاسوة للطباعة والنشر

المطبعة: اسوه

الطبعة: الاولى

تاريخ النشر: 1416 ه‍. ق

عدد المطبوع: 2000 دررة

جميع الحقوق محفوظة للناشر اين كتاب با أستفاده أز تسهيلات حمايتي وزارت ارشاد چاب گرديده است قيمت: 4500 تومان

 


[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم


[ 7 ]

الباب الستون في الاحاديث الواردة في شهادة الحسين صلوات الله ورحمته وبركاته وسلامه عليه وعلى أهل بيته ومن معه دائما سرمدا [ 1 ] في المشكاة: عن أم الفضل بنت الحارث امرأة العباس (رضي الله عنهما) إنها دخلت على رسول الله (ص) فقالت: يارسول الله، إني رأيت حلما منكرا الليلة. قال: ما هو ؟ (قالت: انه شرير. قال: وما هو ؟). قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك المبارك (1) قطعت ووضعت في حجري. فقال (ع): رأيت خيرا، تلد فاطمة - إن شاء الله تعالى - غلاما يكون في حجرك. قالت: فولدت فاطمة الحسين، فكان في حجري، فأرضعته بلبن قثم (2)، فدخلت يوما على النبي (ص) فوضعته في حجره، ثم حانت (3) مني التفاتة فإذا عينا رسول الله (ص) تهريقان الدموع.


[ 1 ] مشكاة المصابيح 3 / 1741 حديث 6171 (مناقب أهل البيت). مستدرك الصححين 3 / 176. (1) لا يوجد في المصدر: " المبارك ". في المصدر: (كما قال رسول الله (ص) " بدل: " فأرضعته بلبن قثم ". في المصدر: " كانت " بدل " حانت ". (*)

[ 8 ]

(قالت) فقلت: يا رسول الله بأبي وأمي مالك ؟ قال: أتاني جبرائيل (ع) فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا. فقلت: هذا ؟ قال: نعم. وأتاني بتربة (من تربته) حمراء (رواه البيهقي) (1). [ 2 ] وفي حمع الفوائد: عائشة رفعته: إن جبرائيل أخبرني أن ابني حسينا مقتول في أرض الطف، وإن أمتي ستفتن بعدي (للكبير). [ 3 ] وفي الاصابة: أنس بن الحارث (2) بن نبيه: قال البخاري في تاريخه، والبغوي، وابن السكين، وغيرهما: عن أشعث بن سحيم، عن أبيه، عن أنس بن الحارث (3)، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إن ابني هذا - يعني الحسين - يقتل بأرض يقال لها " كربلاء " فمن شهد ذلك منكم فلينصره. فخرج أنس بن الحارث (4) الى كربلا فقتل بها مع الحسين (رضي الله عنه وعمن معه). (5)


(1) لا يوجد في المصدر: " رواه البيهقي ". [ 2 ] جمع الفوائد 2 / 218 (مناقب الحسن والحسين (ع). مجمع الزوائد 9 / 187. [ 3 ] الاصابة 1 / 68. (2) في المصدر: " الحرث ". (3) في المصدر: " الحرث ". (4) في المصدر: " الحرث ". (5) لا يوجد في المصدر: " رضي الله عنه وعمن معه ". (*)

[ 9 ]

[ 4 ] في جمع الفوائد: ابن عباس قال (1): إستأذنني الحسين في الخروج فقلت: لولا أن يزري ب أو بك لشبكت بيدي على (2) رأسك. فقال: لئن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن يستحل بي حرم الله ورسوله. فذلك الذي سلى بنفسي عنه. [ 5 ] وفي الاصابة: إمرئ القيس بن عدي بن عوس بن جابر بن كعب بن عليم الكلبي، كان أميرا على قضاعة الشام. قال له علي بن أبي طالب: هذان ابناي وقد رغبنا في صهرك فأنكحنا بناتك. فقال: قد أنكحتك يا علي الحياة ابنتي. وأنكحتك يا حسن سلمى ابنتي وأنكحتك يا حسين الرباب ابنتي، وهي أم سكينة وفيها يقول الحسين شعرا: لعمرك إنني لاحب داراا * تحل بها سكينة والرباب وهي التي أقامت على الروضة المكرمة للحسين في كربلا حولا ثم أنشدت هذا البيت: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد عذر وفي كتاب مودة القربى: عن الحسين (ع) قال: قال لي جدي (ص): يا بني إنك لكبدي، طوبى لمن أحبك وأحب ذريتك،


[ 4 ] جمع الفوائد 2 / 218. (1) لا يوجد في المصدر: " قال ". (2) في المصدر: " في ". [ 5 ] الاصابة 1 / 113 ترجمة 487. [ 6 ] مودة القربى: 34 المودة 12. (*)

[ 10 ]

فالويل لقاتلك يوم الجزاء. [ 7 ] وفي البخاري: عن ابن أبي نعم البجلي قال (1): سمعت (عبد الله) بن عمر (و) سأله عن المحرم - قال شعبة أحسبه - يقتل الذباب. فقال: أهل العراق يسألون عن الذباب وقد قتلوا ابن ابنة رسول الله (ص) وقال النبي (ص): هما ريحانتاي من الدنيا. [ 8 ] وفي جمع الفوائد: أنس قال: كنت عند ابن زياد فجئ برأس الحسين (ع) فجعل يضرب بقضيب في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسنا. فقلت: أما إنه كان أشبههم برسول الله (ص) (للبخاري والترمذي بلفظه). ولنورد ما في " الصواعق المحرقة " للشيخ ابن حجر الهيثمي الشافعي المكي عمدة علماء الشافعية وسندهم: [ 9 ] أخرج ابن سعد والطبراني: عن أم المؤمنين (2) عائشة (رضي الله عنها) رفعته: أخبرني جبرائيل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة وأخبرني (3) أن فيها مضجعه.


[ 7 ] صحيح البخاري 4 / 217. سنن الترمذي 2 / 325 حديث 3859. (1) لا يوجد في المصدر: " البجلي قال ". [ 8 ] جمع الفوائد 2 / 217. صحيح البخاري 4 / 216. سنن الترمذي 5 / 325 حديث 3867. [ 9 ] الصواعق المحرقة: 192 حديث 28. (2) لا يوجد في المصدر: " أم المؤمنين ". (3) في المصدر: " فأخبرني ". (*)

[ 11 ]

[ 10 ] أخرج أبو داود والحاكم: عن أم النضل زوجة العباس - كانت مرضعة الحسين بلبن قثم - (1) رفعته: أتاني جبرائيل وأخبرني (2) أن أمتي ستقتل ابني هذا (يعني الحسين) وأتاني من تربة حمراء. [ 11 ] أخرج أحمد مرفوعا: دخل علي ملك لم يدخل علي قبل فقال لي: إن ابنك حسينا مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الارض التي يقتل بها، فأخرج تربة حمراء. [ 12 ] وأخرج البغوي في معجمه، وأبو حاتم في صحيحه، وأحمد وابن أحمد، وعبد ابن حميد وابنه أحمد: عن أنس: إن النبي (ص) قال: إستأذن ملك (القطر) ربه أن يزورني فأذن له، وكان يوم أم سلمة، فقال: (رسول الله (ص)) يا أم سلمة إحفظي (علينا) الباب لا يدخل أحد، فبينا هي على الباب إذ دخل الحسين (فاقتحم) فوثب على حجر جده (3) (ص) ف‍ (جعل رسول الله (ص) يلثمه ويقبله. فقال اله) الملك: ا أتحبه ؟ قال: نعم. قال:) إن أئتك ستقتله وإن شئت أريك المكان الذي يقتل به.


[ 10 ] الصواعق المحرقة: 192 حديث 29. (1) لا يوجد في المصدر: " زوجة العباس - كانت مرضعة الحسين بلبن قثم - " وبدله " أم الفضل لنت الحرث ". (2) في المصدر: " فاخبرني ". [ 11 ] الصواعق المحرقة: 192. المناقب لاحمد 2 / 770 حديث 1357. [ 12 ] الصواعق المحرقة: 192. (3) في المصدر: " على رسول الله ". (*)

[ 12 ]

فأراه فجاءه بسهلة وتراب أحمر، فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها. قال ثابت: كنا نقول: إنها كربلا. وزاد أبو حاتم: إنه (ص) شمها وقال: ريح كربلا (1). والسهلة: رمل خشن، [ 13 ] وفي رواية الملا وابن أحمد: قال (ص): يا أم سلمة، فمتى صار دما فاعلمي أنه قد قتل. قالت أم سلمة: فوضعته في قارورة فرأيته يوم قتل الحسين قد صار دما. وقالت: لما كانت ليلة قتله سمعت قائلا يقول: أيها القاتلون جهلا حسينا * فابشروا بالعذاب والتذليل قد لعنتم على لسان ابن داود * وموسى وحامل الانجيل فبكيت وفتحت القارورة فإذا صار دما. [ 14 ] أخرج ابن سعد: عن الشعبي قال: مر علي (كرم الله وجهه) بكربلا عند مسيره الى صفين... فبكى حتى بل الارض من دموعه. فقال (2): دخلت على رسول الله (ص) وهو يبكي فقلت: يا رسول الله بأبي وأمي (3) ما يبكيك ؟ قال: كان عندي جبرائيل آنفا وأخبرني أن ولدي الحسين يقتل بشاطئ


(1) في المصدر: " كرب " وبلاء ". [ 13 ] الصواعق المحرقة: 192 - 193 (باختصار). [ 14 ] الصواعق المحرقة: 193. (2) في المصدر: " ثم قال ". (3) لا يوجد في المصدر: " يارسول الله بأبي وأمي ". (*)

[ 13 ]

الفرات بموضع يقال له " كربلا " ثم قبض جبرائيل قبضة من ترابه (1) وشممني إياها (2)، فلم أملك عيني أن فاضتا. أيضا رواه أحمد نحوه. [ 15 ] وروى الملا: إن عليا (كرم الله وجهه) (3) مر بكربلا فقال: هذا (4) مناخ ركابهم، وهاهنا موضع رحالهم، وهاهنا مهراق دمائهم، فتية من آل محمد، يقتلون بهذه العرصة، تبكي عليهم السماء والارض. [ 16 ] وأخرج الترمذي: عن سلمى - إمرأة من الانصار - قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك ؟ قالت: رأيت رسول الله (ص) في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: مالك يا رسول الله ؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفا (5). وكذلك رآه ابن عباس في المنام، نصف النهار، أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم يلتقطه، فسأله فقال: دم الحسين وأصحابه، فلم يزل يتردد الخبر فوجد أن الحسين قد قتل (6) في ذلك اليوم... يوم الجمعة عاشر المحرم سنة إحدى


(1) في المصدر: " تراب ". (2) في المصدر: " إياه ". [ 15 ] الصواعق المحرقة: 193. (3) لا يوجد في المصدر: " كرم الله وجهه ". في المصدر: " ها هنا ". الصواعق ا لمحرقة: 193. لفظ المصدر هكذا: " وأخرج الترمذي: ان أم سلمة رأت النبي (ص) باكيا وبرأسه ولحيته التراب فسألته فقال: قتل الحسين آنفا ". في المصدر: (لم أزل أتتبعه منذ اليوم فنظروا فوجدوه قد قتل ". (*)

[ 14 ]

وستين، وله ست وخمسون سنة وأشهر. [ 17 ] قالت أم سلمة: ما سمعت نوحة الجن منذ قبض رسول الله (ص) إلا ليلة التي قتل قبلها الحسين (1). أيها القاتلون جهلا حسينا * فابشروا بالعذاب والتذليل قد لعنتم على لسان ابن داود * وموسى (2) وحامل الانجيل وسمعت صوت جن أخرى يقول: مسح النبي جبينه * فله بريق في الخدود أبواه من عليا قريش * وجده خير الجدود وناحت أخرى: أتقى حسين هبلا * كان حسين جبلا وناحت جن أخرى: ألا يا عين فاحتفلي بجهد * فمن يبكي على الشهداء بعدي على رهط تقودهم المنايا * الى متجبر في الملك وغد الوغد: رجل ليس له نسب صحيح (3). ولما (قتلوه) بعثوا برأسه الشريف (4) الى يزيد الظالم (5) فنزلوا أول مرحلة


[ 17 ] الصواعق المحرقة: 193. (1) في المصدر: " فلما كانت ليلة قتل الحسين سمعت قائلا يقول: ". (2) في (أ): " وعيسى ". (3) لا يوجد في المصدر: " وسمعت صوت جن أخرى يقول " الى " الوغد: رجل ليس له نسب صحيح ". (4) لا يوجد في المصدر: " الشريف ". (5) لا يوجد في المصدر: " الظالم ". (*)

[ 15 ]

فجعلوا يشربون النبيذ (1)، فبينا هم [ كذلك ] إذ خرجت (عليهم) يد من الحائط (2) معها قلم من حديد فكتبت سطرا بدم: أترجو أ l ة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب فهربوا وتركوا الرأس الشريف (3). (أخرجه منصور بن عمار) (4). وذكر غيره أيضا: أن هذا البيت وجد بحجر مكتوب فيه هذا البيت (5) قبل مبعثه (ص) بثلاثمائة سنة، وإن هذا البيت مكتوب في كنيسة بأرض (6) الروم لا يدري من كتبه (7). [ 18 ] وذكر أبو نعيم الحافظ في كتابه " دلائل النبوة ": عن نصرة الازدية: أنها قالت: لما قتل الحسين أمطرت السماء دما، فأصبحنا فإذا رحائنا (8) وجرارنا مملوءة دما. (19) وفي أحاديث غيرها (9) (ومما ظهر يوم قتله من الآيات أيضا): إن السماء اسودت (اسودادا عظيما) حتى رؤيت النجوم نهارا، ولم يرفع حجر إلا وجد تحته دم عبيط.


(1) في المصدر: " بالرأس " بدل " النبيذ ". (2) في المصدر: " خرجت عليهم من الحايط يد.... ". (3) لا يوجد في المصدر: " الشريف ". (4) الصواعق المحرقة: 194. (5) لا يوجد في المصدر: " مكتوب فيه هذا البيت ". (6) في المصدر:، " من أرض ". (7) المصدر السابق. (18) المصدر السابق. (8) في المصدر: " وجنابنا " بدل " (فإذا رحائنا ". (19) المصدر السابق. (9) في المصدر:، (غير هذه ". (*)

[ 16 ]

(20) أخرج أبو الشيخ: إن الورس الذي كان في عسكرهم تحول رمادا وكان في قافلة من اليمن تريد العراق فوافقهم (1). ولنورد ما في جمع الفوائد: (21) الليث بن سعد: لما قتل الحسين وأصحابه انطلقوا بعلي بن الحسين في غل، وفاطمة وسكينة بنتا الحسين إلى ابن زياد، فبعث بهم الى يزيد، فأمر بسكينة أن يجعلها خلف الظهر لئلا ترى رأس أبيها ! حتى جاءوا عند يزيد فقال يزيد: نفلق هاما من رجال أعزة علينا * وهم كانوا أعق وأظلما ثم أرسلهم إلى المدينة. (22) الشعبي: رأيت (في النوم كأن) رجالا من السماء نزلوا (2) معهم حراب يتبعون (3)


(20) الصواعق المحرقة: 194. (1) في المصدر: " فوافتهم حين قتله ". (21) جمع الفوائد: 2 / 218 ولفظه في المصدر هكذا: الليث بن سعد: قال أبى الحسين ان يستأسر فقاتلوه فقتلوه وقتلوا ابنيه وأصحابه الذين قاتلوا معه وانطلق بعلي بن الحسين وفاطمة وسكينة بنتي حسين الى ابن زياد فبعث بهم الى يزيد فأمر بسكينة فجعلها خلف سريره لئلا ترى رأس أبيها وعلي بن حسين في غل وهو غلام فوضع رأس الحسين وقال يزيد: تعلق هاما (البيت) وقال علي بن الحسين: " ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها أن ذلك على الله يسير "، فقال يزيد: بل بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير فقال علي: أما والله لو رآنا رسول الله (ص) مغلولين لاحب أن يقربنا قال: صدقت فقربوهم فجعلت فاطمة وسكينة تتطاولان لتريان رأس أبيهما وجعل يزيد يستطاول في مجلسه ليستر الرأس ! ! ثم أمر بهم فجهزوا وأصلح إليهم واخرجوا إلى المدينة. ومتى كان يزيد الفاسق الفاجر يفكر ببنات الرسالة ويهمه أمرهن ويخشى عليهن الاذى... أين يزيد من العواطف الانسانية والنبل ؟ ! ! (22) المصدر السالق. (2) في المصدر: " نزلوا من السماء ". (3) في المصدر: " يتتبعون ". (*)

[ 17 ]

قتلة الحسين، فما لبثت أن نزل المختار فقتلهم. (23) الزهري: (قال) ما رفع بالشام حجر (يوم قتل الحسين) إلا وجد تحته (1) دم. و (في رواية): لم ترفع حصاة ببيت المقدس إلا وجد تحتها دم عبيط. (24) أبو قبيل: لما قتل الحسين انكسفت الشمس حتى بدت الكواكب... (25) الليث بن سعد: (انه) قتل مع الحسين العباس (بن علي بن أبي طالب وأمه أم البنين عامرة) وجعفر وعبد الله وعثمان وأبو بكر، هم (2) بنو علي بن أبي طالب، (وأم أبي بكر ليلى بنت مسعود نهشلية) وعلي الاكبر بن الحسين (3)، وأمه ليلى الثقفية (4)، وعبد الله بن الحسين، وأمه الرباب من بني كلب (5)، وهو رضيع (6)، وأبو بكر بن الحسن وعون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر (بن أبي طالب)، ومسلم وجعفر (7) ابنا عقيل (بن أبي طالب)، وسليمان مولى الحسين (وعبد الله رضيع الحسين). (26) محمد بن الحنفية قال (8): قتل مع الحسين سبعة عشر كلهم اتصل (9) في رحم


(23) جمع الفوائد 2 / 218. (1) في المصدر: " الا عن دم ". (24) المصدر السابق. (25) المصدر للسابق. (2) لا يوجد في المصدر: " هم ". (3) في المصدر: " وعلي بن الحسين الاكبر ". (4) في المصدر: " ثقفية ". (5) في المصدر: " كلبية ". (6) لا يوجد في المصدر: " وهو رضيع ". (7) في المصدر: " وجعفر ومسلم ". (26) المصدر السابق. (8) لا يوجد في المصدر: " قال ". (9) في المصدر: " ارتكض ". (*)

[ 18 ]

فاطمة (رضي الله عنها وعنهم). (27) أبو قبيل: لما (قتل الحسين احتزوا رأسه و) قعدوا في أول مرحلة يشربون النبيذ فخرج قلم من حديد من حائط فكتب بدم: أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب فهربوا فتركوا (1) الرأس الشريف المبارك (2)، ثم رجعوا (هؤلاء الاحاديث اخرجها الطبراني في الكبير) (3). (28) عمارة بن عمير قال: لما جئ برأس (عبيد الله) بن زياد وأصحابه نضدت في المسجد في الرحبة فانتهيت إلى الناس (4) وهم يقولون: قد جاءت قد جاءت، فإذا حية (قد) جاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخر (عبيد الله) بن زياد، فمكثت (هنيئة) ثم خرجت فذهبت (حتى تغيبت) ثم (قالوا: قد) جاءت، (قد جاءت) ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا (للترمذي). (29) أبو طالوت: إن أبا برزة الاسلمي دخل على عبيد الله بن زياد، فلما رآه قال: إن محمديكم هذا لدحداح. ففهمها الشيخ، فقال: ما كنت أحسب أن أبقى في قوم يعيروني بصحبة محمد (ص).


(27) جمع الفوائد 2 / 218. (1) في المصدر: " وتركوا ". (2) لا يوجد في المصدر: " الريف المبارك ". (3) لا يوجد في المصدر: " هؤلاء الاحاديث أخرجها الطبراني في الكبير ". (28) جمع الفوائد 2 / 217. (4) في المصدر: " إليهم ". (29) سنن أبي داود 4 / 423 حديث 3749 باب 26. (*)

[ 19 ]

فقال له ابن زياد: إن صحبة محمد لكم زين غير شين، إنما بعثت اليك لاسألك عن الحوض، هل سمعت محمدا يذكر فيه شيئا ؟ قال: أبو برزة: نعم سمعناه لا مرة ولا خمسا، فن كذب به فلا سقاه الله منه. ثم خرج مغضبا (لابي داود) (انتهى جمع الفوائد). ثم نذكر ما في الصواعق: (30) وحكى سفيان بن عيينة: عن حربة (1): إن رجلا (2) (ممن) انقلب ورسه رمادا أخبر بانقلاب ورسه بالرماد، وأخبر أنهم (3) نحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها مثل الغيران، فطبخوها فصارت مثل العلقم وأخبر (4) أن السماء احمرت (لقتله) وانكسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار، (وظن الناس أن القيامة قد قامت)، ولم يرفع حجر (في الشام) إلا رؤي تحته دم عبيط. (31) أخرج عثمان بن أبي شيبة: إن السماء بكت (5) سبعة أيام فصارت حمراء (6)، وترى على الحيطان كأنها معصفرة من شدة حمرة السماء (7).


(30) الصواعق المحرقة: 194. (1) في المصدر: " جدته ". (2) في المصدر: " جمالا ". (3) في المصدر: (... أخبرها بذلك ونحروا ناقة... ". (4) لا يوجد في المصدر: " أخبر ". (31) المصدر السابق. (5) في المصدر: " مكثت بعد قتله ". (6) لا يوجد في المصدر: " فصارت حمراء ". (7) في المصدر: " حمرتها ". (*)

[ 20 ]

(32) وروى (1) ابن الجوزي: عن ابن سيرين: ان الدنيا اظلمت ثلاثة أيام و (2) ظهرت الحمرة في السماء. (33) وقال أبو سعيد الخدري: ما رفع حجر في الدنيا إلا وجد تحته دم عبيط، ولقد أمطرت (3) السماء دما بقي أثره في الثياب حتى تقطعت. (34) أخرج الثعلبي وأبو نعيم: أنه امطرت السماء دما (4). زاد أبو نعيم: فأصبحنا رحائنا (5) وجرارنا مملوءة دما. (35) وفي رواية: إن السماء أمطرت الدم على البيوت والجدران (6) بخراسان والشام والعراق (7)، و (إنه). لما جئ برأس الحسين (ض) الى دار ابن زياد صار لون حيطانها دما. (36) أخرج الثعلي: إن السماء بكت وبكاؤها حمرتها. وقال غيره: احمرت آفاق السماء ستة أشهر - بعد قتل الحسين (ض) (8) ثم لا


(32) الصواعق المحرقة: 194. (1) في المصدر: " ونقل ". (2) في المصدر: " ثم ". (33) المصدر السابق. (3) في المصدر: " مطرت ". (34) المصدر السابق. (4) في المصدر: " ما مر من أنهم مطروا دما ". (5) في المصدر: " وجبابنا ". (35) المصدر السابق. (6) في المصدر: " والجدر ". (7) في المصدر: " والكوفة ". (36) الصواعق المحرقة: 194 - 195. (8) في المصدر: " بعد قتله ". (*)

[ 21 ]

زالت الحمرة ترى بعد ذلك. وإن ابن سرين قال: إن الحمرة التي مع الشفق لم تكن حتى (1) قتل الحسين (ض) (2). وذكر ابن سعد: إن (هذه) الحمرة لم تر في السماء قبل تقله (ض) (3). قال ابن الجوزي: وحكمته: إن غضبنا يؤثر حمرة الوجه، والحق منزه (4) عن الجسمية، فأظهر تأثير غضبه على قتلة الحسين بحمرة الافق، اظهارا لعظم الجناية. قال: وأنين عباس (ض) ببدر وهو أسير (5) منع النبي (ص) عن (6) النوم، فكيف بأنين الحسين (ض) (7). ولما أسلم وحشي وهو (8) قاتل حمزة قال له النبي (ص) مغضبا (9): غيب وجهك عني فاني لا أحب أن أرى من قتل الاحبة...، فكيف لا يغضب على من قتل الحسين (10) (ض) وأمر بقتله وحمل أهله على أقتاب الجمال. (37) البيهقي: عن الزهري (11): إنه قدم الشام (يريد الغزو) فدخل على عبد الملك


(1) في المصدر: " قبل ". (2) لا يوجد في المصدر: " ض ". (3) لا يوجد في المصدر: " ض ". (4) في المصدر: " تنزه ". (5) في المصدر: " وهو مأسور ببدر ". (6) لا يوجد في المصدر: " عن ". (7) لا يوجد في المصدر: " ض ". (8) لا يوجد في المصدر: " وهو ". (9) لا يوجد في المصدر: " مغضبا ". (10) في المصدر: " " فكيف بقلبه (ص) أن يرى من ذبح الحسين ". (37) الصواعق المحرقة: 195. (11) في المصدر: " وما مر من انه لم يرفع حجر في الشام أو الدنيا إلا رؤي تحته دم عبيط وقع يوم قتل علي أيضا كما أشار إليه البيهقي بأنه حكى عن الزهري ". (*)

[ 22 ]

فأخبره أن (1) يوم قتل علي (كرم الله وجهه) (2) لم يرفع حجر من بيت المقدس إلا وجد تحته دم. قال عبد الملك (3): لم يبق من يعرف هذا غيري وغيرك فلا تخبره أحدا (4). فأخبر بعد موته (5). وحكى عن الزهري (6) أن غير عبد الملك أخبره بذلك أيضا. قال البيهقي: والذي صح عنه: أن ذلك حين قتل الحسين، ولعله وجد عند قتلهما جميعا. (38) وأخرج أبو الشيخ: ان جمعا تذاكروا انه ما من أحد أعان على قتل الحسين إلا أصاب (7) بلاء قبل أن يموت. فقال شيخ: أنا أعنت وما أصابني شئ. فقام ليصلح السراج، فأخذته النار، فجعل ينادي: النار النار، وانغمس في الفرات، ومع ذلك لم يزل به ذلك (8) حتى مات. (39) وأخرج منصور بن عمران: إن بعضهم ابتلي بالعطش فكان (9) يشرب


(1) في المصدر: " انه ". (2) لا يوجد في المصدر: " كرم الله وجهه ". (3) في المصدر: " ثم قال له " بدل " قال عبد الملك ". (4) في المصدر: " فلا تخبر به " بدل " فلا تخبر. أحدا ". (5) في المصدر: " قال: فما أخبرت به إلا بعد موته ". (6) في المصدر: " وحكى عنه ". (38) الصواعق المحكرقة: 195. (7) في المصدر: " أصابه ". (8) لا يوجد في المصدر: " ذلك ". (39) المصدر السابق. (9) في المصدر: " وكان ". (*)

[ 23 ]

راوية ولا يروى. (40) ونقل سبط (ابن) الجوزي: عن السدي انه أضافه رجل بكربلا فتذاكروا انه ما شرك (1) أحد في دم الحسين إلا مات بأقبح الموت (2) فكذبه (3) المضيف (بذلك)، وقال: انه ممن حفر، فقام آخر الليل ليصلح (4) السراج، فوثبت النار في جسده فأحرقته. قال السدي: وأنا والله رأيته كأنه حممة. (41) وعن الزهري: لم يبق ممن قتله إلا من عوقب في الدنيا إما بقتل أو عمى أو اسوداد (5) الوجه أو زوال الملك في مدة يسيرة. (42) وحكى سبط ابن الجوزي: عن الواقدي: إن شخصا (6) حضر قتله فقط فعمى، فسئل عن سببه. فقال: إنه رأى النبي (ص) حاسرا عن ذراعيه وبيده سيف (وبين يديه نطع)، و (رأى) عشرة ممن قاتل الحسين مذبوحين بين يديه، ثم لعنه وسبه بتكثيره سوادهم، ثم أكحله بمرود من دم الحسين فأصبح أعمى.


(40) الصواعق المحرقة: 195. (1) في المصدر: " تشارك ". (2) في المصدر: " أقبح موتة ". (3) في المصدر: " فكذب ". (4) في المصدر: " يصلح ". (41) المصدر السابق. (5) في المصدر: " سواد ". (42) المصدر السابق. (6) في المصدر: " شيخا ". (*)

[ 24 ]

(43) وأخرج سبط ابن الجوزي (1): إن رجلا (2) منهم علق في لبب (3) فرسه رأس الحسين (بن علي) فرأى (4) وجهه أشد سوادا من القار. فقيل له: إنك كنت أحسن (5) العرب وجها ؟ ! فقال: ما مرت علي ليلة من حين حملت رأس الحسين إلا وإثنان يأخذان بضبعي ثم ينتهيان بي الى نار (تأجج) فيدفعانني (6) فيها (وأنا أنكص فتسفعني كما ترى) ثم مات على أقبح حال. (44) وأخرج أيضا: أن شيخا رأى النبي (ص) في النوم وبين يديه طشت فيها دم، والناس يعرضون عليه فيلطخهم، حتى انتهيت إليه. فقلت: ما حضرت. فقال لي (ص): هويت. فأومأ إلي باصبعه فأصبحت أعمى. (45) وأخرج أحمد: إن شيخا (7) قال: قتل الله الحسين بامتناعه عن بيعة يزيد، (*) فرماه الله بكوكبين في عينيه فعمي.


(43) الصواعق المحرقة: 195 - 196. (1) في المصدر: " أيضا " بدل " سبط ابن الجوزي ". (2) في المصدر: " شخصا ". (3) في (أ): " لبيب ". (4) في المصدر: " فروي بعد أيام ". (5) في المصدر: " أنضر ". (6) في المصدر: " فيدفعاني ". (44) الصواعق المحرقة: 196. (45) المصدر السابق. (7) في المصدر: " شخصا ". (8) ذكر في الصواعق سبا (والعياذ بالله). (*)

[ 25 ]

(46) وذكر البارزي: عن الاعمش (1)، عن المنصور الخليفة العباسي (2): انه رأى رجلا بالشام ووجهه وجه خنزير، فسأله، فقال: إنه كان يلعن عليا (كرم الله وجهه) كل يوم ألف مرة ففي (4) يوم الجمعة لعنه أربعة (5) آلاف مرة (وأولاده معه) فرأى (6) النبي (ص)، وذكر مناما طويلا، من جملته: ان الحسين (7) شكاه إليه فلعنه، ثم بصق في وجهه، فصار موضع بصاقه خنزيرا، وصار عبرة (8) للناس. (47) وأخرج الملا: عن أم سلمة: انها سمعت نوح الجن على الحسين (رضي الله عنهما). وأخرج ابن سعد عنها: انها بكت حتى غشي عليها. (48) ولما حمل (9) الرأس الشريف (10) لابن زياد و (11) جعله في طشت، وجعل


(46) الصواعق المحرقة: 196. (1) لا يوجد في المصدر: " عن الاعمش ". (2) لا يوجد في المصدر: " الخليفة العباسي ". (3) لا يوجد في المصدر: " كرم الله وجهه ". (4) في المصدر: " وفي ". (5) لا يوجد في المصدر: " اربعة ". (6) في المصدر: " فرأيت ". (7) في المصدر: " الحسن ". (8) في المصدر: " آية ". (47) المصدر السابق. (48) الصواعق المعرقة: 198. (9) في المصدر: " حملت ". (10) لا يوجد في المصدر: " الشريف ". (11) لا يوجد في المصدر: " و ". (*)

[ 26 ]

يضرب ثناياه بقضيب ويقول: ما رأيت مثل هذا (حسنا إن كان لحسن الثغر)، وكان عنده أنس فبكى وقال: كان أشبههم برسول الله (ص) (رواه الترمذي والبخاري). فوصل الحسين (ض) الى كربلا ثامن المحرم سنة احدى وستين، وكان أكثر الخارجين لقتاله الذين كاتبوه وبايعوه، فبايع أهل الكوفة ابن عمه مسلم بن عقيل نيابة عنه، وهم إثنا عشر ألفا، وقيل: أكثر من ذلك. فلما جاءهم فروا عنه الى أعدائه إيثارا للسحت العاجل على الخير الآجل، فحارب الحسين (ض) اولئك العدد الكثير، ومعه من اخوته وأهله نيف وثمانون نفسا، ومنعوه وأصحابه الماء ثلاثة أيام، فحزوا رأسه الشريف يوم عاشوراء يوم الجمعة عام إحدى وستين (1). (49) وروى ابن أبي الدنيا: انه كان زيد بن أرقم عند ابن زياد (2) فقال له: إرفع قضيبك فوالله (لطالما) رأيت رسول الله (ص) يقبل ما بين هاتين الشفتين، ثم بكى زيد (3). فقال له (4) ابن زياد: (ابكى الله عينيك) لولا انك شيخ (قد خرفت) لضربت عنقك.


أخرجه عن الصواعق المحرقة: 196 - 197 مختصرا اختصارا شديدا. (49) الصواعق المحرقة: 198. (2) في المصدر: " انه كان عنده زيد بن أرقم ". (3) في المصدر: " ثم جعل زيد يبكي ". (4) لا يوجد في المصدر: " له ". (*)

[ 27 ]

فنهض زيد (1) و (هو) يقول: أيها الناس إنما (2) أنتم العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة الصديقة المرضية (3) وأمرتم ابن مرجانة الخبيثة (4)، والله ليقتلن خياركم وليستعبدن (5) شراركم، فبعدا لمن رضى بالذل (6) والعار. ثم قال (يا ابن زياد لاحدثنك بما هو أغيظ عليك من هذا): رأيت رسول الله (ص) أقعد الحسنين على فخذيه (7) فوضع (8) يده على يافوخهما، ثم قال: اللهم إني استودعتك (9) إياهما وصالحي (10) المؤمنين، فكيف كانت وديعة النبي (ص) (عندك يا ابن زياد). وقد انتقم الله من ابن زياد (هذا) فقد صح عند الترمذي: (انه) لما جئ برأس ابن زياد (11) ونصب في المسجد مع رؤوس أصحابه، جاءت حية فتخللت الرؤوس حتى دخلت في منخريه (12)، فمكثت هنيئة، ثم خرجت، ثم جاءت، ففعلت كذلك مرتين أو ثلاثا (وكان نصبها في محل نصبه لرأس الحسين).


(1) لا يوجد في المصدر: " زيد ". (2) لا يوجد في المصدر: " إنما ". (3) لا يوجد في المصدر: (الصديقة المرضية). (4) لا يوجد في المصدر: (الخبيثة). (5) في المصدر:، (ويستعبد). (6) في المصدر: " بالذلة ". (7) في المصدر: " أقعد حسنا على فخذه اليمنى وحسينا على فخذه اليسرى ". (8) في المصدر: " ثم وضع ". (9) في المصدر: " استودعك ". (10) في المصدر: " وصالح ". (11) في المصدرو: " برأسه ". (12) في المصدر: " منخره ". (*)

[ 28 ]

وفاعل ذلك هو المختار بن أبي عبيدة (1) تبعه طائفة من الشيعة، ندموا على خذلانهم الحسين وأرادوا غسل العار عنهم، فتبعوا (2) المختار، فملكوا الكوفة وقتلوا الستة آلاف الذين قاتلوا الحسين (ض). وقتل رئيسهم عمر بن سعد و (خص) شمر (قاتل الحسين - على قول - بمزيد نكال وأوطأ الخيل صدره وظهره لانه فعل ذلك بالحسين). وشكر الناس المختار لذلك (3)، لكنه يزعم انه يوحى إليه، وأن محمد (4) بن الحنفية هو المهدي. ولما نزل ابن زياد الموصل في ثلاثين ألفا جهز إليه المختار، سنة تسع وستين، طائفة قتلوا ابن زياد وأصحابه يوم عاشوراء وبعثوا رؤوسهم الى المختار، نصبه في المحل الذي نصب فيه رأس الشريف للحسين (ض). ومن عجيب الاتفاق قول عبد الملك بن عمير قال: دخلت قصر الامارة بالكوفة على ابن زياد ورأس الحسين (ض) على ترس عن يمينه، ثم دخلت على المختار فيه فوجدت رأس ابن زياد عنده كذلك، ثم دخلت على مصعب ابن الزبير فيه فوجدت رأس المختار عنده كذلك، ثم دخلت على عبد الملك ابن مروان فيه فوجدت رأس مصعب عنده كذلك، فأخبرته بذلك. فقال: لا أراك (الله) الخامس، ثم أمر بهدمه (5).


(1) في المصدر: " عبيد ". (2) في المصدر: " فخرقة منهم تبعت ". (3) في المصدر: " للمختار ذلك ". (4) لا يوجد في المصدر: " محمد ". (5) الصواعق المحرقة: 198. (*)

[ 29 ]

ولما أرسل (1) ابن زياد رأس الحسين (وأصحابه) جهزها مع سبايا آل الحسين (ض) الى يزيد.. بالغ في رفعة ابن زياد حتى أدخله على نسائه. قال ابن الجوزي: (و) ليس العجب (إلا) من ضرب يزيد ثنايا الحسين بالقضيب وحمل آل النبي (ص) على أقتاب الجمال (أي) موثوقين بالحبال، والنساء مكشفات الوجوه والرؤوس (2) وذكر أشياء من قبيح فعل (3) يزيد (4). ولما فعل يزيد برأس الحسين (ض) (5) ما مر كان عنده رسول قيصر. فقال متعجبا: إن عندنا في بعض الجزائر كنيسة فيها (6) حافر حمار عيسى (عليه الصلوات والسلام) (7) ونحن (8) نحج إليه كل عام من الاقطار، وننذر له (9) النذور، ونعظمه كما تعظمون كعبتكم، فأشهد إنكم على باطل. وقال ذمي آخر: بيني وبين داود النبي (عليه الصلاة والسلام) (10) سبعون أبا وإن اليهود تعظمني وتحترمني، وأنتم قتلتم ابن نبيكم. و (لما) كانت الحرس على الرأس الشريف (11) كلما نزلوا منزلا وضعوه على


(1) في المصدر: " أنزل ". (2) في المصدر: " الرؤوس والوجوه ". (3) في المصدر: " فعله ". (4) الصواعق المحرقة: 199. (5) لا يوجد في المصدر: " ض ". (6) في المصدر: (في دير) بدل (كنيسة فيها). (7) لا توجد التحية في المصدر. (8) في المصدر: " فنحن ". (9) لا يوجد في المصدر: " له ". (10) لا توجد التحية في المصدر. (11) لا يوجد في المصدر: " الشريف ". (*)

[ 30 ]

رمح وحرسوه، فرآه راهب في ديره فسألهم (1) عنه، فعرفوه به. فقال الراهب لهم (2): بئس القوم أنتم ولو كان للمسيح (عليه الصلاة والسلام) ولد لاسكناه على أحداقنا (3)، بئس القوم أنتم هل لكم في عشرة آلاف دينار وكان (4) الرأس عندي في (5) هذه الليلة ؟ قالوا: نعم. فأخذه وغسله وطيبه ووضعه على فخذه و (قعد) يبكي الى الصبح، ثم أسلم، لانه رأى نورا ساطعا من الرأس الشريف (6) الى عنان السماء. ثم خرج عن الدير (وما فيه) وصار يخدم أهل البيت. وكان الحرس فتحوا أكياس الدنانير التي أخذوها من الراهب ليقسموها فرأوها خزفا، وعلى جانب كل منها (7): (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون " (8) وعلى جانب آخر كل منها (9): (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " (10). (11)


(1) في المصدر: " فسأل ". (2) ليس في المصدر: " الراهب لهم ". (3) لا يوجد في المصدر: " بئس القوم أنتم ولو كان للمسيح... على أحداقنا ". (4) في المصدر: " ويبيت ". (5) لا يوجد في المصدر: " في ". (6) لا يوجد في المصدر: " الشريف ". (7) في المصدر: " وكان مع أولئك الحرس دنانير أخذوها من عسكر الحسين ففتحوا أكياسها ليقتسموها فرأوها خزفا وعلى أحد جانبي كل منها... ". (8) إبراهيم / 42. (9) في المصدر: " وعلى الآخر ". (10) الشعراء / 227. (11) الصواعق المحرقة: 199. (*)

[ 31 ]

(50) وأخرج الحاكم من طرق متعددة: انه (ص) قال: قال جبرائيل: قال الله تعالى: إني قتلت بدم يحيى بن زكريا سبعين ألفا، وإني قاتل بدم الحسين بن علي سبعين ألفا. ولم يصب ابن الجوزي في ذكره لهذا الحديث في الموضوعات... و (1) اعلم: أن أهل السنة اختلفوا في كفر (2) يزيد بن معاوية وولي عهده من بعده. فقالت طائفة: إنه كافر لقول سبط ابن الجوزي وغيره المشهور: إنه لما جئ (3) رأس الحسين (ض) جمع أهل الشام وجعل ينكث (4) الرأس الشريف (5) بالخيزران وينشد أبياتا (6) (ليت أشياخي ببدر شهدوا) الابيات المعروفة، وزاد فيها بيتين مشتملتين على صريح الكفر. يقول مؤلف هذا الكتاب: إن صاحب الصواعق ذكر أول الابيات ولم يذكر بواقيها، فاني قد وجدت تمامها، وبيتين مشتملتين على صريح كفره، والابيات هذه: ليت أشياخي ببدر شهدوا * وقعة الخزرج من وقع الاسل


(50) الصواعق المحرقة: 199. (1) لا يوجد في المصدر: " و ". (2) في المصدر: " تكفير ". (3) في المصدر: " لما جاءه ". (4) في المصدر: " ينكت ". (5) في المصدر: " رأسه ". (6) في المصدر: " أبيات الزبعري ". (*)

[ 32 ]

لاهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلناه ببدر فاعتدل لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل وقال ابن الجوزي فيما حكاه عنه سبطه: ليس العجيب (1) من قتال ابن زياد للحسين (ض) (2)، وإنما العجب من خذلان يزيد، وضربه بالقضيب ثنايا الحسين (ض) (3) وحمله آل الرسول (ص) سبايا على أقتاب الجمال، وذكر أشياء من قبيح ما اشتهر عنه (4)... ثم قال: وما كان مقصوده إلا الفضيحة... ولو لم يكن في قلبه أحقاد جاهلية وأضغان بدرية لاحترم الرأس الشريف المبارك (5)... وأحسن الى آل الرسول (ص) (6). وقال نوفل بن أبي الفرات: كنت عند عمر بن عبد العزيز فقال رجل (7): أمير المؤمنين يزيد (بن معاوية). فقال عمر (8): تقول أمير المؤمنين، وأمر (9) به فضربه (10) عشرين سوطا.


(1) في المصدر: " العجب ". (2) لا توجد التحية في المصدر. (3) لا توجد التحية في المصدر. (4) الصواعق المحرقة: 220. (5) لا يوجد في المصدر: " الشريف المبارك ". (6) المصدر السابق. (7) في المصدر: " فذكر رجل يزيد فقال: ". (8) لا يوجد في المصدر: " عمر ". (9) في المصدر: " فأمر ". (10) في المصدر: " فضرب ". (*)

[ 33 ]

ولاسرافه في المعاصي خلعه أهل المدينة، فقد أخرج الواقدي من طرق: إن عبد الله بن حنظلة، هو (1) غسيل الملائكة، قال: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، وخفنا أن رجلا (2) ينكح الامهات والبنات والاخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة. وقال الذهبي: ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل مع شربه الخمر وإتيانه المنكرات، اشتد على (3) الناس (و) خرج أهل المدينة (4) (ولم يبارك الله في عمره). وأشار بقوله " ما فعل " الى ما وقع منه سنة ثلاث وستين، فانه بلغه أن أهل المدينة خرجوا عليه (وخلعوه)، فأرسل عليهم (5) جيشا عظيما، وأمرهم بقتلهم (6)، فجاءوا إليهم وكانت وقعة الحرة على باب طيبة (7). وبعد اتفاقهم على فسقه اختلفوا في جواز لعنه بخصوص اسمه فأجازه قوم منهم ابن الجوزي، ونقله عن أحمد بن حنبل (8) وغيره، فان ابن الجوزي (9) قال في كتابه المسمى ب‍ " الرد على المتعصب العنيد المانع من لعن (10) يزيد ": سألني


(1) في المصدر: " ابن ". (2) في المصدر: " ان كان رجلا وينكح أمهات الاولاد ". (3) في المصدر: " عليه ". (4) في المصدر: " وخرج عليه غير واحد ". (5) في المصدر: " لهم ". (6) في المصدر: " بقتالهم ". (7) الصواعق المحرقة: 221. (8) لا يوجد في المصدر: " بن حنبل ". (9) في المصدر: " فانه قال ". (10) في المصدر: " ذم ". (*)

[ 34 ]

سائل عن يزيد بن معاوية. فقلت (له): يكفيه ما به. فقال: أيجوز لعنه ؟ قلت (1): قد أجازه العلماء الورعون، منهم أحمد بن حنبل، فانه ذكر في حق يزيد (عليه اللعنة) ما يزيد على اللعنة (2). ثم روى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى (الفراء) أنه روى كتابه المعتمد في الاصول بإسناده الى صالح بن أحمد بن حنبل رحمهما الله قال: قلت لابي: إن قوما ينسبوننا الى تولي يزيد ! فقال: يا بني (و) هل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله، ولم لا يلعن من لعنه الله تعالى في كتابه. فقلت: في أي آية (3) ؟ قال (4): في قوله تعالى: (فهل عسيتم إن توتليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم " (5) فهل يكون فساد أعظم من (هذا) القتل ؟... قال ابن الجوزي: وصنف القاضي أبو يعلى كتابا ذكر فيه بيان من يستحق اللعن وذكر منهم يزيد، ثم ذكر حديث " من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين "، ولا خلاف أن يزيد


(1) في المصدر: " فقلت ". (2) لا يوجد في المصدر: " ما يزيد على اللعنة ". (3) في المصدر: " وأين لعن الله يزيد في كتابه ؟ ". (4) في المصدر: " فقال ". (5) سورة محمد / 22 - 23. (*)

[ 35 ]

أغار (1) المدينة المنورة (2) (بجيش) وأخاف أهلها (انتهى). والحديث الذي (ذكره) رواه مسلم، أنه وقع (3) من ذلك الجيش من القتل والفساد العظيم والسبي وإباحة المدينة ما هو مشهور حتى فض نحو ثلاثمائة بكر، وقتل من الصحابة نحو ذلك، ومن قراء القرآن نحو سبعمائة نفس، وأبيحت المدينة المنورة (4) أياما، وبطلت الجماعة من المسجد النبوي أياما، وأخيف أهل المدينة أياما، فلم يمكن لاحد أن يدخل المسجد (5) حتى دخلتها الكلاب (والذئاب) وبالت على منبره (ص) تصديقا لما أخبر به النبي (ص). ولم يرض أمير هذا (6) الجيش إلا بأن يبايعوه ليزيد على أنهم عبيد (7) له إن شاء باع وإن شاء أعتق، فذكر له بعضهم البيعة على كتاب الله وسنة رسول الله (8) فضرب عنقه، وذلك في قصة (9) الحرة. ثم سار جيشه (هذا) نحو مكة (10) الى قتال ابن الزبير فرموا الكعبة المكرمة (11) بالمنجنيق، وأحرقوا كسوتها (12) بالنار " فأي شئ أعظم من هذه القبائح التي


(1) في المصدر:، " غزا ". (2) لا يوجد في المصدر: " المنورة ". (3) في المصدر: " ووقع " بدل " انه وقع ". (4) لا يوجد في المصدر: " المنورة ". (5) في المصدر: " فلم يمكن أحدا دخول مسجدها ". (6) في المصدر: " ذلك ". (7) في المصدر: " خول ". (8) في المصدر: " رسوله ". (9) في المصدر: " وقعة ". (10) لا يوجد في المصدر: " نحو مكة ". (11) لا يوجد في المصدر: " المكرمة ". (12) في المصدر: " وأحرقوها بالنار ". (*)

[ 36 ]

وقعت في زمنه ناشئة عنه (1). وكانت سلطنة (2) يزيد سنة ستين ومات في أول (3) سنة أربع وستين (4). وإن معاوية بن يزيد بن معاوية لما ولي العهد صعد المنبر فقال: إن هذه الخلافة حبل الله - تعالى - وإن جدي معاوية نازع الامر أهله، ومن هو أحق به منه علي بن أبي طالب (ع)، وركب بكم ما تعلمون حتى أتته منيته، فصار في قبره رهينا بذنوبه، ثم قلد أبي الامر وكان غير أهله (5)، ونازع ابن بنت رسولي الله (ص)، فقصف عمره، وأبتر (6) عقبه، وصار في قبره رهينا بذنوبه. ثم بكى وقال: (إن) من أعظم الامور خسارة (7) علينا علمنا بسوء مصرعه، وبئس منقلبه، وقد قتل عترة رسول الله (ص) وأباح الخمر، وخرب الكعبة، ولم أذق حلاوة الخلافة، فلا أذوق مرارتها، ولا أتقلدها (8)، فشأنكم في أمركم، والله، لئن كانت الدنيا خيرا فقد نلنا منها حظا، وإن (9) كانت شرا فكفى ذرية أبي سفيان ما أصابوا منها. ثم تغيب في منزله حتى مات بعد أربعين يوما، وكانت مدة خلافته أربعين


(1) الصواعق المحرقة: 222. (2) في المصدر: " كذلك بان ولايته كانت... ". (3) لا يوجد في المصدر: " في أول ". (4) الصواعق المحرقة: 224. (5) في المصدر: " غير أهل له ". (6) في المصدر: " وانبتر ". (7) لا يوجد في المصدر: " خسارة ". (8) في المصدر: " فلا أنقله مرارتها " بدل " فلا أذوق مرارتها ولا أتقلدها ". (9) في المصدر: " ولئن ". (*)

[ 37 ]

يوما، وقيل: شهرين. وقيل: ثلاثة أشهر. ومات عن إحدى وعشرين سنة. وقيل: عشرين رحمه الله (1) (انتهت الصواعق). (51) أخرج أبو المؤيد موفق بن أحمد أخطب الخطباء الخوارزمي المكي: بسنده عن سليمان الاعمش بن مهران الكوفي قال: إن أبا جعفر المنصور الدوانيقي الخليفة أرسل رجلا إلى الاعمش جوف الليل فودع أهله بظنه أنه قاتله، فأخذ حنوطا ودخل عليه. فقال: يا أعمش كم تروي حديثا في فضائل علي (كرم الله وجهه) ؟ فقال: يسيرا. فقال: أشم منك ريح الحنوط، فما تفعل ؟ قلت: أظن أنك تقتلني. قال: لا طلبتك إلا لاجل أن أسأل عنك كم حديث في فضائل علي عندك، وإنك آمن، فكم تروي حديثا ؟ قلت: عشرة آلاف. قال: يا سليمان والله لاحدثنك بحديثين في فضائل علي (كرم الله رجهه) فضمهما في عشرة آلاف حديثك. قلت: حدثنا يا أمير المؤمنين. قال: أما الحديث الاول والثاني أذكرهما بالقصة:


(1) الصواعق المحرقة: 224. (51) المناقب للخوارزمي: 284 حديث 279. المناقب لابن المغازلي: 143 حديث 188 وهو في المصدر حديث طويل. (*)

[ 38 ]

كنت هاربا من بني أمية وأتردد في البلدان، مختفيا، وردت بلد دمشق وأنا جائع فدخلت المسجد لاصلي، فلما سلم الامام وذهب الناس دخل صبيان، فقال الامام: مرحبا بمن اسمكما اسمهما. وكان الى جنبي شاب سألت عنه: من الصبيان ؟ قال: هما حفيدي الامام، وهو يحب أهل البيت، فلذلك سمى أحدهما حسنا والآخر حسينا، فلم اطمئن قلبي أنه محب أهل البيت صافحته وسأل عن نسبي فعرفته. قلت له: أنا أحدثك بفضائل أهل البيت تقر عينك. قال: إن حدثتني بالفضائل فأنا أكافيك بالاحسان. فقلت: حدثني والدي عن أبيه عن جده ابن عباس قال: كنت عند النبي (ص) جاءت فاطمة (رضي الله عنها) يوما الى أبيها (ص) فقالت: يا أبت خرج الحسن والحسين فما أدري أين هما، وبكت. فقال: يا فاطمة لا تبكين، فالله الذي خلقهما هو ألطف بهما مني ومنك، وقال: اللهم إنهما أي مكان كانا فاحفظهما. فنزل جبرائيل فأخبر أنهما نائمان في حديقة بني النجار، والملك افترش أحد جناحيه تحتهما وبالآخر غطاهما. فخرج النبي (ص) وخرجنا معه إليهما، فإذا الحسن معانق للحسين والنبي (ص) قبلهما، فانتبها، وحملهما على عاتقيه حتى أتى باب المسجد، وأمر باجتماع الناس وقال: أيها الناس ألا أدلكم على خير الناس جدا وجدة ؟ قالوا: بلى.


[ 39 ]

قال: إن ابني هذان الحسن والحسين خير الناس جدا وجدة، جدهما أنا وجدتهما خديجة بنت خويلد. وهما خير الناس أبا وأما، أبوهما علي أخي وأمهما فاطمة ابنتي. وهما خير الناس عما وعمة، فعمهما جعفر الطيار ذو الجناحين وعمتهما أم هانئ. وهما خير الناس خالا وخالة فأخوالهما القاسم وعبد الله وابراهيم، وخالاتهما زينب ورقية وأم كلثوم. ثم قال - وأشار بأصابعه منضمة -: هكذا يحشرنا الله - تبارك وتعالى -. ثم قال: اللهم إنك تعلم أن هؤلاء كلهم في الجنة، وإنك تعلم أن من يحب هذين فهو في الجنة، ومن يبغضهما فهو في النار. قال المنصور: فلما قلت هذا الحديث للشيخ فرح وسر وكساني خلعة كأن لا لبسها، وحملني على بغلته، وأعطاني مائة دينار. ثم قال لي الشيخ: لارسلنك الى شاب يفرح من حديثك، فأخذ بيدي حتى جاء باب الشاب، فخرج إلي الشاب فقال: عرفتك انك تحب الله ورسوله وأهل بيته بالبغلة والكسوة لفلان، فأدخلني في بيته وأكرمني. ثم قال: حدثني حديثا من فضائل أهل البيت، فقلت له حدثني أبي محمد، عن أبيه علي، عن جده عبد الله بن العباس قال: كنت عند النبي (ص) في بيته جاءت فاطمة (رضي الله عنها) عند أبيها (ص) وقالت: يا أبت إن نساء لقريش يقلن لي: إن أباك زوجك بمن لا مال له. فقال لما: والله ما زوجتك حتى زوجك الله فوق عرشه، وأشهد بذلك ملائكته. ثم قال: وإن الله اطلع على أهل الدنيا فاختار من الخلائق أباك فبعثه رسولا


[ 40 ]

نبيا، ثم اطلع الثانية فاختار من الخلائق عليا فزوجك إياه، واتخذه لي وصيا، فهو أشجع الناس قلبا، وأحلم الناس حلما، وأسمح الناس كفا، وأقدمهم سلما، وأعلمهم علما، وفي القيامة لواء الحمد بيده وينادي المنادي: يا محمد نعم الاب أبوك إبراهيم، ونعم الاخ أخوك علي. قال المنصور: فلما قلت هذا الحديث له أعطاني ثلاثين ثوبا وعشرة آلاف درهم. فقال لي: إذا كان غدا فأت مسجد آل فلان كي ترى حال مبغ علي (ض). قال: فطالت علي تلك الليلة شوقا الى رؤيته، فلما أصبحت أتيت المسجد، فقمت في الصف الاول والى جنبي شاب متعمم، فذهب ليركع سقطت عمامته، فنظرته فإذا رأسه رأس خنزير، وسلم الامام فقلت له خفيا: ويلك ما الذي أراه به ؟ فبكى، فأدخلني في داره. فقال: إنه كان مؤذنا، ففي كل يوم يلعن عليا (كرم الله وجهه) ألف مرة، وفي يوم الجمعة يلعنه أربعة آلاف مرة، ونام في الدكان الذي أراه، فرأى في منامه كأنه في الجنة وفيها النبي (ص) وعلي والحسن والحسين (رضي الله عنهم) والحسنان يسقيان الجماعة، فطلب الماء منهما فلم يعطه أحد منهما، ثم شكا له النبي (ص) منهما، فقال الحسين: يا جدا إن هذا الرجل كان يلعن والدي كل يوم ألف مرة، وقد لعنه في هذا اليوم أربعة آلاف مرة. فقال النبي (ص): أنت تلعن عليا، وعلي مني ؟ وتفل في وجهه وطرده برجله، وقال: غير الله ما بك من نعمة.


[ 41 ]

فاستيقظ من نومه، فإذا رأسه رأس خنزير ووجهه وجه خنزير. ثم قال أبو جعفر المنصور: أهذان الحديثان كانا في يدك يا سليمان ؟ قلت: لا. فقال: خذهما مع عشرة آلاف حديث معك. ثم قال: يا سليمان حب علي إيمان وبغضه نفاق، والله لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق. فقلت: الامان يا أمير المؤمنين. قال: لك الامان قل ما شئت. قلت: فما تقول في قاتل الحسين (ض) ؟ قال: هو الى النار وفي النار. قلت: وكل من قتل ولد رسول الله (ص) الى النار وفي النار ؟ قال: نعم. ثم قال: يا سليمان حدث الناس ما سمعت. ثم أذن لي بالذهاب الى بيتي. (52) وفي تفسير علي بن إبراهيم: في تفسير قوله تعالى (ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور " (1): عن جعفر الصادق (ض) قال: قوله تعالى: (ومن عاقب) يعني رسول الله (ص) عاقب به الله الكفار من قريش يوم بدر، فقتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وحنظلة بن أبي سفيان، وكان عتبه بن


(52) تفسير القمي 2 / 86 (باختلاف يسير جدا في أوله). (1) الحج / 60. (*)

[ 42 ]

ربيعة والد هند التي كانت جدة يزيد، فطلب يزيد دماءهم فقتل الحسين (ض) لضغنه وحقده، وأنشد شعرا: ليت أشياخي ببدر شهدوا * وقعة الخزرج من وقع الاسل لاهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلناه ببدر فاعتدل لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل وقوله تعالى: (بمثل ما عوقب به) يعني نبيه (ص) حين أرادوا أن يقتلوه بمكة فهاجر إلى المدينة. وقوله تعالى: (ثم بغى عليه) أي بغى معاوية على أهل بيته، ثم ولده يزيد على أهل البيت. وقوله تعالى: (لينصرنه الله) يعني بالقائم المهدي من ولده. قال أبو جعفر الباقر (ض) شعرا: إن اليهود لحبهم لنبيهم * قد آمنوا من حادث الازمان وذوو الصليب بحب عيسى أصبحوا * يمشون زهوا في قرى نجران والمؤمنون بحب آل محمد * يرمون في الافاق بالنيران (53) وفى جواهر العقدين: أخرج البيهقي عن الزهري قال: دخلت على (1) عبد الملك بن مروان... فقال لي: يابن شهاب أتعلم ما كان في بيت المقدس صباح قتل علي بن أبي طالب ؟ قلت: نعم.


(53) جواهر العقدين 2 / 329. في المصدر: " دخلت الشام أريد الغزو فأتيت عبد الملك... ". (*)

[ 43 ]

قال: هلم فقمنا حتى أتينا خلف العقبة وخلينا عن الناس (1). فقال لي (2): لم يرفع حجر من بيت المقدس، إلا وجد تحته دم. فقال: لم يبق أحد يعلم هذا غيري وغيرك، فلا يسمعن هذا منك أحد. قال: فما حدثت به حتى توفي. (54) وأخرج أيضا عن الزهري: إن أسماء الانصارية قالت: ما رفع حجر بايليا (يعني) حين قتل علي بن أبي طالب إلا وجد تحته دم عبيط. ثم قال البيهقي: كذا روى عن الزهري (3) هاتين الروايتين، وقد روى باسناد صحيح عن الزهري: إن ذلك حين قتل الحسين، ولعله وجد عند قتلهما جميعا (انتهى). (55) وحكى هشام بن محمد عن القاسم (بن الاصبغ) المجاشعي قال: (لما) أتي بالرؤوس إلى الكوفة إذ فارس (4) من أحسن الناس وجها قد علق في لبب (5) فرسه رأس (... كأنه القمر ليلة تمامه والفرس طوح فإذا طأطأ رأسه لحق الرأس بالارض. فقلت له: رأس من هذا ؟ قال: رأس) العباس بن علي (رضي الله عنهما).


(1) في المصدر: " فقمت من وراء الناس حتى انتهت خلف القبة فحول إلي وجهه وانحنى علي ". (2) في المصدر: " فقال ما كان ؟ قلت:... ". (54) جواهر العقدين 2 / 329. (3) في المصدر: " في هاتين "، بدل " عن الزهري ". (55) جواهر العقدين 2 / 331. (4) في المصدر: " إذا بفارس ". (5) في (أ): " لبيب ". (*)

[ 44 ]

(قلت: وأنت ؟ قال: حرملة بن الكاهل الاسدي. قال: فلبث أياما وإذا بحرملة) فصار (1) وجهه أشد سوادا من القار. (فقلت له: لقد رأيتك يوم حملت الرأس وما في العرب أنضر وجها منك وما أدري اليوم إلا أقبح وإلا أسود وجها منك ! فبكى) وقال: (والله منذ حملت الرأس والى اليوم) ما تمر علي ليلة إلا واثنان يأخذان بضبعي ثم ينتهيان بي الى النار فيدفعاني فيها (وأنا أنكص فتسفعني) ثم مات على أقبح حال. (56) وأخرج عبد بن محمد القرشي عن شيخ بن (2) أسد قال: رأيت النبي (ص) في المنام والناس يعرضون عليه وبين يديه طشت فيها دم (وأسهم والناس يعرضون عليه) فيلطخهم بالدم (3) حتى انتهيت إليه. فقلت: (بأبي والله وأمي) ما رميت بسهم ولا طعنت برمح (ولا كثرت). فقال لي: (كذبت قد) هويت قتل الحسين. (قال:) فأومأ الي باصبعه فأصبحت أعمى. (57) وأخرج أيضا عن عامر بن سعد البجلي قال: (لما قتل الحسين بن علي (ض)) رأيت النبي (ص) في المنام فقال لي: إذا


(1) في المصدر: " وصار ". (56) جواهر العقدين 2 / 331. (2) في المصدر: " من قوم بني ". (3) لا يوجد في المصدر: " بالدم ". (57) المصدر السابق. (*)

[ 45 ]

رأيت (1) البراء بن عازب فاقرءه السلام وأخبره ان قتلة الحسين في النار و (ان) كاد أن يعذب الله (2) أهل الارض بعذاب أليم، فأخبرت البراء (3). فقال: صدق الله ورسوله، قال (رسول الله) (ص): من رآني في المنام فقد رآني فان الشيطان لا يتصور في صورتي. (58) وأخرج الطبري عن أبي رجاء العطاردي قال: لا تسبوا عليا ولا أهل اهذا) البيت فان جارا لنا من هذيل قدم المدينة فسب الحسين (4) (ض) فرماه الله بكوكبين في عينيه فطمستا. وأيضا أخرجه أحمد في المناقب. وفي توثيق عرى الايمان للبارزي: عن الاعمش عن المنصور الخليفة العباسي: انه رأى رجلا بالشام وجهه وجه خنزير. قد تقدم ذكره في الصواعق (5). (59) وقال ابن البرقي: حدثنا عمرو بن خالد، قال: حدثنا أبو سعيد محمد بن يحيى ابن اليمان عن صالح إمام مسجد بني سليم، عن أشياخ له قالوا: غزونا أرض الروم فإذا كتاب في كنيسة (من كنائسهم) بالعربية: أترجو أمة قتلت (6) حسينا * شفاعة جده يوم الحساب


(1) في المصدر: " ائت " بدل " إذا رأيت ". (2) في المصدر: " وان كان الله أن يسحت ". (3) في المصدر: " فاتيت فأخبرته ". (58) جواهر العقدين 2 / 332. (4) في المصدر: " الحسن ". وذكر فيه ايضا ألفاظ السب. (5) ذكر الخبر بكامله في جواهر العقدين 2 / 332. (59) جواهر العقدين 2 / 333. (6) في المصدر: " معشر قتلوا ". (*)

[ 46 ]

فقلنا لاهل الروم (1): من كتب هذا ؟ قالوا: ما ندري. (60) وعن محمد بن سيرين قال: وجد حجر قبل مبعث النبي (ص) بثلاثمائة سنة، عليه مكتوب بالسريانية، فنقلوه الى العربية فهو (2): أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب (3) فهو كتب بقلم حديد في حائط بدم (4). (61) وقال سليمان بن يسار: وجد حجر عليه مكتوب بالنظم، وهو هذا (5): لابد أن ترد القيامة فاطم * وقميصها بدم الحسين ملطخ ويل لمن شفعاؤه خصماؤه * والصور في يوم القيامة ينفخ وشاهده ما (6) أخرجه الحافظ (7) ابن الاخضر في " العترة الطاهرة " من


(1) في المصدر: " للروم ". (60) جواهر العقدين 2 / 332. (2) في المصدر: " فإذا هو ". (3) في المصدر: " القيامة ". (4) في المصدر هذه العبارة رواية مستقلة ولفظها هكذا: وأخرج ابن الجراح من طريق ابن لهيعة... قال: لما قتل الحسين بن علي (رضوان الله عليهما) بعث برأسه الى يزيد فنزلوا أول مرحلة فجعلوا يشربون ويتحيون بالرأس فبينما هم كذلك، إذ خرجت عليهم من الحائط قلم حديد فكتبت سطر بدم: أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب فهربوا وتركوا الرأس. (61) جواهر العقدين 2 / 333. (5) لا يوجد في المصدر: " بالنظم وهو هذا ". (6) في المصدر: " وهو شاهد لما ". (7) لا يوجد في المصدر: " الحافظ ". (*)

[ 47 ]

حديث علي الرضا عن آبائه (1) عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم) قال: قال رسول الله (ص): تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة ومعها ثياب مصبوغة بالدم (2)، فتتعلق بقائمة من قوائم العرش فتقول: يا عدل احكم بيني وبين قاتل ولدي، فيحكم لابنتي ورب الكعبة. (62) وقال الواقدي: لما وصلت السبايا بالرأس الشريف للحسين (رضي الله عنهم) المدينة لم يبق بها (3) أحد وخرجوا يضجون بالبكاء، وخرجت زينب بنت عقيل بن أبي طالب كاشفة وجهها، ناشرة شعرها، تصيح واحسيناه، وااخوتاه، واأهلاه، وامحمداه، واعلياه، واحسناه (4). ثم قالت شعرا (5): ماذا تقولون إن قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم بأهل بيتي وأولادي أما لكم * عهد ؟ أما أنتم توفون بالذمم ذريتي وبنو عمي بمضيعة * منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي قالت فاطمة بنت عقيل بن أبي طالب ترثيه (6): عيني ابكي (7) بعبرة وعويل * واندبي إن ندبت آل الرسول


(1) نقل السند مفصلا في المصدر. (2) في المصدر: " بدم ". (62) جواهر العقدين 2 / 333. (3) في المصدر: " لما وصل رأس الحسين الى المدينة والسبايا لم يبق بالمدينة ". (4) لا يوجد في المصدر: " واعلياه واحسناه ". (5) لا يوجد في المصدر: " شعرا ". (6) في (أ): " مرثية " وفي المصدر: " وقال سراقة الباهلي في رثائهم: ". في المصدر: " عين بكى ". (*)

[ 48 ]

تسعة كلهم لصلب علي * قد أصيبوا (2) وخمسة لعقيل وأوردهما ابن عبد البر في الاستيعاب (3). (63) وذكر ابن سعد: عن أم سلمة انها لما سمعت قتل (4) الحسين قالت: (أو قد فعلوها ؟ !) ملا الله بيوت القاتلين (5) وقبورهم نارا، ثم بكت حتى غشي عليها. (64) وقال الزهري: لما بلغ الحسن البصري خبر (6) قتل الحسين بكى حتى اختلج صدغاه، ثم قال: أذل الله أمة قتلت ابن نبيها (7)، والله ليردن رأس الحسين الى جسده، ثم لينتقمن له جده وأبوه من ابن مرجانة. وقال الحافظ جمال الدين الزرندي المدني في كتابه " معراج الوصول ":... إن الامام (8) الشافعي رحمه الله أنشد: ومما نفى نومي وشيب لمتي * تصاريف أيام لهن خطوب تأوب همي والفواد كئيب * وأرق عيني والرقاد غريب تزلزلت الدنيا لآل محمد * وكادت لهم صم الجبال تذوب فمن يبلغن (9) عني الحسين رسالة * وإن كرهتها أنفس وقلوب


(1) في المصدر: " منهم ". (2) في المصدر: " ابيدوا ". (3) جواهر العقدين 2 / 333. (63) جواهر العقدين 2 / 334. (4) في المصدر: " بقتل ". (5) في المصدر: " بيوتهم ". (64) المصدر السابق. (6) لا يوجد في المصدر: " خبر ". (7) في المصدر: " وأذل الله قتل ابن بنت نبيها ابن دعيها ". (8) لا يوجد في المصدر: " الامام ". (9) في المصدر: " مبلغ ". (*)

[ 49 ]

قتيل بلا جرم كأن قيصه * صبيغ بماء الارجوان خضيب نصلي على المختار من آل هاشم * ونؤذي بنيه إن ذا لعجيب لئن كان ذنبي حب آل محمد * فذلك ذنب لست عنه (1) أتوب هم شفعاتي يوم حشري وموقفي * وبغضهم (2) للشافعي ذنوب (3) ونقل سبط ابن الجوزي: إن ابن الهبارية الشاعر إجتاز بكربلا فجعل يبكي على الحسين وأهله (رضي الله عنهم) وأنشد (4) شعرا: أحسين المبعوث جدك بالهدى * قسما يكون الحق عنه مسائلي لو كنت شاهد كربلا لبذلت في * تنفيس كربك جهد بذل الباذل (5) ثم نام في مكانه فرأى النبي (ص) في المنام فقال له: (يا فلان) جزاك الله (عني) خيرا، أبشر فان الله قد كتبك ممن جاهد بين يدي ابني (6) الحسين (7). (65) وروى الحافظ ابن الاخضر في " معالم العترة الطاهرة ": عن علي الرضا أنه قال: وقد قال محمد الباقر: رحم الله أخي زيدا فانه قال لابي: إني أريد الخروج على هذه الطاغية. فقال أبي له: لا تفعل يا زيد، إني أخاف أن تكون المقتول المصلوب بظهر


(1) في المصدر: (منه). (2) في المصدر: " وحبهم للشافعي من أي وجه ذنوب ؟ ". (3) جواهر العقدين 2 / 335 - 336. (4) في المصدر: " وقال ". (5) في المصدر أبيات أخرى غير مقروءة. (6) لا يوجد في المصدر: " ابني ". (7) جواهر العقدين 2 / 336. (65) جواهر العقدين 2 / 345. (*)

[ 50 ]

الكوفة، أما علمت يا زيد انه لا يخرج أحد من ولد فاطمة على أحد من السلاطين قبل خروج السفياني إلا قتل، فكان الامر كما قال له أبي. (66) وقد ذكر أهل السير: أن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط (رضي الله عنهم) كان شيخ بني هاشم في زمانه، جمع المحاسن الكثيرة، وهو والد محمد الملقب بالنفس الزكية، ووالد إبراهيم أيضا، فلما كان في أواخر دولة بني مروان وضعفهم، أراد بنو هاشم أن يبايعوا منهم من يقوم بالامر، فأنفقوا على محمد وإبراهيم ابني عبد الله المحض، فلما اجتمعوا لذلك أرسلوا الى جعفر الصادق. فقال عبد الله: انه يفسد أمركم. فلما دخل جعفر الصادق سألهم عن سبب اجتماعهم فأخبروه. فقال لعبدالله: يا ابن عمي إني لا أكتم خيرية أحد من هذه الامة إن استشارني، فكيف لا أدل على صلاحكم (1). فقال عبد الله: فمد يدك لنبايعك. قال جعفر: والله إنها ليست لي ولا لابنيك، وإنها لصاحب القباء الاصفر، والله ليلعبن بها صبيانهم وغلمانهم. ثم نهض وخرج، وكان المنصور العباسي يومئذ حاضرا وعليه قباء أصفر، فكان كما قال.


(66) جواهر العقدين 2 / 346. (1) في المصدر: " فقال لعبدالله: والله لا نتركك وأنت شيخ بني هاشم ونبايع لهذين الغلامين ". (*)

[ 51 ]

(67) وفي كتاب " الخرايج " للقطب أبي سعيد هبة الله الراوندي: عن أبي بصير قال: كنت مع محمد الباقر في مسجد النبي (ص) إذ دخل المنصور وداود بن سليمان، فجاء داود إليه وجلس المنصور ناحية المسجد، فقال الباقر: أما أن المنصور يلي أمر الخلائق فيطأ أعناق الرجال، ويملك شرقها وغربها، ويطول عمره فيها حتى يجمع من كنوز الاموال ما لم يجمعه غيره. فقام داود من عند الباقر وأخبر المنصور بذلك، فجاء المنصور إليه وقال: ما منعني من الجلوس عندك إلا جلالتك وهيبتك، ثم قال: ما الذي يقول داود ؟ قال: هو كائن لا محالة. ثم قال: ملكنا قبل ملككم ؟ قال: نعم. فقال: ويملك بعدي أحد من ولدي ؟ قال: نعم. ثم قال: مدة ملكنا أطول من مدة ملك بني أمية ؟ قال: نعم ومدة ملككم أطول، فيلعبون صبيانكم بالملك كما يلعب بالكرة، هذا ما عهد إلي أبي. فلما أفضت الخلافة إلى المنصور تعجب من قول الباقر (ض). (68) وروى المدايني: عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما): انه جاء أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين (1) (رضي الله عنهم) وهو صغير فوجده في المكتب (2).


(67) جواهر العقدين 2 / 346 - 347. (68) جواهر العقدين 2 / 349. (1) في المصدر: " محمد بن علي الباقر بن زين العابدين ". (2) لا يوجد في المصدر: " فوجده في المكتب ". (*)

[ 52 ]

فقال له: إن رسول الله (ص) يسلم عليك. فقيل لجابر: (و) كيف هذا ؟ فقال: كنت جالسا عند رسول الله (ص) والحسين في حجره وهو يقبله (1) فقال: يا جابر يولد له مولود اسمه علي إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم زين (2) العابدين، فيقوم ولده، ثم يولد له ولد اسمه محمد، فان أدركته يا جابر فاقرأه مني السلام. (69) وفي ذخائر العقبى: عن أنس بن الحرث مرفوعا: إن ابني هذا - يعني الحسين - يقتل بأرض يقال لما " كربلا " فمن شهد ذلك منكم فلينصره. فخرج أنس بن الحرث فقتل بها مع الحسين (رضي الله عنهما) (أخرجه الملا في سيرته). وفي الاصابة: أخرج البخاري في تاريخه، وروى البغوي وابن السكن، وغيرهما، عن أنس بن الحرث هذا الحديث (3). (انتهى جواهر العقدين). وفي جواهر العقدين كل ما كان في الصواعق موجود حتى أن خطبة معاوية بن يزيد وخلعه نفسه موجود فيه.


(1) في المصدر: " يداعبه ". (2) في المصدر: " سيد ". (69) ذخائر العقبى: 146. (3) الاصابة 1 / 68 ترجمة 266. (*)

[ 53 ]

الباب الحادى والستون في إيراد ما في الكتاب المسمى ب‍ " مقتل أبي مخنف (1) " الذي ذكر فيه شهادة الحسين وأصحابه مفصلا (رضي الله عنهم) وقال: إن والي الشام أوصى إلى ابنه يزيد، وكان غائبا، فكتب له كتابا: " يا بني قد وطئت لك البلاد، وذللت لك الرقاب الشداد، ولست أخشى عليك إلا من الحسين بن علي، فانه لا يبايعك ". ودفع الكتاب إلى الضحاك بن قيس وأمره أن يوصله الى يزيد. فبايعه أهل جميع البلاد إلا أهل الكوفة، وأهل المدينة. (أخذ البيعة) وكتب يزيد إلى الوليد بن عتبة، وكان يومئذ واليا على المدينة، كتابا يأمره أن يأخذ له البيعة على أهلها " فمن لم يبايعك فأنفذ إلي برأسه " فدعا الوليد الحسين (ض) وأراه الكتاب، فامتنع عن البيعة. فقال مروان بن الحكم: يا وليد إحذر أن يخرج فلم ترسله حتى يبايعك أو تضرب عنقه.


(1) لما وجدنا هذه النسخة لا تتطابق مع النسخة الشائعة ولا نسخة الطبري تركناها على حالها بيد أننا لاحظنا من خلال تقارب النص نسبيا أنها تكاد تكون مختصرة عن النسخة الشائعة. والله أعلم. ولا يفوتنا التنويه الى أننا أضننا بعض العناوين وجعلناها بين معقوفين لتمييزها عن النص. (*)

[ 54 ]

فلما سمع الحسين كلامه قال: يا ابن الزرقاء أنت تقتلني أم هؤلاء، لا أم لك يا ابن اللخناء. ثم خرج الحسين (ض). فقال مروان للوليد: عصيتني، والله لا تقدر على مثلها أبدا. فقال له الوليد: لقد اخترت لي ما فيه هلاكي وهلاك ذرتتي، والله ما أحب أن يكون لي ملك الدنيا وأنا مطالب بدم الحسين. (خروج الحسين من المدينة) ثم أتى الحسين (ض) الى قبر جده (ص) وبكى وقال: يا جدي إني أخرج من جوارك كرها، لانى لم أبايع يزيد شارب الخمور ومرتكب الفجور. فبينا هو في بكائه أخذته النعسة، فرأى جده (ص) وإذا هو قد ضمه الى صدره، وقبل ما بين عينيه، وقال: " يا ولدي، يا حبيبي، إني أراك عن قليل مرملا بدماك، مذبوحا من قفاك، بأرض يقال لها كربلا، وأنت عطشان، وأعداؤك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله ذلك. يا ولدي، يا حبيبي، إن أباك وأمك وجدتك وأخاك وعمك وعم أبيك وأخوالك وخالاتك وعمتك هم مشتاقون اليك، وإن لك في الجنة درجة لن تنالها إلا بالشهادة، وإنك وأباك وأخاك وعمك وعم أبيك شهداء تحشرون زمرة واحدة حتى تدخلون الجنة بالبهاء والبهجة ". فانتبه من نومه، فقفها على أهل بيته فغموا غما شديدا. ثم تهيأ على الخروج. وقال له محمد بن الحنفية: يا أخي إني خائف عليك أن يقتلوك. فقال: إني أقصد مكة فان كانت بي أمن أقمت بها وإلا لحقت بالشعاب والرمال، حتى أنظر ما يكون.


[ 55 ]

ثم ودعه وخرج في جوف الليل، وذلك لثلاث مضين من شعبان سنة ستين من الهجرة. فلزم الجادة ويسير ويتلو هذه الآية (فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين). فقال له ابن عمه مسلم بن عقيل: يا ابن رسول الله لو سلكنا غير الجادة كان لنا خير كما فعل عبد الله بن الزبير، فانا نخاف أن يلحقنا رجال يزيد. فقال: لا والله ما فارقنا هذا الطريق أبدا. فسار الحسين (رضي الله عنه وأرضاه) وهو ينشد ويقول: إذا المرء لم يحمي بنيه وعرضه * ونسوته كان اللئيم المسببا ثم دخل مكة وجعل الناس يجيئون إليه لا ينقطعون عنه. (رسل الكوفيين) فلما بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية امتنعوا عن بيعة يزيد، فاجتمعوا وكتبوا إلى الحسين (ض) كتابا يقولون فيه: " لك مالنا وعليك ما علينا، فلعل الله أن يجمع بيننا وبينك على الهدى ودين الحق " ورغبوه في القدوم إليهم وقالوا: " فانفذ إلينا رجلا قبل وصولك يحكم فينا بحكم الله ورسوله ". وكتبوا بهذا المعنى كتبا كثيرة، فكتب إليهم: " إني أرسلت اليكم ابن عمي مسلم، فاسمعوا له وأطيعوه، وقد أمرته باللطف فيكم، وأن يرسل إلي بحسن رأيكم، وما أنتم عليه، وأنا أقدم عليكم إن شاء الله تعالى ". (بعث مسلم (ع) إلى الكوفه) فأرسل مسلم (إلى الكوفة) مع الدليلين، وفي أثناء الطريق ضلاه ومات أحدهما عطشا، فتطير مسلم، فبعث إلى الحسين (ع) يخبره بذلك، ويستعفيه


[ 56 ]

عن المسير إلى الكوفة، فبعث إليه يأمره بالمسير الى ما أمره أولا، فسار في وقته وساعته الى أن قدم الكوفة ليلا، فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة. فاجتمع الناس إليه فبايعه ثمانية عشر ألف رجل، وكتب مسلم إلى الحسين (رضي الله عنهما) كتابا مخبرا بمبايعة أهل الكوفة. فبلغ الخبر إلى النعمان بن بشير، وكان هو والي الكوفة من طرف يزيد، فقال في خطبة: " احذروا مخالفة يزيد بن معاوية، من أصبح منكم مخالفا لقولي لاضربن عنقه ". ثم إن عبد الله الحضرمي استضعف رأي النعمان، أرسل الى يزيد كتابا يذكر فيه بيعة الناس لمسلم وضعف رأي النعمان، فأرسل يزيد عمر بن سعد بن أبي وقاص إلى ابن زياد، وكان في البصرة، مع كتاب " يأمره على الرحيل إلى الكوفة، ولا يدع من بني علي إلا قتله ". فلما وصل الكوفة وهو متلثم وبيده قضيب من خيزران وأصحابه حوله، فلا يمر بملأ إلا سلم عليهم بالقضيب، وهم يظنون أنه الحسين، لانهم يتوقعون قدومه. فلما دخل قصر الامارة علموا أنه ابن زياد. وقال للنعمان: " (حفظت نفسك وضيعت مصرك " فخطب على المنبر " (يذكر أن يزيد ولاه وأوصاه بالاحسان إلى المحسن والتجاوز عن المسيئ " والناس ينظر بعضهم الى بعض ويقولون: " مالنا وامتناع السلطان " فنقضوا بيعة الحسين (ض) وبايعوا ابن زياد. فلما سمع مسلم ذلك دخل هاربا دار هانئ بن عروة، وكان هانئ عليلا، وقال: " يا مسلم إن ابن زياد يأتيني للعيادة، فخذ هذا السيف واقتله، فإذا رأيت أنا أقلع عمامتي عن رأسي فاضربه بالسيف ". ودخل ابن زياد ومعه حاجبه بعد العشاء يسأله عن مرضه، وهو يشكو إليه الله، فقلع عمامته وتركها على الارض ثلاث مرات، فلما رأى ابن زياد كثرة


[ 57 ]

الاشارات خرج هاربا وانصرف، فلما خرج مسلم من المخدع قال له هانئ: ما منعك من قتله ؟ قال: منعني كلام سمعته من أمير المؤمنين أنه قال: لا إيمان لمن قتل مسلما ! قال هانئ: والله لو قتلته لقتلت كافرا. ثم علم ابن زياد أن مسلم بن عقيل في دار هانئ، فدخل ابن زياد مع رجال في داره، فقاتلهم هانئ حتى قتل منهم رجالا، ويقول: " والله لو كانت رجلي على طفل من أطفال آل محمد (ص) ما رفعتها حتى تقطع "، ثم قتله ابن زياد بعمود من حديد. وخرج مسلم من الدار هاربا حتى انتهى إلى الحيرة، ودخل دار العجوزة فأكرمته، فدخل ابنها ورأى أمه تكثر الدخول والخروج الى موضع من الدار، فسألها فلم تخبره، وبعد أخذ العهود والقسم أخبرته. ثم ولد العجوزة أخبر ابن زياد، فأرسل ابن زياد محمد بن الاشعث الكندي، وضم إليه ألف فارس وخمسمائة راجل الى قتال مسلم، فقاتلهم قتالا شديدا حتى قتل منهم خلقا كثيرا، فأرسل ابن الاشعث إلى ابن زياد يستمده بالخيل والرجال. فكتب إليه (، إن رجلا واحدا يقتل منكم خلقا كثيرا، فكيف لو أرسلتك الى من هو أشد منه قوة وبأسا " - يعني الحسين -. فكتب في الجواب " إنما أرسلتني الى سيف من أسياف آل محمد "، فأمده بالعسكر الكثير. ثم حمل مسلم عليهم أيضا فقتل منهم خلقا كثيرا وصار جلده كالقنفذ من كثرة إلسهام.


[ 58 ]

فقال ابن الاشعث: لك الامان يا مسلم. فقال لهم: لا أمان لكم يا أعداء الله وأعداء رسوله. ثم إنهم حفروا له حفيرة في وسط الطريق، وأخفوا رأسها بالدغل والتراب، فوقع مسلم في تلك الحفيرة، وأحاطوا به فضربه ابن الاشعث على وجهه بالسيف فشقه، فأوثقوه وآتوه الى ابن زياد. فقيل له: سلم على الامير. فقال مسلم: والله مالي أمير غير الحسين (ع) ثم أنشد: إصبر لكل مصيبة وتجلد * واعلم بأن المرء غير مخلد وإذا ذكرت مصيبة تشجى لها * فاذكر مصيبة آل بيت محمد واصبر كما صبر الكرام فانها * نوب تنوب اليوم تكشف في غد فقال ابن زياد: يا مسلم سواء عليك سلمت أو لم تسلم إنك مقتول لا محالة. قال مسلم: أريد رجلا قرشيا أوصيه. فقام عمر بن سعد إليه وقال له: ما وصيتك ؟ فقال له: أول وصيتي: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن عليا ولي الله ووصي رسوله وخليفته في أمته. والثانية: تبيع درعي وتقضي عني سبعمائة درهم استقرضتها. والثالثة: أن تكتب الى سيدي الحسين يرجع ولا يأتي الى بلدكم. فقال ابن سعد: أما ما ذكرت من الشهادة فكلنا نشهد بها، وأما بيع الدرع وقضاء الدين إن شئنا قضيناه وإلا لا، وأما من أمر الحسين فلا بد أن يقدم الينا ونذيقه الموت. ثم أمر ابن زياد أن يصعد بمسلم على أعلى القصر ويرمى منه، فبكى مسلم على


[ 59 ]

فراق الحسين (رضي الله عنهما) وجعل يقول: جزى الله عنا شر ما قد جزى * شرار الموالى بل أعق وأظلما هم منعونا حقنا وتظاهروا * علينا وراموا أن نذل ونرغما وغاروا علينا يسفكون دماءنا * فحسبهم الله العظيم المعظما ونحن بنو المختار لا شئ مثلنا * وفينا نبي مكرم ومكرما ثم ألقوه من أعلى القصر، وعجل الله بروحه إلى الجنة. ثم أخذوا مسلما وهانيا فألقوهما في الاسواق، فبلغ خبر مسلم وهانئ الى قبائل مذحج فقاتلوا القوم، فغسلوهما ودفنوهما رحمهما الله. (خروج الحسين (ع) من مكة) واليوم الذي قتل فيه مسلم بن عقيل وهو يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي الحجة يوم التروية كان فيه خروج الحسين (ض) من مكة إلى العراق، بعد أن طاف وسعى وأحل من إحرامه، وجعل حجه عمرة مفردة، لانه لم يتمكن من إتمام الحج مخافة أن يبطش به ويقع الفساد في الموسم وفي مكة، لان يزيد أرسل مع الحجاج ثلاثين رجلا من شياطين بني أمية وأمرهم بقتل الحسين على كل حال. ثم إن محمد بن الحنفية سمع أن أخاه الحسين (رضي الله عنهما) يريد العراق، فبكى (بكاءا) شديدا، ثم قال له: إن أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، فان قبلت قولي أقم بمكة. فقال: يا أخي إني أخشى أن تغتالني جنود بني أمية في مكة فأكون أنا الذي يستباح حرم الله.


[ 60 ]

ثم قال: يا أخي فسر إلى اليمن فانك أمنع الناس به. فقال الحسين (ض): يا أخي لو كنت في بطن صخرة لاستخرجوني منها فيقتلوني. ثم قال له الحسين: يا أخي سأنظر فيما قلت. فلما كان وقت السحر عزم على المسير الى العراق، فأخذ محمد بن الحنفية زمام ناقته وقال: يا أخي ما سبب انك عجلت ؟ فقال: إن جدي (ص) أتاني بعدما فارقتك وأنا نائم، فضمني الى صدره وقبل ما بين عيني وقال لي: " يا حسين يا قرة عيني أخرج الى العراق فالله (عزوجل) قد شاء أن يراك قتيلا مخضبا بدمائك ". فبكى محمد بن الحنفية بكاء شديدا فقال: يا أخي إذا كان الحال هكذا فلا معنى لحملك لهؤلاء النسوة. فقال: قال لي جدي (ص) أيضا: " إن الله (عزوجل) قد شاء أن يراهن سبايا، مهتكات، يساقون في أسر الذل " وهن أيضا لا يفارقنني ما دمت حيا. فبكى محمد بن الحنفية بكاء شديدا ثم قال: أودعتك الله يا حسين، في دعة الله يا أخي. ونقل أن أم سلمة (رضي الله عنها) قالت: يا بني لا تحزني بخروجك إلى العراق فأنا سمعت جدك (ص) يقول: " يقتل ولدي الهسين بالعراق بأرض يقال لها كربلا ". فقال: يا أماه والله أعلم ذلك، وإني مقتول لا محالة، وأعرف اليوم الذي أقتل فيه، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي أدفن فيها، وأعرف من يقتل من أهل بيتي وشيعتي، وإن أردت يا أماه أريتك حفرتي ومضجعي، ثم أشار بيده الشريفة الى جهة كربلا فانخفضت الارض حتى أراها مضجعه ومدفنه


[ 61 ]

ومشهده، فبكت بكاء شديدا. ثم إنه كتب إلى العراق كتابا فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم " من الحسين بن علي بن أبي طالب الى اخوانه المؤمنين: سلام عليكم. وإني أحمد الله تعالى الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فان كتاب مسلم بن عقيل أتاني يخبرني بحسن رأيكم، واجتماع ملتكم، والطلب بحقنا، فسألت الله أن يحسن لنا ولكم الصنع. وأن يثيبكم على ذلك أعظم الاجر، وقد شخصت اليكم يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فاكتبوا إلي أمركم، فاني قادم عليكم في أيامي هذه إن شاء الله تعالى. والسلام. فلما أقبل الرسول بالكتاب إلى الكوفة لقاه الحصين بن نمير فأتى به عند ابن زياد، فمزق الرسول الكتاب. قال ابن زياد له: من أنت ؟ قال: أنا شيعة الحسين. قال: لم مزقت الكتاب ؟ قال: لئلا تعلم ما فيه. فأمره ابن زياد بسب علي والحسنين، فصعد المنبر وقال: أيها الناس، إن الحسين خير خلق الله تعالى، وأنا رسوله اليكم فأجيبوه، ثم لعن ابن زياد وأباه. فأمر به ابن زياد أن يلقى من أعلى القصر، فرموه فمات (رحمه الله تعالى). فبينما الحسين (ض) في المسير إذ جاء هلال بن نافع وعمرو بن خالد من


[ 62 ]

الكوفة، فسأل عنهما أحوال الناس، فقالا: " أما الاغنياء فقلوبهم إلى ابن زياد، وأما باقي الناس فقلوبهم اليك، وإن مسلم وهانئ وقيس الذي كان رسولك قتلوا " فقال: اللهم اجعل الجنة لنا ولاشياعنا منزلا كريما إنك على كل شئ قدير. ثم خطب وقال: قد نزل بنا ما ترون، وإن الدنيا قد تغيرت وتكدرت، وأدبر معروفها، ولم يبق منها إلا كصبابة الاناء، لا يعمل بالحق ولا ينتهى عن الباطل، ولا يرى المؤمن الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا خسارة. ثم نام نصف النهار واستيقظ وقال: سمعت هاتفا يقول: " يسير القوم والمنايا تسير معهم ". فقال له ابنه: يا أبتاه ألسنا على الحق ؟ فقال: بلى والذي مرجع العباد إليه يا بني. فقال: إذا والله لا نبالي بالموت إذا كنا على الحق والهدى. (إعتراض الحر) ثم سار حتى أتى موضعا يقال له " زبالة " فنزل وخطب وقال: " أيها الناس فمن كان منكم يصبر على حد السيف وطعن الاسنة فليقم معنا وإلا فلينصرف عنا " فجعل القوم يتفرقون، فلم يبق إلا أهل بيته ومواليه، وهم نيف وسبعون رجلا، وهم الذين خرجوا معه من مكة. فسار بهم إلى التغلبية، فاعترضهم الحر بن يزيد الرياحي، وهو قادم من القادسية رسولا إليه من الحصين بن نمير، وكان الحصين بالقادسية في أربعة آلاف فارس، فلم يزل الحر يطلب الحسين (ض) حتى لقيه عند صلاة الظهر.


[ 63 ]

قال الحر له: " لا نفارقك حتى أدخلناك عند ابن زياد " فأبى الحسين (ض). فقال الحر: " إذا أبيت ذلك فخذ طريقا آخر ". والحر يساير معه حتى انتهى الى قصر بني مقاتل، وإذا بفسطاط مضروب لرجل يقطع الطريق فقال له: " إنك قد عملت على نفسك ذنوبا كثيرة فهل لك من عمل تمحو به ذنوبك " ؟ قال: بماذا ؟ قال: تنصر ابن بنت رسول الله (ص). قال: أعطيك فرسي وسيفي واعفني عن ذلك. قال: إذا بخلت علينا بنفسك فلا حاجة لنا بمالك، وتلا هذه الآية (وما كنت متخذ المضلين عضدا). ثم قال: سمعت جدي (ص) يقول: " من سمع واعيتنا أهل البيت ولم يجبه أكبه الله على منخريه في النار ". (نزول كربلاء) ثم أقبل فارس من الكوفة سلم على الحر ولم يسلم على الحسين (ع) ودفع إلى الحر كتابا من ابن زياد ويأمره بالتعجيل، فساروا جميعا الى أن انتهوا الى أرض كربلا، إذ وقف جواد الحسين وكلما حثه على المسير لم ينبعث من تحته خطوة واحدة. فقال الامام: ما يقال لهذه الارض ؟ قالوا: تسمى كربلا. فقال: هذه والله أرض كرب وبلا، هاهنا تقتل الرجال وترمل النساء، وها هنا محل قبورنا ومحشرنا، وبهذا أخبرني جدي (ص). ثم نزل عن جواده وذلك يوم الاربعاء ثامن المحرم سنة إحدى وستين وهو يقول: يا دهر أف لك من خليل * كم لك بالاشراق والاصيل


[ 64 ]

من طالب بحقه قتيل * والدهرلا يقنع بالبديل وكل حي سالك سبيل * ومنتهى الامر الى الجليل ما أقرب الوعد إلى الرحيل ولم يزل يكررها حتى سمعته أخته زينب، فخرجت من الخيمة وقالت: يا أخي وقرة عيني، هذا كلام من أيقن بالموت، واثكلاه، اليوم مات جدي محمد المصطفى، وأبي علي المرتضى، وأمي فاطمة الزهراء، وأخي الحسن المجتبى، وخرت مغشيا عليها. ثم قال لها: يا أختاه إن أهل السماء والارض يموتون، وكل شئ هالك إلا وجهه. ثم قال لها: يا أختاه بحقي عليك إذا أنا قتلت فلا تشقي جيبا، ولا تخمشي وجها. ثم حملها وأدخلها في الخيمة، ثم أمر أصحابه أن يقربوا البيوت بعضها من بعض. ثم ابن زياد نادى في عسكره: من يأتيني برأس الحسين فله الجائزة العظمى وأعطيه ولاية الري سبع سنين. فقام إليه عمر بن سعد بن أبي وقاص وقال: أنا. فقال: امض إليه وامنعه عن شرب الماء وآتيني برأسه. فدخل على عمر أولاد المهاجرين والانصار وقالوا: يا ابن سعد تخرج الى حرب الحسين (ض) وأبوك سادس الاسلام ؟ ! فقال: لست أفعل ذلك. ثم جعل يفكر في ملك الري وقتل الحسين، فأضله الشيطان وأعمى قلبه. ثم قال لهم الحسين (ض): " والله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري، والله ما تعمدت الكذب مذ نشأت وعرفت أن الله يمقت الكذب، هل تطلبوني


[ 65 ]

بنفس قتلته ؟ أو بمال استملكته ؟ أو بقصاص من جراحة ؟ "، فسكتوا. ثم في الليلة التاسعة من المحرم كان لاصحابه دوي كدوي النحل من الصلاة والتلاوة فقال لهم: " إني لا أعلم أصحابا أوفى بالعهد ولا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل بالرحم من أهل بيتي، فجزاكم الله عني خيرا، ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا فأنتم في حل مني، وهذه الليلة سيروا بسوادها فاتخذوها سترا جميلا ". فقال له اخوته وأهل بيته وأصحابه: " لا نفارقك لحظة ولا يبقي الله إيانا بعدك أبدا ". ثم قال لاعدائه: ألست أنا ابن بنت نبيكم وابن أول المؤمنين إيمانا والمصدق لله ورسوله ؟ أليس حمزة سيد الشهداء عمي ؟ أليس جعفر الطيار في الجنان عمي ؟ أليس قال جدي (ص): إن هذين ولداي سيدا شباب أهل الجنة من الخلق أجمعين ؟ أليس قال: إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ؟ فان صدقتموني فيما أقول فنعما هو وإلا فاسألوا جابر بن عبد الله، وسعدا وحمل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، فانهم سمعوا ذلك من جدي (ص).


[ 66 ]

ثم نادى: يا شبث بن ربعي ويا كثير بن شهاب، ألم تكتبوا إلي أن أقدم، لك ما لنا وعليك ما علينا ؟ فقالوا: ما نعرف ما تقول، فانزل على حكم الامير وبيعة يزيد. فقال: والله لا أعطي بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد، وإني أعوذ بالله أن أنزل تحت حكم كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب. (واقعة الطف) ثم إن الحسين مع أصحابه (رضي الله عنهم) تهيأوا للقتال، فرمى ابن سعد سهما وقال: " اشهدوا لي عند الامير أني أول من حارب الحسين "، وكان أول راية خرجت الى حرب الحسين (ض) راية عمر بن سعد، ثم دعا عروة بن قيس الخثعمي، وخولي بن يزيد الاصبحي، وسنان بن أنس النخعي، والشمر ابن ذي الجوشن الضبابي، وعقد لكل واحد منهم راية على أربعة آلاف فارس، وسار القوم جميعا من الكوفة حتى أحاطوا الحسين في أربعين ألف فارس، لا فيهم شامي ولا حجازي ولا مصري، بل جميع القوم من أهل الكوفة، فأرسل عمر بن سعد شهاب بن كثير الى الامام. قال الامام: ما يريد ؟ قالوا: الدخول عليك. فقال له زهير: الق سلاحك وادخل. قال: لست أفعل ذلك. فرجع الى عمر، ثم أرسل رجلا يسمى خزيمة فألقى سلاحه، فقبل قدمي الامام، فما رجع الى عمر بن سعد، وقال: " من ذا الذي يترك الجنة ويمضي الى


[ 67 ]

النار !) ثم أقام مع الامام حتى قتل بين يدي الامام الحسين (رضي الله عنهما). (مقتل العباس) ولما اشتد العطش قال الامام لاخيه العباس: " إجمع أهل بيتك واحفروا بئرا " ففعلوا ذلد فوجدوا فيها صخرة، ثم حفروا أخرى فوجدوها كذلك، ثم قال له: " امض الى الفرات وآتينا الماء "، فقال: " سمعا وطاعة "، فضم إليه الرجال، فمنعهم جيش عمر بن سعد، فحمل عليهم العباس فقتل رجالا من الاعداء حتى كشفهم عن المشرعة، ودفعهم عنها، ونزل فملا القربة، وأخذ غرفة من الماء ليشرب فذكر عطش الحسين وأهل بيته فنفض الماء من يده وقال: " والله لا أذوق الماء وأطفاله عطاش والحسين " وأنشأ يقول: يانفس من بعد الحسين هوني * فبعده لا كنت أن تكوني هذا الحسين شارب المنون * وتشربين بارد المعين والله ما هذا فعال ديني * ولا فعال صادق اليقين فأخذه السهام من كل جانب فأصابته حتى صار جلده كالقنفذ وهو يقول: أقاتل اليوم بقلب مهتد * أذب عن سبي النبي أحمد أضربكم بالصارم المهند * حت تحيدوا عن قتال سيدي إني أنا العباس ذو التودد * نجل علي الطاهر المؤيد ثم قاتل قتالا شديدا، وقتل منهم رجالا، وهو يقول: لا أرهب الموت إذا الموت لقى * حق أوارى في المصاليت لقا نفسي لنفس الطاهر الطهر وقى * إني صبور شاكر للملتقى ولا أخاف طارقا إذ طرقا * بل أضرب الهام وأبري المغرقا


[ 68 ]

فحمل عليه الابرد بن شيبان فضربه على يمينه فطارت مع السيف، فأخذ السيف بشماله وحمل على أعدائه، وهو يقول: والله لو قطعتم يميني * لاحمين مجاهدا عن ديني وعن إمام صادق اليقين * سبط النبي الطاهر الامين فقتل منهم رجالا، فضربه عبد الله بن يزيد على شماله فقطعها، فأخذ السيف بفمه، وهو يقول: يانفس لا تخشي من الكفار * وأبشري برحمة الجبار مع النبي سيد الابرار * قد قطعوا في بغيهم يساري وقد بغوا معاشر الفجار * فأصلهم يا رب حر النار ثم حمل على القوم ويداه مقطوعتان، وقد ضعف من كثرة الجراح، فحملوا عليه بأجمعهم، فضربه رجل منهم بعمود من حديد على رأسه الشريف ففلق هامته، فوقع على الارض وهو ينادي: " يا أبا عبد الله، يا حسين، عليك مني السلام "، فقال الامام: " واعباساه وامهجة قلباه " وحمل عليهم وكشفهم عنه، ونزل إليه، وحمله على جواده فأدخله على الخيمة، وبكى بكاء شديدا، وقال: " جزاك الله عني خير الجزاء فلقد جاهدت حق الجهاد ". (وعظ الحسين (ع) وأصحابه لاهل الكوفة) ثم قال لاعدائه: يا أهل الكوفة إن الدنيا قد تغيرت وتكدرت، وأدبر معروفها، وهي دار فناء وزوال، تتصرف بأهلها من حال الى حال " فالمغرور من اغتر بها، وركن إليها، وطمع فيها. معاشر الناس أما قرأتم القرآن ؟ أما عرفتم شرايع الاسلام ؟ وثبتم على ابن نبيكم تقتلوه ظلما وعدوانا، معاشر الناس هذا ماء


[ 69 ]

الفرات تشرب منه الكلاب والخنازير والمجوس وآل نبيكم يموتون عطاشا ؟ !. فقالوا: والله لا تذوق الماء بل تذوق الموت غصة بعد غصة وجرعة بعد جرعة. فلما سمع منهم ذلك رجع الى أصحابه وقال لهم: " إن القوم قد استحوذ عليهم الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون "، ثم جعل يقول: تعديتم ياشر قوم ببغيكم * وخالفتم قول النبي محمد أما كان خير الخلق أوصاكم بنا * أما كان جدي خيرة الله أحمد أما كانت الزهراء أمي ووالدي * علي أخو خير الانام الممجد لعنتم وأخزيتم بما قد فعلتم * فسوف تلاقون العذاب بمشهد فلما فرغ من هذا الشعر أمر أنس الكاهلي أن يذهب إلى القوم ويعظهم عسى أن يرجعوا، وقال: " (أنا أعلم أنهم لا يرجعوا ولكن تكون حجة عليهم " فانطلق أنس فدخل على ابن سعد ولم يسلم عليه. فقال ابن سعد له: لم لم تسلم علي ألست مسلما ؟ قال: والله لست أنت مسلم، لانك تريد أن تقتل ابن رسول الله (ص). فنكس رأسه فقال: والله إني لاعلم أن قاتله في النار ولكن لا بد من إنفاذ حكم الامير عبيدالله بن زياد. فرجع أنس إلى الحسين (ض) وأخبره بذلك. ثم قال مسلم بن عوسجة: والله لاكسرن في صدورهم رمحي ولاضربن أعناقهم بسيفي حتى ألقى الله (عزوجل) ليعلم الله أنا قد حفظنا عترة رسوله، فلو أقتل ثم أحيى حتى يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك. ثم قال زهير بن القين نحوه، ثم تكلم كل واحد من أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا وقالوا: " أنفسنا لنفسك الفداء، فان قتلنا قضينا ما علينا من واجب حقكم ".


[ 70 ]

(الاستعداد للحرب) ثم إن عمر بن سعد جعل في الميمنة من جيشه سنان بن أنس النخعي، وجعل في الميسرة الشمر بن ذي الجوشن الضبابي، مع كل واحد منهما أربعة آلاف فارس، ووقف عمر وباقي أصحابه في القلب. وجعل الحسين (ض) في الميمنة من جيشه زهير بن القين معه عشرون رجلا، وجعل في الميسرة حبيب بن مظاهر في ثلاثين فارس، ووقف هو وباقي جيشه في القلب، وحفروا حول الخيمة خندقا وملؤوه نارا حتى يكون الحرب من جهة واحدة. فقال رجل ملعون: عجلت يا حسين بنار الدنيا قبل نار الآخرة. فقال الحسين (ض): تعيرني بالنار وأبي قاسمها، وربي غفور رحيم. ثم قال لاصحابه: أتعرفون هذا الرجل ؟ فقالوا: هو جبيرة الكلبي (لعنه الله). فقال الحسين: اللهم احرقه بالنار في الدنيا قبل نار الآخرة. فما استتم كلامه حتى تحرك به جواده فطرحه مكبا على رأسه في وسط النار فاحترق، فكبروا، ونادى مناد من السماء " هنيت بالاجابة سريعا يابن رسول الله ". قال عبد الله بن مسرور: لما رأيت ذلك رجعت عن حرب الحسين. ثم قال أبو ثمامة الصيداوي: يا سيدي صل بنا صلاة الظهر والعصر، فانا نراها آخر صلاة نصليها معك، فلعلنا نلق الله على أداء فريضته. فأذن وأقام فقاموا في الصلاة، وهم يرمون السهام إليهم، فقال: " يا ويلكم ألا تقفون عن الحرب حتى نصلي " فلم يجبه أحد إلا الحصين بن نمير قال:


[ 71 ]

يا حسين إن صلاتك لا تقبل، فقال له حبيب بن مظاهر: " إذا لم تقبل صلاة ابن رسول الله (ص) بل تقبل صلاتك يا ابن الخمارة البوالة على عقبيها). (مقتل حبيب بن مظاهر (ض)) ثم برز حبيب وهو يقول: أنا حبيب وأبي مظاهر * وفارس الهيجاء ليث قصور والله أعلى حجة وأظهر * منكم وأنتم بقر لا تنفر سبط النبي إذ أتى يستنصر * ياشر قوم في الورى وأكفر فحمل على الحصين فضربه ضربة أسقطته عن ظهر فرسه الى الارض فاستنقذه أصحابه، ولم يزل حبيب يقاتل حتى قتل منهم خلقا كثيرا، ثم قتل، وقال الحسين: " يرحمك الله يا حبيب، لقد كنت تختم القرآن في ليلة واحدة وأنت فاضل ". (مقتل زهير (ض)) فقال زهير بن القين: يا مولاي أرى الانكسار في وجهك بعد قتل العباس وحبيب، ألسنا على الحق ؟ قال: بك وحق الحق إنا على الحق محقين. قال زهير: فما تكره من موتنا وإنا ندخل الجنة ونعيمها. فبرز وهو يقول: أنا زهير وابن القين * وفي يميني مرهف الحدين أذب بالسيف عن الحسين * ابن علي طاهر الجدين


[ 72 ]

ثم حمل عليهم فقتل منهم عشرين فارسا، ثم أقبل إلى الحسين فصلى بالجماعة، ثم قال: يا قومي هذه الجنة قد فتحت أبوابها وأبيحت أثمارها، وهذا رسول الله (ص) والشهداء يتوقعون قدومنا، فحاموا عن دين الله، واحفظوا حرم ابن رسول الله (ص). ثم برز وهو يقول: أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا * ثم أباك الطاهر المؤيدا والحسن المسموم ذاك الامجدا * وذا الجناحين حليف الشهدا وحمزة الليث الهمام الا سعدا * في جنة الفردوس عاشوا سعدا ولم يزل يقاتل حتى قتل من الاعداء نيفا وخمسين فارسا، ثم قتل (ض) (مقتل حنظلة) ثم برز حنظلة وهو يقول: يا شر قوم حسبا وزادا * وكم ترومون لنا العنادا أنتم أناس أبعد العبادا * لا حفظ الله لكم أولادا فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم ستين فارسا، ثم قتل (ض). (مقتل المعلا (ض)) ثم برز المعلا بن العلا وهو يقول: لا تنكروني فأنا ابن الكلب * عبل الذراعين شديد الضرب إني غلام واثق بربي * حسبي به مولاي نعم الحسب لا أرهب الموت بدار الحرب * أفوز بالجنة يوم الكرب


[ 73 ]

ولم يزل يقاتل حتى قتل من القوم عشرين فارسا، وأصابت جسده سبعين طعنة ورمية، وصار جلده كالقنفذ، فاجتزوا رأسه ورموه نحو الحسين، فأخذته أمه وتقول: " الحمد لله قتلت يا ولدي بين يدي ابن رسول الله (ص) " ثم قالت: " يا أمة السوء أشهد أن اليهود والنصارى خير منكم ". (مقتل عبد الله بن مسلم (ض)) ثم برز عبد الله بن مسلم بن عقيل وهو يقول: نحن بنو هاشم الكرام * نحمي عن السيد والامام نجل علي ابن السيد الضرغام * سبطا النبي الملك العلام فلم يزل يقاتل حتى قتل من الاعداء نيفا وخمسين فارسا، ثم قتل (ض). فلما نظر الحسين إليه قال: " اللهم اقتل قاتل آل عقيل ". ثم قال: " احملوا عليهم - بارك الله فيكم - وبادروا الى الجنة التي هي دار الايمان ". (مقتل عون بن عبد الله (ض)) فبرز عون بن عبد الله بن جعفر الطيار وهو يقول: أقسمت لا أدخل إلا الجنة * مصدقا بأحمد والسنة والبعث من بعد إنقطاع الرنة * هو الذي أنقذنا بمنه عن حيرة الكفر وكيد الضنة * صلى عليه الله بارى الجنة فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم ستين فارسا، ثم قتل (ض).


[ 74 ]

(مقتل عروة الغفاري (ض)) ثم برز عروة الغفاري وكان شيخا كبيرا شهد بدرا وحنين وصفين وقال له الحسين: " شكر الله لك أفعالك يا شيخ ". فأنشد: قد علمت حقا بنو غفار * وخندف ثم بنو نزار بنصرتي لاحمد المختار * وآله السادات والابرار صلى عليهم خالق الاشجار * رب البرايا خالق الاطيار ولم يزل يقاتل حتى قتل منهم خمسة وعشرين فارسا، ثم قتل (ض). (مقتل مالك (ض)) ثم برز مالك وهو يقول: إليكم من مالك الضرغام * ضرب فتى يحمي عن الامام يرجو ثواب الملك العلام * سبحانه مقدر الاعوام ولم يزل يقاتل حتى قتل منهم أربعة وأربعين فارسا، ثم قتل (ض). (مقتل موسى بن عقيل (ض)) ثم برز موسى بن عقيل وهو يقول: يا معشر الكهول والشبان * أضربكم بالسيف والسنان أرضي بذاك خالق الانسان * ثم رسول الملك المنان ولم يزل يقاتل حتى قتل من الاعداء ستين فارسا ثم قتل (ض).


[ 75 ]

(مقتل أحمد بن محمد الهاشمي (ض)) ثم برز أحمد بن محمد الهاشمي وهو يقول: اليوم أتلو حسبي وديني * بصارم تحمله يميني أحمي به يوم اللقاقرين * ابن علي الطاهر الجدين فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم خلقا كثيرا (ض). (مقتل سليمان مولى الحسين (ع)) ثم برز سليمان مولى الحسين (رضي الله عنهما) فقتل منهم رجالا ثم قتل (ض). (توبة الحر (ض) ومقتله وابنه) فجعل الحسين (ض) ينظر يمينا وشمالا فلم ير أحدا يبارز أعداءه، فبكى بكاء شديدا وهو ينادي: " وامحمداه واعلياه واحمزتاه واجعفراه واعباساه، يا قوم أما من معين يعيننا، أما من خائف من عذاب الله فيذب عنا " ثم جعل يقول: أنا ابن علي الطهر من آل هاشم * كفاني بهذا مفخر حين أفخر وفاطم أمي ثم جدي محمد * وعمي هو الطيار في الخلد جعفر بنا بين الله الهدى عن ضلاله * وفينا الولاء للعوالم مفخر وشيعتنا في الناس أكرم شيعة * وباغضنا يوم القيامة يخسر فطوبى لعبد زارنا بعد موتنا * بجنة عدن صفوها لا يكدر إذا ما أتى يوم القيامة ظاميا * الى الحوض يسقيه بكفيه حيدر فسمعه الحر بن يزيد الرياحي فقال لولده: " إن الحسين يستغيث فلا يغيثه أحد، فهل لك نقاتل بين يديه ونفديه بأرواحنا، ولا صبر لنا على النار ولا


[ 76 ]

على غضب الجبار، ولا يكون خصمنا محمد الختار ؟ " قال ولده: " والله أنا مطيعك ". ثم حملا كأنهما يقاتلان حتى جاءا بين يدي الامام، وقبلا الارض، وقال الحر: " يا مولاي أنا الذي منعتك من الرجوع، والله ما علمت أن القوم الملاعين يفعلون بك. ما فعلوا، وقد جئناك تائبان " فحمل ولده على القوم، ولم يزل يقاتل حتى قتل منهم أربعة وعشرين رجلا، ثم قتل (ض)، فاستبشر أبوه فرحا وقال: " الحمد لله الذي استشهد ولدي بين يدي ابن رسول الله (ص) ". ثم برز الحر وهو يقول: أكون أميرا غادرا وابن غادر * إذا أنا قاتلت الحسين ابن فاطمه أسفي على خذلانه وانفراده * ببيعة هذا ناكث العهد لازمه فيا ندمي أن لا أكون نصيره * ويا حسرتي إن لم أفارق ظالمه سقى الله أرواح الذين تبادروا * إلى النصر بالهيجاء ليوثا ضراغمه فمالوا الى نصر ابن بنت نبيهم * بأسيافهم آساد غيل مصادمه ولم يزل يقاتل حتى قتل رجالا، فرجع إلى الحسين (ض) وهو يقول: لقد خاب قوم خالفوا أمر ربهم * يريدون هدم الدين والدين شارع يريدون عمدا قتل آل محمد * وجدهم لاعدائهم ليس شافع ثم حمل عليهم وقال: " يا أهل الكوفة، هذا الحسين، لقد دعوتموه وزعمتم أنكم تنصرونه وتقتلون أنفسكم عنده، فوثبتم عليه وأحطتم به من كل جانب، ومنعم أهله من شرب الماء الذي تشربه الكلاب والخنازير، بئس ما صنعتم لا سقاكم الله يوم العطش الاكبر، إن لا ترجعون عما أنتم عليه ". ثم حمل عليهم فقتل منهم خمسين رجلا ثم قتل (ض)، واجتزوا رأسه ورموه نحو الامام، فوضعه في حجره وهو يبكي ويمسح الدم عن وجهه ويقول: " والله


[ 77 ]

ما أخطأت أمك إذ سمتك حرا، فأنت والله حر في الدنيا وسعيد في الآخرة " وهو يقول: فنعم الحر حر بني رياح * صبور عند مشتبك الرماح ونعم الحر إذ واسا حسينا * وجاد بنفسه عند الصفاح لقد فازوا الذي نصروا حسينا * وفازوا بالهداية والصلاح (مقتل القاسم (ض)) ثم برز القاسم بن الحسن المجتبى، وهو شاب، وحمل على القوم، ولم يزل يقتل منهم حتى قتل منهم ستين رجلا، فضربه رجل على هامته فصرع إلى الارض وهو يقول: " يا عماه أدركني "، فحمل عليهم الامام وفرق القوم عنه، فقتل قاتل القاسم (ض) فبكى الامام وقال: " اللهم أنت تعلم انهم دعونا لينصرونا فخذلونا وأعانوا علينا. اللهم احبس عنهم قطر السماء واحرمهم بركاتك، اللهم لا ترض عنهم أبدا، اللهم إنك إن كنت حبست عنا النصر في الدنيا فاجعله لنا ذخرا في الآخرة، وانتقم لنا من القوم الظالمين ". (مقتل أحمد بن الحسن (ع)) ثم برز أخوه أحمد بن الحسن المجتبى، وهو ابن سبعة عشر سنة، وهو يقول: إني أنا نجل الامام ابن علي * نحن وبيت الله أولاد النبي أضربكم بالسيف حتى يلتوي * أطعنكم بالرع حتى ينثني ولم يزل يقاتل حتى قتل منهم ثمانين رجلا، ثم رجع إلى الامام وقد غارت عيناه من العطش وينادي: " يا عماه هل شربة من ماء أتقوى بها على أعداء


[ 78 ]

الله وأعداء رسوله " ؟ فقال له الامام: " يا بني اصبر قليلا تلقى جدك محمد المصطفى (ص) فيسقيك شربة لا تظمأ بعدها أبدا ". ثم حمل عليهم فقتل منهم خلقا كثيرا، ثم قتل (ض) (مقتل علي الاكبر (ع)) ثم برز علي الاكبر بن الحسين (رضي الله عنهما)، وهو ابن سبعة عشر سنة، وهو يقول: أنا علي بن الحسين بن علي * نحن وبيت الله أولى بالنبي أضربكم بصارم لم يفلل * أطعنكم بالرمح وسي القسطل ولم يزل يقاتل حتى قتل منهم ثمانين رجلا، ثم ضربه رجل من القوم على رأسه الشريف فخر إلى الارض، ثم استوى جالسا يقول: " يا أباه هذا جدي محمد المصطفى، وعلي المرتضى، وهذه جدتي فاطمة الزهراء، وخديجة الكبرى "، فحمل عليهم الامام ففرقهم عنه، ووضع رأسه في حجره، وجعل يمسح الدم عن وجهه (و) يقول: " لعن الله قوما قتلوك يا ولدي، ما أشد جرأتهم على الله وعلى انتهاك حرم رسول الله (ص) " وأهملت عيناه بالدموع، وصرخن النساء فسكتهن الامام، وقال لهن: " إسكتن فان البكاء أمامكن ". (مقتل عبد الله الرضيع (ع)) قالت أم كلثوم: " يا أخي إن ولدك عبد الله ما ذاق الماء منذ ثلاثة أيام فاطلب له من القوم شربة تسقيه " فأخذه ومضى به إلى القوم وقال: " يا قوم لقد قتلتم


[ 79 ]

أصحابي وبني عمي واخوتي وولدي، وقد بقي هذا الطفل، وهو ابن ستة أشهر، يشتكي من الظمأ فاسقوه شربة من الماء " فبينا هو يخاطبهم إذ أتاه سهم فوقع في نحر الطفل فقتله. قيل: إن السهم رماه عقبة بن بشير الازدي (لعنه الله). ويقول الحسين (ض): " اللهم إنك شاهد على هؤلاء القوم الملاعين، إنهم قد عمدوا أن لا يبقوا من ذرية رسولك (ص) " وهو يبكي بكاء شديدا وينشد ويقول: يا رب لا تتركني وحيدا * قد أظهروا الفسوق والجحودا وصيرونا بينهم عبيدا يرضون في فعالهم يزيدا أما أخي فقد مضى شهيدا * مجدلا في فدفد فريدا وأنت بالمرصاد يا مجيدا (وداع الحسين (ع)) ثم نادى: " يا أم كلثوم، ويا سكينة، ويا رقية، ويا عاتكة، ويا زينب، يا أهل بيتي عليكن مني السلام ". فلما سمعن رفعن أصواتهن بالبكاء، فضم بنته سكينة الى صدره، وقبل ما بين عينيها، ومسح دموعها، وكان يحبها حبا شديدا، ثم جعل يسكتها ويقول: سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي * منك البكاء إذ الحمام دهاني لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة * مادام مني الروح في جثماني فإذا قتلت فأنت أولى بالذي * تأتينه يا خيرة النسوان


[ 80 ]

(مقتل الحسين (ع)) ثم دنا من القوم وقال: " يا ويلكم أتقتلوني على سنة بدلتها ؟ أم على شريعة غيرتها ؟ أم على جرم فعلته ؟ أم على حق تركته ؟ ". فقالوا له: " إنا نقتلك بغضا لابيك ". فلما سمع كلامهم حمل عليهم فقتل منهم في حملته مائة فارس، ورجع الى خيمته، وأنشأ عند ذلك يقول: خيرة الله من الخلق أبي * بعد جدي فأنا ابن الخيرتين أمي الزهراء حقا وأبي * وارث العلم ومولى الثقلين عبد الله غلاما يافعا * وقريش يعبدون الوثنين يعبدون اللات والعزى معا * وعلي قام صلى القبلتين مع نبي الله سبعا كاملا * ما على الارض مصلي غير ذين جدي المرسل مصباح الدجى * وأبي الموفي له في البيعتين عروة الدين علي المرتضى * صاحب الحوض معز الحرمين وهو الذي صدق في خاتمه * حين ساوى ظهره للركعتين والدي الطاهر والطهر الذي * ردت الشمس عليه كرتين قتل الابطال لما برزوا * يوم بدر ثم أحد وحنين أظهر الاسلام رغما للعدى * بحسام قاطع ذي شفرتين من له جد كجدي المصطفى * أحمد المختار صبح الظلمتين من له أب كأبي حيدر * ساد بالفضل أهالي الحرمين من له عم كعمي جعفر * ذي الجناحين كريم النسبتين من له أم كأمي في الورى * بضعة المختار قرة كل عين والدي شمس وأمي قمر * فأنا الكوكب وابن النيرين فضة قد صفيت من ذهب * فأنا الفضة وابن الذهبين خصنا الله بفضل والتقى * فأنا الزاهر وابن الازهرين


[ 81 ]

نحن أصحاب العبا خمستنا * قد ملكنا شرقها والمغربين نحن جبريل غدا سادسنا * ولنا الكعبة ثم الحرمين ولنا العين مع الاذن التي * أذعن الخلق لها في الخافقين ولجبريل بنا مفتخر * قد قضى عنا أبو ناكل دين فجزاه الله عنا صالحا * خالق الخلق ورب العالمين فلنا الحق عليكم واجب * ما جرى في الفلك احدى النيرين شيعة المختار قروا أعينا * في غد تسقون من كف الحسين ثم حمل على القوم حملة شديدة فكشفهم عن المشرعة، فأرسل زمام فرسه ليشرب، فصبر حتى يشرب، ومد يده الى الماء وغرف غرفة ليشربها، ويحمل الى نسائه من الماء، وإذا صائح يقول: " يا حسين أدرك خيمة النساء فانها هتكت "، فنفض الماء من يده وأقبل الى الخيمة فوجدها سالمة، فعلم أنها مكيدة من القوم، فأنشأ عند ذلك يقول: فان تكن الدنيا تعد نفيسة * فان ثواب الله أعلى وأجزل وإن تكن الارزاق قسما مقدرا * فقلة سعي المرء في الرزق أجمل وإن تكن الاموال للترك جمعها * فما بال متروك به المرء يبخل وإن تكن الاجساد للموت أنشئت * فقتل الفتى بالسيف في الله أفضل عليكم سلام الله يا آل أحمد * فاني أراني عنكم اليوم أرحل أرى كل ملعون ظلوم منافق * يروم فنانا جهرة ثم يعمل لقد كفروا يا ويلهم بمحمد * وربهم ما شاء في الخلق يفعل لقد غرهم حلم الاله لانه * حليم كريم لم يكن قط يعجل ثم حمل على القوم وجعل يضربهم يمينا وشمالا حتى قتل من القوم خلقا كثيرا. فلما نظر الشمر اللعين الى ذلك قال لابن سعد: " أيها الامير إن هذا الرجل


[ 82 ]

يفنينا كلنا بمبارزته ". فقال: " كيف نصنع ؟ ". قال: " فليحملوا عليه حملة واحدة، فرقة يضربونه بالسيوف والرماح، وفرقة بالنبل والسهام ". ففعلوا ذلك حتى أضعفه الجرح الكثير، وأصابه سهم خولي بن يزيد الاصبحي (لعنه الله)، فوقع الحسين على الارض، ثم جلس ينزع السهم عن جسده بكلتا يديه، ويخضب بدمه لحيته ورأسه " وهو يقول: " هكذا ألقى الله وألقى جدي رسول الله (ص) " ثم خر مغشيا عليه، فلما أفاق من غشوته أراد أن يقوم فلم يقدر، فضرب على رأسه الشريف رجل ملعون من كندة ففلقه، ووقعت عمامته على الارض، ودعا على الكندي وقال (لا أكلت بيمينك ولا شربت بها، وحشرك الله مع القوم الظالمين ". قال أبو مخنف: لما أخذ الكندي عمامة الحسين (ض) قالت زوجة الكندي: " ويلك قتلت الحسين وسلبت ثيابه، فوالله لا جمعت معك في بيت واحد) فأراد أن يلطمها فأصاب مسمار يده، فقطعت يده من المرفق ولم يزل كان فقيرا. قال أبو مخنف: وبقي الحسين (ض) ثلاث ساعات من النهار ملطخا بدمه رامقا بطرفه إلى السماء وينادي: " يا إلهي صبرا على قضائك ولا معبود سواك يا غياث المستغيثين "، فتبادر إليه أربعون فارسا يريدون حز رأسه الشريف المكرم المبارك المقدس المنور، ويقول عمر بن سعد: " ويلكم عجلوا بقتله " فدنا منه شبث بن ربعي، فرمقه الحسين (ض) بعينه، فرمى السيف من يده وولى هاربا ويقول: " معاذ الله أن ألقى الله بدمك يا حسين " فأقبل الى شبث سنان بن أنس النخعي، وكان كوسج اللحية قصيرا أبرصا أشبه الخلق بالشمر اللعين


[ 83 ]

فقال له: لم ما قتلته ثكلتك أفك ؟ قال شبث: يا سنان إنه قد فتح عينيه في وجهي فشبهتهما بعيني رسول الله (ص). ثم دنا منه سنان، ففتح عينيه في وجهه فارتعدت يده وسقط السيف منها وولى هاربا، فأقبل الى سنان الشمر اللعين وقال له: ثكلتك أمك مالك رجعت عن قتله ؟ فقال: يا ثشم إنه فتح عينيه في وجهي فذكرت هيبة أبيه علي بن أبي طالب ففزعت فلم أقدر على قتله. فقال له الشمر الملعون: إنك جبان في الحرب، فوالله ما كان أحد غيري أحق مني بقتل الحسين. ثم إنه ركب على صدره الشريف، ووضع السيف في نحره، وهم أن يذبحه، ففتح عينيه في وجهه فقال له الحسين (رضي الله عنه وأرضاه): يا ويلك من أنت فقد ارتقيت مرتقى عظيما ؟ فقال له الشمر: الذي ركبك هو الشمر بن ذي الجوشن الضبابي. فقال له الحسين: أتعرفني يا شمر ؟ قال: نعم أنت الحسين بن علي، وجدك رسول الله، وأمك فاطمة الزهرا، وأخوك الحسن. فقال: ويلك فإذا علمت ذلك فلم تقتلني ؟ قال: أريد بذلك الجائزة من يزيد. فقال له: يا ويلك أيما أحب اليك، الجائزة من يزيد أم شفاعة جدي رسول الله (ص) ؟ فقال الشمر الملعون: دانق من جائزة يزيد أحب إلى الشمر من شفاعة جدك.


[ 84 ]

فقال له الحسين (رضي الله عنه وبلغه الله إلى غاية بركاته ومنتهى رضوانه): سألتك بالله أن تكشف لي بطنك، فكشف بطنه فإذا بطنه أبرص كبطن الكلاب، وشعره كشعر الخنازير. فقال الحسين (ض): " الله اكبر لقد صدق جدي (ص) في قوله لابي: يا علي إن ولدك الحسين يقتل بأرض يقال له كربلا، يقتله رجل أبرص أشبه بالكلاب والخنازير ". فقال الشمر اللعين: تشبهني بالكلاب والخنازير، فوالله لاذبحنك من قفاك. ثم إن الملعون قطع الرأس الشريف المبارك، وكلما قطع منه عضوا يقول: " يا جداه، يا محمداه يا أبا القاسماه، ويا أبتاه يا علياه، يا أماه يا فاطماه، أقتل مظلوما، وأذبح عطشانا، وأموت غريبا ". فلما اجتزه وعلاه على القناة كبر وكبر العسكر ثلاث تكبيرات، وتزلزلت الارض واظلمت الدنيا، وأمطرت السماء دما عبيطا، وينادى في السماء: " قتل والله الحسين بن علي بن أبي طالب، قتل والله الامام ابن الامام، قتل الاسد الباسل، وكهف الارامل ". وكان يوم قتله يوم الجمعة عاشر المحرم الحرام سنة إحدى وستين. (بلوغ خبر مقتل الحسين للنساء وبكاؤهن) قال عبد الله بن عباس أرضي الله عنهما): حدثني من شهد وقعة الطف: إن فرس الحسين (أوصله الله الى غاية بركاته ومنتهى رضوانه وسعاداته) جعل يصهل صهيلا عاليا ويمشي عند القتلى واحدا بعد واحد حتى وقف على البدن المبارك للحسين (عليه آلاف آلاف التحية والثناء) ويقبله، فلما نظر إليه عمر


[ 85 ]

ابن سعد قال لاصحابه: " خذوه وآتوني به " فلما علم طلبهم جعل يلطمهم برجله ويكدم بفمه حتى قتل منهم خلقا كثيرا. وطرح فرسانا عن ظهر خيولهم، فصاح عمر وقال: " ويلكم تباعدوا عنه " ثم جعل يقبل البدن المبارك المكرم، ويمرغ ناصيته بالدم المطهر المعطر، ويصهل صهيلا عاليا، وتوجه إلى الخيمة، وقالت أم كلثوم: (يا سكينة إني سمعت صهيل فرس أبيك، أظن قد أتانا بالماء، فاخرجي إليه " فخرجت سكينة فرأته خاليا من راكبه، فهتكت خمارها، وصاحت: (واقتيلاه وامحمداه واعلياه واأبتاه واحسيناه وافاطماه واحمزتاه واجعفراه واعقيلاه واعباساه " وهي تنشد وتقول: مات الامام ومات الجود والكرم * واغبرت الارض والآفاق والحرم وأغلق الله أبواب السماء فلم * تر لنا دعوة تجلا بها الغمم يا عمتي انظري هذا الجواد أتى * يخبرك أن ابن خير الخلق مخترم غاب الحسين فوا لهفي لمصرعه * فصار يعلو ضياء الامة الظلم يا موت هل من فدى يا موت هل عوض * الله ربي من الكفار ينتقم يا أمة السوء لا سقيا لربعكم * يا أمة أعجبت من فعلها الامم فسمعت زينب شعر سكينة (رضي الله عنهما) وقالت: " وا أخاه وا حسيناه واغريباه، نفسي لك الفدا، وروحي لك الوقا " وبكت وهي تقول: مصيبتي فوق أن أرثي بأشعاري * وإن يحيط بها وهمي وأفكاري جاء الجواد فلا أهلا بمقدمه * إلا بوجه حسين مدرك الثار يا نفس صبرا على الدنيا ومحنتها * هذا الحسين قتيلا بالثرى عاري وبكت الحريم وقلن: " وا محمداه وا علياه وا حمزتاه وا جعفراه وا حسناه وا حسيناه، اليوم والله مات محمد المصطفى، وعلي المرتضى، والحسن المجتبى، وفاطمة الزهراء).


[ 86 ]

ثم إن سكينة بنت الحسين (رضي الله عنهما) أنشأت تقول: لقد حطمتنا في الزمان نوائبه * ومزقتنا أنيابه ومخالبه وخان علينا الدهر في الدار غربة * ودبت علينا جوره وعقاربه ولم يبق لي ركن ألوذ بظله * إذا غالبني الدهر ما لا غالبه تمزقتنا أيدي الزمان وجدنا * الرسول الذي عم الانام مواهبه قال عبد الله بن قيس: لقد رأيت الجواد وهو يدفع الناس عن نفسه، ثم غاص في وسط الفرات فلم ير له خبر ولا أثر. (دخول السبايا إلى الكوفة) ثم إن عمر بن سعد جمع قتلاه وصلى بهم ودفنهم، وترك الحسين وأصحابه (رضي الله عنهم وأرضاهم)، فعمد أهل الغاضرية من بني أسد فكفنوا الحسين وأصحابه (رضي الله عنهم وأرضاهم). ثم إن عمر بن سعد توجه الى الكوفة بالسبايا على الجمال، نحو أربعين جملا بغير وطاء ولا غطاء، وفخذا علي بن الحسين يترشحان دما، وهو يقول: يا أمة السوء لا سقيا لربعكم * يا أمة لم تراع جدنا فينا لو أننا ورسول الله مجمعنا * يوم القيامة ما كنتم تقولونا تسيرونا على الاقتاب عارية ك * اننا لم نشيد فيكم دينا تصفقون علينا كفكم فرحا * وأنتم في فجاج الارض تسبونا وكان أهل الكوفة يناولون الاطفال بعض التمر والخبز، وقالت أم كلثوم: (إن الصدقة علينا حرام " وصارت تأخذ من أيدي الاطفال وأفواههم وترمي به الارض وتقول: " يا أهل الكوفة تقتلنا رجالكم وتبكي علينا نساؤكم،


[ 87 ]

فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء ". فلما رأت زينب رأس أخيها قد اتوا بالرؤوس مقدما عليها نطحت جبهتها بمقدم الاقتاب فخرج الدم منها، وجعلت تقول: يا هلالا لما استتم كمالا * غاله خسفه فأبدى غروبا ما توهمت يا شقيق فؤادي * كان هذا مقدرا مكتوبا يا أخي فاطم الصغيرة كلمها * فلقد كاد قلبها أن يذوبا يا أخي ما ترى عليا لدى الاسر * مع اليتم لا يطيق ركوبا كلما أوجعوه بالضرب ناداك * بذل يفيض دمعا سكوبا ما أذل اليتيم حين ينادي * بأبيه ولا يراه مجيبا (في مجلس ابن زياد) ثم إن ابن زياد جلس بقصر الامارة وأحضر الرأس الشريف بين يديه، وجعل ينظر إليه ويتبسم، وكان بيده قضيب فجعل يضرب به ثناياه، فقال له زيد بن أرقم: " ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين، فوالله الذي لا إله إلا هو، لقد رأيت ثنايا رسول الله (ص) ترشف ثناياه " ثم بكى زيد. فقال له ابن زياد: " أتبكي ؟ أبكى الله عينيك، والله لو لا أنك شيخ كبير قد ذهب عقلك لاضربن عنقك " فقام زيد وانصرف. ثم أدخلت عليه زينب بنت علي (رضي الله عنهما) وعليها أرذل ثيابها، فجلست ناحية وقد حف بها إماؤها، فقال ابن زياد لها " الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم ". فقالت زينب: " الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد (ص) وطهرنا من الرجس


[ 88 ]

تطهيرا إنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو أنت يا عدو الله وعدو رسوله ". فقال لها: " كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين وأهل بيته ؟ ". فقالت: " إن الله كتب عليهم القتال فتبادروا أمر ربهم وبرزوا الى مضاجعهم، فقاتلوا ثم قتلوا في الله وفي سبيل الله، وسيجمع الله بينك وبينهم، وتتحاجون وتتخاصمون عند الله، وإن لك موقفا فاستعد للمسألة جوابا، إذا كان القاضي الله، والخصم جدي رسول الله (ص)، والسجن جهنم ". فقال علي بن الحسين (رضي الله عنهما) لابن زياد: " قطع الله يديك وأيبس رجليك يابن زياد الى كم تكلم عمتي، تتعرضها بين من يعرفها ومن لا يعرفها ". فغضب ابن زياد وأمر بضرب عنقه فمنعه القوم. (السبايا في طريقها الى الشام) ثم ابن زياد دعا الشمر اللعين، وخولي، وشبث بن ربعي، وعمر بن سعد، وضم إليهم ألف فارس، وأمرهم بأخذ السبايا والرؤوس الى يزيد، وأمرهم أن يشهروهم في كل بلدة يدخلونها، فساروا على ساحل الفرات، فنزلوا على أول منزل كان خرابا فوضعوا الرأس الشريف المبارك المكرم، والسبايا مع الرأس الشريف، وإذا رأوا يدا خرج من الحائط معه قلم يكتب بدم عبيط شعرا: أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب فلا والله ليس لهم شفيع * وهم يوم القيامة في العذاب لقد قتلوا الحسين بحكم جور * وخالف أمرهم حكم الكتاب


[ 89 ]

فهربوا، ثم رجعوا، ثم رحلوا من ذلك المنزل، وإذا هاتف يقول: ماذا تقولون إذ قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم بعترتي وبأهلي عند مفتقدي * منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي فلما وصلوا الى بلد " تكريت " نشرت الاعلام وخرج الناس بالفرح والسرور، فقالت النصارى للجيش: " إنا براء مما تصنعون أيها الظالمون، فانكم قتلتم ابن بنت نبيكم، وجعلتم أهل بيته أسارى ". فلما رحلوا من " تكريت " واتوا على " وادي النحلة "، فسمعوا بكاء الجن وهن يلطمن خدودهن ويقلن شعرا: مسح النبي جبينه * فله بريق في الخدود أبواه من عليا قريش * وجده خير الجدود وأخرى تقول: ألا يا عين جودي فوق خدي * فمن يبكي على الشهداء بعدي على رهط تقودهم المنايا * متكبر في الملك وغدي فلما وصلوا بلدة " مرشاد " خرج الناس إليهم وهم يصلون على محمد وآل محمد (ص) ويلعنون أعداءهم. ثم إنهم قبل أن جاءوا بلدة " بعلبك " كتبوا الى واليها أن تتلقانا الناس، وخرجوا على نحو ستة أميال فرحا وسرورا، فدعت أم كلثوم عليهم وقالت: " أباد الله كثرتكم وسلط عليكم من لا يرحمكم " فعند ذلك بكى علي بن الحسين وهو يقول: هو الزمان فلا تقضى عجائبه * عن الكرام وما تهدى مصائبه


[ 90 ]

فليت شعري الى كم ذا تحاربنا * صروفه والى كم ذا نجاذبه يسرى بنا فوق أقتاب بلا وطأ * وسائق العيس يحمى عنه غاربه كأننا من أسارى الروم بينهم * كأن ما قاله الرحمن كاذبه كفرتم برسول الله ويلكم * فكنتم مثل من ضلت مذاهبه قال أبو مخنف: نصبوا الرمح الذي عليه الرأس الشريف المبارك المكرم الى جانب صومعة الراهب فسمعوا صوت هاتف ينشد ويقول: والله ما جئتكم حتى بصرت به * بالطف منعفر الخدين منحورا وحوله فتية تدمى نحورهم * مثل المصابيح يغشون الدجى نورا كان الحسين سراجا يستضاء به الله يعلم أني لم أقل زورا مات الحسين غريب الدار منفردا ظامي الحشاشة صادي القلب مقهورا فقالت أم كلثوم: من أنت يرحمك الله ؟ قال: أنا ملك الجن أتيت أنا وقومي لنصرة الحسين (رضي الله عنه وأرضاه) فوجدناه مقتولا. فلما سمع الجيش من الجن فتيقنوا بكونهم من أهل النار. (أخذ الراهب لرأس الحسين (ع) وإعلان إسلامه) فلما جن الليل نظر الراهب إلى الرأس الشريف المكرم رأى نورا قد سطع منه الى عنان السماء، ورأى أن الملائكة ينزلون ويقولون: " يا أبا عبد الله عليك السلام ". فبكئ وقال لهم: " ما الذي معكم ؟ " قالوا: رأس الحسين بن علي.


[ 91 ]

فقال: من أمه ؟ قالوا: أمه فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى. قال: صدقت الاحبار. قالوا: ما الذي قالت الاحبار ؟ قال: يقولون: إذا قتل نبي أو وصي أو ولد نبي أو ولد وصي تمطر السماء دما. فرأينا أن السماء تمطر دما وقال: واعجباه من أمة قتلت ابن بنت نبيها. ثم قال: أنا أعطيكم عشرة آلاف درهم إن تعطوني الرأسي الشريف فيكون عندي. فقالوا: أحضر عشرة آلاف درهم. فأحضرها لهم فأخذ الرأس المبارك المكرم، وجعله في حجره وهو يقبله ويبكي ويقول: " ليت أكون أول قتيل بين يديك، فأكون غدا معك في الجنة، وآشهد لي عند جدك رسول الله (ص) بأني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله " وحسن إسلامه. ثم إنهم جلسوا يقتسمون المال وإذا هو قد انقلب خزفا، وفي جانب كل واحد منها منقوش (لا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) (1) وفي الجانب الآخر (وسيعلم الذين ظلموا أي متقلب ينقلبون) (2). (دخول السبايا على يزيد) فلما أتى الشمر اللعين وهو حامل رأس الحسين (رضي الله عنه وأرضاه) ويفتخر عند يزيد الملعون يقول:


(1) براهيم / 42. (2) الشعراء / 227. (*)

[ 92 ]

إملا ركابي فضة وذهبا * قتلت خير الخلق أما وأبا إني قتلت السيد المهذبا * وخيرهم جدا وأعلا نسبا طعنته بالرع حتى انقلبا * ضربته بالسيف صار عجبا قال له يزيد: إذا علمت أنه خيرا الناس أما وأبا فلم قتلته، أخرج من بين يدي فلا جائزة لك، فخرج هاربا خائبا من الجائزة وخاسرا في عاجل الدنيا وآجل الاخرة. ثم أمر يزيد الملعون أن يحضروا عنده حرم الحسين وأهل بيته. قالت زينب: يا يزيد أما تخاف الله ورسوله من قتل الحسين ؟ وما كفاك ذلك حتى تستجلب بنات رسول الله (ص) من العراق إلى الشام !، وما كفاك حتى تسوقنا اليك كما تساق الاماء على المطايا بغير وطاء !، وما قتل أخي الحسين (سلام الله عليه) أحد غيرك يا يزيد، ولولا أمرك ما يقدر ابن مرجانة أن يقتله لانه كان أقل عددا وأذل نفسا، أما خشيت من الله بقتله وقد قال رسول الله (ص) فيه وفي أخيه " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة من الخلق أجمعين " ؟ فان قلت: لا، فقد كذبت، وإن قلت: نعم، فقد خصمت نفسك، واعترفت بسوء فعلك. فقال: ذرية يتبع بعضها بعضا. وبقي يزيد خجلا ساكتا. (الرجوع الى كربلاء) ثم أمرهم بالرجوع إلى المدينة المنورة، فسار القائد بهم، وقال الامام والنساء للقائد: " بحق معبودك أن تدلنا على طريق كربلا " ففعل ذلك حتى وصلوا كربلا يوم عشرين من صفر، فوجدوا هناك جابر بن عبد الله الانصاري وجماعة من بني هاشم، فأخذوا بإقامة المآتم الى ثلاثة أيام، ثم توجهوا إلى المدينة.


[ 93 ]

(دخول المدينة المنورة) قال بشير بن حذلم: لما وصلنا قريبا من المدينة أمرني زين العابدين (ض) أن أخبر أهل المدينة، فدخلت المدينة فقلت: " أيها المسلمون إن علي بن الحسين قد قدم اليكم مع عماته وأخواته) فما بقيت مخدرة إلا برزن من خدورهن، مخمشة وجوههن، لاطمات خدودهن، يدعون بالويل والثبور. قال: فلم أر باكيا وباكية أكثر من ذلك اليوم، فخرج الامام من الخيمة وبيده منديل يمسح به دموعه، فجلس على كرسي، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن الله له الحمد وله الشكر قد ابتلانا بمصائب جليلة، ومصيبتنا ثلمة عظيمة في الاسملام، ورزية في الانام، قتل أبي الحسين وعترته وأنصاره، وسبيت نساؤه وذريته، وطيف برأسه في البلدان على عالي السنان، فهذه الرزية تعلو على كل رزية، فلقد بكت السبع الشداد لقتله، والسبع الطباق لفقده، وبكت البحار بأمواجها، والارضون بأرجائها، والاشجار بأغصانها، والطيور بأوكارها، والحيتان في لجج البحار، والوحوش في البراري والقفار، والملائكة المقربين، والسموات والارضين. أيها الناس، أي قلب لا ينصدع لقتله، ولا يحزن لاجله. أيها الناس، أصبحنا مشردين مطرودين مذودين شاسعين عن الاوطان، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الاسلام ثلمناها، ولا فاحشة فعلناها، فوالله لو أن النبي (ص) أوصى إليهم في قتالنا لما زادوا على ما فعلوا بنا، فانا لله وإنا إليه راجعون. ثم قام ومشى إلى المدينة ليدخلها، فلما دخل زار جده رسول الله (ص) ثم دخل منزله.


[ 94 ]

وأما أم كلثوم فحين توجهت إلى المدينة جعلت تبكي وتقول شعرا: مدينة جدنا لا تقبلينا * فبالحسرات والاحزان جينا خرجنا منك بالاهلين جمعا * رجعنا لا رجال ولا بنينا ألا فاخبر رسول الله عنا * بأنا قد فجعنا في أخينا وإن رجالنا بالطف صرعى * بلا روس وقد ذبحوا البنينا ورهطك يا رسول الله أضحوا * عرايا بالطفوف مسلبينا وقد ذبحوا الحسين ولم يراعوا * جنابك يا رسول الله فينا فلو نظرت عيونك للاسارى * على قتب الجمال محملينا رسول الله بعد الصون صارت * عيون الناس ناظرة الينا وكنت تحوطنا حتى تولت * عيونك ثارت الاعدا علينا أفاطم لو نظرت إلى السبايا * بناتك في البلاد مشتتينا أفاطم لو نظرت إلى الحيارى * ولو أبصرت زين العابدينا أفاطم لو رأيتينا سهارى * ومن سهر الليالي قد عمينا أفاطم ما لقيت من عداك * ولا قيراط مما قد لقينا فلو دامت حياتك لم تزالي * الى يوم القيامة تندبينا وعرج بالبقيع وقف وناد * أين حبيب رب العالمينا وقل يا عم يا حسن المزكى * عيال أخيك أضحوا ضائعينا أيا عماه إن أخاك أضحى * بعيدا عند بالرمضاء رهينا بلا رأس تنوح عليه جهرا * طيور والوحوش الموحشينا ولو عاينت يا مولاي ساقوا * حريما لا يجدن لها معينا على متن النياق بلا وطاء * وشاهدت العيال مكشفينا وكنا في الخروج مجمع شمل * رجعنا خاسرين مسلبينا وكنا في أمان الله جهرا * رجعنا بالقطيعة خائفينا


[ 95 ]

ومولانا الحسين لنا أنيس * رجعنا والحسين به رهينا فنحن الضائعات بلا كفيل * ونحن النائحات على أخينا ونحن السائرات على المطايا * نسار على جمال المبغضينا ونحن بنات يس وطه * ونحن الباكيات على أبينا ونحن الطاهرات بلا خفاء * ونحن المخلصون المصطفونا ونحن الصابرات على البلايا * ونحن الصادقون الناصحونا ألا يا جدنا قتلوا حسينا * ولم يرعوا جناب الله فينا ألا يا جدنا بلغت عدانا * مناها واشتفى الاعداء فينا لقد هتكوا النساء وحملونا * على الاقتاب قهرا أجمعينا وزينب أخرجوها من خباها * وفاطم واله تبدي الانينا سكينة تشتكي من حر وجد * تنادى الغوث رب العالمينا وزين العابدين بقيد ذل * وراموا قتله أهل الخيونا فبعدهم على الدنيا تراب * فكأس الموت فيها قد سقينا وهذي قصتي مع شرح حالي * ألا يا سامعون ابكوا علينا (انتهى مقتل أبي مخنف).


[ 97 ]

الباب الثاني والستون في إيراد مدائح الامام الشافعي وتفسير بعض الآيات والاحاديث الواردة في كثرة ثواب من بكى على الحسين وأهل بيته (رضي الله عنهم) وفي جواهر العقدين للشريف السيد نور الدين علي السمهودي المصري أعلم علماء مصر والحجاز، ومصنف تاريخ المدينة المنورة (على صاحبها ألف ألف التحية والتصلية): (وقد) نقل البيهقي عن الربيع بن سلمان هو (1) أحد أصحاب الشافعي قال: قيل للامام الشافعي (2) رحمه الله: إن ناسا لا يصبرون على سماع منقبة أو فضيلة لاهل البيت الطيبين (3)، فإذا رأوا واحدا منا يذكرها يقولون: هذا رافضي (ويأخذون في كلام آخر). فأنشأ الشافعي (يقول): إذا في مجلس ذكروا عليا * وسبطيه وفاطمة الزكيه فأجرى بعضهم ذكرا سواه * فأيقن أنه لسلقلقيه إذا ذكروا عليا أو بنيه * تشاغل بالروايات العليه وقال تجاوزوا يا قوم عن ذا * فهذا من حديث الرافضية


(1) لا يوجد في المصدر: " هو ". (2) في المصدر: " للشافعي " فقط. (3) لا يوجد في المصدر: " الطيبين ". (*)

[ 98 ]

برئت إلى المهيمن من أناس * يرون الرفض حب الفاطمية على آل الرسول صلاة ربي * ولعنته لتلك الجاهلية وقال الحافظ جمال الدين الزرندي المدني عقيب نقله ذلك (1) عن الشافعي: قال أيضا - يعني الشافعي -: قالوا ترفضت قلت كلا * ما الرفض ديني ولا اعتقادي لكن توليت غير (2) شك * خير إمام وخير هاد إن كان حب الوصي (3) رفضا * فانني أرفض العباد (4) ونقل الامام فخر الدين الرازي: ان المزني قال: قلت للشافعي (5): إنك (رجل) توالي أهل البيت، فلو عملت في هذا الباب أبياتا، فقال: وما زال كتمانيك حتى كأنني * برد جواب السائلين لاعجم وأكتم ودي مع صفاء مودتي * لتسلم من قول الوشاة وأسلم وروى البيهقي أيضا: عن المزني قال: سمعت الشافعي ينشد هذه الابيات: إذا فضلنا عليا فاننا * روافض بالتفضيل عند ذوي الجهل وفضل أبي بكر إذا ما ذكرته * رميت بنصب عند ذكري للفضل


(1) في المصدر: " وقال الجمال الزرندي عقيب نقله لذلك ". (2) في المصدر: " بغير ". (3) في المصدر: " الولي ". وفي (1): " ان كان الرفض حب آل محمد ". (4) جواهر العقدين 2 / 185. (5) في المصدر: " قال للشافعي قلت: ". (*)

[ 99 ]

فلا زلت ذا رفض ونصب كلاها * بحبيهما حتى أوسد في الرمل (1) وروى البيهقي (2) أيضا: عن الربيع بن سليمان (3) قال: أنشد (نا) الشافعي: يا راكبا قف بالمحصب من منى * واهتف بساكن (4) خيفها والناهض سحر إذا فاض الحجيج الى منى * فيضا كملتطم الفرات الفائض إن كان رفضا حب آل محمد * فليشهد الثقلان أني رافض (5) وقال الحافظ جمال الدين الزرندي المدني في كتابه " معراج الوصول في معرفة آل الرسول ": نقل أبو القاسم الفضل بن محمد المستملي: أن القاضي أبا بكر حمل بن محمد حدثه قال: قال أبو القاسم بن الطيب: بلغني أن الشافعي رحمه الله أنشد هذه الابيات (6): ومما نفى نومي وشيب لمتي * تصاريف أيام لهن خطوب تأوب همي والفؤاد كئيب * وأرق عيني والرقاد غريب تزلزلت الدنيا لآل محمد * وكادت لهم صم الجبال تذوب فمن مبلغ عني الحسين رسالة * وإن كرهتها أنفس وقلوب قتيل بلا جرم كأن قميصه * صبيغ بماء الارجوان خضيب


(1) جواهر العقدين 2 / 185 (2) لا يوجد في المصدر: " البيهقي ". (3) لا يوجد في المصدر: " بن سليمان ". (4) في المصدر: " بقاعد ". (5) جواهر العقدين 2 / 186. (6) لا يوجد في المصدر: " هذه الابيات ". (*)

[ 100 ]

نصلي (1) على المختار من آل هاشم * ونؤذي بنيه (2) إن ذاك عجيب لئن كان ذنبي حب آل محمد * فذلك ذنب لست عنه أتوب هم شفعاني يوم حشري وموقفي * وبغضهم للشافعي (3) ذنوب (4) وقد نسب ابن عبد البر هذه الابيات التي تأتي الى (5) سليمان بن قتة (التابعي) - بفتح القاف وتائين من فوق -، وهي أمه، وقف سليمان (6) على مصارع الحسين وأهل بيته (رضي الله عنهم) وجعل يبكي ويقول: مررت على أبيات آل محمد * فلم أرها أمثالها يوم حلت وإن قتيل الطف من آل هاشم * أذل رقابا من قريش فذلت فلا يبعد الله الديار وأهلها * وان أصبحت منهم بزعمي تخلت ألم تر أن الارض أضحت مريضة * لفقد حسين والبلاد اقشعرت وقد أبصرت تبكي السماء لفقده * وأنجمها ناحت عليه وصلت وكانوا لنا غيثا فعادوا رزية * لقد عظمت تلك الرزايا وجلت (7) (انتهى جواهر العقدين). وفي سورة الدخان: (فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين).


(1) في (أ): " يصلون ". (2) في المصدر: " وتعزئ بنوه "، وفي (أ): " ويقتلون ابنه ". (3) في المصدر: (وحبهم للشافعي ذنوب) وفي (أ): " وحبهم للشافعي بأي وجه ". (4) جواهر العقدين 2 / 335. (5) في المصدر: " وروى ان سليمان بن قتة ". (6) لا يوجد في المصدر: " سليمان ". (7) جواهر العقدين 2 / 333 - 334. (*)

[ 101 ]

(1) أخرج الثعلبي: عن السدي قال: لما قتل الحسين بن علي (سلام الله عليهما) بكت عليه السماء وبكاؤها حمرتها. وحكى ابن سيرين: إن الحمرة لم تر قبل قتله. وعن سليم القاضي قال: مطرتنا السماء دما أيام قتله. (2) وعن إبراهيم النخعي قال: خرج علي (كرم الله وجهه) فجلس في المسجد واجتمع أصحابه، فجاء الحسين (ض) فوضع يده على رأسه فقال: يا بني إن الله ذمم أقواما في كتابه فتلا هذه الآية وقال: يا بني لتقتلن من بعدي ثم تبكيك السماء والارض وما بكت السماء والارض إلا على يحيى بن زكريا وعلى الحسين ابني. (3) وعن كثير بن شهاب الحارثي قال: بينا نحن جلوس عند علي في الرحبة إذ طلع الحسين (ع) قال: إن الله ذكر قوما بقوله: (فما بكت عليهم السماء والارض " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ليقتلن هذا ولتبكين عليه السماء والارض. (4) وعن الصادق (ع) قال: لم تبك السماء والارض أحدا منذ قتل يحيى بن زكريا حتى قتل الحسين فبكت عليه. وعن الصادق (ع) قال: قاتل الحسين وقاتل يحيى (عل) كانا ولد زنا، وقد احمرت السماء حين قتل الحسين ويحيى (عل) وحمرتها بكاؤها.


(1) جواهر العقدين 2 / 328. (2) تفسير القمي 2 / 291. (3) المصدر السابق. (4) مخطوط. (5) مخطوط. (*)

[ 102 ]

(6) وعن ابن عباس: إن يوم قتل الحسين (ع) قطرت السماء دما، وإن هذه الحمرة التي ترى في السماء ظهرت يوم قتله، ولم تر قبله، وإن أيام قتله لم يرفع حجر في الدنيا إلا وجد تحته دم. (7) وفي تفسير علي بن إبراهيم: عن الباقر (ع) قال: كان أبي علي بن الحسين (عل) يقول: أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين ومن معه حتى يسيل على خديه بوأه الله في الجنة غرفا، وأيما مؤمن دمعت عيناه دمعا حتى يسيل على خديه لاذى مسنا من عدونا بوأه الله مبوء صدق، وأيما مؤمن مسه أذئ فينا فدمعت عيناه حتى يسيل دمعه على خديه من مضاضة ما أوذي فينا صرف الله عن وجهه الاذى وأمنه يوم القيامة من سخطه ومن النار. (8) وفي ذخائر العقبى: عن ابن عباس مرفوعا: إن جبرائيل أخبرني أن الله قتل بدم يحيى بن زكريا سبعين ألفا وهو قاتل بدم ولدك الحسين سبعين الفا (أخرجه الملا في سيرته). (9) وفي تفسير علي بن إبراهيم عن جعفر الصادق (ع) قال: من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينيه دمع مثل جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر.


(6) مخطوط. (7) تفسير القمي 2 / 291. (8) ذخائر العقبى: 150. (9) تفسير القمي 2 / 292.

[ 103 ]

وفي جواهر العقدين: قال أبو الحسن بن سعيد في " كنوز المطالب في فضائل بني أبي طالب ": إن الشعراء يشتغلون ببغداد بمشهد الكاظمي (ض) في مدح أهل البيت وأنكر بعض من غلب عليه التعصب والتقليد فقلت هذه الابيات: يا أهل بيت المصطفى عجبا لمن * يأبى حديثكم من الاقوام والله قد أثنى عليكم قبلها * وبهديكم شدت عرى الاسلام الله يحشر كل من عاداكم * يوم الحساب مزلزل الاقدام ويرى شفاعة جدكم من دونه * ويذاد عن حوض طريدا ظامي قال الحافظ أبي عبد الله جمال الدين محمد بن أبي المظفر يوسف الزرندي المدني في كتابه " معراج الوصول في معرفة (1) آل الرسول) (ما لفظه: وقد) قال الامام الشافعي رحمه الله (في هذا المعنى مشيرا الى وصفهم ومنبها على ما خصهم الله تعالى به من رعاية فضلهم): يا أهل بيت رسول الله حبكم * فرض من الله في القرآن أنزله كفاكم من عظيم القدر أنكم * من لم يصلي عليكم لا صلاة له (2) ولله در القائل: لو لم تكن في حب آل محمد * جائتك أمك غير طيب المولد وروى الامام الثعلبي في تفسيره عقيب ذكر حديث الخمسة أهل الكساء:... قال منصور الفقيه: إن كان حبي خمسة * زكت بهم فرائضي


(1) في المصدر: " الى معرفة فضل... ". (2) جواهر العقدين 2 / 163. (*)

[ 104 ]

وبغض من عاداهم * رفضا فاني رافضي (1) (انتهى جواهر العقدين). (10) قال علي (كرم الله وجهه) في خطبته: ألا إن لكل دم ثائرا، ولكل حق طالبا، وإن الثائر في دمائنا كالحاكم في حق نفسه، وهو الله الذي لا يعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب فأقسم بالله يا بني أمية عما قليل لتعرفنها في أيدي غيركم في دار عدوكم. (11) وفي تفسير علي بن إبراهيم: عن أبي جعفر الباقر (ع) قال في تفسير هذين الآيتين أحديهما: (فلما آسفونا أنتقمنا منهم) (2) وثانيتهما: (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (3): فالله (جل شأنه وعظم سلطانه، ودام كبريائه) أعز وأرفع وأقدس من أن يعرض له أسف أو ظلم، لكن أدخل ذاته الاقدس فينا أهل البيت فجعل أسفنا أسفه فقال: (فلما آسفونا انتفمنا منهم) وجعل ظلمنا ظلمه فقال: (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).


(1) جواهر العقدين 2 / 304. (10) نهج البلاغة: 151 خطبة 105. (11) تفسير القمي 2 / 285. (2) الزخرف / 55. (3) البقرة / 57. (*)

[ 105 ]

الباب الثالث والستون في إيراد ما في كتاب الصواعق في فضائل أئمة الهدى من أهل البيت الطيبين (رضي الله عنهم) (الامام علي بن الحسين زين العابدين (ع)) * زين العابدين بن الحسين هو الذي خلف أباه علما وزهدا وعبادة فكان إذا توضأ للصلاة اصفر لونه وقيل (1) له: ما ذلك (2) ؟ فقال: ألا تدرون بين يدي من أقف ! * وحكى أنه كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة. * وحكى (ابن حمدون) عن الزهري: أن عبد الملك بن مروان أمر بحمله (3) مقيدا من المدينة بأثقلة من حديد (ووكل به حفظة) فدخل عليه الزهري يودعه (4) فبكى وقال: وددت أني كنت مقيدا من جانبك (5).


(1) في المصدر: " فقيل ". (2) في المصدر: " في ذلك ". (3) في المصدر: " إن عبد الملك حمله ". (4) في المصدر: " لوداعه ". (5) في المصدر: " اني مكانك ". (*)

[ 106 ]

فقال: تظن (1) أن ذلك يكربني و (2) لو شئت لاخلص (3) ولكن (4) ليذكرني عذاب الله تعالى. ثم أخرج رجليه من القيد، ويديه من الغل، ثم أدخل يديه ورجليه فيهما (5)، ثم قال: لا أجاوز معهم من المدينة إلا يومين. فلما سار معهم (6) فما مضى يومان إلا فقدوه حين طلع الفجر، وهم يرصدونه (فطلبوه) فلم يجدوه. قال الزهري: فقدمت على عبد الملك فسألني عنه فأخبرته فقال: قد جاءني (7) (في) يوم فقده عن الحفظة (8) فدخل علي فقال لي (9): ما أنا وأنت ؟ فقلت: أقم عندي. قال (10): لا أحب. ثم خرج، فوالله لقد امتلا قلبي منه خيفة. ومن ثمة كتب عبد الملك إلى الحجاج (11) أن يجتنب دماء بني عبد المطلب وأمره


(1) في المصدر: " أتظن ". (2) لا يوجد في المصدر: " و ". (3) في المصدر: " لو شئت لما كان ". (4) في المصدر: " وانه ". (5) لا يوجد في المصدر: " ثم أدخل يديد ورجليه فيهما ". (6) في المصدر: " لاجزت معهم على هذا يومين من المدينة ". (7) في المصدر: " جاء ". (8) في المصدر: " في يوم فقد الاعوان ". (9) لا يوجد في المصدر: " لي ". (10) في المصدر: " فقال ". (11) في المصدر: " للحجاج ". (*)

[ 107 ]

بكتم ذلك، فكتب الامام زين العابدين الى عبد الملك (1): إنك كتبت إلى الحجاج (2) يوم كذا سرا في حقنا بني عبد المطلب بكذا وكذا، فلما قرأه (3) وجد تاريخه موافقا لتاريخ كتابه إلى الحجاج (4) فعلم أنه كشف له (5)... وأخرج أبو نعيم الحافظ في " حلية الاولياء " والطبراني في " الكبير " والحافظ السلفي وغير واحد من أهل السير والتواريخ (6): انه لما (7) حج هشام بن عبد الملك في حياة أبيه و (8) لم يمكن له أن يصل إلى الحجر الاسود من الازدحام (9)، فنصب له منبر الى جانب زمزم، وجلس عليه (10) ينظر إلى الناس وحوله جماعة من أعيان أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل الامام زين العابدين، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلمه. فقال أهل الشام لهشام: من هذا ؟ قال: لا أعرفه، مخافة أن يرغب الناس الى الامام (11). فقال الفرزدق: أنا أعرفه فأنشد شعرا (12):


(1) في المصدر: " فكشف به زين العابدين فكتب إليه ". (2) في المصدر: " للحجاج ". (3) في المصدر: " فلما وقف عليه ". (4) في المصدر: " للحجاج ". (5) الصواعق المحرقة: 200. (6) في المصدر: " وأخرج أبو نعيم والسلفي " فقط. (7) لا يوجد في المصدر: (لما). (8) لا يوجد في المصدر: " و ". (9) في المصدر: " الزحام ". (10) لا يوجد في المصدر: " عليه ". (11) في المصدر: " أهل الشام في زين العابدين ". (12) في المصدر: " أنا أعرفه ثم أنشد ". (*)

[ 108 ]

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها * الى مكارم هذا انتهى (1) الكرم ينمى الى ذروة العز التي قصرت * عن نيلها عرب الاسلام والعجم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا (فليس قولك من هذا ؟ بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم) من معشر حبهم دين وبغضهم كفر * وقربهم منجى ومعتصم لا يستطيع جواد بعد غايتهم * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا تبين نور الهدى من نور طلعته * كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم مشتقة عن رسول الله نبعته * طابت عناصره والخلق والشيم يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الارض قيل هم الله فضله قدما وشرفه * جرى بذاك له في لوحه القلم مقدم بعد ذكر الله ذكرهم * في كل بدء ومختوم به الكلم من يعرف الله يعرف أولوية ذا * والدين من بيت هذا ناله الامم أي القبائل ليست في رقابهم * طوقا ولاية هذا أو له نعم (2) فلما سمع (3) هشام غضب وحبس الفرزدق، فأنفذ إليه الامام زين العابدين (4) (ض) با ثني عشر ألف درهم وقال: (اعذر) لو كان عندنا أكثر لاعطيناك أكثر من هذا (5).


(1) في المصدر: " ينتهي ". (2) لا يوجد في المصدر: " لا يستطيع جواد... " إلى آخر القصيدة. (3) في المصدر: " سمعها ". (4) في المصدر: " وأمر له زين العابدين ". (5) في المصدر: " لاوصلناك به ". (*)

[ 109 ]

فقال: (إنما) مدحته لله لا للعطاء. فقال الامام: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده. فقبلها الفرزدق. قال شيخ الحرمين أبو عبد الله القرظي: لو لم يكن لابي فراس عند الله (عزوجل) عمل إلا هذا دخل الجنة به لانها كلمة حق عند سلطان جائر (1). وجعل الفرزدق في الحبس يهجو هشاما وكان مما هجاه به: أيحبسني بين المدينة والتي * إليها قلوب الناس يهوى منيبها يقلب رأسا لم يكن رأس سيد * وعينا له حولاء باد عيوبها فأخرجه، وكان هشام أحول (2). وكان الامام زين العابدين (ض) عظيم التجاوز والعفو والصفح، حتى أنه سبه رجل فتغافل عنه، فقال له: إياك أعني. فقال الامام (3): وعنك أعرض، أشار الى آية (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " (4). (5) وتوفي وعمره سبع وخمسون، منها سنتان مع جده علي، ثم عشر مع عمه الحسن، ثم إحدى عشر مع أبيه الحسين (رضي الله عنهم وأرضاهم). وقيل سمه الوليد بن عبد الملك ودفن بالبقيع عند عمه الحسن عن إحدى عشر ذكرا وأربع إنات (6).


(1) لا يوجد قول القرظي في الصواعق. (2) في المصدر: " ثم هجا هشاما في الحبس فبعث فأخرجه " فقط. (3) لا يوجد في المصدر: " الامام ". (4) الصواعق المحرقة: 200 - 201. (5) الاعراف / 199. (6) الصواعق المحرقة: 201. (*)

[ 110 ]

(الامام محمد الباقر (ع)) وأورثه (1) منهم علما وعبادة وزهدا (2) أبو جعفر محمد الباقر، سمي بذلك من بقر الارض أي شقها وأظهر (3) مخباتها ومكامنها، فلذلك هو أظهر من مكنونات كنوز المعارف وحقائق الاحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى إلا على منطمس البصيرة أو فاسد الطوية والسريرة. ومن ثمة قيل فيه هو باقر العلوم (4) وجامعه، وشاهر علمه ورافعه، بصفاء (5) قلبه، وزكاء نفسه (6)، وطهر نسبه (7)، وشرف خلقه، وصرف عمره وأوقاته (8) بطاعة الله تعالى، وله من الاسرار (9) في مقامات العارفين ما تكل عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة. وكفاه شرفا أن ابن المدايني والطبراني رويا عن جابر بن عبد الله الانصاري (10): أنه قال للامام الباقر (11) وهو صغير: إن رسول الله (ص)


(1) في المصدر: " وارثه ". (2) في المصدر: " وزهادة ". (3) في المصدر: " وأثار ". (4) في المصدر: " العلم ". (5) في المصدر: " صفى ". (6) في المصدر: " وزكا علمه وعمله ". (7) في المصدر: " وطهرت نفسه ". (8) في المصدر: " وعمرت أوقاته ". (9) في المصدر: " الرسوم ". (10) في المصدر: " ابن المديني روى عن جابر ". (11) في المصدر: " انه قال له ". (*)

[ 111 ]

يسلم عليك. فقيل له: وكيف ذلك ؟ قال: كنت جالسا عنده والحسين في حجره وهو يقبله (1) فقال: يا جابر يولد للحسين (2) مولود اسمه علي، و (3) إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم زين العابدين، فيقوم علي بن الحسين (4)، ثم يولد لعلي (5) ولد اسمه محمد، فإن أدركته يا جابر فاقرأه مني السلام. ثم توفي سنة مائة وسبع عشرة عن ثمان وخمسين سنة مسموما كأبيه. وأمه بنت عم أبيه الحسن (رضي الله عنهم) (6) وهو علوي من (جهة) أبيه وأمه، ودفن أيضا بجنب أبيه (7) في قبه الحسن والعباس بالبقيع (8). (الامام جعفر الصادق (ع)) وخلف ستة أولاد، أفضلهم وأكملهم جعفر الصادق (ع). ومن ثمة كان خليفته ووصيه، وبلغ (9) الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه (الائمة) الاكابر: كيحيى


(1) في المصدر: " يداعبه ". (2) في المصدر: (له). (3) لا يوجد في المصدر: (و) (4) في المصدر: " فيقوم ولده ". (5) في المصدر (له). (6) لا يوجد في المصدر: " وأمه بنت عم أبيه الحسن (رضي الله عنهم) ". (7) لا يوجد في المصدر: " بجنب أبيه ". (8) الصواعق المحرقة: 201. (9) في المصدر: " ونقل ". (*)

[ 112 ]

ابن سعيد، وابن جريج، ومالك، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري (1)، وأبو حنيفة، وشعبة، وأيوب السجستاني. وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر (رضي الله عنهم). وسعى به رجل (2) عند المنصور الخليفة (3) لما حج، فلما أحضر (4) الساعي (به يشهد. قال له: أتحلف ؟ قال: نعم. فحلف بالله العظيم الى آخره. فقال: أحلفه يا أمير المؤمنين كما أراه ؟ فقال له: حلفه). قال (5) له: قل برئت من حول الله وقوته، والتجأت الى حولي وقوتي، لقد فعل جعفر كذا وكذا، وقال كذا وكذا. فامتنع الرجل، ثم حلفه (6)، فما تم حتى مات مكانه. فقال المنصور لجعفر: أنت المبرأ عن التهمة، فانصرف جعفر (ع) (7) فلحقه الربيع بجائزة حسنة وكسوة سنية. ووقع نظير هذه الحكاية ليحيى بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن


(1) في المصدر: " والسفيانين ". (2) لا يوجد في المصدر: " رجل ". (3) لا يوجد في المصدر: " الخليفة ". (4) في المصدر: " حضر ". (5) في المصدر: " فقال ". (6) في المصدر: " حلف ". (7) في المصدر: " لا بأس عليك انت المبرأ الساحة المأمون الغائلة ثم انصرف ". (*)

[ 113 ]

المجتبى (رضي الله عنهم) بأن شخصا زبيريا سعى به للرشيد، فطلب يحيى تحليف الساعي بذلك القسم، فما تم (1) يمينه حتى اضطرب وسقط على الارض (2) فمات (3)، فسأل الرشيد يحيى عن سر ذلك فقال: تمجيد الله في اليمين يمنع المعاجلة بالعقوبة (4). وذكر المسعودي إن هذه القصة كانت مع موسى الملقب بموسى الجون، هو أخو يحيى بن عبد الله المحض (5)، وإن الزبيري سعى به للرشيد، فطال الكلام بينهما، ثم طلب موسى تحليفه، فحلفه بنحو ما مر، فلما حلف قال موسى: الله أكبر، حدثني أبي، عن جدي، عن أبيه، عن جده علي (رضي الله عنهم): إن رسول الله (ص) قال: ما حلف أحد بهذه اليمين... وهو كاذب إلا عجل الله له العقوبة قبل ثلاث، والله ما كذبت ولا كذبت، فوكل يا أمير المؤمنين علي رجلا يلازمني (6)، إن مضت ثلاث ولم يحدث بالزبيري حادث فدمي لك حلال، فوكل به. فلم يمض عصر ذلك اليوم حتى أصاب الزبيري علة (7)، فتورم حتى صار كالزق فمات، (8) ولما أنزل في قبره انخسف قبره، وخرجت رائحة مفرطة


(1) في المصدر: " طلب تحليفه فتلعثم فزبره الرشيد فتولى يحيى تحليفه بذلك فما أتم ". (2) في المصدر: " لجنبه ". (3) في المصدر: " فأخذوا برجله وهلك ". (4) الصواعق المحرقة: 201 - 202. (5) في المصدر: " مع أخي يحيى هذا الملقب... ". (6) في المصدر: " فوكل علي يا أمير المؤمنين " فقط. (7) في المصدر: " جذام ". (8) في المصدر: " فما مضى إلا قليل وقد توفي ". (*)

[ 114 ]

النتن، فطرحت فيه أحمال شوك، فانخسف ثانيا، فأخبر الرشيد فزاد تعجبه، ثم أمر لموسنى بألف دينار وسأله عن سر ذلك (1) اليمين، فروى له حديثا عن جده علي (رضي الله عنهم)، عن رسول الله (ص) قال: ما من أحد يحلف بيمين يمجد (2) الله فيها الا استحيا من (3) تعجيل عقوبته، وما من أحد حلف يمينا (4) كاذبة نازع فيها الله حوله وقوته إلا عجل الله له العقوبة قبل ثلاث. وقتل بعض الطغاة مولى جعفر الصادق (5)، فلم يزل ليله يصلي، ثم دعا على القاتل (6) عند السحر، فسمع الاصوات بموته. ولما بلغه قول الحكم بن عباس الكلبي في عمه زيد: صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة * ولم نر مهديا على الجذع يصلب قال: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، فافترسه الاسد. ومن مكاشفاته: ان محمد الملقب بالنفس الزكية ابن عبد الله المحض (7) في أواخر (8) دولة بني أمية أراد بنو هاشم مبايعة محمد وأخيه، وأرسل الى جعفر (9) ليبايعهما، فامتنع، فاتهم انه يحسدها (10).


(1) في المصدر: " تلك ". (2) في المصدر: " مجد ". (3) لا يوجد في المصدر " من ". (4) في المصدر: " بيمين ". (5) في المصدر: " مولاه ". (6) في المصدر: " عليه ". (7) في المصدر: " إن ابن عمه عبد الله المحض كان شيخ بني هاشم وهو والد محمد الملقب بالنفس الزكية ". (8) في المصدر: " ففي آخر ". (9) في المصدر: " لجعفر ". (10) في المصدر: " يحسدهما ". (*)

[ 115 ]

فقال: يابن عم لا أكتم نصيحة للمسلمين فكيف أكتم نصيحتكم (1)، والله ليست الخلافة لي ولا لهما، إنها لصاحب القباء الاصفر، و (2) ليلعبن بها صبيانهم وغلمانهم. وكان المنصور العباسي (يومئذ) حاضرا وعليه قباء أصفر، فكان ما قال جعفر الصادق (ض) (3). وسبق جعفر في قوله هذا (4) والده الباقر (رضي الله عنهما) فانه أيضا أخبر أن المنصور (5) يملك الارض، مشرقها ومغربها (6)، وتطول مدته. فقال المنصور للباقر (7): أملكنا قبل ملككم ؟ قال: نعم. قال: أيملك (8) أحد من ولدي ؟ قال: نعم. قال: فمدة بني أمية أطول أم مدتنا ؟ قال: مدتكم، وليلعبن بهذا الملك صبيانكم كما يلعب بالكرة، هذا ما عهد الي أبي. فلما أفضت الخلافة للمنصور (بملك الارض) تعجب من قول الباقر (ض) (9).


(1) لا يوجد في المصدر:، (يا ابن عم لا اكتم نصيحة للمسلمين فكيف اكتم نصيحتكم ". (2) لا يوجد في المصدر: " و ". (3) بدله في المصدر: " فما زالت كلمة جعفر تعمل فيه حتى ملكوه ". (4) في المصدر: " الى ذلك ". (5) في المصدر: " فانه أخبر المنصور ". (6) في المصدر: " شرقها وغربها ". (7) في المصدر: " فقال له ". (8) في المصدر: " ويملك ". (9) الصواعق المحرقة: 202 - 303. (*)

[ 116 ]

وأخرج أبو القاسم الطبري من طريق ابن وهب قال: سمعت الليث بن سعد يقول: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، فلما صليت العصر في المسجد الحرام (1) صعدت (2) أبا قبيس فإذا رجل جالس يدعو ويقول: يا رب يا رب، حتى انقطع نفسه، ثم قال: يا حي يا قيوم (3) حتى انقطع نفسه، فقال (4): إلهي إني أشتهي العنب فأطعمنيه، اللهم إن ردائي قد خلقا فأكسني. قال الليث: فوالله ما استتم كلامه حتى نظرت الى سلة مملوءة عنبا وليس على الارض يومئذ عنب، وإذا بردتان موضوعتان فيها لم أر مثلهما في الدنيا، فأراد أن يأكل فقلت: أنا شريكك لاني قلت " آمين " عند دعائك (5)، فقال: " تقدم وكل " فأكلت (6) معه (7) عنبا لم آكل مثله قط، و (8) ماكان له عجم، فشبعنا ولم تنقص ما في السلة (9) (فقال: لا تدخر ولا تخبأ منه شيئا)، ثم أخذ أحد البردين ودفع إلي الآخر فقلت: أنا غني عنه (10) فاتزر بأحدهما وارتدى بالآخر. ثم أخذ برديه الخلقين فنزل من أبي قبيس (11)، فلقيه رجل في الطريق (12)


(1) لا يوجد: " الحرام ". (2) في المصدر: " رقيت ". (3) في المصدر: " يا حي يا حي يا حي ". (4) في المصدر: " ثم قال ". (5) في المصدر: " فقلت أنا شريكك. فقال: ولم ؟ فقلت: لانك دعوت وكنت أو من ". (6) في المصدر: " فتقدمت وأكلت ". (7) لا يوجد في المصدر: " معه ". (8) لا يوجد فيه " و ". (9) في المصدر: " فأكلنا حتى شبعنا ولم تتغير السلة ". (10) في المصدر: " أنا بي عنى ". (11) في المصدر: " فنزل وهما بيده ". (12) في المصدر: " بالمسعى ". (*)

[ 117 ]

فقال: اكسني يا ابن رسول الله مما اتاك (1) الله فانني عريان، فدفعهما إليه. فقلت له: من هذا ؟ قال: جعفر الصادق فطلبته بعد ذلك لاسمع منه شيئا فلم أقدر عليه (انتهى). توفي سنة أربع وثمانين ومائة مسموما أيضا كأبيه (2)، وعمره ثمان وستون سنة، ودفن بالقبة المذكورة، فيا لها من قبة ما أكرمها وأبركها وأشرفها (3)، وولده الذكور ستة والاناث واحد (4). 5) (الامام موسى الكاظم (ع)) منهم موسى الكاظم، وهو وارثه علما ومعرفة وكمالا وفضلا، شمي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان عند أهل العراق معروفا (6) بباب قضاء الحوائج (عند الله)، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم. وسأله الرشيد: كيف تقولون أنتم (7) إنا ذرية رسول الله (ص) وأنتم ذرية (8) علي، فتلا (ومن ذريته داود وسليمان) (9) الى أن قال (وعيسى) وليس له


(1) في المصدر: " كساك ". (2) لا يوجد: " كأبيه ". (3) لا يوجد في المصدر: " فيا لها... وأشرفها ". (4) في المصدر: " عن ستة ذكور وبنت ". (5) الصواعق المحرقة: 203. (6) في المصدر: " وكان معروفا عند أهل العراق ". (7) في المصدر: " قلتم ". (8) في المصدر: " أبناء ". (9) الانعام / 84. (*)

[ 118 ]

أب. وتلا أيضا (1) (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) (2) الآية. ولم يدع (ص) عند مباهلة النصارى غير علي وفاطمة والحسن والحسين، فكان الحسن والحسين هما الابناء (رضي الله عنهم). ومن بديع كراماته ما حكاه ابن الجوزي والرامهريري (3) وغيرهما: عن شقيق البلخي: انه خرج حاجا سنة تسع وأربعين ومائة فرأى الامام الكاظم بالقادسية منفردا عن الناس، فقال في نفسه: هذا فتى من الصوفية يريد أن يرى الناس زهده (4)، لامضين إليه ولاوبخنه. فمضى إليه فقال: يا شقيق إن الله تعالى قال (5): (اجتنبوا كثيرا من الظن) (6) الآية، فأراد أن يجعل ظنه في حل (7) فغاب عن عينه (8)، فما رآه إلا بالواقصية (9) يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تتحادر، فجاء إليه ليعتذر فخفف في صلاته فتلا (10) (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) (11). فلما نزلوا زمالة رآه على بئر سقط فيها دلوه (12)، فدعا فارتفع له


(1) في المصدر: " وأيضا قال تعالى ". (2) آل عمران / 61. (3) في المصدر: " والرامهرمزي ". (4) في المصدر: " يريد أن يكون كلا على الناس ". (5) لا يوجد في المصدر: " إن الله تعالى قال ". (6) الحجرات / 12. (7) في المصدر: " أراد أن يحاله ". (8) في المصدر: " عينيه ". (9) في المصدر: " بواقصة ". (10) في المصدر: " وقال ". (11) طه / 82. (12) في المصدر: " فسقطت ركوته فيها ". (*)

[ 119 ]

الماء (1) حتى أخذها، فتوضأ وصلى أربع ركعات، ثم مال الى كثيب رمل فطرح منه شيئا في المشربة فشرب (2). وقلت (3) له: أطعمني من فضل ما رزقك الله. فقال: يا شقيق لم تزل نعم الله علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك، فناولني المشربة (4)، فشربت منها فإذا سويق وسكر، ما شربت والله ألذ منه ولا أطيب ريحا منه، فشبعت ورويت وأقمت أياما لا أشتهي شرابا ولا طعاما. ثم لم أره إلا بمكة وإذا هو بغلمان وغاشية وأمور على خلاف ما كان عليه في الطريق (5). * وذكر المسعودي: أن الرشيد رأى عليا (ض) في المنام (6) ومعه حربة وهو يقول: خلص الكاظم وإلا قتلتك بهذه الحربة (7)، فاستيقظ فزعا وأمر باطلاقه، وأمر له ثلاثين ألف درهم، وخيره بين الاقامة ببغداد وبين الذهاب الى المدينة، فاختار المدينة. قيل: إن الهادي (8) حبسه أولا، ثم أطلق (9) لانه رأى عليا (ض) يقول له: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم) (10) فانتبه (وعرف أنه المراد) فأطلقه ليلا.


(1) في المصدر: " فطفى الماء له ". (2) في المصدر: " وطرح فيها منه وشرب ". (3) في المصدر: " فقال ". (4) في المصدر: " فناولنيها ". (5) الصواعق المحرقة: 203. (6) في المصدر: " في النوم ". (7) في المصدر: " إن لم تحل عن الكاظم وإلا نحرتك بهذه ". (8) في المصدر: " وكان موسى الهادي ". (9) في المصدر: " أطلقه ". (10) محمد / 22. (*)

[ 120 ]

* ولما قال (1) له الرشيد حين رآه جالسا عند الكعبة: أنت الذي يبايعك الناس سرا ؟ فقال: أنا إمام القلوب وأنت إمام الجسوم. * ولما اجتمعا أمام وجه رسول الله (ص) (2) قال الرشيد: السلام عليك يابن عم (سمعها من حوله). وقال (3) الكاظم: السلام عليك يا أبت. فحسده الرشيد (4)، وحمله معه الى بغداد، وحبسه مقيدا (5) فلم يخرج من حبسه إلا ميتا من السم (6)، ودفن بالجانب الغربي من بغداد. وكان أولاده الذكور (7) سبعة وثلاثين (8). (الامام علي الرضا (ع)) منهم علي الرضا، وهو أشهرهم (9) ذكرا، وأجلهم قدرا. ومن ثمة (10) أحله المأمون محل مهجته، وأنكحه ابنته، وأشركه في مملكته، وفوض إليه أمر خلافته، فانه كتب بيده كتابا سنة إحدى ومائتين بأن علي


(1) في المصدر: (فقال). (2) في المصدر: (أمام الوجه الشريف على صاحبه أفضل الصلاة والسلام). (3) في المصدر: " فقال ". (4) في المصدر: " فلم يتحملها وكانت سببا لامساكه له ". (5) لا يوجد في المصدر: " مقيدا ". (6) في المصدر: " مقيدا " بدل، (من السم). (7) في المصدر: " ذكرا وانثى ". (8) الصواعق المحرقة: 204. (9) في المصدر: " أنبههم ". (10) في المصدر: " ثم ". (*)

[ 121 ]

الرضا ولي عهده، وأشهد عليه جمعا كثيرا، لكنه توفي. وأخبر قبل موته أنه (1) يأكل عنبا مسموما فيموت، وأن المأمون يريد دفنه خلف الرشيد ولم يستطع، فكان ما أخبره الرضا (2) (ض). ومن مواليه معروف الكرخي أستاد السري السقطي، لانه أسلم على يديه. * وروى الحاكم أنه قال لرجل: إرض بما يريد الله واستعد لما لابد منه، فمات الرجل بعد ثلاثة أيام. * وروى الحاكم أيضا: عن محمد بن عيسى، عن أبي حبيب قال: رأيت النبي (ص) في المنام في المنزل الذي ينزل فيه ببلدنا الحجاج بن يوسف الثقفي (3)، فسلمت عليه، فوجدت عنده طبقا من خوص المدينة فيه تمر صيحاني، فناولني منه ثماني عشرة، فتأولت أن أعيش بعدتها (4)، فلما كان بعد عشرين يوما قدم أبو الحسن علي الرضا من المدينة، ونزل ذلك المنزل، فرأيته جالسا في الموضع الذي كان النبي (ص) جالسا فيه (5) وبين يديه طبق من خوص المدينة فيه تمر صيحاني، فسلمت عليه (فاستدناني) فناولني (6) قبضة من ذلك التمر، فإذا هي ثماني عشرة (7).


(1) في المصدر: " بأنه ". (2) في المصدر: " فكان ذلك كله كما أخبر به ". (3) في المصدر: " ينزل الحجاج ببلدنا ". (4) في المصدر: " عدتها ". (5) في المصدر: " ونزل ذلك المسجد وهرع الناس بالسلام عليه فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي رأيت النبي (ص) جالسا فيه ". (6) في المصدر: " وناولني ". (7) في المصدر: " فإذا عدتها بعدد ما ناولني النبي (ص) في النوم ". (*)

[ 122 ]

فقلت: يابن رسول الله (1)، زدني. قال (2): لو زادك جدي لزدتك (3). * وفي تاريخ نيشابور أنه استقام بها أياما، ثم خرج يريد بلدة مرواشاهجان (4)، وعليه مظلة لا يرى من ورائها، عرض (5) له الحافظان أبو زرعة الرازي ومحمد بن أسلم الطوسي ومعهما من طلبة العلم والحديث ما لا يحصى، فتضرعا إليه أن يريهم وجهه الشريف المكرم المبارك (6) ويروي لهم حديثا عن آبائه، فاستوقف البغلة وأمر غلمانه بكف المظلة، فأقر عيون تلك الخلائق برؤية طلعته المباركة، فكانت له ذوابتان مدليتان على عاتقه، والناس بين صارخ وباك، ومتمرغ في التراب، ومقبل لحافر بغلته، فصاحت العلماء: معاشر الناس أنصتوا (فأنصتوا فاستملى منه الحافظان المذكوران). فقال (ض): حدثني أبي موسى الكاظم، عن أبيه جعفر الصادق، عن أبيه محمد الباقر، عن أبيه زين العابدين، عن أبيه الحسين، عن أبيه علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم أجمعين رضاء واسعا وأرضاهم) قال: حدثني حبيبي وقرة عيني رسول الله (ص) قال: حدثني جبرائيل، قال: سمعت رب العزة يقول: لا إله إلا الله حصني، فمن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي.


(1) لا يوجد في المصدر: " يابن رسول الله ". (2) في المصدر: " فقال ". (3) في المصدر: " رسول الله لزدناك ". (4) في المصدر: " ولما دخل نيسابور - كما في تاريخها - وشق سوقها ". (5) في المصدر: " تعرض ". (6) لا يوجد في المصدر: " الشريف المكرم المبارك ". (*)

[ 123 ]

ثم أرخى الستر وسار " فعد (أهل المحابر والدوي) الذين كانوا يكتبون هذا الحديث فزادوا (1) على عشرين ألفا (2). * وفي فصل الخطاب: عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح بن سليمان الهروي قال: كنت مع علي الرضا بن موسى الكاظم حين رحل من نيشابور، وهو راكب بغلة شهباء، فإذا أحمد بن الحرب، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، وعدة من أهل العلم، قد تعلقوا بلجام بغلته فقالوا: بحق آبائك الطاهرين حدثنا بحديث سمعته عن أبيك عن آبائه عن رسول الله (ص) ثم ساق الحديث بنحو ما ذكر من قبل آنفا وزاد: وفي رواية: فلما مرت الراحلة نادانا: بشروطها، وأنا من شروطها. قيل: من شروطها الاقرار له بأنه إمام المسلمين مفترض الطاعة (3) (انتهى فصل الخطاب). ويشهد لهذه الرواية ويقويها قول علي (كرم الله وجهه) في كتاب غرر الحكم: إن ل‍ " لا إله إلا الله " شروطا وإني وذريتي من شروطها (4). وفي سنن ابن ماجة: حدثنا سهل بن أبي سهل، ومحمد بن إسماعيل، قالا: حدثنا أبو الصلت عبد السلام بن صالح بن سليمان الهروي، قال: حدثنا علي الرضا بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي


(1) في المصدر: " فانافوا ". (2) الصواعق المحرقة: 204 - 205. (3) عيون أخبار الرضا 1 / 143 باب 37 حديث 1، و 144 - 145 حديث 4. (4) غرر الحكم 1 / 220 حديث 103. (*)

[ 124 ]

ابن أبي طالب (رضي الله عنهم) قال: قال رسول الله (ص): الايمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالاركان. قال أبو الصلت: لو قرئ هذا الاسناد على مجنون لبرء من جنونه (1). (وتوفي (ض)) وعمره خمس وخمسون سنة، أولاده الذكور خمسة وبنت واحدة (2) (3) أجلهم وأكملهم محمد التقي (4) الجواد (5). (الامام محمد الجواد (ع)) ومما اتفق انه كان مع الصبيان في أزقة (بغداد) إذ مر المأمون ففر الغلمان (6) ووقف محمد التقي (7)، وسنه (8) تسع سنين... فقال له: يا غلام ما منعك من الانصراف ؟ فقال (له مسرعا): لم يكن بالطريق ضيق (فأوسعه لك)، وليس لي جرم (فأخشاك)، وظني (9) بك حسن أنك لا تضر من لا ذنب له. فأعجبه كلامه وحسن صورته (فقال له: ما اسمك واسم أبيك ؟ فقال: محمد بن علي الرضا...).


(1) سنن ابن ماجة 1 / 25 حديث 65 كتاب الايمان - باب 9. (2) في المصدر: " عن خمسة ذكور وبنت ". (3) الصواعق المحرقة: 205. (4) لا يوجد في المصدر: " التقي ". (5) الصواعق المحرقة: 206. (6) في المصدر: " ففروا ". (7) لا يوجد في المصدر: " التقي ". (8) في المصدر: " وعمره ". (9) في المصدر: " والظن ". (*)

[ 125 ]

ثم سار (1) وكان معه بزاة للصيد، فلما بعد عن العمارة أرسل بازه (2) على دراجة، فغاب الباز (3) عنه، ثم عاد من الجو وفي منقاره سمكة صغيرة فيها أثر (4) الحياة، فتعجب (من ذلك غاية العجب) ورجع فرأى الصبيان على حالهم (ومحمد عندهم)، ففروا إلا محمد التقي. فقال له المأمون (5): ما في يدي ؟ فقال: إن الله (عزوجل) خلق بقدرته في الجو بحرا، وخلق فيه سمكا صغارا تصيدها بزاة الملوك (6)، فيمتحن (7) بها سلالة أهل بيت المصطفى (ص). فقال له: أنت ابن علي (8) الرضا حقا (وأخذه معه وأحسن إليه) وبالغ في إكرامه... وعزم على تزويجه بابنته أم الفضل (وصمم على ذلك) فمنعه العباسيون (من ذلك) خوفا من أن يجعله ولي عهده كما جعل أباه ولي عهده (9). (فلما ذكر لهم أنه انما اختاره لتميزه على كافة أهل الفضل علما ومعرفة وحلما مع صغر سنه فنازعوا في اتصاف محمد بذلك ثم تواعدوا على أن يرسلوا إليه من يختبره). فأرسل العباسيون (10) إليه يحيى بن أكثم ووعدوه بشئ كثير إن غلب عليه في


(1) في المصدر: " ساق جواده ". (2) في المصدر: " بازا ". (3) لا يوجد في المصدر: " الباز ". (4) في المصدر: " وبها بقاء الحياة ". (5) لا يوجد في المصدر: المأمون ". (6) في المصدر: " ان الله تعالى خلق في بحر قدرته سمكا صغارا يصيدها بازات الملوك والخلفاء ". (7) في المصدر: " فيختبر ". (8) لا يوجد في المصدر: " علي ". (9) في المصدر: " خوفا من انه يعهد إليه كما عهد الى أبيه ". (10) في المصدر: " فأرسلوا إليه ". (*)

[ 126 ]

المباحثة في العلم (1). (فحضروا للخليفة ومعهم ابن أكثم وخواص الدولة فأمر المأمون بعرش حسن لمحمد فجلس عليه) فسأله يحيى بن أكثم مسائل فأجابه (2) عنها بأحسن جواب (وأوضحه). فقال المأمون: يا محمد التقي سل عن يحيى ولو مسألة واحدة (3). فقال له: ما تقول في رجل نظر إلى امرأة أول النهار حراما، ثم حلت له عند ارتفاع الشمس (4)، ثم حرمت (عليه) عند الظهر، ثم حلت عند العصر، ثم حرمت عليه عند المغرب، ثم حلت له عند (5) العشاء، ثم حرمت عليه نصف الليل، ثم حلت له عند (6) الفجر ؟ فقال يحيى: لا أدري. فقال له محمد التقي: هي أمة نظر إليها (7) أجنبي بشهوة، وهذا النظر حرام (8)، ثم اشتراها في (9) ارتفاع الشمس (10)، كانت حلالا (11)، فأعتقها في (12) الظهر،


(1) في المصدر: " ان قطع لهم محمدا ". (2) في المصدر: " اجابه ". (3) في المصدر: " فقال له الخليفة: أحسنت أبا جعفر فان أردت أن تسأل يحيى ولو مسألة واحدة ". (4) في المصدر: " ارتفاعه ". (5) لا يوجد في المصدر: " عند ". (6) لا يوجد في المصدر: " عند ". (7) في المصدر: " نظرها ". (8) في المصدر: " وهي حرام ". (9) لا يوجد في المصدر: " في ". (10) في المصدر: " النهار ". (11) لا يوجد في المصدر: " كانت حلالا ". (12) لا يوجد في المصدر: " في ". (*)

[ 127 ]

كانت له حراما (1)، وتزوجها عند (2) العصر، كانت له حلالا (3)، ثم ظاهر منها عند المغرب، كانت له حراما (4)، ثم أدى كفارة الظهار عند العشاء، كانت له حلالا (5)، ثم (6) طلقها رجعيا نصف الليل، كانت له حراما (7)، ثم راجعها عند الفجر، كانت له حلالا (8). فعند ذلد قال المأمون للعباسيين: قد عرفتم فضله بعدما كنتم تنكرونه (9). ثم زوجه (في ذلك المجلس) ابنته (أم الفضل)، ثم توجه بها الى المدينة. ثم أرسلت ابنته أم الفضل الى أبيها المأمون أنه يسري جارية عليها (10)، فأرسل إليها أبوها: إنا لم نزوجك له لنحرم عليه ما كان حلالا له (11) فلا تعودي لمثله. ثم قدم (بها) بغداد (12) بطلب من المعتصم لليلتين بقيتا من المحرم سنة عشرين ومائتين وتوفي في آخر ذي القعدة في هذه السنة (13)، ودفن في ظهر جده


(1) لا يوجد في المصدر: " كانت له حراما ". (2) لا يوجد في المصدر: " عند ". (3) لا يوجد في المصدر: " كانت له حلالا ". (4) في المصدر: " وظاهر منها المغرب " فقط. (5) في المصدر: " وكفر العشاء " فقط. (6) في المصدر: " و ". (7) لا يوجد في المصدر: " كانت له حراما ". (8) في المصدر: " وارجعها الفجر " فقط. (9) في المصدر: " قد عرفم ما كنتم تذكرون ". (10) في المصدر: " فارسلت تشتكي منه لابيها انه تسرى عليها ". (11) لا يوجد في المصدر: (له). (12) لا يوجد في المصدر: " بغداد ". (13) لا يوجد في المصدر: " في هذه السنة ". (*)

[ 128 ]

الكاظم (1) في مقابر قريش، وعمره خمس وعشرون سنة. ويقال: إنه مات مسموما كأبيه (2). وله ولدان ذكران وبنتان (3): أحدهما: موسى، وثانيهما: علي النقي وهو وارث أبيه علما وكمالا وسخاء (4). (الامام علي النقي (ع)) ومن ثمة (5) جاء أعرابي من حوالي (6) الكوفة وقال: إني من المتمسكين بولائك وولاء أجدادك (7) فعلي (8) دين (أثقلني حمله و) لم أقصد بقضائه سواك. فقال: قف هنا، ثم أرسل المتوكل إليه (9) ثلاثين ألفا، فأعطى كلها للاعرابي (10). فقال الاعرابي (11): يابن رسول الله إن عشرة آلاف تكفي لقضاء ديني (12).


(1) لا يوجد في المصدر: " في ظهر جده الكاظم ". (2) في المصدر: " ويقال انه سم أيضا ". (3) في المصدر: " عن ذكرين وبنتين " فقط. (4) الصواعق المحرقة: 206. (5) في المصدر: " ثم ". (6) في المصدر: " اعراب ". (7) في المصدر: " بولاء جدك " فقط. (8) في المصدر: " وقد ركبني ". (9) في المصدر: " فقال: كم دينك ؟ فقال: عشرة آلاف درهم. فقال: طب نفسا بقضائه إن شاء الله تعالى ثم كتب له ورقة فيها ذلك المبلغ دينا عليه وقال له: ائتني في المجلس العام وطالبني بها وأغلظ علي في الطلب ففعل فاستمهله ثلاثة أيام فبلغ ذلك المتوكل فأمر له بثلاثين ألفا... ". (10) في المصدر: " فلما وصلته أعطاها الاعرابي ". (11) لا يوجد في المصدر: " الاعرابي ". (12) في المصدر: " أقضي بها اربي ". (*)

[ 129 ]

فأبى أن يسترد من الثلاثين ألفا (1) شيئا فانصرف (2) الاعرابي وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته. * ونقل المسعودي: ان المتوكل أمر بثلاثة من السباع فجئ بها في صحن قصره، ثم دعا الامام علي النقي، فلما دخل أغلق باب القصر، فدارت السباع حوله وخضعت له، وهو يمسحها بكمه، ثم صعد إلى المتوكل ويحدث معه ساعة، ثم نزل ففعلت السباع معه كفعلها الاولى حتى خرج، فأتبعه المتوكل بجائزة عظيمة، فقيل للمتوكل: إن ابن عمك يفعل بالسباع ما رأيت فافعل بها ما فعل ابن عمك. قال: أنتم تريدون قتلي. ثم أمرهم أن لا يفشوا ذلك (3). (4) توفي (ض) بسر من رأى في جمادى الاخيرة (5) سنة أربع وخمسين ومائتين، ثم (6) دفن في داره (7)، وكان (8) عمره اربعون سنة (9)، وكان المتوكل طلبه من المدينة (10) سنة ثلاث وأربعين ومائتين، فأقام بها الى آخر عمره. فله أولاد، ذكورهم أربعة والانثى واحدة (11). (12)


(1) لا يوجد في المصدر: " ألفا ". (2) في المصدر: " فولى ". (3) نقل القصة باختلاف يسير جدا. (4) الصواعق المحرقة: 205. (5) في المصدر: " الآخر ". (6) في المصدر: " و ". (7) في المصدر: " بداره ". (8) لا يوجد في المصدر: " كان ". (9) لا يوجد في المصدر: " سنة ". (10) في المصدر: " أشخصه من المدينة إليها ". (11) في المصدر: " الى أن قضى عن أربعة ذكور وأنثى ". (12) الصواعق المحرقة: 207. (*)

[ 130 ]

(الامام الحسن العسكري (ع)) وأجلهم أبو محمد الحسن العسكري، ولد سنة إثنين (1) وثلاثين ومائتين. * ولما حبس قحط الناس (بسر من رأى قحطا شديدا) فأمر الخليفة المعتمد بن المتوكل الناس (2) بالخروج إلى الاستسقاء ثلاثة أيام، فلم يسقوا. فخرج النصارى ومعهم راهب و (3) كلما مد يده الى السماء غيمت وأمطرت (4)، ثم في اليوم الثاني كذلك. فشك بعض الناس، وارتد بعضهم، فشق ذلك على المعتمد، فأمر باحضار الحسن العسكري (5)، فلما حضر عنده (6) قال له المعتمد: أدرك أمة جدك رسول الله (ص) قبل أن يهلكوا. فقال الامام الحسن: إن النصارى ليخرجوا (7) غدا وأزيل الشك إن شاء الله (عز وعلا) وكلم المعتمد في إطلاق أصحابه من السجن فأطلقهم له (8). فلما خرج الراهب مع النصارى (9) رفع يده إلى السماء غيمت وأمطرت. فأمر الحسن بالقبض على ما في يد الراهب (10)، فقبض فإذا فيها عظم آدمي،


(1) في المصدر: " اثنتين ". (2) لا يوجد في المصدر: " الناس ". (3) لا يوجد في المصدر: " و ". (4) في المصدر: " السماء هطلت ". (5) في المصدر: " الخالص ". (6) لا يوجد في المصدر: " فلما حضر عنده ". (7) في المصدر: " يخرجون غدا ". (8) لا يوجد في المصدر: (له). (9) في المصدر: " فلما خرج الناس للاستسقاء ورفع... ". (10) في المصدر: " ما يد الراهب ". (*)

[ 131 ]

فأخذ من يده وقال: استسق، فرفع يده، فزال الغيم وظهرت (1) الشمس، فتعجب الناس، فقال المعتمد: ما هذا يا ابا محمد ؟ فقال: هذا عظم نبي قد (3) ظفر به هذا الراهب، وما كشف عظم نبي تحت السماء إلا هطلت بالمطر. فامتحنوا ذلك العظم الشريف بمرات (4) فكان كما قال، وزالت الشبهة عن الناس، ورجع الامام الحسن الى داره. وتوفي سنة ستين ومائتين، ودفن عند أبيه، وعمره ثمان وعشرون سنة، ويقال: انه مات بالسم أيضا. (الامام الحجة المنتظر (عجل الله تعالى فرجه)) ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد الحجة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله (تبارك وتعالى) له العلم (5) والحكمة، ويسمى القائم المنتظر، لانه ستر وغاب فلم يعرف أين ذهب (6). (انتهى كتاب الصواعق).


(1) في المصدر: " طلعت ". (2) في المصدر: " عجب ". (3) لا يوجد في المصدر: " قد ". (4) لا يوجد في المصدر: " الشريف بمرات ". (5) في المصدر: " آتاه الله فيها الحكمة ". (6) الصواعق المحرقة: 208. (*)

[ 133 ]

الباب الرابع والستون في ذكر رؤيا الشاعر ابن عنين فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) وكرامتها وذكر أبيات الامام زين العابدين وأبيات الامام محمد الباقر (رضي الله عنهما) * وفي جواهر العقدين للشريف السمهودي المصري رحمه الله: (و) من العجائب (1) أن أبا المحاسن نصر الله بن عنين الشاعر توجه الى مكة المعظمة (2) ومعه متاع (3) ومال (وقماش)، فخرج عليه بعض الاشراف من بني داود المقيمين بوادي الصفرا فأخذوا ما كان معه وجرحوه، فكتب قصيدة إلى الملك العزيز طغتكين بن أيوب صاحب اليمن، وقد كان أخوه الملك الناصر أرسل رسولا إلى الملك الناصر أن يذهب (4) بالساحل ويفتحه (5) من أيدي الافرنج (فزهده ابن عنين في الساحل ورغبه في اليمن وحرضه على الاشراف المذكورين وأول) القصيدة هذه (6):


(1) في المصدر: " العجيب ". (2) في المصدر: " المشرفة ". (3) لا يوجد في المصدر: " متاع ". (4) في المصدر: " إليه يطلبه ليقيم ". (5) في المصدر: " المفتح ". (6) لا يوجد في المصدر: (هذه). (*)

[ 134 ]

أغنت صفاتك ذاك المصقع اللسنا * وجزت بالجود حد الحسن والحسنا (وما تريد لجسم لا حياة له * من خلص الزبد ما أبقى لك اللبنا) ولا تقل ساحل الافرنج أفتحه * فما يساوي إذا قايسته عدنا وإن أردت جهادا فادن سيفك من * قوم أضاعوا فروض الله والسننا طهر بسيفك بيت الله من دنس * وما أحاط به من خسة وخنا ولا تقل إنهم أولاد فاطمة * لو أدركوا آل حرب حاربوا الحسنا فلما أتم (1) هذه القصيدة رأى في النوم فاطمة (رضي الله عنها) وهي تطوف بالبيت، فسلم عليها فلم تجبه، فتضرع إليها وتذلل عندها (2) وسألها عن ذنبه الذي أوجب ذلك، فأنشدت فاطمة (رضي الله عنها) هذه القصيدة (3): حاشا بني فاطمة كلهم * من خسة يعرض أو من خنا وإنما الايام في غدرها * وفعلها السوء أساءت بنا لئن جنى (4) من ولدي واحد * تجعل كل السب عمدا لنا فتب إلى الله فمن يقترف * إثما فلا يأمن مما جنى فاصفح لاجل (5) المصطفى أحمد * ولا تثر (6) من آله أعينا فكل ما نالك منهم غدا * تلق به في الحشر منا منى ثم صبت بيدها المباركة المكرمة المقدسة شيئا شبيه الماء على جرحه، ثم أيقظ من منامه، فرأى أن جراحته التي كانت في بدنه صارت ملتئمة


(1) في المصدر: " نظم ". (2) لا يوجد في المصدر: " عندها ". (3) في المصدر: " فانشدته " فقط. (4) في المصدر: " أإن أسا ". (5) في المصدر: " أكرم لعين ". (6) في المصدر:، (ولا تهن). (*)

[ 135 ]

صحيحة، فكتب فورا قصيدة فاطمة (رضي الله عنها) التى أنشدتها في رؤياه. ثم قال معتذرا (1): عذرا الى بنت نبي الهدى * تصفح عن ذنب محب جنى وتوبة تقبلها عن (2) اخي * مقالة توقعه في العنا والله لو قطعني واحد * منهم بسيف البغي أو بالقنا لم أره بفعله ظالما (3) * بل إنه في فعله أحسنا فكتب هذه الحكاية الى ملك اليمن، فأرسل الملك الهدايا الكثيرة لهذه الاشراف وأهل مكة، وهذه القصيدة مشهورة بين الناس ومسطورة في ديوان ابن عنين (4). وفي كتاب سفينة راغب باشا الصدر أعظم قال الامام زين العابدين (ض) شعرا: إني لاكتم من علمي جواهره * كيلا يرى الحق ذو الجهل فيفتتنا وقد تقدم في هذا أبو حسن * الى الحسين ووصى قبله الحسنا يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا (5) وفي جواهر العقدين: عن بعضهم، قال: كنت بين مكة والمدينة فإذا شبح (6) يلوح في البرية، يظهر تارة ويغيب أخرى،


في المصدر: " قال أبو المحاسن بن عنين: فانتبهت من منامي مرعوبا فزعا وقد أكمل الله تعالى عافيتي من الجراح والمرض وكتبت الابيات وحفظتها وتبت الى الله تعالى مما قلت وقطعت تلك القصيدة وقلت: ". (2) في المصدر: " من ". (3) في المصدر: " لم أر ما يفعله سيئا ". (4) اختصر صاحب الينابيع تعليقة السمهودي على الخبر - جواهر العقدين 2 / 270 - 271. (5) سفينة راغب: 76. ط استنبول 1282 ه‍ ولم يذكر قائلها في المصدر. (6) في المصدر: " أنا بشبح ". (*)

[ 136 ]

حتى قرب مني فسلم علي، فرددته (1) وقلت له (2): من أين يا غلام ؟ قال: من الله. قلت: الى أين ؟ قال: إلى الله. قلت: فما زادك ؟ قال: التقوى. قلت: فن أنت ؟ قال: أنا رجل عربي. فقلت: من أي العرب (3) ؟ قال: (أنا رجل) من قريش. فقلت: عين لي عافاك الله ؟ فقال: أنا رجل هاشمي. فقلت: عين لي ؟ فقال: أنا رجل علوي. ثم أنشد: نحن على الحوض رواده * نذود ونسعد وراده فما فاز من فاز إلا بنا * وما خاب من حبنا زاده فمن سرنا نال منا السرور * ومن ساءنا ساء ميلاده ومن كان كاتمنا فضلنا (4) * فيوم القيامة ميعاده ثم قال: أنا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم). ثم التفت فلم أره، فلا أدري نزل في الارض أم صعد في السماء (5).


(1) في المصدر: " فرددت عليه ". (2) لا يوجد في المصدر: " له ". (3) في المصدر: " أبن لي ". (4) في المصدر: " غاصبنا حقنا ". (5) جواهر العقدين 2 / 258 - 259. (*)

[ 137 ]

الباب الخامس والستون في إيراد ما في كتاب فصل الخطاب من الفضائل للسيد الكامل المحدث العالم العامل محمد خواجه پارساى البخاري (1) أسبق خلفاء خواجه محمد البخاري شاه نقشبند (قدس الله سرهما ورفع درجاتهما ووهب لنا فيوضهما وبركاتهما) * روى الامام الواحدي: باسناده عن الاعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (رضي اله عنهما) قال: لما نزلت (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " (2) قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال: علي وفاطمة وولداهما. * وروى الامام الواحدي أيضا: باسناده عن زادان عن علي (كرم الله وجهه) قال: فينا في آل حم آية لا يحفظها إلا كل مؤمن، ثم قرأ (قل لا أسألكم عليه أجرأ إلا المودة في القربى). * وقال الامام فخر الدين الرازي: روي انه قيل: يا رسول الله من قرابتك الذين


(1) محمد بن محمد بن محمود بن محمد بن محمد بن مودود، شمس الدين الجعفري البخاري (746 - 822 ه‍): فقيه حنفي عالم بالتفسير من أهل بخارى جاور بمكة ومات بها أو بالمدينة له كتب منها " فصل الخطاب لوصل الاحباب " مخطوط - الاعلام للزركلي 7 / 44. وقد خرجنا ما فيه في تضاعيف الكتاب. (2) الشورى / 23. (*)

[ 138 ]

وجبت علينا مودتهم ؟ فقال: علي وفاطمة وابناهما. فثبت أن هؤلاء الاربعة هم المخصوصون بمزيد المودة والتعظيم لوجوه: الاول: هذه الآية. الثاني: إنه (ص) كان يحبهم وثبت ذلك بالنقل المتواتر وبالعقل، فيجب على كل الامة اتباعه، لقوله تعال (واتبعوه لعلكم تهتدون) (1). والثالث: إن الدعاء للآل منصب عظيم، وقد جعل هذا في خاتمة التشهد في الصلاة، وهذا التعظيم لم يوجد في غير الآل. وقال الامام الشافعي: يا راكبا قف بالمحصب من منى * واهتف بساكن خيفها والناهض إن كان رفضا حب آل محمد * فليشهد الثقلان أني رافضي (انتهى). * وقال بعض العارفين: ثمرة مودة أهل بيت النبي (ص) وقرابته عائدة الى أنفسهم، لكونها سبب نجاتهم كما قال تعالى: (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم) (2) إذ المودة تقتضي المناسبة الروحانية المستلزمة لاجتماعهم في الحشر، كما في حديث " المرء مع من أحب)، ولا يمكن لمن تكدر روحه، وبعدت عنهم مرتبته أن يحبهم بالحقيقة وبصميم القلب، ولا يمكن لمن تنور روحه أن لا يحبهم، لكونهم مخلوقين من طينة أهل بيت النبوة، ومعادن الولاية والفتوة، ولا يحبهم إلا من يحب الله ورسوله، ولو لم يكونوا محبوبين في العناية الاولى من الله تعالى فما أحبهم رسوله، إذ محبته عين محبة الله تعالى في صورة التفصيل


(1) الاعراف / 158. (2) سبأ / 47. (*)

[ 139 ]

بعد كونها في الاجمال. والاربعة المذكورون في الحديث " علي وفاطمة وابناهما " خصوا بالذكر ولم يحرض النبي (ص) أمته على محبة غيرهم كتحريضه على محبة هؤلاء. وأولادهم السالكون بسبيلهم، التابعون لهداهم، هم في حكمهم في وجوب المودة فيهم، وكذا حرض النبي (ص) أمته على الاحسان إليهم، ونهى عن ظلمهم وإيذائهم. وفي الحديث: " حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ". و " من اصطنع صنيعة الى أحد من ولد عبد المطلب، ولم يجازه عليها فأنا أجازيه غدا إذا لقيني يوم القيامة ". قال تعالى: (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) (1) أي من يقترف محبة آل الرسول نزد له في متابعته لهم في طريقهم حسنا، لان تلك المحبة لا تكون إلا لصفاء الاستعداد، ونقاء الفطرة، وذلك يوجب التوفيق لحسن المتابعة لهم، وقبول الهداية منهم، الى مقام المشاهدة، فيصير صاحب المحبة من أهل الولاية، ويحشر معهم في القيامة. وروى الامام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره: عن الامام محمد بن أسلم الطوسي، عن يعلى بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي (ض) قال: قال رسول الله (ص): من مات على حب آل محمد مات شهيدا. ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له.


(1) الشورى / 23. (*)

[ 140 ]

ألا ومن مات على حب آل محمد فتح في قبره بابان من الجنة. ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة، ثم منكر ونكير. ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس الى بيت زوجها. ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله تعالى زوار قبره ملائكة الرحمة. ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة. ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله. ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة. وفي جامع الاصول: عن زيد بن أرقم (ض) قال: قال رسول الله (ص) لعلي وفاطمة والحسن والحسين: أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم. (أخرجه الترمذي). * وروى أبو حازم عن أبي هريرة أنه قال: نظر رسول الله (ص) الى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم. * وروى الامام أبو إسحاق الثعلبي: عن أبي عبد الله الحافظ باسناده، عن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي (رضي الله عنهم) قال: شكوت الى رسول الله (ص) حسد الناس بي فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة: أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا، وشمائلنا، وذرياتنا خلف أزواجنا ؟. قال أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي في كتابه " نوادر الاصول ": حدثنا عبيد بن خالد قال: حدثنا محمد بن عثمان البصري قال: حدثنا محمد


[ 141 ]

ابن الفضيل، عن محمد بن سعد بن أبي طيبة، عن المقداد بن الاسود (ض) قال: قال رسول الله (ص): معرفة آل محمد براءة من النار، وحب آل محمد جواز على الصراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب. أيضا هذا الحديث في الشفاء مذكور. * وفي " نوادر الاصول ": حدثنا نصر بن عبد الرحمن الوشا. قال: حدثنا زيد بن الحسن الانماطي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهم) قال: رأيت رسول الله (ص) في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصوى يخطب، فسمعته يقول: يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي. أيضا أخرجه الترمذي. وفي " نوادر الاصول ": حدثنا أبي قال: حدثنا زيد بن الحسين قال: حدثنا معروف بن خربوز المكي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد الغفاري (رضي الله عنهما) قال: لما صدر رسول الله (ص) من حجة الوداع خطب فقال: يا أيها الناس إنه قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر النبي الذي يليه من قبل، وإني أظن أني يوشك أن أدعى فأجيب، وإني فرطكم على الحوض، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما: الثقل الاكبر كتاب الله (عزوجل)، سبب طرفه بيد الله تعالى وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به ولا تضلوا ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي،


[ 142 ]

فانه قد أنبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. وفي نوادر الاصول: حدثنا أبي قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا ابن نمير، عن موسى بن عبيدة، عن أياس بن سلمة بن الاكوع، عن أبيه (ض) قال: قال رسول الله (ص): النجوم أمان لاهل السماء وأهل بيتي أمان لامتي. وفي نوادر الاصول: حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني، قال: حدثنا المؤمل بن عبد الرحمن الثقفي، عن عباد بن عبد الصمد، عن أنس بن مالك (ض) قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله أي الاعمال أفضل ؟ قال: العلم بالله وأحكامه. ثم أتاه فسأله فقال مثل ذلك. فقال: يا رسول الله أنا أسألك عن العمل. فقال: إن العلم ينفعك معه قليل العمل وكثيره، وإن الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره. وفي جامع الترمذي رحمه الله: عن أبي سريحة الصحابي، وهو حذيفة بن أسيد، أو زيد بن أرقم (رضي الله عنهما) - شك شعبة - عن النبي (ص) انه قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. * وروى الترمذي عن بريدة (ض) إن النبي (ص) قال: إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم. قيل: يا رسول الله سمهم لنا. قال: علي منهم، يقول ذلك ثلاثا، وأبو ذر والمقداد وسلمان، أمرني بحبهم وأخبرني انه يحبهم. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.


[ 143 ]

عن حبش بن جنادة قال: قال رسول الله (ص): علي مني وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي. (رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وعن أم عطية (رضي الله عنها) قالت: بعث النبي (ص) جيشا فيهم علي بن أبي طالب، فسمعته وهو رافع يديه يقول: اللهم لا تمتني حتى تريني عليا. رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وفي المعارف قال النبي (ص): يا علي خذ الباب لا يدخل أحد فان الملائكة يأخذون مني. قال علي: سمعت أصواتهم وقلت له (ص) بعدما ذهبوا: إنهم ثلاثمائة وثلاثون ملكا. قال: بم عرفت ؟ قلت: سمعت ثلاثمائة وثلاثون صوتا متغايرة. فوضع يده على صدري وقال: زادك الله إيمانا وعلما. قال الامام تاج الاسلام الخدآبادي البخاري في أربعينه: روى هذه الابيات عن علي (ض): سبقتكم إلى الاسلام طرا * غلاما ما بلغت أوان حلمي محمد النبي أخي وصهري * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يضحي ويمسي * يطير مع الملائك ابن أمي وبنت محمد سكني وعرسي * منوط لحمها بدمي ولحمي


[ 144 ]

وسبطا أحمد ولداي منها * فايكم له سهم كسهمي وأوجب بالولاية لي عليكم * رسول الله يوم غدير خم شهد مع رسول الله (ص) بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وخيبر وفتح مكة وحنينا والطائف وسائر المشاهد إلا تبوك فان النبي (ص) استخلفه على المدينة، وله في جميع المشاهد آثار مشهورة. قالوا: أعطاه النبي (ص) اللواء في المواطن الكثيرة. وقال سعيد بن المسيب: أصابت عليا (ض) يوم أحد ست عشر ضربة. وأحواله في الشجاعة وآثاره في الحروب مشهورة. وأما علمه فكان بالمحل العالي يعترف الخواص والعوام بكثرة علمه. قال ابن المسيب: ما كان أحد من الامة يقول " سلوني " غير علي (ض). قال ابن عباس (رضي الله عنهما): لقد أعطي لعلي تسعة أعشار العلم، ووالله لقد شاركهم في العشر الباقي. قال ابن عباس: إذا ثبت لنا شئ عن علي لم نعدل الى غيره. وسؤال كبار الصحابة ورجوعهم الى فتواه وأقواله في المواطن الكثيرة والمسائل المعضلات مشهور. وأما زهده فهو من الامور المشهورة التي اشترك في معرفتها الخاص والعام. وفي مسند الامام أحمد بن حنبل رحمه الله وغيره أنه قال: لقد رأيتني أني لاربط الحجر على بطني من الجوع وإن صدقتي تبلغ اليوم أربعة آلاف دينار، وفي رواية: أربعين ألف درهم. قال العلماء: لم يرد به زكاة مال يملكه وإنما أراد الاوقاف التي تصدق وجعلها صدقة جارية، وكان الحاصل من غلتها يبلغ هذا القدر.


[ 145 ]

وقالوا: لم يدخر علي (ض) قط ما يقارب هذا المبلغ ولم يترك حين توفي إلا ستمائة درهم، وكان عليه إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم والاحاديث الواردة في الصحاح في فضله كثيرة. ولما دخل الكوفة قال له بعض حكماء العرب: لقد زينت الخلافة وما زينتك، وهي أحوج اليك منك إليها. وإنه علم السنة والشهر والليلة التي يقتل فيها. ولما خرج لصلاة الصبح صاح الاوز في وجهه فطردوهن فقال: دعوهن فانهن نوايح. فلما ضربه ابن ملجم - أشقى الخوارج - قال علي (ض): " فزت ورب الكعبة ". وضربه بسيف مسموم في جبهته المباركة ليلة السابع عشر من شهر رمضان، وتوفي ليلة التاسع عشر منه، سنة أربعين، وغسله الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية، وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب ليس له قميص ولا عمامة. قالوا: ولما فرغ من وصيته قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم لم يتكلم إلا بلا إله إلا الله حتى توفي (ض). وكان عنده فضل من حنوط رسول الله (ص) وأوصى أن يحنط به، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة على الاصح وهو قول الاكثرين. وروى الحاكم عن أبي عبد الله الحافظ: أنه بلغه قال علي للحسن والحسين (رضي الله عنهم): إذا مت أنا فاحملاني على سرير، ثم اتيا بي الغري - وهو نجف الكوفة - فانكما تريان صخرة بيضاء تلمع نورا، فاحتفرا فانكما تجدان فيها ساحة فادفناني فيها. وروى ابن أبي الدنيا: انه خرج بعض من الصيادين زمن هارون الرشيد من الكوفة متصيدا بناحية الغري، فلجأت الظباء الى ناحية من الغري فقال:


[ 146 ]

أرسلنا عليها الصقور والكلاب، فرجعت الكلاب والصقور، فأخبرنا الرشيد، فكان يزوره في كل عام. وقال زين الدين أبو الرشيد الحافظ: لم يزل قبر علي (ض) مختفيا الى زمن الرشيد، ثم ظهر بالغري بظاهر الكوفة ويزوره الى اليوم الناس، وصار قبره مأوى كل لهيف وملجأ كل هارب. وفي شرح الكرماني لصحيح البخاري: كان علي (كرم الله وجهه) حسن الوجه كأن القمر ليلة البدر، ضحوك السن. وفي الاربعين لتاج الاسلام الخدآبادي البخاري: كان علي (ض) حسن الوجه، شديد الادمة، مربوعا، أصلع، عظيم العينين، عظيم البطن، كثير الشعر، طويل اللحية، قد ملات ما بين منكبيه، خضب بالحنا مرة، ولم يكن أعضاؤه وأطرافه مستوية متناسبة، حتى وصفه بعضهم وقال: كأنه كسرت أعضاؤه ثم جبرت. وضمه رسول الله (ص) الى نفسه في القحط الذي كان بمكة قبل البعثة، وتولى تربيته وعلمه. وعن عبد الله بن العباس (رضي اله عنهما) قال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلا له ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب علم الظاهر والباطن. عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: أوتي عمر بن الخطاب (ض) بامرأة مجنونة حبلى قد زنت، فأراد عمر بن الخطاب أن يرجمها، فقال له علي: يا أمير المؤمنين أما سمعت ما قال رسول الله (ص): رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون حتى يبرء، وعن الغلام حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ. فخلى عنها. وفي عدة من المسائل رجع عمر الى قول علي (رضي الله عنهما) فقال عمر: " عجزت النساء أن يلدن مثل علي ".


[ 147 ]

و (لولا علي لهلك عمر). ويقول أيضا: " أعوذ بالله من معضلة ليس فيها علي ". وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي النيشابوري في كتابه (تاريخ مشايخ الصوفية ": قال الشيخ جنيد قدس سره: إن أمير المؤمنين علي (ض) لو تفرغ الينا عن الحروب لوصل الينا عنه من هذا العلم مالا يقوم له القلوب. وقال أيضا: صاحبنا في هذا الامر الذي أشار الى ما تضمنه القلوب وأومأ الى حقائقه بعد نبينا (ص) علي بن أبي طالب (ض) وجعفر الصادق (ض) فاق جميع أقرانه من أهل بيته (انتهى). وفي شرح التعرف: إن عليا (ض) رأس كل العرفاء باتفاق الامة، وله كلام ما قال أحد قبله ولا بعده، وذلك لما صعد على المنبر وقال: سلوني، فان ما بين جنبي علما جما، هذا لعاب رسول الله (ص) في فمي، هذا ما زقني رسول الله (ص) زقا زقا، فوالذي نفسي بيده لو أذن لي في التوراة والانجيل فأخبرت بما فيهما فصدقاني على ذلك. واعلم أن أولاد أمير المؤمنين علي (رضي الله عنهم) في أكثر الروايات " خمسة وثلاثون " ولدا، ذكورهم تسعة عشر. وكان الحسن والحسين وزينب ورقية، وهي أم كلثوم، أمهم فاطمة الزهراء (رضي الله عنهم). وكانت زينب زوجها أبوها ابن أخيه عبد الله بن جعفر الطيار، فولدت له عليا، وعونا، وعباسا، وغيرهم. وأما رقية وهي أم كلثوم، زوجها العباس بن عبد المطلب بعمر بن الخطاب


[ 148 ]

برضاء أبيها (رضي الله عنهم). وأعقابه من خمسة أبنائه أبو محمد الحسن السبط، وأبو عبد الله الحسين السبط، وأبو القاسم محمد بن الحنفية، امه خولة بنت جعفر بن قيس من بني حنيفة، وأبو القاسم عمر، أمه أم حبيب بنت الصهباء الثعلبية، وأبو الفضل العباس، أمه أم البنين الكلابية. * ويقول مؤلف هذا الكتاب: إن محمد بن الحنفية دخل في غار جبل بالطائف المسمى بجبل رضوى، ثم لم يخرج منه كما في التواريخ. وأما أبو القاسم عمر فتربته في نهاوند من أرض العجم. وأما أبو الفضل العباس فتربته في كربلا. وذريات أبو القاسم محمد بن الحنفية في بلاد ما وراء النهر وبلخ كثيرون، وسلطان العارفين خواجه أحمد يسوى، وإسماعيل أتا، ومير حيدر من ذرياته الطاهرة، وهما أيضا من أهل الولاية والعرفان وأصحاب الكرامات (قدس الله أسرارهم ورفع درجاتهم ووهب لنا بركاتهم وفيوضاتهم وسعاداتهم). وينسب جماعة الى إسماعيل أتا، وجماعة الى مير حيدر، فيقال: إنهم إسماعيل أتاي وإنهم مير حيدري. (انتهى). والعقب من ولد عبد الله بن جعفر من علي، والعقب من ولد علي في محمد وإسحاق وأم محمد بنت عبد الله بن العباس، ومن محمد كثر الجعفري وفيه قيل: قضى الله أن الجعفري محمدا * هو البدر ذو الاشراق بين الكواكب


[ 149 ]

قالوا: ثلاثة بنو أعمام في زمن واحد كل منهم يسمى عليا، ثم بنوهم ثلاثة يسمى كل منهم محمدا، وكل منهم سيد جليل عالم عابد يصلح للامامة، وهم محمد بن علي بن الحسين أبو جعفر الباقر، ومحمد بن علي بن جعفر الطيار، ومحمد بن علي بن عبد الله بن العباس (رضي الله عنهم) وهذه فضيلة لا يشاركهم فيها أحد. والمؤلف يشرح: ولما صلى علي (كرم الله وجهه) الظهر بالكوفة فقال: أين عبد الله بن العباس لم يحضر الصلاة ؟ قالوا: هو في داره ولد له ولد ذكر فبه مشغول. فقال: أخبروه أن يأتيني بمولوده. فأتى به فأخذه ومسحه بيده المبارك وسماه باسمه علي وقال: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب، بلغ رشده، ورزقت بره. ثم قال: خذ مني اليك أبا الاملاك. فهو والد محمد، ومحمد من الفقهاء السبعة في المدينة، وهو والد أبي العباس عبد الله الملقب بالسفاح، وأبي جعفر المنصور الملقب بالدوانيقي، وهما أول الخلفاء العباسية، وبايع الناس أولا السفاح، وكان خليفة أربع سنين ونصف، وبنى بلدة قرب الكوفة وسماها (ها) شمية، ثم توفي بمرض الجدري، ثم بايع الناس أخاه أبا جعفر المنصور فبنى سور بغداد، كما في شرح نهج البلاغة. وفي الدر المنظم قال علي (كرم الله وجهه) في خطبة المسماة بخطبة البيان: يا أبا العباس كن إمام الناس ويا منصور تقدم الى بناء السور. أي سور بغداد، إشارة الى خلافتهما. (انتهى الشرح).


[ 150 ]

والجعفريون كثيرون في سمرقند وبخاري، منهم الامام أبو الحسن علي بن الحسن بن محمد الصفدي ممن سكن بخارى: كان إماما فاضلا مناظرا، توفي رحمه الله سنة إحدى وستين وأربعمائة. وفي كتاب السمعاني رحمه الله: أبو بكر محمد بن علي بن حيدر بن حمزة بن اسماعيل ابن عبد الله بن الحسن بن محمد بن جعفر بن القاسم بن إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر الطيار الجعفري، من أهل بخارى يحب الحديث وأهله، سمع منه الحافظ أبو عبد الله محمد البخاري، صاحب كتاب صحيح البخاري، وروى عنه أبو عمرو عثمان بن علي البيكندي ببخارى، وذكره عبد العزيز بن محمد النخشبي من شيوخه. قال الامام النووي المحدث: ولما استشهد جعفر (ض). بأرض الشام مؤته على مرحلتين من بيت المقدس، ورأى النبي (ص) عبد الله بن جعفر بعد رجوعه من الغزوة قرب المدينة ركبه على ناقته، وجعله في قدامه، ودعا له وقال: اللهم اخلف جعفرا في عقبه، وأردف قثم بن العباس فاستشهد بسمرقند. وتوفي عبد الله بن جعفر الطيار (رضي الله عنهما) بالمدينة سنة ثمانين من الهجرة، وهو الصحيح. وقال جماعة: توفي سنة تسعين. وهو الجواد ابن الجواد، ولم يبايع النبي (ص) من لم يحتلم إلا الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن العباس (رضي الله عنهم). وقال مسلم بن قتيبة في كتابه " المعارف ": أولاد عبد الله بن جعفر الطيار سبعة عشر ولدا ذكورا وبنتين، منهم علي والعباس وعون الاكبر وجعفر الاكبر، أمهم زينب بنت علي من فاطمة الزهراء (رضي الله عنهم)، ومن البنين إسماعيل


[ 151 ]

وإسحاق والقاسم لامهات الاولاد (رضي الله عنهم). فأولاد الحسن السبط بن علي (رضي الله عنهم) الحسن المثنى بن الحسن، وزيد ابن الحسن، والحسين بن الحسن، وعمر بن الحسن. وأما أعقاب الحسن السبط فمن عبد الله المحض، شيخ العترة عمره مائة سنة، ابن الحسن المثنى بن الحسن السبط، وإبراهيم بن الحسن المثنى، والحسن المثلث ابن الحسن المثنى، وأمهم فاطمة بنت الحسين (رضي الله عنهم)، وجعفر بن الحسن المثنى وداود بن الحسن المثنى، وأمهما أم الولد، فهؤلاء الخمسة لهم أعقاب. والسادس حسن بن زيد بن الحسن السبط، له سبعة أبناء، أعقب كل واحد منهم. وأما عمر بن الحسن الاول فلم يعتب. وأما الحسين بن الحسن الاول فله بنت هي فاطمة أم إسماعيل بن جعفر الصادق (رضي الله عنهم). وكان للحسين (ض) ثلاثة أبناء وبنتين: علي الاصغر، وهو الامام زين العابدين، لقب بالاصغر لانه ولد في حياة جده، وعند وفاة جده كان ابن سنتين، فجده أمير المؤمنين علي الاكبر وهو الاصغر (رضي الله عنهما)، وفي حادثة كربلا كان ابن اثني وعشرين سنة، وكان عليلا بالاسهال، فلم يقدر أن يخرج إلى الحرب. أمه شهربانو بنت يزدجرد بن شهريار بن شبرويه بن پرويز بن هرمز بن انوش - روان، الملك العادل، آتوها مع أختها كيهان بانو من حدود فارس في خلافة عثمان بن عفان (ض) فأراد أن يبيعهما، قال له علي (كرم الله وجهه):


[ 152 ]

لا يعامل في بني الملوك معاملة سائرهم. فتزوج الحسين شهربانو، فولدت له علي الاصغر، وتزوج محمد بن أبي بكر كيهان بانو، فولدت له القاسم. قالوا: أنظر الى بركة العدل حيث جعل الله - تبارك وتعالى - الائمة المهديين من نسل الحسين (رضي الله عنهم) من بنت يزدجرد المنتسب الى كسرى أنوش - روان الملك العادل دون سائر زوجاته. وواحد من البنين: علي الاكبر، فاستشهد بالحرب وعمره ثمانية عشر، وأمه ليلى بنت مرة بن عروة بن مسعود الثقفي. وواحد منهم: عبد الله، كان طفلا أصابه سهم فاستشهد. وفاطمة وسكينة، وأما فاطمة فخرجت إلى ابن عمها الحسن المثنى فولدت له ثلاثة: عبد الله المحض وإبراهيم والحسن المثلث. وأما سكينة فخرجت الى مصعب بن الزبير. وكان الحسين يحب سكينة وأمها (رضي الله عنهم) وهي رباب الكلبية، وفيهما قال الحسين (رضي الله عنهم): لعمرك إنني لاحب دارا * تحل بها سكينة والرباب والعقب من ولد الحسين (ض) في ولد واحد، وهو الامام زين العابدين (ض)، وأولاده عشرون، أحد عشر ابنا وتسع بنات، منهن فاطمة، سكينة وخديجة، فخديجة خرجت الى محمد بن عمر بن علي (رضي الله عنهم) فولدت له عدة أولاد. وأما أعقاب الامام زين العابدين، فمنهم أبي جعفر محمد الباقر، أمه أم عبد الله بنت الحسن السبط، وزيد الشهيد المصلوب بالكوفة، وهو جد شرفاء اليمن، وعبد الله الباهر وتربته في الموصل، وعمر الاشرف، والحسين الاصغر، وعلي، فمن هؤلاء الستة لزين العابدين (رضي الله عنهم) أعقاب.


[ 153 ]

وسائر أبنائه الحسن، والحسين الاكبر، والقاسم، وسليمان، وعبد الرحمن (رضي الله عنهم). والعقب من ولد واحد، وهو جعفر الصادق (رضي الله عنهما) وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر (رضي الله عنهم). وأعقب كل واحد من أولاد جعفر الصادق (رضي الله عنهم) هم: إسماعيل، جد الخلفاء الفاطميين في المغرب ومصر، ومصر الجديد من بنائهم، وموسى الكاظم، ومحمد الديباج، وإسحاق، وعلي وتربته خارج بلد قم قرب باب الجنوبي (رضي الله عنهم). وحج الحسين (ض) خمسة وعشرين حجة ماشيا، ولما استشهد، استشهد معه عثمان وأبو بكر وجعفر وعباس، كلهم أبناء علي (رضي الله عنهم)، وكانت أمهم أم البنين الكلبية، وإبراهيم بن علي لام ولد، وعبد الله بن الحسن المجتبى، وخمسة من ولد عقيل، وعون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر الطيار، فجميعهم سبعة عشر رجلا، واثني عشر غلاما من بني هاشم. قالت فاطمة بنت عقيل ترثيه: عين ابكي بعبرة وعويل * واندبي إن ندبت آل الرسول ستة كلهم لصلب علي * قد أصيبوا وخمسة لعقيل فمن أئمة أهل البيت الامام زين العابدين (ض). * قال الزهري: ما رأيت قرشيا أفضل من علي بن الحسين (رضي الله عنهما). * وروى نحوه عن جماعة من السلف، منهم سعيد بن المسيب وقال: بلغني أنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة الى أن توفي.


[ 154 ]

* وسمي زين العابدين لكثرة عبادته، وكان الزهري إذا ذكر علي بن الحسين (ض) يبكي ويقول: زين العابدين. * وإنه إذا توضأ اصفر لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء ؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم. * وعن سفيان بن عيينة قال: حج زين العابدين ؟ فلما أحرم اصفر لونه، وعرضت عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبي، فسئل عنه، قال: أخشى أن أقول لبيك فيقول لي: لا لبيك. فلما لبى غشي عليه، وسقط من راحلته، فلم يزل يعترضه ذلك حتى قضى حجه. وكان إذا هاجت الريح سقط مغشيا عليه. * ووقع حريق في بيت هو فيه ساجد وقالوا: يابن رسول الله، النار النار، فما رفع رأسه، وطفي النار. فقيل له في ذلك قال: ألهتني عنها نار الاخرى. * وكان يقول: إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وآخرين عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وآخرين عبدوه شكرا فتلك عبادة الاحرار. وكان لا يحب أن يعينه أحد على طهوره، ويجعل هو الماء مهيأ لطهوره، وهو يستر فم الاناء في الليل، فإذا قام من الليل بدأ بالسواك ويتوضأ ويصلي، ويقضي ما فاته من ورد النهار. وافترى رجل عليه فقال له: إن كنت كما قلت فاستغفر الله تعالى، وإن لم أكن كما قلت فغفر الله لك. فقام الرجل وقبل رأسه وقال: يابن رسول الله، لست كما قلت، فاستغفر لي. قال: غفر الله لك.


[ 155 ]

فقال الرجل: الله يعلم حيث يجعل رسالته. وكان (ض) يقول: أيها الناس أحبونا بحب الاسلام وبحب نبيكم، فما برح بنا حبكم من غير التقوى حتى صار علينا عارا. وقال لرجل: بلغ شيعتنا إنا لا نغني عنهم من الله شيئا، وإن ولايتنا لا تنال إلا بالورع. وقال: معاشر الناس أوصيكم بالآخرة، ولا أوصيكم بالدنيا. وكان إذا مشى لا يجاوز يده ركبته، وكان شديد الاجتهاد في العبادة، فأضر ذلك بجسمه، فقال له ابنه محمد الباقر: يا أبت كم هذا الجد والجهد والذوب ؟ فقال: ألا تحب أن يزلفني ربي. وكان إذا ناول المسكين الصدقة قبله ثم ناوله. وكان له مسجد في بيته يتعبد فيه، وإذا كان من الليل ثلثه أو نصفه نادى بأعلى صوته: اللهم إن هول المطلع، والوقوف بين يديك أوحشني من وسادي، ومنع رقادي. ثم يضع خديه على التراب، فيجئ إليه أهله وولده يبكون حوله ترحما له وهو لا يلتفت إليهم ويقول: اللهم إني أسألك الروح والراحة حين ألقاك وأنت عن&