بحار الأنوار

المجلد الواحد وثلاثون

تأليف

العلامة المجلسي

فهرس الكتالب

الطعن الرابع عشر

الطعن الخامس عشر

الطعن السادس عشر

الطعن السابع عشر

الطعن الثامن عشر

الطعن التاسع عشر

[24] باب نسب عمر وولادته ووفاته وبعض نوادر أحواله

وأما مقتله وكيفية قتله

باب نادر 

[25] باب تفصيل مثالب عثمان وبدعه والاحتجاج بها على المخالفين بما رووه في كتبهم وبعض أحواله

الطعن الأول

الطعن الثاني

الطعن الثالث

الطعن الرابع

الطعن الخامس

الطعن السادس

الطعن السابع

الطعن الثامن

الطعن التاسع

الطعن العاشر

الطعن الحادي عشر

الطعن الثاني عشر

الطعن الثالث عشر

الطعن الثامن عشر

الطعن العشرون

تذييل وتتميم

نكير أبي بن كعب

نكير أبي ذر

نكير عمار بن ياسر

نكير عبد الله بن مسعود

نكير حذيفة بن اليمان

نكير المقداد

نكير عبد الرحمن بن حنبل و طلحة بن عبيد الله

نكير الزبير بن العوام و عبد الرحمن بن عوف

نكير عمرو بن العاص

نكير محمد بن مسلمة الانصاري

نكير أبي موسى و جبلة بن عمرو الساعدي

نكير جهجاه بن عمرو الغفاري

نكير عائشة

[26] باب الشورى واحتجاج أمير المؤمنين صلوات الله عليه على القوم في ذلك اليوم

[27] باب احتجاج أمير المؤمنين صلوات الله عليه على جماعة من المهاجرين والانصار لما تذاكروا فضلهم في أيام خلافة عثمان وغيره مما احتج به في أيام خلافة خلفاء الجور وبعدها

[28] باب ما جرى بين أمير المؤمنين صلوات الله عليه وبين عثمان وولاته وأعوانه وبعض أحواله

[29] باب كيفية قتل عثمان وما احتج عليه القوم في ذلك ونسبه وتاريخه

[30] باب تبرئ أمير المؤمنين عليه السلام عن دم عثمان وعدم إنكاره أيضا

[31] باب ما ورد في لعن بني أمية وبني العباس وكفرهم

[32] باب ما ورد في جميع الغاصبين والمرتدين مجملا

تتميم

فنقول: فمما ورد في أبي بكر

ومما ورد في الخليفة الثاني عمر

ومما ورد في عثمان

ومما ورد فيهما أو فيهم..

ومما ورد في عائشة وحفصة وبني أمية

ومما ورد في أعداء آل محمد صلوات الله عليهم واللعنة على أعدائهم، وفي الاستهزاء بهم أو إيذائهم: ولنختم الكلام في الاشارة إلى بعض الروايات مما يدل على المراد عموما، وهي كثيرة جدا، نتبرك ببعضها

 

 


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار


[3]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس سره) الجزء الحادى والثلاثون تحقيق الشيخ عبد الزهراء العلوي دار الرضا بيروت - لبنان


[5]

عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) (الاحزاب: 4) ; قال علي بن أبي طالب عليه السلام: لا يجتمع حبنا وحب عدونا في جوف إنسان، إن الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه، فيحب بهذا ويبغض بهذا، فأما محبنا فيخلص الحب لنا كما يخلص الذهب بالنار لا كدر فيه، فمن أراد أن يعلم حبنا فليمتحن قلبه، فإن شاركه في حبنا حب عدونا فليس منا ولسنا منه، والله عدوهم وجبرئيل وميكائيل والله عدو للكافرين. بحار الانوار: 27 / 51 - حديث 1. تفسير القمي: 514 (2 / 171 - 172)


[6]

عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لانك لا تجد رجلا يقول: أنا أبغض محمدا وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم إنكم تتولونا وإنكم من شيعتنا. علل الشرايع: 200 ثواب الاعمال: 200 معاني الاخبار: 104 قريب منه. بحار الانوار: 27 / 232 - 233 حديث 42


[7]

الطعن الرابع عشر:

أنه أبدع في الدين بدعا كثيرة: منها: صلاة التراويح، فإنه كانت بدعة (1)، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أيها الناس ! إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من الناقلة جماعة بدعة (2)، وصلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجمعوا ليلا في شهر رمضان في النافلة، ولا تصلوا صلاة الضحى، فإن قليلا في سنة خير من كثير في بدعة، ألا وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار (3). وقد روي أن عمر خرج في شهر رمضان ليلا فرأى المصابيح في المسجد، فقال: ما هذا ؟ فقيل له: إن الناس قد اجتمعوا لصلاة التطوع، فقال: بدعة ونعمت البدعة (4). وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام لما اجتمعوا إليه بالكوفة فسألوه أن


(1) نص الباجي والسيوطي والسكتواري وغيرهم على أن أول من سن التراويح عمر بن الخطاب، كما في محاضرات الاوائل: 149 - طبع سنة 1311 - و: 98 - طبع سنة - 1300. وشرح المواهب للرزقاني 7 / 149. (2) وكذا صرح الباجي والسيوطي والسكتواري وغيرهم بأن إقامة النوافل بالجماعات في شهر رمضان من محدثات عمر. انظر: طرح التثريب 3 / 92. (3) جاءت في الشافي 4 / 219، وشرح ابن أبي الحديد 12 / 283. وذيلها مستفيضة عند العامة وضرورية من ضروريات المذهب عند الخاصة. انظر: سنن أبي داود 2 / 261، ومقدمة سنن ابن ماجة: 46، وغيرهما. (4) ذيل الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 4 / 218 في صلاة التراويح باب فضل من قام رمضان، ومالك في الموطأ 1 / 114 في الصلاة في رمضان باب ما جاء في قيام رمضان. وأورده ابن الاثير في جامع الاصول 6 / 122 حديث 4222، والقسطلاني في إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري 5 / 4، وقال: سماها بدعة لان رسول الله (ص) لم يسن لهم الاجتماع لها، ولا كانت في زمن الصديق، ولا أول الليل، ولا هذا العدد !.

[8]

ينصب له (1) إماما يصلي بهم نافلة شهر رمضان، زجرهم وعرفهم أن ذلك خلاف السنة، فتركوه واجتمعوا لانفسهم وقدموا بعضهم، فبعث إليهم الحسن عليه السلام، فدخل عليهم المسجد ومعه الدرة، فلما رأوه تبادروا الابواب وصاحوا: وا عمراه ؟ !. هذه الروايات أوردها السيد رحمه الله في الشافي (2). وحاصل الاستدلال أن التراويح كانت بدعة جماعتها، بل أصلها، و (3) وضعها وأمر بها عمر وكل بدعة حرام، أما الاولى فلاعترافه بكونه بدعة كما مر. وروى عنه صاحب النهاية (4) وغيره (5) من علمائهم. وروى البخاري (6) ومسلم (7) في صحيحهما، وصاحب جامع الاصول (8)، عن أبي سلمة أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه [وآله] في رمضان ؟. فقالت (9): ما كان (10) يزيد في رمضان ولافي غيرها على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل (11) عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا (12)، فقلت: يا رسول الله ! أتنام قبل أن


(1) كذا. والظاهر: لهم. (2) الشافي 4 / 219، وتلخيص الشافي 4 / 5، وغيرهما. (3) لا توجد الواوفي (ك)، وذكرت بعد أسطر من دون تعليم عليها: وهي بحاجة إلى الواو. (4) النهاية 1 / 106 - 107. (5) كالباجي والسيوطي والسكتواري والقسطلاني وصاحب محاضرات الاوائل وغيرهم كثير قد سلف منا في اول هذا الطعن، فليراجع. (6) صحيح البخاري 3 / 16 كتاب التهجد باب كيفية صلاة النبي (ص). (7) صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي (ص)، وقد أوردها والرواية الاتية برقم 736 و 738 [1 / 509]. (8) جامع الاصول 6 / 93 ضمن حديث 4198. (9) في المصادر: قالت. (10) في (س): كانت، وفي صحيح مسلم: قالت: ما كان رسول الله (ص). (11) في الجامع: لا تسأل - بدون فاء -. (12) هنا زيادة: قالت عائشة، جاءت في المصادر.

[9]

توتر ؟. قال: يا عائشة ! إن عيني تنامان ولا ينام قلبي. وروي مسلم (1) وصاحب الجامع (2) - أيضا -، عن أبي سلمة، قال: أتيت عائشة، فقلت: أي أمة ! أخبريني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه [وآله] ؟. فقالت: كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشر ركعة بالليل، منها ركعتا ورويا (3) رويات أخر قريبة من ذلك. وروى في جامع الاصول (4)، عن زيد بن ثابت، قال: احتجر النبي صلى الله عليه [وآله] حجيرة بخصفة أو حصير، قلا عفان: في المسجد، وقال عبد الاعلى: في رمضان، فخرج رسول الله صلى الله عليه [وآله] يصلي فيها، قال: فتبع (5) إليه رجال وجاؤا يصلون بصلاته، قال: ثم جاؤا إليه (6) فحضروا وأبطأ رسول الله صلى الله عليه [وآله] عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب (7) فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه [وآله] مغضبا، فقال لهم: ما زال بكم صنيعكم حتى طننت أنه ستكتب (8) عليكم، فعليكم بالصلاة في


(1) صحيح مسلم 1 / 510 بنصه، وقد تقدم. (2) جامع الاصول 6 / 94 ضمن حديث 4198. (3) صحيح مسلم - كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل 1 / 508 - 512، وجامع الاصول: 6، في صلاة الليل - الفرع الثالث: في صفتها: 77 - 108. (4) جامع الاصول 6 / 188 - 119 حديث 4218. (5) في المصدر: فتتبع. (6) في جامع الاصول نسخة: ليلة، بدلا من: إليه ز وهو الظاهر. (7) قال في الصحاح 1 / 12: الحصباء: الحصى.. وحصبت المسجد تحصيبا: إذا فرشته بها. أقول: أنه قد ضمن في هذه اللفظة معنى الجلوس، أي حصبوا وجلسوا في الباب، ويحتمل أن يكون المعنى: إنهم رموا الباب بالحصى ليخرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الاعلان، وهذا - وإن كان لا يليق بالمسلم العارف بحق النبي صلى الله عليه وآله بل بمن تأدب بآداب الاسلام - إلا أن أكثرهم كانوا لا يفقهون وينادونه (ص) من وراء الحجرات ز (8) في المصدر: سيكتب.

[10]

بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة. أخرجه البخاري (1) ومسلم (2) وأخرج أبو داود (3) ولم يذكر: في رمضان. وفي رواية النسائي (4): ان رسول صلى الله عليه [وآله] اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] فيها ليالي فاجتمع (5) إليه ناس ثم فقد (6) صوته ليلة فأنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج فلم يخرج، فلما خرج للصبح قال: ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة (7). وعن أنس (8)، قال: كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] يصلي (9) في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه وجاء رجل فقام أيضا حتى كنا رهطا، فلما أحس النبي صلى الله عليه [وآله] أنا خلفه جعل يتجوز (10) في الصلاة، ثم دخل رحله


(1) صحيح البخاري 10 / 430 كتاب الادب باب ما يجوز من الغضب، وجاء أيضا في كتاب الجماعة باب إذا كان بين الامام وبين القوم حائط أو سترة، وفي كتاب الاعتصام باب ما يكره من كثرة السؤال. (2) صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين باب استحباب صلاة النافلة في بيته حديث 781. (3) سنن أبي داود كتاب الصلاة باب فضل التطوع في البيت حديث 1447. (4) سنن النسائي 3 / 198 كتاب قيام الليل باب الحث على الصلاة في البيوت. ولا زال الكلام لابن الاثير في جامع الاصول. (5) في (ك) نسخة بدل: واجتمع. وفي الشافي نسخة: حتى اجتمع إليه الناس. (6) في جامع الاصول: فقدوا. (7) كما جاء في جامع الاصول 6 / 119 ذيل حديث 4218: وقد سلف قريبا. (8) في المصدر: يقدم. وهو الظاهر. (10) جاء في حاشية (ك): تجوز في صلاته: خفف. ذكره الفيروز آبادي. [منه (رحمه الله)]. انظر: القاموس 2 / 170.

[11]

فصلى صلاة لا يصليها عندنا، قلا: قلنا له حين خرج (1): أفطنت بنا (2) الليلة ؟. قال: نعم، ذاك الذي حملني على ما صنعت. وقد ذكر (3) أخبارا كثيرة نحوا مما ذكرنا تركناها لقلة الجدوى في تكرارها. فظهر من بعض (4) أخبارهم أنه صلى الله عليه وآله ما كان يزيد في شهر رمضان شيئا من النوافل، ومن بعضها أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يرض بإيقاع النافلة جماعة، فإبداع هذا العدد المخصوص في الشريعة (5) وجلعها سنة أكيدة بدعة لم يأمر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يأت بها، فظهر أن قول بعضهم - أن النبي صلى الله عليه وآله أتى بها ثم تركها من غير نسخ - لامستند له، ولو كانت سنة مرغوبا فيها ومندوبا إليها، فلم كان يتركه رسول الله صلى الله عليه وآله ويخرج إليهم مغضبا، ويقول: عليكم بالصلاة في بيوتكم ؟ ! ولا كان يترك صلاته ويهرب منهم، ولا خلاف في أن الجماعة - في كل صلاة تجوز فيها - عبادة، ولها فضل عظيم، فلو جازت في هذه الصلاة وفي غيرها من النوافل لما أغضبه الاجتماع، ولاكان يأمر بالصلاة في بيوتهم في غير المكتوبة. وأما التعليل الوارد في رواياتهم المروية عن الكذابين المشهورين فلا يخفى على عاقل أنه من مفترياتهم، وليس في أخبار أهل البيت عليهم السلام شئ من ذلك، فإن المواظبة على الخير والاجتماع على الفعل المندوب إليه ولا يصير سببا لان يفرض على الناس، وليس الرب تعالى غافلا عن وجوه المصالح حتى يتفطن بذلك


(1) في المصدر: فقلنا له حين أصبحنا. (2) في جامع الاصول: لنا، بدلا من: بنا. (3) ابن الاثير في جامع الاصول 6 / 114 - 125 من حديث 4215 - 4226، في قيام شهر رمضان، وهو التراويح. (4) لا توجد: بعض، في (س). (5) قال القسطلاني في شرح البخاري 5 / 4 عند قول عمر لصلاة التطوع جماعة: بدعة ونعمت البدعة -: لان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لم يسن لهم الاجتماع لها ولا كانت في زمن الصديق، ولا أول الليل، ولاهذا العدد.

[12]

الاجتماع، ويظهر له الجهة المحسنة لايجاب الفعل، وكيف أمرهم صلى الله عليه وآله مع ذلك الخوف بأن يصلوها في بيوتهم ؟ ولم لم يأمرهم بترك الرواتب خشية الافتراض (1). ثم المناسب لهذا التعليل أن يقول: خشيت أن يفرض عليكم الجماعة فيها، لاأن يفرض عليكم صلاة الليل، كما في بعض رواياتهم. وقد ذهبوا إلى أن الجماعة مستحبة في بعض النوافل كصلاة العيد والكسوف والاستسقاء والجنازة، ولم يصر (2) الاجتماع فيها سببا للافتراض، ولم ينه عن الجماعة فيها لذلك، فلو صحت الرواية لكانت محمولة على أن المراد النهي عن تكلف ما لم يأمر الله به، والتحذير من أن يوجب عليهم صلاة الليل لارتكاب البدعة في الدين، ففيه دلالة واضحة على قبح فعلهم وأنه مظنة العقاب، وإذا كان كذلك فلا يجوز ارتكابه بعد ارتفاع الوحي أيضا. وأما أن عمر ابتدعها، فلا خلاف فيه (3). وأما أن كل بدعة ضلالة، فقد استفيض (4) في أخبار الخاصة (5) والعامة.


(1) في (ك): الاقراض. (2) في (ك): لم يضر - بالضاد المعجمة -. (3) وقد صرح كل المخالفين: أنها من مبدعات عمر. انظر: تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي: 54، تاريخ ابن سمنة حوادث سنة 23 ه‍، تاريخ الخلفاء للسيوطي. وعدها من أوليات عمر في: طبقات ابن سعد 3 / 281، قال: وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة، وجعل للناس بالمدينة قارئين، قارئا يصلي بالرجال وقارئا يصلي بالنساء، وتاريخ الطبري 5 / 22، والكامل لابن الاثير 2 / 41. وقد تقدم في أول البحث عن محاضرات الاوائل، وإرشاد الساري وغيرهما. (4) كدا، والظاهر: استفاض. (5) فصلها شيخنا المصنف - رحمه الله - في بحار الانوار 2 / 261 و 263 و 266، 301، 309، 32 / 222 و 257، و 47 / 217، و 74 / 203، 77 / 122، و 78 / 217، وغيرها.

[13]

فروى مسلم (1) في صحيحه، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] يقول في خطبته: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الامور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (2). وروى البخاري (3) ومسلم (4)، عنه صلى الله عليه [وآله] أنه قال: من رغب عن سنتي فليس مني (5). ورويا (6) أيضا عنه صلى الله عليه [وآله]، أنه قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشئ أصنعه، فوالله إني لاعلمهم (7) بالله وأشدهم له خشية (8). ورويا (9) - أيضا - له، عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: من عمل عملا


(1) صحيح مسلم 12 / 37، وانظر: شرحه للنووي 4 / 266. (2) وقريب منه في صحيح البخاري كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، ونقله عنه ابن الاثير في جامع الاصول 1 / 298 حديث 74. (3) صحيح البخاري - كتاب النكاح 6 / 112 الحديث الاول [7 / 2 - دار الشعب]، وانظره في شرح القسطلاني إرشاد الساري 4 / 8، وشرح العسقلاني فتح الباري 9 / 90، وشرح العيني عمدة القاري 9 / 354. (4) صحيح مسلم 5 / 13، وشرحه النووي 5 / 94. (5) وذكره النسائي في سننه والدارمي كذلك في كتاب النكاح، وأورده احمد بن حنبل في مسنده 2 / 158، 3 / 241، 259 و 258 و 285، 5 / 409. (6) صحيح البخاري 8 / 136 [دار الشعب 9 / 120] كتاب الاعتصام، وجاء أيضا في 7 / 91 كتاب الادب. وانظر إرشاد الساري 10 / 378 و 9 / 77، وفتح الباري 13 / 235 و 10 / 427، وعمدة القاري 11 / 136 و 10 / 91، وصحيح مسلم 2 / 221 كتاب الفضائل، وشرحه للنووي 9 / 269 باختلاف يسير. (7) في صحيح البخاري: أعلمهم - بدون لام -. (8) أقول: جاء عن عائشة - كما أورده البخاري في كتاب البيوع أيضا باب النجش - معلقا، ووصله في كتاب الصلح 4 / 289 و 5 / 221، وصحيح مسلم كتاب الاقضية، باب نقص الاحكام الباطلة حديث 1718، وغيرهما. (9) صحيح البخاري 8 / 147 باب ما ذكر النبي (ص)..، وأورده القسطلاني في إرشاده 10 / 411، والعسقلاني في فتحه 13 / 276، والعيني في عمدته 11 / 498. وفي صحيح مسلم 2 / 42 كتاب الاقضية، وأورد شرحه النووي في شرح صحيح مسلم =

[14]

ليس عليه أمرنا فهورد (1) وحكى في جامع جامع الاصول (2)، عن الترمذي (3) وأبي داود (4)، عن العرباض ابن سارية: إياكم ومحدثات الامور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (5). وقال في فتح الباري - شرح البخاري - (6): قد أخرج احمد بسند جيد، عن عصيف بن الحارث، قال..: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: ما أحدث قوم بدعة إلا رفع من السنة مثلها. وأخبارنا في ذلك متواترة (7)، وما زعمه بعض فقهاء العامة (8) من انقسام البدعة بالاقسام الخمسة لاوجه له (9)، بل يظهر من عموم النصوص أن كل ما أحدث في الدين مما لم يرد في الشريعة خصوصا أو عموما فهو بدعة محرمة، فكل ما فعل على وجه العبادة ولم يكن مستفادا من دليل شرعي عام أو خاص فهو بدعة وتشريع، سواء كان فعلا مستقلا أو وصفا لعبادة متلقاة من الشارع، كفعل


= 7 / 335. (1) وجاء - أيضا - في سنن أبي داود كتاب السنة باب لزوم السنة 2 / 506، وأخرجه ابن ماجه في المقدمة تعظيم حديث رسول الله (ص) برقم 14، وحكاه ابن الاثير في جامع الاصول 1 / 289 - 290 حديث 75. (2) جامع الاصول 1 / 279 ذيل حديث 67. (3) سنن الترمذي كتاب العلم باب 16 حديث 2678. (4) سنن أبي داود كتاب السنة باب لزوم السنة حديث 4607. (5) وأخرجه أحمد بن حنبل في المسند 4 / 126 - 127، وابن ماجة في المقدمة برقم 42 باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، وانظر: جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب الحنبلي (6) فتح الباري 13 / 214. (7) بحار الانوار 2 / 261 - 268 روايات الباب 22. وانظر: ابحار 32 / 221، 257، وغيرهما. (8) كما ذكره القرافي في كتابه الفروق 4 / 202 - 205، والغزالي في إحياء العلوم 1 / 126. (9) قال الشهيد الاول في القواعد والفوائد 1 / 144 - 146، القاعدة [205] مانصه: محدثات الامور بعد عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تنقسم أقساما لا يطلق اسم البدعة عندنا إلا على ما هو محرم منها.. ثم قسم محدثات الامور إلى الاحكام الخمسة وذكر لكل منها شاهدا.

[15]

الواجب على وجه الندب وبالعكس، وإيجاب وصف خاص في عبادة مخصوصة، فلو أوجب أحد إيقاع الطواف مثلا جماعة، أو زعمه مستحبا، أو استحب عددا مخصوصا في الصلاة. وبالجملة، كل فعل أو وصف في فعل أتى به المكلف على غير الوجه الذي وردت به الشريعة، وتضمن تغيير حكم شرعي - وإن كان بالقصد والنية - فلا ريب في أنه بدعة وضلالة. وأما مادل عليه دليل شرعي سواء كان قولا أو فعلا عاما أو خاصا فهو من السنة. وقد ظهر من رواياتهم أن النبي صلى الله عليه وآله لم يصل عشرين ركعة يسمونها: التراويح، وإنما كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ولم يدل شئ من رواياتهم التي ظفرنا بها على استحباب هذا العدد المخصوص فضلا عن الجماعة فيها، والصلاة - وإن كانت خيرا موضوعا يجوز قليلها وكثيرها - إلا أن القول باستحباب عدد مخصوص منها في وقت مخصوص على وجه الخصوص بدعة وضلالة، ولاريب في أن المتبعون لسنة عمر يزعمونها على هذا الوجه سنة وكيدة، بل عزيمة، ويجعلونها من شعائر دينهم. ولو سلمنا انقسام البدعة بالاقسام الخمسة وتخصيص كونها ضلالة بالبدعة المحرمة، فلا ريب أن هذا مما عدوه من البدع المحرمة لما عرفت، والاقسام الاخرى من البدع التي عدوها ليست من هذا القبيل، بل هي مما ورد في الشريعة عموما أو خصوصا فلا ينفعهم التقسيم، والله الهادي إلى الصراط المستقيم. ومنها: أنه وضع الخراج على أرض السواد ولم يعط أرباب الخميس منها خمسهم، وجعلها موقوفة على كافة المسلمين (1)، وقد اعترف بجميع ذلك


(1) خمس أرض السواد المفتوحة عنوة للاصناف الستة التي استعرضتها آية الخمس من سورة الانفال، والاربعة - أخماس الاخرى - تكون للمسلمين قاطبة الفاتحين وغيرهم.

[16]

المخالفون، وقد صرح بها ابن أبي الحديد (1) وغيره، وكل ذلك مخالف للكتاب والسنة وبدعة في الدين. قال العلامة رحمه الله في كتاب منتهى المطلب (2): أرض السواد هي الارض المغنومة من الفرس التي فتحها عمر بن الخطاب، وهي سواد العراق، وحده في العرض من منقطع الجبال بحلوان (3) إلى طرف القادسية المتصل بعذيب من أرض العرب، ومن تخوم الموصل طولا إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة، فأما الغربي الذي يليه البصرة فأسلامي (4) مثل شط عثمان بن أبي العاص وما والاها كانت سباخا ومواتا فأحياها (5) ابن أبي العاص وسميت هذه الارض: سوادا، لان الجيش لما خرجوا من البادية رأوا هذه الارض والتفاف شجرها فسموها: السواد لذلك (6)، وهذه الارض فتحت عنوة، فتحها عمر بن الخطاب ثم بعث إليها بعد فتحه ثلاث أنفس: عمار بن ياسر على صلاتهم أميرا، وابن مسعود قاضيا وواليا على بيت المال، وعثمان بن حنيف على مساحة الارض، وفرض لهم في كل يوم شاة شطرها (7) مع السواقط لعمار، وشطرها للاخرين (8)،


(1) في شرحه على النهج 12 / 287. وقال فيه: فأما حديث الخراج فقد ذكره أرباب علم الخراج والكتاب وذكره الفقهاء أيضا في كتبهم. وانظر: سنن النسائي - كتاب الفئ - والجصاص في كتابه أحكام القرآن وغيرهم تجد نصوص كثيرة، ونص عليه السيوطي في الدر المنثور 3 / 158 والقوشجي في شرح التجريد: 108 وعده من مستحدثات عمر. (") منتهى المطلب 2 / 937 - 938 - حجرية -. (3) في المصدر: متى ينقطع الحال علوان. ولعله سهو في هذه النسخة. (4) في منتهى المطلب: قائما هو اسلامي، بدلا من: فإسلامي. (5) في المصدر زيادة: عثمان. (6) في منتهى المطلب: كذلك. (7) في المصدر: شاط تنظرها. (8) في (س): للاخر. وفي المصدر: وشطوها للاخرين. وجاءت فيه زيادة بعدها وهي: وقال: ما أرى قرنها يوجد منها كل يوم شاة لاسريع في خربها. وفيه أيضا: وفتح، بدلا من: ومسح.

[17]

ومسح عثمان بن حنيف أرض الخراج، واختلفوا في مبلغها (1)، فقال الساجي (2): اثنان وثلاثون ألف ألف جريب، وقال أبو عبيدة: ستة وثلاثون ألف ألف جريب، ثم ضرب على كل جريب نخل عشرة دراهم، وعلى الكرم ثمانية دراهم (3)، وعلى جريب الشجر والرطبة ستة دراهم، وعلى الحنطة أربعة دراهم، وعلى الشعير درهمين، ثم كتب (4) بذلك الا عمر فأمضاه (5). وروي أن ارتفاعهما كان في عهد عمر مائة وستين ألف ألف درهم، فلما كان زمن الحجاج إلى ثمانية عشر ألف ألف درهم (6)، فلما ولي عمر بن عبد العزيز رجع إلى ثلاثين ألف ألف درهم في أول سنة، وفي الثانية بلغ ستين ألف ألف درهم، فقال: لو عشت سنة أخرى لرددتها إلى (7) ما كان في أيام عمر، فمات في (8) تلك السنة، فلما أفضي الامر إلى أمير المؤمنين (ع) أمضى ذلك، لانه لم يمكنه أن يخالف ويحكم بما يجب عنده فيه. قال الشيخ - رحمة الله -: والذي يقتضيه المذهب أن هذه الاراضي وغيرها من البلاد التي فتحت عنوة يخرج خمسها لارباب الخمس وأربعة الاخماس الباقية تكون للمسليمن قاطلبة، الغانمون وغيرهم سواء في ذلك، ويكون للامام النظر فيها ويقبلها ويضمنها بما شاء ويأخذ ارتفاعهما (9) ويصرفه في مصالح المسلمين وما


(1) في المصدر: في مثلها. (2) في منتهى المطلب: الساحي. (3) لا توجد في المصدر: وعلى الكرم ثمانية دراهم. (4) في منتهى المطلب: تجب. ولا معنى لها. (5) وانظر: معجم البلدان 3 / 272 - 275، ومراصد الاطلاع 2 / 750 - 751. (6) لا توجد: درهم، في المصدر. (7) في المصدر لا توجد: إلى. (8) لا توجد في المصدر: في. (9) في المصدر: ارباعها.

[18]

ينوبهم من (1) سد الثغور وتقوية المجاهدين وبناء القناطر (2) وغير ذلك من المصالح، وليس للغانمين في هذه الارضين على وجه التخصيص شئ، بل هم والمسلمون فيه سواء، ولا يصح بيع شئ من (3) هذه الارضين ولاهبته ولا معاوضته ولا تملكه ولاوقفه ولا رهنه ولا أجارته ولا إرثه، ولا يصح أن يبنى دورا ومنازل ومساجد وسقايات ولاغير ذلك من أنواع التصرف الذي يتبع (4) الملك، ومتى فعل شئ من ذلك كان التصرف باطلا وهو باق على الاصل. ثم قال رحمه الله: وعلى الرواية التي رواها أصحابنا أن كل عسكر أو فرقه عزت (5) بغير أمر الامام فغنمت تكون الغنيمة للامام خاصة، تكون هذه الارضون وغيرها مما فتحت بعد الرسول صلى الله عليه وآله إلا ما فتح في أيام أمير المؤمنين عليه السلام إن صح شئ من ذلك (6) للامام خاصة، وتكون من جمله الانفال التي له خاصة لا يشركه فيها غيره. انتهى كلامه رفع الله مقامه. أقول: فالبدعة فيه من وجوه: أحدها: منع أرباب الخمس حقهم، وهو مخالف لصريح آية الخمس وللسنة أيضا، حيث ذكر ابن أبي الحديد (7) أن رسول الله صلى الله عليه وآله قسم خيبر وصيرها غنيمة وأخرج خمسها لاهل الخمس (8).


(1) في (ك) نسخة: في، بدل: من. (2) في المصدر: القناطير. (3) جاءت في (س): في، بدل: من. (4) في المصدر: يمنع. (5) في المصدر: عرب. ولا معنى لها. (6) زيادة: يكون، جاءت في المصدر. (7) ذكره في شرحه على النهج 12 / 287. وأورده المصنف - رحمه الله - نقلا بالمعنى. (8) وأخرج أبو داود في صحيحه في بيان مواضع قسم الخمس بسنده عن يزيد بن هرمز: أن نجدة الحروري حين حج في فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى، ويقول: لمن تراه ؟ قال ابن عباس: لقربي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قسمه لهم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا فرددناه عليه =

[19]

وكان الباعث على ذلك إضعاف جانب بني هاشم، والحذر من أن يميل الناس إليهم لنيل الحطام فينتقل إليهم الخلافة فينهدم ما أسسوه يوم السقيفة وشيدوه بكتابة الصحيفة. وثانيها: منع الغانمين حقوهم (1) من أرض الخراج وجعلها موقوفة على مصالح المسلمين، وهذا إلزامي (2) عليهم لما اعترفوا به من أن رسول الله صلى الله عليه وآله قسم الارض المفتوحة عنوة بين الغانمين (3)، وبه أفتى الشافعي (4) وأنس بن مالك (5) والزبير وبلال كما ذكره المخالفون (6).


= وأبينا أن نقبله. وجاء في مسند احمد بن حنبل 1 / 320، وسنن البيهقي 6 / 344 و 345 بطريقين باختلاف في اللفظ، وأورده البيهقي في سننه المجلد السادس باب سهم ذي القربى بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيت عليا عليه السلام عند أحجار الزيت، فقلت له، بأبي وأمي ! ما فعل أبو بكر وعمر في حقكم أهل البيت من الخمس.. إلى أن قال: إن عمر قال: لكم حق ولا يبلغ علمي إذا كثر أن يكون لكم كله، فإن شئتم أعطيتكم منه بقدرها ما أرى لكم، فأبينا عليه إلا كله، فأبى أن يعطينا كله. ورواه الشافعي في المسند في كتاب قسم الفئ: 187، وقريب منه ما ذكره في كنز العمال 2 / 305، وقد حكاها في السبعة من السلف 108 - 109. (1) نسخة بدل في (ك): حقهم. (2) الكلمة مشوشة في (س). (3) انظر: سنن أبي داود كتاب الخراج والامارة، باب ما جاء في حكم أرض خيبر حديث 3010، وجامع الاصول 2 / 671 - 678، وفيه جملة روايات، وفصل المسألة في بداية المجتهد 1 / 401، فراجع. (4) كما جاء في كتاب الام 4 / 181. (5) وذهب في بداية المجتهد 1 / 401 إلى أن قول مالك هو عدم القسمة، ولاحظ ما ذكره في الكافي: 219، والمغني وشرحه الكبير 2 / 577، وغيرها. (6) وقد تعرض في المغني وشرحه 2 / 578 إلى قول بلال والزبير، واعتراض الاول على الخليفة الثاني في عدم قسمة أراضي الشام، وإنكار الثاني عليه لعدم قسمته لاراضي مصر، وجاء في المغني - أيضا قبل ذلك - 2 / 577 إلى أن النبي (ص) قسم نصف خيبر، ووقف نصفها لنوابئه. أقول: قال ابن حزم في المحلي 7 / 344: روينا من طريق أحمد... قال أبو هريرة: قال رسول الله (ص): أيما قرية أتيتموها وأقمتم فيها فسهمكم فيها، وأيما قرية عصمت الله ورسوله =

[20]

وما ذكروه من أنه عوض الغانمين ووقفها فهو (1) دعوى بلا ثبت، بل يظهر من كلام الاكثر خلافه، كما يستفاد من كلام ابن أبي الحديد (2) وغيره. وثالثها: أن سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وفي (3) الاراضي المفتوحة عنوة كانت أخذ حصته عليه السلام من غلتها دون الدراهم المعينة، وسيأتي (4) بعض القول في ذلك في باب العلة التي لم يغير عليه السلام بعض البدع في زمانه. ومنها: أنه زاد الجزية عما قررها رسول الله صلى الله عليه وآله (5)، وهو حرام على مذهب فقهائهم الاربعة إلا احمد في رواية (6). ومنها تغريب نصر بن الحجاج وأبي ذويب من غير ذنب من المدينة، فقد روى ان أبي الحديد في شرح النهج (7)، عن محمد بن سعيد، قال: بينا عمر يطوف في بعض سكك المدينة أذا سمع امرأة تهتف من خدرها:


= فإن خمسها لله ورسوله، ثم هي لكم. قال: وهذا نص جلي لا محيص عنه، وقد صح أن النبي (ص) قسم أرض بي قريظة وخيبر، ثم العجب كله أن مالكا قلد هاهنا عمر ثم فيما ذكرتم وقف ولم يخبر كيف يعمل في خراجها ؟ !. (1) في (س): هو. (2) لم نجد في شرحه على النهج بل نص فيه 12 / 289 على: أن التعويض ذكر في الفقه في كتاب الحاوي، وفي شرح المزني للطبري. ولعل الاستفادة من كتابه الاخر، أو كان ذلك في النسخة التي كانت عند المصنف، أو اشتبه كلام المنقول بكلام المختار. (3) في (س): هي، بدلا من: في. (4) بحار الانوار 8 / 704 - 706 [طبعة كمباني، ولازال هذا لم يطبع بعد]. (5) كما اورده ابن الاثير في جامع الاصول 2 / 696 كتاب الفئ وسهم رسول الله (ص) عن جملة مصادر. (6) جاء في كتاب المغني 1 / 566 قول الشافعي وأبي حنيفة، وذكر رواية عن احمد قوله: أنها مقدرة بمقدار لا يزيد عليها ولا ينقص منه.. إلى آخره. نعم جاء في الكتاب 1 / 567 رواية أخرى عن احمد بن حنبل أنه قال: أقلها مقدر بدينار وأكثرها غير مقدر، لان عمر زاد.. إلى آخره. (7) شرح نهج البلاغة 12 / 28 - 30 بتصرف.

[21]

هل من سبيل إلى خمر فأشربها * أم له سبيل إلى نصر بن حجاج إلى فتى ماجد الاعراق مقتبل * سهل المحيا كريم غير ملجاج تمنيه أعراق (1) صدق حين تنسبه * أخي (2) قداح عن المكروب فياج (3) سامي النواظر من بهر له (4) قدم * يضئ صورته في الحالك الداجي فقال (5): ألا لا أرى (6) معي رجلا تهتف به العواتق في خدروهن ! علي بنصر بن حجاج، فأتي به، وإذا هو أحسن الناس وجها وعينا وشعرا، فأمر بشعره فجز، فخرجت له وجنتان كأنهما قمر، فأمره أن يعتم فأعتم، ففتن النساء (7) بعينيه، فقال عمر: لا والله لا تساكنني بأرض أنا بها. فقال: ولم يا أمير المؤمنين ؟ !. قال: هو ما أقول لك، فسيره إلى البصرة. وخافت المرأة (8) التي تسمع (9) عمر منها ما سمع أن يبدر إليها منه شئ،


(1) جاء في حاشية (ك) ما يلي: الاعراق: جمع العرق - بالكسر - وهو الاصل. ورجل مقتبل الشباب - بالفتح - لم يظهر فيه اثر كبر. المحيا: الوجه. والملجاج - بالكسر -: مفعال من اللجاجة يعني الخصومة. والبهر: الاضاءة والغلبة. والحالك: الشديد السواد. الداجي: المظلم. [منه (قدس سره)]. انظر: لسان العرب 10 / 241 - 249، و 11 / 545 و 2 / 354، ومجمع البحرين 5 / 213 و 263، و 3 / 231، و 1 / 134، والصحاح 5 / 1797، و 6 / 2325، و 2 / 598 - 599، و 4 / 1581، تاج العروس 10 / 107، و 2 / 92. (2) في مطبوع البحار: أخو قداح. (3) في المصدر: فراج، وهي في مطبوع البحار نسخة بدل وجعل بعدها في (ك) رمز استظهار (ظ). قال في تاج العروس 2 / 89: ناقة فياجة: تفيج برجليها. (4) في شرح النهج: من بهزله. (5) زيادة: عمر، في المصدر بعد: قال - بلا فاء -. (6) في المصدر: لا أدري. وفي (س): أرى - من دون لا -. (7) توجد نسخة في (ك): الناس، بدلا من: النساء. (8) ذكروا أن المرأة المتمنية هي الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي. كما جاء في حاشية المصدر. (9) في شرح النهج: سمع.

[22]

فدست إليه أبياتا: قل للامير الذي يخشى بوادره * مالي وللخمر أو نصر بن حجاج إني بليت أبا حفص بغيرهما * شرب الحليب وطرف فاتر ساجي لا تجعل الظن حقا أو تبينه * إن السبيل سبيل الخائف الراجي ما منية قلتها عرضا بضائرة * والناس من هالك قدما ومن ناجي إن الهوى رمية التقوى فقيده * حفظي أقر بألجام وأسراجي (1) فبكى عمر، وقال: الحمد لله الذي قيد الهوى بالتقوى. وكان لنصر أم فأتى عليه حين واشتد عليها غيبة ابنها، فتعرضت لعمر بين الاذان والاقامة، فقعدت له على الطريق، فلما خرج يريد الصلاة هتفت به وقالت: يا أمير المؤمنين ! لاجاثينك (2) غدا بين يدي الله عزوجل، ولا خاصمنك إليه، أجلست عاصما (3) وعبد الله إلى جانبيك وبيني وبين ابني الفيافي (4) والقفار المفاوز والاميال (5) ؟ !. قال: من هذه ؟. قيل: أم نصر بن الحجاج. فقال لها: يا أم نصر ! إن عاصما وعبد الله لم يهتف بهما العواتق من وراء الخدور. قال (6): وروى عبد الله بن يزيد (7)، قال: بينا عمر يعس ذات ليلة إذ (8) انتهى إلى باب مجاف وامرأة تغني بشعر:


(1) جاء البيت في المصدر هكذا: إن الهوى رعية التقوى تقيده * حتى أقر بألجام وأسراج (2) قال في القاموس 4 / 311: جثا - كدعا ورمى - جثوا وجثيا - بضمهما -: جلس على ركبتيه أو قام على اطراف اصابعه، واجثاه غيره. ومثله في مجمع البحرين 1 / 81. (3) في شرح النهج: يبيت عاصم. (4) الفيافي: الصحاري التي لاماء فيها، كما في القاموس 3 / 182، ومثله في الصحاح 4 / 1413. (5) في المصدر: الجبال، بدلا من: الاميال. (6) قال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 12 / 27 بتصرف يسير. (7) في المصدر: عبد الله بن بريدة. (8) لا توجد: إذ، في شرح النهج.

[23]

هل من سبيل إلى خمر فأشربها * أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج.. وذكر نحو ما مر. ثم (1) روى عن الاصمعي.. أن نصر بن الحجاج كتب إلى عمر كتابا هذه صورته: لعبدالله عمر أمير المؤمنين من نصر بن حجاج: سلام عليك، أما بعد، يا أمير المؤمنين ! لعمري لئن سيرتني أو (2) حرمتني * لما نلت من عرضي عليك حرام أئن (3) غنت الذلفاء (4) يوما بمنية * وبعض أماني النساء غرام ظننت بي الظن الذي ليس بعده * بقاء فما لي في الندي كلام (5) وأصبحت منفيا (6) على غير ريبة (7) * وقد كان لي بالمكتين مقام سيمنعني عما (8) تظن تكرمي * وآباء صدق صالحون (9) كرام


(1) في شرح النهج 12 / 27 - 28 بتصرف يسير. (2) في (س): و. (3) في مطبوع البحار: إن. (4) الذلف: قصر الانف وصغره فهو اذلف وامرأة ذلفاء. وفي القاموس 3 / 142:.. محركة صغر الانف واستواء الارنبة، وقريب منه في الصحاح 4 / 1362، وغيره. وفي مطبوع البحار: الدلفاء - بالدال المهملة - ولا مناسبة هنا لها. (5) جاء في حاشية (ك) ما يلي: قال الفيروز آبادي: أجفت الباب: رددته. وقال: الغرام: الولوع والشر الدائم والهلاك والعذاب. وقال: الندي - كغني - مجلس القوم. والجب: القطع. [منه (قدس سره)]. نص عليها في القاموس 3 / 125، 4 / 156 و 349، و 1 / 43. وانظر: لسان العرب 9 / 35 و 12 / 436، و 10 / 363 و 1 / 171، مجمع البحرين 1 / 412، و 2 / 21، وتاج العروس 9 / 3، و 10 / 363، و 1 / 171. (6) في (س): منيغا. (7) في مطبوع البحار: ريبته. والظاهر ما أثبتناه. (8) في المصدر: مما. (9) في شرح النهج: سالفون.

[24]

ويمنعها مما تمنت صلاتها * وحال لها في دينها وصيام (1) فهاتان حالانا فهل (2) أنت راجع * فقد جب (3) مني كاهل وسنام فقال عمر: أما ولي إمارة (4) فلا، واقطعه أرضا بالبصرة ودارا، فلما قتل عمر ركب راحلته ولحق بالمدينة. قال (5): وروى عبد الله بن يزيد (6): أن عمر خرج ليلة (7) يعس فإذا نسوة يتحدثن، وإذا هن يقلن: أي فتيان المدينة أصبح ؟. فقالت امرأة منهن: أبو ذؤيب والله، فلما أصبح عمر سأل عنه، فإذا هو من بني سليم، وإذا هو ابن عم نصر بن حجاج، فأتي (8) إليه، فحضر، فإذا هو أجمل الناس وأملحهم، فلما نظر إليه قال: أنت والله ذئبهن ! - ويكررها (9) ويرددها - لا والذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أبدا. فقال: يا أمير المؤمنين ! إن كنت لابد مسيري فسيرني حيث سيرت ابن عمي نصر بن الحجاج (10)، فأمر بتسييره إلى بصرة، فأشخص إليها. انتهى ما حكاه ابن أبي الحديد. وقد روى قصة نصر بن حجاج جل أرباب السير (11)، وربما عد أحباء عمر


(1) كذا جاء هذا البيت في المصدر. وفي مطبوع البحار: وتمعني أم أتمت صلاتها * وحال لها في دينها وصيام (2) في مطبوع البحار: حالان هل. (3) قال في الصحاح 1 / 92: الجب: القطع.. وبعير اجب بين الجبب.. أي مقطوع السنام، ونحوه في النهاية 1 / 233، والقاموس 1 / 43، ومجمع البحرين 2 / 21. (4) في المصدر: ولاية. (5) شرح النهج لابن أبي الحديد 12 / 30 - 31. (6) في المصدور: عبد الله بن بريدة. (7) في شرح النهج: ليلا. (8) جاء في المصدر: فأرسل. (9) في شرح النهج: ذئبها يكررها. (10) بلا ألف ولام في المصدر. (11) انظر مثالا: طبقات ابن سعد 3 / 285، تاريخ الطبري 4 / 557، وغيرهما.

[25]

ذلك من حسن سياسته. ووجه البدعة فيه ظاهر، فإن إخراج نصر من المدينة وتغريبه ونفيه عن وطنه بمجرد أن امرإة غنت بما يدل على هواها فيه ورغبتها إليه مخالف لضرورة الدين، لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (1)، ولاريب في (2) أن التغريب تعذيب عنيف وعقوبة عظيمة، ولم يجعل الله تعالى في دين من الاديان حسن الوجه ولا قبحه منشأ لاستحقاق العذاب لا في الدنيا ولا في الاخرة، وقد كان يمكنه دفع ما زعمه مفسدة من افتتان (3) النساء به بأمر أخف من التغريب وإن كان بدعة أيضا، وهو أن يأمره بالحجاب وستر وجهه عن النساء أو مطلقا حتى لا يفتنن به أحد. ثم ليت شعري ما الفائدة في تسيير نصر إلى البصرة، فهل كانت نساء البصرة أعف وأتقى من نساء المدينة، مع أنها (مهبط إبليس ومغرس الفتنة) (4) ؟ !. اللهم إلا أن يقال: لما كانت المدينة يومئذ مستقر سلطنة عمر كان القاطنون بها أقرب إلى الضلال ممن نشأ في مغرس الفتنة، وقد حمل أصحابنا على ما يناسب هذا المقام ما روي في فضائل عمر: مالقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك، وكأنه المصداق لما قيل: وكنت امرء من جند إبليس فارتقت * بي الحال حتى صار إبليس من جندي وهذه البدعة من فروع بدعة أخرى له عدوها (5) من فضائله، قالوا: هو أول من عس في عمله بنفسه، وهي مخالفة للنهي الصريح في قوله تعالى: (ولا


(1) قد جاءت في: الانعام: 164، والاسراء: 15، وفاطر: 18، والزمر: 7. (2) لا توجد: في، في (س). (3) في (ك): افتنان. (4) استشهاد بكلام أمير المؤمنين عليه السلام، انظر: نهج البلاغة 3 / 18 لمحمد عبدة، وصفحة: 375 في طبعة صبحي الصالح، في كتابه عليه السلام إلى عبد الله بن عباس وفيه: الفتن، بدلا من الفتنه. (5) قد عدها ابن الجوزي من مناقب عمر، وتبعه شاعر النيل حافظ ابراهيم ونظمها قصيدته العمرية تحت عنوان: مثال رجوعه إلى الحق !.

[26]

تجسسوا...) (1). ومنها: بدعة الطلاق، روى في جامع الاصول (2)، عن طاووس، قال: إن أبا الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أن الرجل إذا (3) طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر ؟. قال ابن عباس: بل (4) كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر (5)، فلما أن (6) رأى الناس قد تتابعوا عليها (7) قال: أجيزوهن عليهم (8). وفي رواية مسلم (9): إن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك (10)، ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وأبي بكر واحدة ؟. فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع (11) الناس في الطلاق


(1) الحجرات: 12. (2) جامع الاصول 7 / 597 - 598 حديث 5757. (3) في المصدر: كان إذا.. (4) في المصدر: بلى، وهو الظاهر. (5) من قوله: قال ابن عباس.. إلى قوله: إمارة عمر، لا توجد في (س). (6) لا توجد: ان، في المصدر. (7) في جامع الاصول: قد تتايعوا فيها. أقول: التتايع: التهافت في الشر واللجاج ولايكون الا في الشر. جاء في الصحاح 3 / 1192، وقال ابن الاثير في النهاية 1 / 202: التتايع: الوقوع في الشر من غير فكر ولا روية، مثله في القاموس 3 / 10، ومجمع البحرين 4 / 309. (8) وجاء في سنن أبي داود 1 / 344، سنن البيهقي 7 / 339، وتيسير الوصول 2 / 162، والدار المنثور 1 / 279، ورواه قبله الدار قطني في سننه: 444. (9) صحيح مسلم 1 / 574 كتاب الطلاق باب طلاق الثلاث حديث 1472. (10) هنات: خصلات شر، كما في الصحاح 6 / 2537، كأنه أراد خصلات شر كانت عنده ولو لم تكن له ومنه. (11) في جامع الاصول: تتايع. أقول: إن هذا والتي مرت روايته ضبطها بعضهم: تتابع، كما في المتن.

[27]

فأجازه عليهم (1). وفي رواية (2) عنه: أن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم.. فأمضاه عليهم (3). وفي أخري (4): أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كان الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر ؟. فقال ابن عباس: نعم (5). وأخرج أبو داود (6) أيضا، والنسائي (7) هذه الرواية الاخيرة. النتهى كلام جامع الاصول (8). ووجه البدعة في جعل الواحدة ثلاثا واضح، وسيأتي تفصيل أحكام تلك


(1) ورواه البيهقي في سننه 7 / 336، وأوردها الدار قطني في سننه، 433 أيضا. (2) صحيح مسلم 1 / 574. (3) وجاء في مسند احمد بن حنبل 1 / 314، وسنن البيهقي 7 / 336، ومستدرك الحاكم 2 / 196، وتفسير القرطبي 3 / 130، وإرشاد الساري 8 / 127، والدر المنثور 1 / 279، وغيرها. (4) صحيح مسلم 1 / 574. (5) وأورده الجصاص في أحكام القرآن 1 / 459، والبيهقي في سننه 7 / 336، والسيوطي في الدر المنثور 1 / 279، والطحاوي في شرح معاني الاثار 2 / 31، والدار قطني في سننه: 444 و 445 بطرق عديدة، والشافعي في مسنده في كتاب الطلاق: 112، والهندي في كنز العمال 5 / 162 و 163. (6) سنن أبي داود 1 / 344 كتاب الطلاق باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة. (8) وانظر ما قاله النووي في شرح صحيح مسلم حول هذا الحديث، وما قاله المنذري في مختصر سنن أبي داود 3 / 124، وشيخنا الاميني - رحمه الله - بعد نقل الاخبار الواردة في هذا الموضوع ناقش مفصلا في الغدير 6 / 178 - 183.

[28]

المسألة في كتاب الطلاق (1) إن شاء الله تعالى (2). ومنها تحويل المقام عن موضعه، كما ورد في كثير من أخبارنا، وقال ابن أبي الحديد (3): قال المؤرخون: إن عمر أول من سن قيام شهر (4) رمضان في جماعة وكتب به إلى البلدان، وأول من ضرب (5) في الخمر ثمانين، وأحرق بيت رويشد الثقفي - وكان نباذا - وأول من عس في عمله بنفسه (6)، وأول من حمل الدرة وأدب بها -، وقيل بعده: كان درة عمر أهيب من سيف الحجاج (7) -.


بحار الانوار 104 / 136 - 160. (2) بمناسبة المقام نتعرض مجملا إلى جهل عمر بمسألة طلاق الامة، فقد نقل الكنجي في الكفاية: 129، عن الحافظين الدارقطني وابن عساكر: أن رجلين أتيا عمر بن الخطاب وسألاه عن طلاق الامة، فمشى حتى أتى حلقة في المسجد فيها رجل أصلع، فقال: أيها الاصلع ! ما ترى في طلاق الامة ؟، فرفع رأسه ثم أومى إليه بالسبابة والوسطى، قال لهما عمر: تطليقتان. فقال أحدهما: سبحان الله ! جئناك وأنت أمير المؤمنين فمشيت معنا حتى وقفت على هذا الرجل فسألته فرضيت منه أن أومى اليك ؟. فقال لهما: تدريان من هذا ؟. قالا: لا. قال: هذا علي بن أبي طالب، أشهد على رسول الله (ص) لسمعته - وهو يقول -: أن السماوات السبع والارضين السبع لو وضعا في كفة ثم وضع ايمان علي في كفه لرجح ايمان علي بن أبي طالب. قال: هذا حسن ثابت. ورواه الخوارزمي في المناقب: 78 من طريق الزمخشري، ونقله العلامة الاميني في الغدير 2 / 299 عن الدار قطني والزمخشري، وعن السيد علي الهمداني في كتابه مودة القربى. (3) شرح ابن أبي الحديد 12 / 75 [3 / 113 - أربعة مجلدات]. (4) لا توجد: شهر، في المصدر. (5) في المصدر: وأقام الحد، بدلا من: وأول من ضرب. وجاء كونه أولا في هذا الاقدام في محاضرات الاوائل: 111 - طبع سنة 1300 [وفي طبعة اخرى: 169]، وأوليات العسكري، وتاريخ ابن كثير 7 / 132، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: 93، وتاريخ القرماني - هامش الكامل 1 / 203، وقال الحلبي في سيرته 2 / 314: والثمانون طريقة عمر... لما رآه من كثرة شرب الناس للخمر ! ؟ (6) جاءت في المصدر بدل هذه الجملة: وأقام في عمله بنفسه. (7) هذه قولة مشهورة، ولها موارد كثيرة جدا، والمضحك أنهم يتبجحون بها ناسين أو متناسين أن سيف الحجاج ما قام إلا ظلما وإجحافا، ودرة عمر أكثر منه.. وهي كلمة حق، إذ لولا فتح باب المظالم والتعدي من الاوائل لما أمكن الحجاج وغيره أن يفعلوا ما فعلوا. ولنسرد لك جملة من الموارد لدرة الخليفة، وقد سبق بعضها وسنرجع لها في خشونته وجلفيته: =

[29]


= منها: أن أحد المجاهدين المسلمين قال: إنا لما فتحنا المداين أصبنا كتابا فيه علم من علوم الفرس وكلام معجب، فدعا عمر بالدرة فجعل يضربه بها.. إلى آخر القصة التي أوردها المتقي في كنز العمال 1 / 95، وابن الجوزي في سيرة عمر: 107، وابن أبي الحديد في شرحه للنهج 3 / 122، وغيرهم. ومنها: ما أورده ابن الجوزية في سيرة عمر: 174 عن أبي عمر والشيباني، قال: خبر عمر بن الخطاب برجل يصوم الدهر، فجعل يضربه بمخففته - أي درته - ويقول: كل ! يا دهر يا دهر. ومنها: أنه ضرب رجلين بالدرة لزيارتهما بيت المقدس، كما أورده في كنز العمال 7 / 157، مع ما هناك من نصوص متظافرة في أنه لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، ومنها بيت المقدس. ومنها ضربه لعماله على البلاد بالدرة، كما في قصة والي البحرين أبي هريرة التي أوردها ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 3 / 113، بل قد ضرب بالدرة بغير موجب جمع من الاصحاب والوجهاء كل ذلك تنفيسا لعقده، وبسطا لهيمنته وسلطانه، وإخافة لصحبته ومن حوله، فهاهو يضرب ولده عبد الله بلا موجب وسبب، كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي: 96، وضربه للجارود العامري - سيد ربيعة - كما في سيرة عمر لابن الجوزي: 178، وشرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 112، وكنز العمال 2 / 167، وضربه لمعاوية عليهما اللعنة والهاوية، كما أورده ابن كثير في تاريخه 8 / 125، وابن حجر في الاصابة 3 / 434، وضربه بالجريدة للربيع بن زياد الحارثي، كما نص عليه في الطبقات 3 / 280، وانظر جملة من قصصه هناك في صفحة: 2308 مع أبي موسى الاشعري. ومنها: ضربه لجمع لاكلهم اللحم ! كما في سيرة عمر لابن الجوزي: 68، وكنز العمال 3 / 111، والفتوحات الاسلامية 2 / 424، ومجمع الزوائد للحافظ الهيثمي 5 / 35. ومنها: ضربه لجمع من نسائه ونساء المهاجرين والانصار لبكائهم على أمواتهم، وقد فصلنا الحديث عنه، وهذه من بطولات الخليفة التي تحدثت بها الركبان ! !. ومنها: ضربه لجمع - كتميم الداري والسائب بن يزيد وغيرهما - لصلاتهما بعد العصر، كما سيأتي مصادرها. ومنها: سأل رجل عن قوله تعالى: (وفاكهة وأبا)، فجهل الخليفة وأجابه الصحابة، فأقبل عليهم بالدرة ! !. مجمع الزوائد 5 / 8. ومنها: ما ذكره ابن القيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية: 45 من أمر الخليفة بضرب غلام خاصم أمه - وهو على حق - وردعه ما حكم به يعسوب الدين وامام المتقين صلوات الله عليه في الواقعة، وقد فصلها العلامة الاميني في غديره 6 / 104 - 105، فلاحظ. ومنها: ما عن عبد الله بن عم، قال: كان عمر يأتي مجزرة الزبير بن العوام بالبقيع، ولم يكن =

[30]


= بالمدينة مجزرة غيرها، فيأتي معه بالدرة، فإذا رأي رجلا اشترى لحما يومين متتابعين ضربه بالدرة، وقال: ألا ضويت بطنك يومين. انظر: سيرة عمر لابن الجوزي: 68، وكنز العمال 3 / 111، والفتوحات الاسلامية 2 / 424، وما جاء في مجمع الزوائد 5 / 35. ومنها: الستدعى عمر امرأة ليسألها عن أمر - وكانت حاملا - فلشدة هيبته ألقت ما في بطنها فأجهضت به جنينا ميتا، فاستفتى عمر أكابر الصحابة في ذلك، فقالوا: لا شئ عليك إنما أنت مؤدب. فقال له علي عليه السلام: إن كانوا راقبوك فقد غشوك، وإن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطأوا عليك غرة - يعني عتق رقبة - فرجع عمر والصحابة إلى قوله، كما أخرجه ابن الجوزي في سيرة عمر: 117، وأبو عمر في العلم، السيوطي، كما في ترتيب جمع الجوامع 7 / 300، وذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 / 58 [أربع مجلدات]. ومنها: ما رواه جمع من الحفاظ عن بعض الصحابة قال: رأيت عمر بن الخطاب يضرب أكف الرجال في صوم رجب حتى يضعونها في الطعام، كما أورده في كنز العمال 4 / 321، ومجمع الزوائد 3 / 191 وغيرهما، وناقشه شيخنا الاميني في غديره 6 / 282 - 290. ومنها: ما حكي عن الشهاب في كتابه شفاء العليل فيما في لغة العرب من الدخيل عن بعض حواشي الكشاف: أن عمر ضرب كاتبا كتب بين يديه: بسم الله الرحمن الرحيم.. ولم يبين السين... إلى غير ذلك من الموارد الاتية السالفة والتي تركناها خوف الاطالة. أقول: وبعد كل هذا وغيره فإن خشونة الرجل وفضاضته وجلفه أغضب رسول الله صلى الله عليه وآله أكثر من مرة، فقد ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 216 عن ابن عباس، قال: لما توفى ابن لصفية عمة رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فبكت عليه وصاحت.. إلى أن قال: فاستقبلها عمر بن الخطاب، فقال: يا صفية ! قد سمعت صراخك، إن قرابتك من رسول الله صلى الله عليه و [وآله] وسلم - وكان يكرمها ويحبها -، فقال: يا عمة ! أتبكين وقد قلت لك ما قلت ؟ !، قالت: ليس ذاك أبكاني يا رسول الله، استقبلني عمر بن الخطاب فقال: إن قرابتك من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لن تغني عنك من الله شيئا. قال: فغضب النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم.. إلى أن قال: فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع، كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبط، فإنها موصولة في الدينا والاخرة.. الحديث. وأورده السيوطي في الدر المنثور 3 / 451، ذيل قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين..) (التوبة 60). قال: وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني.. في قصة عيينة =

[31]

* (هامش) = ابن حصن والاقرع بن حابس، وكتابة أبي بكر لهما كتابا وتناول عمر له تفله فيه ومحوه إياه، وقولهم له مقالة سيئة. وزاد في ذيله المتقط الهندي في كنز العمال 2 / 189:.. فأقبلا إلى أبي بكر - وهما يتذمران - فقالا: والله ما ندري أنت الخليفة أم عمر. فقال: بل هو، ولو شاء كان. قال: أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه ويعقوب بن سفيان وابن عساكر، وذكره العسقلاني أيضا في الاصابة 5 / 56، وأورده أيضا في كنز العمال 6 / 335 باختلاف يسير. ومنها: قصة الدرة - التي هي أهيب من سيف الحجاج، كما قالوا - خير شاهد على خشونته وقساوته، وقد مرت قبلا. وهو يضرب تارة: بدرته، وأخري، بمخفقته، وثالثة: بجريدته و... و.. ومنها ما أخرجه ابن ماجة في أبواب النكاح باب ضرب النساء، بسنده عن الاشعث بن قيس، قال: ضفت عمر، فلما كان في جوف الليل قام الي امرأته يضربها، فحجزت بينهما، فلما اوى إلى فراشه امرأته.. ! الحديث. وقد رواه احمد بن حنبل في مسنده 1 / 20 خاليا من حجز الاشعث بين الخليفة وزوجته. أقول: هذه من تقولاته على رسول الله (ص) بلاشبهة، ولاشك بكونها تتنافى مع روح الاسلام، وضرورة العقل والفطرة، قال في السبعة من السلف: 110 - 111:.. فالذي أحتمله قويا - بل أجزم به - أنه ضرب امرأته في تلك الليلة ظلما وعدوانا، وقد عرف ذلك منه الاشعث، فافترى هذا الحديث على النبي صلى الله عليه وآله لا يعترض عليه بما ارتكبه ويعاتبه على مالا ينبغي صدوره من قبله. أقول: هذا حديث لايعرف إلا منه، كقوله، إن الميت يعذب ببكاء الحي.. وغيرهما كلها شاهد صدق على مدى ما بلغ الرجل من الشدة والخبث، وكم ضرب نساءه - وأبناءه كما مر وسيأتي - كضربه لزوجته عاتكة بنت زيد حتى نغض رأسها، كما جاء في الطبقات لابن سعد 3 / 308. ومنها: ما ذكره الطبري في تاريخه 4 / 206: في سنة 17 من الهجرة: اعتمر عمر بن الخطاب وبنى المسجد الحرام ووسع فيه، وأقام بمكة عشرين ليلة، وهدم على أقوام من جيران المسجد أبو أن يبيعوا... وانظر: فتوح البلدان للبلاذري: 53، وسنن البيهقي 6 / 168، والكامل لابن الاثير 2 / 227، وتذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 7، والدر المنثور 4 / 159، ووفاء الوفاء 1 / 341 - 349، وغيرها. أقول: ثم إنه قد نهى الخليفة عن البكاء على الميت ونهى عن نهيه صاحب الرسالة وما انتهى، وبقيت عقدة ذلك إلى أن مات، حتى اضطر إلى أن جعل حديثا على لسان رسول الله (ص) من: = (*)


[32]

وأول (1) من قاسم العمال وشاطرهم أموالهم، (2) وهو الذي هدم مسجد رسول الله


= أن الميت ليعذب ببكاء الحي، وقد ناقشة بما لا مزيد عليه شيخنا الاميني في غديره 6 / 156 - 167، و... وفي أكثر من رواية وبألفاظ مختلفة وفي زمن صاحب الرسالة نهى عن البكاء حيث إن نساء المهاجرين والانصار لما بكين عند موت زينب ورقية بنتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل عمر يضربهن بالسوط، وأخذ رسول الله (ص) يده وقال: مهلا يا عمر ! دعهن يبكين..، كما أوردها ابن حنبل في مسنده 1 / 237 و 335، 3 / 333، و 4 / 408، ومستدرك الحاكم 1 / 381، و 3 / 191، ومسند الطيالسي: 351، والاستيعاب - ترجمة عثمان بن مظنون - 2 / 482، ومجمع الزوائد 3 / 17، والسنن الكبرى 4 / 70، وعمدة القارئ 4 / 87. وقال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1 / 181 [1 / 60 - أربع مجلدات]: إن أول من ضرب عمر بالدرة أم فروة بنت قحافة، مات أبو بكر فناح النساء عليه وفيهن أخته أم فروة، فنهاهن عمر مرارا، وهن يعاودن، فأخرج أم فروة من بينهن وعلاها بالدرة.. أقول: هذا لعله أول مرة بعد تولية الخلاقة، والا كم ضرب قبلها، وحسبنا السقيفة وعند دار فاطمة سلام الله عليها، وقصته مع خالد في واقعة مالك بن نويرة وغيرهم، وأما بعدها فحدث ولاحرج. ولعل أوج قساوته وغاية حدته حده لابنه بعد الحد ! ثم قتله، وهو ما رواه البيهقي في السنن الكبرى 8 / 312، وابن عبد البر في العقد الفريد 3 / 470، والخطيب البغدادي في تاريخه 5 / 455، وابن الجوزي في سيرة عمر: 170، والمحب الطبري في الرياض النضرة 2 / 32، والقسطلاني في إرشاد الساري 9 / 439، وأبو عمر وفي الاستيعاب 2 / 349، وابن حجر في الاصابة 2 / 349 وغيرهم، وحاصل القصة أن عبد الرحمن بن عمر الاوسط وهو أبو شحمة، وهو الذي ضربه عمرو بن العاص بمصر في الخمر بأمر الخليفة، ثم حمله إلى المدينة على قتب وحده، وفي بعض الروايات: فجعل عبد الرحمن يصيح: أنا مريض وأنت قاتلي، فضربه الحد ثانيا وحبسه، ثم مرض فمات.. وفيها موارد للدقة والعجب، أعرضنا عن ذكرها فصل بعضها شيخنا الاميني في غديره 6 / 316 - 319. (1) هنا قبل: وأول، سقط قريب نصف الصفحة جاء في المصدر. (2) سقط سطر هنا، وهو: وكان يستعمل قوما ويدع أفضل منهم لبصرهم بالعمل، وقال: أكره أن أدنس هؤلاء بالعمل !. أقول: قد جاء ذكر سبق عمر في مقاسمة العمال ومشاطرتهم أموالهم في غيره، وإليك جملة من المصادر: فتوح البلدان: 286، تاريخ الطبري 4 / 56، العقد الفريد 1 / 18 - 21، معجم البلدان 2 / 75، صبح الاعشى 6 / 386، سيرة عمر لابن الجوزي: 44، تاريخ ابن كثير 7 / 18 و 115 و 9 / 113، السيرة الحلبية 3 / 220، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 96، الفتوحات =

[33]

صلى الله عليه وآله وزاد فيه، وأدخل دار العباس فيما زاد (1)، وهو الذي أخر المقام إلى موضعه اليوم وكان ملصقا بالبيت.. إلى آخر ما ذكره. وقد أشار إلى تحويل المقام صاحب الكشاف (2)، قال: إن عمر سأل المطلب بن أبي وداعة: هل تدري أين كان موضعه الاول ؟. نعم، فأراه موضعه اليوم. وروى ثقة الاسلام في الكافي (3)، بإسناده عن زرارة، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: أدركت (4) الحسين صلوات الله عليه ؟. قال: نعم، أذكر وأنا معه في المسجد الحرام وقد دخل فيه السيل والناس يقومون على المقام يخرج الخارج يقول: قد ذهب به (5)، ويخرج منه الخارج فيقول: هو مكانه، قال فقال لي: يا فلان ! ما صنع هؤلاء ؟. فقلت له: أصلحك الله ! يخافون أن يكون السيل قد ذهب بالمقام. فقال: ناد: إن الله قد جعله (6) علما لم يكن ليذهب به فاستقروا، وكان موضع المقام الذي وضعه ابراهيم عليه السلام عند جدار البيت، فلم يزل هناك حتى حوله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم، فلما فتح النبي صلى الله عليه وآله مكة رده إلى الموضع الذي وضعه ابراهيم عليه السلام، فلم يزل


= الاسلامية 2 / 480، وغيرها كثير.. ثم إنه قد سبق ضربه بالدرة على البحرين أبي هريرة، وكذا ما صنعه مع سعد بن أبي وقاص، وأبي موسى الاشعري واليه على البصرة، وعمر وبن العاص واليه على مصر، وخالد بن الوليد واليه على الشام وغيرهم، وقد نص البلاذري على عشرين منهم، وهم يزيدون على ذلك، كما في كتب السير والتاريخ. (1) هنا أيضا سقط قدر سطرين جاء في المصدر. (2) تفسير الكشاف 1 / 185، ذيل آية: 125 من سورة البقرة. (3) الكافي 4 / 223 حديث 2 كتاب الحج، باب في قوله تعالى: (فيه آيات بينات..). (4) في المصدر: قد أدركت.. (5) في الكافي زيادة: السيل.

[34]

هناك إلى أن ولي عمر بن الخطاب، فسأل الناس: من منكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام ؟. فقال رجل: أنا، قد كنت أخذت مقداره بنسع (1) فهو عندي، فقال: تأتيني به، فأتاه به فقاسه ثم رده إلى ذلك المكان. ومنها: تغيير الجزية عن النصارى، فقد روي عن الصادق عليه السلام (2) أنه قال: إن بني تغلب من نصارى العرب (3) أنفوا واستنكفوا من قبول الجزية وسألوا عمر أن يعفيهم عن الجزية ويؤدوا الزكاة مضاعفا، فخشي أن يلحقوا بالروم، فصالحهم على أن صرف ذلك عن رؤوسهم وضاعف عليهم الصدقة فرضوا بذلك. وقال البغوي في شرح السنة: روي أن عمر بن الخطاب رام نصارى العرب على الجزية، فقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم، ولكن خذ مناكما يأخذ بعضكم من بعض - يعنون الصدقة -. فقال عمر: هذا فرض الله على المسلمين. قالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية، فراضاهم على أن ضعف عليهم الصدقة (4). النتهى. فهؤلاء ليسوا بأهل ذمة لمنع الجزية، وقد جعل الله الجزية على أهل الذمة


(1) قال في النهاية 5 / 48: النسعة - بالكسر -: سير مضفور يجعل زماما للبعير وغيره، والجمع: نسع ونسع وانساع، وجاء في مجمع البحرين 4 / 397، والقاموس 3 / 88، وقال الجوهري في الصحاح 3 / 1290: النسع: الحبل. (2) وسائل الشيعة 16 / 286 حديث 22 [مؤسسة آل البيت (ع): 24 / 58 - 59] وفيه: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تأكل من ذبيحة المجوسي، قال وقال: لا تأكل ذبيحة نصارى تغلب فإنهم مشركوا العرب. وانظر: التهذيب 9 / 65 حديث 275، والاستبصار 4 / 82 حديث 308. وعن الرضا عليه السلام أنه قال: إن بني تغلب أنفوا من الجزية، وسألوا عمر أن يعفيهم، فخشي أن يلحقوا بالروم، فصالحهم على أن صرف ذلك عن رؤوسهم، وضاعف عليهم الصدقة فعليهم ما صالحوا عليه ورضوا به إلى أن يظهر الحق. كما في كتاب من لا يحضره الفقيه 2 / 29 باب 101 حديث 1611، وأورده الحر في وسائل الشيعة 11 / 116 باب 68 حديث 6. (3) في (س): الغرب. (4) شرح السنة للبغوي.....

[35]

ليكونوا أذلاء صاغرين، وليس في أحد من الزكاة صغار وذل، فكان عليه أن يقاتلهم ويسبي ذراريهم لو أصروا على الاستنكاف والاستكبار. ومنها: ما روي أن عمر أطلق تزويج قريش في سائر العجم، ومنع العرب من التزويج في قريش، ومنع العجم من التزويج في العرب (1). فأنزل العرب مع قريش، والعجم مع العرب مع العرب منزلة اليهود والنصارى، إذ أطلق تعالى للمسلمين التزويج في أهل الكتاب، ولم يطلق تزويج أهل الكتاب في المسلمين (2). وقد زوج (3) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب من المقداد بن الاسود الكندي - وكان مولى لبني كندة - ثم قال: أتعلمون لم زوجت ضباعة بنت عمي من المقداد ؟. قالوا: لا. قال: ليتضع النكاح فيناله كل مسلم، ولتعلموا (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (4)، فهذه سنة، وقد قال رسول


(1) انظر لمزيد من الاطلاع: الايضاح: 153 - 158، والمسترشد للطبري: 142، والاستغاثة في بدع الثلاثة: 53 - 54، وكتاب سليم بن قيس: 102 - 104، والكافي 5 / 318 حديث 59، وغيرها. (2) لاحظ: وسائل الشيعة 14 / 46 حديث 4، والكافي 5 / 318 حديث 59. (3) قد ذكر قصة تزويج ضباعة في الكافي 5 / 344 حديث 1، والتهذيب 7 / 359 حديث 1582، وانظر: وسائل الشيعة 14 / 45 - 47 باب 26 - أنه يجوز لغير الهاشمي تزويج الهاشمية والاعجمي والعربي القرشية الهاشمية وغير ذلك، ومستدرك الوسائل 14 / 183 - 186. (4) الحجرات: 13. وقد أظهر رسول الله صلى الله عليه وآله ملاك التفوق في موارد متعددة، فمنها: قوله صلى الله عليه وآله في خطبة في الحج الاكبر: أيها الناس ! إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لادم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد. قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهد الغائب. وقد جاء في البيان والتبيين 2 / 25، والعقد الفريد 2 / 85، وتاريخ اليعقوبي 2 / 91، وقريب منه في مجمع الزوايد 3 / 266، وغيره.

[36]

الله صلى الله عليه وآله: من رغب عن سنتي فليس مني (1). وقيل (2) لامير المؤمنين عليه السلام: أتزوج (3) الموالي بالعربيات ؟ !. فقال: تتكافا دماؤكم ولا تتكافأ فروجكم ؟ !. وقال سبحانه: (إنما المؤمنون إخوة) (4)، وقال: (إن أكرمكم عند الله أتقيكم) (5). ومنها: المسح على الخفين، كما رواه الشيخ في التهذيب (6)، بإسناده عن رقبة (7) بن مصقلة، قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام، فسألته عن أشياء، فقال: إني أراك ممن يفتي في مسجد العراق ؟. فقلت: نعم. قال: فقال لي: من أنت ؟. فقلت: ابن عم لصعصعة. فقال: مرحبا بك يا ابن عم صعصعة. فقلت له: ما تقول في المسح على الخفين ؟. فقال: كان عمر يراه ثلاثا للمسافر ويوما وليلة للمقيم، وكان أبي لا يراه في سفر ولاحضر، فلما خرجت من عنده فقمت على عتبة الباب، فقال لي: أقبل يا ابن عم صعصعة، فأقبلت عليه، فقال: إن


(1) هذا من ضروريات مذهب الخاصة، وأورده جملة من الحفاظ من العامة كالبخاري في صحيحة 7 / 2 كتاب النكاح باب الترغيب في النكاح حديث 1، ومسلم في صحيحه كتاب النكاح باب 5، والنسائي في صحيحه كتاب النكاح باب 4، والدارمي في سننه كتاب النكاح باب 3، واحمد بن حنبل في مسنده 2 / 158 و 3 / 246 و 259، 5 / 409 وغيرها. (2) كما جاء في مستدرك الوسائل 14 / 186. وقريب منه ما في الكافي 5 / 345 حديث 5، والتهذيب 7 / 395 حديث 1583. (3) في (ك) نسخة بدل: أيجوز تزويج. (4) الحجرات: 10. (5) الحجرات: 13. (6) التهذيب 1 / 361 في صفة الوضوء والفرض منه حديث 1089. (7) وفي بعض النسخ: رقيد، وفي (س): لرقية، ولعله: رفيد بن مصقلة العبدي الكوفي، وهو عامي، وكان مفتي العامة في العراق، وعده الشيخ الطوسي رحنه الله في رجاله من أصحاب الباقر عليه السلام، ولم يستبعد الوحيد، كما في معجم رجال الحديث 7 / 201 اتحاده مع: رقبة، وكون كليهما واحدا، ولم أجد لرقيد اسم في الرجال، فلاحظ.

[37]

القوم كانوا يقولون برأيهم فيخطؤون ويصيبون، وكان أبي لا يقول برأيه (1). وبإسناده، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سمعته يقول: جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وفيهم علي عليه السلام، وقال: ما تقولون في المسح على الخفين ؟. فقام المغيرة بن شعبة، فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح على الخفين. فقال علي عليه السلام: قبل (المائدة) أو بعدها ؟. فقال: لا أدري. فقال علي عليه السلام: سبق الكتاب الخفين، إنما أنزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة (2). أقول: لعل الترديد من الراوي، أو لكون ذلك مما اختلفوا فيه، فتردد عليه السلام إلزاما على الفريقين. ومخالفة هذه الرأي للقرآن واضح، فإن الخف ليس بالرجل الذي أمر الله بمسحه، كم أن (الكم) ليس باليد، والنقاب ليس بالوجه، ولو غسلهما أحد لم يكن آتيا بالمأمور به، كما أشار عليه السلام إليه بقوله: سبق الكتاب الخفين. وقد ورد المنع من المسح على الخفين في كثير من أخبارهم، فعن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أشد الناس حسرة يوم القيامة من رأى وضوءه على جلد غيره (3).


(1) التهذيب 1 / 361 حديث 1091. وانظر: جامع أحاديث الشيعة 2 / 319 باب 26 حديث 2188 - 2228 عن جملة مصادر، فراجعها. (2) وقد نصت على ذلك روايات العامة وأن المسح على الخف كان قبل نزول المائدة، ما جاء عن جرير بن عبد الله، على ما رواه البخاري في صحيحه 1 / 415 في كتاب الصلاة في الثياب باب الصلاة في الخف، والنسائي في سننه 1 / 81 كتاب الطهارة باب المسح على الخفين، وذكره ابن الاثير في جامع الاصول 7 / 238 ذيل حديث 5274 عن جملة مصادر. انظر: الدر المنثور 2 / 465 عند قوله تعالى: (فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم..)، وقد نقل عن ابن عباس أنه قال: أبى الناس إلا الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح، وعن أنس والشعبي: إن القرآن نزل بالمسح. ولا حظ تفاسير العامة حول هذه الاية. (3) من لا يحضره الفقيه 1 / 30 حديث 96.

[38]

وروي عنها، أنها قالت: لان أمسح على ظهر عير (1) بالفلاة أحب إلي من أن أمسح على خفي (2). وعنها، قالت: لان يقطع رجلاي بالمواسي أحب إلي من أن أمسح على الخفين (3). ورووا المنع منه، عن أمير المؤمنين عليه السلام (4) وابن عباس (5) وغيرهما، وسيأتي (6) بعض القول فيه في محله. ومنها: نقص (7) تكبير من الصلاة على الجنائز وجعلها أربعا، قال: ابن حزم في كتاب المحلى (8): واحتج من منع أكثر من أربع بخبر رويناه من طريق وكيع، عن سفيان الثوري، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، قال: جمع عمر بن الخطاب الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة، فقالوا: كبر النبي صلى الله عليه وآله سبعا وخمسا وأربعا، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات (9).


(1) في (س): غير. ولا معنى له، والعير: الحمار، وغلب على الوحشي، كما في القاموس 2 / 98، وفي الصحاح 2 / 762 قال: الحمار الوحشي: والاهلي أيضا. (2) من لا يحضره الفقيه 1 / 30 حديث 97. (3) كما في المصنف لعبد الرزاق 1 / 21 حديث 860، وانظر: التفسير الكبير 11 / 163، بتفاوت يسير. وجاء في المصنف لابن أبي شيبة 1 / 185 عن عائشة أنها قالت: لان أخرجهما بالسكاكين أحب الي من أن أمسح عليهما، ونحوه في صفحة: 186 من ذلك المجلد. (4) فقد روي عنه سلام الله عليه أنه قال: نسخ الكتاب المسح على الخفين، كما جاء في سنن البيهقي 1 / 272، وتفسير ابن كثير 2 / 30، وجاء في التهذيب 1 / 361 حديث 1091. (5) فقد جاء عن ابن عباس قوله: سبق كتاب الله المسح على الخفين، كما أورده المحقق في المعتبر: 38، ونحوه في مسند احمد بن حنبل 1 / 323، والجعفريات: 24، وتفسير العياشي 1 / 202. (6) بحار الانوار 80 / 300 - 328. (7) في (س): نقض. (8) المحلى 5 / 124 - المكتب التجاري بيروت -. (9) وقريب منه ما في سنن البيهقي 4 / 37، وفتح الباري 3 / 157، وإرشاد الساري 2 / 417، وعمدة القاري 4 / 129.

[39]

وهو خلاف ما فعله رسول الله (ص)، كما رواه مسلم في (1) صحيحه (2)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (3)، قال: كان زيد يكبر على جنائزنا أربعا، وأنه كبر على جنازة خمسا، فسألته، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] يكبرها. ورواه في جامع الاصول (4)، عن مسلم والنسائي (5) وأبي داود (6) والترمذي (7)، وقال (8): وفي رواية النسائي: أن زيد بن أرقم صلى على جنازة فكبر عليها خمسا وقال: كبرها رسول الله صلى الله عليه [وآله]. وروى ابن شيرويه في الفردوس (9) أن النبي صلى الله عليه [وآله] كان يصلي على الميت خمس تكبيرات (10). فالروايات - كما ترى - صريحة في أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يكبر خمس تكبيرات، وظاهر (كان) الدوام، ولو سلم أنه قد كان يكبر أربعا فلا ريب


= وذكر جمع: أن عمر أول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات، كما قاله العسكري في الاوائل، والسيوطي في تاريخ الخلفاء: 93، والكرماني في تاريخه 1 / 203 - هامش الكامل - وغيرهم. (1) لا توجد في (س): في. (2) صحيح مسلم كتاب الجنائز باب الصلاة على القبر حديث 957. (3) جاء في (س): أبي عبد الرحمن أبي ليلى. وهو غلط. (4) جامع الاصول 6 / 216 حديث 4304. (5) سنن النسائي 4 / 72. (6) سنن أبي داود كتاب الجنائز باب التكبير على الجنائر باب ما جاء حديث 3197. (7) صحيح الترمذي كتاب الجنائز باب ما جاء في التكبير على الجنازة حديث 1023. (8) ابن الاثير في جامع الاصول 6 / 216. (9) الفردوس، ولم نجد الرواية فيه. (10) وقريب منه ما أورده احمد بن حنبل في مسنده 4 / 368 و 370، وابن حجر في الاصابة 2 / 22، والطحاوي في عمدة القاري 4 / 129، والبيهقي في السنن الكبرى 4 / 34، وابن ماجة في سننه 1 / 458 وغيرهم، وما ذكره ابن القيم الجوزية في زاد المعاد 1 / 145، وما في هامش المواهب للزرقاني 2 / 70 حري بالملاحظة.

[40]

في جواز الخمس، فالمنع من الزيادة على الاربع من أسوء البدع. ومنها: ما رواه مالك في الموطأ (1) وحكاه في جامع الاصول (2)، عن ابن المسيب، قال: أبى عمر أن يورث أحدا (3) من الاعاجم إلا أحدا ولد في العرب. قال: وزاد رزين (4) و (5) امرأة جاءت حاملا فولدت في العرب فهو يرثها إن ماتت وترثه إن مات ميراثه من كتاب الله. انتهى. ومضادة هذا المنع للايات والاخبار، بل مخالفته لما علم ضرورة من دين الاسلام (6) من ثبوت التوارث بين المسلمين مما لا يريب فيه أحد. ومنها: القول بالعول والتعصب في الميراث كما سيأتي، وروت الخاصة والعامة ذلك بأسانيد جمة يأتي (7) بعضه، ولنورد هنا خبرا واحدا رواه الشهيد الثاني رحمه الله (8) وغيره (9): عن أبي طالب الانباري، عن أبي بكر الحافظ، عن علي بن محمد بن الحصين (10)، عن يعقوب بن ابراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن


(1) الموطأ لمالك - إمام المالكية - 2 / 12 [2 / 520] كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الملل. (2) جامع الاصول 9 / 603 - 604 حديث 7380. (3) في (ك) ونسخة بدل في (س): احد - بالرفع -. (4) في (س): زرين، وهو غلط. (5) في جامع الاصول: أو. (6) أورده أبو داود في سننه 2 / 332: قال رسول الله (ص) ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على العصبية، وليس منا من مات عصبية.. وكم له من نظائر. (7) بحار الانوار 104 / 331، وفيه: عن ابن عباس: إن أول من أعال الفرائض عمر. (8) المسالك 2 / 323، وأورده في الروضة البهية في شرح اللمعة في شرح اللمعة الدمشقية 8 / 89 - 92 باختلاف في المتن وحذف للاسناد. (9) جاء في الكافي 7 / 79 - 80 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 4 / 187، وكنز العمال 11 / 19 - 20 حديث 121 باختلاف يسير، وكذا في أحكام القرآن للجصاص 2 / 109، ومستدرك الحاكم 4 / 340، والسنن الكبرى 6 / 253 وغيرها. (10) لا توجد: بن الحصين، في المصدر.

[41]

أبي اسحاق، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة، قال: دخلت على (1) ابن عباس، فجرى ذكر الفرائض والمواريث، فقال ابن عباس: سبحان الله العظيم ! أترون (2) الذي أحصى رمل عالج (3) عددا جعل في ما نصفين (4) وثلثا وربعا - أو قال: نصفا ونصفا وثلثا - وهذان النصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث ؟ !. فقال له زفر بن أوس البصري: يا أبا العباس ! فمن أول من أعال الفرائض ؟. فقال: عمر بن الخطاب (5)، لما التفت عنده الفرائض ودفع (6) بعضها بعضا، فقال: والله ما أدري أيكم قدم الله وأيكم أخر، وما أجد شيئا هو أوسع إلا أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص، وأدخل على كل ذي حق مادخل عليه من عول الفريضة، وأيم الله لو قدم من قدم الله وأخرمن أخر الله ما عالت فريضة (7). فقال له زفر بن أوس: فأيها قدم وأيهاا أخر ؟. فقال: كل فريضة (8) لم يهبطها الله عزوجل عن فريضة إلا إلى فريضة، فهذا ما قدم الله. وأما ما أخر


(1) في المسالك: إلى، بدل، على. (2) في المصدر: أيرون. (3) رمل عاجل: هو ما تراكم من الرمل ودخل بعضه في بعض، ونقل أن رمل عالج جبال متواصلة يتصل أعلاها بالدهناء، والدهناء بقرب يمامة، وأسفلها بنجد، وفي كلام البعض: رمل عالج محيط بأكثر أرض العرب. قاله الطريحي في مجمعه 2 / 318. وهناك ثمة أقوال أخر تجدها في معجم البلدان 4 / 69 - 70، ومراصد الاطلاع 2 / 911. (4) في المسالك: نصف. (5) قد نص على ذلك السيوطي في أوائله وتاريخه: 93، والجصاص في أحكام القرآن 2 / 109، والحاكم في المستدرك 4 / 340، والبيهقي في السنن الكبرى 6 / 253، والمتقي الهندي في كنز العمال 6 / 7، والسكتواري في محاضرات الاوائل: 152.. وغيرهم ويعد أول من أعال الفرائض لما التوت عليه ودافع بعضها بعضا. (6) في (ك): رفع. (7) في المصدر: الفريضة - بالالف واللام -. (8) في (ك) هنا زيادة: فرضها الله.

[42]

فكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي، فتلك التي أخر، وأما (1) الذي قدم، فالزوج له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه شئ، والزوجة لها الربع فإذا زالت عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شئ، والام لها الثلث فإذا زالت عنه صارت إلى السدس لا يزيلها عنه شئ، فهذه الفرائض التي قدم الله عزوجل، وأما التي أخر، ففريضة البنات والاخوات لهن النصف والثلثان، فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن إلا ما بقي، فتلك التي أخر، فإذا اجتمع ما قدم الله تعالى وما أخر (2)، بدئ بما قدم الله فأعطي حقه كاملا، فإن بقي شئ كان لمن أخر (3)، وإن لم يبق شئ فلا شئ له، فقال له زفر ابن أوس: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر ؟. فقاال: هبته (4)، والله وكان امرءا مهيبا، قال الزهري: والله لولا أن تقدم ابن عباس امام عدل كان أمره على الورع أمضى أمرا وحكم به وأمضاه لما اختلف لما اختلف على ابن عباس اثنان (5).


(1) في (س): فأما. وفي الروضة: فأما التي. (2) في المصدر: وما االله أخر، بدلا من: الله تعالى وما أخر. (3) زيادة: الله، بعد: أخر، جاءت في المصدر. (4) إلى هنا جاء في المصادر السالفة باختلاف في اللفظ. (5) نذيل هذا المقام بذكر قضيتين: الاولى: ما رواها الحاكم في المستدرك 4 / 339، بسنده عن معمر عن الزهري عن ابن سلمة، قال: جاء إلى ابن عباس رجل، فقال: رجل توفى وترك بنته وأخته لابيه وأمه ؟. فقال: لابنته النصف وليس لاخته شئ. قال الرجل: فإن عمر قضى بغير ذلك، جعل للابنة وللاخت النصف. قال ابن عباس: أنتم أعلم أم الله ؟ !. فلم أدر ما وجه هذا حتى لقيت ابن طاوس، فذكرت له حديث الزهري، فقال: أخبرني أبي أنه سمع ابن عباس يقول: قال الله عزوجل: (إن امرء هلك ليس له ولد وله أخت فله نصف ما ترك..) قال ابن عباس: فقلتم أنتم لها النصف وإن كان له ولد. قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. وقد جااء أيضا فيه 2 / 310 باختلاف يسير في اللفظ، وقد رواه البيهقي في سننه 6 / 233 أيضا. وقال السيد الفيروز آبادي في السبعة من السلف: 92: إن هذا الافتاء من عمر كان على وجه الجهل بالاية الكريمة، وإلا فبعيد منه أنه مع العلم بها يفتي بخلاف ما أنزل الله، والله أعلم. ولعل مراده رحمه الله أن يجهر بالمخالفة، وهذا غريب منه مع صراحة آية المتعة والتيمم وغيرهما. =

[43]

ومنها: التثويب، وهو قول: الصلاة خير من النوم، في الاذان. فقد (1) روى في جامع الاصول (2) مما رواه عن الموطأ (3)، قال (4) عن مالك أنه بلغه المؤذن جاء عمر يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائما، فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر أن يجعلهما في الصبح. ويظهر منها أن ما رووه أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بالتثويب من مفترياتهم، ويؤيده أن رواياتهم (5) في الاذان خالية عن التثويب (6).


= الثانية: أخرج البيهقي في سننه 6 / 255 بعدة طرق، والدارمي في سننه 1 / 154، وأبو عمر في العمل: 139، وآخرين، عن مسعود الثقفي، قال: شهدت عمر بن الخطاب أشرك الاخوة من الاب والام ومع أخوة من الام في الثلث، فقال له رجل: قضيت في هذا عام أول بغير هذا. قال: كيف قضيت ؟. قال: جعلته للاخوة من الام ولم تجعل للاخوة من الاب والام شيئا. قال: تلك على ما قضينا، وهذا على ما قضينا !. وفي لفظ: تلك على ما قضينا يومئذ وهذه على ما قضينا اليوم !. أقول: كيف يسوغ لمثل الخليفة أن يجهل أحكاام الدين وهو القائل: ليس أبغض إلى الله ولا أعم ضرا من جهل امام وخرقه، كما نقله عنه ابن الجوزي في سيرة عمر: 100، 102، 161. وكيف يشتغل بمنصب الامارة قبل أن يتفقه في دين الله، وهو القائل: تفقهوا قبل أن تسودوا، ذكره البخاري في صحيحه في باب الاغتباط في العلم 1 / 38. (1) لا توجد: فقد، في (س). (2) جامع الاصول 5 / 286 حديث 3360. (3) موطأ مالك 1 / 72 كتاب الصلاة باب ما جاء في النداء للصلاة. (4) خط على كلمة: قال، في (ك)، وجاءت زيادة: ان، بعد لفظة: بلغه، في الجامع. (5) انظر مثالا إلى: سنن أبي داود كتاب الصلاة باب كيفية الاذان حديث 499 وباب بدء الاذان حديث 500 - 507، وسنن الترمذي كتاب الصلاة باب ما جاء في بدء الاذان حديث 189، وباب ما جاء أن الاقامة مثنى مثنى حديث 194، وباب ما جاء في الترجيع بالصلاة في الاذان حديث 191، ومسند احمد بن حنبل 5 / 246، وصحيح مسلم كتاب الصلاة باب صفة الاذان حديث 379، وسنن النسائي 2 / 4 في الاذان. (6) أخرج الطبري في المستبين، والقوشجي في شرح التجريد: 879 في بحث الامامة، والبياض في الصراط المستقيم وغيرهم، عن عمر، أنه قال: ثلاث كن على عهد رسول الله (ص): أنا محرمهن ومعاقب عليهن: متهة الحج، ومتهة النساء، وحي على خير العمل في الاذان. =

[44]

الطعن الخامس عشر:

أنه كان يعطي من بيت المال ما لا يجوز، فأعطى عايشة وحفصة عشرة آلاف درهم في كل سنة (1)، وحرم أهل البيت عليهم السلام خمسهم الذي جعله الله لهم (2)، وكان عليه ثمانون ألف درهم من بيت المال يوم مات على سبيل القرض (3)، ولم يجز شئ من ذلك، أما الاول فلان الفئ والغنائم ونحو ذلك


= وهذا تصرفه الاخر في الاذان. قال الاميني - رحمه الله - في الغدير 6 / 110: كان أحكام القضايا تدور مدار ما صدر عن رأي الخليفة سواء أصاب الشريعة أم أخطأ، وكان الخليفة له أن يحكم بما شاء وأراد وليس هناك حكم يتبع وقانون مطرد في الاسلام، ولعل هذا أفظع من التصويب المدحوض بالبرهنة القاطعة. ومن محدثات الخليفة: أن جعل معرفة البلوغ بالقياس بالاشبار، فإن وجد ستة أشبار فهو بالغ وإلا فلا ! !، كما أورده في السنن الكبرى 5 / 54 و 59، وأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ومسدد وابن المنذر في الاوسط، كما في كنز العمال 3 / 116. وأما تلاعبه بالحدود تقليلا وزيادة فلو راجعت المسانيد والسنن لوجدت منها العجب العجاب. وكفاك منها شاهدا ما أورده في كنز العمال 3 / 196 وما بعدها عن جملة مصادر. (1) قد اتفق المؤرخون أن عمر مفرق لا يقسم بالسوية - وإن اختلفوا في كمية وكيفية تفرقته في العطاء - راجع تفصيل ذلك في: أخبار عمر للطنطاوي: 122، فتوح البلدان للبلاذري: 435، والفخري للطقطقي: 60، وطبقات ابن سعد 3 / 233، والخراج لابي يوسف: 51، والكامل لابن الاثير 2 / 247، وشرح النهج لابن أبي الحديد المعتزلي 12 / 214 [3 / 153 طبعة مصر - أربع مجلدات]. وانظر أيضا: تاريخ الطبري 3 / 614، والاحكام السلطانية: 177، والاموال لابي عبيدة: 226 وغيرها. (2) كما جاء في تفسير الكشاف عند تفسير آية الخمس، وتفسير النسفي 2 / 616، وتفسير المنار 1 / 15، وأخبار عمر للطنطاوي: 105، وشرح النهج لابن أبي الحديد 12 / 214 [3 / 153]. وانظر: كتاب الاموال لابي عبيد حديث 40 و 842، وسيذكر المصنف - رحمة الله - مصادر أخرى في المتن، فانتظر. (3) قد نقل ابن أبي الحديد في شرحه 4 / 528 قول عمر لابنه: يا عبد الله بن عمر ! انظر ما علي من الذين ؟. فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألف درهم (أو نحوه). وبنفس هذا المضمون رواه المتقي في كنز العمال 6 / 362 في وفاة عمر. وأورد أصل الاقتراض

[45]

ليست من الاموال المباحة التي يجوز لكل أحد التصرف (1) فيها كيف شاء، بل هي من حقوق المسلمين يجب صرفه إليهم على الوجه الذي دلت عليه الشريعة المقدسة، فالتصرف فيها محظور إلا على الوجه الذي قام عليه دليل شرعي، وتفضيل طائفة في القسمة وإعطاؤها أكثر مما جرت السنة عليه لا يمكن إلا بمنع من استحق بالشرع حقه، وهو غصب لمال الغير وصرف له في غير أهله، وقد جرت السنة النبوية بالاتفاق على القسم بالتسوية. وأول من فضل قوما في العطاء هو عمر بن الخطاب كما اعترف به ابن أبي الحديد (2) وغيره (3) من علمائهم. قال ابن أبي الحديد (4): روى أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: استشار عمر اصحابة بمن يبدأ في القسم والفريضة ؟، فقالوا: ابدأ بنفسك. فقال: بل أبدأ بآل رسول الله صلى الله عليه [وآله] وذوي قرابته، فبدأ بالعباس، قال ابن الجوزي: وقد وقع الاتفاق على أنه


= الطبري في تاريخه 5 / 22، وابن الاثير في الكامل 3 / 29، وغيرهما كثير. (1) في (ك): التصريف. (2) شرح النهج لابن أبي الحديد 12 / 213. (3) كابن سعد في الطبقات الكبرى 3 / 282 وغيره، وذكر أبو هلال العسكري في كتابه الاوائل: 114: أن عمر جعل لعائشة اثني عشر ألفا في كل سنة، وكتب أزواج النبي في عشرة آلاف لكل واحدة، وكتب بعد أزواج النبي عليا عليه السلام في خمسة آلاف و [من] شهد بدرا من بني هاشم، وكتب عثمان في خمسة آلاف، ومن شهد بدرا من موالي بني أمية على سواء، ثم قال بمن نبدأ ؟. قالوا: بنفسك !. قال: بل نبدأ بآل أبي بكر، فكتب طلحة في خمسة آلاف، وبلالا في مثلها، ثم كتب لنفسه ومن شهد بدرا من بطون قريش خمسة آلاف.. خمسة آلاف، ثم كتب الانصار في أربعة آلاف. فقالوا: قصرت بنا على إخواننا ؟ !. قال: أجعل الذين قال الله لهم: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا) - الحشر: 8 - مثل من أتته الهجرة في داره ؟ !. قالوا: رضينا. ثم كتب لمن شهد فتح مكة في ألفين.. إلى آخره. (4) في شرحه على النهج 12 / 214 - 215 بتصرف.

[46]

لم يفرض لاحد أكثر مما فرض له، روي أنه فرض له خمسة عشر ألفا (1)، وروي أنه فرض له اثني عشر ألفا، وهو الاصلح، ثم فرض لزوجات رسول الله صلى الله عليه [وآله] لكل واحدة عشرة آلاف، وفضل عائشة عليهن بألفين فأبت (2)، فقال: ذلك لفضل (3) منزلتك عند رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فإذا أخذت فشأنك، واستثنى عن الزوجات جويرية وصفية وميمونة ففرض (4) لكل واحدة منهن ستة آلاف، فقالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] يعدل بيننا، فعدل عمر بينهن وألحق هؤلاء الثلاث بسائرهن، ثم فرض للمهاجرين الذين شهدوا بدرا لكل واحد خمسة آلاف، ولمن شهدها من الانصار لكل واحد أربعة آلاف. وقد روي أنه فرض لكل واحد ممن شهد بدرا من المهاجرين أو من الانصار أو غيرهم من القبائل خمسة آلاف، ثم فرض لمن شهد أحدا وما بعدها إلى الحديبية أربعة آلاف، ثم فرض لكل من شهد المشاهد بعد الحديبية ثلاثة آلاف، ثم فرض لكل من شهد المشاهد بعد (5) رسول الله صلى الله عليه [وآله] ألفين وخمسمائة، وألفين، وألفا وخمسمائة، وألفا واحدا.. إلى مائتين.. وهم أهل هجر (6)، ومات عمر على ذلك. قال ابن الجوزي: وأدخل عمر في أهل بدر ممن لم يحضر بدرا أربعة، وهم الحسن والحسين عليهما السلام وأبو ذر وسلمان، ففرض لكل واحد منهم خمسة


(1) لا توجد من قوله: روى.. إلى هنا، في المصدر، والظاهر كونه سقط منه. (2) وذكر أبو عبيد في كتاب الاموال: 226 فرضه لعائشة اثنى عشر ألف درهم. (3) في شرح النهج: بفضل. (4) في (س): فرض. (5) في المصدر زيادة: وفاة. (6) هجر: اسم بلد معروف بالبحرين.. وقرية من قرى المدينة، قاله ابن الاثير في نهايته 5 / 247. وهناك ثمة أقوال أوردها في مراصد الاطلاع 3 / 1452، ومعجم البلدان 5 / 392 - 393، فراجع.

[47]

آلاف (1). قال ابن الجوزي: فأما ما اعتمده في النساء فإنه جعل نساء أهل بدر على خمسمائة.. خمسمائة (2)، ونساء من بعد بدر إلى الحديبية على أربعمائة.. أربعمائة (3)، ونساء من بعد ذلك على ثلاثمائة.. ثلاثمائة (4)، وجعل نساء أهل القادسية على مائتين (5)، ثم سواى بين النساء بعد ذلك. انتهى. وروى البخاري (6) ومسلم (7) وغيرهما (8) بأسانيد عديدة أن النبي صلى الله عليه وآله قال للانصار في مقام التسلية قريبا من وفاته: ستلقون بعدي إثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض. وهل يريب عاقل في أن هذا القول - بعد أن كان يسوي بين المهاجرين والانصار مدة حياته - إخبار بما يكون بعده (9) من التفضيل، ويتضمن عدم إباحته وعدم رضاه صلى الله عليه وآله به. ويؤيد حظر التفضيل ومخالفة السنة في القسمة أن أمير المؤمنين عليه السلام ألطل سيرة عمر في ذلك، ورد الناس إلى السنة والقسم بالسوية (10)، وهو عليه


(1) هنا سقط يراجع المصدر. (2 و 3 و 4) لم تتكرر كلمات: خمسمائة، أربعمائة، ثلاثمائة، في المصدر. (5) تكررت كلمة: مائتين، في المصدر. (6) صحيح البخاري 7 / 89 و 90 في فضائل أصحاب النبي (ص)، وباب قول النبي (ص) للانصار: اصبروا، وكتاب الفتن باب قول النبي (ص): سترون بعدي أمورا تنكرونها. (7) صحيح مسلم كتاب الامارة باب الامر بالصبر عند ظلم الولاة حديث 1845. (8) والترمذي في سننه كتاب الفتن، باب ما جاء في الامرة حديث 2190، والنسائي في سننه 8 / 224 و 225 كتاب القضاء باب ترك استعمال من يحرض على القضاء، وابن الاثير في جامع الاصول 9 / 168 حديث 6727. (9) في (س): بعد - بلا ضمير -. (10) كما جاء في خطبة له عليه السلام: لو كان المال لي فسويت بينهم فكيف والمال مال الله.. انظر: نهج البلاغة لمحمد عبده 1 / 260 [1 / 140]، ولصبحي صالح: 183 خطبة 126.

[48]

السلام يدور مع الحق ويدور الحق معه حيثما دار بنص الرسول صلى الله عليه وآله (1)، كما تضافرت (2) به الروايات من طرف المخالف والمؤالف، ومع ذلك احتج عليه السلام على المهاجرين والانصار لما كرهوا عدله في القسمة وأنكروه عليه، بمخالفة التفضيل للشريعة، وألزمهم العدل في القسمة، فلم يرده عليه أحد منهم، بل أذعنوا له وصدقوا قوله، ثم فارقه طلحة والزبير ومن يقفوا إثرهما رغبة في الدنيا وكراهة للحق، كما سيأتي (3) في باب بيعته عليه السلام وغيره. وقد قال ابن أبي الحديد (4) - في بعض كلامه -: فإن قلت: إن أبا بكر قد قسم بالسوية (5)، كما قسمه أمير المؤمنين عليه السلام، ولم ينكروا عليه كما أنكروا على أمير المؤمنين عليه السلام ؟. قلت: إن أبا بكر قسم محتذيا بقسم رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فلما ولي عمر الخلافة وفضل قوما على قوم ألفوا ذلك ونسوا تلك القسمة الاولى، وطالت أيام عمر، وأشربت قلوبهم حب المال وكثرة العطاء، وأما الذين اهتضموا فقنعوا ومرنوا على القناعة، ولم يخطر لاحد من الفريقين أن هذه الحال تنتقض (6) أو تتغير بوجه ما، فلما ولي عثمان أجرى (7) الامر على ما كان عمر يجريه، فازداد وثوق العوام بذلك، ومن ألف أمرا أشق (8) عليه فراقه وتغيير العادة فيه، فلما ولي (1) مرت مصادر الحديث في أول تحقيقاتنا. (2) توجد حاشية في (ك) وهي: المضافرة - بالضاد والفاء -: التألب، وقد تضافر القوم، وتضافروا: إذا تألبوا. وقد تألبوا:.. أي اجتمعوا. النهاية. انظر: النهاية لابن الاثير 3 / 93 وفيه: وتظافروا - بالظاء أخت الطاء -، و 1 / 59. (3) بحار الانوار 32 / 145 - 148. (4) شرح النهج لابن أبي الحديد 7 / 42 - 43، بتفاوت كثير أشرنا إلى بعضه. (5) في المصدر: بالسواء. (6) في (س): تنقض. (7) في (ك): أجر. (8) جاءت في (ك): شق.


[49]

أمير المؤمنين عليه السلام أراد أن يرد الامر إلى ماكان في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بكر، وقد نسي ذلك ورفض، وتخلل بين الزمانين اثنتان وعشرون سنة، فشق ذلك عليهم وأكبروه (1) حتى حدث ما حدث من نقض البيعة ومفارقة الطاعة، ولله أمر هو بالغه !. وقال أمير المؤمنين عليه السلام (2) في بعض احتجاجه على طلحة والزبير: وأما ما ذكرتما من أمر الاسؤة (3) فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي ولا وليته هوى مني، بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد فرغ منه فلم أحتج إليكما فيما (4) فرغ الله من قسمه، والله (5) أمضى فيه حكمه فليس لكما - والله - عندي ولا لغير كما في هذا عتبى، أخذ الله بقلوبكم وقلوبنا (6) إلى الحق وألهمنا وإياكم الصبر. وقال ابن أبي الحديد في شرح هذا الكلام (7): قد (8) تكلم عليه السلام في معنى النفل و (9) العطاء: فقال: أني علمت بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك، وصدق عليه السلام، فإن رسول الله صلى الله عليه [وآله] سوى بين الناس في العطاء (10) وهو مذهب أبي بكر.


(1) في شرح النهج: وأنكروه وأكبروه. (2) نهج البلاغة - محمد عبده - 2 / 185، صبحي الصالح: 322 برقم 205. (3) مصداق الاسوة هنا هو التسوية بين المسلمين في قسمة الاموال، وكان ذلك سببا لغضبهما على ما روي. (4) زيادة جاءت في: صبحي الصالح: قد. (5) لا توجد: والله، في نسختي النهج. (6) في النهج: قلوبنا وقلوبكم. (7) شرح النهج للمعزلي 11 / 10. (8) في المصدر: ثم. (9) في المصدر: التنفيل في، بدلا من: النفل و. (10) في الشرح: في العطاء بين الناس - بتقديم وتأخيره.

[50]

ثم قال (1): إن طلحة والزبير قد نقما عليه (2) الاستبداد وترك المشاورة، وانتقلا من ذلك إلى الوقيعة فيه بمساواة الناس في قسمة المال، وأثنيا على عمر وحمدا سيرته وصوبا رأيه، وقالا: إنه كان يفضل أهل السوابق.. وضللا عليا فيما رأى، وقالا: إنه أخطإ.. وإنه خالف سيرة عمر وهي السيرة المحمودة.. (3). واستنجدا عليه بالرؤساء من المسلمين الذين (4) كان عمر يفضلهم وينفلهم في القسم على غيرهم، والناس أبناء الدنيا، ويحبون المال حبا جما، فتنكرت على أمير المؤمنين عليه السلام بتنكرهما قلوب كثيرة، ونغلت (5) عليه نيات كانت من قلب (6) سليمة. انتهى. وبالجملة، من راجع السير والاخبار لم يبق له ريب في أن سيرة أمير المؤمنين عليه السلام في القسمة هو العدل تأسيا برسول الله صلى عليه [وآله] واتباعا لكتابه، وقد احتج عليه السلام على المصوبين لسيرة عمر في تركه العدل بأن التفضيل مخالف للسنة، فلم يقدر أحد على رده، وصرح عليه السلام أن التفضيل جور وبذل المال في غير حقه تبذير وإسراف كما سيأتي. وروى ابن أبي الحديد (7)، عن هارون بن سعد (8)، قال: قال عبد الله بن جعفر (9) لعلي عليه السلام: يا أمير المؤمنين ! لو أمرت لي بمعونة أو نفقة !، فوالله ما لي نفقة إلا أن أبيع دابتي. فقال: لا والله، ما أجد لك شيئا إلا أن تأمر عمك


(1) قال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 11 / 11. (2) جاءت العبارة في المصدر هكذا: وتنقما عليه. أقول: مرجع الضمير: طلحة والزبير. (3) هنا سقط جاء في الشرح. (4) لا توجد: الذين، في المصدر. (5) في (س): نقلت. وجاء في حاشية (ك): نفلت نياتهم أي فسدت صحاح. انظر: الصحاح 5 / 1832. (6) خ. ل: كان من قبل. وفي المصدر: كانت من قبل، وهو الانسب. (7) في شرح النهج 2 / 200. (8) في (س): مبعد، وفي المصدر: سعيد. (9) زيادة: ابن أبي طالب، جاءت في الشرح.

[51]

أن (1) يسرق فيعطيك. وذكر ابن أبي الحديد (2) - أيضا - أن عمر أشار (3) على أبي بكر في أيام خلافته بترك التسوية فلم يقبل، وقال: إن الله لم يفضل أحدا على أحد، وقال: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) (4) ولم يخص قوما دون قوم. ثم لم يستند عمر فيما زعمه صوابا إلى شبهة فضلا عن حجة، ولو أقام حجة على ما زعمه لحكاه الناصرون له. وقد روى ابن الاثير في الكامل (5) ذلك، إلا أنه لم يصرح بالمشير سترا عليه (6). وهل يرتاب عاقل في أنه لو كان إلى جواز التفضيل ومصانعة الرؤساء


(1) لا توجد في (س): ان. (2) شرح النهج لابن أبي الحديد 8 / 111 بتصرف. (3) في المصدر: وقد كان أشار. (4) التوبة: 60. (5) الكامل 2 / 290. (6) وها هو يأخذ الزكاة من الخيل مع عدم أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا أبو بكر، وقد وردت روايات في ذلك عن طريق العامة، كما في موطأ مالك 1 / 206، ومسند احمد 1 / 14، وسنن البيهقي 4 / 118، ومستدرك الحاكم 1 / 401، ومجمع الزوائد 3 / 69، بل عد العسكري في أوائله، والسيوطي في تاريخ الخلفاء: 93 وغيرهما: أن عمر أول من أخذ زكاة الخيل. ومن هنا وقع الشجار بينهم وبين من اتبع السنة النبوية عي عدم تعلق الزكاة بالخيل أن الخليفة يسن للامة مالا أصل له في الدين كزكاة الخيل وصلاة التراويح وغيرهما، وقد ينقض السنة الثابتة للصادع الكريم خشية ظن الامة الوجوب !. قال الشافعي في كتاب الام 2 / 189: قد بلغنا أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان كراهية أن يقتدى بهما فيظن من رآهما أنها واجبة. وجاء في مختصر المزني - هامش كتاب الام - 5 / 210. وفي رواية أخرى: مخافة أن يستن بهما، كما في السنن الكبرى للبيهقي 9 / 265، والكبير للطبراني، والمجمع للهيثمي 4 / 18 من طريق الطبراني، وقال رجاله صحيح. وذكره السيوطي في جمع الجوامع، كما في ترتيبه 3 / 45 نقلا عن ابن أبي الدنيا في الاضاحي، والحاكم في الكنى، وأبي بكر عبد الله بن محمد النيسابوري في الزيادات، ثم قال: قال ابن كثير: إسناده صحيح. وقال الهندي في كنز العمال 3 / 45 نقلا عن الشعبي: أن أبا بكر وعمر شهدا الموسم فلم يضحيا. وها هو ينقض السنة الثابتة من الصادع الكريم خشية ظن الامة الوجوب ويسن لها ما لا =

[52]

والاشراف للمصالح سبيل لما عدل أمير المؤمنين عليه السلام إلى العدل والتسوية، مع ما رأه عيانا من تفرق أصحابه عنه لذلك وميلهم إلى معاوية بقبضه عنهم ما عودهم به عمر بن الخطاب كما سيأتي (1)، ولم يكن يختار أمرا يوجب حدوث الفتن وإراقة الدماء، ولما كان يمنع عقيلا صاعا من بر فيذهب إلى معاوية. فإن قيل: فلم كان الحسنان عليهما السلام يقبلان التفضيل، وأبوهما عليه السلام لم رضي بذلك ؟. قلنا: أما للتقية كما مرمرارا، أو لان عمر لما حرمهم حقهم من الخمس والفئ والانفال فلعلهما أخذا ما أخذا عوضا من حقوقهم. ويمكن أن يقال: لما كان أمير المؤمنين عليه السلام ولي الامر فلعل ما أخذاه صرفه عليه السلام في مصارفه، وكان الاخذ من قبيل الاستنقاذ من الغاصب والاستخلاص من السارق. ثم من غريب ما ارتكبه عمر من المناقضة في هذه القصة أنه نبذ سنة (2) رسول الله صلى الله عليه وآله وراء ظهره وأعرض عنه رأسا، وفضل من شاء على غيره، ثم لما قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعدل بيننا، عدل بين الثلاث وبين غيرهن سوى عائشة، وقد كان فضل عائشة بألفين (3)، فكيف كانت سيرة الرسول صلى الله عليه وآله في التسوية بين ثمان من الزوجات حجة، ولم تكن حجة في العدل بين التسع، ولا بين المهاجرين والانصار وغيرهم ؟. واعلم أن أكثر الفتن الحادثة في الاسلام من فروع هذه البدعة، فإنه لو استمر الناس على ما عودهم الرسول من العدل وجرى عليه الامر في أيام أبي بكر


= أصل له في الدين كزكاة الخيل وصلاة التراويح وغيرهما من أحداث كثيرة ! !. (1) بحار الانوار: في عدة موارد منها ما مر صفحة 44 وما سيأتي قريبا 40 / 107 و 41 / 116، وعن العامة في احقاق الحق 8 / 532 - 573، فراجع. (2) لا توجد: سنة، في (س). (3) قد مرت المصادر في أول الطعن، وجاءت في طبقات ابن سعد 3 / 304 أيضا.

[53]

لما نكث طلحة والزبير بيعة أمير المؤمنين عليه السلام، ولم تقم فتنة الجمل، ولم يستقر الامر لمعاوية، ولا تطرق الفتور إلى اتباع أمير المؤمنين عليه السلام وأنصاره، ولو كان المنازع له في أول خلافته معاوية لدفعه بسهولة ولم ينتقل الامر إلى بني أمية، ولم يحدث ما أثمرته تلك الشجرة الملعونة من إراقة الدماء المعصومة، وقتل الحسين عليه السلام، وشيوع سب أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر، ثم انتقال الخلافة إلى بني العباس وما جرى من الظلم والجور على أهل البيت عليهم السلام وعلى سائر أهل الاسلام. وقد كان من الدواعي على الفتن والشرور بدعته الاخرى وهي الشورى، إذ جعل طلحة والزبير مرشحين للخلافة نظيرين لامير المؤمنين عليه السلام، قشق عليهما طاعته والصبر على الاسوة والعدل، وهذا في غاية الوضوح (1). وقد روى ابن عبد ربه في كتاب العقد (2) - على ما حكاه العلالمة رحمه الله عنه في كشف الحق (3) -، قال: إن معاوية قال (4) لابن الحصين (5): أخبرني: ما الري شتت أمر المسلمين وجماعتهم (6) ومزق ملاهم، وخالف بينهم ؟ !. فقال: قتل عثمان (7). قا: ما صنعت شيئا ؟. قال: فسير (8) علي إليك (9). قال: ما صنعت شيئا (10) ؟. قال: ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين. قال: فأنا أخبرك،


(1) ستأتي مفصلا في الطعن الثامن عشر. (2) العقد الفريد 4 / 281 [3 / 75 طبعة أخرى]. (3) كشف الحق (نهج الحق وكشف الصدق): 355. (4) لا توجد: قال، في (س). (5) هو: عمران بن حصين. وفي العقد: حضين. (6) لا توجد: وجماعتهم، في العقد. (7) كذا في الكشف، وفي العقد: قال: نعم، قتل الناس عثمان. (8) في المصدرين: فمسير. (9) في العقد زيادة: وقتاله إياك. (10) في الكشف والعقد زيادة: قال: فمسير طلحة والزبير وعائشة وقتال علي إياهم. قال: ما صنعت شيئا.

[54]

إنه لم يشتت بين المسلمين ولافرق أهواءهم إلا الشورى التي جعلها عمر في (1) ستة.. ثم فسر معاوية ذلك، فقال: لم يكن من الستة رجل إلا (2) رجاها لنفسه، ورجاها (3) لقومه، وتطلعت إلى ذلك نفوسهم (4)، ولو أن عمر استخلف (5) كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف. وقد حكى ابن أبي الحديد (6) - أيضا - ذلك عن معاوية وقد تمم إثارة الفتنة بإغواء معاوية وعمر وبن العاص وأطماعهما (7) في الخلافة، وكان معاوية عامله على الشام وعمروبن العاص أميره وعامله على مصر، فخاف أن يصير الامر إلى علي عليه السلام. فقال - لما طعن وعلم بأنه سيموت (8) -: يا أصحاب محمد ! تناصحوا فإن (9) لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان، روى ذلك ابن أبي الحديد (10). ثم حكى (11) عن شيخنا المفيد رحمه الله، أنه قال: كان غرض عمر بإلقاء هذه الكلمة إلى الناس أن تصل إلى عمرو بن العاص ومعاوية فيتغلبا على مصر والشام لو أفضي الامر إلى علي عليه السلام. وبالجملة، جميع ما كان وما يكون في الاسلام من الشرور إلى يوم النشور


(1) في العقد: إلى ستة. (2) في العقد: لم يكن رجل منهم إلا.. (3) في المصدرين زيادة: له، هنا. (4) في الكشف: أنفسهم، وفي العقد: نفسه. (5) في العقد زيادة: عليهم. (6) في شرحه على نهج البلاغة 3 / 99. (7) في (س): أطماعها. وهو سهو. (8) جاءت العبارة في المصدر هكذا: ان عمر بن الخطاب قال لما طعن.. (9) في الشرح: فإنكم إن.. (10) قاله ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 3 / 99. (11) ابن أبي الحديد في شرحه 3 / 99 بتصرف واختصار.

[55]

إنما أثمرته شجر فتنته، فغرس أصل الفتن يوم السقيفة، ورباها (1) ببدعه من التفضيل في العطاء ووضع الشورى و.. غير ذلك، فهو السهيم في جميع المعاصي والاجرام، والحامل لجملة الاوزار والاثام، كما مر في الاخبار الكثيرة. وأما الخمس، فالاية صريحة في أن لذي القربى فيه حقا، وإن اختلفوا في قدره ولم ينكر أحد أن عمر بن الخطاب لم يعطهم شيئا من أرض السواد ولا من خراجها، وكذلك منع سهمهم من أرض خيبر ومن سائر الغنائم وجعل الغنائم من بيت المال ووقف خراجها على مصالح، كما مر. وروى في جامع الاصول (2) من صحيحي أبو داود (3) والنسائي (4)، عن يزيد بن هرمز، قال: إن نجدة الحروري حين حج في فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى لمن يراه ؟. فقال له: لقربي (5) رسول الله صلى الله عليه [وآله] قسمه رسول الله صلى الله عليه [وآله] لهم، وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا، ورددناه (6) عليه، وأبينا أن نقبله. هذه رواية أبي داود (7). وفي رواية النسائي، قال: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى لم هو ؟. قال يزيد بن هرمز: فأنا كتبت كتاب ابن عباس إلى نجدة، كتب إليه: كتبت تسألني عن سهم ذي القربى لمن هو ؟ وهو هنا أهل البيت، وقد كان


(1) خ. ل: ورياها. (2) جامع الاصول 2 / 695 - 696 حديث 1197 باختلاف يسير. (3) كذا، والصحيح: أبي داود - بالياء - سنن أبي داود كتاب الخراج والامارة باب بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى حديث 2982. (4) سنن النسائي 7 / 128 - 129 في قسم الفئ. (5) في (س): كقربى. (6) في جامع الاصول: فرددناه. (7) وأخرجه أيضا مسلم في صحيحه كتاب الجهاد باب النساء الغازيات رضخ لهن ولا يسهم حديث 1812.

[56]

عمر دعانا إلى أن ينكح (1) ايمنا (2) ويجدي (3) منه عائلنا، ويقضي منه عن غارمنا، فأبينا إلا أن يسلمه إلينا، وأبى ذلك فتركنا عليه. وفي رواية أخرى له مثل أبي داود، وفيه: وكان الذي عرض عليهم أن يعين ناكحهم، ويقضي عن غارمهم، ويعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك. انتهى. وهي - مع صحتها عندهم - تدل على أن عمر منع ذوي القربى بعض حقهم الذي أعطاهم رسول الله عليه وآله، ويفهم منها أن (4) هذا المنع إنما كان خوفا من قوة بني هاشم لو وصل إليهم ما فرض الله لهم من الخمس فيميل الناس إليهم رغبة في الدنيا فيمكنهم طلب الخلافة، وقد كان خمس الخراج من سواد العراق وحده اثنين وثلاثين ألف ألف درهم في كل سنة على بعض الروايات سوى خمس خيبر وغيرها، ولاريب أن قيمة خمس تلك الاراضي أضعاف أضعاف هذا المبلغ، وكذا خمس الغنائم المنقولة المأخوذة من الفرس وغيرهم مال خطير، فلو أنهم لم يغصبوا هذا الحق بل أدوا إلى بني هاشم وسائر ذوي القربى حقهم لم يفتقر أحد منهم أبدا، فوزر ما أصابهم من الفقر والمسكنة في أعناق أبي بكر وعمر وأتباعهما إلى يوم القيامة. وأما الفرض، فقد قال ابن أبي الحديد (5): روى ابن سعد في كتاب الطبقات (6): أن عمر خطب فقال: إن قوما يقولون: إن هذا المال حلال لعمر،


في المصدر زيادة: منه. (2) الايم: العزب، رجلا كان أو امرأة، كما في الصباح المنير 1 / 43. والايم - في الاصل - التي لا زوج لها، بكرا كانت أو ثيبا، مطلقة كانت أو متوفى عنها، كما في النهاية 1 / 85 وغيرها. (3) جاءت الكلمة: يحذي، في المصدر، ويجزي في (س). (4) في (س): على أن - بزيادة على -. (5) شرح نهج البلاغة 12 / 219 - 220. (6) طبقات ابن سعد 3 / 275 - 276، ضمن حديث بتصرف.

[57]

وليس كما قالوا، لاها الله (1) إذن ! أنا أخبركم بما استحل منه، يحل لي منه (2) حلتان، حلة في الشتاء وحلة في القيظ (3)، وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم ولا أفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم (4). وروى ابن سعد (5) - أيضا -، أن عمر كان إذا احتاج أتى إلى صاحب بيت المال فاستقرضه، فربما عسر عليه القضاء (6) فيأتيه صاحب بيت المال فيتقاضاه، فيحتال له، وربما خرج عطاؤه فقضاه. ولقد (7) اشتكى مرة فوصف له الطبيب العسل، فخرج حتى صعد المنبر - وفي بيت المال عكة (8) -، فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها وإلا فهي علي حرام، فأذنوا له فيها.


(1) قال في النهاية 5 / 237: وقد يقسم بالهاء فيقال: لاهاالله ما فعلت.. أي لا والله فعلت، أبدلت الهاء من الواو، ومنه حديث أبي قتادة يوم حنين: قال أبو بكر: لاها الله إذا.. هكذا جاء الحديث، والصواب لاهاالله ذا - بحذف الهمزة - ومعناه: لا والله لا يكون ذا، أو: لا والله الامر ذا، فحذف تخفيفا. (2) لا توجد: منه، في الطبقات. (3) القيظ: حمارة الصيف، كما في الصحاح 3 / 1178، وقال في مجمع البحرين 4 / 290: هو: صميم الصيف، ومثله في القاموس 2 / 398، والنهاية 4 / 132. (4) ونقله ابن الجوزي في سيرة عمر: 75 - 76. (5) طبقات ابن سعد 3 / 276، بتصرف. (6) لا توجد: القضاء، في الطبقات. (7) الطبقات 3 / 277 بإسناد آخر وبتصرف. (8) العكة - بالضم -: آنية السمن اصغر من القربة، كما في القاموس 3 / 313، وانظر الصحاح 4 / 1600. (9) جاء في طبقات ابن سعد ضمن حديث آخر في 3 / 281. (10) في المصدر: إن. (11) في (س): سافر.

[58]

منهم لينفق عليهم، فهل يحل له أن يستأثر منها بشئ ؟. وروى أخبارا أخر أيضا من هذا الباب ظنا منه أنها تعينه على دفع الطعن، مع أنها مما يؤيده، إذ بعضها يدل على أنه كان يرى الاخذ من بيت المال مجانا حراما ولو كان للضرورة، إلا أن يأذن ذوو الحقوق في ذلك، فيرد حينئذ أن الاستئذان ممن حضره حين صعد المنبر في الاكل من العسل لا يغني من جوع، فإن الحق لم يكن منحصرا في هؤلاء، ولم يكونوا وكلاء لمن غاب عنه حتى يكفيه إذنهم في التناول منه، مع أن بيت المال مصرفه مصالح المسلمين وليس مشتركا بينهم كالميراث ونحوه، فإذا لم يكن للحاضرين حاجة مصححة للاخذ منه لم يكن لهم فيه حق حتى ينفع إذنهم في الاخذ، وكون أخذ الامام من المصالح - لاسيما للدواء - لا ينفع، فإنه لو تم لدل على عدم الحاجة إلى الاستئذان مطلقا، فهذه [كذا] الاستئذان دائر بين أن يكون ناقصا (1) غير مفيد وبين أن يكون لغوا لا حاجة إليه، فيدل إما على الجهل وقلة المعرفة أو على الشيد والمكر لاخذ قلوب العوام، كما يقال: يتورع من سواقط الاوبار ويجر الاحمال مع القطار.

الطعن السادس عشر:

إنه كان يتلون في الاحكام، حتى روي أنه قضى في الجد بسبعين (2) قضية،


(1) في (س): ناقضا. (2) في (س): سبعين. أقول: وقد ذكر البيهقي في السنن الكبرى 6 / 246: أن أول جد ورث في الاسلام عمربن الخطاب، مات ابن فلان به عمر فأراد أن يأخذ المال دون اخوته، فقال له علي وزيد رضي الله عنهما: ليس لك ذلك. فقال عمر: لولا أن رأيكما اجتمع لم أر أن يكون ابني ولا أكون أباه. وقريب منه ما ذكره الدارمي في سننه 2 / 354. وأنظر: مستدرك الحاكم 4 / 340، ومجمع الزوائد وقال البيهقي في سننه 6 / 245 عن عبيدة قال: إني لاحفظ عن عمر في الجد مائة قضية كلها ينقض بعضها بعضا.=

[59]

هذا يدل على قلة علمه، وأنه كان يحكم بمجرد الظن والتخمين والحدس من غير ثبت ودليل (1)، ومثل هذا لا يليق بإمامة المسلمين ورئاسة الدنيا والدين.

الطعن السابع عشر: إنه هم بإحراق بيت فاطمة عليها السلام (2)، وقد كان فيه أمير المؤمنين وفاطمة والحسنان عليهم السلام، وهددهم وآذاهم مع أن رفعة شأنهم عند الله تعالى وعند رسوله (ص) مما لا ينكره أحد من البشر (3) إلا من أنكر ضوء الشمس


= وذكر ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1 / 181 [1 / 61 طبعة مصر]: كان عمر يفتي كثيرا بالحكم ثم ينقضه ثم ينقضه ويفتي بضده وخلافه، قضى في الجد مع الاخوة قضايا كثيرة مختلفة، ثم خاف من الحكم في هذه المسألة فقال: من أراد أن يتقحم (يقتحم) جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه. (1) وله عدة موارد أقضية كان حكمه فيها مجرد رأي وتحكم وتضارب وتضارب وتشتت، قد مرت منها موارد وسيأتي منها موارد أخرى. منها: ترك الخليفة القود ممن يستحقه محاباة، كما أورده البيهقي في السنن الكبرى 8 / 32، والسيوطي في جمع الجوامع، كما في ترتيبه 7 / 303، وغيرهما، وجاء فيهما عدة وقائع. ونظيره ما رواه في كنز العمال 7 / 304. ومنها: قضاؤه في قتل قاتل عفا عنه بعض أولئ الدم، كما أورده الشافعي في كتابه الام 7 / 295، والبيهقي في سننه 8 / 60 وغيرهما. وانظر مسألة الكلالة في الطعن الثالث عشر. (2) قال ابن قتيبة في الامامة وسياسة تحت عنوان: كيف كان بيعة علي بن أبي طالب (ع) 1 / 19: إن أبا بكر تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي عليه السلام فبعث إليهم عمر فجاء فنااداهم - وهم في دار علي عليه السلام - فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب، وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لاحرقنها على من فيها. فقيل له فيها: يا أبا حفص ! إن فيها فاطمة. فقال: وإن. وجاء بلفظ آخر في كنز العمال 3 / 139، وقال: أخرجه ابن أبي شيبة. وفيه: وأيم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندكم إن أمرتهم أن يحرق عليهم الباب !. (3) وهذه فعاله وبين أيديهم هتاف النبي الاقدس: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني. وفي لفظ: يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها. وفي ثالث: يؤذني ما آذاها وينصبني ما أنصبها. =

[60]

ونور القمر، وقد تقدم (1) القول فيه مستوفى فيما غبر.

الطعن الثامن عشر: ما وقع منه في قصة الشورى، فقد أبدع فيها أمورا كثيرة: منها: إنه خرج عن النص والاختيار جميعا، فإنه قال قاضي القضاة في


= وفي رابع: فاطمة شجنة مني يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها. وفي خامس: فاطمة مضغة مني يقبضني ما قبضها ويبسطني ما بسطها. وفي سادس: يسرني ما يسرها. وفي سابع: فاطمة قلبي وروحي التي بين جنبي، فمن آذاها فقد آذاني. وقد نقلها عن تسعة وخمسين راويا العلامة الاميني - رحمه الله - في الغدير 7 / 331 - 336، وتعرض أيضا في 3 / 20 - 21. وقال في شرح الجامع الصغير 4 / 421: استدل به السهيلي على أن من سبها كفر، لانه يغضبه. وذكر ابن حجر: وفيه تحريم أذى كل ما يتأذى الممصطفى بتأذية، فكل من وقع منه في حق فاطمة شئ، فتأذت به فالنبي يتأذى به بشهادة هذا الخبر. وتذكر مثالا مصادر للحديث على اختلاف ألفاظه: صحيح البخاري 5 / 274، صحيح مسلم 2 / 261، سنن ابن ماجة 1 / 216، سنن أبي داود 1 / 324، جامع الترمذي 2 / 319، نوادر الاصول للترمذي: 308، خصائص النسائي: 35، مسند احمد بن حنبل 4 / 323، 328، الاغاني 8 / 156، مستدرك الحاكم: 154، 158، 159 وحلية الاولياء 2 / 40، السنن الكبرى 7 / 307، مشكاة المصابيح: 560، مصابيح السنة 2 / 278، الجامع الصغير والكبير لسيوطي، تهذيب التهذيب 12 / 441، الصواعق لابن حجر: 112، 114، الفصول المهمة: 150، نزهة المجالس: 228، نور الابصار: 45 وغيرها كثير جدا. (1) بحار الانوار 28 / 231 - 339، باب 4، جملة احاديث منها: 17، 50، 69، وغيرها. أقول: والادهى من كل ذا وامر قولته لسيد الوصيين ويعسوب الدين أمير المؤمنين صلوات الله عليه: إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك ! بعد رفضه البيعة، وأجابه بعد قوله: تقتلون إذا عبد الله وأخا رسوله - قال: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسول الله فلا، كما أوردها ابن قتيبة في الامامة والسياسة وغيره، وناقشها سيدنا الفيروز آبادي في السبعة من السلف 2 / 17 مفصلا، فراجع.

[61]

المغني (1): قد ثبت عند كل من يقول بالاختيار أنه إذا حصل العقد من واحد برضا أربعة صار إماما، واختلفوا فيما عدا ذلك، فلابد فيما يصير به إماما من دليل، فما قارنه الاجماع يجب أن يحكم به. وحكى (2) عن شيخه أبي علي، أنه قال: إن ما روي عن عمر أنه قال: إن بايع ثلاثة وخالف اثنان فاقتلوا الاثنين (3).. من أخبار الاحاد، ولا شئ يقتضي صحته، فلا يجوز أن يطعن به في الاجماع. فكلامهم صريح في أن الامامة بالاختيار [انه] (4) لا يكون بأقل من خمسة، وقد ثبت عن عمر خلافه. ومنها: إنه وصف كل واحد منهم بوصف زعم أنه يمنع من الامامة، ثم جعل الامر فيمن له هذه الاوصاف. وقد روى السيد في الشافي (5)، عن الواقدي بإسناده عن ابن عباس، قال: قال عمر: لاأدري ما أصنع بأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟. - وذلك قبل أن يطعن -، فقلت: ولم تهتم وأنت تجد من تستخلفه عليهم ؟. قال: أصاحبكم - يعني عليا ؟ ! -. قلت: نعم والله، هو لها أهل في قرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصهره وسابقته وبلائه ؟. قال: إن فيه بطالة وفكاهة (6) !. قلت:


(1) المغني 20 / 21 - 26 - القسم الثاني -. وأورده السيد المرتضى في الشافي 3 / 207. (2) المغني 20 / 26 - القسم الثاني -. ونقله بمعناه السيد في الشافي 4 / 202، وابن أبي الحديد في شرحه 12 / 258. (3) وقد نص الطبري في تاريخه 4 / 229 حوادث سنة 23 ه‍ على أمر عمر بالقتل لمن خالف الشورى، وغيره. (4) كذا، وخط عليها ورمز لها نسخة بدل في مطبوع البحار. (5) الشافي 4 / 202 - 205، بتصرف واختصار. (6) قال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 12 / 279: وأنا أعجب من لفظة عمر - إن كان قالها -: إن فيه بطالة،.. حاش لله أن يوصف علي عليه السلام بذلك، وإنما يوصف به أهل الدعابة واللهو، وما أظن عمر - إن شاء الله - قالها، وأظنها زيدت في كلامه ! وإن الكلمة هاهنا دالة على انحراف شديد !.

[62]

فأين (1) عن طلحة ؟. قال: فابن الزهو والنخوة. قلت: عبد الرحمن ؟. قال: هو رجل صالح على ضعف فيه. قلت: فسعد ؟. قال: صاحب (2) مقنب وقتال لا يقوم بقرية لو حمل أمرها. قلت: فالزبير ؟. قال: وعقة لقس (3)، مؤمن الرضا كافر (4) الغضب، شحيح، وإن هذا الامر لا يصلح (5) إلا لقوي في غير عنف، رفيق (6) في غير ضعف، جواد (7) في غير سرف. قلت: فأين أنت عن عثمان (8) ؟. قال: لووليها لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، ولو فعلها لقتلوه (9). قال السيد رحمه الله (10): وقد روي من غير هذا الطريق أن عمر قال لاصحاب الشورى: روحوا إلي، فلما نظر إليهم قال: قد جاءني كل واحد منهم


(1) في المصدر زيادة: أنت. (2) في الشافي: ذاك صاحب. (3) جاء في حاشية (ك) ما يلي: وفي حديث عمر واهتمامه للخلافة فذكر له سعد، فقال: ذلك إنما يكون في مقنب من مقاببكم.. االمقنب - بالكسر -: جماعة الخيل والفرسان، وقيل: هي دون المائة، يريد أنه صاحب حرب وجيوش وليس بصاحب هذا الامر، ذكره في النهاية. وقال في حديث عمر:.. وذكر الزبير، فقال: وعقة لقس.. الوعقة - بالسكون -: الذي يضجر ويتبرم، يقال: رجل وعقة ووعقة أيضا، ووعق - بالكسر - فيهما. واللقس: السئ الخلق، وقيل: الشحيح. [منه (نور الله ضريحه)]. انظر: النهاية 4 / 111 فيه: هو دون.. و 5 / 207 و 4 / 264. (4) في حاشية (ك): مؤمن، ثم كتب بعدها: ابن أبي الحديد. ولعلها في بعض نسخه، وما هنا مثبت في المصدر المطبوع. (5) في الشافي زيادة: له. ولا توجد في شرح النهج. (6) في (ك): رقيق. (7) في (س) نسخة بدل: وجواد. (8) في المصدر: وعثمان. ولا توجد: عن، فيه. (9) حديث ابن عباس مع عمر جاء في الفائق 2 / 425 - 426، وأنساب البلاذري 5 / 16 باختلاف في العبارة، وجاء فيه: 17: قيل: طلحة ؟. قال: أنفه في السماء واسته في الماء. وذكره في شرح النهج لابن أبي الحديد 12 / 258 - 259، باختلاف يسير. (10) الشافي 4 / 203 - 204، ونقله عنه ابن أبي الحديد في شرحه 12 / 259 - 260.

[63]

يهز عقيرته (1) يرجو أن يكون خليفة، أما أنت يا طلحة أفلست القائل: إن قبض النبي (ص) أنكح (2) أزواجه من بعده ؟ فما جعل الله محمدا بأحق ببنات أعمامنا (3)، فأنزل الله تعالى (4) فيك: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) (5)، وأما (6) أنت يا زبير ! فوالله ما لان قلبك يوما ولا ليلة، ومازلت جلفا (7) جافيا، وأما أنت يا عثمان فوالله لروثة (8) خير منك، وأما أنت يا عبد الرحمن فإنك رجل عاجز تحب (9) قومك جميعا، وأما أنت يا سعد فصاحب عصبية وفتنة (10)، وأما أنت يا علي فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الارض لرجحهم (11)، فقام علي عليه السلام موليا يخرج (12)، فقال عمر: والله إني لاعلم مكان الرجل لو وليتموه أمركم لحملكم (13) على المحجة البيضاء، قالوا: من هو. قال: هذا المولي من بينكم. قالوا: فما يمنعك من ذلك ؟. قال: ليس إلى


(1) جاء في حاشية (ك): يهز عقيرته.. أي رفع صوته، قيل: أصله أن رجلا قطعت رجله فكان يرفع المقطوعة على الصحيحة ويصيح من شدة وجعها باعلى صوته، فقيل لكل رافع صوته: رفع عقيرته، العقيرة - فعيلة - بمعنى مفعولة. نهاية. انظر: النهاية 3 / 275 وفيه: إنه رفع عقيرته.. أي صوته. وقال فيه 5 / 262: نهز بهما.. أي نسرع السير بهما.. هزيزا كهزيز الرحى.. أي صوت دورانها. (2) في المصدر: لننكحن. (3) زيادة: منا، جاءت في الشافي. (4) لا توجد في المصدر: تعالى. (5) الاحزاب: 53. (6) في (س): وما. (7) قال في النهاية 1 / 287: الجلف: الاحمق. (8) زيادة: أهلك، جاءت في المصدر. وشرح ابن أبي الحديد كالمتن. (9) في الشافي: ما تحب، وما في المتن هو الظاهر. (10) جاءت العبارة في الشافي هكذا: فأنت رجل عصبي. (11) في المصدر: لرجح - بلا ضمير -. (12) لا توجد في الشافي: يخرج. (13) في الشافي: مكان رجل لو وليتموها إياه لحملكم.

[64]

ذلك سبيل (1). وفي خبر آخر - رواه البلاذري في تاريخه (2) -: أن عمر لما خرج أهل الشورى - من عنده، قال: إن ولوها الاجلح (3) سلك بهم الطريق. فقال عبد الله بن عمر (4): فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين ؟. قال: أكره أن أتحملها حيا وميتا. فوصف - كما ترى (5) - كل واحد من القوم بوصف قبيح يمنع من الامامة، ثم جعلها في جملتهم حتى كأن تلك الاوصاف تزول في حال الاجتماع، ونحن نعلم أن الذي ذكره إن كان مانعا من الامامة في كل واحد على الانفراد فهو مانع مع الاجتماع، مع أنه وصف عليا عليه السلام بوصف لا يليق به ولا ادعاه عدو قط عليه، بل هو معروف بضده من الركانة والبعد عن المزاح والدعابة (6)، وهذا معلوم ضرورة لمن سمع أخباره عليه السلام، وكيف يظن به ذلك، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا أطرق هبنا أن نبتدئه (7) بالكلام، وهذا لا يكون إلا من شدة التزمت (8) والتوقر وما يخالف الدعابة والفكاهة. ومنها: أنه قال: لا أتحملها حاى وميتا.. وهذا إن كان على عدوله عن


(1) لا توجد: سبيل، في (س). (2) الانساب للبلاذري 5 / 18. وأورده أبو عمر في الاستيعاب 4 / 274 - 275 [2 / 419] في ترجمة علي بن أبي طالب عليه السلام، وابن سعد في الطبقات 3 / 341 - 342، والهندي في كنز العمال 6 / 359، والطبري في الرياض النضرة 2 / 72 وغيرهم في غيرها. (3) الاجلح من الناس.. من انحسر الشعر عن جانبي مقدم رأسه. (4) في الشافي: قال ابن عمر. (5) في الشافي: كما ترى، وقعت بعد: من القوم. (6) في المصدر: الفكاهة، بدلا من: الدعابة. (7) في المصدر المطبوع: تبتدئه. (8) جاء في حاشية (ك): قال الجوهري: الزميت: الوقور، وفلان ازمت الناس.. أي اوقرهم. [منه (رحمه الله)]. انظر: الصحاح للجوهري 1 / 250. (*)

[65]

النص على واحد بعينه فهو قول متملس (1) متخلص لا يفتات على الناس في آرائهم، ثم نقض هذا بأن نص على ستة من بين العالم كله، ثم رتب العدد ترتيبا مخصوصا يؤول إلى (2) أن اختيار عبد الرحمن هو المقدم، وأي شئ يكون من التحمل أكبر من هذا ؟ وأي فرق بين أن يتحملها بأن ينص على واحد بعينه وبين أن يفعل ما فعله من الحصر والترتيب ؟ !. ومنها: أنه أمر بضرب أعناق قوم - أقر بأنهم أفضل الامة - إن تأخروا عن البيعة أكثر من ثلاثة أيام، ومعلوم أن بذلك لا يستحقون القتل، لانهم إذا كانوا إنما كلفوا أن يجتهدوا آراءهم في اختيار الامام فربما طال زمان الاجتهاد وربما قصر بحسب ما يعرض فيه من العوارض، فأي معنى للامر بالقتل إذا تجاوز الايام الثلاثة ؟. ثم (3) أنه أمر بقتل من يخالف الاربعة (4)، ومن يخالف العدد الذي فيه عبد


في حاشية (ك): الملاسة: ضد الخشونة: يقال: ملسته فتملس، وانملس من الامر: أفلت منه. والافتيات: افتعال من الفوت وهو السبق إلى الشئ دون ائتمار من يؤتمن، يقال: إفتات عليه بأمر كذا.. أي فاته به، وفلان لايفتات عليه.. أي لا يعمل بشئ دون امره. [منه (رحمه الله)]. انظر: الصحاح 3 / 979 - 980 و 1 / 260، ولسان العرب 6 / 221 و 2 / 69 - 70، وفيهما: يؤتمر، بدلا من: يؤتمن. وهو الظاهر. (2) في (س): إلا. وما في الشافي كالمتن. (3) لا توجد: ثم، في (ك). (4) أقول: أخرج الطبري في تاريخه 5 / 35 قال: قال عمر لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليا وعثمان الزبير وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة - ان قدم - وأحضر عبد الله بن عمر - ولا شئ له من الامر - وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فأشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف - وان اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، فإن رضى ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس. ذكره البلاذري في إنساب الاشراف 5 / 16 - 18، وابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 / 23، =

[66]

الرحمن، وكل ذلك مما لا يستحق به القتل (1). وما تمسكوا به من أن أمير المؤمنين عليه السلام دخل في الشورى طائعا وبايع غير مكره، فتدل رواياتهم على خلاف ذلك، فقد روى الطبري (2) في تلك القصة: إن عبد الرحمن قال: يا علي ! لا تجعلن على نفسك سبيلا، فإني نظرت فشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان، فخرج علي عليه السلام وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله. وفي رواية الطبري (3): إن الناس لما بايعوا عثمان تلكأ (4) علي عليه السلام، فقال عثمان (5): (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) (6)، فرجع علي عليه السلام حتى بايعه وهو يقول: خدعة وأي (7) خدعة. وروى السيد (8) رحمه الله، عن البلاذري (9)، عن ابن الكلبي، عن أبيه، عن أبي مخنف في إسناد له: إن عليا عليه السلام لما بايع عبد الرحمن (10) عثمان كان


= وابن عبدربه في العقد الفريد 2 / 257. وحكاه عنهم العلامة الاميني في الغدير 5 / 375، فراجع. وقريب منه ما رواه ابن أبي الحديد 9 / 50 - 51 عن الشعبي في كتاب الشورى، ومقتل عثمان، وعن الجوهري في زيادات كتاب السقيفة. (1) انتهى كلام السيد في الشافي 4 / 204 - 205 باختلاف يسير. (2) تاريخ الطبري 4 / 238. (3) تاريخ الطبري 4 / 229 [5 / 41] حوادث سنة 23 ه‍. (4) قال الجوهري في الصحاح 1 / 71:.. تلكا عن الامر تلكؤا: تباطأ عنه وتوقف، وجاء بمعنى التثاقل أيضا في النهاية الاثيرية 4 / 268، وفي غيرها مثلهما. (5) في المصدر: فقال عبد الرحمن. (6) الفتح: 10. (7) في تاريخ الطبري: وأيما. (8) الشافي 4 / 210. (9) أنساب الاشراف 5 / 22. (10) خط على: عبد الرحمن، في (س).

[67]

قائما فقعد، فقال له (1) عبد الرحمن: بايع وإلا ضربت (2) عنقك، ولم يكن يومئذ مع أحد (3) سيف غيره، فخرج علي (4) عليه السلام مغضبا، فلحقه أصحاب الشورى، فقالوا: بايع وإلا جاهدنا (5)، فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان. فأي رضا هاهنا ؟ ! وأي إجماع ؟ ! وكيف يكون مختارا من يهدد بالقتل والجهاد ؟ !. وقد تكلم في هذا اليوم المقداد وعمار رضي الله عنهما وجماعة في ذلك عرضوا نصرتهم على أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: والله ما أجد أعوانا عليهم ولا أحب أن أعرضكم لما لا تطيقون (6). وأما دخوله عليه السلام في الشورى فسيأتي ما روي من العلل في ذلك، وأي علة أظهر من أنهم رووا أن عمر أوصى أبا طلحة في خمسين رجلا حاملي سيوفهم على عواتقهم في إحضار القوم وقتلهم لو لم يعينوا خليفة في الايام المعينة. وقال السيد (7) رضي الله عنه - بعد إيراد بعض الروايات من طرقهم مما يدل على عدم رضاه عليه السلام بالشورى وبما (8) ترتب عليه -: وهذه الجملة التي أوردناها قليل من كثير في أن الخلاف كان واقعا، والرضا كان مرتفعا، والامر إنما تم بالحيلة والمكر والخداع، وأول شئ مكر به عبد الرحمن أنه ابتدأ فأخرج نفسه


(1) لا توجد: له، في (س). (2) في الشافي: اضرب. (3) في الانساب والشافي: مع أحد يومئذ - بتقديم وتأخير -. (4) في المصدرين: فيقال إن عليا خرج، بدلا من: فخرج. (5) في الشافي والانساب: جاهداك. (6) وقد أورده السيد في الشافي 4 / 211 - 212 بتفصيل، وحكاه عنه ابن أبي الحديد 12 / 265 - 266، ورواه قبلهما الطبري 3 / 297 حوادث سند 23 ه‍. (7) الشافي 4 / 213. (8) في (ك): وانما.

[68]

عن الامر (1) ليتمكن من صرفه إلى من يريد، وليقال إنه لولا إيثاره (2) الحق وزهده في الولاية لما أخرج نفسه منها (3)، ثم عرض على أمير المؤمنين عليه السلام ما يعلم أنه لا يجيب إليه (4) ولا يلزمه (5) الا جابة إليه من السيرة فيهم بسيرة الرجلين، وعلم أنه عليه السلام لا يتمكن من أن يقول إن سيرتهما لا يلزمني (6)، لئلا ينسب إلى الطعن عليهما، وكيف يلتزم بسيرتهما (7) وكل واحد منهما لم يسير بسيرة الاخر، بل اختلفا وتباينا في كثير من الاحكام، هذا بعد أن قال لاهل الشورى: وثقوا لي (8) من أنفسكم بأنكم ترضون باختياري إذا أخرجت (9) نفسي، فأجابوه - على ما رواه أبو مخنف بإسناده - إلى ما عرض عليهم، إلا أمير المؤمنين عليه السلام، فإنه قال: انظر.. لعلمه بما يجر هذا المكر، حتى أتاهم أبو طلحة فأخبره عبد الرحمن بما عرض وبإجابة القوم إياه إلا عليا عليه السلام، فأقبل أبو طلحة على علي عليه السلام، فقال: يا أبا الحسن ! إن أبا محمد ثقة لك وللمسلمين، فما بالك تخالفه وقد عدل بالامر عن نفسه، فلن يتحمل المأثم لغيره ؟ ! فأحلف علي عليه السلام عبد الرحمن (10) أن لا يميل إلى هوى، وأن يؤثر الحق ويجتهد للامة ولا يحابي (11) ذا


(1) في الشافي: من الامر. (2) جاءت: ايثار - بلا ضمير -، في المصدر. (3) لا توجد: منها، في الشافي. (4) في (ك): إنه لا يجب. ووضع فيها على: إليه، رمز نسخة بدل. (5) جاءت في الشافي: ولا تلزمه. وفي (س): ولا يلزم. (6) في المصدر: لا تلزمني. (7) في الشافي: يلزم سيرتهما. وفي (ك) تقرأ: يلتزم سيرتهما. (8) جاءت: إلى، بدلا من: لي، في (ك). (9) في الشافي: إذا خرجت. (10) في مطبوع البحار زيادة: بما عرض. ووضع عليها رمز نسخة بدل، ولا توجد في المطبوع من المصدرين. (11) في (ك): ولا يجابي. وفي الشافي: ولا يحامى.

[69]

قرابة، فحلف له. وهذا غاية ما يتمكن (1) منه أمير المؤمنين عليه السلام في الحال، لان عبد الرحمن لما أخرج نفسه من الامر فظنت (2) به الجماعة الخير، وفوضت إليه الاختيار، لم يقدر (3) أمير المؤمنين عليه السلام على أن يخالفهم وينقض ما اجتمعوا عليه، فكان أكثر ما تمكن منه أن أحلفه وصرح بما يخاف من جهته من الميل إلى الهوى وإيثار القرابة غير أن ذلك كله لم يغن شيئا. ومنها: إنه نسب أمير المؤمنين عليه السلام إلى الفكاهة والبطالة، وذمه عموما في ضمن ذم جميع الستة، وكان يهتم ويبذل جهده في منع أمير المؤمنين عليه السلام عن الخلافة حسدا وبغيا، ويكفي هذا في القدح، واستبعاد ابن أبي الحديد (4) هذا وادعاؤه الظن بأنها زيدت في كلامه غريب لاشتمال جل رواياتهم عليه، وليس هذا ببدع منه. فقد روى ابن أبي الحديد (5) عنه، أنه قال: يا ابن عباس ! لقد أجهد هذا الرجل (6) نفسه في العبادة حتى نحلته رياء !. قال ابن عباس: قلت: من هو ؟. قال: الاجلح - يعني عليا عليه السلام -. قلت: وما يقصد بالرياء ؟. قال: يرشح نفسه بين الناس للخلافة. وروى عن الشعبي في كتاب الشورى (7)، وعن الجوهري في كتاب السقيفة، عن سهل بن سعد الانصاري (8)، قال: مشيت وراء علي بن أبي طالب


(1) في المصدر: ما تمكن. (2) في الشافي: ظنت - بلافاء -. (3) جاءت العبارة في المصدر هكذا: وفوضوا إليه الاختيار فلم يقدر.. (4) في شرحه على نهج البلاغة 12 / 279، وقد مر نص عبارته. (5) شرح النهج 12 / 80: بتصرف يسير، نقله عن أمالي أبي جعفر محمد بن حبيب. (6) خط على: الرجل، في (س). (7) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 5 / 50 - 55. (8) في المصدر: قال الشعبي: فحدثني من لا أتهمه من الانصار. وقال احمد بن عبد العزيز الجوهري: هو سهل بن سعد الانصاري. وفي (س) زيادة: بن، قبل: الانصاري.

[70]

(ع) حين انصرف من عند عمر، والعباس بن عبد المطلب يمشي في جانبه، فسمعته يقول للعباس (1): ذهبت منا والله !. فقال: كيف علمت ؟. قال: ألا تسمعه يقول: كونوا في الجانب الذي فيه عبد الرحمن، وسعد لا يخالف عبد الرحمن (2) لانه ابن عمه، وعبد الرحمن نظير عثمان وهو صهره، فإذا اجتمع هؤلاء ! فلو أن الرجلين الباقيين كانا معي لم يغنيا عني شيئا، دع أني لست أرجوهما ولا أحدهما (3)، ومع ذلك فقد أحب عمر أن يعلمنا أن لعبد الرحمن عنده فضلا علينا لا، لعمر الله (4) ما جعل الله ذلك لهم علينا كماا لم يجعل لاولاهم على أولانا (5)، أما والله لئن لم يمت عمر لاذكرنه (6) ما أتى إلينا قديما، ولاعلمنه (7) سوء رأيه فينا وما أتى إلينا حديثا، ولئن مات - وليموتن - ليجمعن هؤلاء القوم على أن يصرفوا هذا الامر عنا، ولئن فعلوها ليروني (8) حيث يكرهون، والله ما بي رغبة في السلطان ولا أحب الدنيا، ولكن الاظهار العدل، والقيام بالكتاب والسنة (9). وقد ورد في الروايات التصريح بأنه أراد بهذا التدبير قتل أمير المؤمنين عليه السلام كما سيأتي في أخبار الشورى. وروى أبو الصلاح رحمه الله في كتاب تقريب المعارف (10)، عن أمير المؤمنين


(1) في مطبوع البحاار: لعباس. (2) لا يوجد في المصدر المطبوع: وسعد لا يخالف عبد الرحمن. (3) في شرح النهج: مع أني لست أرجوا إلا أحدهما. (4) في مطبوع البحار زيادة الواو قبل لفظ الجلالة. (5) في المصدر: لاولادهم على أولادنا. (6) في شرح النهج: لاذكرته. (7) في المصدر: لاغلمته. (8) في الشرح زيادة: وليفعلن. وفيه: ليرونني - بزيادة النون -. (9) إلى هنا كلام ابن أبي الحديد في شرحه 9 / 50 - 51، بتصرف يسير. (10) تقريب المعارف: القسم الثاني الشامل لمطاعن الخلفاء الثلاثة وغيرهم، لم يطبعه مصحح الكتاب مع الاسف.

[71]

عليه السلام أنه قال: ثم إن عمر هلك وجعلها شورى وجعلني سادس ستة كسهم الجدة، وقال: اقتلوا الاقل، وما أراد غيري، فكظمت غيظي، وانتظرت أمر ربي، وألزقت كلكي (1) بالارض.. الخبر. وروى ابن أبي الحديد في الشرح (2)، وابن الاثير في الكامل (3)، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه.. أنه قال يوما لابن عباس: أتدري ما منع الناس لكم (4) ؟. قال: لا، يا أمير المؤمنين. قال: و (5) لكني أدري. قال: ما هو يا أمير المؤمنين ؟. قال: كرهت قريش أن تجمع لكم النبوة والخلافة فتجحفوا الناس جحفا (6)، فنظت قريش لانفسها فاختارت، ووفقت فأصابت. فقال ابن عباس: أيميط - أمير المؤمنين - عني غضبه فيسمع ؟. قال: قل ما تشاء. قال: أما قول أمير المؤمنين إن قريشا اختارت (7) لانفسها فأصابت ووفقت.. (8) فإن الله تعالى يقول: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) (9)، وقد علمت -


في (س): الكلل. وهنا حاشية جاءت في (ك) وهي: والكلل والكلكل: الصدر، أو ما بين الترقوتين. مجمع. انظر: مجمع البحرين 5 / 465، وفيه: الكلكل والكلكال. (2) شرح النهج 12 / 53 - 55. (3) الكامل لابن الاثير: 3 / 34 [دار الكتاب العربي] باختلاف كثير أشرنا لبعضه. (4) في المصدرين: منكم. وهو الظاهر. (5) لا توجد الواو في الشرح. (6) في المصدر: فيجخفوا جخفا. الجخف: هو الفخر والشرف، ويروى جفخا. ذكره ابن الاثير في النهاية 1 / 242، انظر: مجمع البحرين 5 / 31، والقاموس 3 / 121، وفي الكامل: فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا. (7) إن في نقل عبارة المصدر تقديم وتأخير، فإن قوله: اختارت.. إلى قوله: ولا محدود، جاء في المصدر تلو آية: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين)، باختلاف نشير إليه. (8) لا توجد في المصدر: لانفسها فأصابت ووفقت. توجد القضية إلى هنا في ديوان زهير: 281 - 283. (9) القصص: 68.

[72]

يا أمير المؤمنين - أن الله اختار من خلقه لذلك من اختار، فلو أن قريشا (1) اختارت لانفسها حيث اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محدود. وأما قولك: إنهم أبو أن يكون لنا النبوة والخلافة.. فإن الله تعالى وصف قوما بالكراهة، فقال (2): (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) (3)، وأما قولك: إنا كنا نجحف.. فلو جحفنا بالخلافة لجحفنا بالقرابة، ولكن أخلاقنا (4) مشتقة من خلق رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم الذي قال الله في حقه (5): (وإنك لعلى خلق عظيم) (6)، وقال له: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) (7). فقال عمر: على رسلك يا ابن عباس !، أبت قلوبكم - يا بني هاشم - إلا غشا في أمر قريش لا يزول، وحقدا عليها لا يحول. فقال ابن عباس: مهلا يا أمير المؤمنين !، لاتنسب قلوب بني (8) هاشم إلى الغش فإن قلوبهم من قلب رسول الله صلى الله عليه [وآله] الذي طهره الله وزكاه، وهم أهل البيت الذي قال الله تعالى فيهم (9): إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (10)، وأما قولك: حقدا.. فكيف لا يحقد من غصب شيئه، ويراه في يد


(1) في الشرح: فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفقت وأصابت قريش، بدلا من قوله: فلو أن قريشا.. إلى قوله: ولا محدود. (2) في المصدر: أما قول أمير المؤمنين: إن قريشا كرهت.. فإن الله تعالى قال لقوم.. (3) سورة محمد (ص): 9. (4) في شرح النهج: فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة ولكنا قو أخلاقنا.. (5) لا توجد في المصدر: في حقه، وبدلا منها: تعالى. (6) القلم: 4. (7) الشعراء: 215. (8) لا توجد في المصدر: قلوب بني. وكلمة: هاشم، فيه بالرفع. (9) في شرح النهج: لهم. (10) الاحزاب: 33.

[73]

غيره ؟ !. فقال عمر: أما أنت - يا عبد الله (1) - فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي. قال: وما هو أمير المؤمنين ؟ أخبرني به، فإن يك باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه، وإن يك حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك. فقال (2): بلغني أنك لا تزال تقول: أخذ هذا الامر (3) حسدا وظلما. قال: أما قولك - يا أمير المؤمنين - حسدا، فقد حسد إبليس آدم، فأخرجه من الجنة، فنحن بنو آدم المحسودون (4)، وأما قولك: ظلما، فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو ؟ !، ثم قال: يا أمير المؤمنين !، ألم يحتج (5) العرب على العجم بحق رسول الله (ص) واحتجت قريش على سائر العرب بحق رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فنحن أحق برسول الله (ص) من سائر قريش ؟ !. فقال عمر: قم الان فارجع إلى منزلك، فقام فلما ولى هتف به عمر: أيها المنصرف ! إني على ما كان منك لراع حقك !. فالتفت ابن عباس، فقال: إن لي عليك - يا أمير المؤمنين - وعلى كل المسلمين حقا برسول الله صلى الله عليه [وآله]، فمن حفظ فحظ (6) نفسه حفظ، ومن أوضاع فحق نفسه أضاع، ثم مضى، فقال عمر لجلسائه: واها (7) ! لابن عباس، ما رأيته يحاج (8) أحدا قط إلا خصمه !.


(1) في المصدر: يابن عباس. (2) في شرح النهج: فإن منزلتي عندك لاتزول به. قال. (3) زيادة: منك، في المصدر. (4) في الشرح: المحسود - بصيغة المفرد -. (5) في المصدر: ألم تحتج. (6) في المصدر: فحق. (7) قيل: معنى هذه الكلمة التلهف، وقد توضع موضع الاعجاب بالشي، يقال: واها له. وقد ترد بمعنى التوجع، وانتصابها على إجرائها مجرى المصادر، قاله الطريحي في مجمع البحرين 1 / 466. (8) في الشرح: لاحى.

[74]

وروى أيضا ابن أبي الحديد (1)، عن ابن عباس، قال: دخلت على عمر في أول خلافته وقد ألقي له صاع من تمرة (2) على خصفة (3) فدعاني إلى الاكل، فأكلت تمرة واحدة، وأقبل يأكل حتى أتى عليه، فشرب من جرة كانت (4) عنده، واستلقى على مرفقة له، وطفق يحمد الله.. ويكرر ذلك، ثم قال: من أين جئت يا عبد الله ؟. قلت: من المسجد. قال: كيف خلفت ابن عمك ؟، فظننته يعني عبد الله بن جعفر، قلت: خلفته يلعب مع أترابه. قال: لم أعن ذلك، إنما عنيت عظيمكم أهل البيت. قلت: خلفته يمتح بالغرب (5) على نخيلات من فلان ويقرأ (6) القرآن. قال: يا عبد الله ! عليك دماء البدن إن كتمتنيها، هل بقي في نفسه شئ من أمر الخلافة ؟. قلت: نعم. قال: أيزعم أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] نص عليه ؟. قلت: نعم، وأزيدك: سألت أبي عما يدعيه، فقال: صدق. فقال عمر: لقد كان من رسول الله صلى الله عليه [وآله] في أمره زرؤ (8)


(1) في شرح نهج البلاغة 12 / 20 - 21، بتصرف. (2) في المصدر: من تمر - بلا تاء -. (3) قال في الصحاح 4 / 1351: الخصفة - بالتحريك -: الجلة التي تعمل من الخوص للتمر. وأضاف في النهاية 2 / 37.. وكأنها فعل بمعنى مفعول من الخصف، وهو ضم الشئ إلى الشئ لانه شئ منسوج من الخوص، وجاء في مجمع البحرين 5 / 41، والقاموس 3 / 134. (4) في الشرح: ثم شرب من جركان. وفي (ك): كان، بدلا من: كانت. أقول: الجر - بفتح الجيم وتشديد الراء - آنية من خزف، الواحدة: جرة. انظر: الصحاح 2 / 611. (5) جاء في حاشية (ك): والغرب: الدلو الغظيم. صحاح. أقول: قاله في الصحاح 1 / 193. ومتح الماء يمتحه متحا: إذا نزعه. ذكره الجوهري في الصحاح 1 / 403، وابن الاثير في النهاية 4 / 291، والطريحي في المجمع 2 / 411، والفيروز آبادي في القاموس 1 / 248. (6) في المصدر: وهو يقرأ. (7) فيه، بدلا من: عليه، جاءت في (س). (8) في الشرح: ذرو. يقال: ذرو من قول.. أي طرف منه ولم يتكامل. والزرو: الناقصص والحقير والشئ المعيوب.

[75]

من قول لا يثبت حجة، ولا يقطع عذرا، ولقد كان يزيغ (1) في أمره وقتا ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقا وحيطة على الاسلام ! ولا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا، ولو وليها لاتنقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله صلى الله عليه [وآله] أني علمت ما في نفسه، فامسك، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم. قال (2): ذكر هذا الخبر احمد بن أبي طاهر صاحب كتاب بغداد في كتابه مسندا. وروى أيضا (3)، أنه قال عمر لابن عباس: يا عبد الله ! أنتم أهل رسول الله صلى الله عليه [وآله] وبنو عمه فما منع قومكم منكم ؟. قال: لاأدري (4)، والله ما أضمرنا لهم إلا خيرا، قال (5): اللهم غفرا إن قومكم كرهوا أن تجتمع (6) لكم النبوة والخلافة فتذهبوا في السماء شتحا (7) وبذخا (8)، ولعلكم تقولون إن أبا بكر أول من أخركم، أما أنه لم يقصد ذلك ولكن حضر أمر لم يكن بحضرته أحزم


(1) في المصدر: يربع. والزيغ: هو الميل، كما في الصحاح 4 / 1320، ومجمع البحرين 5 / 10، والنهاية 2 / 325. وقال في القاموس 3 / 24: ربع - كمنع -: وقف وانتظر. (2) قاله ابن أبي الحديد في الشرح 12 / 21. (3) ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 12 / 9، وجاء في صفحة: 189 من الشرح أيضا. (4) في المصدر زيادة: علتها. (5) في (ك): فقال. (6) في الشرح: أن يجتمع. (7) في المصدر: شمخا، وهي نسخة في مطبوع البحار، وما في (س): تقرأ: شمخا. أشخم اللبن: تغيرت رائحته، وشخم - بالفتح -: الطعام، وشخم - بالكسر -: إذا فسد، جاء في الصحاح 5 / 1959، والقاموس 4 / 135. وقال ابن الاثير في النهاية 2 / 500: الشامخ: العالي، وقد شمخ يشمخ شموخا، وكذا جاء في القاموس 1 / 262. وأم: شتح، فلم نجد لها معنى منا اسب في كتب اللغة التي بأيدينا. (8) البذخ: الكبر، كما في الصحاح 1 / 419، والقاموس المحيط 1 / 257، والنهاية 1 / 110، والفخر والتطاول، كما في مجمع البحرين 2 / 429.

[76]

مما فعل، ولولا رأي أبي بكر في لجعل لكم من الامر نصيبا، ولو فعل ما هناكم مع قومكم.. أنهم ينظرون اليكم نظر الثور إلى جاذره (1). وروى أيضا (2)، عن الزبير بن بكار، عن ابن عباس، أنه قال عمر - في كلام كان بينهما -: يا ابن عباس ! إن صاحبكم إن ولي هذا الامر أخشى عجبه بنفسه أن يذهب به، فليتني أراكم بعدي. ورى - أيضا - فيه (3)، عن أبي بكر الانباري في أماليه: إن عليا عليه السلام جلس إلى عمر في المسجد وعنده ناس، فلما قام عرض (4) واحد بذكره ونسبه إلى التيه والعجب، فقال عمر: حق لمثله أن يتيه، والله لولا سيفه لما (5) قام عمود الاسلام، وهو بعد أقضى الامة وذو سابقتها وذو شرفها. فقال له ذلك القائل: فما منعكم - يا أمير المؤمنين - عنه ؟. قال: كرهناه على حداثة السن وجبه بني عبد المطلب. فقد ظهر من تلك الاخبار إن عمر كان يبذل جهده في منع أمير المؤمنين عن الخلافة، مع أنه كان يعترف مرارا أنه كان أحق بها، وأن الله ورسوله صلى الله عليه وآله كانا يرتضيانه لها. ومنها: إنهم رووا أنه قال - بعد ما طعن -: لو كان سالم حيا لم يخالجني فيه شك واستخلفته، مع إن الخاصة والعامة - إلا شذوذا لا يعبأ بهم - اتفقت على ان الامامة لا تكون إلا في قريش، وتضافرت بذلك الروايات، ورووا أنه شهد عمر يوم السقيفة بأن النبي صلى الله عليه وآله قال: الائمة من قريش، وذلك مناقضة صريحة ومخالفة للنص والاتفاق.


(1) في الشرح: إلى جازره. (2) شرح النهج لابن أبي الحديد 12 / 50. (3) شرح النهج لابن أبي الحديد 12 / 82. (4) في (ك) زيادة: كل، وخط عليها في (س). (5) تقرأ في (س): ما.

[77]

و (1) أما المقدمة الاولى: فروى ابن الاثير في الكامل (2)، عن عمر بن ميمون (3): إن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: يا أمير المؤمنين ! لو استخلفت ؟. قال: لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته، وقلت لربي إن سألني سمعت نبيك يقول: إنه أمين هذه الامة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته وقلت لربي إن سألني: سمعت نبيك يقول: إن سالما شديد الحب لله. فقال له رجل: أدلك على (4) عبد الله بن عمر. فقال: قاتلك الله ! والله ما إردت الله بهذا (5)، ويحك ! كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته، لا أرب لنا في أموركم (6) ما حمدتها (7) فأرغب فيها لاحد من أهل بيتي، إن كان خيرا، فقد أصبنا منه، وإن كان شرا فقد صرف (8) عنا، حسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ويسأل عن أمر أمة محمد صلى الله عليه [وآله]. وروى السيد رضي الله عنه في الشافي (9)، وابن أبي الحديد في شرح النهج (10)، عن الطبري (11) مثله.


(1) لا توجد الواو في (س). (2) الكامل 3 / 34 [دار الكتاب العربي] [5 / 33] باختلاف يسير، ومثله في العقد الفريد 2 / 256. (3) في الكامل: عمر بن ميمون الاودي. (4) في المصدر: عليه - بزيادة الضمير -. وفي شرح النهج: ول عبد الله بن عمر، بدلا من: أدلك على عبد الله بن عمر. وما في تاريخ لطبري مطابق لما هنا. (5) في شرح النهج: والله ما الله أردت بهذا الامر. (6) في شرح النهج: لاأرب لعمر.. وفي شرح النهج: في خلافتكم، بدلا من: أموركم. (7) في مطبوع البحار تقرأ: فماجدتها. وما أثبتناه من المصدر وتاريخ الطبري وشرح النهج لابن أبي الحديد. (8) في (س): صرفت. وفي شرح النهج والطبري: يصرف. (9) الشافي 3 / 197. (10) شرح النهج 1 / 190 عن تاريخ الطبري، وقال: هذه الرواية هي التي اختارها أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ. (11) تاريخ الطبري (تاريخ الرسل والملوك) 5 / 33 [4 / 230] حوادث سنة 23 ه‍. وأورد ابن سعد =

[78]

وروى السيد (1) رحمه الله، عن احمد بن محمد (2) البلاذري في كتاب تاريخ الاشراف (3)، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع: إن عمر بن الخطاب كان مستندا إلى ابن عباس وعنده ابن عمر وسعيد ابن زيد، فقال: اعلموا إني لم أقل في الكلالة شيئا، ولم أستخلف بعدي أحدا، وإنه من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله. فقال سعيد بن زيد: أما أنك لو أشرت إلى رجل (4) من المسلمين اائتمنك الناس. فقال عمر: لقد رأيت من أصحابي حرصا سيئا، وإني (5) جاعل هذا الامر إلى هؤلاء النفر الستة الذين مات رسول الله (ص) وهو عنهم (6) راض. ثم قال: لو أدركني أحد الرجلين لجعلت (7) هذا الامر إليه و (8) لوثقت به، سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة ابن الجراح، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين ! فأين أنت عن عبد الله بن عمر ؟. فقال: له: قاتلك الله (9) ! ما أردت والله أستخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته (10).


= في طبقاته 3 / 248، والباقلاني في التمهيد: 204، وأبو عمر في الاستيعاب 2 / 561، والحافظ العراقي في طرح التثريب 1 / 49، وابن الاثير في أسد الغابة 2 / 246 وغيرهم في غيرها، وفيه: أن عمر قال: لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الامر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبي عبيدة الجراح، ولو كان سالم حيا ما جعلتها شورى. (1) الشافي 3 / 197 - 198. (2) وفي المصدر: وروى أبو الحسن احمد بن يحيى بن جابر البلاذري. وهو الظاهر، وقد توفي في سنة 279 ه‍. (3) لم نجده مماا هو مطبوع من أنساب الاشراف (تاريخ الاشراف)، فراجع. (4) في المصدر: برجل. (5) في الشافي: وانا. (6) وضع على: عنهم، رمز نسخة بدل في مطبوع البحار. (7) في المصدر: فجعلت. (8) لا توجد الواو، في الشافي. (9) لا توجد كلمة: الله، في (س)، والعبارة في المصدر: قاتلك الله، والله ما أردت الله بها. وهو الظاهر. (10) وقريب منه: ما أورده ابن سعد في طبقاته 3 / 353 و 359.

[79]

قال عفان - يعني بالرجل الذي أشار إليه بعبدالله بن عمر: المغيرة بن شعبة. وقد ذكر هذه الرواية قاضي القضاة (1) ولم يطعن فيها. وأما المقدمة الثانية: فقد روى البخاري (2) ومسلم (3) في صحيحيهما، وصاحب جامع الاصول (4)، عن (5) أبي هريرة، إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] قال: الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم، الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا، تجدون من خير الناس أشد كراهيد لهذا الشأن حتى يقع فيه. ورووا جميعا (6)، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: لا يزال هذا الامر في قريش ما بقي منهم اثنان. وروى البخاري (7)، عن معاوية، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله


(1) المغني 20 / 236 - القسم الاول -. (2) صحيح البخاري 6 / 385 كتاب الانبياء باب المناقب [4 / 217 باب 1، قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى). دار مطابع الشعب]. (3) صحيح مسلم كتاب الامارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش حديث 1818. (4) في جامع الاصول 9 / 209 حديث 6787 ذكر صدر الحديث باختلاف يسير. وجاء كاملا فيه 4 / 42 حديث 2017، وأخرجه أحمد في مسنده 2 / 243 و 261 و 395 و 433، وابن حجر في فتح الباري 13 / 101 - 107 في الاحكام باب الامراء من قريش، وذكره قبل ذلك فيه 6 / 388 في تعريف قريش، والنووي في شرح صحيح مسلم 2 / 119 كتاب الامارة باب الناس تبع لقريش.. وغيرهم. (5) في (س): من، بدلا من: عن. (6) صحيح البخاري 6 / 389 كتاب الانبياء باب مناقب قريش، وكتاب الاحكام باب الامراء من قريش، وصحيح مسلم كتاب الامارة باب الناس تبع لقريش ز (7) صحيح البخاري 6 / 389 [4 / 218 - دار الشعب] كتاب الانبياء باب مناقب قريش، وفي كتاب الاحكام باب الامراء من قريش، وجاء في جامع الاصول 4 / 43 ذيل حديث 2019.

[80]

عليه [وآله] وسلم: إن هذا الامر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه (1) الله على وجهه ما أقاموا الدين. وروى مسلم (2)، عن جابر، أنه صلى الله عليه [وآله] قال: الناس تبع لقريش في الخير والشر. وروى صاحب جامع الاصول (3)، عن الترمذي (4) بإسناده، عن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] يقول: قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة. وقال قاضي القضاة في المغني (5) - في بحث إن الائمة من قريش -: قد استدل شيوخنا على ذلك بما روي عنه صلى الله عليه [وآله]: إن الائمة من قريش (6). وروى أيضا أنه قال: هذا الامر لا يصلح إلا في هذا الحي من قريش.


(1) في المصدرين: كبه. (2) صحيح مسلم كتاب الامارة باب الناس تبع لقريش حديث 1819، وجاء في جامع الاصول 4 / 42 حديث 2016 و 9 / 209 حديث 6786. (3) جامع الاصول 4 / 44 ذيل حديث 2020. (4) صحيح الترمذي كتاب الفتن باب ما جاء أن الخلفاء من قريش إلى يوم القيامة حديث 2228، وجاء في هذا الباب عن ابن عمر، وابن مسعود، وجابر أيضا. (5) المغني 21 / 234. باختلاف أشرنا إلى أكثره. (6) من الروايات النبوية المتواترة معنا المستفيضة إسنادا، فبنصه في مسند الطيالسي حديث 926 و 2133 وبمضمونه في البخاري كتاب الاحكام باب 51، ومسلم كتاب الامارة حديث 5 - 10، والترمذي كتاب الفتن باب 46، ومسند احمد بن حنبل 1 / 398 و 5 / 86 - 101 و 106 - 108 وغيرها. ومن مضامينه (الناس تبع لقريش في هذا الشأن) كما جاء في الصحيحن وسنن النسائي ومسلم ومالك والترمذي وأكثر من خمس وعشرين مورد في مسند احمد بن حنبل. وقال علي عليه السلام كما في نهج البلاغة: 200 - 201 خطبة 144 - صبحي صالح -: إن الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم. وأورده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شرح ابن أبي الحديد 9 / 87.

[81]

وقووا ذلك بما كان يوم السقيفة من كون ذلك سببا لصرف الانصار عما كانوا عزموا عليه، لانهم عند (1) هذه الرواية انصرفوا عن ذلك وتركوا الخوض فيه. وقووا ذلك بأن أحدا لم ينكره في تلك الحال، فإن أبا بكر استشهد في ذلك بالحاضرين، فشهدوا به (2) حتى صار خارجا عن (3) باب خبر الواحد إلى الاستفاضة (4). وقووا ذلك بأن ما جرى هذا المجرى إذا ذكر في ملا من الناس وادعى عليهم (5) المعرفة فتركهم النكير يدل على صحة الخبر المذكور. وقال شارح المواقف (6) في بحث شروط الامامة: اشترط الاشاعرة والجبائيان أن يكون الامام قرشيا، ومنعه الخوارج وبعض المعتزلة. لنا قوله صلى الله عليه [وآله]: الائمة من قريش. ثم الصحابة عملوا بمضمون هذا الحديث، فإن أبا بكر استدل به يوم السقيفة على الانصار حين نازعوا في الامامة بمحضر الصحابة فقبلوه وأجمعوا عليه فصار دليلا قطعيا يفيد اليقين باشتراط القرشية (7). ثم أجاب عن حجة المخالف. وأجاب قاضي القضاة (8) عن المناقصة بأنه يحتمل أن يريد عم أنه لو كان


(1) في (ك): عنده. (2) في المصدر زيادة: على النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم. (3) في المغني: من، بدلا من: عن. (4) في المصدر: إلى الكثرة. (5) في المغني: علم، بدلا من: عليهم. (6) المواقف (للايجي)، والشارح الشريف الجرجاني 8 / 350. (7) إلى هنا كلام الجرجاني في شرحه على المواقف. (8) في كتابه المغني 21 / 236. قال: قيل له: ليس في الخبر بيان الوجه الذي كان لا يتخالجه الشك فيه، ويحتمل أن يريد أن يدخله في المشورة والرأي دون الشورى، فلا يصح أن يقدح به فيما قلناه، بل لو ثبت عنه الرضا الصريح في ذلك يجوز أن يعترض به عليه على ما رويناه من الخبر.

[82]

سالم حيا لم يتخالجه الشك في إدخاله في المشورة والرأي دون التأهيل للامامة. وبطلانه واضح، فإن الروايات كما عرفت صريحة في الاستخلاف وتفويض الامر إليه، ولا تحتمل مثل هذا التأويل، كما لا يخفى على المنصف. ثم إن قوله في سالم وأبو عبيدة دليل ظاهر على جهله، فإن ما رووا عنه من الامتناع عن التعيين والتنصيص معللا بقوله: ما أردت أن أتحملها حيا وميتا، بعد اعترافه بأن أمير المؤمنين عليه السلام لو ولي الامر لحمل الناس على الحق، يدل على أنه إنما عدل عن النص احتياطا وخوفا من الله تعالى، وحذرا من أن يسأل يوم القيامة عما يفعله من استخلفه، فلذلك ترك الاستخلاف وجعل الامر شورى ليكون أعذر عند الله تعالى، ومع ذلك تمنى أن يكون سالم حيا حتى يستخلفه وينص عليه، ولم يخف من السؤال عن استخلافه، وظن أن ما سمعه ابن عمه في سالم أنه: شديد الحب لله تعالى، حجة قاطعة على استحقاقه للخلافة، مع أن شدة الحب لله ليس أمرا مستجمعا لشرائط الامامة، ولا يستلزم القدرة على تحمل أعباء الخلافة، وشدة الحب لله (1) لها مراتب شتى، فكيف يستدل بالخبر على أنها بلغت حدا يمنع صاحبها عن ارتكاب المنكرات أصلا، ولو كان مثل ذلك قاطعا للعذر كيف لم يكن وصف أمير المؤمنين عليه السلام في خبر الطير بأنه أحب الخلق إلى الله تعالى.. حجة تامة، ومع أن المحبوبية إلى الله أبلغ من الحب لله، وشدة الحب لا يستلزم الفضل على جميع الخلق، فلم لم يصرح باسم أمير المؤمنين عليه السلام ليعتذر يوم القيامة بهذا الخبر وسائر النصوص المتواترة والايات المتظافرة الدالة على فضله وإمامته وكرامته. ولنعم ما قال أبو الصلاح في كتاب تقريب المعارف (2): إن ذلك تحقيق لما ترويه الشيعة من تقدم المعاهدة بينه وبين صاحبه (3) وأبي عبيدة وسالم مولى أبي


(1) وضع في (ك) رمز نسخة بدل على: لله. (2) تقريب المعارف (في الكلام): 162. (3) في المصدر: منه ومن صاحبه.

[83]

حذيفة على نزع هذا الامر من بني هاشم لو قد مات محمد صلى الله عليه وآله، ولولا ذلك لم يكن (1) لتمنية (2) سالما وإخباره عن فقد الشك فيه - مع حضور وجوه الصحابة وأهل السوابق والفضائل والذرائع التي ليس لسالم منها شئ - وجه يعقل، وكذا القول في تمنية (3) أبا عبيدة بن الجراح. انتهى. وبالجملة، صدر عنه في الشورى ما أبدى الضغائن الكامنة في صدره، وبذلك أسس اساسا للفتنة والظلم والعدوان على جميع الانام إلى يوم القيام. قال ابن أبي الحديد (4): حدثني جعفر بن مكي الحاجب، قال: سألت محمد بن سليمان حاجب (5) الحجاب. - قال ابن أبي الحديد: وقد رأيت أنا محمدا هذا، وكانت لي به معرفة غير مستحكمة، وكان ظريفا أديبا، وقد اشتغل بالرياضيات من الفسلفة، ولم يكن يتعصب لمذهب بعينه -، قال جعفر: سألته عما عنده في أمر علي (ع) وعثمان ؟، فقال: هذه عداوة قديمة (6) بين بني عبد شمس وبين بني هاشم.. وساق الكلام إلى قوله: وأما السبب الثاني في الاختلاف في أمر الامامة فهو (7): إن عمر جعل الامر شورى بين الستة ولم ينص على واحد بعينه، إما منهم أو من غيرهم، فبقي في نفس كل واحد منهم أنه قد رشح للخلافة، وأنه أهل للملك والسلطنة، فلم يزل ذلك في نفوسهم وأذهانهم مصورا بين أعينهم مرتسماا في خيالاتهم، منازعة إليه (8) نفوسهم، طامحة نحوه عيونهم، حتى كان من الشقاق بين علي (ع) وعثمان ما


(1) في (س): يمكن. (2) في المصدر: ليمينه، وهو غلط. (3) في التقريب: يمينه، ولعله سهو، والصحيح: يمنيه. وما أكثر الغلط في المطبوع من المصدر. (4) في شرح نهج البلاغة 9 / 24 - 30 بتصرف واختصار. (5) في (ك): صاحب. وجعل ما في المتن نسخة بدل فيها. (6) في المصدر زيادة: النسب. (7) في المصدر: أما السبب الثاني للاختلاف فهو.. (8) في (س): إليهم.

[84]

كان، وحتى أفضي الامر إلى قتل عثمان، وكان أعظم الاسباب في قتله طلحة، وكان لا يشك في أن الامر له بعده (1) لوجوه، منها سابقته، ومنها أنه كان (2) ابن عم أبي بكر، وكان لابي بكر في نفوس أهل ذلك العصر منزلة عظيمة أعظم منها الان، ومنها أنه كان سمحا جوادا، وقد كان نازع عمر في حياة أبي بكر، وأحب أن يفوض أبو بكر الامر إليه (3) فما زال يفتل في الذروة (4) والغارب في أمر عثمان، وينكر له القلوب، ويكدر عليه النفوس، ويغري (5) أهل المدينة والاعراب وأهل الامصار به، وساعده الزبير، وكان أيضا يرجو الامر لنفسه، ولم يكن رجاوهما الامر بدون رجاء علي (ع)، بل رجاوهما كان أقوى، لان عليا (ع) دخضه الاولان وأسقطاه وكسرا ناموسه بين الناس، وصار نسيا منسيا، ومات الاكثر ممن كان يعرف (6) خصائصه التي كانت له (7) في أيام النبوة وفضله، ونشأ قوم لا يعرفونه ولا يعرفونه ولا يرونه إلا رجلا من عرض المسلمين، ول يبق له من فضائله (8) إلا أنه ابن عم الرسول صلى الله عليه [وآله] وزوج ابنته وأبو سبطيه، ونسي ما وراء ذلك (9)، واتفق له من بعض قريش وانحرافها ما لم يتفق لاحد، وكانت قريش (10) تحب طلحة والزبير، لان الاسباب الموجبة لبغضهم لم تكن موجودة فيهما، وكانا يتألفان قريشا في أواخر أيام


(1) في شرح النهج: من بعده. (2) لا توجد: كان، في المصدر. (3) زيادة: من بعده، جاءت في الشرح بعد: إليه. (4) الذروة - بالكسر والضم - من كل شئ: أعلاه، كما في الصحاح 6 / 2345، والنهاية 2 / 156، ومجمع البحرين 3 / 306، والقاموس 1 / 15. (5) في (ك) نسخة بدل: يغوي. (6) في المصدر: ممن يعرف. (7) لا توجد: له، في الشرح. (8) في المصدر: مما يمت به، بدلا من: من فضائله. (9) جاءت زيادة كلمة: كله، في المصدر. (10) في المصدر زيادة: بمقدار ذلك البعض.

[85]

عثمان، ويعدانهم بالعطاء والافضال، وهما عند أنفسهما وعند الناس خليفتان بالقوة لا بالفعل، لان عمر نص عليهما وارتضاهما للخلافة، عمر كان متبع القول، مرضي الفعال، مطاعا نافذ (1) الحكم في حياته ومماته (2)، فلما قتل عثمان، أرادها طلحة وحرص عليها، فلولا الاشتر وقوم معه من شجعان العرب جعلوها في علي (ع) لم تصل إليه أبدا، فلما طلحة والزبير، فتقا ذلك الفتق العظيم (3)، وأخرجا أم المؤمنين معهما، وقصدا العراق وأثارا الفتنة، وكان من حرب الجمل ما قد علم وعرف، ثم كان حرب الجمل مقدمة وتمهيدا لحر ب صفين، فإن معاوية لم يكن ليفعل ما فعل لولا طمعه بما جرى في البصرة، ثم أوهم أهل الشام أن عليا (ع) قد فسق بمحاربة أم المؤمنين، محاربة المسلمين، وأنه قتل طلحة والزبير وهما من أهل الجنة، ومن يقتل مؤمنا من أهل الجنة فهو من أهل النار، فهل كان الفساد المتولد في صفين إلا فرعا للفساد الكائن يوم الجمل ؟ ! ثم نشأ من فساد صفين وضلال معاوية كل ما جرى من الفساد والقبيح في أيام بني أمية، ونشأت فتنة ابن الزبير فرعا من (4) يوم الدار، لان عبد الله كان يقول: إن عثمان لما أيقن بالقتل نص علي بالخلافة، ولي بذلك شهود، منهم مروان بن الحكم، أفلا ترى (5) كيف تسلسلت هذه الامور فرعا على أصل، وغصنا من شجرة (6)، وجذوة من ضرام ؟ ! وهكذا يدور بعضه (7) على بعض وكله من الشورى في الستة. قال (8): وأعجب من ذلك قول عمر - وقد قيل له: إنك استعملت


الكلمة مشوشة في (س)، وفي المصدر: موفق مؤيد مطاع نافذ. (2) في شرح النهج: وبعد وفاته. (3) في الشرح زيادة: على علي عليه السلام. (4) زيادة: فروع، جاءت في المصدر. (5) في (ك) نسخة بدل: أترى. (6) في (س): شجر. (7) بعضهم، جاءت في (ك). (8) في (س): وقال. (*)

[86]

سعيد (1) بن العاص ومعاوية وفلانا وفلانا من المؤلفة قلوبهم ومن الطلقاء وأبناء الطلقاء وتركت أن تستعمل عليا والعباس والزبير وطلحة ؟ ! - فقال: فأما علي، فأتيه (2) من ذلك، وأما هؤلاء النفر من قريش، فإني أخاف أن ينتشروا في البلاد، فيكثروا فيها الفساد، فمن يخاف من تأميرهم لئلا يطمعوا في الملك، ويدعيه كل واحد منهم لنفسه، كيف لم يخف من جعلهم ستة متساوين في الشورى، مرشحين للخلافة ؟ ! وهل شئ أقرب إلى الفساد من هذا (3) ؟ ! وقد رووا أن الرشيد رأى يوما محمدا وعبد الله - ابنيه - يلعبان ويضحكان، فسر بذلك، فلما غابا عن عينه بكى، فقال له الفضل بن الربيع: ما يبكيك يا أمير المؤمنين، وهذا مقام جذل (4) لا مقام حزن ؟ !. فقال: أما رأيت لعبهما ومودة بينهما ؟، أما والله ليتبدلن ذلك بغضا وسيفا (5)، وليختلسن (6) كل واحد منهما نفس صاحبه عن قريب، فإن الملك عقيم، وكان الرشيد قد (7) عقد الامر لهما على ترتيب، هذا بعد هذا، فكيف من لم يرتبوا في الخلافة، بل جعلوا فيها كأسنان المشط ؟ ! فقلت أنا لجعفر: هذا كله تحكيه عن محمد بن سليمان، فما تقول أنت ؟، فقال:


(1) في المصدر: استعلت يزيد بن أبي سفيان وسعيد. (2) في شرح النهج: أما علي فأتبه. (3) خط على: من هذا، في (س). (4) الجذل - بالتحريك -: الفرح، كما في الصحاح 4 / 1654، والنهاية 1 / 251، ومجمع البحرين 5 / 337، والقاموس 3 / 347. (5) في المصدر: وشنفا. أقول: الشنف - بالتحريك -: البغض والتنكر، وقد شنفت له - بالكسر - أشنف شنفا.. أي أبغضه.. والشنف: المبغض.. قاله. في الصحاح 4 / 1383. انظر: النهاية 2 / 505، والقاموس المحيط: 3 / 160 وغيرهما. (6) قال الجوهري في الصحاح 3 / 923: خلست الشئ واختلسته وتخلسته: إذا استلبته، وأضاف ابن الاثير في نهايته 2 / 61: كونه عن غفلة. انظر: مجمع البحرين 4 / 66، والقاموس 2 / 211. (7) خط على: قد، في (س).

[87]

إذا قالت حذام فصدقوها * فإن القول ما قالت حذام (1) انتهى (2). فقد ظهر أن جميع الفتن الواقعة في الاسلام من فروع الشورى والسقيفة وسائر ما أبدعه وأسسه (3) هذا المنافق وأخوه عليهما لعنة اللاعنين. بيان: قوله عليه السلام: يهر عقيرته.. الهرير: الصوت والنباح (4). والعقيرة - كفعيلة أيضا - الصوت (5).. أي يرفع صوته. وفي بعض النسخ بالزاي. وعفيرته - بالفاء على التصغير - والعفرة (6): بياض الابط (7)، ولعل المعنى يحرك منكبيه للخيلاء، والاول أظهر (8). قال الجوهري (9): العقيرة: الساق المقطوعة، وقولهم: رفع فلان عقيرته.. اي صوته، وأصله أن رجلا قطعت احدى رجليه فرفعها ووضعها على الاخرى وصرخ، فقيل بعد لكل رافع صوته: قد رفع عقيرته (10).


(1) كذا، والظاهر: حذام، كما في المصدر. وقد نسب البيت في اللسان (مادة: رقش) إلى جيم بن صعب. (2) إلى هنا كلام ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 9 / 28 - 30، كما مر. (3) قاله ابن الاثير في نهايته 5 / 259، وابن منظور في لسانه 5 / 261 وغيرهما في عيرهما. (5) ذكره في لسان العرب 4 / 593، ونهاية ابن الاثير 3 / 275، وتاج العروس 3 / 415. (6) في (س) و (ك): عقيرته.. والعقرة. وهو سهو. (7) انظر: النهاية 3 / 261، ولسان العرب 4 / 585. فيهما: بياض ليس بالناصع. (8) لا توجد في (س): والاول أظهر. (9) صحاح اللغة 2 / 754. (10) لاحظ النهاية 3 / 275، وتاج العروس 3 / 415.

[88]

الطعن التاسع عشر:

إنه أوصى بدفنه في بيت النبي صلى الله عليه وآله وكذلك تصدى لدفن أبي بكر هناك، وهو تصرف في ملك الغير من غير جهة شرعية، وقد نهى الله الناس عن دخول بيته صلى الله عليه وآله من غير إذن بقوله: (لا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم) (1)، وضربوا المعاول عند أذنه صلى الله عليه وآله، قال تعالى: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم) (2). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: حرمة المسلم ميتا كحرمته (3) حيا (4). وتفصيل القول في ذلك، إنه ليس يخلو موضع قبر النبي صلى الله عليه وآله من أن يكون باقيا على ملكه أو يكون انتقل في حياته إلى عائشة - كما ادعاه بعضهم - فإن كان الاول لم يخل (5) من أن يكون ميراثا بعده أو صدقة، فإن كان ميراثا فما كان يحل لابي بكر وعمر من بعده أن يأمرا بدفنهما فيه إلا بعد إرضاء الورثة، ولم نجد أحدا خاطب أحدا من الورثة على ابتياع هذا المكان ولا استنزله (6) عنه بثمن ولا غيره، وإن كان صدقة فقد كان يجب أن يرضى عنه جماعة المسلمين، وابتياعه (7) منهم - إن جاز الابتياع - لما يجري هذا المجرى، وإن كان نقل في حياته فقد كان يجب أن يظهر سبب انتقاله والحجة فيه، فإن فاطمة عليها السلام لم يقنع


(1) الاحزاب: 53. (2) الحجرات: 2. (3) في مطبوع البحار: كحرمة - بلا ضمير -. (4) هذا ما تسالم عليه الفريقان، وجاء في سنن الدارمي في كتاب المناسك: 76 وغيره. (5) في (س): لم يزل. (6) الكلمة مشوشة في المطبوع من البحار. (7) في (س): يبتاعه.

[89]

منها في انتقال فدك إلى ملكها بقولها ولا شهادة من شهد لها. وأما استدلال بعضهم بإضافة البيوت إليهن في قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن..) (1) فمن ضعيف (2) الشبهة، إذ هي لا تقتضي الملك وإنما تقتضي السكنى، والعادة في استعمال هذه اللفظة فيما ذكرناه ظاهرة، قال الله تعالى: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الا أن يأتين بفاحشة مبينة) (3) ولم يرد تعالى إلا حيث يسكن وينزلن دون حيث يملكن بلا شبهة، وأيضا قوله تعالى: (لا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم) (4) متأخر في الترتيب عن قوله: (وقرن في بيوتكن) (5)، فلو كان هذا دالا على مليكة الزوجات لكان ذلك دالا على (6) كونها ملكه صلى الله عليه وآله، والجمع بين الايتين بالانتقال لا يجديهم، لتأخر النهي عن االدخول من غير إذن عن الاية الاخرى في الترتيب، والترتيب حجة عند كلهم أو جلهم، مع أنه ظاهر أن البيوت كانت في يده صلى الله عليه وآله يتصرف فيها كيف يشاء، واختصاص كل من الزوجات بحجرة لا يدل (7) على كونها ملكا لها. وأما اعتذارهم بأن عمر استأذن عائشة في ذلك، حيث روى البخاري (8)، عن عمرو بن ميمون - في خبر طويل يشمل على قصة قتل عمر - قال: قال لابنه عبد الله: انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن


(1) الاحزاب: 33. (2) كذا، والظاهر: ضعف. (3) الطلاق: 1. (4) الاحزاب: 53. (5) الطلاق: 1. (6) لا توجد: على، في (س). (7) في (س): لا يدله. (8) صحيح البخاري 5 / 19 - 22 - دار الشعب - كتاب المناقب، باب مناقب عثمان، الحديث الاخير، باختلاف يسير.

[90]

يدفن مع صاحبيه، (1).. فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال (2): يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن ان يدفن مع صاحبيه، (3) فقالت: كنت أريده لنفسي ولا توثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل هذا عبد الله ابن عمر قد جاء، قال (4): ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك ؟. فقال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت. قال: الحمدلله، ما كان شئ (5) أهم إلي من ذلك. قال: فإذا أنا قضبت فاحملوني، ثم سلم فقل (6) يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فادخلوني وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين.. (7). فهذا دليل واضح على جهله أو تسويله وتمويهه على العوام، لما قد عرفت من أنه إن كان صدقة يشترك فيه المستحقون - كما يدل عليه الخبر الذي افتراه أبو بكر - فتحريم التصرف فيه (8) بالدفن ونحوه واضح، وإن كان ميراثا فالتصرف فيه قبل القسمة من دون استيذان جميع الورثة أيضا محرم، ولا ينفع طلب الاذن من عائشة وحدها (9).


(1) في المصدر زيادة: قال. (2) في (ك): وقال. (3) زيادة: قال، قبل: فقالت، جاءت في صحيح البخاري. (4) في المصدر: فقال: قال. (5) في المصدر: من شئ، ومثله في جامع الاصول. (6) في صحيح البخاري: وقل. (7) قريب منه في صحيح البخاري 2 / 128 كتاب الجنائز باب ما جاء في قبر النبي (ص) وأبي بكر وعمر، حديث 5. وأورده ابن سعد في الطبقات 3 / 338، وابن الاثير في الكامل 3 / 27، وكذا في جامع الاصول 4 / 120 خلال حديث 2085، وابن حجر في فتح الباري 7 / 56 - 57. (8) وضع في المطبوع من البحار على: فيه، رمز نسخة بدل. (9) والذي نظنه - وظن الالمعي الصواب - أن من أعظم المطاعن على الخليفة الثاني وأفجع مثالبه - مع كثرتها وقل ما وصل منها إلينا - عدا ظلمه لال الله وغصبه لحق ولي الله وتغييره لسنة رسول الله (ص) واستخفافه بأحكام الله، وبدعه وجهله وتلونه ونفاقه.. وكل ما سردناه لك نهيه عن الحديث، نقلا وكتابة، فهو تارة ينهى عن نقل الحديث عن رسول الله (ص)، وأخرى عن الاكثار به، وثالثة عن تفسيره، ورابعة عن تأويله.. وهكذا بعد أن عرف عنه نهى عن مشكل =

[91]


= القرآن وعن السؤال عما لم يقع. وقد وجدنا نماذج فلتت من أقلام أعلامهم وبرزت، وروايات خفيت عن نقادهم بل كلمات صدرت من الصحابة في غفلة من درة عمر وسيف البغي. وفي هذا المقام فقد جاء عن عروة أنه قال: إن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله (ص) في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها ! فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأكبوا عليه وتركوا كتاب الله.. ! !. كما أوردها الدارمي في سننه 1 / 125، والحاكم في مستدركه 1 / 104 - 106، وجاء في مختصر جامع العلم: 36 و 37 وغيرهم. وها هو الطبري يحكي عن عمر قوله - كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 120 - أربع مجلدات -: جردوا القرآن ولا تفسروه !، وأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم. وقد قال ابن كثير في تاريخه: 8 / 107: هذا معروف عن عمر، وان عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الانصاري حتى مات عمر. وقاله غير واحدكما في مجمع الزوائد 1 / 149، وتذكرة الحفاظ 1 / 7. وجاء في مستدرك الحاكم 1 / 110: إن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود ولابي الدرداء ولابي ذر: ما هذا الحديث عن رسول الله (ص)، وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب وقد سبقه الاول - كما جاء في كنز العمال 5 / 237، وتذكرة الحفاظ 1 / 5، والبداية والنهاية غيرها - عن عائشة، قالت: جمع أبي الحديث عن رسول الله فكاانت خمسمائة حديث ! فبات يتقلب، فقلت: يتقلب لشكوى أو لشئ بلغه ؟، فلما أصبح قال: أي بنية ! هلمي بالاحاديث التي عندك، فجئته بها فأحرقها. وسار الثاني على منهاج الاول، فها هو ابن سعد في الطبقات الكبرى 5 / 188، والخطيب البغدادي في تقيد العلم وغيرهما قالا: إن عمر خطب في خلافته فقال: لا يبقين أحد عنده كتابا إلا أتاني به فأرى فيه رأيي، فظنوا أنه يريد النظر فيها ليقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار !، بل هو بعث في الامصار يأمرهم: من كان عنده شئ فليمحه، كما جاء في جامع بيان العلم لابن عبد البر. وعلى كل، فإن السلطة الحاكمة والسياسة الوقتية السائدة اقتضت مصالحها محو السنة وحرقها، وعدم التحدث بها، ومعاقبة من يقول بها وينشرها، بل وحتى من يعمل بها، وإحياء البدع ونشرها، وإعطائها صبغة شرعية، ولذا كان الاجتهاد بالرأي والقياس والاستحسان مسألة طبيعية في الاحقاب اللاحقة نتيجة فقد النص، ولذا تشبثوا بالاقتداء بسنة أبي بكر ومن لحق به وشايعه =

[92]


كمعاوية ونغله ومروان بن الحكم وعبد الملك وولده الوليد وسليمان. وهكذا دواليك إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز فطلب من أبي بكر الحزمي أن يكتب له ما كان من حديث رسول الله أو سنته أو حديث عمر بن الخطاب ! كما صرح بذلك مالك في الموطأ 1 / 5 وغيره. ولا حول ولا قوة إلا بالله. أقول: هذه نماذج يسيرة جدا عما هناك، ولم نستقص وما كان من قصدنا الاستقصاء حول الدور البشع الذي واجه الخليفة به حديث الرسول (ص) قصد بها أغراض سياسية وقتية للسد على الامة أبواب المعرفة وحبسها في برائن الجاهلية وحرمانها من ينبوع الوحي، وإلقائها في معترك الاهواء، وإبعادها من نمير صاحب الرسالة وأهل بيته سلام الله عليهم أجمعين وفضائلهم. وهذه سيرة سار عليها قضت على معالم الدين وضربت صميم الاسلام و.. مع أنا نعلم: أن الكتاب أحوج إلى السنة إلى الكتاب - جامع بيان العلم 2 / 191 - وإن متشابهات القرآن لاترفع إلا بالسنة، وهما لا يتفارقان حتى يردا على النبي الحوض... فحق لنا أن نعد - بعد كل هذا - أن هذا أهم مطاعن الرجل وأعظم مساوئه. وقولته لابي هريرة وكعب الاحبار وغيرهما معروفة، أورد جملة منها في كنز العمال 5 / 239، وتاريخ ابن كثير 8 / 106 وغيرهما. وجاء في شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 174: قيل لابن عباس لما أظهر قوله في العول بعد موت عمر - ولم يكن قبل يظهره -: هلا قلت هذا وعمر حي ؟ !. قال: هبته. وعن ابن عباس، قال: مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن.. كما جاء في كتاب العلم لابن عمرو: 56. وعن أبي هريرة، قال: لقد حدثتكم بأحاديث لو حدثت بها زمن عمر بن الخطاب لضربني عمر بالدرة، كما جاء في بيان العلم 2 / 112. وعنه أيضا قال: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله (ص) حتى قبض عمر !. تاريخ ابن كثير 8 / 107. وبعد كل هذا، فها هو عمر يصرح على المنبر: أحرج بالله على رجل يسأل عما لم يكن، فإن الله قد بين ما هو كائن. سنن الدارمي 1 / 50، جامع بيان العلم 2 / 141. ومن الشواهد المؤلمة قصة صبيغ - فقد رويت عن جمع من الصحابة وبألفاظ مختلفة - أن رجلا يقال له: صبيغ، قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر - وقد أعد له عراجبين النخل - فقاله له: من أنت ؟. قال: أنا عبد الله صبيغ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه !، وقال: أنا عبد الله عمر، فجعل له ضربا حتى دمي رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين ! حسبك، قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي !. وعن السائب: فلم يزل وضيعا في قومه =

[93]

ومن أعجب العجب ان الجهال من المخالفين بل علماؤهم يعدون هذا الدفن من مناقبهما وفضائلهما، بل يستدلون به على استحقاقهما للامامة والخلافة. وقد روى الشيخ المفيد قدس الله روحه في مجالسه (1) إن فضال بن الحسن بن فضال الكوفي مر بأبي حنيفة - وهو في جمع (2) كثير يملي (3) عليهم شيئا من فقهه وحديثه -، فقال لصاحب كان معه: والله لا أبرح أو أخجل أبا حنيفة.. فدنا منه فسلم عليه، فرد ورد القوم بأجمعهم السلام عليه، فقال: يا أبا حنيفة رحمك الله ! إن لي أخا يقول: إن خير الناس بعد رسول الله (ص) علي بن أبي طالب (عليه


= حتى هلك وكان سيد قومه !. انظر: سنن الدارمي: 1 / 54 و 55، وتاريخ ابن عساكر 6 / 384، وتفسير ابن كثير 4 / 232، والاتقان للسيوطي 2 / 5، وكنز العمال 1 / 228، 229، وفتح الباري 8 / 17، وسيرة عمر لابن الجوزي: 109، وإحياء العلوم 1 / 30 وغيرها. وبعد نهيه عن القرآن تفسيرا، والحديث رواية، والسنة تدوينا، منع عن الكتب والمؤلفات قراءة أو حفظا، ونسخا وتدوينا. وقد جاء بطرق مختلفة ومضامين متظافرة جملة من الروايات سلف بعضها، منها أنه عاقب من حفظها بل من أخبر بوجودها، وقد أصابوا عند فتح المدائن كتبا فيها علم من علوم الفرس.. وقد عاقب آخر وضربه حتى قال: دعني، فوالله لاأدع عندي شيئا من تلك الكتب إلا أحرقته، فتركه !. وقد أمر عمرو بن العاص بإحراق كتب مدينة الاسكندية، وتلك قصة مشهورة نقلها أكثر من واحد من المؤرخين كما في تاريخ مختصر الدول للملطي - المتوفى سنة 684 ه‍ - صفحة: 180، وتاريخ التمدن الاسلامي لجرجي زيدان 3 / 40 و 42 وغيرهما، وقد ناقشها بعض المتأخرين منا بما لا حاصل فيه، ولم نعقد حواشينا لتفصيلها، وقد أسندها وفصل البحث فيها شيخنا الاميني في غديره 6 / 297 - 302، فراجع. ثم بعد هذا فقد حرم خليفتهم كل بحث وتحقيق - كما ذكره حجة إسلامهم الغزالي - يقول في إحيا العلوم: 1 / 30: و [عمر] هو الذي سد باب الكلام والجدل، وضرب صبيغا بالدرة لما أورد عليه سؤالا في تعارض آيتين في كتاب الله، وهجره، وأمر الناس بهجره ! !. فهل يبقى - والحال هذه - مبدأ لاصول التعليم والتعلم ؟ ومن هنا قد حرمت الامة الكثير الكثير ونزلت الحضيض ببركة تلك الدرة وصاحبها. (1) جاء في الفصول المختارة 2 / 44 - 45، بتصرف واختصار. (2) في (س): جميع. (3) في (س): يمل.

[94]

السلام) وأنا أقول إن أبا بكر خير الناس (1) وبعده عمر، فما تقول أنت رحمك الله ؟. فأطرق مليا ثم رفع رأسه، فقال: كفى بمكانهما من رسول الله صلى الله عليه [وآله] كرما وفخرا، أما علمت أنهما ضجيعاه في قبره، فأي حجة أوضح لك من هذه ؟ !. فقال له فضال: إني قد قلت ذلك لاخي، فقال: والله لئن كان الموضع لرسول الله صلى الله عليه وآله دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حق، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله صلى الله عليه وآله فقد أساءا وما أحسنا (2) إذ رجعا في هبتهما ونكثا عهدهما، فأطرق أبو حنيفة ساعة ثم قال (3) له: لم يكن له ولا لهما (4) خاصة، ولكنهما نظرا في حق عائشة وحفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع بحقوق (5) ابنتيهما، فقال (6) فضال: قد قلت له ذلك، فقال: أنت تعلم إن النبي (ص) مات عن تسع نساء (7)، ونظرنا فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن، ثم أنظرنا (8) في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك، وبعد فما بال عائشة وحفصة ترثان رسول الله (ص) وفاطمة عليها السلام ابنته تمنع الميراث. فقال أبو حنيفة: يا قوم ! نحوه عني، فإنه والله وافضي خبيث. انتهى. ثم على تقدير جواز دفنهما هناك فلا دلالة له على فضلهما بمعى زيادة الثواب والكرامة عند الله تعالى، فإن ذلك إنما يكون بالصالحات من الاعمال كما


(1) في المصدر زيادة: بعد رسول الله (ص). (2) في المصدر: أحسنا إليه. (3) في الفصول زيادة: قل. (4) جاءت العبارة في المصدر هكذا: لم يكن لهما ولا له - بتقديم وتأخير -. (5) في (ك): وبحقوق. (6) في المصدر: فقال له. (7) حشايا، بدلا من: نساء، جاءت في المصدر. (8) في الفصول المهمة: ثم نظرنا.

[95]

قال الله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقيكم) (1). نعم لو كان ذلك بوصية من النبي صلى الله عليه وآله لكان كاشفا عن فضل ودليلا على شرف (2)، وما روي من أنه يلحق الميت نفع في الاخرة بالدفن في المشاهد المشرفة فإنما هو في الحقيقة إكرام لصاحب المشهد بالتفضل على من حل بساحته وفاز بجواره (3) إن كان من شيعته والمخلصين له.


(1) الحجرات: 13. (2) وجاء في الصراط المستقيم 3 / 28: عن إحياء العلوم للغزلي في الفصل الرابع من الجزء الاول: أن عمر سأل حذيفة هل هو من المنافقين أم لا ؟ !. ولولا أنه علم من نفسه صفات تناسب صفات المنافقين لم يكن يشك فيها ولم يتقدم على فضيحتها. (3) في المطبوع: بجوازه. وهو سهو. تذييل: نود أن نختم بحثنا هذا ببعض الكلمات المأثورة عن خليفة القوم: منها: ما جاء في كنز العمال 1 / 103، عن قتادة قال عمر بن الخطاب: من قال إني عالم فهو جاهل، ومن قال إني مؤمن فهو كافر ! !. وقريب منه جاء في شعب الايمان. ومنها: ما قاله الضحاك: قال عمر: يا ليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبون فجعلوا بعضي شواء ويعضي قديدا ثم أكلوني فأخرجوني عذرة ولم أكن بشرا. ذكره المتقي في الكنز 6 / 345 وقال: أخرجه هناد. ومنها: ما ذكره ابن سعد في طبقاته 3 / 286، عن سالم بن عبد الله أنه قال: إن عمر بن الخطاب كان يدخل يده في دبرة البعير ويقول: إني لخائف أن أسأل عما بك !. ومنها: ما عن سعيد بن يسار، قال: بلغ عمر بن الخطاب أن رجلا بالشام يزعم أنه مؤمن، فكتب إلى أميره أن ابعثه إلي، فلما قدم قال: أنت الذي تزعم أنك مؤمن ؟. قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ويحك ! ومم ذاك ؟. قال: أولم تكونوا مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أصنافا، مشرك ومنافق ومؤمن ؟ ممن أين كنتم ؟ فمد عمر يده إليه معرفة لما قال حتى أخذ بيده. ومنها: سمع عمر بن الخطاب رجلا ينادي رجلا: يا ذا القرنين، قال: أفرغتم من أسماء الانبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة ؟ !. أوردها الدميري في حياة الحيوان 2 / 21، وابن حجر في فتح الباري 6 / 295 وغيرهما. ومنها: قصة شراء الخليفة للابل من أعرابي، وقوله له أكثر من مرة: إنك رجل سوء، وقضاء علي =

[96]


= عليه السلام لنفع الاعرابي، كما أوردها في كنز العمال 2 / 221، والمنتخب منه 2 / 231 - هامش مسند احمد - وغيرهما. وأقول: عرفته الاعراب فكيف يجهل أو يتجاهله غيرهم. ومنها: ما أورده في عمدة القاري 7 / 143، وشرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 104 - أربع مجلدات - وغيرهما من أنه جاءت سرية لعبيد الله بن عمر تشكوه عند أبيه، فقالت: يا أمير المؤمنين ! ألا تعذرني في أبي عيسى ؟ !. قال: ومن أبو عيسى ؟. قالت: ابنك عبيدالله. قال: ويحك ! وقد تكنى بأبي عيسى ؟ !. ودعاه وقال: إيها ! اكتنيت بأبي عيسى ؟ !. فحذر وفزع، فأخذ يده فعضها ! حتى صاح، ثم ضربه. وهذا آخر أنواع التأديب والتعزير التي لا تعرفه إلا حكومات الغاب. ومنها: ما جاء في حاشية السيوطي المدونة على القاموس في لفظ (الابنة): أنها كانت في خمسة في زمن الجاهلية أحدهم سيدنا عمر !. ومن هنا وغيره ادعى لقب: أمير المؤمنين، حيث قال الصادق عليه السلام أنه ما دعاه أحد غير علي بن أبي طالب عليه السلام إلا كان ممن يؤتى في دبره، وألف صاحب تفسير نور الثقلين كتابا أثبت أن هذه الحالة كانت مع الخلفاء الامويين والعباسيين بأجمعهم، واستشهد بشواهد من الشعر والنثر على وجود تلك العاهة لكل واحد منهم من طريقي العامة والخاصة. هذا ونوصي بقراءة ما كتبه شيخنا الاميني - رحمه الله - تحت عنوان: نوادر الاثر في علم عمر في موسوعته الغدير 6 / 83 - 333. وكنا غالبا في بحثنا هذا عيال عليه، وآخذين منه. قال في محاضرات الادباء للراغب الاصفهاني 2 / 213 - طبعة مصر - عن ابن عباس قال: كنت مع عمر بن الخطاب في ليلة - وعمر على بغل وأنا على فرس - فقرأ آية فيها ذكر علي بن أبي طالب، فقال: أما والله يا بني عبد المطلب لقد كان علي فيكم أولى بهذا الامر مني ومن أبي بكر.. !. * * * * *

[97]

[24] باب نسب عمر وولادته ووفاته وبعض نوادر أحواله، وما جرى بينه وبين أمير المؤمنين صلوات الله عليه

1 - فس (1): قال علي بن ابراهيم: ثم حرم الله عزوجل نكاح الزواني، فقال: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) (2)، وهو رد على من يستحل التمتع بالزواني والتزويج بهن، وهن المشهورات المعروفات بذلك (3) في الدنيا، لا يقدر الرجل على تحصنهن (4)، ونزلت هذه الاية في نساء مكة، كن مستعلنات بالزنا، سارة، وحنتمة، والرباب كن يتغنين (5) بهجاء رسول الله صلى الله عليه وآله، فحرم الله نكاحهن، وجرت بعدهن في النساء من أمثالهن (6).


(1) تفسير علي بن ابراهيم القمي 2 / 95 - 96. (2) النور: 3. (3) في المصدر لا توجد: بذلك. (4) في التفسير: على تحصينهن. (5) جاءت في المصدر: يغنين. (6) من: فس إلى هنا لا يوجد في (س).

[98]

قال العلامة - نور الله ضريحه - في كتاب كشف الحق (1)، وصاحب كتاب إلزام النواصب (2):.. وروى الكلبي - وهو من رجال أهل السنة - في كتاب المثالب (3)، قال: كانت صهاك أمة حبشية لهاشم بن عبد مناف، فوقع (4) عليها نفيل بن هاشم (5)، ثم وقع عليها عبد العزى بن رياح، فجاءت بنفيل جد عمر ابن الخطاب. وقال الفضل بن روزبهان الشهرستاني في شرحه (6) - بعد القدح في صحة النقل -: إن أنكحة الجاهلية - على ما ذكره أرباب التواريخ - على أربعة أوجه: المرأة، وربما كان هذه من أنكحة الجاهلية. وأورد عليه شارح الشرح رحمه الله (7): بانه لو صح ما ذكره لما تحقق زنا في الجاهلية، ولما عد مثل ذلك في المثالب، ولكان كل من وقع على امرأة كان ذلك نكاحا منه عليها، ولم يسمع من أحد (8) أن من انكحة الجاهلية كون امرأة واحدة في يوم واحد أو شهر واحد في نكاح جماعة من الناس. ثم إن الخطاب - على ما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (9) - ابن نفيل بن


(1) كشف الحق (نهج الحق وكشف الصدق): 348. (2) إلزام النواصب: 97 - النسخة الخطية - فصل: بعض ما ورد في أنسابهم، الثاني: (3) المثالب للكلبي أبي المنذر هشام بن محمد بن السائب النسابة المتوفى 205 ه‍، ولا نعلم بطبعه. (4) في إلزام النواصب، فواقع. وكذا ما يأتي. (5) في الالزام: هشام، بدلا من: هاشم. (6) شرح كشف الحق للشهرستاني، الفضل بن روزبهان الخواجة مولانا في كتابه (ابطال المنهج الباطل في الرد على ابن المطهر) ولا نعرف له نسخ