مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 1

الجزء الثاني‏

 [تتمة كتاب التوحيد]

باب النهي عن الجسم و الصورة

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): موثق.

قوله: معرفته ضرورة:

 (3) أي تقذف في القلب من غير اكتساب أو تحصل بالرؤية تعالى الله عن ذلك، و قد يؤول كلامه بأن مراده‏

بالجسم‏

 (4) الحقيقة العينية القائمة بذاتها لا بغيرها

و بالصمدي‏

 (5) ما لا يكون خاليا في ذاته عن شي‏ء فيستعد أن يدخل هو فيه، أو مشتملا على شي‏ء يصح عليه خروجه عنه،

و بالنوري‏

 (6) ما يكون صافيا عن ظلم المواد و قابلياتها، بل عن المهية المغايرة للوجود و قابليتها.

قيل: و لما كان السائل فهم من هذا الكلام ما هو الظاهر و لم يحمله على ما ذكر، أجاب عليه السلام لا بتخطئة إطلاق الجسم بل بنفي ما فهمه عنه سبحانه، فقال: سبحان من لا يعلم أحد

كيف هو إلا هو،

 (7) أي ليس لأحد أن يصفه بصفة يعرفها من صفات ذاته الفانية و صفات أشباهه من الممكنات، فإنه لا يكون معرفة شي‏ء منها معرفة

" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"

 (8) أي لا بآلة و قوة و هو

" لا يحد"

 (9) و كل جسم محدود متناه‏

" و لا يجس"

 (10) أي لا يمس و كل جسم يصح عليه أن يمس‏

" و لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ"

 (11) أي الأوهام، و لا الحواس الظاهرة و الجسم يدرك بالحواس الباطنة و الظاهرة

" و لا

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 2

يحيط به شي‏ء"

 (1) إحاطة عقلية أو وهمية أو حسية

" و لا جسم"

 (2) لأن معناه حقيقة مقتدر محدود

" و لا صورة و لا تخطيط"

 (3) أي تشكل كيف، و الصورة و التشكل لا ينفك عن التحديد و لا تحديد.

 (الحديث الثاني)

 (4): ضعيف و آخره مرسل و محمد بن أبي عبد الله هو محمد بن جعفر ابن عون.

قوله: لم يسم الرجل‏

 (5) أي الراوي.

 (الحديث الثالث)

 (6): ضعيف.

قوله: بقدرته و حكمته،

 (7) متعلق بالابتداع أو به و بالفطر و الإنشاء و قد مر شرح تلك الفقرات في شرح خطبة الكتاب.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 3

 (الحديث الرابع)

 (1): مرسل‏

و الجواليقي‏

 (2) بائع الجواليق و هو جمع جولق معرب جوال،

و الخنى:

 (3) الفحش و الفساد.

قوله: أو بخلقة،

 (4) أي مخلوقية أو بأعضاء كأعضاء المخلوقين.

 (الحديث الخامس)

 (5): مرفوع و لا ريب في جلالة قدر الهشامين و براءتهما عن هذين القولين، و قد بالغ السيد المرتضى قدس الله روحه في براءة ساحتهما عما نسب إليهما في كتاب الشافي مستدلا عليها بدلائل شافية، و لعل المخالفين نسبوا إليهما هذين القولين معاندة كما نسبوا المذاهب الشنيعة إلى زرارة و غيره من أكابر المحدثين، أو لعدم فهم كلامهما، فقد قيل إنهما قالا بجسم لا كالأجسام، و بصورة لا كالصور فلعل مرادهم بالجسم الحقيقة القائمة بالذات، و بالصورة المهية و إن أخطئا في إطلاق هذين اللفظين عليه تعالى.

قال المحقق الدواني: المشبهة منهم من قال: أنه جسم حقيقة ثم افترقوا فقال بعضهم: إنه مركب من لحم و دم، و قال بعضهم: هو نور متلألئ كالسبيكة البيضاء، طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، و منهم من قال: أنه على صورة إنسان، فمنهم من يقول:

إنه شاب أمرد جعد قطط، و منهم من قال: إنه شيخ أشمط الرأس و اللحية، و منهم من قال: هو من جهة الفوق مماس للصفحة العليا من العرش، و يجوز عليه الحركة

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 4

و الانتقال، و تبدل الجهات، و تأط العرش تحته أطيط الرحل الجديد تحت الراكب الثقيل، و هو يفصل عن العرش بقدر أربع أصابع، و منهم من قال: هو محاذ للعرش غير مماس له و بعده عنه بمسافة متناهية، و قيل: بمسافة غير متناهية، و لم يستنكف هذا القائل عن جعل غير المتناهي محصورا بين حاصرين، و منهم من تستر بالبلكفة فقال: هو جسم لا كالأجسام و له حيز لا كالأحياز، و نسبته إلى حيزه ليس كنسبة الأجسام إلى أحيازها، و هكذا ينفي جميع خواص الجسم عنه حتى لا يبقى إلا اسم الجسم و هؤلاء لا يكفرون بخلاف المصرحين بالجسمية" انتهى".

قال الشهرستاني: حكى الكعبي عن هشام بن الحكم أنه قال: هو جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار، و لكن لا يشبه شيئا من المخلوقات و لا تشبهه، و نقل عنه أنه قال: هو سبعة أشبار بشبر نفسه، و أنه في مكان مخصوص، و جهة مخصوصة و أنه يتحرك و حركته فعله، و ليست من مكان إلى مكان، و قال: هو متناه بالذات غير متناه بالقدر، و حكي عنه أبو عيسى الوراق أنه قال: أن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل عنه شي‏ء من العرش، و لا يفصل عنه شي‏ء، و قال هشام بن سالم: أنه تعالى على صورة إنسان أعلاه مجوف و أسفله مصمت، و هو نور ساطع يتلألأ، و له حواس خمس و يد و رجل و أنف و إذن، و عين، و فم، و له وفرة سوداء، هو نور أسود لكنه ليس بلحم و لا دم، ثم قال: و غلا هشام بن الحكم في حق علي عليه السلام، حتى قال: إنه إله واجب الطاعة، و هذا هشام بن الحكم صاحب غور في الأصول لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة، فإن الرجل وراء ما يلزمه على الخصم، و دون ما يظهره من التشبيه و ذلك أنه ألزم العلاف، فقال: إنك تقول إن الباري تعالى عالم بعلم، و علمه ذاته فيشارك المحدثات في أنه عالم بعلم و يباينها في أن علمه ذاته فيكون عالما لا كالعالمين، فلم لا تقول هو جسم لا كالأجسام، و صورة لا كالصور، و أنه قدرة لا كالأقدار إلى غير ذلك.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 5

أقول: فظهر أن نسبة هذين القولين إليهما إما لتخطئة رواة الشيعة و علمائهم لبيان سفاهة آرائهم، أو أنهم لما ألزموهم في الاحتجاج أشياء إسكاتا لهم، نسبوها إليهم، و الأئمة عليهم السلام لم ينفوها عنهم إبقاء عليهم، أو لمصالح أخر، و يمكن أن يحمل هذا الخبر على أن المراد: ليس القول الحق ما قال الهشامان بزعمك أو ليس هذا القول الذي تقول، ما قال الهشامان بل قولهما مباين لذلك، و يحتمل أن يكون هذان مذهبهما قبل الرجوع إلى الأئمة عليهم السلام، و الأخذ بقولهم، فقد قيل: إن هشام بن الحكم قبل أن يلقي الصادق عليه السلام كان على رأي جهم بن صفوان، فلما تبعه عليه السلام تاب و رجع إلى الحق، و يؤيده ما ذكره الكراجكي في كنز الفوائد من الرد على القائلين بالجسم بمعنييه، حيث قال: و أما موالاتنا هشاما (ره) فهي لما شاع عنه و استفاض من تركه للقول بالجسم الذي كان ينصره، و رجوعه عنه و إقراره بخطائه فيه و توبته منه، و ذلك حين قصد الإمام جعفر بن محمد عليهما السلام إلى المدينة فحجبه و قيل له:

إنه أمرنا أن لا نوصلك إليه ما دمت قائلا بالجسم، فقال: و الله ما قلت به إلا لأني ظننت أنه وفاق لقول إمامي عليه السلام، فأما إذا أنكره علي فإنني تائب إلى الله منه فأوصله الإمام عليه السلام إليه، و دعا له بخير، و حفظ عن الصادق عليه السلام أنه قال لهشام: إن الله تعالى لا يشبه شيئا و لا يشبهه شي‏ء، و كل ما وقع في الوهم فهو بخلافه، و روي عنه أيضا أنه قال: سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو، ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير لا يحد و لا يحس و لا تدركه الأبصار، و لا يحيط به شي‏ء، و لا هو جسم و لا صورة و لا بذي تخطيط و لا تحديد.

 (الحديث السادس)

 (1): ضعيف.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 6

قوله: جسم و فعل الجسم،

 (1) هذا الكلام يحتمل وجهين" الأول" أن يكون مبنيا على ما يذهب إليه و هم أكثر الناس من أن الموجود منحصر في المحسوس و ما في حكمه و كل ما لا وضع له و لا إشارة حسية إليه، فعندهم فرض وجوده مستحيل، فالشي‏ء عندهم إما جسم و إما عرض قائم بالجسم و هو المراد بفعل الجسم لأنه تابع له في الوجود.

الثاني: أن يكون أراد بالجسم الحقيقة القائمة بذاتها المغايرة للأفعال من غير اعتبار التقدر و التحدد كما مرت الإشارة إليه، فالمراد

بقوله عليه السلام: أ ما علم أن الجسم محدود،

 (2) أنه مخطئ في إطلاق الجسم على كل حقيقة قائمة بالذات، و على التقديرين‏

قوله: فإذا احتمل،

 (3) استدلال على نفي جسميته سبحانه بأنه لو كان جسما لكان محدودا بحدود متناهيا إليها لاستحالة لا تناهي الأبعاد و كل محتمل للحد قابل للانقسام بأجزاء متشاركة في الاسم و الحد، فله حقيقة كلية غير متشخصة بذاتها و لا موجودة بذاتها أو هو مركب من أجزاء، حال كل واحد منها ما ذكر فيكون مخلوقا أو بأن كل جسم متناه، و إذا كان متناهيا كان محدودا بحد واحد معين أو حدود معينة فيكون مشكلا، فذلك الحد المعين و الشكل المخصوص إما أن يكون من جهة طبيعة الجسمية بما هي جسمية، أو لأجل شي‏ء آخر، و الأول باطل، و إلا لزم كون جميع الأقسام محدودة بحد واحد و شكل واحد، لاشتراكها في معنى الجسمية بل يلزم أن يكون مقدار الجزء و الكل و شكلهما واحد، فيلزم أن لا جزء و لا كل و لا تعدد في الأجسام و هو محال، و الثاني أيضا باطل، لأن ذلك الشي‏ء إما جسم أو جسماني أو مفارق عنهما، و الكل محال، لأنه إن كان جسما آخر فيعود المحذور و يلزم التسلسل و إن كان جسمانيا فيلزم الدور إذ وجوده لكونه جسمانيا يتوقف على تحدد ذلك الجسم، لأن الجسم ما لم يتحدد لم يوجد، و إذا كان وجود ذلك الجسم و تحدده متوقفين عليه كان وجوده متوقفا على ما يتوقف عليه وجوده، فيتوقف وجود ذلك الشي‏ء على وجوده، و كان تحدد الجسم متوقفا على ما يتوقف على تحدده، فيتوقف‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 7

تحدد ذلك الجسم على تحدده، فيلزم تقدم الشي‏ء على نفسه و هذا محال، و إن كان أمرا خارجا عن الأجسام و الجسمانيات فيلزم كون الجسم المفروض إلها مفتقرا في وجوده إلى أمر مفارق لعالم الأجسام، فيكون هو إلا له لا الجسم، و قد فرض الجسم إلها و هذا خلف، على أنه عين المطلوب، و هو نفي كونه جسما و لا صورة في جسم.

ثم استدل عليه السلام بوجه آخر و هو ما يحكم به الوجدان: من كون الموجد أعلى شأنا و أرفع قدرا من الموجد، و عدم المشابهة و المشاركة بينهما، و إلا فكيف يحتاج أحدهما إلى العلة دون الآخر، و كيف صار هذا موجدا لهذا بدون العكس، و يحتمل أن يكون المراد عدم المشاركة و المشابهة فيما يوجب الاحتياج إلى العلة فيحتاج إلى علة أخرى.

قوله: فرق،

 (1) بصيغة المصدر أي الفرق حاصل بينه و بين من صوره، و يمكن أن يقرأ على الماضي المعلوم، أي فرق بين من جسمه و صوره، و بين من لم يجسمه و لم يصوره، أو بين كل ممن جسمه و غيره من المجسمات،

و قوله: إذ كان لا يشبهه شي‏ء

 (2) أي من غير مشابهة شي‏ء له، أو مشابهته لشي‏ء أو المراد أنه لما لم يكن بينه و بين الأشياء المفرقة مشابهة صح كونه فارقا بينها.

 (الحديث السابع)

 (3): ضعيف.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 8

قوله: ليس كمثله شي‏ء،

 (1) يومئ إلى أنه لم يقل بالجسمية الحقيقية، بل أخطأ في إطلاق لفظ الجسم عليه تعالى، و نفي عنه صفات الأجسام كلها، و يحتمل أن يكون مراده أنه لا يشبهه شي‏ء من الأجسام، بل هو نوع مباين لسائر أنواع الأجسام فعلى الأول نفي عليه السلام إطلاق هذا اللفظ عليه تعالى، بأن الجسم إنما يطلق على الحقيقة التي يلزمهما التقدر و التحدد فكيف يطلق عليه تعالى.

و قوله: يجري مجرى واحد،

 (2) إشارة إلى عينية الصفات و كون الذات قائمة مقامها، فنفى عليه السلام كون الكلام كذلك و لم ينفه من سائر الصفات، ثم نبه على بطلان ما يوهم كلامه من كون الكلام من أسباب وجود الأشياء، فلفظة" كُنْ" في الآية الكريمة كناية عن تسخيره للأشياء، و انقيادها له من غير توقف على التكلم بها، كما قال سيد الساجدين عليه السلام:" فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة، و بإرادتك دون نهيك منزجرة" على أقرب الاحتمالين، ثم نفي عليه السلام كون الإرادة على نحو إرادة المخلوقين من خطور بال أو تردد في نفس، و يحتمل أن يكون المقصود بما نسب إلى هشام: كون الصفات كلها مع زيادتها مشتركة في عدم الحدوث و المخلوقية فنفاه عليه السلام بإثبات المغايرة أولا، ثم بيان أن كل ما سواه مخلوق، و الأول أظهر،

و قوله: تكون‏

 (3) يمكن أن يقرأ على المعلوم من المجرد أو المجهول من بناء التفعيل.

 (الحديث الثامن)

 (4): مجهول.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 9

باب صفات الذات‏

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): مجهول.

قوله: وقع العلم منه على المعلوم،

 (3) أي وقع على ما كان معلوما في الأزل و انطبق عليه، و تحقق مصداقه، و ليس المقصود تعلقه به تعلقا لم يكن قبل الإيجاد أو المراد بوقوع العلم على المعلوم العلم به على أنه حاضر موجود، و كان قد تعلق العلم به قبل ذلك على وجه الغيبة، و أنه سيوجد و التغير يرجع إلى المعلوم لا إلى العلم و تحقيق المقام: أن علمه تعالى بأن شيئا وجد هو عين العلم الذي كان له تعالى بأنه سيوجد، فإن العلم بالقضية إنما يتغير بتغيرها، و هو إما بتغير موضوعها أو محمولها، و المعلوم هيهنا هي القضية القائلة بأن زيدا موجود في الوقت الفلاني، و لا يخفى أن زيدا لا يتغير معناه بحضوره و غيبته، نعم يمكن أن يشار إليه إشارة خاصة بالموجود حين وجوده و لا يمكن في غيره، و تفاوت الإشارة إلى الموضوع لا يؤثر في تفاوت العلم بالقضية، و نفس تفاوت الإشارة راجع إلى تغير المعلوم لا العلم.

و أما الحكماء فذهب محققوهم إلى أن الزمان و الزمانيات كلها حاضرة عنده تعالى، لخروجه عن الزمان كالخيط الممتد من غير غيبة لبعضها دون بعض، و على هذا فلا إشكال لكن فيه إشكالات لا يسع المقام إيرادها.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 10

ثم اعلم أن صفاته سبحانه على ثلاثة أقسام منها سلبية محضة كالقدوسية و الفردية و منها إضافية محضة كالمبدئية و الخالقية و الرازقية، و منها حقيقية سواء كانت ذات إضافة كالعالمية و القادرية أو لا، كالحياة و البقاء، و لا شك أن السلوب و الإضافات زائدة على الذات، و زيادتها لا توجب انفعالا و لا تكثرا، و قيل: إن السلوب كلها راجعة إلى سلب الإمكان، و الإضافات راجعة إلى الموجدية، و أما الصفات الحقيقية فالحكماء و الإمامية على أنها غير زائدة على ذاته تعالى، و ليس عينيتها و عدم زيادتها بمعنى نفي أضدادها عنه تعالى، حتى يكون علمه سبحانه عبارة عن نفي الجهل ليلزم التعطيل، فقيل: معنى كونه عالما و قادرا أنه يترتب على مجرد ذاته ما يترتب على الذات و الصفة، بأن ينوب ذاته مناب تلك الصفات، و الأكثر على أنه تصدق تلك الصفات على الذات الأقدس، فذاته وجود و علم و قدرة و حياة و سمع و بصر، و هو أيضا موجود عالم قادر حي سميع بصير، و لا يلزم في صدق المشتق قيام المبدأ به، فلو فرضنا بياضا قائما بنفسه لصدق عليه أنه أبيض.

 (الحديث الثاني)

 (1): صحيح.

 (الحديث الثالث)

 (2): حسن.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 11

قوله فليس لعلمه:

 (1) أي لمعلوماته عدد متناه، فلا يكون لعلمه عدد ينتهي إلى حد أو ليس لعلمه بحمده نهاية بانتهاء حمده إلى حد لا يتصور فوقه حمد، و لكن للرضاء نهاية بالمعنيين، فإن لرضاه بحمد العبد منتهى عددا أو لرضاه بحمد العبد حدا لا يتجاوزه.

 (الحديث الرابع)

 (2): صحيح.

 (الحديث الخامس)

 (3): ضعيف.

قوله: لأن معنى يعلم يفعل،

 (4) أي يفعل العلم و يوجده، على أن العلم إدراك و الإدراك فعل، و قال بعض المحققين: هذا الكلام يحتمل وجهين:

أحدهما أن تعلق علمه بشي‏ء يوجب وجود ذلك الشي‏ء و تحققه، فلو كان لم يزل عالما كان لم يزل فاعلا فكان معه شي‏ء في الأزل في مرتبة علمه أعني ذاته، أو غير مسبوق بعدم زماني، و هذا على تقدير كون علمه فعليا.

و ثانيهما أن تعلق العلم بشي‏ء يستدعي انكشاف ذلك الشي‏ء و انكشاف الشي‏ء يستدعي نحو حصول له، و كل حصول و وجود لغيره سبحانه مستند إليه سبحانه فيكون‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 12

من فعله، فيكون معه في الأزل شي‏ء من فعله فأجاب عليه السلام بأنه لم يزل عالما و لم يلتفت إلى بيان فساد متمسك نافيه، لأنه أظهر من أن يحتاج إلى البيان، فإنه على الأول مبني على كون العلم فعليا و هو ممنوع، و لو سلم فلا يستلزم فعلية العلم عدم انفكاك المعلوم عنه عينا بمعنى عدم مسبوقيته بعدم زماني، أو كون المعلوم في مرتبة العالم و على الثاني مبني على كون الصور العلمية صادرة عنه صدور الأمور العينية، فيكون من أقسام الموجودات العينية و من أفعاله سبحانه و هو ممنوع، فإن الصور العلمية توابع غير عينية لذات العالم و لا تحصل لها عدا الانكشاف لدى العالم، و لا حظ لها من الوجود و الحصول العيني أصلا، و لا مسبوقية لها إلا بذات العالم، لكنها ليست في مرتبة ذاته، و لا يجب فيها نحو التأخر الذي للأفعال الصادرة عن المبدأ بالإيجاد.

 (الحديث السادس)

 (1): ضعيف.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 13

باب آخر و هو من الباب الأول‏

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): صحيح، و لعل المراد بوحدته أنه لا يشاركه غيره في حقيقته لتشخصه بذاته، و بصمديته كونه غير محتمل لأن يحله غيره، و لا يصح عليه الخلو عما يمكن أن يدخل فيه، و بأحديته أن لا يصح عليه الائتلاف من معان متعددة، أو الانحلال إليها،

و قوله: ليس بمعان كثيرة،

 (3) تفسير لإحدى المعنى، و يحتمل أن يكون تفسيرا لكل واحد من الثلاثة.

قوله: على ما يعقلونه،

 (4) أي من الإبصار بآلة البصر فيكون نقلا لكلام المجسمة أو باعتبار صفة زائدة قائمة بالذات، فيكون نقلا لمذهب الأشاعرة، و الجواب أنه إنما يعقل بهذا الوجه من كان بصفة المخلوق، أو المراد: تعالى الله أن يتصف بما يحصل و يرتسم في العقول و الأذهان، و الحاصل أنهم يثبتون لله تعالى ما يعقلون من صفاتهم و الله منزه عن مشابهتهم و مشاركتهم في تلك الصفات الإمكانية.

 (الحديث الثاني)

 (5): مجهول، و قد مر الكلام فيه، و يدل على نفي زيادة الصفات‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 14

أي نفي صفات موجودة زائدة على ذاته سبحانه، و أما كونها عين ذاته تعالى بمعنى أنها تصدق عليها أو أنها قائمة مقام الصفات الحاصلة في غيره تعالى أو أنها أمور اعتبارية غير موجودة في الخارج، واجبة الثبوت لذاته تعالى فلا نص فيه و في أمثاله على شي‏ء منها، و إن كان ظاهر أكثرها أحد الأولين.

قال المحقق الدواني: لا خلاف بين المتكلمين كلهم، و الحكماء، في كونه تعالى عالما قديرا مريدا متكلما، و هكذا في سائر الصفات، و لكنهم تخالفوا في أن الصفات عين ذاته أو غير ذاته أو لا هو و لا غيره، فذهبت المعتزلة و الفلاسفة إلى الأول و جمهور المتكلمين إلى الثاني، و الأشعري إلى الثالث، و الفلاسفة حققوا عينية الصفات بأن ذاته تعالى من حيث أنه مبدء لانكشاف الأشياء عليه علم، و لما كان مبدء الانكشاف عين ذاته كان عالما بذاته، و كذا الحال في القدرة و الإرادة و غيرهما من الصفات قالوا:

و هذه المرتبة أعلى من أن تكون تلك الصفات زائدة عليه، فإنا نحتاج في انكشاف الأشياء علينا إلى صفة مغايرة عنا قائمة بنا، و الله تعالى لا يحتاج إليه بل بذاته ينكشف الأشياء عليه، و لذلك قيل محصول كلامهم نفي الصفات و إثبات نتائجها و غاياتها، و أما المعتزلة فظاهر كلامهم أنها عندهم من الاعتبارات العقلية التي لا وجود لها في الخارج" انتهى".

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 15

باب الإرادة أنها من صفات الفعل و سائر صفات الفعل‏

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): صحيح، و اعلم أن إرادة الله سبحانه عند متكلمي الإمامية هي العلم بالخير و النفع و ما هو الأصلح و لا يثبتون فيه تعالى وراء العلم شيئا، و لعل المراد بتلك الأخبار الدالة على حدوث الإرادة هو أنه يكون في الإنسان قبل حدوث الفعل اعتقاد النفع فيه، ثم الرؤية، ثم الهمة، ثم انبعاث الشوق منه، ثم تأكده حتى يصير إجماعا باعثا على الفعل، و ذلك كله فينا إرادة متوسطة بين ذاتنا و بين الفعل و ليس فيه سبحانه بعد العلم القديم بالمصلحة من الأمور المقارنة سوى الأحداث و الإيجاد فالإحداث في الوقت الذي تقتضي المصلحة صدور الفعل فيه قائم مقام ما يحدث من الأمور في غيره تعالى، فالمعنى أن ذاته تعالى بصفاته الكمالية الذاتية كافية في حدوث الحادث من غير حاجة إلى حدوث أمر في ذاته عند حدوث الفعل.

قوله عليه السلام: إلا لمراد معه:

 (3) قال بعض المحققين أي لا يكون المريد بحال إلا حال كون المراد معه، و لا يكون مفارقا من المراد، و حاصله أن ذاته تعالى مناط لعلمه و قدرته، أي صحة الصدور و اللاصدور بأن يريد فيفعل، و أن يريد فيترك، فهو بذاته مناط لصحة الإرادة و صحة عدمها، فلا يكون بذاته مناطا للإرادة و عدمها، بل المناط فيها الذات مع حال المراد، فالإرادة أي المخصصة لأحد الطرفين لم يكن من صفات الذات فهو بذاته عالم قادر مناط لهما، و ليس بذاته مريدا مناطا لها، بل بمدخلية مغاير متأخر عن الذات، و هذا معنى قوله: لم يزل عالما قادرا ثم أراد.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 16

 (الحديث الثاني)

 (1): ضعيف و لعل المراد المشية المتأخرة عن العلم، الحادثة عند حدوث المعلوم، و قد عرفت أنه في الله تعالى ليس سوى الإيجاد، و مغايرته للعلم ظاهر، و يحتمل أن يكون المقصود بيان عدم اتحاد مفهوميهما، إذ ليست الإرادة مطلق العلم، إذ العلم يتعلق بكل شي‏ء، بل هي العلم بكونه خيرا و صلاحا و نافعا و لا يتعلق إلا بما هو كذلك، و فرق آخر بينهما، و هو أن علمه تعالى بشي‏ء لا يستدعي حصوله بخلاف علمه به على النحو الخاص، فالسبق على هذا يكون محمولا على السبق الذاتي الذي يكون للعام على الخاص، و الأول أظهر كما عرفت.

قوله عليه السلام و علم الله السابق المشية:

 (2) بنصب المشية ليكون معمولا للسابق، أو بجرها بإضافة السابق إليه، و ربما يقرأ بالرفع ليكون خبرا، و يكون السابق صفة للعلم، و لا يخفى بعده، و في التوحيد سابق للمشية.

 (الحديث الثالث)

 (3): صحيح، قال بعض المحققين في شرح هذا الخبر: الظاهر أن المراد بالإرادة مخصص أحد الطرفين و ما به يرجح القادر أحد مقدورية على الآخر لا ما يطلق في مقابل الكراهة، كما يقال يريد الصلاح و الطاعة، و يكره الفساد و المعصية.

و حاصل الجواب: أن‏

الإرادة من الخلق الضمير،

 (4) أي أمر يدخل في خواطرهم‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 17

و أذهانهم، و يوجد في نفوسهم و يحل فيها، بعد ما لم يكن فيها، و كانت هي خالية عنه،

و قوله: و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل،

 (1) يحتمل أن يكون جملة معطوفة على الجملة السابقة و الظرف خبرا للموصول، و يحتمل أن يكون الموصول معطوفا على قوله الضمير، و يكون قوله من الفعل بيانا للموصول، و المعنى على الأول أن الإرادة من الخلق الضمير و الذي يكون لهم بعد ذلك من الفعل، لا من إرادتهم، و على الثاني أن إرادتهم مجموع ضمير يحصل في قلبهم و ما يكون لهم من الفعل المترتب عليه، فالمقصود هنا من الفعل ما يشمل الشوق إلى المراد و ما يتبعه من التحريك إليه و الحركة، و أما الإرادة من الله فيستحيل أن يكون كذلك فإنه يتعالى أن يقبل شيئا زائدا على ذاته، بل إرادته المرجحة للمراد من مراتب الأحداث لا غير ذلك، إذ ليس في الغائب إلا ذاته الأحدية، و لا يتصور هناك كثرة المعاني و لا له بعد ذاته و ما لذاته بذاته إلا ما ينسب إلى الفعل، فإرادة الله سبحانه من مراتب الفعل المنسوب إليه لا غير ذلك.

أقول: و يحتمل على الاحتمال الأول أن يكون المراد بالضمير تصورا لفعل و بما يبدو بعد ذلك اعتقاد النفع و الشوق و غير ذلك، فقوله: من الفعل، أي من أسباب الفعل أو من جهة الفعل، و

قوله عليه السلام: و لا كيف لذلك،

 (2) أي لا صفة حقيقية لقوله ذلك و إرادته كما أنه لا كيف لذاته، أو لا يعرف كيفية إرادته على الحقيقة، كما لا يعرف كيفية ذاته و صفاته بالكنه.

و قال الشيخ المفيد قدس الله روحه: إن الإرادة من الله جل اسمه نفس الفعل و من الخلق الضمير و أشباهه مما لا يجوز إلا على ذوي الحاجة و النقص، و ذلك لأن العقول شاهدة بأن القصد لا يكون إلا بقلب، كما لا تكون الشهوة و المحبة إلا لذي‏

 

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 18

قلب، و لا تصح النية و الضمير و العزم إلا على ذي خاطر يضطر معها في الفعل الذي يغلب عليه إلى الإرادة له، و النية فيه و العزم، و لما كان الله تعالى يجل عن الحاجات و يستحيل عليه الوصف بالجوارح و الأدوات، و لا يجوز عليه الدواعي و الخطرات بطل أن يكون محتاجا في الأفعال إلى القصود و العزمات، و ثبت أن وصفه بالإرادة مخالف في معناه لوصف العباد، و أنها نفس فعله الأشياء، و بذلك جاء الخبر عن أئمة الهدى ثم أورد هذه الرواية، ثم قال: نص على اختياري في الإرادة، و فيه نص على مذهب لي آخر، و هو أن إرادة العبد تكون قبل فعله، و إلى هذا ذهب البلخي، و القول في تقدم الإرادة للمراد كالقول في تقدم القدرة للفعل، و قوله عليه السلام: إن الإرادة من الخلق الضمير و ما يبدو لهم بعد الفعل، صريح في وجوب تقدمها للفعل، إذا كان الفعل يبدو من العبد بعدها، و لو كان الأمر فيها على مذهب الجبائي لكان الفعل باديا في حالها و لم يتأخر بدوه إلى الحال التي هي بعد حالها.

 (الحديث الرابع)

 (1): حسن و يحتمل وجوها من التأويل:

الأول: أن لا يكون المراد بالمشية الإرادة بل إحدى مراتب التقديرات التي اقتضت الحكمة جعلها من أسباب وجود الشي‏ء كالتقدير في اللوح، مثلا و الإثبات فيه، فإن اللوح و ما أثبت فيه لم يحصل بتقدير آخر في لوح سوى ذلك اللوح، و إنما وجد سائر الأشياء بما قدر في ذلك اللوح، و ربما يلوح هذا المعنى من بعض الأخبار كما سيأتي في كتاب العدل، و على هذا المعنى يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير.

الثاني: أن يكون خلق المشية

بنفسها

 (2) كناية عن كونها لازمة لذاته تعالى غير متوقفة على تعلق إرادة أخرى بها، فيكون نسبة الخلق إليها مجازا عن تحققها بنفسها منتزعة عن ذاته تعالى بلا توقف على مشية أخرى أو أنه كناية عن أنه اقتضى علمه الكامل، و حكمته الشاملة كون جميع الأشياء حاصلة بالعلم بالأصلح، فالمعنى أنه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 19

لما اقتضى كمال ذاته أن لا يصدر عنه شي‏ء إلا على الوجه الأصلح و الأكمل، فلذا لا يصدر شي‏ء عنه تعالى إلا بإرادته المقتضية لذلك.

الثالث: ما ذكره السيد الداماد قدس الله روحه: أن المراد بالمشية هنا مشية العباد لأفعالهم الاختيارية لتقدسه سبحانه عن مشية مخلوقة زائدة على ذاته عز و جل و بالأشياء أفاعيلهم المترتب وجودها على تلك المشية، و بذلك تنحل شبهة ربما أوردت هاهنا و هي أنه لو كانت أفعال العباد مسبوقة بإرادتهم لكانت الإرادة مسبوقة بإرادة أخرى، و تسلسلت الإرادات لا إلى نهاية.

الرابع: ما ذكره بعض الأفاضل و هو أن للمشية معنيين" أحدهما" متعلق بالشائي و هي صفة كمالية قديمة هي نفس ذاته سبحانه و هي كون ذاته سبحانه بحيث يختار ما هو الخير و الصلاح.

" و الآخر" يتعلق بالمشي‏ء و هو حادث بحدوث المخلوقات لا يتخلف المخلوقات عنه و هو إيجاده سبحانه إياها بحسب اختياره، و ليست صفة زائدة على ذاته عز و جل و على المخلوقات، بل هي نسبة بينهما تحدث بحدوث المخلوقات لفرعيتها المنتسبين معا فنقول: إنه لما كان هيهنا مظنة شبهة هي أنه إن كان الله عز و جل خلق الأشياء بالمشية فبم خلق المشية؟ أ بمشية أخرى فيلزم أن تكون قبل كل مشية مشية إلى ما لا نهاية له، فأفاد الإمام عليه السلام أن الأشياء مخلوقة بالمشية، و أما المشية نفسها فلا يحتاج خلقها إلى مشية أخرى، بل هي مخلوقة بنفسها لأنها نسبة و إضافة بين الشائي و المشي تتحصل بوجوديهما العيني و العلمي، و لذا أضاف خلقها إلى الله سبحانه لأن كلا الوجودين له و فيه و منه، و في قوله عليه السلام بنفسها دون أن يقول بنفسه إشارة لطيفة إلى ذلك، نظير ذلك ما يقال: إن الأشياء إنما توجد بالوجود، فأما الوجود نفسه فلا يفتقر إلى وجود آخر، بل إنما يوجد بنفسه.

الخامس: ما ذكره بعض المحققين بعد ما حقق أن إرادة الله [المتحققة]

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 20

المتجددة هي نفس أفعاله المتجددة الكائنة الفاسدة، فإرادته لكل حادث بالمعنى الإضافي يرجع إلى إيجاده، و بمعنى المرادية ترجع إلى وجوده، قال: نحن إذا فعلنا شيئا بقدرتنا و اختيارنا فأردناه أولا ثم فعلناه بسبب الإرادة، فالإرادة نشأت من أنفسنا بذاتها لا بإرادة أخرى، و إلا لتسلسل الأمر لا إلى نهاية، فالإرادة مرادة لذاتها، و الفعل مراد بالإرادة، و كذا الشهوة في الحيوان مشتهاة لذاتها، لذيذة بنفسها، و سائر الأشياء مرغوبة بالشهوة، فعلى هذا المثال حال مشية الله المخلوقة، و هي نفس وجودات الأشياء، فإن الوجود خير و مؤثر لذاته، و مجعول بنفسه، و الأشياء بالوجود موجودة، و الوجود مشيئ بالذات و الأشياء مشيئة بالوجود و كما أن الوجود حقيقة واحدة متفاوتة بالشدة و الضعف و الكمال و النقص، فكذا الخيرية و المشيئية، و ليس الخير المحض الذي لا يشوبه شر إلا الوجود البحث الذي لا يمازجه عدم و نقص، و هو ذات الباري جل مجده، فهو المراد الحقيقي. إلى آخر ما حققه، و الأوفق بأصولنا هو الوجه الأول، و الله يعلم.

 (الحديث الخامس)

 (1): ضعيف.

قوله عليه السلام: هو العقاب،

 (2) أي ليس فيه سبحانه قوة تغير عن حالة إلى حالة تكون إحداهما رضاه و الأخرى غضبه، إنما أطلق عليه الغضب باعتبار صدور العقاب عنه، فليس التغير إلا في فعله صفة مخلوق من إضافة المصدر إلى المفعول‏

" لا يستفزه"

 (3) أي لا يستخفه و لا يزعجه، و قيل: أي لا يجده خاليا عما يكون قابلا له فيغيره للحصول له تغير الصفة لموصوفها.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 21

 (الحديث السادس)

 (1): مجهول.

قوله: و ذلك أن الرضا حال.

 (2) في التوحيد و ذلك لأن الرضا و الغضب دخال، و الحاصل أن عروض تلك الأحوال و التغيرات إنما يكون لمخلوق أجوف له قابلية ما يحصل فيه و يدخله‏

" معتمل"

 (3) بالكسر أي يعمل بأعمال صفاته و آلاته، أو بالفتح أي مصنوع ركب فيه الأجزاء و القوي، و الأول أولى، ليكون تأسيسا مركب من أمور مختلفة للأشياء من الصفات و الجهات و الآلات فيه مدخل، و خالقنا تبارك اسمه لا مدخل للأشياء فيه لاستحالة التركب في ذاته فإنه واحدي الذات واحدي المعنى فأذن لا كثرة فيه لا في ذاته و لا في صفاته الحقيقية، و إنما الاختلاف في الفعل فيثيب عند الرضا و يعاقب عند السخط من غير مداخلة شي‏ء فيه، يهيجه و ينقله من حال إلى حال، لأن ذلك ينافي وجوب الوجود، فلا يكون من صفاته سبحانه، بل من صفات المخلوقين العاجزين، قال السيد الداماد قدس سره: المخلوق أجوف لما قد برهن و استبان في حكمة ما فوق الطبيعة أن كل ممكن زوج تركيبي، و كل مركب مزوج الحقيقية فإنه أجوف الذات لا محالة، فما لا جوف لذاته على الحقيقة هو الأحد الحق سبحانه لا غير، فإذا الصمد الحق ليس هو إلا الذات الأحدية الحقة من كل جهة، فقد تصحح من هذا الحديث الشريف تأويل الصمد بما لا جوف له، و لا مدخل لمفهوم من المفهومات و شي‏ء من الأشياء في ذاته أصلا.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 22

 (الحديث السابع)

 (1): صحيح.

قوله: جملة القول.

 (2) هذا التحقيق للمصنف (ره) و ليس من تتمة الخبر و غرضه الفرق بين صفات الذات و صفات الفعل، و أبان ذلك بوجوه:

الأول: أن كل صفة وجودية لها مقابل وجودي فهي من صفات الأفعال لا من صفات الذات، لأن صفاته الذاتية كلها عين ذاته، و ذاته مما لا ضد له، ثم بين ذلك في ضمن الأمثلة و أن اتصافه سبحانه بصفتين متقابلتين ذاتيتين محال.

و الثاني: ما أشار إليه بقوله: و لا يجوز أن يقال يقدر أن يعلم.

و الحاصل: أن القدرة صفة ذاتية تتعلق بالممكنات لا غير، فلا تتعلق بالواجب و لا بالممتنع، فكل ما هو صفة الذات فهو أزلي غير مقدور، و كلما هو صفة الفعل فهو ممكن مقدور، و بهذا يعرف الفرق بين الصفتين، و قوله: و لا يقدر أن لا يعلم، الظاهر أن لا لتأكيد النفي السابق، أي لا يجوز أن يقال يقدر أن لا يعلم، و يمكن أن يكون من مقول القول الذي لا يجوز، و توجيهه: أن القدرة لا ينسب إلا إلى الفعل نفيا أو إثباتا، فيقال: يقدر أن يفعل أو يقدر أن لا يفعل، و لا ينسب إلى ما لا

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 23

يعتبر الفعل فيه لا إثباتا و لا نفيا، فما يكون من صفات الذات التي لا شائبة للفعل فيها كالعلم و القدرة و غيرهما، لا يجوز أن ينسب إليها القدرة، فإن القدرة إنما يصح استعمالها مع الفعل و الترك، فلا يقال يقدر أن يعلم و لا يقال و لا يقدر أن لا يعلم، لأن العلم لا شائبة فيه من الفعل.

أقول: و يحتمل أن يكون الواو للحال، و الحاصل: أن من لا يقدر أن لا يعلم كيف يصح أن يقال له يقدر أن يعلم، إذ نسبة القدرة إلى طرفي الممكن على السواء و أما الجود و الغفران فيحتمل أن يكونا على سياق ما تقدم بأن يكون المراد بالجواد ذات يليق به الجود، و بالغفور من هو في ذاته بحيث يتجاوز عن المؤاخذة لمن يشاء، فمرجعه إلى خيريته و كماله و قدرته، لا فعل الجود و المغفرة حتى يكونا من صفات الفعل، و يحتمل أن يكونا مقطوعين عن السابق، لبيان كون الجود و فعل المغفرة مقدورين.

الثالث: ما أشار إليه بقوله: و لا يجوز أن يقال أراد أن يكون ربا.

و الحاصل: أن الإرادة لما كانت فرع القدرة فما لا يكون مقدورا لا يكون مرادا، و قد علمت أن الصفات الذاتية غير مقدورة فهي غير مرادة أيضا، و لكونها غير مرادة وجه آخر و هو قوله: لأن هذه من صفات الذات" إلخ" و معناه أن الإرادة لكونها من صفات الفعل فهي حادثة، و هذه الصفات يعني الربوبية و القدم و أمثالهما لكونها من صفات الذات فهي قديمة، و لا يؤثر الحادث في القديم فلا تعلق للإرادة بشي‏ء منها، و قوله: أ لا ترى توضيح لكون الإرادة لا تتعلق بالقديم بأن إرادة شي‏ء

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 24

مع كراهة ضده و القديم لا ضد له كما قيل، أو المعنى أن القديم واجب الوجود و الإرادة متعلقة الحادث الممكن، ثم رجع إلى أول الكلام لمزيد الإيضاح فقال:

و صفات الذات إلى آخره.

باب حدوث الأسماء

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): مجهول و هو من متشابهات الأخبار و غوامض الأسرار التي لا يعلم تأويلها إلا الله و الراسخون في العلم، و السكوت عن تفسيره و الإقرار بالعجز عن فهمه أصوب و أولى و أحوط و أحرى، و لنذكر وجها تبعا لمن تكلم فيه على سبيل الاحتمال.

فنقول:" أسماء" في بعض النسخ بصيغة الجمع، و في بعضها بصيغة المفرد و الأخير أظهر، و الأول لعله مبني على أنه مجزأ بأربعة أجزاء، كل منها اسم، فلذا أطلق عليه صيغة الجمع.

و قوله" بالحروف غير متصوت"

 (3) و في أكثر نسخ التوحيد غير منعوت و كذا ما بعده من الفقرات تحتمل كونها حالا عن فاعل خلق، و عن قوله أسماء، و يؤيد الأول ما في أكثر نسخ التوحيد خلق أسماء بالحروف، و هو عز و جل بالحروف غير منعوت‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 25

فيكون المقصود بيان المغايرة بين الاسم و المسمى بعدم جريان صفات الاسم بحسب ظهوراته النطقية و الكتبية فيه تعالى، و أما على الثاني فلعله إشارة إلى حصوله في علمه تعالى فيكون الخلق بمعنى التقدير و العلم، و هذا الاسم عند حصوله في العلم الأقدس، لم يكن ذات صوت و لا ذات صورة و لا ذا شكل و لا ذا صبغ، و يحتمل أن يكون إشارة إلى أن أول خلقه كان بالإضافة على روح النبي صلى الله عليه و آله و أرواح الأئمة عليهم السلام بغير نطق و صبغ و لون و خط بقلم، و لنرجع إلى تفصيل كل من الفقرات و توضيحها، فعلى الأول قوله غير متصوت إما على البناء للفاعل، أي لم يكن خلقها بإيجاد حرف و صوت، أو على البناء للمفعول أي هو تعالى ليس من قبيل الأصوات و الحروف، حتى يصلح كون الاسم عينه تعالى.

و قوله عليه السلام: و باللفظ غير منطق‏

 (1) بفتح الطاء أي ناطق، أو أنه غير منطوق باللفظ كالحروف ليكون من جنسها، أو بالكسر أي لم يجعل الحروف ناطقة على الإسناد المجازي كقوله تعالى" هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ" و هذا التوجيه يجري في الثاني من احتمالي الفتح و تطبيق تلك الفقرات على الاحتمال الثاني، و هو كونها حالا عن الاسم بعد ما ذكرنا ظاهر، و كذا تطبيق الفقرات الآتية على الاحتمالين.

قوله عليه السلام: مستتر غير مستور،

 (2) أي كنه حقيقته مستور عن الخلق مع أنه من حيث الآثار أظهر من كل شي‏ء، أو مستتر بكمال ذاته من غير ستر و حاجب أو أنه غير مستور [عن الخلق‏] بل هو في غاية الظهور، و النقص إنما هو من قبلنا، و يجري‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 26

نظير الاحتمالات في الثاني، و يحتمل على الثاني أن يكون المراد أنه مستور عن الخلق غير مستور عنه تعالى، و أما تفصيل الأجزاء و تشعب الأسماء فيمكن أن يقال إنه لما كان كنه ذاته تعالى مستورا عن عقول جميع الخلق فالاسم الدال عليه ينبغي أن يكون مستورا عنهم، فالاسم الجامع هو الاسم الذي يدل على كنه الذات مع جميع الصفات الكمالية، و لما كانت أسماؤه تعالى ترجع إلى أربعة لأنها إما أن تدل على الذات أو الصفات الثبوتية الكمالية أو السلبية التنزيهية أو صفات الأفعال، فجرى ذلك الاسم الجامع إلى أربعة أسماء جامعة، واحد منها للذات فقط، فلما ذكرنا سابقا استبد تعالى به و لم يعطه خلقه و ثلاثة منها تتعلق بالأنواع الثلاثة من الصفات فأعطاها خلقه ليعرفوه بها بوجه من الوجوه، فهذه الثلاثة حجب و وسائط بين الخلق و بين هذا الاسم المكنون، إذ بها يتوسلون إلى الذات و إلى الاسم المختص بها إذ في التوحيد" بهذه الأسماء" و هو أظهر، و لما كانت تلك الأسماء الأربعة مطوية في الاسم الجامع على الإجمال لم يكن بينها تقدم و تأخر، و لذا قال:

ليس منها واحد قبل الآخر،

 (1) و يمكن أن يقال على بعض المحتملات السابقة: أنه لما كان تحققها في العلم الأقدس، لم يكن بينها تقدم و تأخر، أو يقال أن إيجادها لما كان بالإفاضة على الأرواح المقدسة و لم يكن بالتكلم لم يكن بينها و بين أجزائها تقدم و تأخر في الوجود، كما يكون في تكلم الخلق، و الأول أظهر ثم بين الأسماء الثلاثة.

و هنا اختلاف بين نسخ الكافي و التوحيد، ففي أكثر نسخ الكافي فالظاهر هو الله تبارك و تعالى، و سخر لكل اسم، فعلى ما في الكافي يحتمل أن يكون فالظاهر هو الله و تبارك و سبحانه لكل اسم، فعليما في الكافي يحتمل أن يكون المعنى أن الظاهر بهذه الأسماء هو الله تعالى و هذه الأسماء إنما جعلها ليظهر بها على‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 27

الخلق، فالمظهر هو الاسم، و الظاهر به هو الرب سبحانه.

و يحتمل أن يكون بيانا للأسماء الثلاثة، و يؤيده نسخة الواو، و ما في التوحيد فأولها

" الله"

 (1) و هو الدال على النوع الأول لكونه موضوعا للذات مستجمعا للصفات الذاتية الكمالية، و الثاني‏

" تبارك"

 (2) لأنه من البركة و النمو و هو إشارة إلى أنه معدن الفيوض و منبع الخيرات التي لا تتناهى، و هو رئيس جميع الصفات الفعلية من الخالقية و الرازقية و المنعمية و سائر ما هو منسوب إلى الفعل، كما أن الأول رئيس الصفات الوجودية من العلم و القدرة و غيرهما، و لما كان المراد بالاسم كل ما يدل على ذاته و صفاته تعالى أعم من أن يكون اسما أو فعلا أو جملة لا محذور في عد" تبارك" من الأسماء.

و الثالث هو

" سبحان"

 (3) الدال على تنزيهه تعالى عن جميع النقائص، فيندرج فيه و يتبعه جميع الصفات السلبية و التنزيهية، هدا على نسخة التوحيد، و على ما في الكافي الاسم الثالث‏

" تعالى"

 (4) لدلالته على تعاليه سبحانه عن مشابهة الممكنات و ما يوجب نقصا أو عجزا، فيدخل فيه جميع صفات التنزيهية، ثم لما كان لكل من تلك الأسماء الثلاثة الجامعة شعب أربع ترجع إليها، جعل لكل منها أربعة أركان، هي بمنزلة دعائمه، فأما" الله" فلدلالته على الصفات الكمالية الوجودية له أربع دعائم هي وجوب الوجود المعبر عنه بالصمدية و القيومية، و العلم و القدرة و الحياة، أو مكان الحياة اللطف، أو الرحمة أو العزة، و إنما جعلت هذه الأربعة أركانا لأن سائر الصفات الكمالية إنما يرجع إليها كالسميع و البصير و الخبير مثلا، فإنها راجعة إلى العلم، و العلم يشملها و هكذا، و أما" تبارك" فله أركان أربعة: هي الإيجاد، و التربية في الدارين، و الهداية في الدنيا، و المجازاة في الآخرة، أي الموجد أو الخالق‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 28

و الرب و الهادي و الديان، و يمكن إدخال الهداية في التربية و جعل المجازاة ركنين الإثابة و الانتقام، و لكل منها شعب من أسماء الله الحسنى كما لا يخفى بعد التأمل و التتبع.

و إما" سبحان" أو" تعالى" فلكل منهما أربعة أركان لأنه إما تنزيه الذات عن مشابهة الممكنات، أو تنزيهه عن إدراك الحواس و الأوهام و العقول، أو تنزيه صفاته عما يوجب النقص، أو تنزيه أفعاله عما يوجب الظلم و العجز و النقص، و يحتمل وجها آخر و هو تنزيهه عن الشريك و الأضداد و الأنداد، و تنزيهه عن المشاكلة و المشابهة، و تنزيهه عن إدراك العقول و الأوهام، و تنزيهه عما يوجب النقص و العجز من التركب و الصاحبة و الولد، و التغيرات و العوارض و الظلم و الجور و الجهل و غير ذلك، و ظاهر أن لكل منها شعبا كثيرة، فجعل عليه السلام شعب كل منها ثلاثين و ذكر بعض أسمائه الحسنى على التمثيل و أجمل الباقي.

و يحتمل على ما في الكافي على الاحتمال الأول أن تكون الأسماء الثلاثة ما يدل على وجوب الوجود و العلم و القدرة، و الاثنا عشر ما يدل على الصفات الكمالية و التنزيهية التي تتبع تلك الصفات، و المراد بالثلاثين صفات الأفعال التي هي آثار تلك الصفات الكمالية، و يؤيده قوله: فعلا منسوبا إليها، و على الأول يكون المعنى أنها من توابع تلك الصفات، فكأنها من فعلها.

هذا ما خطر ببالي في حل هذا الخبر، و إنما أوردته على سبيل الاحتمال من غير تعيين لمراد المعصوم عليه السلام، و لعله أظهر الاحتمالات التي أوردها أقوام على وفق مذاهبهم المختلفة، و طرائقهم المتشتتة.

و إنما هداني إلى ذلك ما أورده ذريعتي إلى الدرجات العلى، و وسيلتي إلى مسالك الهدى بعد أئمة الورى عليهم السلام أعني والدي العلامة قدس الله روحه في‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 29

شرح هذا الخبر على ما في الكافي حيث قال:

الذي يخطر بالبال في تفسير هذا الخبر على الإجمال، هو أن الاسم الأول كان اسما جامعا للدلالة على الذات و الصفات، و لما كان معرفة الذات محجوبة عن غيره تعالى، جزء ذلك الاسم على أربعة أجزاء، و جعل الاسم الدال على الذات محجوبا عن الخلق، و هو الاسم الأعظم باعتبار، و الدال على المجموع اسم أعظم باعتبار آخر، و يشبه أن يكون الجامع هو الله و الدال على الذات فقط هو، و تكون المحجوبية باعتبار عدم التعيين كما قيل: إن الاسم الأعظم داخل في جملة الأسماء المعروفة و لكنها غير معينة لنا، و يمكن أن يكونا غيرهما و الأسماء التي أظهرها الله للخلق على ثلاثة أقسام، منها ما يدل على التقديس مثل العلي العظيم العزيز الجبار المتكبر، و منها ما يدل على علمه تعالى، و منها ما يدل على قدرته تعالى، و انقسام كل واحد منها إلى أربعة أقسام بأن يكون التنزيه إما مطلقا أو للذات أو للصفات أو الأفعال، و يكون ما يدل على العلم إما لمطلق العلم أو للعلم بالجزئيات كالسميع و البصير أو الظاهر أو الباطن، و ما يدل على القدرة إما للرحمة الظاهرة أو الباطنة أو الغضب ظاهرا أو باطنا، أو ما يقرب من ذلك التقسيم، و الأسماء المفردة على ما ورد في القرآن و الأخبار يقرب من ثلاثمائة و ستين اسما ذكرها الكفعمي في مصباحه، فعليك بجمعها و التدبر في ربط كل منها بركن من تلك الأركان." انتهى كلامه رفع الله مقامه".

أقول: و بعض الناظرين في هذا الخبر جعل الاثني عشر كناية عن البروج الفلكية و الثلاثمائة و ستين عن درجاتها، و لعمري لقد تكلف بأبعد مما بين السماء و الأرض، و منهم من جعل الاسم كناية عن مخلوقاته تعالى، و الاسم الأول الجامع عن أول مخلوقاته، و بزعم القائل هو العقل، و جعل ما بعد ذلك كناية عن كيفية تشعب‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 30

المخلوقات، و تعدد العوالم، و كفى ما أومأنا إليه للاستغراب، و ذكرها بطولها يوجب الإطناب.

قوله: و ذلك قوله عز و جل،

 (1) استشهاد لأن له تعالى أسماء حسنى، و أنه إنما وضعها ليدعوه الخلق بها، فقال تعالى: قل ادعوه تعالى بالله أو بالرحمن أو بغيرهما فالمقصود واحد، و هو الرب، و له أسماء حسنى كل منها يدل على صفة من صفاته المقدسة فأيا ما تدعو فهو حسن، قيل: نزلت الآية حين سمع المشركون رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: يا الله، يا رحمن، فقالوا: إنه ينهانا أن نعبد إلهين و هو يدعو إلها آخر؟ و قالت اليهود: إنك لتقل ذكر الرحمن و قد أكثره الله في التوراة، فنزلت الآية ردا لما توهموا من التعدد، أو عدم الإتيان بذكر الرحمن.

 (الحديث الثاني)

 (2): ضعيف على المشهور.

قوله: و يسمعها،

 (3) على بناء المجرد أي بأن يذكر اسم نفسه و يسمعه، أو على بناء الأفعال لأن المخلوق يعرفه تعالى بأسمائه و يدعوه بها، فزعم أن الخالق أيضا كذلك لأنه أعلى الأشياء، أي إنما سمي بالعلي لأنه أعلى الأشياء ذاتا، و بالعظيم لأنه أعظمها صفاتا، فهذان اسمان جامعان يدلان على تنزهه تعالى عن مناسبة المخلوقات و مشابهتها بالذات و الصفات، فمعناه" الله" أي مدلول هذا اللفظ، و يدل على أنه أخص الأسماء بالذات المقدس، بل على أنه اسم بإزاء الذات لا باعتبار صفة من‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 31

الصفات‏

" علا على كل شي‏ء"

 (1) أي علا الاسم على كل الأسماء الدالة على الصفات، أو هو تفسير للاسم تأكيدا لما سبق.

 (الحديث الثالث)

 (2): ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام: صفة لموصوف،

 (3) أي سمة و علامة تدل على ذات فهو غير الذات، أو المعنى أن أسماء الله تعالى تدل على صفات تصدق عليه، أو المراد بالاسم هنا ما أشرنا إليه سابقا، أي المفهوم الكلي الذي هو موضوع اللفظ.

 (الحديث الرابع)

 (4): ضعيف.

قوله عليه السلام: اسم شي‏ء،

 (5) أي لفظ الشي‏ء أو هذا المفهوم المركب و الأول أظهر، ثم بين المغايرة بأن اللفظ الذي يعبر به الألسن و الخط الذي تعمله الأيدي فظاهر أنه مخلوق.

قوله: و الله غاية من غاياه،

 (6) اعلم أن الغاية تطلق على المدى و النهاية، و على امتداد المسافة و على الغرض و المقصود من الشي‏ء، و على الراية و العلامة، و هذه العبارة تحتمل وجوها

                       

 

آة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 32

الأول: أن تكون الغاية بمعنى الغرض و المقصود، أي كلمة الجلالة مقصود من جعله مقصودا، و ذريعة من جعله ذريعة، أي كل من كان له مطلب و عجز عن تحصيله بسعيه يتوسل إليه باسم الله،

و المغيى‏

 (1) بالغين المعجمة و الياء المثناة المفتوحة أي المتوسل إليه بتلك الغاية

غير الغاية،

 (2) أو بالياء المكسورة أي الذي جعل لنا الغاية غاية هو غيرها، و في بعض النسخ و المعنى بالعين المهملة و النون، أي المقصود بذلك التوسل، أو المعنى المصطلح، غير تلك الغاية التي هي الوسيلة إليه.

الثاني: أن يكون المراد بالغاية النهاية، و بالله: الذات لا الاسم أي الرب تعالى غاية آمال الخلق يدعونه عند الشدائد بأسمائه العظام، و المغيى بفتح الياء المشددة المسافة ذات الغاية، و المراد هنا الأسماء فكأنها طرق و مسالك توصل الخلق إلى الله في حوائجهم، و المعنى أن العقل يحكم بأن الوسيلة غير المقصود بالحاجة، و هذا لا يلائمه قوله و الغاية موصوفة إلا بتكلف تام.

الثالث: أن يكون المراد بالغاية العلامة و صحفت غاياه بغاياته، و كذا في بعض النسخ أيضا، أي علامة من علاماته، و المعنى أي المقصود، أو المغيى أي ذو العلامة غيرها.

الرابع: أن يكون المقصود أن الحق تعالى غاية أفكار من جعله غاية و تفكر فيه، و المعنى المقصود أعني ذات الحق غير ما هو غاية أفكارهم، و مصنوع عقولهم، إذ غاية ما يصل إليه أفكارهم و يحصل في أذهانهم موصوف بالصفات الزائدة الإمكانية و كل موصوف كذلك مصنوع.

الخامس: ما صحفه بعض الأفاضل حيث قرأ: عانة من عاناه أي الاسم ملابس من لابسه، قال في النهاية: معاناة الشي‏ء ملابسته و مباشرته، أو مهم من اهتم به من قولهم عنيت به فأنا عان، أي اهتممت به و اشتغلت أو أسير من أسره، و في النهاية العاني الأسير، و كل من ذل و استكان و خضع فقد عنا يعنو فهو عان، أو محبوس من حبسه، و في النهاية و عنوا بالأصوات أي احبسوها، و المعنى أي المقصود بالاسم غير

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 33

العانة أي غير ما نتصوره و نعقله.

ثم اعلم أنه على بعض التقادير يمكن أن يقرأ و الله بالكسر، بأن يكون الواو للقسم.

قوله: غير موصوف بحد،

 (1) أي من الحدود الجسمانية أو الصفات الإمكانية، أو الحدود العقلية،

و قوله: مسمى‏

 (2) صفة لحد، للتعميم كقوله تعالى" لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً" و يحتمل أن يكون المراد أنه غير موصوف بالصفات التي هي مدلولات تلك الأسماء، و قيل: هو خبر بعد خبر أو خبر مبتدإ محذوف.

قوله: لم يتكون فيعرف كينونته بصنع غيره.

 (3) قيل: المراد أنه لم يتكون فيكون محدثا بفعل غيره، فتعرف كينونته و صفات حدوثه بصنع صانعه كما تعرف المعلولات بالعلل.

أقول: لعل المراد أنه غير مصنوع حتى يعرف بالمقايسة إلى مصنوع آخر، كما يعرف المصنوعات بمقايسة بعضها إلى بعض، فيكون الصنع بمعنى المصنوع و غيره صفة له، أو أنه لا يعرف بحصول صورة هي مصنوعة لغيره، إذ كل صورة ذهنية مصنوعة للمدرك، معلولة له.

قوله: و لم يتناه،

 (4) أي هو تعالى في المعرفة أو عرفانه أو العارف في عرفانه إلى نهاية إلا كانت تلك النهاية غيره تعالى و مباينة له غير محمولة عليه.

قوله عليه السلام: لا يزل، في بعض النسخ بالذال،

 (5) أي ذل الجهل و الضلال‏

من فهم هذا الحكم‏

 (6) و عرف سلب جميع ما يغايره عنه، و علم أن كلما يصل إليه أفهام الخلق فهو غيره تعالى.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 34

قوله عليه السلام: من زعم أنه يعرف الله بحجاب.

 (1) أي بالأسماء التي هي حجب بين الله و بين خلقه، و وسائل بها يتوسلون إليه، بأن زعم أنه تعالى عين تلك الأسماء أو الأنبياء أو الأئمة عليهم السلام، بأن زعم أن الرب تعالى اتحد بهم أو بالصفات الزائدة فإنها حجب عن الوصول إلى حقيقة الذات الأحدية أو بأنه ذو حجاب كالمخلوقين‏

" أو بصورة"

 (2) أي بأنه ذو صورة كما قالت المشبهة، أو بصورة عقلية زعم أنها كنه ذاته و صفاته تعالى‏

" أو بمثال"

 (3) أي خيالي أو بأن جعل له مماثلا و مشابها من خلقه‏

" فهو مشرك"

 (4) لما عرفت مرارا من لزوم تركبه تعالى و كونه ذا حقائق مختلفة، و ذا أجزاء، تعالى الله عن ذلك.

و يحتمل أن يكون إشارة إلى أنه لا يمكن الوصول إلى حقيقته تعالى بوجه من الوجوه لا بحجاب و رسول يبين ذلك، و لا بصورة عقلية و لا خيالية، إذ لا بد بين المعرف و المعرف من مماثلة و جهة اتحاد، و إلا فليس ذلك الشي‏ء معرفا أصلا، و الله تعالى مجرد الذات عن كل ما سواه، فحجابه و مثاله و صورته غيره من كل وجه، إذ لا مشاركة بينه و بين غيره في جنس أو فصل أو مادة أو موضوع أو عارض، و إنما هو واحد موحد فرد عما سواه، فإنما يعرف الله بالله إذا نفي عنه جميع ما سواه، و كلما وصل إليه عقله كما مر أنه التوحيد الخالص.

و قال بعض المحققين: من زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال أي بحقيقة من الحقائق الإمكانية كالجسم و النور أو بصفة من صفاتها التي هي عليها كما أسند إلى القائلين بالصورة أو بصفة من صفاتها عند حصولها في العقل كما في قول الفلاسفة في رؤية العقول المفارقة فهو مشرك، لأن الحجاب و الصورة و المثال كلها مغايرة له غير محمولة عليه، فمن عبد الموصوف بها عبد غيره، فكيف يكون موحدا له عارفا به، إنما عرف الله من عرفه بذاته و حقيقته المسلوب عنه جميع ما يغايره، فمن لم يعرفه به فليس يعرفه، إنما يكون يعرف غيره.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 35

أقول: لا يخفى أن هذا الوجه و ما أوردته سابقا من الاحتمالات التي سمحت بها قريحتي القاصرة لا يخلو كل منها من تكلف، و قد قيل فيه وجوه أخر أعرضت عنها صفحا، لعدم موافقتها لأصولنا، و الأظهر عندي أن هذا الخبر موافق لما مر، و سيأتي في كتاب العدل أيضا من أن المعرفة من صنعه تعالى و ليس للعباد فيها صنع، و أنه تعالى يهبها لمن طلبها و لم يقصر فيما يوجب استحقاق إفاضتها، و القول بأن غيره تعالى يقدر على ذلك نوع من الشرك في ربوبيته و إلهيته، فإن التوحيد الخالص هو أن يعلم أنه تعالى مفيض جميع العلوم و الخيرات، و المعارف و السعادات كما قال تعالى:

" ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ" فالمراد بالحجاب إما أئمة الضلال و علماء السوء الذين يدعون أنهم يعرفونه تعالى بعقولهم و لا يرجعون في ذلك إلى حجج الله تعالى، فإنهم حجب يحجبون الخلق عن معرفته و عبادته تعالى، فالمعنى أنه تعالى إنما يعرف بما عرف نفسه للناس لا بأفكارهم و عقولهم، أو أئمة الحق أيضا فإنه ليس شأنهم إلا بيان الحق للناس فأما إفاضة المعرفة و الإيصال إلى البغية فليس إلا من الحق تعالى كما قال سبحانه:" إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ" و يجري في الصورة و المثال ما مر من الاحتمالات، ف

قوله عليه السلام: ليس بين الخالق و المخلوق شي‏ء،

 (1) أي ليس بينه تعالى و بين خلقه حقيقة أو مادة مشتركة حتى يمكنهم معرفته من تلك الجهة، بل أوجدهم لا من شي‏ء كان، و يؤيد هذا المعنى ما ذكره في التوحيد تتمة لهذا الخبر:" و الأسماء غيره و الموصوف غير الواصف، فمن زعم أنه يؤمن بما لا يعرف فهو ضال عن المعرفة، لا يدرك مخلوق شيئا إلا بالله، و لا يدرك معرفة الله إلا بالله، و الله خلو من خلقه و خلقه خلو منه، و إذا أراد شيئا كان كما أراد بأمره من غير نطق، لا ملجأ لعباده مما قضى، و لا حجة لهم فيما ارتضى‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 36

لم يقدروا على عمل و لا معالجة مما أحدث في أبدانهم المخلوقة إلا بربهم، فمن زعم أنه يقوى على عمل لم يرده الله عز و جل فقد زعم أن إرادته تغلب إرادة الله تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ" و وجه التأييد ظاهر لمن تأمل فيها.

تذييل:

 (1) اعلم أن المتكلمين اختلفوا في أن الاسم هل هو عين المسمى أو غيره، فذهب أكثر الأشاعرة إلى الأول و الإمامية و المعتزلة إلى الثاني، و قد وردت هذه الأخبار ردا على القائلين بالعينية و أول بعض المتأخرين كلامهم لسخافته و إن كانت كلماتهم صريحة فيما نسب إليهم.

قال شارح المقاصد: الاسم هو اللفظ المفرد الموضوع للمعنى على ما يعم أنواع الكلمة، و قد يقيد بالاستقلال و التجرد عن الزمان، فيقابل الفعل و الحرف على ما هو مصطلح النحاة، و المسمى هو المعنى الذي وضع الاسم بإزائه، و التسمية هو وضع الاسم للمعنى و قد يراد بها ذكر الشي‏ء باسمه كما يقال يسمى زيدا و لم يسم عمروا، فلا خفاء في تغاير الأمور الثلاثة، و إنما الخفاء فيما ذهب إليه بعض أصحابنا من أن الاسم نفس المسمى، و فيما ذكره الشيخ الأشعري من أن أسماء الله تعالى ثلاثة أقسام ما هو نفس المسمى مثل" الله" الدال على الوجود، أي الذات، و ما هو غيره كالخالق و الرازق و نحو ذلك مما يدل على فعل، و ما لا يقال إنه هو و لا غيره كالعالم و القادر و كل مما يدل على الصفات، و أما التسمية فغير الاسم و المسمى.

و توضيحه: أنهم يريدون بالتسمية اللفظ و بالاسم مدلوله كما يريدون بالوصف قول الواصف، و بالصفة مدلوله، و كما يقولون: أن القراءة حادثة و المقر و قديم، إلا أن الأصحاب اعتبروا المدلول المطابقي فأطلقوا القول بأن الاسم نفس المسمى للقطع بأن مدلول الخالق شي‏ء ماله الخلق لا نفس الخلق، و مدلول العالم شي‏ء ما له العلم لا نفس العلم، و الشيخ أخذ المدلول أعم، و اعتبر في أسماء الصفات المعاني المقصودة،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 37

فزعم أن مدلول الخالق الخلق و هو غير الذات، و مدلول العالم العلم و هو لا عين و لا غير" انتهى".

باب معاني الأسماء و اشتقاقها

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): ضعيف.

قوله عليه السلام: الباء بهاء الله،

 (3) يظهر من كثير من الأخبار أن للحروف المفردة أوضاعا و معاني متعددة لا يعرفها إلا حجج الله عليه السلام، و هذه إحدى جهات علومهم و استنباطهم من القرآن، و قد روت العامة في" الم" عن ابن عباس أن الألف آلاء الله و اللام لطفه و الميم ملكه، و البهاء الحسن،

و السناء

 (4) بالمد: الرفعة،

و المجد:

 (5) الكرم و الشرف.

و أقول: يمكن أن يكون هذا مبنيا على الاشتقاق الكبير و المناسبة الذاتية بين الألفاظ و معانيها، فالباء لما كانت مشتركة بين المعنى الحرفي و بين البهاء فلا بد من مناسبة بين معانيهما، و كذا الاسم و السناء لما اشتركا في السين فلذا اشتركا في معنى العلو و الرفعة، و كذا الاسم لما اشترك مع المجد و الملك فلا بد من مناسبة بين معانيها، و هذا باب واسع في اللغة يظهر ذلك للمتتبع بعد تتبع المباني و المعاني، فالمراد بقوله عليه السلام و السين سناء الله، أن هذا الحرف في الاسم مناط لحصول هذا المعنى فيه، و كذا البواقي، و التأمل في ذلك يكسر سورة الاستبعاد عن ظاهر هذا الكلام، و هذا مما خطر بالبال في هذا المقام.

و لعله أقرب مما أفاده بعض الأعلام، حيث قال: لما كان تفسيره بحسب معنى حرف الإضافة، و لفظ الاسم غير محتاج إلى البيان للعارف باللغة أجاب عليه السلام بالتفسير

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 38

بحسب المدلولات البعيدة، أو لأنه لما صار مستعملا للتبرك مخرجا عن المدلول الأول ففسره بغيره مما لوحظ في التبرك، و المراد بهذا التفسير إما أن هذه الحروف لما كانت أوائل هذه الألفاظ الدالة على هذه الصفات أخذت للتبرك أو أن هذه الحروف لها دلالة على هذه المعاني إما على أن للحروف مناسبة مع المعاني بها وضعت لها، و هي أوائل هذه الألفاظ فهي أشد حروفها مناسبة و أقواها دلالة لمعانيها أو لأن الباء لما دلت على الارتباط و الانضياف و مناط الارتباط و الانضياف إلى شي‏ء وجدان حسن مطلوب للطالب، ففيها دلالة على حسن و بهاء مطلوب لكل طالب، و بحسبها فسرت ببهاء الله، و لما كان الاسم من السمو الدال على الرفعة و العلو و الكرم و الشرف، فكل من الحرفين بالانضمام إلى الآخر دال على ذلك المدلول فنسبت الدلالة على السناء بحسب المناسبة إلى السين، و فسرها بسناء الله و الدلالة على المجد أو الملك بحسبها إلى الميم، و فسرها بالمجد أو الملك على الرواية الأخرى‏

" و الله إله كل شي‏ء"

 (1) أي مستحق للعبودية لكل شي‏ء و الحقيق بها، و الرحمن لجميع خلقه.

اعلم أن الرحمن أشد مبالغة من الرحيم، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، و ذلك إنما يعبر تارة باعتبار الكمية و أخرى باعتبار الكيفية، فعلى الأول قيل: يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن و الكافر، و رحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن و على الثاني قيل: يا رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمهما بتخصيص الأول بجلائل النعم و الثاني بغيرها، و الثاني أيضا يحتمل أن يكون محمولا على الوجه الأول، أي رحمن الدارين بالنعم العامة، و الرحيم فيهما بالنعم الخاصة بالهداية و التوفيق في الدنيا و الجنة و درجاتها في الآخرة، و الأخير في هذا الخبر أظهر.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 39

 (الحديث الثاني)

 (1): حسن و قد مر بعينه متنا و سندا في باب المعبود فلا نعيد شرحه.

 (الحديث الثالث)

 (2): ضعيف.

قوله عليه السلام: استولى،

 (3) لعله من باب تفسير الشي‏ء بلازمه، فإن معنى الإلهية يلزمه الاستيلاء على جميع الأشياء دقيقها و جليلها، و قيل: السؤال إنما كان عن مفهوم الاسم و مناطه، فأجاب عليه السلام بأن الاستيلاء على جميع الأشياء مناط المعبودية بالحق لكل شي‏ء.

أقول: الظاهر أنه سقط من الخبر شي‏ء، لأنه مأخوذ من كتاب البرقي و روي في المحاسن بهذا السند بعينه عن القاسم عن جده الحسن عن أبي الحسن موسى عليه السلام و سئل عن معنى قول الله" عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏" فقال: استولى على‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 40

ما دق و جل، و روى الطبرسي في الاحتجاج أيضا هكذا، فلا يحتاج إلى هذه التكلفات إذ أكثر المفسرين فسروا الاستواء بمعنى الاستيلاء، و قد حققنا في مواضع من كتبنا أن العرش يطلق على جميع مخلوقاته سبحانه و هذا أحد إطلاقاته لظهور وجوده و علمه و قدرته في جميعها، و هذا من الكليني غريب و لعله من النساخ.

 (الحديث الرابع)

 (1): ضعيف على المشهور و آخره مرسل.

قوله عليه السلام: هاد لأهل السماء.

 (2) أقول: النور ما يكون ظاهرا بنفسه و سببا لظهور غيره، و الله سبحانه هو الموجود بنفسه، الموجد لغيره، و العالم بذاته المفيض للعلوم على من سواه، فهو هاد لأهل السماء و أهل الأرض، و هدى لهم بما أوجد و أظهر لهم من آيات وجوده و علمه و قدرته، و بما أفاض عليهم من العلوم و المعارف.

 (الحديث الخامس)

 (3): صحيح.

قوله عليه السلام: يبيد،

 (4) أي يهلك، و الرفات: المتكسر من الأشياء اليابسة، و الرميم ما بلى من العظام، و البلح محركة بين الخلال و البسر، قال الجوهري: البلح قبل البسر لأن أول التمر طلع، ثم خلال ثم بلح ثم بسر ثم رطب. أقول: الغرض أن‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 41

دوام الجنة و النار و أهلهما و غيرها لا ينافي آخريته تعالى و اختصاصها به فإن هذه الأشياء دائما في التغير و التبدل و بمعرض الفناء و الزوال، و هو سبحانه باق من حيث الذات و الصفات، أزلا و أبدا بحيث لا يعتريه تغير أصلا، فكل شي‏ء هالك و فإن إلا وجهه تعالى، و قيل: آخريته سبحانه باعتبار أنه تعالى يفنى جميع الأشياء قبل القيامة ثم يعيدها كما يدل عليه ظواهر بعض الآيات و صريح بعض الأخبار، و قد بسطنا القول في ذلك في الفرائد الطريفة في شرح الدعاء الأول.

 (الحديث السادس)

 (1): مجهول و مضمونه قريب من الخبر السابق.

" لا عن أول قبله"

 (2) أي سابق عليه بالزمان أو علة

" و لا عن بدء"

 (3) بالهمز أي ابتداء أو بدئ على فعيل أي علة

" لا عن نهاية"

 (4) أي من حيث الذات و الصفات كما مر

" لا يقع عليه الحدوث"

 (5) ناظر إلى الأولية

" و لا يحول"

 (6) ناظر إلى الآخرية.

 (الحديث السابع)

 (7): مرفوع.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 42

قوله: له أسماء و صفات:

 (1) الظاهر أن المراد بالأسماء ما دل على الذات من غير ملاحظة صفة، و بالصفات ما دل على الذات مع ملاحظة الاتصاف بصفة فأجاب عليه السلام بالاستفسار عن مراد السائل و ذكر محتملاته و هي ثلاثة، و ينقسم بالتقسيم الأول إلى احتمالين، لأن المراد به إما معناه الظاهر أو مأول بمعنى مجازي، لكون معناه الظاهر في غاية السخافة، فالأول و هو معناه الظاهر: أن يكون المراد كون كل من تلك الأسماء و الحروف المؤلفة المركبة عين ذاته تعالى، و حكم بأنه تعالى منزه عن ذلك لاستلزامه تركبه و حدوثه و تعدده تعالى الله عن ذلك.

الثاني: أن يكون‏

قوله:" هي هو"

 (2) كناية عن كونها دائما معه في الأزل فكأنها عينه و هذا يحتمل معنيين:

" أحدهما" أن يكون المراد أنه تعالى كان في الأزل مستحقا لإطلاق تلك الأسماء عليه، و كون تلك الأسماء في علمه تعالى من غير تعدد في ذاته تعالى و صفاته و من غير أن يكون معه شي‏ء في الأزل فهذا حق.

" و ثانيهما" أن يكون المراد كون تلك الأسماء و الحروف المؤلفة دائما معه في الأزل فمعاذ الله أن يكون معه غيره في الأزل، و هذا صريح في نفي تعدد القدماء و لا يقبل تأويل القائلين بمذاهب الحكماء، و

قوله عليه السلام: تصويرها،

 (3) أي إيجادها بتلك الصور و الهيئات،

و هجاؤها،

 (4) أي التكلم بها، و في القاموس: الهجاء ككساء تقطيع اللفظ بحروفها، و هجيت الحروف و تهجيته" انتهى".

فقوله: و تقطيع حروفها،

 (5) كالتفسير له، ثم أشار عليه السلام إلى حكمة خلق الأسماء

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 43

و الصفات بأنها وسيلة بينه و بين خلقه يتضرعون بها إليه و يعبدونه،

" و هي ذكره"

 (1) بالضمير أي يذكر بها، و المذكور بالذكر قديم، و الذكر حادث، و منهم من قرأ بالتاء قال الجوهري: الذكر و الذكرى نقيض النسيان، و كذلك الذكرة.

قوله عليه السلام: و الأسماء و الصفات مخلوقات،

 (2) أقول: ههنا اختلفت نسخ الحديث ففي توحيد الصدوق مخلوقات المعاني، أي معانيها اللغوية و مفهوماتها الكلية مخلوقة و في احتجاج الطبرسي ليس لفظ المعاني أصلا، و في الكتاب و المعاني بالعطف، فالمراد إما مصداق مدلولاتها، و يكون قوله و المعنى بها عطف تفسير له، أو هي معطوفة على الأسماء، أي و المعاني و هي حقائق مفهومات الصفات مخلوقة، أو المراد بالأسماء الألفاظ و بالصفات ما وضع أسماؤها له،

و قوله: مخلوقات و المعاني‏

 (3) خبران للأسماء و الصفات، أي الأسماء مخلوقات و الصفات هي المعاني‏

و المعنى بها هو الله‏

 (4) أي المقصود بها المذكور بالذكر، و مصداق تلك المعاني المطلوب بها هو ذات الله تعالى، و المراد

بالاختلاف‏

 (5) تكثر الأفراد أو تكثر الصفات، أو الأحوال المتغيرة أو اختلاف الأجزاء و تباينها بحسب الحقيقة، أو الانفكاك و التحلل‏

و بالائتلاف‏

 (6) التركب من الأجزاء أو اتفاق الأجزاء في الحقيقة، و حاصل الكلام أن ذات الله سبحانه ليس بمؤتلف و لا مختلف لأنه واحد حقيقي، و كل ما يكون واحدا حقيقيا لا يكون مؤتلفا و لا مختلفا، أما أنه واحد حقيقي فلقدمه، و وجوب وجوده لذاته.

و أما أن الواحد لا يصح عليه الائتلاف و الاختلاف، لأن كل متجزء أو متوهم بالقلة و الكثرة مخلوق، و لا شي‏ء من المخلوق بواحد حقيقي لمغايرة الوجود و المهية و للتحلل إلى المهية و التشخص، فلا شي‏ء من الواحد بمتجزي و لا شي‏ء من‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 44

المتجزى بواحد، و

قوله عليه السلام: فقولك إن الله قدير،

 (1) بيان لحال توصيفه سبحانه بالصفات كالقدرة و العلم، و أن معانيها مغايرة للذات، فمعنى قولك: أن الله قدير خبرت بهذا القول إنه لا يعجزه شي‏ء، فمعنى القدرة فيه نفي العجز عنه لا صفة و كيفية موجودة، فجعلت العجز مغايرا له منفيا عنه، و نفي المغاير للشي‏ء مغاير له كالمنفي عنه، و كذا العلم و سائر الصفات.

و قوله عليه السلام: فإذا أفنى الله الأشياء

 (2) استدلال على مغايرته تعالى للأسماء و هجائها و تقطيعها، و المعاني الحاصلة منها من جهة النهاية، كما أن المذكور سابقا كان من جهة البداية.

و الحاصل أن علمه تعالى ليس عين قولنا عالم، و ليس اتصافه تعالى به متوقفا على التكلم بذلك، و كذا الصور الذهنية ليست عين حقيقة ذاته و صفاته تعالى، و ليس اتصافه تعالى بالصفات متوقفا على حصول تلك الصور إذ بعد فناء الأشياء تفنى تلك الأمور مع بقائه تعالى متصفا بجميع الصفات الكمالية، كما أن قبل حدوثها كان متصفا بها، و هذا الخبر مما يدل على أنه سبحانه يفنى جميع الأشياء قبل القيامة.

ثم اعلم أن المقصود بما ذكر في هذا الخبر و غيره من أخبار البابين هو نفي تعقل كنه ذاته و صفاته تعالى، و بيان أن صفات المخلوقات مشوبة بأنواع النقص و العجز و الله تعالى متصف بها، معرى عن جهات النقص و العجز، كالسمع فإنه فينا العلم بالمسموعات بالحاسة المخصوصة، و لما كان توقف علمنا على الحاسة لعجزنا و كان حصولها لنا من‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 45

جهة تجسمنا و إمكاننا و نقصنا، و أيضا ليس علمنا من ذاتنا لعجزنا و علمنا حادث لحدوثنا، و ليس علمنا محيطا بحقائق ما نسمعه كما هي، لقصورنا عن الإحاطة، و كل هذه نقائص شابت ذلك الكمال، فلذا أثبتنا له سبحانه ما هو الكمال، و هو أصل العلم و نفينا عنه جميع تلك الجهات التي هي سمات النقص و العجز، و لما كان علمه سبحانه غير متصور لنا بالكنه، و رأينا الجهل فينا نقصا فنفيناه عنه، فكأنا لم نتصور من علمه تعالى إلا عدم الجهل، فإثباتنا العلم له تعالى إنما يرجع إلى نفي الجهل، لأنا لم نتصور علمه تعالى إلا بهذا الوجه، و إذا وفيت في ذلك حق النظر وجدته نافيا لما يدعيه القائلون بالاشتراك اللفظي في الوجود و سائر الصفات لا مثبتا له، و قد عرفت أن الأخبار الدالة على نفي التعطيل ينفي هذا القول.

قوله عليه السلام: بالسمع المعقول في الرأس،

 (1) أي الذي نتعقله في الرأس و نحكم بأنه فيه،

و اللطيف‏

 (2) قد يكون بمعنى رقيق القوام أو عديم اللون من الأجسام أو صغير الجسم، و فيه سبحانه لا يتصور هذه الأمور لكونها من لوازم الأجسام، فقد يراد به التجرد مجازا أو بمعنى لطيف الصنعة أو العالم بلطائف الأمور كما فسر به في هذا الخبر.

و موضع النشو منها،

 (3) أي المواد التي جعلها في أبدانها و بها ينمو و موضع نمو كل عضو و قدر نموها بحيث لا يخرج عن التناسب الطبيعي بين الأعضاء، و النشوء بالهمزة: النمو، و ربما يقرأ بكسر النون و الواو خبرا بمعنى شم الريح، جمع نشوة أي يعلم محل القوة الشامة منها، و في التوحيد: موضع الشبق أي شهوة الجماع، و في الاحتجاج: موضع المشي و العقل، أي موضع قواها المدركة،

و الحدب‏

 (4) محركة التعطف، و يمكن عطفه على موضع النشو و على النشو.

 

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 46

و إقام بعضها،

 (1) الإقام مصدر بمعنى الإقامة كقوله تعالى" أَقامَ الصَّلاةَ" حذفت التاء المعوضة عن العين [الساقطة من إقوام‏] و أقيمت الإضافة مقامها، و يمكن عطف هذه الفقرة على علمه و على المعلومات، و الفقرات الآتية تؤيد الثاني،

و القفار

 (2) جمع القفر و هو مفازة لا نبات فيها و لا ماء.

قوله عليه السلام: لوقع التشبيه.

 (3) قال بعض الأفاضل: أبطل كون قوته قوة البطش المعروف من المخلوقين بوجهين:

" أحدهما" لزوم وقوع التشبيه و كونه ماديا مصورا بصورة المخلوق" و ثانيهما" لزوم كونه سبحانه محتملا للزيادة لأن الموصوف بمثل هذه الكيفية لا بد لها من مادة قابلة لها متقومة بصورة جسمانية، موصوفة بالتقدر بقدر، و التناهي و التحدد بحد لا محالة فيكون لا محالة حينئذ موصوفا بالزيادة على ما دونه من ذوي الأقدار و كل موصوف بالزيادة الإضافية موصوف بالنقصان الإضافي لوجهين:

" أحدهما" أن المقادير الممكنة لأحد لها تقف عنده في الزيادة، كما لأحد لها في النقصان، فالمتقدر بمقدار متناه يتصف بالنقص الإضافي بالنسبة إلى بعض الممكنات، و إن لم يدخل في الوجود.

" و ثانيهما" أنه يكون حينئذ لا محالة موصوفا بالنقص الإضافي بالنسبة إلى مجموع الموصوف بالزيادة الإضافية، و المقيس إليه، فيكون أنقص من مجموعهما، و ما كان ناقصا بالنسبة إلى غيره من الممكنات لا يكون قديما واجب الوجود لذاته‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 47

لأنه علة و مبدء لكل ما يغايره، و المبدأ المفيض أكمل و أتم من المعلول الصادر عنه المفاض عليه منه، فكل ناقص إضافي أحق بالمعلولية من المبدئية لما هو أكمل و أزيد منه، و هذا ينافي ربوبيته و يتم به المطلوب لكنه لما أراد إلزام ما هو أظهر فسادا و هو لزوم عجزه عن قوته ضم إليه‏

قوله: و ما كان غير قديم كان عاجزا،

 (1) لأنه كان معلولا لعلته و مبدئه، مسخرا له غير قوي على مقاومته.

إذا عرفت ذلك‏

فربنا تبارك و تعالى لا شبه له‏

 (2) لأن شبه الممكن ممكن،

و لا ضد

 (3) له لأن الشي‏ء لا يضاد علته، و مقتضى العلية و المعلولية الملازمة و الاجتماع في الوجود، فلا يجامع المضادة

و لا ند

 (4) له، لأن المثل المقاوم لا يكون معلولا و لا قديم سواه بدليل التوحيد،

و لا كيف‏

 (5) له لكونه تاما كاملا في ذاته، غير محتمل لما يفقده‏

و لا نهاية

 (6) له لتعاليه عن التقدر و القابلية لما يغايره.

و لا يبصار بصر،

 (7) و في بعض النسخ و لا تبصار بالتاء، أي التبصر بالبصر،

و محرم على القلوب أن تمثله‏

 (8) أي أن يجعل حقيقته موجودا ظليا مثاليا، و يأخذ منه حقيقة كلية معقولة لكونه واجب الوجود بذاته لا تنفك حقيقته عن كونه موجودا عينيا شخصيا،

و على الأوهام أن تحده‏

 (9) لعجزها عن أخذ المعاني الجزئية عما لا يحصل في القوي و الأذهان، و لا يحاط بها فلا تأخذ منه صورة جزئية،

و على الضمائر أن تكونه‏

 (10) الضمير السر و داخل الخاطر و البال، و يطلق على محله كما أن الخاطر في الأصل ما يخطر بالبال و يدخله، ثم أطلق على محله، و التكوين التحريك، و المعنى أنه محرم على ما يدخل الخواطر أن يدخله، و ينقله من حال إلى حال، لاستحالة قبوله لما يغايره، أو المراد بالضمائر خواطر الخلق و قواهم الباطنة، و أنه يستحيل أن يخرجه من الغيبة إلى الحضور و الظهور عليهم، أي ليس لها أن تجعله بأفعالها متنزلا إلى مرتبة الحضور عندهم.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 48

أقول: و يحتمل أن يكون دليلا على امتناع حصوله في المعقول و الضمائر، لأنه يلزم أن يكون حقيقته سبحانه مكونة مخلوقة و لو في الوجود الذهني، و هو متعال عن ذلك‏

" عن أداة خلقه"

 (1) أي آلتهم التي بها يفعلون و يحتاجون في أفعالهم إليها و

" سمات بريته"

 (2) أي صفاتهم.

 (الحديث الثامن)

 (3): ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام: من أي شي‏ء،

 (4) هذا استعلام عن مراد القائل أنه هل أراد اتصافه سبحانه بالشدة أو الزيادة في الكبر الذي يعقل في المخلوقين، فيلزم اتصافه بالكبر الإضافي أو أراد نفي اتصافه سبحانه بما يعقل عن الصفات في المخلوقات، و لما أجاب القائل بقوله: من كل شي‏ء، علم أنه أراد الأول فنبه على فساده بقوله حددته، لأن المتصف بصفات الخلق محدود بحدود الخلق، غير خارج عن مرتبتهم، فلما علم القائل خطاءه قال: كيف أقول؟ فأجاب عليه السلام‏

بقوله: قل: الله أكبر من أن يوصف،

 (5) و معناه اتصافه بنفي صفات المخلوقات عنه و تعاليه عن أن يتصف بها.

 (الحديث التاسع)

 (6): مجهول.

قوله عليه السلام: أي شي‏ء الله أكبر؟

 (7) أي ما المراد به و ما معناه؟

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 49

قوله عليه السلام: و كان ثم شي‏ء؟

 (1) استفهام للإنكار أي أ كان في مرتبة تداني مرتبته سبحانه، و يصح فيها النسبة بينه و بين غيره شي‏ء، و الحاصل أنه يضمحل في جنب عظمته و جلاله كل شي‏ء، فلا وجه للمقايسة، أو المعنى أنه لم يكن في الأزل شي‏ء، و كانت هذه الكلمة صادقة في الأزل، و الأول أعلى و أظهر.

 (الحديث العاشر)

 (2): صحيح.

قوله عليه السلام: أنفة لله،

 (3) أي براءة و تعال و تنزه له سبحانه عن صفات المخلوقات و نصب سبحان على المصدر، أي أسبح الله سبحانا يليق به و يقال: أنف منه أي استنكف.

 (الحديث الحادي عشر)

 (4): ضعيف.

 (الحديث الثاني عشر)

 (5): صحيح.

قوله عليه السلام: إجماع الألسن،

 (6) أي معنى الواحد في أسمائه و صفاته سبحانه ما أجمع عليه الألسن من وحدانيته و تفرده بالخالقية و الألوهية، كقوله:" وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ" أي جميع الخلق إذا راجعوا إلى أنفسهم و جانبوا الأغراض الفاسدة التي صرفتهم‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 50

عن مقتضى عقولهم، أو المراد به مشركو مكة، فإن شركهم كان في المعبودية لا الخالقية، و يحتمل أن يكون الواحد في الله سبحانه موضوعا شرعا لهذا المعنى، أي من أجمعت الألسن على وحدانيته.

باب آخر و هو من الباب الأول إلا أن فيه زيادة، و هو الفرق ما بين المعاني تحت أسماء الله و أسماء المخلوقين‏

. (1)

 (الحديث الأول)

 (2): مجهول، و أبو الحسن عليه السلام يحتمل الثاني و الثالث عليهما السلام قال ابن الغضائري: اختلفوا في أن مسئول فتح بن يزيد هو الرضا عليه السلام أم الثالث، و صرح الصدوق بأنه الرضا عليه السلام.

قوله عليه السلام: لم يعرف الخالق،

 (3) في التوحيد هكذا" وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، منشئ الأشياء و مجسم الأجسام و مصور الصور، و لو كان كما يقولون لم يعرف" و هو أصوب، و المعنى أنه لو كان قول المشبهة حقا لم يتميز الخالق من المخلوق، لاشتراكهما في الصفات الإمكانية، و على ما في الكتاب: المعنى: لا يمكن معرفة الخالق من المخلوق، و بالمقايسة إليه، إذ ليس المخلوق ذاتيا لخالقه و لا مرتبطا به‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 51

ارتباطا يصحح الحمل و القول عليه، و المراد بالخلق إما مطلق الإيجاد،

فقوله: و لا المنشئ،

 (1) من المنشأ كالمفسر و المؤكد له، أو المراد به التقدير و التصوير، فقوله: و لا المنشأ تعميم، و الضمير في لكنه إما للشأن أو راجع إليه سبحانه.

قوله: فرق،

 (2) إما اسم أي الفرق و الامتياز لازم بينه سبحانه‏

و بين من جسمه‏

 (3) أي أوجده جسما، أو أعطاه حقيقة الجسمية،

و صوره‏

 (4) أي أوجده متصورا بصورة خاصة

و أنشأه‏

 (5) من العدم، فقوله: إذ كان تعليل لعدم المعرفة أو الفرق، أو فعل، أي فرق و باين بين المهيات و صفاتها و لوازمها، و جعل لكل منها حقيقة خاصة و صفة مخصوصة

فقوله:" إذ"

 (6) يحتمل الظرفية و التعليل، فعلى الأول، المعنى: أنه خلقها في وقت لم يكن متصفا بشي‏ء من تلك الحقائق و الصفات، و لم يكن في شي‏ء منها شبيها بالمخلوقات و على الثاني لعل المعنى أنه أعطى المخلوقات المهيات المتباينة و الصفات المتضادة لأنه لم يكن يشبهه شيئا منها، إذ لو كان متصفا بأحد تلك الأضداد لم يكن معطيا لضدها، إذ لو كان حارا مثلا لم يكن معطيا و مفيضا للبرودة، فلما لم يكن متصفا بشي‏ء منهما صار علة لكل منهما فيما يستحقه من المواد، و أيضا لو كان مشاركا لبعضها في المهية لم يكن معطيا تلك المهية غيره، و إلا لزم كون الشي‏ء علة لنفسه.

قوله عليه السلام: أحلت،

 (7) أي أتيت بالمحال و قلت به،

ثبتك الله،

 (8) أي على الحق.

قوله عليه السلام: إنما التشبيه بالمعاني،

 (9) أي التشبيه الممنوع منه إنما هو تشبيه معنى حاصل فيه تعالى بمعنى حاصل للخلق، لا محض إطلاق لفظ واحد عليه تعالى، و على الخلق بمعنيين متغايرين، أو المعنى أنه ليس التشبيه هنا في كنه الحقيقة و الذات،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 52

و إنما التشبيه في المفهومات الكلية التي هي مدلولات الألفاظ، و تصدق عليه سبحانه كما مر تحقيقه،

فأما في الأسماء فهي واحدة،

 (1) أي الأسماء التي تطلق عليه تعالى، و على الخلق واحدة، لكنها لا توجب التشابه، إذ الأسماء دالة على المسميات، و ليس عينها حتى يلزم الاشتراك في حقيقة الذات و الصفات، ثم بين عليه السلام عدم كون التشابه في المعنى في اشتراك لفظ الواحد بينه و بين خلقه تعالى، بأن الوحدة في المخلوق هي الوحدة الشخصية التي تجتمع مع أنواع التكثرات، و ليست إلا تألف أجزاء و اجتماع أمور متكثرة، و وحدته سبحانه هي نفي التجزي و الكثرة و التعدد عنه سبحانه مطلقا، و

قوله عليه السلام: فأما الإنسان،

 (2) فيحتمل أن يكون كل من المخلوق و المصنوع و المؤلف و الظرف خبرا، و إن كان الأول أظهر.

قوله عليه السلام: للفصل.

 (3) بالصاد المهملة، أي للفرق الظاهر بينه و بين خلقه، أو بالمعجمة أي لما بينت من فضله على المخلوق.

قوله عليه السلام: إنما قلنا اللطيف،

 (4) قيل: إن اللطيف هو الشي‏ء الدقيق، ثم استعمل فيما هو سبب، و مبدء للدقيق من القوة على صنعه و العلم به، فيقال لعامله:

إنه دق و لطف بصنعه، و هو صانع دقيق في صنعه، و العالم به أنه دق و لطف بدركه،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 53

و هو عالم دقيق في دركه. و

قوله عليه السلام و لعلمه:

 (1) ليس الواو في بعض النسخ فهو بدل للخلق أو علة له، و قال الجوهري: صغر الشي‏ء فهو صغير و صغار بالضم، و قال:

الجرجس: البعوض الصغار فهو من قبيل عطف الخاص على العام.

قوله عليه السلام: في لطفه،

 (2) أي مع لطف ذلك المخلوق أو بسبب لطفه سبحانه‏

و السفاد

 (3) بالكسر: نزو الذكر على الأنثى،

و لجة

 (4) البحر معظمه،

و اللحاء

 (5) بالكسر و المد: قشر الشجر،

و" إفهام"

 (6) إما بالكسر أو بالفتح، و يؤيد الأخير ما في العيون: و فهم بعض عن بعض، و قال السيد الداماد رحمه الله:

الدمامة

 (7) بفتح الدال المهملة و بميمين عن حاشيتي الألف: القصر و القبح، يقال رجل دميم و به دمامة إذا كان قصير الجثة، حقير الجثمان قبيح الخلقة، و أما الذمامة بإعجام الذال بمعنى القلة، من قولهم بئر ذمة بالفتح أي قليل الماء، و في هذا المقام تصحيف" انتهى".

و أقول: فلما كان لسائل أن يقول: اللطف بهذا المعنى أيضا يطلق على المخلوق فيقال: صانع لطيف، فأشار عليه السلام إلى جواب ذلك‏

بقوله: بلا علاج و لا أداة و لا آلة،

 (8) و الحاصل أن لطفه سبحانه ليس على ما يعقل في المخلوقين، بأي معنى كان، بل يرجع إلى نفي العجز عن خلق الدقيق، و نفي الجهل بالدقيق، فأما كيفية خلقه و كنه علمه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 54

فهو مستور عنا، و قال الجزري: في أسماء الله تعالى اللطيف، و هو الذي اجتمع له الرفق في الفعل و العلم بدقائق المصالح و إيصالها إلى من قدرها له من خلقه، يقال:

لطف له بالفتح يلطف لطفا إذا رفق به، و أما لطف بالضم يلطف فمعناه صغر و دق.

 (الحديث الثاني)

 (1): مرسل و المراد بالقدم وجوب الوجود.

قوله عليه السلام فقد بأن لنا بإقرار العامة:

 (2) الإقرار إما من أقر بالحق إذا اعترف به، أو من أقر الحق في مكانه فاستقر هو، ف

قوله عليه السلام: معجزة الصفة

 (3) على الأول منصوب بنزع الخافض، و على الثاني منصوب على المفعولية، و المعجزة اسم فاعل من أعجزته بمعنى وجدته عاجزا أو جعلته عاجزا أو من أعجزه الشي‏ء بمعنى فاته، و إضافتها إلى الصفة المراد بها القدم، من إضافة الصفة إلى الموصوف، و إنما وصفها بالإعجاز لأنها تجدهم أو تجعلهم لنباهة شأنها، عاجزين عن إدراكهم كنهها، أو عن اتصافهم بها، أو عن إنكارهم لها، أو لأنها تفوتهم، و هم فاقدون لها.

و يحتمل أن تكون المعجزة مصدر عجز عن الشي‏ء عجزا و معجزة بفتح الميم و كسر الجيم و فتحها، أي إقرارهم بعجزهم عن الاتصاف بتلك الصفة، و يمكن أن يقرأ على بناء المفعول بأن يكون حالا عن العامة أو صفة لها، أي بإقرارهم موصوفين بالعجز عن ترك الإقرار، أو و الحال أن صفة القدم أعجزتهم و ألجأتهم إلى الإقرار فالمقر به و البين شي‏ء واحد، و هو قوله: أن لا شي‏ء قبل الله، لكن في الحالية و أول احتمالي الوصفية مناقشة.

و قال بعض الأفاضل: المراد بقوله: إقرار العامة إذعانهم، أو الإثبات، و على‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 55

الأول متعلق الإذعان إما معجزة الصفة بحذف الصلة، أو محذوف، أي إقرار العامة بأنه خالق كل شي‏ء و معجزة الصفة صفة للإقرار، أو بدل عنه أي إقرار العامة بأنه خالق كل شي‏ء معجزة الصفة، أي صفة الخالقية لكل شي‏ء، أو صفة القدم، لا يسع أحدا أن ينكره، و أما على الثاني فمعجزة الصفة من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الصفة التي هي معجزة لهم عن أن لا يثبتوا له خالقية كل شي‏ء أو المعجزة بمعناه المتعارف و الإضافة لامية، أي إثباتهم الخالقية للكل معجزة هذه الصفة، حيث لا يسعهم أن ينكروها و إن أرادوا الإنكار، و يحتمل أن يكون معجزة الصفة فاعل بأن و يكون‏

قوله: إنه لا شي‏ء قبل الله،

 (1) بيانا أو بدلا لمعجزة الصفة" انتهى".

أقول: لا يخفى أنه يدل على أنه لا قديم سوى الله، و على أن التأثير لا يعقل إلا في الحادث، و أن القدم مستلزم لوجوب الوجود.

قوله عليه السلام ثم وصف:

 (2) أي سمى نفسه بأسماء بالتنوين، دعاء الخلق بالنصب أي لدعائهم، و يحتمل إضافة الأسماء إلى الدعاء و الأظهر أنه على صيغة الفعل كما في التوحيد و العيون،

و قوله: إلى أن يدعوه‏

 (3) متعلق به، أو بالابتلاء أيضا على التنازع، لكن في أكثر نسخ الكتاب مهموز.

قوله عليه السلام و ابتلاهم:

 (4) أي بالمصائب و الحوائج أو ألجأهم إلى أن يدعوه بتلك الأسماء.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 56

قوله عليه السلام: و الدليل على ذلك،

 (1) أي على إطلاق اللفظ الواحد على المعنيين المختلفين، و القول الشائع هو ما فسره عليه السلام‏

بقوله: و قد يقال،

 (2) و في التوحيد و غيره السائغ، أي الجائز، و العلقم شجر مر، و يقال: للحنظل و لكل شي‏ء مر علقم.

قوله عليه السلام: على خلافه،

 (3) أي على خلاف موضعه الأصلي.

قوله: و حالاته،

 (4) عطف على الضمير المجرور في خلافه بدون إعادة الجار و هو مجوز، أو الواو بمعنى مع، أو يقدر المضاف، و في العيون و غيره: على خلافه لأنه لم يقع، و هو أظهر.

قوله عليه السلام: و الروية،

 (5) عطف على الحفظ،

و قوله: و يفسد

 (6) عطف على قوله يخلق‏

و قوله: ما مضى‏

 (7) بدل من الموصول، أو قوله: و يفسد حال، أي فيما يخلق من خلقه و الحال أنه يفسد عنه خلقه ما مضى، قوله: و يعينه كذا في بعض النسخ من التعيين أي من العلم الذي لو لم يحضر العالم ذلك العلم و يعينه و يحصله تعيينا و تحصيلا لا

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 57

يكون له إلا بحصوله بعد خلوه عنه بذاته كان جاهلا،

و في بعض النسخ و لغيبة

 (1) من الغيبة فيكون عطفا على النفي و مفسرا له أو حالا، و في العيون و غيره و يعنه و هو الصواب، و في بعض نسخ العيون و تفنية ما مضى أي إفناءها، و في بعض نسخ التوحيد و تقفية ما مضى بما أفنى أي جعل بعض ما يفنى في قفاء ما مضى، أي يكون مستحضرا لما مضى مما أعدمه سابقا حتى يفنى ما يفنى بعده على طريقته، و على التقديرين معطوف على الموصول.

قوله عليه السلام: لا بخرت،

 (2) هو بالفتح و الضم الثقب في الأذن و غيرها.

قوله عليه السلام: فقد جمعنا،

 (3) بسكون العين على صيغة المتكلم أو بفتحها على صيغة الغائب، و الاسم على الأول منصوب، و على الثاني مرفوع.

قوله عليه السلام: لا يحتمل شخصا،

 (4) أي لا يقبل مثاله و لا ينطبع صورته الذهني و شبحه فيه، فيدل على أن الإبصار بالانطباع لا بخروج الشعاع، و في العيون و التوحيد:

لا يجهل شخصا و هو أظهر،

و الكبد

 (5) بالتحريك: المشقة و التعب،

و القضافة

 (6) بالقاف و الضاد المعجمة ثم الفاء: الدقة و النحافة.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 58

قوله عليه السلام: و فات الطلب،

 (1) أي فات ذلك الشي‏ء عن الطلب فلا يدركه الطلب، أو فات عن العقل الطلب فلا يمكنه طلبه، و يحتمل على هذا أن يكون الطلب بمعنى المطلوب‏

" و عاد"

 (2) أي العقل أو الوهم على التنازع، أو ذلك الشي‏ء فالمراد أنه صار ذا عمق و لطافة و دقة لا يدركه الوهم لبعد عمقه و غاية دقته، و تفصيله: أنه يمكن أن يقرأ الطلب مرفوعا و منصوبا، فعلى الأول يكون فات لازما أي ضاع و ذهب الطلب، و على الثاني فضمير الفاعل إما راجع إلى الأمر المطلوب، أي لا يدرك الطلب ذلك الأمر كما ورد في الدعاء" لا يفوته هارب" أو إلى العقل على الوجهين المذكورين، و ربما يحمل الطلب على الطالب بإرجاع ضمير الفاعل إلى الأمر، و ربما يقال: يعود ضمير الفاعل في عاد إلى الطلب، و تقدير القول في‏

قوله: لا يدركه وهم،

 (3) أي يعود الطلب أو الطالب متعمقا متلطفا قائلا لا يدركه و هم، و لا يخفى بعده، و سنام كل شي‏ء: أعلاه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 59

و منه تسنمه أي علاه،

و الذرى‏

 (1) بضم الذال المعجمة و كسرها جمع الذروة بهما، و هي أيضا أعلى الشي‏ء.

قوله عليه السلام: لا يخفى عليه شي‏ء،

 (2) يحتمل إرجاع الضمير المجرور إلى الموصول، أي لا يخفى على من أراد معرفته شي‏ء من أموره: من وجوده و علمه و قدرته و حكمته و على تقدير إرجاعه إليه تعالى لعله ذكر استطرادا، أو إنما ذكر لأنه مؤيد لكونه مدبرا لكل شي‏ء، أو لأنه مسبب عن علية كل شي‏ء، أو لأن ظهوره لكل شي‏ء و ظهور كل شي‏ء له مسببان عن تجرده تعالى، و يحتمل أن يكون وجها آخر لإطلاق الظاهر عليه تعالى، لأن في المخلوقين لما كان المطلع على شي‏ء حاضرا عنده ظاهرا له، جاز أن يعبر عن هذا المعنى بالظهور،

و العلاج:

 (3) العمل و المزاولة بالجوارح.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 60

قوله عليه السلام لم يخرج منه طرفة عين:

 (1) لعله يدل على أن الأشياء في كل آن محتاجة إلى إفاضة جديدة و إيجاد جديد، و في التوحيد طرفة عين، غير أنه يقول له و قد أشار إلى ما أومأنا إليه بهمنيار في التحصيل و غيره، حيث قالوا: كل ممكن بالقياس إلى ذاته باطل، و به تعالى حق كما يرشد إليه قوله تعالى:" كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ" فهو آنا فآنا يحتاج إلى أن يقول له الفاعل الحق: كن، و يفيض عليه الوجود بحيث لو أمسك عنه هذا القول و الإفاضة طرفة عين، لعاد إلى البطلان الذاتي و الزوال الأصلي، كما أن ضوء الشمس لو زال عن سطح المستضي‏ء لعاد إلى ظلمته الأصلية.

باب تأويل الصمد

 (2)

 (الحديث الأول)

 (3): ضعيف على المشهور.

و اعلم أن العلماء اختلفوا في تفسير الصمد، فقيل: إنه فعل بمعنى المفعول من صمد إليه إذا قصده، و هو السيد المقصود إليه في الحوائج، كما ورد في هذا الخبر، و روت العامة عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية قالا:

ما الصمد؟

 (4) قال صلوات الله عليه و آله: هو السيد الذي يصمد إليه في الحوائج، و قيل: إن الصمد هو الذي لا جوف له.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 61

و قال ابن قتيبة: الدال فيه مبدلة من التاء و هو الصمت، و قال بعض اللغويين:

الصمد هو الأملس من الحجر لا يقبل الغبار و لا يدخله و لا يخرج منه شي‏ء، فعلى الأول عبارة عن وجوب الوجود و الاستغناء المطلق و احتياج كل شي‏ء في جميع أموره إليه، أي الذي يكون عنده ما يحتاج إليه كل شي‏ء، و يكون رفع حاجة الكل إليه و لم يفقد في ذاته شيئا مما يحتاج إليه الكل و إليه يتوجه كل شي‏ء بالعبادة و الخضوع و هو المستحق لذلك، و أما على الثاني فهو مجاز عن أنه تعالى أحدي الذات، أحدي المعنى، ليست له أجزاء ليكون بين الأجزاء جوف، و لا صفات زائدة فيكون بينها و بين الذات جوف، أو عن أنه الكامل بالذات، ليس فيه جهة استعداد و إمكان، و لا خلو له عما يليق به، فلا يكون له جوف يصلح أن يدخله ما ليس له في ذاته، فيستكمل به، فالجوف كناية عن الخلو عما يصلح اتصافه به، و أما علي الثالث فهو كناية عن عدم الانفعال و التأثر عن الغير، و كونه محلا للحوادث كما مر عن الصادق عليه السلام:

أن الرضا دخال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال، لأن المخلوق أجوف معتمل مركب للأشياء فيه مدخل، و خالقنا لا مدخل للأشياء فيه لأنه واحد واحدي الذات واحدي المعنى، و قد ورد بكل من تلك المعاني أخبار.

و قد روى الصدوق في التوحيد و معاني الأخبار خبرا طويلا مشتملا على معاني كثيرة للصمد، و قد نقل بعض المفسرين عن الصحابة و التابعين و الأئمة و اللغويين قريبا من عشرين معنى، و يمكن إدخال جميعها فيما ذكرنا من المعنى الأول، لأنه لاشتماله على الوجوب الذاتي يدل على جميع السلوب، و لدلالته على كونه مبدء للكل يدل على اتصافه بجميع الصفات الكمالية، و به يمكن الجمع بين الأخبار المختلفة الواردة في هذا المعنى، و قد أوردنا الأخبار في كتاب بحار الأنوار.

 (الحديث الثاني)

 (1): مجهول كالصحيح،

و قوله: واحد

 (2) خبر إن و الجملتان‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 62

معترضتان،

تباركت أسماؤه:

 (1) أي تطهرت عن النقائص أو كثرت صفات جلاله و عظمته أو ثبتت و لا يعتريها التغير من قولهم: برك البعير بالمكان أي أقام، و كلمة

" في"

 (2) في قوله: في علو كنهه، تعليلية، و

قوله عليه السلام: توحد بالتوحيد،

 (3) أي لم يكن في الأزل أحد يوحده، فهو كان يوحد نفسه، فكان متفردا بالوجود، متوحدا بتوحيد نفسه، ثم بعد الخلق عرفهم نفسه، و أمرهم أن يوحدوه، أو المراد أن توحده لا يشبه توحد غيره، فهو متفرد بالتوحد، أو كان قبل الخلق كذلك و أجرى سائر أنواع التوحد على خلقه، إذا الوحدة تساوق الوجود أو تستلزمه، لكن وحداتهم مشوبة بأنواع الكثرة كما عرفت.

قوله: فهذا هو الصحيح،

 (4) من كلام الكليني (ره).

قوله: من ذلك،

 (5) أي تفسير الصمد بالصمت فالعالم عليه السلام أعلم، أي هو عليه السلام أعلم بتفسيره و مراده،

و الجمرة

 (6) بالتحريك و الفتح واحدة جمرات المناسك،

و القصوى:

 (7) العقبة

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 63

و الحصى بالفتح و القصر جمع الحصاة

" ما كنت أحسب"

 (1) أي أظن و

" رهيبة"

 (2) اسم رجل‏

" علوته بحسام"

 (3) الحسام: السيف، أي رفعته فوق رأسه،

و حذيف:

 (4) منادي مرخم.

باب الحركة و الانتقال‏

 (5)

 (الحديث الأول)

 (6): ضعيف.

 

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 64

قوله عليه السلام: إنما منظره:

 (1) أي نظره و علمه و إحاطته بأن يكون مصدرا ميميا أو ما ينظر إليه في القرب و البعد منه سواء، أي لا يختلف اطلاعه على الأشياء بالقرب و البعد، لأنهما إنما يجريان في المكانيات بالنسبة إلى أمثالها و هو سبحانه متعال عن المكان، إذ يوجب الحاجة إلى المكان، و هو لم يحتج إلى شي‏ء بل يحتاج إليه على المجهول، أي كل شي‏ء غيره محتاج إليه، و الطول: الفضل و الإنعام.

قوله عليه السلام فإنما يقول ذلك" إلخ"

 (2) أي النزول المكاني إنما يتصور في المتحيز و كل متحيز موصوف بالتقدر، و كل مقتدر متصف بالنقص عما هو أزيد منه و بالزيادة على ما هو أنقص منه، أو يكون في نفسه قابلا للزيادة و النقصان، و الوجوب الذاتي ينافي ذلك لاستلزامه التجزي و الانقسام المستلزمين للإمكان، و أيضا كل متحرك محتاج إلى من يحركه أو يتحرك به، لأن المتحرك إما جسم أو متعلق بالجسم، و الجسم المتحرك لا بد له من محرك، لأنه ليس يتحرك بجسميته، و المتعلق بالجسم لا بد له في تحركه من جسم يتحرك به، و هو سبحانه منزه عن الاحتياج إلى المحرك، و عن التغير بمغير، و عن التعلق بجسم يتحرك به.

و يحتمل أن يكون المراد بالأول الحركة القسرية، و بالثاني ما يشمل الإرادية و الطبيعية، بأن يكون المراد بمن يتحرك به ما يتحرك به من طبيعة أو نفس، و

قوله:

من أن يقفوا، من وقف يقف،

 (3) أي أن يقوموا في الوصف له و توصيفه على حد فتحدونه‏

بنقص أو زيادة،

 (4) و يحتمل أن يكون من قفا يقفو، أي تتبعوا له في البحث عن صفاته‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 65

تتبعا على حد تحدونه بنقص أو زيادة،

قوله:" حِينَ تَقُومُ"

 (1) أي إلى التهجد أو إلى الخيرات أو إلى الأمور كلها

" وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ"

 (2) أي ترددك و حركاتك بين المصلين بالقيام و القعود و الركوع و السجود، و المعنى توكل عليه في جميع أمورك عارفا بأنه عالم بجميع أحوالك في جميع الأوقات، أو توكل عليه في توصيفه بصفاته فقل في صفته بما وصف به نفسه، و لا تعتمد في توصيفه على ما يذهب إليه و همك.

 (الحديث الثاني)

 (3): ضعيف.

قوله عليه السلام: فأزيله عن مكانه،

 (4) أي لا يتصف بالقيام اتصاف الأجسام لاستلزامه الزوال في الجملة عن مكانه، كزوال ما يقوم من الأجسام عن مكانه الذي استقر فيه، و لأن القيام نسبة إلى المكان بخلو بعض المكان عن بعض القائم عنه و شغل بعضه ببعض، و نسبته تعالى إلى كل الأمكنة سواء.

أقول: و يمكن أن يكون المراد بالمكان: الدرجة الرفيعة التي له سبحانه من التقدس و التنزه و التجرد، أي نسبة القيام إليه تعالى مستلزم لإزالته عن تجرده و تقدسه و تنزهه سبحانه.

قوله عليه السلام: في شي‏ء من الأركان،

 (5) أي الأركان البدنية أو النواحي و الجوانب أي أركان الخلق‏

" و الجوارح"

 (6) بأن يتحرك رأسه أو عينه أو يده سبحانه‏

" بلفظ شق فم"

 (7) أي لفظ خارج من فرجة الفم.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 66

 (الحديث الثالث)

 (1): مجهول.

قوله عليه السلام: من حبل الوريد،

 (2) لعل فيه إشارة إلى أن قربه سبحانه قرب العلية و التأثير و التدبير، إذ عرق العنق سبب للحياة و بانقطاعه يكون الموت و الفناء، أي هو تعالى أدخل في حياة الشخص من عرق العنق، إذ هو خالقه و مسبب سائر أسباب حياته‏

 (الحديث الرابع)

 (3): ضعيف، و سنده الثاني صحيح على الظاهر.

قوله عليه السلام: علم ذلك عنده،

 (4) أي علم كيفية نزوله عنده سبحانه، و ليس عليكم معرفة ذلك، ثم أشار إشارة خفية إلى أن المراد بنزوله: تقديره نزول رحمته، و إنزالها بتقديره‏

بقوله: و هو المقدر له بما هو أحسن تقديرا،

 (5) ثم أفاد أن ما عليكم علمه أنه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 67

لا يجري عليه أحكام الأجسام و المحيزات من المجاورة و القرب المكاني، و التمكن في الأمكنة، بل حضوره سبحانه حضور و شهود علمي و إحاطة بالعلم و القدرة و الملك بقوله: و علم أنه" إلخ".

قوله: في قوله.

 (1) هذا كلام المصنف (ره) أي روي في تفسير هذه الآية الرواية الآتية، و قيل: عطف على عنوان الباب، أي باب في قوله، و هو بعيد.

 (الحديث الخامس)

 (2): صحيح.

قوله تعالى" ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ"

 (3) أي ما يقع من تناجي ثلاثة، و يجوز أن يقدر مضاف أو يؤول نجوى من متناجين و يجعل ثلاثة صفة لها

" إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ"

 (4) أي إلا الله يجعلهم أربعة من حيث أنه يشاركهم في الاطلاع عليها

" وَ لا خَمْسَةٍ"

 (5) أي و لا نجوى خمسة، و تخصيص العددين إما لخصوص الواقعة، أو لأن الله وتر يحب الوتر و الثلاثة أول الأوتار، أو لأن التشاور لا بد له من اثنين يكونان كالمتنازعين، و ثالث يتوسط بينهما.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 68

ثم اعلم أنه لما كان القدام و الخلف و اليمين و الشمال غير متميزة إلا بالاعتبار عد الجميع حدين، و الفوق و التحت حدين، فصارت أربعة، و المعنى أنه ليست إحاطته سبحانه بالذات، لأن الأماكن محدودة، فإذا كانت إحاطته بالذات بأن كانت بالدخول في الأمكنة لزم كونه محاطا بالمكان كالمتمكن، و إن كانت بالانطباق على المكان لزم كونه محيطا بالمتمكن كالمكان.

 (الحديث السادس)

 (1): ضعيف.

و اعلم أن الاستواء

 (2) يطلق على معان:" الأول" الاستقرار و التمكن على الشي‏ء" الثاني" قصد الشي‏ء و الإقبال إليه" الثالث" الاستيلاء على الشي‏ء، قال الشاعر:

         قد استوى شبر على العراق             من غير سيف و دم مهراق‏

" الرابع" الاعتدال يقال: سويت الشي‏ء فاستوى" الخامس" المساواة في النسبة.

فأما المعنى الأول فيستحيل على الله تعالى، لما ثبت بالبراهين العقلية و النقلية

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 69

من استحالة كونه تعالى مكانيا، فمن المفسرين من حمل الاستواء في هذه الآية على الثاني، أي أقبل على خلقه و قصد إلى ذلك، و قد ورد أنه سئل أبو العباس أحمد بن يحيى عن هذه الآية، فقال: الاستواء الإقبال على الشي‏ء، و نحو هذا قال الفراء و الزجاج في قوله عز و جل:" ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ" و الأكثرون منهم حملوها على الثالث، أي استولى عليه و ملكه و دبره قال الزمخشري: لما كان الاستواء على العرش و هو سرير الملك لا يحصل إلا مع الملك جعلوه كناية عن الملك، فقالوا: استوى فلان على السرير يريدون ملكه، و إن لم يعقد على السرير البتة، و إنما عبروا عن حصول الملك بذلك لأنه أصرح و أقوى في الدلالة من أن يقال فلان ملك، و نحوه قولك يد فلان مبسوطة، و يد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواد أو بخيل، لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت، حتى أن من لم يبسط يده قط بالنوال، أو لم يكن له يد رأسا و هو جواد قيل فيه يد مبسوطة، لأنه لا فرق عندهم بينه و بين قولهم جواد" انتهى".

و يحتمل أن يكون المراد المعنى الرابع بأن يكون كناية عن نفي النقص عنه تعالى من جميع الوجوه، فيكون قوله تعالى" عَلَى الْعَرْشِ" حالا و سيأتي توجيهه، و لكنه بعيد.

و أما المعنى الخامس فهو الظاهر مما مر من الأخبار.

فاعلم أن العرش‏

 (1) قد يطلق على الجسم العظيم الذي أحاط بسائر الجسمانيات، و قد يطلق على جميع المخلوقات، و قد يطلق على العلم أيضا كما وردت به الأخبار الكثيرة، و قد حققناه في كتاب السماء و العالم من كتاب بحار الأنوار، فإذا عرفت هذا فإما أن يكون عليه السلام فسر العرش بمجموع الأشياء، و ضمن الاستواء ما يتعدى بعلى‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 70

كالاستيلاء و الاستعلاء و الإشراف، فالمعنى استوت نسبته إلى كل شي‏ء حالكونه مستوليا عليها، أو فسره بالعلم، و يكون متعلق الاستواء مقدرا، أي تساوت نسبته من كل شي‏ء حالكونه متمكنا على عرش العلم، فيكون إشارة إلى بيان نسبته تعالى و أنها بالعلم و الإحاطة، أو المراد بالعرش عرش العظمة و الجلال و القدرة كما فسر بها أيضا في بعض الأخبار، أي استوى من كل شي‏ء مع كونه في غاية العظمة و متمكنا على عرش التقدس و الجلالة، و الحاصل أن علو قدره ليس مانعا من دنوة بالحفظ و التربية و الإحاطة و كذا العكس.

و على التقادير

فقوله" اسْتَوى‏"

 (1) خبر،

و قوله" عَلَى الْعَرْشِ"

 (2) حال، و يحتمل أن يكونا خبرين على بعض التقادير، و لا يبعد على الاحتمال الأول جعل قوله: على العرش، متعلقا بالاستواء بأن تكون كلمة" على" بمعنى إلى، و يحتمل على تقدير حمل العرش على العلم أن يكون قوله على العرش خبرا، و قوله: استوى، حالا عن العرش و لكنه بعيد.

و على التقادير يمكن أن يقال أن النكتة في إيراد الرحمن بيان أن رحمانيته توجب استواء نسبته إيجادا و حفظا و تربية و علما إلى الجميع، بخلاف الرحيمية فإنها تقتضي إفاضة الهدايات الخاصة على المؤمنين فقط، و كذا كثير من أسمائه الحسنى تخص جماعة كما حققناه في الكتاب المذكور.

و يؤيد بعض الوجوه الذي ذكرنا ما ذكره الصدوق (ره) في كتاب العقائد حيث قال: اعتقادنا في العرش أنه جملة جميع الخلق، و العرش في وجه آخر هو العلم، و سئل الصادق عليه السلام: عن قول الله عز و جل:" الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏" فقال: استوى من كل شي‏ء فليس شي‏ء أقرب إليه من شي‏ء" انتهى" و إنما بسطنا الكلام في هذا المقام لصعوبة فهم تلك الأخبار على أكثر الأفهام.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 71

 (الحديث السابع)

 (1): صحيح.

 (الحديث الثامن)

 (2): صحيح و آخره مرسل.

قوله: بالحواية من الشي‏ء له،

 (3) تفسير لقوله: في شي‏ء،

و قوله: أو بإمساك له،

 (4) تفسير لقوله: على شي‏ء،

و قوله: أو من شي‏ء سبقه،

 (5) تفسير لقوله: من شي‏ء.

 (الحديث التاسع)

 (6): حسن، و لعل هذا الديصاني لما كان قائلا بإلهين: نور، ملكه السماء، و ظلمة ملكها الأرض، أول الآية بما يوافق مذهبه بأن جعل قوله:

" وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ"

 (7) جملة تامة معطوفة على مجموع الجملة السابقة، أي و في الأرض إله‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 72

آخر، و يظهر من بعض الأخبار أنه كان من الدهريين، فيمكن أن يكون استدلاله بما يوهم ظاهر الآية من كونه بنفسه حاصلا في السماء و الأرض، فيوافق ما ذهبوا إليه من كون المبدإ الطبيعة، فإنها حاصلة في الأجرام السماوية و الأجسام الأرضية معا، فأجاب عليه السلام بأن المراد أنه تعالى مسمى بهذا الاسم في السماء و في الأرض، و الأكثرون على أن الظرف متعلق بالإله لأنه بمعنى المعبود أو مضمن معناه، كقولك: هو حاتم في البلد.

باب العرش و الكرسي‏

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): مرفوع، و قال في القاموس:

الجاثليق‏

 (3) بفتح الثاء المثلثة. رئيس للنصارى في بلاد الإسلام بمدينة السلام.

قوله تعالى" أَنْ تَزُولا"

 (4) أي يمسكهما كراهة أن تزولا بالعدم و البطلان، أو يمنعهما و يحفظهما أن تزولا، فإن الإمساك متضمن للمنع و الحفظ، و فيه دلالة على أن الباقي في البقاء محتاج إلى المؤثر

" إِنْ أَمْسَكَهُما"

 (5) أي ما أمسكهما

" مِنْ بَعْدِهِ"

 (6) أي من بعد الله أو من بعد الزوال و" من" الأولى زائدة للمبالغة في الاستغراق، و الثانية

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 73

للابتداء.

قوله: فأخبرني عن قوله.

 (1) لعله توهم المنافاة من جهتين:" الأولى" أن حملة العرش ثمانية لا هو، و قلت هو حامله، و الثانية أن الثمانية إذا حملوا عرشه فقد حملوه أيضا لأنه على العرش، و قلت إنه حامل جميع ما سواه.

قوله عليه السلام: و هو العلم،

 (2) أي العرش أو البياض أي النور الأبيض، و الأخير أنسب بما مضى في باب النهي عن الصفة في تفسير الأنوار منقولا عن الوالد العلامة، و على الأول لعل المعنى أن العلم أحد معاني العرش، إذ يظهر من الأخبار أن العرش يطلق على الجسم المحيط بجميع الأجسام، و عليه مع ما فيه من الأجسام أعني العالم الجسماني، و قد يراد به جميع ما سوى الله من العقول و الأرواح و الأجسام، و قد يراد به علم الله سبحانه المتعلق بما سواه، و قد يراد به علم الله الذي اطلع عليه أنبيائه و رسله و حججه صلوات الله عليهم خاصة، و لعل أحد الأخيرين هو المراد في هذا الخبر و الذي بعده، و الله يعلم.

قوله عليه السلام: أبصر قلوب المؤمنين،

 (3) أي ما يبصرون و يعلمون.

قوله عليه السلام: عاداه الجاهلون،

 (4) لأن الجهل مساوق الظلمة التي هي ضد النور،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 74

و المعاداة إنما يكون بين الضدين كذا قيل، و الأظهر عندي أن المراد أن ظهوره صار سببا لخفائه كما قيل: يا خفيا من فرط الظهور، فتأمل‏

" ابتغى"

 (1) أي طلب، و لعل المعنى أن نوره سبحانه لما ظهر في عالم الوجود طلبه جميع الخلق، لكن بعضهم أخطأوا طريق الطلب و تعيين المطلوب، فمنهم من يعبد الصنم لتوهمه أنه هناك، و منهم من يعتقد الدهر لزعمه أنه الإله و المدبر، فكل منهم يعلمون اضطرارهم إلى مدبر و خالق و رازق و حافظ و يطلبونه و يبتغون إليه الوسيلة لكنهم لعماهم يخطئون و يتحيرون، و لبسط هذا الكلام مقام آخر.

قوله عليه السلام: الممسك لهما،

 (2) أي للسماوات و الأرض‏

" و المحيط"

 (3) يجوز جر المحيط بالعطف على ضمير لهما،

و" من"

 (4) بيان له، يعني الممسك للشي‏ء المحيط بهما، أو متعلق‏

بقوله:" أَنْ تَزُولا"

 (5) يعني الممسك لهما و للمحيط بهما أن تزولا،

و قوله: من شي‏ء،

 (6) للتعميم و يجوز رفعه بالعطف على الممسك" و من" بيان لضمير بهما لقصد زيادة التعميم، أو بيان المحذوف يعني المحيط بهما مع ما حوتاه من شي‏ء.

قوله عليه السلام: و هو حياة كل شي‏ء،

 (7) أي من الحيوانات أو الحيات بمعنى الوجود و البقاء مجازا

" و نور كل شي‏ء"

 (8) أي سبب وجوده و ظهوره.

قوله عليه السلام: فالكرسي،

 (9) يمكن أن يكون المراد تفسير الكرسي أيضا بالعلم فتأمل.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 75

قوله تعالى:" وَ لا يَؤُدُهُ"

 (1) أي لا يثقل عليه.

قوله عليه السلام: هم العلماء،

 (2) إذا كان المراد بالعرش عرش العلم كان المراد بالأنوار الأربعة صنوف العلم و أنواعه، و لا يخرج عن تلك الأنواع أحد، و إذا كان المراد بالأنوار نور المحبة و المعرفة و العبادة و العلم كما مر فهو أيضا صحيح، إذ لا يخرج شي‏ء أيضا منها، إذ ما من شي‏ء إلا و له محبة و عبادة و معرفة، و هو يسبح بحمده، و قال الوالد العلامة قدس سره: الظاهر أن المراد بالأربعة العرش و الكرسي و السماوات و الأرض، و يحتمل أن يكون المراد بها الأنوار الأربعة التي هي عبارة عن العرش لأنه محيط على ما هو المشهور.

 (الحديث الثاني)

 (3): صحيح.

قوله عليه السلام: و المحمول اسم نقص،

 (4) ليس المراد أن كل ما ورد على صيغة المفعول اسم نقص، و إلا لانتقض بالموجود و المعبود و المحمود، بل ما دل على وقوع تأثير و تغيير من غيره، كالمحفوظ و المربوب و المحمول و أمثالها، و قيل: لما رأى عليه السلام قصور

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 76

فهمه عن إدراك الدلائل العقلية احتج عليه بصورة الألفاظ و مدلولاتها الأولية، تارة بأن المحمول اسم مفعول فعل به فاعل فعله، و كل مفعول به فهو مضاف إلى غيره الذي هو فاعله، و هو محتاج إلى غيره، و تارة بأن المحمول لكونه اسم المفعول اسم نقص في اللفظ، و الحامل لكونه اسم الفاعل اسم مدحة، و

قوله عليه السلام: و كذلك قول القائل فوق" إلخ"

 (1) يعني أن مثل ذينك اللفظين في كون أحدهما اسم مدح و الآخر اسم نقص، قول القائل: فوق، و تحت، فإن فوق اسم مدح، و تحت اسم نقص، و كذلك أعلى اسم مدح و أسفل اسم نقص.

قوله عليه السلام: خلق،

 (2) بالجر بدل من غيره، و أشار بذلك إلى أن الحامل لما كان من خلقه، فيرجع الحمل إليه تعالى و هم حملة علمه، أي و قد يطلق حملة العرش على حملة العلم أيضا، أو حملة العرش في القيامة هم حملة العلم في الدنيا.

قوله عليه السلام: بحمل عرشه،

 (3) و الحاصل أنه لا يحتاج في حمل العرش إلى غيره بل استعبد أصناف خلقه بأصناف الطاعات، و حملة العرش عبادتهم حمل العرش من غير حاجة إليهم، و

قوله عليه السلام: و خلقا و ملائكة

 (4) معطوفان على خلقه، ذكر كل ذلك للتنظير أي كما أنه تعالى لا يحتاج إلى تسبيح الملائكة و كتابتهم أعمال العباد و طواف العباد حول‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 77

بيته، فكذا لا يحتاج إلى من يحمل عرشه، و إنما أمرهم بجميع ذلك ليعبدوه و يستحقوا ثوابه.

قوله عليه السلام: و هم يعملون بعلمه،

 (1) أي بما أعطاهم من العلم، و

قوله عليه السلام: و العرش‏

 (2) و ما عطف عليه مبتدأ خبره محذوف، أي محمول كلهم، أو سواء في نسبتهم إليه تعالى‏

قوله عليه السلام: كما قال،

 (3) أي استواؤه سبحانه على العرش على النحو الذي قال، و أراد [من‏] استواء النسبة أو الاستيلاء كما مر لا كما تزعمه المشبهة.

قوله عليه السلام: قولا مفردا لا يوصل بشي‏ء،

 (4) أي لا يوصل بقرينة صارفة عن ظاهره أو ينسب إلى شي‏ء آخر على طريقة الوصف بحال المتعلق، بأن يقال: عرشه محمول أو أرضه تحت كذا و جحيمه أسفل و نحو ذلك، و إلا فيفسد اللفظ لعدم الإذن الشرعي و أسمائه توقيفية، و أيضا هذا اسم نقص كما مر، و المعنى لأنه يوجب نقصه و عجزه تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

قوله عليه السلام: و هو في صفتك،

 (5) أي وصفك إياه أنه لم يزل غضبانا على الشيطان و على أوليائه، و الحاصل أنه لما فهم من كلامه أن الملائكة الحاملين للعرش قد يكونون قائمين، و قد يكونون ساجدين، يطريان الغضب و ضده، و حمل الحديث على ظاهره‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 78

نبه عليه السلام على خطائه إلزاما عليه بقدر فهمه بأنه لا يصح ما ذكرت إذ من غضبه تعالى ما علم أنه لم يزل كغضبه على إبليس فيلزم أن يكون حملة العرش منذ غضب على إبليس إلى الآن سجدا غير واقفين إلى مواقفهم فعلم أن ما ذكرته و فهمته خطاء و الحديث على تقدير صحته محمول على أن المراد بغضبه سبحانه إنزال العذاب و بوجدان الحملة ثقل العرش اطلاعهم عليه بظهور مقدماته و أسبابه، و بسجودهم خضوعهم و خشوعهم له سبحانه خشية و خوفا من عذابه، فإذا انتهى تزول العذاب و ظهرت مقدمات رحمته اطمأنوا و رغبوا في طلب رحمته، ثم بعد إلزامه عليه السلام بذلك شرع في الاستدلال على تنزيهه سبحانه مما فهمه، فقال:

كيف تجترئ أن تصف ربك بالتغير من حال إلى حال،

 (1) و هو من صفات المخلوقات و الممكنات،

" لم يزل"

 (2) بضم الزاء من زال يزول، و ليس من الأفعال الناقصة، و وجه الاستدلال بما ذكره عليه السلام على ما ما ذكر قد مر مرارا فلا نعيده.

 (الحديث الثالث)

 (3): كالصحيح، و في التوحيد هكذا: يا فضيل السماوات و الأرض و كل شي‏ء في الكرسي، بدون تلك الزيادة، و إحاطة الكرسي بالسماوات و الأرض لا ينافي كون العرش محيطا بالجميع.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 79

 (الحديث الرابع)

 (1): صحيح.

قوله: السماوات و الأرض وسعن،

 (2) و لعل سؤال زرارة لاستعلام أن في قرآن أهل البيت كرسيه منصوب أو مرفوع، و إلا فعلى تقدير العلم بالرفع لا يحسن منه هذا السؤال، و يروي عن الشيخ البهائي قدس سره أنه قال: سألت عن ذلك والدي، فأجاب رحمه الله بأن بناء السؤال على قراءة وسع بضم الواو و سكون السين مصدرا مضافا، و على هذا يتجه السؤال، و إني تصفحت كتب التجويد فما ظفرت على هذه القراءة إلا هذه الأيام رأيت كتابا في هذا العلم مكتوبا بالخط الكوفي و كانت هذه القراءة فيه، و كانت النسخة بخط مصنفه.

و

قوله عليه السلام: و العرش،

 (3) لعله منصوب بالعطف على الأرض، فالمراد بالكرسي العلم أو بالعرش فيما ورد أنه محيط بالكرسي العلم، و روى الصدوق في التوحيد عن حفص قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز و جل" وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ" قال: علمه، و قيل: العرش معطوف على الكرسي أي و العرش أيضا وسع السماوات و الأرض، فالمراد أن الكرسي و العرش كلا منهما وسع السماوات و الأرض و قيل: العرش مرفوع بالابتدائية، أي و العرش و كل شي‏ء من أجزاء العرش و دوائره وسع الكرسي بنصب الكرسي، و على الاحتمالين الأولين‏

قوله: و كل شي‏ء،

 (4) جملة مؤكدة لما سبق في التوحيد في آخر الخبر: و كل شي‏ء في الكرسي.

 (الحديث الخامس)

 (5): موثق كالصحيح.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 80

 (الحديث السادس)

 (1): مجهول.

قوله عليه السلام: و العرش العلم،

 (2) جملة معترضة، و المراد

بقوله أربعة منا

 (3) محمد و على و الحسن و الحسين عليه السلام، و الأربعة الأخرى نوح و إبراهيم و موسى و عيسى على نبينا و عليهم السلام كما ورد في الخبر، و سائر الأئمة داخلون في الحسين عليه السلام لأنهم من صلبه، و قيل: الأربعة الأخيرة سلمان و أبو ذر و مقداد و عمار، و الأول أصوب لما روي عن الكاظم عليه السلام أنه قال: إذا كان يوم القيامة كان حملة العرش ثمانية: أربعة من الأولين: نوح و إبراهيم و موسى و عيسى، و أربعة من الآخرين محمد و علي و الحسن و الحسين.

و في اعتقادات الصدوق رحمه الله: فأما العرش الذي هو جملة الخلق فحملته أربعة من الملائكة، لكل واحد منهم ثماني أعين، كل عين طباق الدنيا، واحد منهم على صورة آدم يسترزق الله تعالى لولد آدم، و الآخر على صورة الثور يسترزق الله تعالى للبهائم كلها، و الآخر على صورة الأسد يسترزق الله للسباع، و الآخر على صورة الديك يسترزق الله للطيور، فهم اليوم هؤلاء الأربعة، و إذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية، و أما العرش الذي هو العلم فحملته أربعة من الأولين و أربعة من الآخرين، فأما الأربعة من الأولين فنوح و إبراهيم و موسى و عيسى، و أما الأربعة من الآخرين، فمحمد و علي و الحسن و الحسين عليهم السلام أجمعين، هكذا روي بالأسانيد الصحيحة عن الأئمة عليهم السلام في العرش و حملته" انتهى".

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 81

 (الحديث السابع)

 (1): ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام: و علمه الماء،

 (2) قال السيد الداماد: كثيرا ما وقع اسم الماء في التنزيل الكريم و في الأحاديث الشريفة على العلم أو على العقل القدسي الذي هو حامله، و اسم الأرض على النفس المجردة التي هي بجوهرها قابلة العلوم و المعارف، و منه قوله:

عز سلطانه" وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" على ما قد قرره غير واحد من أئمة التفسير، فكذلك قول مولانا أبي عبد الله عليه السلام في هذا الحديث، الماء تعبير عن الجوهر العقلي الحامل لنور العلم من الأنوار العقلية القدسية" انتهى".

و أقول: هذه التأويلات في الأخبار جرأة على من صدرت عنه، و الأولى تسليمها و رد علمها إليهم.

و يحتمل أن يكون المراد بحمل دينه و علمه على الماء: أنه تعالى جعله مادة قابلة لأن يخلق منه الأنبياء و الأوصياء عليه السلام، الذين هم قابلون و حاملون لعلمه و دينه، أو أن علمه سبحانه لما كان قبل خلق الأشياء غير متعلق بشي‏ء من الموجودات العينية بل كان عالما بها و هي معدومة، فلما أوجد الماء الذي هو مادة سائر الموجودات كان متعلقا لعلمه سبحانه به، و بما يوجد منه، فلعل هذا الكلام إشارة إلى ذلك،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 82

مع أنه لا يمتنع أن يكون الله سبحانه أفاض على الماء روحا و أعطاه علما.

و قد أول بعض من سلك مسلك الحكماء: الماء بالمادة الجسمانية تشبيها لها بالماء، لقبولها الأنواع و الأشكال، و قال: قبلية حمل الدين و العلم إياه على الموجودات المذكورة قبليته بالذات و المرتبة لا بالزمان، و هي أقوى لأنها بعلاقة ذاتية، و قال:

نثرهم،

 (1) أي نثر مهياتهم و حقائقهم بين يدي علمه، فاستنطق الحقائق بالسنة قابليات جواهرها، و ألسن استعدادات ذواتها، و فيه إشارة إلى قوله سبحانه" وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ" الآية.

أقول: و سيأتي بعض الكلام فيه في كتاب الإيمان و الكفر.

باب الروح‏

 (2) أي بيان الروح التي أضافها الله إلى نفسه، و معنى إضافتها إليه سبحانه.

 (الحديث الأول)

 (3): صحيح.

 

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 83

 (الحديث الثاني)

 (1): حسن.

 (الحديث الثالث)

 (2): مجهول و لعل إخراجه على لفظة الريح عبارة عن التعبير عن إيجاده في البدن بالنفخ فيه، لمناسبة الروح للريح و مجانسته إياه و إنما أضافه إلى نفسه سبحانه لأنه اصطفاه بتقدسه و تشرفه على سائر الأرواح.

و اعلم أن الروح‏

 (3) قد تطلق على النفس الناطقة التي تزعم الحكماء أنها مجردة و هي محل للعلوم و الكمالات و مدبرة للبدن، و قد تطلق على الروح الحيواني و هو البخار اللطيف المنبعث من القلب الساري في جميع الجسد، و تلك الأخبار تحتملهما و إن كانت بالأخير بعضها أنسب، و قيل: الروح و إن لم تكن في أصل جوهرها من هذا العالم إلا أن لها مظاهر و مجالي في الجسد، و أول مظهر لها فيه بخار لطيف دخاني شبيه في لطافته و اعتداله بالجرم السماوي، و يقال له: الروح الحيواني، و هو مستوي الروح الرباني الذي هو من عالم الأمر و مركبة و مطيته قواه، فعبر عليه السلام عن الروح بمظهره تقريبا إلى الأفهام، لأنها قاصرة عن فهم حقيقته كما أشير إليه بقوله تعالى:

" قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" و لأن مظهره هذا هو

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 84

المنفوخ دون أصله.

 (الحديث الربع)

 (1): ضعيف.

قوله عليه السلام: فأضافها إلى نفسه،

 (2) أي تشريفا و تكريما، و روى الصدوق (ره) في العيون بإسناده عن الحسين بن خالد قال: قلت للرضا عليه السلام: يا بن رسول الله إن الناس يروون أن رسول الله صلى الله عليه و آله قال: إن الله خلق آدم على صورته؟ فقال: قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث، أن رسول الله صلى الله عليه و آله مر برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبح الله وجهك و وجه من يشبهك. فقال له رسول الله صلى الله عليه و آله:

يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك، فإن الله عز و جل خلق آدم على صورته، فلعل الباقر عليه السلام أجاب هكذا على تقدير تسليم الخبر، أو لم يتعرض لنفيه تقية، و ربما يجاب أيضا بأن المراد على صفته، لأنه مظهر للصفات الكمالية الإلهية، أو يقال: إن الضمير راجع إلى آدم أي صورته المناسبة له اللائقة به.

باب جوامع التوحيد

 (3)

 (الحديث الأول)

 (4): مرفوع.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 85

قوله: حشد،

 (1) أي جمع، و في بعض النسخ بالراء بمعناه.

قوله عليه السلام: المتفرد،

 (2) أي في الخلق و التدبير أو بسائر الكمالات،

" و لا من شي‏ء خلق"

 (3) أي ليس إحداثه للأشياء موقوفا على مادة أو شي‏ء ليس هو موجده.

قوله عليه السلام: قدرة،

 (4) أي له قدرة، أو هو عين القدرة بناء على عينية الصفات، و قيل: نصب على التميز، أو على أنه منزوع الخافض، أي و لكن خلق الأشياء قدرة، أو بقدرة، و في التوحيد: قدرته فهو مبتدأ" و بأن بها" خبره أو خبره" كافية"، فكانت جملة استئنافية، فكأن سائلا سئل و قال: فكيف خلق لا من شي‏ء؟ فأجاب بأن قدرته كافية.

قوله: و لا حد،

 (5) أي جسماني أو عقلي، أو ليس لمعرفة ذاته و صفاته تعالى حد و نهاية حتى‏

يضرب له فيه الأمثال،

 (6) إذ الأمثال إنما تصح إذا كان له مشابهة بالممكنات أو مناسبة بينه و بين المدركات بالعقول و المشاعر،

و الكلال:

 (7) العجز و الإعياء،

و التحبير

 (8) التحسين أي أعيى قبل الوصول إلى بيان صفاته أو عنده تزيين الكلام باللغات البديعة الغريبة

" و ضل هنالك"

 (9) أي في ذاته تعالى أو في توصيفه بصفاته صفات تصاريف صفات الواصفين، و أنحاء تعبيرات العارفين، أو ضل و ضاع في ذاته الصفات المتغيرة الحادثة فيكون نفيا للصفات الحادثة عنه تعالى، أو مطلق الصفات، أي ليس في ذاته التغيرات الحاصلة من عروض الصفات المتغايرة، فيكون نفيا لزيادة الصفات مطلقا، كل ذلك أفاده الوالد العلامة قدس الله روحه‏

" في ملكوته"

 (10) فعلوت من الملك، و قد يخص بعالم الغيب و عالم المجردات، و الملك بعالم الشهادة و عالم الماديات،

و أفكر

 (11) في الشي‏ء و فكر

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 86

فيه و تفكر بمعنى، أي تحير في إدراك حقائق ملكوته و خواصها و آثارها و كيفية نظامها و صدورها عنه تعالى الأفكار العميقة، الواقعة في مذاهب التفكير أو مذاهب التفكير العميقة، فيكون إسناد الحيرة إليها إسنادا مجازيا.

" دون الرسوخ في علمه"

 (1) الرسوخ: الثبوت أي انقطع جوامع تفسيرات المفسرين قبل الثبوت في علمه أو عنده، إشارة إلى قوله تعالى:" وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ" و قد مرت الإشارة إلى توجيهه في باب النهي عن التفكر في ذاته تعالى هذا إذا كان المراد بقوله: في علمه، في معلومه، و يحتمل أن يكون المراد في العلم به سبحانه أو في إبانة حقيقة علمه سبحانه بالأشياء.

" و حال دون غيبه المكنون"

 (2) المكنون: المستور، و المراد معرفة ذاته و صفاته، فالمراد

بالحجب‏

 (3) النورانية و الظلمانية المعنوية من كماله تعالى و نقص مخلوقاته أو الأعم منها و من سائر العلوم المغيبة، فالحجب أيضا أعم أو المراد أسرار الملكوت الأعلى من العرش و الكرسي و الملائكة، الحافين بهما و سائر ما هو مستور عن حواسنا بالحجب الجسمانية،

و التيه:

 (4) التحير،

و الأدنى:

 (5) الأقرب، و الإضافة في‏

" طامحات العقول و لطيفات الأمور"

 (6) من إضافة الصفة إلى الموصوف، و الطامح: المرتفع، و الظرف في قوله: في لطيفات، متعلق بالطامحات، بأن يكون" في" بمعنى إلى، أو حال منه‏

فتبارك‏

 (7) إما مشتق من البروك بمعنى الثبات و البقاء أو من البركة و هي الزيادة، و الهمة العزم، و يقال: فلان بعيد الهمة إذا كانت إرادته تتعلق بالأمور العالية، و المعنى لا تبلغه الهمم العالية الطالبة لأعلى و أبعد ما من شأنها الوصول إليه، و كذا المراد

بغوص‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 87

الفطن:

 (1) الفطن الغائصة في بحار الفكر لدرك دقائق الأمور.

" ليس له وقت معدود و لا أجل ممدود"

 (2) أي ليس له زمان متناه و لا غير متناه لخروجه عن الزمان، أو ليس له زمان متناه و لا غاية لوجوده و إن امتد الزمان.

" و لا نعت محدود"

 (3) أي بالحدود الجسمانية أو العقلانية بأن يحاط بنعته‏

" و لا آخر يفنى"

 (4) أي بعده‏

" هو كما وصف نفسه"

 (5) أي في كتبه و على ألسنة رسله و حججه و بقلم صنعه على دفاتر الآفاق و الأنفس،

" حد الأشياء كلها"

 (6) أي جعل للأشياء حدودا و نهايات أو أجزاء و ذاتيات ليعلم بها أنها من صفات المخلوقين، و الخالق منزه عن صفاتهم، أو خلق الممكنات التي من شأنها المحدودية ليعلم بذلك أنه ليس كذلك، كما قال تعالى: فخلقت الخلق لأعرف، أو خلقها محدودة لأنها لم يكن يمكن أن تكون غير محدودة لامتناع مشابهة الممكن الواجب في تلك الصفات التي هي من لوازم وجوب الوجود، و لعل الأوسط أظهر

" و لم يخل منها"

 (7) أي بالخلو الذي هو بمعنى عدم الملكة، بقرينة التفريع، أي الخلو المحل عن الحال و المكان عن المتمكن‏

" فيقال له أين"

 (8) أي يسأل أين هو، و يمكن أن يقرأ أين بالتنوين، أي يقال إنه أين و مكان للأشياء، ثم بين عليه السلام نسبته سبحانه إلى الأشياء و كيفية قربه منها،

بقوله" لكنه سبحانه" إلخ،

 (9) أي قربه قرب العلية و إحاطته الإحاطة العلمية،

" لم يعزب"

 (10) أي لم يغب،

و الدجى:

 (11) جمع دجية بالضم و هي الظلمة.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 88

" لكل شي‏ء منها حافظ و رقيب"

 (1) الظرف خبر لقوله: حافظ و رقيب، أو متعلق بكل منهما و المبتدأ محذوف أي هو لكل شي‏ء منها حافظ و رقيب، و الأول أظهر فيكون إشارة إلى الملائكة الموكلين بالعرش و الكرسي و السماوات و الأرضين و البحار و الجبال و سائر الخلق.

قوله عليه السلام: و كل شي‏ء منها،

 (2) أي من السماوات و الأرض و ما بينهما محيط بشي‏ء منها إحاطة علم و تدبير فيكون تأكدا للسابق على أحد الوجهين أو إحاطة جسمية، و المحيط بكل من تلك المحيطات علما و قدرة و تدبيرا هو الله‏

الواحد

 (3) بلا تعدد

الأحد

 (4) بلا مشارك له في الحقيقة

" الصمد"

 (5) المستجمع لجميع كمالاته اللائقة بذاته الأحدية

" الذي لا يغيره صروف الأزمان"

 (6) أي تغيراتها

" و لا يتكأده"

 (7) أي لا يشق عليه‏

" صنع شي‏ء"

 (8) من الأشياء

" كان"

 (9) و حصل بتكوينه‏

" ابتدع"

 (10) و خلق لا من مادة

" ما خلق"

 (11) مخترعا

" بلا مثال سبق" و قوله: و لا تعب و لا نصب‏

 (12) إما عطف على قوله: مثال، و لا لتأكيد النفي أو مستأنف و لا لنفي الجنس، و التعب ضد الاستراحة، و النصب:

الإعياء

" على ضد مناف"

 (13) و في بعض النسخ" مناو" أي معاد"

و لا ند"

 (14) أي مثل‏

" مكاثر"

 (15) أي يغالبه بالكثرة

" و لا شريك مكابر"

 (16) أي يعارضه بالكبر أو الإنكار للحق،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 89

و الدخور الصغار و الذل‏

" لا يؤوده"

 (1) أي لا يثقل عليه‏

" و لا من عجز"

 (2) أي لم يكتف بخلق ما خلق لعجز و لا فتور، بل لعدم كون الحكمة في أزيد من ذلك.

ثم أكد عليه السلام ذلك‏

بقوله:" علم ما خلق، و خلق ما علم"

 (3) أي ما علمه أن الصلاح في خلقه‏

" و لا شبهة دخلت عليه فيما لم يخلق"

 (4) بل لم يخلق لعدم الداعي إلى خلقه و إيجاده‏

" لكن"

 (5) الإيجاد"

باقتضاء تام و قضاء مبرم و علم محكم"

 (6) و إحاطة بالخير و الأصلح‏

" و أمر متقن"

 (7) أي نظام كامل‏

" استخلص بالمجد و الثناء"

 (8) أي جعلهما مخصوصين بذاته الأحدية.

" و توحد بالتحميد"

 (9) أي باستحقاق الحمد من العباد، أو بتحميد نفسه، و في التوحيد فتحمد بالتحميد، يقال: هو يتحمد علي أي يمنن، أي أنعم علينا و استحق منا الحمد و الثناء بأن رخص لنا في تحميدة، أو بأن حمد نفسه و لم يكل حمده إلينا

و التمجد

 (10) إظهار المجد و العظمة،

و التمجيد

 (11) يحتمل الوجهين أيضا

" المبيد للأبد"

 (12) أي المهلك المفني للدهر و الزمان و الزمانيات‏

" و الوارث للأمد"

 (13) أي الباقي بعد فناء

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 90

الأمد أي الغاية و النهاية، أو امتداد الزمان‏

" و بعد صروف الأمور"

 (1) أي تغيرها و فناؤها و هذا ناظر إلى قوله: لا يزال، كما أن ما قبله ناظر إلى قوله لم يزل.

قوله: لقد ابتذلها،

 (2) أي اشتهرت بينهم، فكأنها صارت مبتذلة،

و لو لا إبانته،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 91

 (1) أي تمييزه الحق عن الباطل‏

" نفيا لقول من قال"

 (2) أي من الحكماء و الدهرية و الملاحدة حيث يقولون بقدم الأنواع، و أن كل حادث مسبوق بآخر لا إلى نهاية" لأن أكثر ما يعتمده الثنوية" لعل المراد بالثنوية غير المصطلح من القائلين بالنور و الظلمة، بل القائلين بالقدم و أنه لا يوجد شي‏ء إلا عن مادة، لأن قولهم بمادة قديمة إثبات لإله آخر، إذ لا يعقل التأثير في القديم،

فقال عليه السلام: لا من شي‏ء خلق،

 (3) فإنه رد عليهم بأن ترديدهم غير حاصر، إذ نقيض من شي‏ء لا من شي‏ء لا من لا شي‏ء

" فنفى"

 (4) أي نفي لفظة من بإدخال لا عليها، إذ كانت نفي من توجب شيئا، فلو دخلت على حرف النفي كما قالوا لزم التناقض‏

" ثم قوله"

 (5) بالجر عطف على قوله في قوله: أ لا ترون إلى قوله.

و قوله: و مباينة الأجسام‏

 (6) عطف على مماسته أو على الكون، أو مبتدأ و على تراخي المسافة خبره، ليكون مؤيدا للجملة السابقة فتأمل.

 (الحديث الثاني)

 (7): ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام: إن الله تبارك و تعالى اسمه،

 (8) أي اسمه ذو بركة عظيمة أو ثابت غير متغير، أو بري‏ء عن العيوب و النقائص، و الجملة الفعلية في محل الرفع خبر إن،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 92

" و تعالى ذكره"

 (1) عن الوصف بما يليق بالإمكان،

و جل ثناؤه‏

 (2) سبحانه عن إحصار الألسن و إحاطة الأذهان،

و تقدس‏

 (3) عن الاتصاف بما في بقعة الإمكان،

و تفرد

 (4) بقدرته عن مشاركة الأعوان،

و توحد

 (5) بعز جلاله عن مجاورة الأمثال، و اتخاذ الأزواج و الولدان و هو بذاته‏

لم يزل و لا يزال‏

 (6) لا بإحاطة الدهور و الأزمان،

و هو الأول‏

 (7) الذي يبتدأ منه وجود كل موجود

و الآخر

 (8) الذي ينتهي إليه أمد كل معدود، و هو باق بعد فناء كل موجود،

و الظاهر

 (9) الغالب على الأشياء و المحيط بها بقدرته و علمه الشامل،

و الباطن‏

 (10) الذي لا يصل إليه و لا يحيط به إدراك الأوهام و العقول الكاملة،

فلا أول لأوليته‏

 (11) أي لأزليته‏

و قوله: رفيعا،

 (12) منصوب على الحالية أو على المدح.

" في أعلى علوه"

 (13) أي في علوه الأعلى من الوصف و البيان، أو الأعلى من كل علو يصل إليه و يدركه الأوهام، و الأذهان أو يعبر عنه بالعبارة و اللسان.

" شامخ الأركان"

 (14) أي أركان خلقه أو مخلوقاته العظيمة أو صفاته التي هي بمنزلة الأركان، أو استعارة تمثيلية بتشبيه المعقول بالمحسوس، إيضاحا لعلوه و رفعته و كذا

قوله عليه السلام: رفيع البيان‏

 (15) يحتمل الوجوه و الأول فيه أظهر.

" منيف الآلاء"

 (16) أي مشرفها على الخلق بالفيضان من بحر جوده أو زائدها من أناف عليه أي زاد

" سني العليا"

 (17) رفيعة و العليا السماء و رأس الجبل و المكان المرتفع و كل ما علا من شي‏ء، و لعل المراد هنا كل مرتفع يليق بأن ينسب إليه،

لا يحدون حدوده‏

 (18) أي حدود الرب سبحانه، أي لا يقدرون على تحديده لأنهم إنما يقدرون على التحديد بالكيفيات و أشباهها و هو سبحانه متعال عن الكيفيات و الصفات الزائدة و قال السيد الداماد (ره): الضمير في حدوده يعود إلى الحمل، يعني: لا يحدون‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 93

حدود حمل معرفته إذ بالوصف لا يدرك إلى مداه، و بالصفة لا يدرك منتهاه، و بالكيفية لا يتناهى إلى حده و لا يخفى بعده.

 (الحديث الثالث)

 (1): مجهول و أبو الحسن الثاني كما يظهر من العيون أو الثالث كما يظهر من كشف الغمة و غيره،

" يتقى"

 (2) أي يخافه كل شي‏ء

" يطاع":

 (3) أي يجعل الله الخلق مطيعا له.

قوله عليه السلام: فلطفت،

 (4) أي وصلت إليه بلطف و رفق، أو بحيل لطيفة،

و قال في المغرب هو قمن‏

 (5) بكذا و قمين به أي خليق، و الجمع قمنون و قمناء، و أما قمن بالفتح فيستوي فيه المذكر و المؤنث و الاثنان و الجمع.

قوله عليه السلام: إذ هو منقطع الكيفوفية،

 (6) أي عنده تعالى ينقطع الكيف و الأين، و قيل: يحتمل أن يكون من قبيل الوصف بحال المتعلق، و على صيغة اسم الفاعل أي الكيفوفية و الأينونية منقطعة عنه، و يحتمل أن يكون على صيغة اسم المفعول أي هو منقطع فيه و عنده الكيفوفية و الأينونية، أو اسم مكان أي مرتبته مرتبة انقطع‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 94

فيها الكيفوفية و الأينونية.

 (الحديث الرابع)

 (1): مرفوع، و ذعلب اليماني ضبطه الشهيد في قواعده بكسر الذال المعجمة و سكون العين المهملة و كسر اللام.

قوله: بحقائق الإيمان،

 (2) أي بحقائق هي الإيمان أو بمحققاته أو بالتصديقات التي هي أركان الإيمان، أو بالأنوار التي حصلت في القلب من الإيمان، أو بالإذعانات الحقة الثابتة، أو بما هو حق الإيمان به‏

" لطيف اللطافة"

 (3) أي لطافته تعالى خفية لا تصل إليها العقول، و لا يوصف باللطف الجسماني‏

" لا يوصف بالعظم"

 (4) أي لا يمكن وصف عظمته أو لا يوصف بعظمته الجسم‏

" لا يوصف بالغلظ"

 (5) أي ليس جلالته تعالى بمعنى الغلظ في الجثة، أو ليس جلالته مقرونة بالغلظ في الخلق كما في المخلوقين،

" قبل كل شي‏ء

 (6) أي" بالعلية و سائر أنواع التقدم‏

" لا يقال شي‏ء قبله"

 (7) بنحو من أنحاء القبلية و أقسامها الأزلية

" و بعد كل شي‏ء"

 (8) فينتهي وجود كل شي‏ء إليه، و هو الباقي بعده‏

" لا يقال له بعد"

 (9) ينتهي وجوده سبحانه إليه، و قيل: أي لا يقال له بعد على الإطلاق و منفردا عن ذكر القبل كما يقال: هو الأول و الآخر، و لا يقال له الآخر منفردا عن ذكر الأول‏

" شاء"

 (10) اسم فاعل أو فعل ماض.

" لا بهمة"

 (11) أي إرادة و خطور بال،

" لا بخديعة"

 (12) أي لا بحيلة في إدراكها في‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 95

الأشياء كلها بعلمه بها و تدبيره لها

" غير متمازج بها"

 (1) بالمجاورة و الخلط

" و لا بائن منها"

 (2) مفارقا عنها بالبعد، فإن القرب و البعد المكانيين و ما بحكمهما لا يليقان به سبحانه" ظاهر" أي غالب، أو بين، و ليس غلبته بكونه سبحانه راكبا فوقها، أو ليس تبينه بأن يكون ملموسا أو مدركا بحس‏

" متجل"

 (3) أي ظاهر غير خفي على عباده بالآيات و الأدلة، لا بظهور و انكشاف من رؤية.

و قال في المغرب أهل الهلال و استهل مبنيا للمفعول فيهما إذا أبصر ناء من الأشياء بعيد عنها لعجزها عن الوصول إلى معرفة ذاته و حقيقته، لا ببعد مسافة، قريب من الأشياء لعلمه بجميعها لا بمداناة و مقارنة

" لطيف"

 (4) أي يدق عن إدراك المدارك، لا بدقة جسمانية

" لا باضطرار"

 (5) أي بكونه مجبورا على ما يفعله، بل إنما يفعل بعلمه و مشيته‏

" مقدر"

 (6) للأشياء محدد و مصور لها

" لا بحركة"

 (7) أي حركته أو حركة جوارحه أو بحركة ذهنية كما في المخلوقين‏

" لا بهمامة"

 (8) أي لا بقصد و خطور بال‏

" و لا تحده الصفات"

 (9) أي توصيفات الناس أو صفات المخلوقين، و السنة مبدء النوم‏

" سبق الأوقات"

 (10) بالنصب‏

" كونه"

 (11) بالرفع، إذ هو علة لها أو المعنى لم تصل الأزمان إليه بأن تتقدر بها

" و العدم وجوده"

 (12) قيل: المراد أنه علة لإعدام الممكنات كما أنه تعالى علة لوجوداتها لأن عدم العالم قبل وجوده كان مستندا إلى عدم الداعي إلى إيجاده المستند إلى وجوده فوجوده سبق عدم الممكنات أيضا، أو المراد أزليته أي كل عدم ممكن تفرض أي عدمه السابق المقارن للوجود فهو مقدم عليه، أو المراد سبق وجوده على عدمه تعالى، لأن وجوده لما كان واجبا كان عدمه ممتنعا، فكان وجوده سابقا على عدمه، و غالبا عليه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 96

و قيل: الأعدام تابعة للملكات، و الملكات مصنوعة له، فالأعدام كذلك.

" و الابتداء أزله"

 (1) أي أزليته أزلية لا تجتمع مع الابتداء و تنافيه، فكلما جعلت له ابتداء فهو موجود لأزليته قبله، أو أن أزليته سبقت بالعلية كل ابتداء و مبتدإ،

" بتشعيره المشاعر"

 (2) أي بإيجادها و إفاضة وجوداتها و كونها ممكنة موجودة بالإيجاد عرف أنها مخلوقة له فلا يستكمل بها، و لا يكون مناط علمه الذاتي، فلا يكون مشاعر له أو لأنا بعد إفاضة المشاعر علمنا احتياجنا في الإدراك إليها، فحكمنا بتنزهه سبحانه عنها لاستحالة احتياجه تعالى في كماله إلى شي‏ء، أو لما يحكم به العقل من المباينة بين الخالق و المخلوق في الصفات.

و قال ابن ميثم رحمه الله في شرح النهج: لأنه لو كان له مشاعر لكان وجودها له إما من غيره و هو محال، و إما منه و هو أيضا محال، لأنها إن كانت من كمالات ألوهيته كان موجدا لها من حيث هو فاقد كما لا، فكان ناقصا بذاته و هذا محال و إن لم تكن كمالا كان إثباتها له نقصا، لأن الزيادة على الكمال نقصان، فكان إيجاده لها مستلزما لنقصانه و هو محال.

و اعترض عليه بعض الأفاضل بوجوه: أحدها بالنقض لأنه لو تم ما ذكره يلزم أن لا تثبت له تعالى صفة كمالية كالعلم و القدرة و نحوهما، و ثانيها: بالحل باختيار شق آخر، و هو أن يكون ذلك المشعر عين ذاته سبحانه كالعلم و القدرة، و ثالثها:

أن هذا الكلام على تقدير تمامه استدلال برأسه لم يظهر فيه مدخلية قوله عليه السلام بتشعيره المشاعر في نفي المشعر عنه تعالى، و أن ما استعمله لم تثبت به و قد ثبتت بغيره ثم قال: فالأولى أن يقال قد تقرر أن الطبيعة الواحدة لا يمكن أن يكون بعض أفرادها علة لبعض آخر لذاته، لأنه لو فرض كون نار مثلا علة لنار فعلية هذه و معلوليته تلك إما لنفس كونهما نارا فلا رجحان لأحدهما في العلية، و للأخرى في المعلولية، بل يلزم أن يكون كل نار علة للأخرى، بل علة لذاتها و معلولا لذاتها،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 97

و هو محال و إن كانت العلية لانضمام شي‏ء آخر فلم يكن ما فرضناه علة علة بل العلة حينئذ ذلك الشي‏ء فقط، لعدم الرجحان في أحدهما للشرطية و الجزئية أيضا، لاتحادهما من جهة المعنى المشترك، و كذلك لو فرض المعلولية لأجل ضميمة.

فقد تبين أن جاعل الشي‏ء يستحيل أن يكون مشاركا لمجعوله، و به يعرف أن كل كمال و كل أمر وجودي يتحقق في الموجودات الإمكانية فنوعه و جنسه مسلوب عنه تعالى، و لكن يوجد له ما هو أعلى و أشرف منه، أما الأول فلتعاليه عن النقص و كل مجعول ناقص و إلا لم يكن مفتقرا إلى جاعل، و كذا ما يساويه في المرتبة كآحاد نوعه و أفراد جنسه، و أما الثاني فلان معطي كل كمال ليس بفاقد له، بل هو منبعه و معدنه و ما في المجعول رشحه و ظله" انتهى".

و قيل: المراد مشاعر العبادة

" و بتجهيره الجواهر"

 (1) أي بتحقيق حقائقها عرف أنها ممكنة، و كل ممكن محتاج إلى مبدء، فمبدأ المبادئ لا يكون حقيقة من هذه الحقائق‏

" و بمضادته بين الأشياء"

 (2) المتضادة من الحقائق النوعية الصورية الجوهرية أو العرضية و جعلها حقائق متضادة لتحددها بتحديدات من جاعلها لها، لا يجامع بعضها بعضا لتخالف حقائقها المتحددة بالحدود المتباينة المتنافية، و كل حقائق مخلوقة بالحدود متحددة، و الإحدى المقدس عن التحددات لا يضاده المحدود المتنزل عن مرتبته، و كيف يضاد المخلوق خالقه و الفائض مفيضه كذا قيل.

و أقول: المراد بالضد إما المعنى المصطلح أي موجودان متعاقبان على موضوع أو محل واحد، أو المعنى العرفي الذي هو المساوي للشي‏ء في القوة، فعلى الأول نقول:

لما خلق الأضداد في محالها، و وجدناها محتاجة إليها، علمنا عدم كونه ضد الشي‏ء، للزوم الحاجة إلى المحل المنافية لوجوب الوجود، أو لأنا لما وجدنا كلا من الضدين يمنع وجود الآخر و يدفعه و ينفيه، فعلمنا أنه تعالى منزه من ذلك، و أما الثاني فلان المساوي في القوة للواجب يجب أن يكون واجبا، فيلزم تعدد الواجب و قد مر بطلانه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 98

" و بمقارنته بين الأشياء"

 (1) أي بجعل بعضها مقارنا لبعض كالأعراض و محالها، و الممكنات و أمكنتها، و الملزومات و لوازمها

" عرف أن لا قرين له"

 (2) مثلها، لدلالة كل نوع منها على أنواع النقص و العجز و الافتقار.

و قيل: أي بجعلها متحددة بتحددات متناسبة موجبة للمقارنة، عرف أن لا قرين له، و كيف يناسب المتحدد بتحدد خاص دون المتحدد بتحدد آخر من لا تحدد له، فإن نسبة اللاتحدد إلى التحددات كلها سواء

" ضاد النور بالظلمة"

 (3) بناء على كون الظلمة أمرا وجوديا، و على تقدير كونها عدم ملكة ففي تسميتها بالضد تجوز و لعل المراد بالضد غير ما هو المصطلح.

و الصرد

 (4) بفتح الراء و سكونها: البرد" فارسي معرب‏

" و الحرور

 (5) بالفتح: الريح الحارة

" مؤلف بين متعادياتها"

 (6) كما ألف بين العناصر المختلفة الكيفيات، و بين الروح و البدن، و بين القلوب المتشتتة الأهواء و غير ذلك‏

" مفرق بين متدانياتها"

 (7) كما يفرق بين أجزاء العناصر و كلياتها للتركيب، و كما يفرق بين الروح و البدن، و بين أجزاء المركبات عند انحلالها، و الأبدان بعد موتها، و بين القلوب المتناسبة [المتلاصقة] لحكم لا تحصى، فدل التأليف و التفريق المذكوران الواقعان على خلاف مقتضى الطبائع على قاسر يقسرها عليهما، و كونهما على غاية الحكمة و نهاية الإتقان على علم القاسر و قدرته و حكمته و كماله.

قوله عليه السلام:" و ذلك قوله"

 (8) يحتمل أن يكون ذكر الآية استشهادا بكون المضادة و المقارنة دليلين على عدم اتصافه بهما، كما فسر بعض المفسرين الآية بأن الله تعالى خلق من كل جنس من أجناس الموجودات نوعين متقابلين، و هما زوجان لأن كل واحد منهما مزدوج بالآخر كالذكر و الأنثى، و السواد و البياض، و السماء و الأرض،

                       

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 99

و النور و الظلمة، و الليل و النهار، و الحار و البارد، و الرطب و اليابس، و الشمس و القمر، و الثوابت و السيارات، و السهل و الجبل، و البحر و البر، و الصيف و الشتاء، و الجن و الإنس، و العلم و الجهل، و الشجاعة و الجبن، و الجود و البخل، و الإيمان و الكفر، و السعادة و الشقاوة، و الحلاوة و المرارة، و الصحة و السقم، و الغناء و الفقر، و الضحك و البكاء، و الفرح و الحزن، و الحياة و الموت إلى غير ذلك مما لا يحصى، خلقهم كذلك ليعلم أن لهم موجدا ليس هو كذلك.

و يحتمل أن يكون استشهادا لكون التأليف و التفريق دالين على الصانع، لدلالة خلق الزوجين على المفرق و المؤلف لهما لأنه خلق الزوجين من واحد بالنوع فيحتاج إلى مفرق بجعلهما متفرقين، و جعلهما مزاوجين مؤتلفين ألفه لخصوصهما، فيحتاج إلى مؤلف بجعلهما مؤتلفين.

و قيل: كل موجود دون الله فيه زوجان اثنان كالمهية و الوجود، و الوجوب و الإمكان، و المادة و الصورة، و الجنس و الفصل، و أيضا كل ما عداه يوصف بالمتضايفين كالعلية و المعلولية، و القرب و البعد، و المقارنة و المباينة، و التآلف و التفرق و المعاداة و الموافقة، و غيرها من الأمور الإضافية.

و قال بعض المفسرين: المراد بالشي‏ء الجنس، و أقل ما يكون تحت الجنس نوعان، فمن كل جنس نوعان كالجوهر منه المادي و المجرد، و من المادي الجماد و النامي، و من النامي النبات و المدرك، و من المدرك الصامت و الناطق، و كل ذلك يدل على أنه واحد لا كثرة فيه،

فقوله:" لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"

 (1) أي تعرفون من اتصاف كل مخلوق بصفة التركيب و التضايف و الزوجية، أن خالقهما واحد أحد لا يوصف بصفاتها.

قوله عليه السلام: ليعلم أن لا قبل له،

 (2) ظاهره نفي كونه سبحانه زمانيا و يحتمل أن يكون المعنى عرفهم معنى القبلية و البعدية، ليحكموا بأن ليس شي‏ء قبله و لا

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 100

بعده،

و الغرائز:

 (1) الطبائع و مغرزها موجد غرائزها و مفيضها عليها، و يمكن حملها و أمثالها على الجعل البسيط إن كان حقا.

و قيل: إنما تشهد لتعاليه عن التحدد الذي إنما يكون بها الطبيعة و الغريزة لأنه تحدد يلحقه الوجود، و المتحددة به خالية في ذاتها عن الوجود، أو لتعاليه عن التحدد مطلقا، و ربما تحمل الغرائز على الملكات و الصفات النفسانية كالشجاعة و السخاوة و الشهامة و أمثالها، و توقيتها تخصيص حدوث كل منهما بوقت، و بقائها إلى وقت، و

" حجب بعضها عن بعض"

 (2) أي بالحجب الجسمانية، أو الأعم ليعلم أن ذلك نقص و عجز و هو منزه عن ذلك، بل ليس لهم عن الرب حجاب إلا أنفسهم، لإمكانهم و نقصهم‏

" كان ربا"

 (3) أي قادرا على التربية، إذ هو الكمال، و فعليتها منوطة بالمصلحة،

" و إلها إذ لا مألوه"

 (4) أي من له الآلة، أي كان مستحقا للمعبودية إذ لا عابد.

 (الحديث الخامس)

 (5): ضعيف.

قوله عليه السلام: ما لم يتكلم،

 (6) من تشبيه الله تعالى و ادعاء ألوهيته و أمثال ذلك.

قوله عليه السلام: الملهم عباده،

 (7) أي خواصهم‏

" حمده"

 (8) أي حمدا يليق به أو الأعم على حسب قابليتهم و استعدادهم‏

" و فاطرهم على معرفة ربوبيته"

 (9) بإقدارهم على المعرفة و اطلاعهم عليها بالعلم بالمقدمات الدالة عليه بالفعل أو بالقوة القريبة منه، أو بما ألقى عليهم من الإقرار به في الميثاق، كما يظهر من الأخبار الدال على وجوده بخلقه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 101

لإمكانهم و احتياجهم إلى المؤثر

" و بحدوث خلقه على أزله"

 (1) و في التوحيد أزليته يدل على أن الحدوث علة الحاجة إلى العلة، و على حدوث ما سواه‏

" و باشتباههم"

 (2) إذ تلك المشابهات في الأمور الممكنة و لوازم الإمكان، و قيل: المراد اشتراكهم في المهيات و لوازمها، إذ الاشتراك يدل على التركيب، و قيل: المراد اشتباههم في الحاجة إلى المؤثر و المدبر.

" لا أمد"

 (3) في الأزل‏

" و لا غاية"

 (4) أي في الأبد

" و الحجاب بينه و بين خلقه"

 (5) أي إنما الحجاب بينه و بين خلقه كونه خالقا بريئا عن الإمكان، و كونهم مخلوقة ممكنة قاصرة عن نيل البري‏ء بذاته و صفاته عن الإمكان، فالحجاب بينه و بين خلقه قصورهم و كماله، و هذا هو المراد بقوله: لامتناعه مما يمكن في ذواتهم.

" و لا مكان"

 (6) بالتنوين عوض المحذوف أي لا مكان ذواتهم أو ما في ذواتهم مما يمتنع منه ذاته تعالى، و قيل: أي يمكن له بالإمكان العام ما يمتنع منه ذواتهم كالوجوب و الأزلية، و لا يخفى ما فيه.

" بلا تأويل عدد"

 (7) بأن يكون له تعالى ثان من نوعه أو يكون مركبا فيطلق عليه الواحد بتأويل أنه واحد من نوع مثلا

" لا بمعنى حركة"

 (8) أي جسمانية أو نفسانية.

" لا بتفريق آلة"

 (9) أي لا بآلة مغايرة لذاته أو بإدخال شي‏ء فيها، فإنه يتضمن التفريق، و في التوحيد: السميع لا بأداة البصر، لا بتفريق آلة، أي بفتح العين‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 102

أو بعث الأشعة و توزيعها على المبصرات، على القول بالشعاع، أو تقليب الحدقة و توجيهها مرة إلى هذا المبصر، و مرة إلى ذلك كما يقال فلان مفرق الهمة و الخاطر إذا وزع فكره على حفظ أشياء متباينة و مراعاتها

" لا باجتنان"

 (1) الاجتنان: الاستتار، أي أنه باطن بمعنى أن العقول و الأفهام لا تصل إلى كنهه لا باستتاره بستر و حجاب، أو علم البواطن لا بالدخول فيها و الاستتار بها.

و النهية

 (2) بضم النون و سكون الهاء و فتح الياء اسم من نهاه ضد أمره،

و المجاول‏

 (3) بالجيم جمع مجول بفتح الميم، و هو مكان الجولان و زمانه، أو مصدر،

و الردع:

 (4) المنع و الكف،

و الحسر:

 (5) الإعياء يتعدى و لا يتعدى، و المراد هنا المتعدي،

و القمع:

 (6) القلع و الجوائل جمع جائل أو جائلة من الجولان.

قوله عليه السلام: فمن وصف الله،

 (7) بالصورة و الكيف فقد جعله جسما ذا حدود و من جعله ذا حدود فقد جعله ذا أجزاء، و كل ذي أجزاء محتاج حادث، أو من وصف الله و حاول تحديد كنهه فقد جعله ذا حد مركب من جنس و فصل، فقد صار حقيقته مركبة محتاجة إلى الأجزاء حادثة، أو من وصف الله بالصفات الزائدة فقد جعل ذاته محدودة بها،

و من حده‏

 (8) كذلك فقد جعله ذا عدد، إذ اختلاف الصفات إنما تكون بتعدد أجزاء الذات، أو قال: بتعدد الآلهة، إذ يكون كل صفة لقدمها إلها غير محتاج إلى علة، و من كان مشاركا في الإلهية لا يكون قديما فيحتاج إلى علة أو جعله مع صفاته ذا عدد، و عروض الصفات المغايرة الموجودة ينافي الأزلية، لأن الاتصاف نوع علاقة توجب احتياج كل منهما إلى الآخر، و هو ينافي وجوب الوجود و الأزلية، أو المعنى أنه على تقدير زيادة الصفات يلزم تركب الصانع إذ ظاهر أن الذات بدون ملاحظة الصفات ليست بصانع للعالم، فالصانع المجموع، فيلزم تركبه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 103

المستلزم للحاجة و الإمكان.

و قيل: المعنى فقد عده من المخلوقين‏

" و من قال: أين فقد غياه"

 (1) أي جعل له نهاية ينتهي لها إلى أينه أو جعله جسما ذا غايات و نهايات‏

" و من قال على م؟"

 (2) أي على ما و على أي شي‏ء هو

" فقد أخلى منه"

 (3) غير ما جعله سبحانه عليه‏

" و من قال: فيم؟"

 (4) أي فيما هو

" فقد ضمنه"

 (5) أي حكم بكونه في شي‏ء محيطة به.

 (الحديث السادس)

 (6): مجهول‏

و الديانة

 (7) مصدر دان يدين، و في المصادر الديانة" دين دار گشتن" و يعدي بالباء، و المعنى أول التدين بدين الله معرفته، أي العلم بوجوده و كماله و التقدس عما لا يليق به و أوليتها ظاهرة لكونها أشرف المعارف، و توقف سائر المعارف و صحة جميع الأعمال عليه‏

" و كمال معرفته توحيده"

 (8) أي اعتقاد كونه متوحدا غير مشارك لغيره في إلهيته و في صفاته الذاتية فضلا عن المشاركة في الذاتي‏

و كمال توحيده نفي الصفات‏

 (9) الزائدة عنه، لشهادة كل من الصفة و الموصوف بمغايرته للآخر، و فيه رد على الأشاعرة القائلين إن صفاته سبحانه لا عينه و لا غيره.

و المغايرة موجب لأحد أمور: إما كونهما قديمين فيلزم تعدد الواجب، و احتياج كل من الواجبين إلى الآخر كما مر، أو حدوث الصفة، فيلزم كونه تعالى محلا للحوادث، و كونه ناقصا في ذاته و هو أيضا ينافي الأزلية، و لو قيل:

الصانع هو المجموع فيلزم تركبه و افتقاره مع لزوم تعدد الواجب أيضا، فمن قال‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 104

كيف؟ فقد طلب وصفه بصفات المخلوقين، و قد نفيناه عنه‏

" و من قال على م؟ فقد حمله"

 (1) أي جعله محمولا و محتاجا إلى ما يحمله‏

" و من قال أين؟ فقد أخلى منه"

 (2) أي جعله مخصوصا بأين خاص، و أخلى منه سائر الأيون، و الحال أن نسبته إلى الأيون على السواء

" فقد نعته"

 (3) أي بما يقع في جواب ما هو من مهية و حقيقة كلية أو بصفات المخلوقين، فلذا سأل عن كنهه‏

" و من قال إلى م؟"

 (4) أي إلى أي زمان يكون موجودا،

" فقد غاياه"

 (5) أي جعل لوجوده غاية و لا غاية له أزلا و أبدا.

 (الحديث السابع)

 (6): مرسل.

قوله عليه السلام: و لا تنقضي عجائبه،

 (7) أي كلما تأمل الإنسان يجد من آثار قدرته و عجائب صنعته ما لم يكن وجده قبل ذلك و لا ينتهي إلى حد، أو أنه كل يوم يظهر من آثار صنعه خلق عجيب و طور غريب يحار فيه العقول و الأفهام، و الثاني بالتعليل أنسب، و فيه رد على اليهود حيث قالوا: يد الله مغلولة

" فيكون في العز مشاركا"

 (8) لمشاركة أنسب، و فيه رد على اليهود حيث قالوا: يد الله مغلولة" فيكون في العز مشاركا" لمشاركة الولد لوالده في العز و استحقاق التعظيم، أو المعنى أنه ولد فيشاركه في الحقيقة

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 105

الأحدية صارت سببا لعزته لأن التوالد عبارة عن كون الشي‏ء مبدء لما هو مثله في نوعه و جنسه، فيلزم مشاركته معه في الحقيقة، فيلزم تركبه سبحانه و كونه ممكنا محتاجا، فينافي عزته و وجوب وجوده" فيكون موروثا" أي يرثه ولده بعد موته كما هو شأن كل والد.

و الحاصل أن كل مولود معلول حادث، و كل حادث بمعرض الهلاك و الفناء.

و أيضا السبب الحقيقي للتوالد و التناسل حفظ بقاء النوع الذي لا يمكن له البقاء و أيضا السبب الحقيقي للتوالد و التناسل حفظ بقاء النوع الذي لا يمكن له البقاء الشخصي، فكل مولود لا بد أن يكون كوالده موروثا حادثا هالكا في وقت و إن كان وارثا موجودا في وقت آخر.

" فتقدره شبحا مائلا"

 (1) أي قائما أو مماثلا و مشابها للممكنات، إذ الوهم رئيس القوي الحسية و الخيالية، فكل ما يدركه من الذوات يصوره بقوته الخيالية شخصا متقدرا كأنه يشاهده شبحا حاضرا عنده، ماثلا بين يديه فإن كان تصوره للرب سبحانه على هذا الوجه مطابقا للواقع يلزم كونه تعالى جسما مقداريا محدودا و هو محال، و إن كان كاذبا فلم يكن أدركه بل أدرك أمرا آخر، فهو تعالى منزه من أن يقع عليه وهم.

" فيكون بعد انتقالها حائلا"

 (2) أي متغيرا، من حال الشي‏ء يحول إذا تغير أي لا تدركه الأبصار، و إلا لكان بعد انتقالها عنه متغيرا و منقلبا عن الحالة التي كانت له عند الإبصار من المقابلة و المحاذاة و الوضع الخاص و غير ذلك، أو عن حلوله في الباصرة بزوال صورته الموافقة له في الحقيقة عنها، و قيل: المراد بانتقالها عنه مرور الأزمنة عليه سبحانه، و فناء الرائين و حدوث جماعة أخرى متغيرا من حال إلى حال كما هو شأن المبصرات.

و بعض الأفاضل قرأ بعد مضمومة الباء مرفوعة الإعراب، على أن يكون اسم كان، و الحائل بمعنى الحاجز أي كان بعد انتقال الأبصار إليه حائلا من رؤيته، و منهم‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 106

من قرأ خائلا بالخاء المعجمة أي ذا خيال و صورة متمثلة في المدرك، و التعاور: الورود على التناوب‏

" لم يوصف بأين"

 (1) أي بمكان فيكون نفي المكان تأكيدا أو بجهة مجازا

" و لا بما؟"

 (2) إذ ليست له مهية يمكن أن تعرف حتى يسأل عنها بما هو.

قوله عليه السلام: بطن من خفيات الأمور،

 (3) أي أدرك الباطن من خفيات الأمور و نفذ علمه في بواطنها، أو المراد أن كنهه تعالى أبطن و أخفى من خفيات الأمور مع أن وجوده أجلى من كل شي‏ء في العقول‏

" بما يرى في خلقه"

 (4) من آثار تدبيره بحد

" و لا ببعض"

 (5) أي بكونه محدودا بحدود جسمانية أو عقلانية أو بأجزاء و أبعاض خارجية أو عقلية و قيل: أي لم يحسبوا بحد و لا ببعض حد و هو الحد الناقص كالجواب بالفصل القريب دون الجنس القريب، بل عدلوا عن الوصف بالحد تاما أو ناقصا إلى الرسوم الناقصة و هو الوصف له تعالى بفعاله كما قال الكليم عليه السلام في جواب وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ؟

" رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا" الآيات.

قوله عليه السلام: بما جعل فيهم،

 (6) أي من الأعضاء و الجوارح و القوة و الاستطاعة

" بالحجج"

 (7) أي الباطنة و هي العقول، و الظاهرة و هي الأنبياء و الأوصياء"

فعن بينة"

 (8) أي بسبب بينة واضحة أو معرضا و مجاوزا عنها، أو عن بمعنى بعد أي بعد وضوح بينة

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 107

" و بمنه نجا من نجا"

 (1) أي بلطفه و توفيقه و إعداد الآلات و هدايته في الدنيا و بعفوه و رحمته و تفضله في الثواب بلا استحقاق في الآخرة نجا الناجون،

فقوله: و لله الفضل‏

 (2) و في التوحيد و عن بينة نجا من نجا فالثاني لا يجري فيه‏

" مبدء و معيدا"

 (3) مترتب على ذلك أي حال التكليف في الدنيا و حال الجزاء في الآخرة، و يحتمل أن يكون المراد حال إبداء الخلق و إيجادهم في الدنيا و حال إرجاعهم و إعادتهم بعد الفناء أو مبدءا حيث بدء العباد مفطورين على معرفته قادرين على طاعته و معيدا حيث لطف بهم و من عليهم بالرسل و الأئمة الهداة.

" و له الحمد"

 (4) الجملة اعتراضية

" افتتح الحمد لنفسه"

 (5) أي في التنزيل الكريم أو في بدو الإيجاد بإيجاد الحمد، أو ما يستحق الحمد عليه، و في التوحيد: افتتح الكتاب بالحمد، و هو يؤيد الأول‏

" و محل الآخرة"

 (6) أي حلولها و ربما يقرأ بسكون الحاء و هو الجدب و انقطاع المطر و المجادلة و الكيد، أو بالجيم و هو أن يجتمع بين الجلد و اللحم ماء من كثرة العمل و شدته، و على التقديرين كناية عن الشدة و المصيبة أي ختم أمر الدنيا و شدائد الآخرة و أهوالها بالحمد لنفسه على القضاء بالحق فعلم أن الافتتاح و الاختتام بحمده من محاسن الآداب.

و في التوحيد: و مجي‏ء الآخرة، أي ختم أول أحوال الآخرة و هو الحشر و الحساب و يمكن أن يقدر فعل آخر يناسبه، أي بدء مجي‏ء الآخرة

" و قضى بينهم"

 (7) أي بإدخال بعضهم الجنة و بعضهم النار، و يظهر من الخبر أن القائل هو الله، و يحتمل أن يكون الملائكة بأمره تعالى.

" بلا تمثيل"

 (8) أي بمثال جسماني، و هذا و ما تقدمه دفع لما يتوهم من أن‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 108

الكبر و العظم و الجلالة و نحوها لا تكون إلا في الأجساد و الأشباح ذوات المقادير و الأوضاع، و لا شك أنه سبحانه منزه عن الجسمانيات و صفاتها، فنبه على أن كبريائه و جلاله على وجه أعلى و أشرف مما يوجد في المحسوسات و المتمثلات.

قوله: بلا زوال‏

 (1) أي بغير استواء جسماني يلزمه إمكان الزوال أو لا يزول اقتداره و استيلاؤه أبدا

" المتعالي عن الخلق"

 (2) بالشرف و العلية و التنزه عن صفاتهم، لا بما يتوهم من تراخي مسافة بينهما كالفلك بالنسبة إلى الأرض أو بمماسة كالماء و الهواء بالنسبة إليهما أو

قوله ع: و لا ملامسة

 (3) نفي لما يتوهم من نفي التباعد من تحقق الملامسة و نحوها، قضية للتقابل بينهما قياسا على الجسمانيات، فإن المتقابلين كليهما منفيان عنه و إنما يتصف بأحدهما ما يكون قابلا للاتصاف بهما، كما يقال: الفلك ليس بحار و لا بارد، و الجدار ليس بأعمى و لا بصير

" ليس له حد ينتهي إلى حده"

 (4) أي الحدود الجسمانية فينتهي هو إلى حده على بناء الفاعل أو الحد المنطقي فينتهي على بناء المفعول إلى تحديده به أو لأحد لتوصيفه و نعته، بل كلما بالغت فيه فأنت مقصر.

" ذل من تجبر غيره"

 (5) قوله: غيره، حال عن فاعل تجبر و كذا قوله: دونه، حال عن فاعل تكبر و الضميران راجعان إليه سبحانه، أي ذل له كل من تجبر غيره، فإن كل ما يغايره ممكن مخلوق ذليل للخالق الجليل.

" و صغر"

 (6) كل‏

" من تكبر دونه"

 (7) فإن جميع ما سواه موصوف بالصغار أو الصغر لدى خالقه الكبير المتعال، أو المعنى أن عز المخلوق و رفعته إنما يكون بالتذلل و الخضوع اللائقين به، و بهما يكتسب إفاضة الكمال من خالقه فإذا تجبر و تكبر استحق الحرمان و الخذلان فيزداد صغرا إلى صغره، و ذلا إلى ذلة، فلا يرتفع من درجة

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 109

النقص إلى الكمال، و لا يزال في الدارين هابطا في دركات النقص و الوبال.

" لعظمته"

 (1) أي عند عظمته أو عنده بسبب عظمته، و الاحتمالان جاريان فيما بعده‏

" طروف العيون"

 (2) جمع طرف و هو تحريك الجفن بالنظر أو جمع طارف بمعنى طامح، و في الفائق: طرفت عينه أي طمحت‏

" و الظاهر على كل شي‏ء"

 (3) أي الغالب عليه بالقهر له على الإيجاد و الإفناء، و إجراء كل ما أراد فيه.

" هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ"

 (4) أي مستحق لأن تعبده و تخضع له السماوات و ما فيها و تتواضع لعظمته و تنقاد لسلطانه و عزته لربوبيته لها

" وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ"

 (5) أي مستحق لأن تخضع له و تعبده الأرض و ما فيها و ما عليها و تنقاد لسلطانه و عزته‏

" أتقن"

 (6) أي أحكم ما أراد من خلقه متعلق بأراد أو بيان لما

" من الأشباح"

 (7) بيان لما على الأول و لخلقه على الثاني، و يحتمل أن تكون من الأولى تبعيضية، و الأشباح: الأشخاص المتغايرة و الصور المتباينة النوعية و الشخصية.

" لا بمثال"

 (8) في التوحيد بلا مثال، أي لا في الخارج و لا في الذهن‏

" سبق"

 (9) أي ذلك المثال‏

" إليه"

 (10) تعالى، أو سبق الله إلى ذلك المثال، و ربما يقرأ على بناء المفعول أي سبق غيره تعالى إلى خلق ذلك المثال،

" و لا لغوب"

 (11) أي تعب، و يمكن إرجاع ضمير

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 110

لديه إليه تعالى و إلى الخلق، فالظرف على الأول متعلق بخلق، و على الثاني بدخل‏

" و يمكن"

 (1) على التفعيل أي بإيجاد القوة و القدرة عليها و تركيب العقول المميزة فيهم، و في بعض النسخ بالتاء من باب التفعل بحذف إحدى التائين، و المحامد جمع محمدة و هي ما يحمد به من صفات الكمال، و قال الفيروزآبادي: المراشد مقاصد الطرق.

" دالا عليه"

 (2) أي على الله أو على الحق الذي بعث به، و الأول أظهر.

" وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ"

 (3) وضع الظاهر موضع الضمير لتعظيمها، و الالتذاذ بذكرهما أو ليعلم تقديم الله على الرسول، و لا يتوهم كونهما في درجة واحدة.

و لعل أحد هذه الوجوه علة الذم فيما رواه مسلم عن عدي بن حاتم أن رجلا خطب عند النبي صلى الله عليه و آله فقال: من يطع الله و رسوله فقد رشد، و من يعصهما فقد غوى فقال رسول الله صلى الله عليه و آله: بئس الخطيب أنت، قل: و من يعص الله و رسوله فقد غوى فقال رسول ص: بئس الخطيب أنت، قل: و من يعص الله و رسوله فقد غوى مع أنه قد ورد في كثير من الخطب بالضمير أيضا.

" فأنجعوا"

 (4) في بعض النسخ بالنون و الجيم من قولهم أنجع أي أفلح، أي أفلحوا بما يجب عليكم من الأخذ سمعا و طاعة، أو من النجعة بالضم و هي طلب الكلاء من موضعه، و في بعضها بالباء الموحدة فالخاء المعجمة، قال الجزري: فيه: أتاكم أهل اليمن هم أرق قلوبا و أبخع طاعة، أي أبلغ و أنصح في الطاعة من غيرهم كأنهم بالغوا في بخع أنفسهم أي قهرها و إذلالها بالطاعة، و قال الزمخشري في الفائق: أي أبلغ طاعة من بخع الذبيحة إذا بالغ في ذبحها، و هو أن يقطع عظم رقبتها، هذا أصله ثم كثر حتى استعمل في كل مبالغة، فقيل: بخعت له نصحي و جهدي و طاعتي.

" و إخلاص النصيحة"

 (5) أي لله و لكتابة و لرسوله و للأئمة و لعامة المسلمين‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 111

و إخلاصها تصفيتها من الغش، و الموازرة المعاونة أي المعاونة الحسنة على الحق.

" و أعينوا على أنفسكم"

 (1) أي على إصلاحها أو ذللوها و أقهروها فالمراد النفس الأمارة بالسوء، و في التوحيد أعينوا أنفسكم أي على الشيطان.

" و تعاطوا الحق"

 (2) أي تناولوه بأن يأخذه بعضكم من بعض ليظهر و لا يضيع‏

" دوني"

 (3) أي عندي و قريبا مني أو قبل الوصول إلى أو حالكون الحق عندي.

" و خذوا على يد الظالم"

 (4) أي امنعوه عن الظلم و أقهروه على تركه،

و السفيه‏

 (5) من يتبع الشهوات النفسانية،

و ذو الفضل:

 (6) العترة الطاهرة، أو يشمل غيرهم من العلماء و الصلحاء و الذرية الطيبة و الوالدين و أرباب الإحسان على قدر مراتبهم، عصمنا الله و إياكم عن اتباع الباطل بالهدي إلى الحق.

باب النوادر

 (7)

 (الحديث الأول)

 (8): مرسل.

قوله تعالى إِلَّا وَجْهَهُ،

 (9) قيل فيه وجوه:

الأول: أن المعنى كل شي‏ء فإن بائد إلا ذاته، و هذا كما يقال هذا وجه الرأي‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 112

و وجه الطريق، قاله الطبرسي (ره)، و قال: في هذا دلالة على أن الأجسام تفنى ثم تعاد على ما قاله الشيوخ في الفناء و الإعادة.

الثاني: ما ذكره الطبرسي أيضا: أي كل شي‏ء هالك إلا ما أريد به وجهه، فإنه يبقى ثوابه عن ابن عباس.

الثالث: أن كل شي‏ء هالك فإن الممكن في حد ذاته معدوم حقيقة إلا ذاته سبحانه، فإنه الموجود بالذات بالوجود الحقيقي.

الرابع: أن المعنى كل شي‏ء هالك و إنما وجوده و بقائه و كماله بالجهة المنسوبة إليه سبحانه، فإنه علة لوجود كل شي‏ء و بقائه و كماله، و مع قطع النظر عن هذه الجهة فهي فانية باطلة هالكة، و هذا وجه قريب خطر بالبال و إن قال قريبا منه بعض من يسلك مسالك الحكماء على أذواقهم المخالفة للشريعة.

الخامس: أن المعنى كل شي‏ء هالك أي باطل إلا دينه الذي به يتوجه إليه سبحانه، و كل ما أمر به من طاعته، و قد وردت أخبار كثيرة على هذا الوجه.

السادس: أن المراد بالوجه: الأنبياء و الأوصياء صلوات الله عليهم، لأن الوجه ما يواجه به، و الله سبحانه إنما يواجه عباده و يخاطبهم بهم عليهم السلام، و إذا أراد العباد التوجه إليه تعالى يتوجهون إليهم، و به أيضا وردت أخبار كثيرة منها هذا الخبر.

السابع: أن الضمير راجع إلى الشي‏ء أي كل شي‏ء بجميع جهاته باطل فإن إلا وجهه الذي به يتوجه إلى ربه و هو روحه و عقله و محل معرفة الله منه، التي تبقى بعد فناء جسمه و شخصه، و ربما ينسب هذا إلى الرواية عنهم عليهم السلام، و أما وصفه عليه السلام قولهم بالعظم، فالظاهر أنه لإثباتهم له سبحانه وجها كوجوه البشر، و من قال ذلك فقد كفر، و قيل: كان مرادهم فناء كل شي‏ء غير ذاته تعالى فاستعظمه و أنكره عليه السلام، إذ من المخلوقات ما لا يفنى، و لا يخفى بعده.

  

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 113

 (الحديث الثاني)

 (1): صحيح.

قوله: فهو الوجه،

 (2) الضمير راجع إلى الموصول أي من أتى بجميع ما أمر الله به فهو وجه الله في خلقه، و هم الأئمة عليهم السلام كما أن الرسول صلى الله عليه و آله كان في زمانه وجه الله، ثم استشهد عليه السلام‏

بقوله تعالى:" مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ"

 (3) فهو وجه الله الذي من توجه إليه توجه إلى الله فيرجع إلى الوجه السادس، أو الضمير راجع إلى الإتيان أي الإتيان بما أمر الله هو الجهة التي يتوجه بها إلى الله، و الاستشهاد من جهة أن العمل بما أتى به الرسول طاعة الله و توجه إليه، مع أنه في أكثر النسخ كذلك فلا يكون تعليلا بل بيانا لأن طاعة الرسول صلى الله عليه السلام أيضا توجه إلى الله، فلا تهلك و لا تضيع فيرجع إلى الخامس لكن الأول أظهر.

 (الحديث الثالث)

 (4): ضعيف.

قوله عليه السلام: نحن المثاني،

 (5) إشارة إلى قوله عز و جل:" وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ" و المشهور بين المفسرين أنها سورة الفاتحة، و قيل:

السبع الطوال، و قيل: مجموع القرآن لقسمته أسباعا، و قوله: من المثاني بيان للسبع و المثاني من التثنية أو الثناء، فإن كل ذلك مثنى تكرر قراءته و ألفاظه أو قصصه و مواعظه، أو مثنى بالبلاغة و الإعجاز، أو مثن على الله بما هو أهله من صفاته العظمى‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 114

و أسمائه الحسني، و يجوز أن يراد بالمثاني القرآن أو كتب الله كلها، فتكون من للتبعيض. و قوله" وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ" إن أريد بالسبع الآيات أو السور فمن عطف الكل على البعض أو العام على الخاص، و إن أريد به الأسباع فمن عطف أحد الوصفين على الآخر، هذا ما قيل في تفسير ظهر الآية الكريمة، و يدل عليها بعض الأخبار أيضا و أما تأويله عليه السلام لبطن الآية فلعل كونهم عليهم السلام سبعا باعتبار أسمائهم فإنها سبعة، و إن تكرر بعضها، أو باعتبار أن انتشار أكثر العلوم كان من سبعة منهم إلى الكاظم عليه السلام، ثم بعد ذلك كانوا خائفين مستورين مغمورين لا يصل إليهم الناس غالبا إلا بالمكاتبة و المراسلة، فلذا خص هذا العدد منهم بالذكر.

فعلى تلك التقادير يجوز أن تكون المثاني من الثناء لأنهم الذين يثنون عليه تعالى حق ثنائه بحسب الطاقة البشرية، و أن يكون من التثنية لتثنيتهم مع القرآن كما قال الصدوق (ره) حيث قال: معنى قوله: نحن المثاني أي نحن الذين قرننا النبي صلى الله عليه و آله إلى القرآن و أوصى بالتمسك بالقرآن، و بنا أخبر أمته أنا لا نفترق حتى نرد حوضه" انتهى" أو لتثنيتهم مع النبي صلى الله عليه و آله، أو لأنهم عليهم السلام ذو جهتين جهة تقدس و روحانية و ارتباط تام بجنابة تعالى، و جهة ارتباط بالخلق بسبب البشرية و يحتمل أن يكون السبع باعتبار أنه إذا ثني يصير أربعة عشر موافقا لعددهم عليهم السلام إما باعتبار التغاير الاعتباري بين المعطي و المعطي له إذ كونه معطي إنما يلاحظ مع جهة النبوة و الكمالات التي خصه الله بها و كونه معطي له، مع قطع النظر عنها، أو يكون الواو في قوله: و القرآن، بمعنى مع فيكونون مع القرآن أربعة عشر، و فيه ما فيه. و يحتمل أن يكون المراد بالسبع في ذلك التأويل أيضا السورة، و يكون المراد بتلك الأخبار أن الله تعالى إنما أمتن بهذه السورة على النبي صلى الله عليه و آله في مقابلة القرآن العظيم لاشتمالها على وصف الأئمة عليه السلام و مدح طريقتهم و ذم أعدائهم في قوله سبحانه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 115

" صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ" إلى آخر السورة، فالمعنى نحن المقصودون بالمثاني.

و قال في النهاية: فيه فأقاموا بين ظهرانيهم و بين أظهرهم، قد تكررت هذه اللفظة في الحديث، و المراد بها أنهم أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار و الاستناد إليهم، و زيدت فيه ألف و نون مفتوحة تأكيدا، و معناه أن ظهرا منهم قدامه و ظهرا وراءه فهو مكنوف من جانبيه و من جوانبه إذا قيل بين أظهرهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا.

" و هم عين الله"

 (1) أي شاهده على عباده، فكما أن الرجل ينظر بعينه ليطلع على الأمور كذلك خلقهم الله ليكونوا شهداء منه عليهم، ناظرين في أمورهم، و العين يطلق على الجاسوس و على خيار الشي‏ء أيضا، قال في النهاية في حديث عمر: إن رجلا كان ينظر في الطواف إلى حرم المسلمين فلطمه علي عليه السلام فاستعدى عليه فقال:

ضربك بحق أصابته عين من عين الله، أراد خاصة من خواص الله عز و جل، و وليا من أوليائه" انتهى" و إطلاق اليد على النعمة و الرحمة و القدرة شائع، فهم نعم الله التامة و رحمته المبسوطة و مظاهر قدرته الكاملة.

قوله عليه السلام: و إمامة المتقين،

 (2) بالنصب عطفا على ضمير المتكلم في جهلنا ثانيا، أي جهلنا من جهل إمامة المتقين أو عرفنا و جهلنا أولا أي عرف إمامة المتقين من عرفنا، و جهلها من جهلنا، أو بالجر عطفا على الرحمة أي يده المبسوطة بإمامة المتقين و لعله من تصحيف النساخ، و الأظهر ما في نسخ التوحيد: و من جهلنا فإمامة اليقين أي الموت على التهديد، أو المراد أنه يتيقن بعد الموت و رفع الشبهات.

 (الحديث الرابع)

 (3): مجهول و سموا بالاسم لأنهم يدلون على قدرة الله تعالى‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 116

و علمه و سائر كمالاته، فهم بمنزلة الاسم في الدلالة على المسمى أو يكون بمعناه اللغوي من الوسم بمعنى العلامة، أو لأنهم المظهرون لأسماء الله و الحافظون لها و المحيطون بمعرفتها، أو المظاهر لها و الله يعلم.

 (الحديث الخامس)

 (1): ضعيف.

قوله عليه السلام: فأحسن خلقنا،

 (2) حيث خلقهم من الطينة الطاهرة أو من حيث إكمالهم عليهم السلام و عصمتهم من الخطإ و الزلة، و يمكن أن يقرأ خلقنا بالضم‏

" فأحسن صورنا"

 (3) أي جعلنا ذوي صورة حسنة و أخلاق جميلة، و حلانا بالكمالات النفسانية،

" و لسانه الناطق في خلقه"

 (4) لما كان اللسان يعبر عما في الضمير و يبين ما أراد الإنسان إظهاره أطلق عليهم عليهم السلام لسان الله لأنهم المعبرون عن الله يبينون حلاله و حرامه و معارفه و سائر ما يريد بيانه للخلق‏

" و بابه الذي يدل عليه"

 (5) لما كان المريد للقاء السلطان لا بد له من إتيان بابه و لقاء بوابه ليوصلوه إليه فسموا أبواب الله، لأنه لا بد لمن يريد معرفته سبحانه و طاعته من أن يأتيهم ليدلوه عليه و على رضاه، فلذا شبهوا بالباب و سموا الأبواب و لذا قال النبي صلى الله عليه و آله: أنا مدينة العلم- أو مدينة الحكمة و علي بابها.

و روي عن الباقر عليه السلام في معنى كونهم باب الله: معناه أن الله احتجب عن خلقه بنبيه و الأوصياء من بعده، و فوض إليهم من العلم ما علم احتياج الخلق إليه، و لما

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 117

استوفى النبي صلى الله عليه و آله علي عليه السلام العلوم و الحكمة قال: أنا مدينة العلم و علي بابها، و قد أوجب الله على الخلق الاستكانة لعلي عليه السلام بقوله:" ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ" أي الذي لا يرتابون في فضل الباب و علو قدره.

و قال في موضع آخر:" وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها" يعني الأئمة عليهم السلام الذين هم بيوت العلم و معادنه و هم أبواب الله و وسيلته و الدعاة إلى الجنة و الأدلاء عليها إلى يوم القيامة، رواه الكفعمي عنه عليه السلام.

" و خزانة في سمائه و أرضه"

 (1) أي خزان علمه من بين أهل السماء و الأرض فنعطي علمه من نشاء و نمنعه من نشاء.

و يحتمل الأعم إذ جميع الخيرات يصل إلى الخلق بتوسطهم، و قيل: أي عندهم مفاتيح الخير من العلوم و الأسماء التي تفتح أبواب الجود على العالمين.

" بنا أثمرت الأشجار"

 (2) إذ الغاية في خلق العالم المعرفة و العبادة كما دلت عليه الآيات و الأخبار، و لا يتأتى الكامل منهما إلا منهم، و لا يتأتيان من سائر الخلق إلا بهم، فهم سبب نظام العالم، و لذا يختل عند فقد الإمام لانتفاء الغاية و قد قال سبحانه: لولاك لما خلقت الأفلاك، قيل: و يحتمل أن يكون أثمار الأشجار و إيناع الأثمار و جرى الأنهار" إه" كناية عن ظهور الكمالات النفسانية و الجسمانية، و وصولها إلى غايتها المطلوبة، و ظهور العلم و أمثاله، و قال في النهاية أينع الثمر يونع و ينع يينع فهو مونع و يانع إذا أدرك و نضج و أينع أكثر استعمالا، و العشب بالضم الكلاء الرطب.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 118

" و بعبادتنا عبد الله و لو لا نحن ما عبد الله"

 (1) أي بمعرفتنا و عبادتنا التي بها نعرفه و نعبده و نهدي عباده إليها و نعلمها إياهم، عبد الله لا بغيرها مما تسميه العامة عبادة و معرفة، أو أنه لو لا عبادتنا لم يوجد أحد، لأن الله خلق العالم لعبادتنا فلم يوجد الدنيا فلم يعبد الله أحد، أو المراد أن العبادة الخالصة مع الشرائط لا تصدر إلا منا، فلولانا ما عبد الله إذ المعنى أن ولايتنا شرط لقبول العبادة فلولانا نحن ما عبد سبحانه عبادة مقبولة.

 (الحديث السادس)

 (2): حسن،

و قال في القاموس: الأسف‏

 (3) محركة شدة الحزن، أسف كفرح و عليه غضب" انتهى" و قد مر مرارا أنه سبحانه لا يتصف بصفات المخلوقين، و هو متعال عن أن تكون له كيفية، فإطلاق الأسف فيه سبحانه إما تجوز باستعماله في صدور الفعل الذي يترتب فينا مثله على الأسف، و إما مجاز في الإسناد أو من مجاز الحذف أي أسفوا أولياءنا، و الخبر محمول على الأخيرين.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 119

و استشهد عليه السلام بأمثاله في كلامه سبحانه، ثم استدل على استحالة الحزن و الضجر عليه كسائر الكيفيات بأن الاتصاف بالممكن المخلوق مستلزم للإمكان و كل ما هو ممكن في عرضة الهلاك، و لا يؤمن عليه الانقطاع و الزوال ثم إذا جوز عليه الزوال لم يعرف المكون المبدأ على الإطلاق من المكون المخلوق، و لا القادر على الإطلاق السرمدي من المقدور عليه المحدث، و لا الخالق من المخلوق، لأن مناط هذا التميز و المعرفة الوجوب و القدم الدالان على المبدئية و القدرة و الخالقية و الإمكان و العدم الدالان على المكونية و المقدورية و المخلوقية، بل هو الخالق للأشياء لا لحاجة منه إلى خلقه في وجوده أو كمالاته، لكونه المبدأ الأول الأزلي الإحدى المتقدس عن التكثر بجهة من الجهات كالفعلية و القوة و غيرها، فإذا كان كذلك استحال عليه الحد الموقوف على المهية الإمكانية و الكيف كذا قيل.

أو أنه إذا كان خالقا لجميع ما سواه غير محتاج إليها لا يمكن أن يكون متصفا بالحد و الكيف، إذ الحد و الكيف إن كانا منه سبحانه فهو محتاج إليهما، فتكون خالقيته للحاجة، و إن كانا من غيره فالغير مخلوق له، و هو محتاج إليه في الاتصاف بهما.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 120

 (الحديث السابع)

 (1): مجهول.

 (الحديث الثامن)

 (2): مجهول بهاشم بن أبي عمار الحيتي و في بعض النسخ الجنبي و الجنب حي من اليمن.

قوله عليه السلام: و أنا جنب الله،

 (3) لعل المراد بالجنب الجانب و الناحية و هو عليه السلام التي أمر الله الخلق بالتوجه إليه، و الجنب يجي‏ء بمعنى الأمير، و هو أمير الله على الخلق أو هو كناية عن أن قرب الله تعالى لا يحصل إلا بالتقرب بهم، كما أن من أراد أن يقرب من الملك يجلس بجنبه، و قد ورد المعنى الأخير عن الباقر عليه السلام.

قال الكفعمي: قوله: جنب الله، قال الباقر عليه السلام: معناه أنه ليس شي‏ء أقرب إلى الله تعالى من رسوله، و لا أقرب إلى رسوله من وصيه، فهو في القرب كالجنب، و قد بين الله تعالى ذلك في كتابه في قوله:" أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى‏ عَلى‏ ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ" يعني في ولاية أوليائه.

و قال الطبرسي في مجمعه: الجنب القرب، أي يا حسرتى على ما فرطت في قرب الله و جواره، و منه قوله تعالى:" وَ الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ" و هو الرفيق في السفر، و هو الذي يصحب الإنسان بأن يحصل بجنبه لكونه رفيقه قريبا منه ملاصقا له، و عن الباقر عليه السلام: نحن جنب الله" انتهى".

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 121

 (الحديث التاسع)

 (1): حسن.

قوله عليه السلام: جنب الله أمير المؤمنين،

 (2) أي جنب الله في هذه الأمة أمير المؤمنين صلوات الله عليه و كذا الأوصياء بعده، و الحاصل أن المراد بجنب الله الحجج في كل أمة

" بالمكان"

 (3) خبر كان أو حال.

 (الحديث العاشر)

 (4): ضعيف.

قوله عليه السلام: و محمد حجاب الله،

 (5) أي واسطة بين الله و بين خلقه، كما أنه لا يمكن الوصول إلى المحجوب إلا بالوصول إلى الحجاب، فكذلك هو بالنسبة إلى جميع خلقه لا يمكنهم الوصول إلى الله سبحانه و إلى رحمته إلا بالتوصل به، و قيل: المراد أنه صلى الله عليه و آله النور المشرق منه سبحانه، و أقرب شي‏ء منه، كما قال صلى الله عليه و آله: أول ما خلق الله نوري و منه الحجاب لنور الشمس، أو المراد أنه النور المشرق منه سبحانه و لتوسطه بينه و بين النفوس النورية يكون حجابا له سبحانه، لأنه بالوصول إليه و غلبة نوره على أنوارهم يعجز كل منها عن إدراك ما فوقه" انتهى" أو يعلم بالاطلاع على هذا النور و عجزه عن إدراكه أنه لا يمكنه الوصول إلى نور الأنوار، فهو بهذا المعنى حجاب عنه سبحانه.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 122

 (الحديث الحادي عشر)

 (1): مجهول مرسل.

قوله عليه السلام: من أن يظلم،

 (2) أي من أن يتوهم جواز مظلوميته سبحانه و إمكانه حتى يحتاج إلى نفيه، فهذه المظلومية مظلومية المنتجبين من عباده‏

" خلطهم بنفسه"

 (3) أي ذكرهم مع ذكره، و جعل ظلمهم ظلمه و ولايتهم ولايته حيث يقول" إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا" يعني الأئمة عليهم السلام فجعل الولاية و أولوية التصرف في الأمور للرسول و الأئمة من بعده، و أسند هذه الولاية التي أثبتها لهم إلى نفسه ابتداء شرفا و تعظيما لهم، ثم أسند مظلوميتهم و إزالتهم عن مكانتهم هذه إلى نفسه في موضع آخر، فقال:

" وَ ما ظَلَمُونا"

 (4) الآية ثم ذكر سبحانه مثله في كتابه من إسناد ما لهم من الرضا و الغضب و الأسف و أمثالها إلى نفسه في مواضع كثيرة، و يحتمل أن يكون المعنى أنه ذكر إسناد الظلم إلى نفسه في موضع آخر أيضا، إذ هذه الآية متكررة في القرآن، و قيل:

" ثم قال"

 (5) كلام زرارة، و القائل هو عليه السلام، أي قال: و قرأ هذه الآية في مجلس آخر و ذكر بعدها ما ذكر سابقا و لا يخفى بعده.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 123

باب البداء

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): صحيح.

قوله: ما عبد الله بشي‏ء مثل البداء،

 (3) أي الإيمان بالبداء من أعظم العبادات أو أنه ادعى إلى العبادة من كل شي‏ء، و اعلم أن البداء مما ظن أن الإمامية قد تفردت به و قد شنع عليهم بذلك كثير من المخالفين، و الأخبار في ثبوتها كثيرة مستفيضة من الجانبين و لنشر إلى بعض ما قيل في تحقيق ذلك ثم إلى ما ظهر لي من الأخبار مما هو الحق في المقام:

اعلم أنه لما كان البداء ممدودا في اللغة بمعنى ظهور رأي لم يكن، يقال: بدا الأمر بدوا: ظهر، و بدا له في هذا الأمر بداء أي نشأ له فيه رأي كما ذكره الجوهري و غيره، فلذلك يشكل القول بذلك في جناب الحق تعالى لاستلزامه حدوث علمه تعالى بشي‏ء بعد جهله، و هذا محال، و لذا شنع كثير من المخالفين على الإمامية في ذلك نظرا إلى ظاهر اللفظ من غير تحقيق لمرامهم، حتى أن الناصبي المتعصب الفخر الرازي ذكر في خاتمة كتاب المحصل حاكيا عن سليمان بن جرير إن أئمة الرافضة وصفوا القول بالبداء لشيعتهم، فإذا قالوا إنه سيكون لهم أمر و شوكة ثم لا يكون الأمر على ما أخبروه قالوا: بد الله تعالى فيه.

و أعجب منه أنه أجاب المحقق الطوسي (ره) في نقد المحصل عن ذلك لعدم‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 124

إحاطته قدس سره كثيرا بالأخبار بأنهم لا يقولون بالبداء، و إنما القول به ما كان إلا في رواية رووها عن جعفر الصادق عليه السلام أنه جعل إسماعيل القائم مقام بعده فظهر من إسماعيل ما لم يرتضه منه، فجعل القائم مقامه موسى عليه السلام، فسئل عن ذلك فقال:

بدا لله في إسماعيل، و هذه رواية، و عندهم أن خبر الواحد لا يوجب علما و لا عملا" انتهى".

فانظر إلى هذا المعاند كيف أعمت العصبية عينه حيث نسب إلى أئمة الدين الذين لم يختلف مخالف و لا مؤالف في فضلهم و علمهم و ورعهم و كونهم أتقى الناس و أعلاهم شأنا و رفعة، الكذب و الحيلة و الخديعة، و لم يعلم أن مثل هذه الألفاظ المجازية الموهمة لبعض المعاني الباطلة قد وردت في القرآن الكريم و أخبار الطرفين، كقوله تعالى:" اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ"" و مَكَرَ اللَّهُ"" و لِيَبْلُوَكُمْ"" و لِنَعْلَمَ"" و يُرِيدُ اللَّهُ"" و وَجْهُ اللَّهِ"" و جَنْبِ اللَّهِ" إلى غير ذلك مما لا يحصي، و قد ورد في أخبارهم ما يدل على البداء بالمعنى الذي قالت به الشيعة أكثر مما ورد في أخبارنا، كخبر دعاء النبي صلى الله عليه و آله على اليهودي، و إخبار عيسى عليه السلام و أن الصدقة و الدعاء يغيران القضاء و غير ذلك.

و قال ابن الأثير في النهاية في حديث الأقرع و الأبرص و الأعمى: بدا لله عز و جل أن يبتليهم، أي قضى بذلك، و هو معنى البداء ههنا، لأن القضاء سابق، و البداء

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 125

استصواب شي‏ء علم بعد أن لم يعلم، و ذلك على الله غير جائز" انتهى".

و قد قال سبحانه:" هُوَ الَّذِي. قَضى‏ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ" و قال المحقق الطوسي (ره) في التجريد: أجل الحيوان الوقت الذي علم الله بطلان حياته فيه، و المقتول يجوز فيه الأمران لولاه، و يجوز أن يكون الأجل لطفا للغير لا للمكلف، و قال العلامة (ره) في شرحه: اختلف الناس في المقتول لو لم يقتل، فقالت المجبرة: إنه كان يموت قطعا و هو قول العلاف، و قال بعض البغداديين:

إنه كان يعيش قطعا، و قال أكثر المحققين: إنه كان يجوز أن يعيش و يجوز أن يموت ثم اختلفوا فقال قوم منهم: لو كان المعلوم منه البقاء لو لم يقتل له أجلان، و قال الجبائيان و أصحابهما و أبو الحسين: إن أجله هو الوقت الذي قتل فيه ليس له أجل آخر لو لم يقتل، فما كان يعيش إليه ليس بأجل له الآن حقيقي بل تقديري" انتهى" و قال تعالى:" يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ".

و قال الناصبي الرازي في تفسيره في هذه الآية قولان:

الأول: أنها عامة في كل شي‏ء كما يقتضيه ظاهر اللفظ، قالوا: إن الله يمحو من الرزق و يزيد فيه، و كذا القول في الأجل و السعادة و الشقاوة و الإيمان و الكفر، و هو مذهب عمرو بن مسعود، و رواه جابر عن رسول الله صلى الله عليه و آله.

و الثاني: أنها خاصة في بعض الأشياء دون البعض، ففيها وجوه:

" الأول": أن المراد من المحو و الإثبات نسخ الحكم المتقدم و إثبات حكم آخر بدلا عن الأول" الثاني" أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة و لا سيئة، لأنهم مأمورون بكتبة كل قول و فعل و يثبت غيره" الثالث" أنه تعالى‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 126

أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه، فإذا تاب عنه محي عن ديوانه" الرابع" يمحو الله ما يشاء، و هو من جاء أجله و يدع من لم يجي‏ء أجله و يثبته" الخامس" أنه تعالى يثبت في أول السنة، فإذا مضت السنة محيت و أثبت كتاب آخر للمستقبل" السادس" يمحو نور القمر و يثبت نور الشمس" السابع" يمحو الدنيا و يثبت الآخرة" الثامن" أنه في الأرزاق و المحن و المصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء و الصدقة، و فيه حث على الانقطاع إلى الله تعالى" التاسع" تغير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو، و ما حصل و حضر فهو الإثبات" العاشر" يزيل ما يشاء من حكمه، لا يطلع على غيبة أحد، فهو المتفرد بالحكم كما يشاء، و هو المستقبل بالإيجاد و الإعدام و الإحياء و الإماتة و الإغناء و الإفقار، بحيث لا يطلع على تلك الغيوب أحد من خلقه، و اعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم.

فإن قال قائل: أ لستم تزعمون أن المقادير سابقه قد جفت بها القلم، فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو و الإثبات؟

قلنا: ذلك المحو و الإثبات أيضا مما قد جفت به القلم، فلا يمحو إلا ما قد سبق في علمه و قضائه محوه، ثم قال: قالت الرافضة: البداء جائز على الله تعالى، و هو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده، و تمسكوا فيه بقوله" يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ" انتهى كلامه لعنه الله.

و لا أدري من أين أخذ هذا القول الذي افترى به عليهم، مع أن الكتب الإمامية المتقدمين عليه كالصدوق و المفيد و الشيخ و المرتضى و غيرهم رضوان الله عليهم مشحونة بالتبري عن ذلك، و لا يقولون إلا ببعض ما ذكره سابقا أو بما هو أصوب منها كما ستعرف، و العجب أنهم في أكثر الموارد ينسبون إلى الرب تعالى ما لا يليق به، و الإمامية قدس الله أسرارهم يبالغون في تنزيهه تعالى و يفحمونهم بالحجج البالغة، و لما لم يظفروا في عقائدهم بما يوجب نقصا يباهتونهم و يفترون عليهم بأمثال تلك‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 127

الأقاويل الفاسدة، و هل البهتان و الافتراء إلا دأب العاجزين، و لو فرض أن بعضا من الجهلة المنتحلين للتشيع قال بذلك، فالإمامية يتبرءون منه و من قوله كما يتبرءون من هذا الناصبي و أمثاله و أقاويلهم الفاسدة.

فأما ما قيل في توجيه البداء فقال الصدوق (ره) في كتاب التوحيد: ليس البداء كما تقوله جهال الناس بأنه بداء ندامة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، و لكن يجب علينا أن نقر لله عز و جل بأن له البداء، معناه أن له أن يبدأ بشي‏ء من خلقه فيخلقه قبل شي‏ء، ثم يعدم ذلك الشي‏ء و يبدأ بخلق غيره، أو يأمر بأمر ثم ينهى عن مثله أو ينهى عن شي‏ء ثم يأمر بمثل ما نهى عنه، و ذلك مثل نسخ الشرائع و تحويل القبلة و عدة المتوفى عنها زوجها، و لا يأمر الله عباده بأمر في وقت ما إلا و يعلم أن الصلاح لهم في ذلك الوقت في أن يأمرهم بذلك، و يعلم أن في وقت آخر الصلاح لهم في أن ينهاهم عن مثل ما أمرهم به، فإذا كان ذلك الوقت أمرهم بما يصلحهم، فمن أقر لله عز و جل بأن له أن يفعل ما يشاء و يؤخر ما يشاء، و يخلق مكانه ما يشاء، و يقدر ما يشاء، و يؤخر ما يشاء، و يأمر بما يشاء كيف يشاء، فقد أقر بالبداء، و ما عظم الله بشي‏ء أفضل من الإقرار بأن له الخلق و الأمر و التقديم و التأخير و إثبات ما لم يكن و محو ما قد كان، و البداء هو رد على اليهود لأنهم قالوا إن الله قد فرغ من الأمر، فقلنا إن الله كل يوم في شأن يحيى و يميت و يرزق و يفعل ما يشاء، و البداء ليس من ندامة، و إنما هو ظهور أمر، تقول العرب: بدا لي شخص في طريقي أي ظهر، و قال الله عز و جل:" وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" أي ظهر لهم و متى ظهر لله تعالى ذكره من عبد صلة لرحمه زاد في عمره، و متى ظهر له قطيعة رحم نقص من عمره، و متى ظهر له من عبد إتيان الزنا نقص من رزقه و عمره، و متى ظهر له التعفف عن الزنا زاد في رزقه و عمره.

 

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 128

و من ذلك قول الصادق عليه السلام: ما بدا لله كما بدا له في إسماعيل ابني، يقول:

ما ظهر له أمر كما ظهر له في إسماعيل إذ اخترمه قبلي، ليعلم بذلك أنه ليس بإمام بعدي.

و قال شيخ الطائفة عظم الله أجره في كتاب الغيبة بعد إيراد الأخبار المشتملة على البداء في قيام القائم عليه السلام: الوجه في هذه الأخبار- إن صحت- أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى قد وقت هذا الأمر في الأوقات التي ذكرت، فلما تجدد ما تجدد تغيرت المصلحة و اقتضت تأخيره إلى وقت آخر، و كذلك فيما بعد، و يكون الوقت الأول و كل وقت يجوز أن يؤخر مشروطا بأن لا يتجدد ما تقتضي المصلحة تأخيره إلى أن يجي‏ء الوقت الذي لا يغيره شي‏ء، فيكون محتوما.

و على هذا يتأول ما روي في تأخير الأعمار عن أوقاتها و الزيادة فيها عند الدعاء و صلة الأرحام، و ما روي في تنقيص الأعمار عن أوقاتها إلى ما قبله عند فعل الظلم و قطع الرحم و غير ذلك، و هو تعالى و إن كان عالما بالأمرين فلا يمتنع أن يكون أحدهما معلوما بشرط، و الآخر بلا شرط، و هذه الجملة لا خلاف فيها بين أهل العدل، و على هذا يتأول أيضا ما روي من أخبارنا المتضمنة للفظ البداء، و يبين أن معناها النسخ على ما يريده جميع أهل العدل، فيما يجوز فيه النسخ، أو تغير شروطها إن كان طريقها الخبر عن الكائنات، لأن البداء في اللغة هو الظهور، فلا يمتنع أن يظهر لنا من أفعال الله تعالى ما كنا نظن خلافه أو نعلم و لا نعلم شرطه.

فمن ذلك ما رواه سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: علي بن الحسين و علي بن أبي طالب قبله، و محمد بن علي، و جعفر بن محمد عليهم السلام: كيف لنا بالحديث مع هذه الآية:" يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ" فأما من قال بأن الله تعالى لا يعلم الشي‏ء إلا بعد كونه فقد كفر" انتهى".

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 129

و قد قيل فيه وجوه أخر:

الأول: ما ذكره السيد الداماد قدس الله روحه في نبراس الضياء حيث قال:

البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع، فما في الأمر التشريعي و الأحكام التكليفية نسخ فهو في الأمر التكويني و المكونات الزمانية بداء، فالنسخ كأنه بداء تشريعي، و البداء كأنه نسخ تكويني، و لا بداء في القضاء، و لا بالنسبة إلى جناب القدس الحق و المفارقات المحضة من ملائكته القدسية، و في متن الدهر الذي هو ظرف مطلق الحصول القار و الثبات البات و وعاء عالم الوجود كله، و إنما البداء في القدر و في امتداد الزمان الذي هو أفق التقضي و التجدد، و ظرف التدريج و التعاقب، و بالنسبة إلى الكائنات الزمانية، و من في عالم الزمان و المكان و إقليم المادة و الطبيعة و كما أن حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي و انقطاع استمراره لا رفعه و ارتفاعه عن وعاء الواقع، فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ انبتات استمرار الأمر التكويني و انتهاء اتصال الإفاضة، و مرجعه إلى تحديد زمان الكون و تخصيص وقت الإفاضة، لا أنه ارتفاع المعلول الكائن عن وقت كونه و بطلانه في حد حصوله" انتهى".

الثاني: ما ذكره بعض الأفاضل في شرحه على الكافي و تبعه غيره من معاصرينا:

و هو أن القوي المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة، لعدم تناهي تلك الأمور، بل إنما ينتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا و جملة فجملة مع أسبابها و عللها على نهج مستمر و نظام مستقر، فإن ما يحدث في عالم الكون و الفساد فإنما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخرة لله تعالى، و نتائج بركاتها فهي تعلم أنه كلما كان كذا كان كذا، فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه فينتقش فيها ذلك الحكم، و ربما تأخر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقية الأسباب لو لا ذلك السبب، و لم يحصل لها

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 130

العلم بتصدقه الذي سيأتي به قبل ذلك الوقت، لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب، ثم لما جاء أو أنه و اطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأول فيمحي عنها نقش الحكم السابق، و يثبت الحكم الآخر، مثلا لما حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا، الأسباب تقتضي ذلك و لم يحصل لها العلم بتصدقه الذي سيأتي به قبل ذلك الوقت، لعدم اطلاعها على أسباب التصدق بعد، ثم علمت به و كان موته بتلك الأسباب مشروطا بأن لا يتصدق، فتحكم أولا بالموت و ثانيا بالبرء، و إذا كانت الأسباب لوقوع أمر و لا وقوعه متكافئة، و لم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد، لعدم مجي‏ء أوان سبب ذلك الرجحان بعد، كان لها التردد في وقوع ذلك الأمر و لا وقوعه فينتقش فيها الوقوع تارة و اللاوقوع أخرى، فهذا هو السبب في البداء و المحو و الإثبات و التردد و أمثال ذلك في أمور العالم، فإذا اتصلت بتلك القوي نفس النبي أو الإمام عليهم السلام و قرأ فيها بعض تلك الأمور فله أن يخبر بما رآه بعين قلبه، أو شاهده بنور بصيرته، أو سمع بإذن قلبه، و أما نسبة ذلك كله إلى الله تعالى فلان كلما يجري في العالم الملكوتي إنما يجري بإرادة الله تعالى بل فعلهم بعينه فعل الله سبحانه، حيث إنهم لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون، إذ لا داعي لهم على الفعل إلا إرادة الله جل و عز لاستهلاك إرادتهم في إرادته تعالى، و مثلهم كمثل الحواس للإنسان، كلما هم بأمر محسوس امتثلت الحواس لما هم به، فكل كتابة تكون في هذه الألواح و الصحف فهو أيضا مكتوب لله عز و جل بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأول، فيصح أن يوصف الله عز و جل نفسه بأمثال ذلك بهذا الاعتبار، و إن كان مثل هذه الأمور يشعر بالتغير و النسوخ، و هو سبحانه منزه عنه، فإن كلما وجد أو سيوجد فهو غير خارج عن عالم ربوبيته.

الثالث: ما ذكره بعض المحققين حيث قال: تحقيق القول في البداء أن الأمور كلها عامها و خاصها و مطلقها و مقيدها و منسوخها و ناسخها و مفرداتها و مركباتها

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 131

و إخباراتها و إنشاءاتها، بحيث لا يشذ عنها شي‏ء منتقشة في اللوح، و الفائض منه على الملائكة و النفوس العلوية و النفوس السفلية قد يكون الأمر العام المطلق أو المنسوخ حسب ما تقتضيه الحكمة الكاملة من الفيضان في ذلك الوقت، و يتأخر المبين إلى وقت تقتضي الحكمة فيضانه فيه، و هذه النفوس العلوية و ما يشبهها يعبر عنها بكتاب المحو و الإثبات، و البداء عبارة عن هذا التغيير في ذلك الكتاب.

الرابع: ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه في جواب مسائل أهل الري، و هو أنه قال: المراد بالبداء النسخ، و ادعى أنه ليس بخارج عن معناه اللغوي.

أقول: هذا ما قيل في هذا الباب، و قد قيل فيه وجوه أخر لا طائل في إيرادها و الوجوه التي أوردناها بعضها بمعزل عن معنى البداء، و بينهما كما بين الأرض و السماء و بعضها مبتنية على مقدمات لم تثبت في الدين، بل ادعي على خلافها إجماع المسلمين و كلها يشتمل على تأويل نصوص كثيرة بلا ضرورة تدعو إليه، و تفصيل القول في كل منها يفضي إلى الإطناب، و لنذكر ما ظهر لنا من الآيات و الأخبار بحيث تدل عليه النصوص الصريحة، و لا تأبى عنه العقول الصحيحة.

فنقول و بالله التوفيق: إنهم عليهم السلام إنما بالغوا في البداء ردا على اليهود الذين يقولون إن الله قد فرغ من الأمر، و على النظام، و بعض المعتزلة الذين يقولون إن الله خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن، معادن و نباتا و حيوانا و إنسانا و لم يتقدم خلق آدم على خلق أولاده، و التقدم إنما يقع في ظهورها لا في حدوثها و وجودها، و إنما أخذوا هذه المقالة من أصحاب الكمون و الظهور من الفلاسفة، و على بعض الفلاسفة القائلين بالعقول و النفوس الفلكية، و بأن الله تعالى لم يؤثر حقيقة إلا في العقل الأول، فهم يعزلونه تعالى عن ملكه، و ينسبون الحوادث إلى هؤلاء، و على آخرين منهم قالوا: إن الله سبحانه أوجد جميع مخلوقاته دفعة واحدة دهرية لا ترتب فيها باعتبار الصدور، بل إنما ترتبها في الزمان فقط، كما أنه لا تترتب‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 132

الأجسام المجتمعة زمانا و إنما ترتبها في المكان فقط، فنفوا عليهم السلام كل ذلك و أثبتوا أنه تعالى كل يوم في شأن من إعدام شي‏ء و إحداث آخر و إماتة شخص و إحياء آخر إلى غير ذلك لئلا يترك العباد التضرع إلى الله و مسألته و طاعته و التقرب إليه بما يصلح أمور دنياهم و عقباهم، و ليرجوا عند التصدق على الفقراء و صلة الأرحام و بر الوالدين و المعروف و الإحسان ما وعدوا عليها من طول العمر و زيادة الرزق و غير ذلك.

ثم اعلم أن الآيات و الأخبار تدل على أن الله تعالى خلق لوحين أثبت فيهما ما يحدث من الكائنات: أحدهما اللوح المحفوظ الذي لا تغير فيه أصلا، و هو مطابق لعلمه تعالى، و الآخر لوح المحو و الإثبات فيثبت فيه شيئا ثم يمحوه لحكم كثيرة لا تخفى على أولي الألباب، مثلا يكتب فيه أن عمر زيد خمسون سنة و معناه أن مقتضى الحكمة أن يكون عمره كذا إذا لم يفعل ما يقتضي طوله أو قصره، فإذا وصل الرحم مثلا يمحى الخمسون و يكتب مكانه ستون، و إذا قطعها يكتب مكانه أربعون، و في اللوح المحفوظ أنه يصل و عمره ستون، كما أن الطبيب الحاذق إذا اطلع على مزاج شخص يحكم بأن عمره بحسب هذا المزاج يكون ستين سنة، فإذا شرب سما و مات أو قتله إنسان فنقص من ذلك، أو استعمل دواء قوي مزاجه به فزاد عليه لم يخالف قول الطبيب، و التغيير الواقع في هذا اللوح مسمى بالبداء، إما لأنه مشبه به كما في سائر ما يطلق عليه تعالى من الابتلاء و الاستهزاء و السخرية و أمثالها، أو لأنه يظهر للملائكة أو للخلق إذا أخبروا بالأول خلاف ما علموا أولا.

و أي استبعاد في تحقق هذين اللوحين؟ و أية استحالة في هذا المحو و الإثبات حتى يحتاج إلى التأويل و التكلف. و إن لم تظهر الحكمة فيه لنا لعجز عقولنا عن الإحاطة بها، مع أن الحكم فيه ظاهرة.

منها: أن يظهر للملائكة الكاتبين في اللوح و المطلعين عليه لطفه تعالى بعباده و إيصالهم في الدنيا إلى ما يستحقونه فيزدادوا به معرفة.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 133

و منها: أن يعلم العباد بأخبار الرسل و الحج عليهم السلام أن لأعمالهم الحسنة مثل هذه التأثيرات في صلاح أمورهم، و لأعمالهم السيئة تأثيرا في فسادها فيكون داعيا لهم إلى الخيرات، صارفا لهم عن السيئات، فظهر أن لهذا اللوح تقدما على اللوح المحفوظ من جهة، لصيرورته سببا لحصول بعض الأعمال، فبذلك انتقش في اللوح المحفوظ حصوله، فلا يتوهم أنه بعد ما كتب في هذا اللوح حصوله لا فائدة في المحو و الإثبات.

و منها: أنه إذا أخبر الأنبياء و الأوصياء أحيانا من كتاب المحو و الإثبات ثم أخبروا بخلافه يلزمهم الإذعان به، و يكون في ذلك تشديد للتكليف عليهم، و تسبيبا لمزيد الأجر لهم، كما في سائر ما يبتلي الله عباده به من التكاليف الشاقة، و إيراد الأمور التي تعجز أكثر العقول عن الإحاطة بها، و بها يمتاز المسلمون الذين فازوا بدرجات اليقين عن الضعفاء الذين ليس لهم قدم راسخ في الدين.

و منها: أن تكون هذه الأخبار تسلية لقوم من المؤمنين المنتظرين لفرج أولياء الله و غلبة الحق و أهله، كما روي في قصة نوح عليه السلام حين أخبروا بهلاك القوم ثم أخر ذلك مرارا.

و كما روي في فرج أهل البيت عليهم السلام و غلبتهم عليهم السلام، لأنهم عليهم السلام لو كانوا أخبروا الشيعة في أول ابتلائهم باستيلاء المخالفين و شدة محنتهم أنه ليس فرجهم إلا بعد ألف سنة أو ألفي سنة ليئسوا و رجعوا عن الدين، و لكنهم أخبروا شيعتهم بتعجيل الفرج، و ربما أخبروهم بأنه يمكن أن يحصل الفرج في بعض الأزمنة القريبة ليثبتوا على الدين و يثابوا بانتظار الفرج كما سيأتي في باب كراهية التوقيت من كتاب الحجة عن علي بن يقطين، قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة، قال: و قال يقطين لابنه علي بن يقطين: ما بالنا قيل لنا فكان، و قيل لكم فلم يكن؟ قال: فقال له علي: إن الذي قيل لنا و لكم كان من مخرج واحد غير

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 134

أن أمركم حضر فأعطيتم محضه فكان كما قيل لكم، و إن أمرنا لم يحضر فعللنا بالأماني، فلو قيل لنا إن هذا الأمر لا يكون إلا إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب و لرجع عامة الناس عن الإسلام و لكن قالوا ما أسرعه و ما أقربه تألفا لقلوب الناس و تقريبا للفرج.

و قد ذكرنا كثيرا من الأخبار في ذلك في كتاب بحار الأنوار في كتاب النبوة، لا سيما في أبواب قصص نوح و موسى و شعياء عليهم السلام، و في كتاب الغيبة.

فأخبارهم عليهم السلام بما يظهر خلافه ظاهرا من قبيل المجملات و المتشابهات التي تصدر عنهم بمقتضى الحكم، ثم يصدر عنهم بعد ذلك تفسيرها و بيانها، و قولهم يقع الأمر الفلاني في وقت كذا معناه إن كان كذا، و إن لم يقع الأمر الفلاني الذي ينافيه و لم يذكروا الشرط كما قالوا في النسخ قبل الفعل، و قد أوضحناه في باب ذبح إسماعيل عليه السلام من الكتاب المذكور.

فمعنى قولهم عليهم السلام: ما عبد الله بمثل البداء، أن الإيمان بالبداء من أعظم العبادات القلبية لصعوبته و معارضته الوساوس الشيطانية فيه، و لكونه إقرارا بأن له الخلق و الأمر، و هذا كمال التوحيد، أو المعنى أنه من أعظم الأسباب و الدواعي لعبادة الرب تعالى كما عرفت، و كذا قولهم ما عظم الله بمثل البداء يحتمل الوجهين و إن كان الأول فيه أظهر.

و أما قول الصادق عليه السلام: لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه، فلما مر أيضا من أن أكثر مصالح العباد موقوفة على القول بالبداء إذ لو اعتقدوا أن كل ما قدر في الأزل فلا بد من وقوعه حتما لما دعوا الله في شي‏ء من مطالبهم، و ما تضرعوا إليه و ما استكانوا لديه، و لا خافوا منه، و لا رجوا إليه إلى غير ذلك مما قد أومأنا إليه، و أما إن هذه الأمور من جملة الأسباب المقدرة في الأزل أن يقع الأمر بها لا بدونها فمما لا يصل إليه عقول أكثر الخلق، فظهر أن‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 135

هذا اللوح و علمهم بما يقع فيه من المحو و الإثبات أصلح لهم من كل شي‏ء.

بقي هيهنا إشكال آخر: و هو أنه يظهر من كثير من الأخبار أن البداء لا يقع فيما يصل علمه إلى الأنبياء و الأئمة عليهم السلام، و يظهر من كثير منها وقوع البداء فيما وصل إليهم أيضا و يمكن الجمع بينها بوجوه:

الأول: أن يكون المراد بالأخبار الأولة عدم وقوع البداء فيما وصل إليهم على سبيل التبليغ، بأن يؤمروا بتبليغه فيكون إخبارهم بها من قبل أنفسهم لا على وجه التبليغ.

الثاني: أن يكون المراد بالأولة الوحي و يكون ما يخبرون به من جهة الإلهام و اطلاع نفوسهم على الصحف السماوية و هذا قريب من الأول.

الثالث: أن تكون الأولة محمولة على الغالب فلا ينافي ما وقع على سبيل الندرة.

الرابع: ما أشار إليه الشيخ قدس الله روحه: من أن المراد بالأخبار الأولة عدم وصول الخبر إليهم و أخبارهم على سبيل الحتم، فيكون أخبارهم على قسمين:

" أحدهما" ما أوحي إليهم أنه من الأمور المحتومة، فهم يخبرون كذلك و لا بداء فيه.

" و ثانيهما" ما يوحى إليهم لا على هذا الوجه، فهم يخبرون كذلك، و ربما أشعروا أيضا باحتمال وقوع البداء فيه، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام بعد الإخبار بالسبعين" يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ" و هذا وجه قريب.

الخامس: أن يكون المراد بالأخبار الأولة أنهم لا يخبرون بشي‏ء لا يظهر وجه الحكمة فيه على الخلق، لئلا يوجب تكذيبهم بل لو أخبروا بشي‏ء من ذلك يظهر وجه الصدق فيما أخبروا به كخبر عيسى عليه السلام و النبي صلى الله عليه و آله حيث ظهرت الحية دالة على صدق مقالهما، و سيأتي بعض القول في ذلك في باب ليلة القدر إن شاء الله تعالى.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 136

 (الحديث الثاني)

 (1): مرسل.

قوله عليه السلام: ما عظم الله.

 (2) لأنه إثبات لقدرته و تدبيره و حكمته، و إذعان في أمر يأبى عنه العقول القاصرة و قد مر القول فيه.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 137

 (الحديث الثالث)

 (1): حسن.

" و هل يمحى إلا ما كان ثابتا"

 (2) استدل عليه السلام بهذه الآية على تحقق البداء بالمعنى المتقدم، بأن المحو يدل على أنه كان مثبتا في اللوح فمحي و أثبت خلافه، و كذا العكس، و يدل على أن جميع ذلك بمشيته سبحانه، و أكثر الأخبار يشمل النسخ أيضا فلا تغفل.

 (الحديث الرابع)

 (3): حسن.

قوله عليه السلام: الإقرار له بالعبودية،

 (4) أي بأن لا يدعو الربوبية كما يدعون لعيسى عليه السلام، و قيل: لا يخفى ما فيه من المبالغة في إثبات البداء بجعله ثالث الإقرار بالألوهية و التوحيد، و لعل ذلك لأن إنكاره يؤدي إلى إنكاره سبحانه خصوصا بالنسبة إلى الأنبياء عليهم السلام لأنه لقربهم من المبادئ كثيرا ما يفاض عليهم من كتاب المحو و الإثبات الثابت الذي سيمحى بعد، و عدم ثبوت ما سيثبت بعد، و الظاهر أن التقديم و التأخير بحسب الزمان في الحوادث، و يحتمل ما بحسب الرتبة أيضا، أو يقدمه يعني يوجده و يؤخره، أي يمحوه و لا يوجده.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 138

 (الحديث الخامس)

 (1): حسن أو موثق.

قوله تعالى:" قَضى‏ أَجَلًا".

 (2) قال الرازي في تفسيره: اختلف المفسرون في تفسير الأجلين على وجوه:

" الأول" أن المقضي آجال الماضين و المسمى عنده: آجال الباقين." الثاني" أن الأول أجل الموت و الثاني أجل القيامة لأن مدة حياتهم في الآخرة لا آخر لها.

" الثالث" أن الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، و الثاني ما بين الموت و البعث" الرابع" أن الأول النوم و الثاني الموت" الخامس" أن الأول مقدار ما انقضى من عمر كل أحد، و الثاني مقدار ما بقي من عمر كل أحد." السادس" و هو قول حكماء الإسلام: إن لكل إنسان أجلين أحدهما: الآجال الطبيعية، و الثاني الآجال الاخترامية، أما الآجال الطبيعية فهي التي لو بقي ذلك المزاج مصونا عن العوارض الخارجية لانتهت مدة بقائه إلى الوقت الفلاني، و أما الآجال الاخترامية فهي التي تحصل بالأسباب الخارجية كالغرق و الحرق و غيرهما من الأمور المنفصلة" انتهى".

و ما صدر من معدن الوحي و التنزيل مخالف لجميع ما ذكر، و موافق للحق، و الأجل المقضي هو المحتوم الموافق لعلمه سبحانه، و المسمى هو المكتوب في لوح المحو و الإثبات و يظهر من بعض الروايات العكس.

قوله عليه السلام: هما أجلان‏

 (3) أي متغايران‏

أجل محتوم،

 (4) أي مبرم محكم لا يتغير

و أجل موقوف‏

 (5) قبل التغير و البداء لتوقفه على حصول شرائط و ارتفاع موانع كما عرفت.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 139

 (الحديث السادس)

 (1): ضعيف و المراد بالخلق في الآية الأولى، إما التقدير أو الإيجاد و الأحداث العيني، و على الأول معناه قدرنا الإنسان أو وجوده، و لم يكن تقدير نوع الإنسان مسبوقا بكونه مقدرا أو مكونا في فرد، و على الثاني أوجدناه و لم يكن إيجاده مسبوقا بتقدير سابق أزلي، بل بتقدير كائن و لا مسبوقا بتكوين سابق،

و قوله: كان مقدرا غير مذكور

 (2) أي غير مذكور و مثبت في الكتاب الذي يقال له كتاب المحو و الإثبات، أو غير مذكور لما تحت اللوح المحفوظ، أو المراد غير موجود إذ الموجود مذكور عند الخلق، و الحاصل أنه يمكن أن يكون هذا إشارة إلى مرتبة متوسطة بين التقدير و الإيجاد، أو إلى الإيجاد، و لما كان هذا الخبر يدل على أصل التقدير في الألواح و مراتبه التي يقع فيها البداء، ذكره المصنف في هذا الباب.

 (الحديث السابع)

 (3): مجهول كالصحيح.

" فما علمه ملائكته"

 (4) أي على سبيل الوحي أو الحتم أو التبليغ أو غالبا كما مر

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 140

تفصيله‏

" يقدم منه ما يشاء"

 (1) أي من العلم المخزون و بسببه يقدم و يؤخر ما يشاء في كتاب المحو و الإثبات، إذ هذا التغيير مسبوق بعلمه ذلك، و إثباته في اللوح المحفوظ

 (الحديث الثامن)

 (2): مجهول كالصحيح.

" أمور موقوفة عند الله"

 (3) أي مكتوبة في لوح المحو و الإثبات موقوفة على شرائط يحتمل تغييرها.

 (الحديث التاسع)

 (4): مجهول.

" من ذلك يكون البداء"

 (5) أي بسبب ذلك العلم يحصل البداء في كتاب المحو.

 (الحديث العاشر)

 (6): صحيح.

 (الحديث الحادي عشر)

 (7): مجهول.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 141

 (الحديث الثاني عشر)

 (1): صحيح‏

" فأخزاه الله"

 (2) ظاهره الدعاء، و يحتمل الإخبار أي أخزاه الله و منع لطفه منه بسوء اختياره حتى قال بهذا القول، و يدل الخبر على حدوث العالم.

 (الحديث الثالث عشر)

 (3): مجهول‏

" ما في القول بالبداء"

 (4) أي الاعتقاد به و إظهاره و إنشاؤه من الأجر و الفوائد

" ما فتروا"

 (5) و لم يمسكوا عن الكلام فيه، لأنه مناط الخوف و الرجاء، و الباعث على التضرع و الدعاء و السعي في أمور المعاش و المعاد و العلم بتصرف رب العباد و تدبيره في عالم الكون و الفساد.

 (الحديث الرابع عشر)

 (6): مرسل‏

" ما تنبأ نبي"

 (7) أي لم يصر نبيا

" و المشية"

 (8) أي أن الأشياء تحصل بمشيته‏

" و السجود"

 (9) أي استحقاقه للعبادة، و اختصاصه بها، أو أنه يسجد له ما في السماوات و الأرض و ينقاد له، و قدرته نافذة في الجميع‏

" و العبودية"

 (10) أي بأن لا يدعي ما ينافي العبودية، أو باختصاص العبودية و العبادة له، فيكون تعميما بعد التخصيص، أو التوحيد و نفي الشريك‏

" و الطاعة"

 (11) أي في جميع الأوامر و النواهي و هو ناظر إلى العصمة.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 142

 (الحديث الخامس عشر)

 (1): مرسل‏

" و استثنى عليه"

 (2) أي بأن قال إلا بأن أريد غيره أو أمحوه، و الحاصل أنه ميز له المحتوم و غيره، و هذا يؤيد أحد الوجوه المتقدمة في الجمع بين الأخبار.

 (الحديث السادس عشر)

 (3): حسن، و يدل على تحريم الخمر في جميع الشرائع و لا ينافي كونها في أول بعض الشرائع حلالا، ثم نزل تحريمها كما يدل عليه بعض الأخبار.

 (الحديث السابع عشر)

 (4): ضعيف، و هو من غوامض الأخبار و متشابهاتها و لعله إشارة إلى اختلاف مراتب تقدير الأشياء في الألواح السماوية أو اختلاف مراتب تسبب أسبابها إلى وقت حصولها.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 143

قوله عليه السلام: قبل تفصيلها و توصيلها،

 (1) أي من لوح المحو و الإثبات أو في الخارج.

قوله عليه السلام: فإذا وقع العين المفهوم المدرك،

 (2) أي فصل و ميز في اللوح أو أوجد في الخارج، و لعل تلك الأمور عبارة عن اختلاف مراتب تقديرها في لوح المحو و الإثبات، و قد جعلها الله من أسباب وجود الشي‏ء و شرائطه لمصالح، كما قد مر بيانها، فالمشية كتابة وجود زيد و بعض صفاته مثلا مجملا، و الإرادة كتابة العزم عليه بتة مع كتابة بعض صفاته أيضا، و التقدير تفصيل بعض صفاته و أحواله، لكن مع نوع من الإجمال أيضا، و القضاء تفصيل جميع الأحوال و هو مقارن للإمضاء، أي الفعل و الإيجاد و العلم بجميع تلك الأمور أزلي قديم،

فقوله" بالمشية عرف"

 (3) على صيغة التفعيل، و شرح العلل كناية عن الإيجاد.

و قال بعض الأفاضل: الظاهر من السؤال أنه كيف علم الله، أ بعلم مستند إلى الحضور العيني و الشهود في وقته لموجود عيني أو في موجود عيني كما في علومنا، أو بعلم مستند إلى الذات، سابق على خلق الأشياء، فأجاب عليه السلام بأن العلم سابق على وجود المخلوق بمراتب، فقال: علم و شاء و أراد و قدر و قضاء، و أمضى، فالعلم ما به ينكشف الشي‏ء و المشية ملاحظته بأحوال مرغوب فيها يوجب فينا ميلا دون المشية

 

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 144

له سبحانه لتعاليه عن التغير و الاتصاف بالصفة الزائدة، و الإرادة تحريك الأسباب نحوه، و بحركة نفسانية فينا بخلاف الإرادة فيه سبحانه، و القدر: التحديد و تعيين الحدود و الأوقات، و القضاء: هو الإيجاب، و الإمضاء هو الإيجاد، فوجود الخلق بعد علمه سبحانه بهذه المراتب‏

و قوله: فأمضى ما قضى،

 (1) أي فأوجد ما أوجب و أوجب ما قدر، و قدر ما أراد، ثم استأنف البيان على وجه أوضح‏

فقال: بعلمه كانت المشية

 (2) و هي مسبوقة بالعلم،

و بمشيته كانت الإرادة

 (3) و هي مسبوقة بالمشية،

و بإرادته كان التقدير

 (4) و التقدير مسبوق بالإرادة،

و بتقديره كان القضاء

 (5) و الإيجاب و هو مسبوق بالتقدير، إذ لا إيجاب إلا للمحدد و الموقوت بقضائه و إيجابه كان الإمضاء و الإيجاد، و لله تعالى البداء فيما علم متى شاء، فإن الدخول في العلم أول مراتب السلوك إلى الوجود العيني،

و له البداء فيما علم متى شاء

 (6) أن يبدو، و فيما أراد و حرك الأسباب نحو تحريكه متى شاء قبل القضاء و الإيجاب، فإذا وقع القضاء و الإيجاب متلبسا بالإمضاء و الإيجاد فلا بداء فعلم أن في العلوم العلم قبل كون المعلوم و حصوله في الأذهان و الأعيان، و في المشاء المشية قبل عينه و وجوده العيني.

و في أكثر النسخ المنشأ و لعل المراد الإنشاء قبل الإظهار كما في آخر الحديث و في المراد الإرادة قبل قيامه، و التقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها و حضورها العيني في أوقاتها و القضاء بالإمضاء هو المبرم الذي يلزمه وجود المقتضي.

و قوله: من المعقولات، يحتمل تعلقه بالمبرم و يكون قوله ذوات الأجسام ابتداء الكلام، و يحتمل كونه من الكلام المستأنف و تعلقه بما بعده، و المعنى أن هذه الأشياء المحدثة لله فيه البداء قبل وقوع أعيانها، فإذا وقع العيني فلا بداء فبالعلم علم الأشياء قبل كونها و حصولها، و أصل العلم غير مرتبط بنحو من الحصول للمعلوم و لو في غيره بصورته المتجددة، و لا يوجب نفس العلم و الانكشاف بما هو علم، و انكشاف الأشياء إنشاؤها و بالمشية و معرفتها بصفاتها و حدودها إنشائها إنشاء قبل الإظهار، و الإدخال‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 145

في الوجود العيني و بالإرادة و تحريك الأسباب نحو وجودها العيني ميز بعضها عن بعض بتخصيص تحريك الأسباب نحو وجود بعض دون بعض، و بالتقدير قدرها و عين و حدد أقواتها و أوقاتها و آجالها، و بالقضاء و إيجابها بموجباتها أظهر للناس أماكنها و دلهم عليها بدلائلها، فاهتدوا إلى العلم بوجودها حسب ما يوجبه الموجب بعد العلم بالموجب، و بالإمضاء و الإيجاد أوضح تفصيل عللها و أبان أمرها بأعيانها، و ذلك تقدير العزيز العليم، فبالعليم أشار إلى مرتبة أصل العلم، و بالعزيز إلى مرتبة المشية و الإرادة و بإضافة التقدير إلى العزيز العليم إلى تأخره عن العز بالمشية و الإرادة اللتين يغلب بهما على جميع الأشياء، و لا يغلبه فيهما أحد مما سواه و بتوسيط العزيز بين التقدير و العلم إلى تأخره عن مرتبة العلم، و تقدم مرتبة العلم عليه، كتقدمه على التقدير.

و قال بعضهم: أشار عليه السلام بقوله إلى ستة مراتب بعضها مترتب على بعض:

أولها: العلم لأنه المبدأ الأول لجميع الأفعال الاختيارية، فإن الفاعل المختار لا يصدر عنه فعل إلا بعد القصد و الإرادة، و لا يصدر عنه القصد و الإرادة إلا بعد تصور ما يدعوه إلى ذلك الميل و تلك الإرادة و التصديق به تصديقا جازما أو ظنا راجحا، فالعلم مبدء مبادئ الأفعال الاختيارية، و المراد به هنا هو العلم الأزلي الذاتي الإلهي أو القضائي المحفوظ عن التغير فينبعث منه ما بعده، و أشار إليه بقوله: علم، أي دائما من غير تبدل.

و ثانيها: المشية، و المراد بها مطلق الإرادة، سواء بلغت حد العزم و الإجماع أم لا، و قد تنفك المشية فينا عن الإرادة الحادثة.

و ثالثها: الإرادة و هي العزم على الفعل أو الترك بعد تصوره و تصور الغاية المترتبة عليه من خير أو نفع أو لذة، لكن الله بري‏ء عن أن يفعل لأجل غرض يعود إلى ذاته.

و رابعها: التقدير فإن الفاعل لفعل جزئي من أفراد طبيعة واحدة مشتركة، إذا عزم على تكوينه في الخارج كما إذا عزم الإنسان على بناء بيت، فلا بد قبل الشروع‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 146

أن يعين مكانه الذي يبنى عليه، و زمانه الذي يشرع فيه، و مقداره الذي يكونه عليه من كبر أو صغر أو طول أو عرض، و شكله و وضعه و لونه و غير ذلك من صفاته و أحواله و هذه كلها داخلة في التقدير.

و خامسها: القضاء و المراد منه هنا إيجاب الفعل و اقتضاء الفعل من القوة الفاعلة المباشرة، فإن الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد، و هذه القوة الموجبة لوقوع الفعل منا هي القوة التي تقوم في العضلة و العصب من العضو الذي توقع القوة الفاعلة فيها قبضا و تشنيجا، أو بسطا و إرخاء أو لا، فيتبعه حركة العضو فتتبعه صورة الفعل في الخارج من كتابة أو بناء أو غيرهما، و الفرق بين هذا الإيجاب و بين وجود الفعل في العين كالفرق بين الميل الذي في المتحرك و بين حركته، و قد ينفك الميل عن الحركة كما تحس يدك من الحجر المسكن باليد في الهواء، و معنى هذا الإيجاب و الميل من القوة المحركة أنه لو لا هناك اتفاق مانع أو دافع من خارج، لوقعت الحركة ضرورة، إذ لم يبق من جانب الفاعل شي‏ء منتظر، فقوله: و قضى، إشارة إلى هذا الاقتضاء و الإيجاب الذي ذكرنا أنه لا بد من تحققه قبل الفعل قبلية بالذات لا بالزمان، إلا أن يدفعه دافع من خارج، و ليس المراد منه القضاء الأزلي لأنه نفس العلم، و مرتبة العلم قبل المشية و الإرادة و التقدير.

و سادسها: نفس الإيجاد و هو أيضا متقدم على وجود الشي‏ء المقدر في الخارج و لهذا يعده أهل العلم و التحقيق من المراتب السابقة على وجود الممكن في الخارج فيقال: أوجب فوجب، فأوجد فوجد، ثم أراد عليه السلام الإشارة إلى الترتيب الذاتي بين هذه الأمور، لأن العطف بالواو سابقا لم يفد الترتيب فقال: فأمضى ما قضى، و لما لم يكن أيضا صريحا في الترتيب صرح بإيراد باء السببية فقال: فبعلمه كانت المشية" إلخ" ثم لما كانت الباء أيضا محتملة للتلبس و المصاحبة و غيرهما، زاد في‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 147

التصريح فقال: و العلم متقدم المشية أي عليها.

و قوله: و التقدير واقع على القضاء بالإمضاء،

 (1) أراد به أن التقدير واقع على القضاء الجزئي بإمضائه و إيقاع مقتضاه في الخارج، ثم بين عليه السلام أن البداء لا يقع في العلم الأزلي و لا في المشية و الإرادة الأزليتين و لا بعد تحقق الفعل بالإمضاء، بل لله البداء في عالم التقدير الجزئي و في لوح المحو و الإثبات، ثم أراد أن يبين أن لهذه الموجودات الواقعة في الأكوان المادية لها ضرب من الوجود و التحقق في عالم القضاء الإلهي قبل عالم التقدير التفصيلي، فقال: فالعلم في المعلوم لأن العلم و هو صورة الشي‏ء مجردة عن المادة، نسبته إلى المعلوم به نسبة الوجود إلى المهية الموجودة فكل علم في معلومه بل العلم و المعلوم متحدان بالذات، متغايران بالاعتبار، و كذلك حكم قوله: و المشية في المشاء، و الإرادة في المراد قبل قيامه، أي قبل قيام المراد قياما خارجيا

و قوله: و التقدير لهذه المعلومات،

 (2) يعني أن هذه الأنواع الطبيعية و الطبائع الجسمانية التي بينا موجودة في علم الله الأزلي، و مشيته و إرادته السابقتين على تقديرها و إثباتها في الألواح القدرية و الكتب السماوية، فإن وجودها القدري أيضا قبل وجودها الكوني. في موادها السفلية عند تمام استعداداتها و حصول شرائطها و معداتها و إنما يمكن ذلك بتعاقب أفراد و تكثر أشخاص فيما لا يمكن استبقاؤه إلا بالنوع دون العدد، و لا يتصور ذلك إلا فيما يقبل التفصيل و التركيب و التفريق و التمزيج فأشار بتفصيلها إلى كثرة أفرادها الشخصية و بتوصيلها إلى تركبها من العناصر المختلفة و أراد بقوله: عيانا و وقتا، وجودها الخارجي الكوني الذي يدركه الحس الظاهري فيه عيانا.

و قوله: و القضاء بالإمضاء،

 (3) يعني أن الذي وقع فيه إيجاب ما سبق في عالم التقدير جزئيا أو في عالم العلم الأزلي كليا بإمضائه هو الشي‏ء المبرم الشديد من جملة المفعولات‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 148

كالجواهر العلوية و الأشخاص الكريمة و غير ذلك من الأمور الكونية التي يعتني لوجودها من قبل المبادئ العلوية، ثم شرح المفعولات التي تقع في عالم الكون التي منها المبرم و منها غير المبرم، القابل للبداء قبل التحقق و للنسخ بعده و بين أحوالها و أوصافها، فقال: ذوات الأجسام، يعني أن صورها الكونية ذوات أجسام و مقادير طويلة عريضة عميقة، لا كما كانت في العالم العقلي صورا مفارقة عن المواد و الأبعاد، ثم لم يكتف بكونها ذوات أجسام لأن الصورة التي في عالم التقدير العلمي أيضا ذوات أبعاد مجردة عن المواد بل قيدها بالمدركات بالحواس من ذوي لون و ريح و هما من الكيفيات المحسوسة.

و بقوله: ما دب و درج،

 (1) أي قبل الحركة، و هي نفس الانفعالات المادية لتخرج بهذه القيود الصور المفارقة سواء كانت عقلية كلية أو إدراكية جزئية.

ثم أورد لتوضيح ما أفاده من صفة الصور الكونية التي في هذا العالم الأسفل أمثلة جزئية بقوله: من إنس و جن و طير و سباع و غير ذلك مما يدرك بالحواس، ثم كر راجعا إلى ما ذكره سابقا من أن البداء لا يكون إلا قبل الوقوع في الكون الخارجي بل إنما يقع في عالم التقدير تأكيدا بقوله: فلله تبارك و تعالى فيه البداء، أي فيما من شأنه أن يدرك بالحواس و لكن عند ما لم يوجد عينه الكوني فأما إذا وقع فلا بداء.

و قوله: و الله يفعل ما يشاء،

 (2) أي يفعل في عالم التكوين ما يشاء في عالم التصوير و التقدير، ثم استأنف كلاما في توضيح تلك المراتب بقوله: فبالعلم علم الأشياء، أي علما عاما أزليا ذاتيا إليها أو عقليا قضائيا قبل كونها في عالمي التقدير و التكوين و بالمشية عرف صفاتها الكلية و حدودها الذاتية و صورها العقلية، فإن المشية متضمنة للعلم بالمشي‏ء قبل وجوده في الخارج، بل المشية إنشاء للشي‏ء إنشاء علميا كما أن الفعل إنشاء له إنشاء كونيا،

و لذا قال: و إنشاؤها قبل إظهارها

 (3) أي في الخارج على المدارك الحسية،

و بالإرادة ميز أنفسها،

 (4) لأن الإرادة كما مر هي العزم التام على‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 149

الفعل بواسطة صفة مرجحة ترجح أصل وجوده أو نحوا من أنحاء وجوده فيها يتميز الشي‏ء في نفسه فضل تميز لم يكن قبل الإرادة

" و بالتقدير قدر أقواتها"

 (1) لأنه قد مر أن التقدير عبارة عن تصوير الأشياء المعلومة أولا على الوجه العقلي الكلي جزئية مقدرة بإقدار معينة متشكلة بإشكال و هيئات شخصية مقارنة لأوقات مخصوصة على الوجه الذي يظهر في الخارج قبل إظهارها و إيجادها.

قوله: و بالقضاء،

 (2) و هو إيجابه تعالى لوجودها الكوني‏

" أبان للناس أماكنها"

 (3) و دلهم عليها لأن الأمكنة و الجهات و الأوضاع مما لا يمكن ظهورها على الحواس البشرية إلا عند حصولها الخارجي في موادها الكونية الوضعية، و ذلك لا يكون إلا بالإيجاب و الإيجاد الذين عبر عنهما بالقضاء و الإمضاء كما قال" و بالإمضاء" و هو إيجادها في الخارج" شرح" أي فصل عللها الكوني‏

" و أبان أمرها"

 (4) أي أظهر وجودها على الحواس الظاهرة

" و ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ"

 (5) أي و ذلك الشرح و التفصيل و الإبانة و الإظهار صورة تقدير الله العزيز الذي علم الأشياء قبل تقديرها في لوح القدر، و قبل تكوينها في مادة الكون.

هذا ما ذكره كل على آرائهم و أصولهم و لعل رد علم هذه الأخبار على تقدير صحتها إلى من صدرت عنه أحوط و أولى، و قد سبق منا ما يوافق فهمنا، و الله الهادي إلى الحق المبين.

باب في أنه لا يكون شي‏ء في السماء و الأرض إلا بسبعة

 (6)

 (الحديث الأول)

 (7): مجهول بسنديه.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 150

و يمكن حمل الخصال السبع على اختلاف مراتب التقدير في الألواح السماوية أو اختلاف مراتب تسبب الأسباب السماوية و الأرضية أو يكون بعضها في الأمور التكوينية و بعضها في الأحكام التكليفية، أو كلها في الأمور التكوينية،

فالمشية

 (1) و هي العزم‏

و الإرادة

 (2) و هي تأكدها في الأمور التكوينية ظاهرتان، و أما في التكليفية فلعل عدم تعلق الإرادة الحتمية بالترك عبر عنه بإرادة الفعل مجازا.

و الحاصل أن الإرادة متعلقة بالأشياء كلها لكن تعلقها بها على وجوه مختلفة، إذ تعلقها بأفعال نفسه سبحانه بمعنى إيجادها و الرضا بها، و بطاعات العباد بمعنى إرادة وجودها و الرضا بها، أو الأمر بها، و بالمباحات بمعنى الرخصة بها، و بالمعاصي إرادة أن لا يمنع منها بالجبر لتحقق الابتلاء و التكليف، كما قال تعالى:" وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا" أو يقال تعلقها بأفعال العباد على سبيل التجوز باعتبار إيجاد الآلة و القدرة عليها، و عدم المنع منها، فكأنه أرادها، و ربما تأول الإرادة بالعلم و هو بعيد،

و بالقدر

 (3) تقدير الموجودات طولا و عرضا وكيلا و وزنا و حدا و وصفا و كما و كيفا،

و بالقضاء:

 (4) الحكم عليها بالثواب و العقاب، أو تسبب أسبابه البعيدة كما مر.

و المراد بالإذن‏

 (5) أما العلم أو الأمر في الطاعات، أو رفع الموانع‏

و بالكتاب‏

 (6) الكتابة في الألواح السماوية أو الفرض و الإيجاب كما قال تعالى:" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ"" و كَتَبَ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ

" و بالأجل:

 (7) الأمد المعين و الوقت المقدر عنده تعالى،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 151

و قيل: المراد بالمشية القدرة و هي كون الفاعل بحيث إن شاء فعل، و إن لم يشأ لم يفعل و بالقدر تعلق الإرادة و بالقضاء الإيجاد، و بالإذن دفع المانع، و بالكتاب العلم و بالأجل وقت حدوث الحوادث، و الترتيب غير مقصود، إذ العلم مقدم على الكل بل المقصود أن هذه الأمور مما يتوقف عليه الحوادث.

 (الحديث الثاني)

 (1): مجهول.

قوله: أورد،

 (2) الترديد من الراوي.

فائدة:

قال العلامة قدس الله روحه في شرحه على التجريد: يطلق القضاء على الخلق و الإتمام قال الله تعالى:" فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ" أي خلقهن و أتمهن و على الحكم و الإيجاب كقوله تعالى:" وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ" أي أوجب و ألزم، و على الإعلام و الأخبار كقوله تعالى" وَ قَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ" أي أعلمناهم و أخبرناهم، و يطلق القدر على الخلق كقوله تعالى:

" وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها" و الكتابة كقول الشاعر:

         و اعلم بأن ذا الجلال قد قدر             في الصحف الأولى التي كان سطر

 

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 152

و البيان كقوله تعالى:" إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ" أي بينا و أخبرنا بذلك.

إذا ظهر هذا فنقول للأشعري: ما تعني بقولك أنه تعالى قضى أعمال العباد و قدرها؟ إن أردت به الخلق و الإيجاد فقد بينا بطلانه، و أن الأفعال مستندة إلينا و إن عنى به الإلزام لم يصح إلا في الواجب خاصة، و إن عنى به أنه تعالى بينها و كتبها و علم أنهم سيفعلونها فهو صحيح لأنه تعالى قد كتب ذلك أجمع في اللوح المحفوظ و بينه لملائكته، و هذا المعنى الأخير هو المتعين للإجماع على وجوب الرضا بقضاء الله تعالى و قدره، و لا يجوز الرضا بالكفر و غيره من القبائح و لا ينفعهم الاعتذار بوجوب الرضا به من حيث إنه فعله، و عدم الرضا به من حيث الكسب، لبطلان الكسب أولا، و ثانيا نقول: إن كان الكفر كسبا بقضائه تعالى و قدره وجب الرضا به من حيث هو كسب و هو خلاف قولكم، و إن لم يكن بقضاء و قدر بطل إسناد الكائنات بأجمعها إلى القضاء و القدر" انتهى".

و قال شارح المواقف: اعلم أن قضاء الله عند الأشاعرة هو إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال، و قدره إيجاده إياها على وجه مخصوص و تقدير معين في ذواتها و أحوالها، و أما عند الفلاسفة فالقضاء عبارة عن علمه بما ينبغي أن يكون عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام و أكمل الانتظام، و هو المسمى عندهم بالعناية التي هي مبدء لفيضان الموجودات من حيث جملتها على أحسن الوجوه و أكملها، و القدر عبارة عن خروجها إلى الوجود العيني بأسبابها على الوجه الذي تقرر في القضاء، و المعتزلة ينكرون القضاء و القدر في الأفعال الاختيارية الصادرة عن العباد، و يثبتون علمه تعالى بهذه الأفعال و لا يسندون وجودها إلى ذلك العلم بل إلى اختيار العباد و قدرتهم" انتهى".

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 153

و قال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الغرر و الدرر: إن قال قائل: ما تأويل قوله تعالى:" وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ" فظاهر الكلام يدل على أن الإيمان إنما كان لهم فعله بإذنه و أمره و ليس هذا مذهبكم فإن حمل الإذن ههنا على الإرادة اقتضى أن من لم يقع منه الإيمان لم يرده الله تعالى منه، و هذا أيضا بخلاف قولكم: ثم جعل الرجس الذي هو العذاب على الذين لا يعقلون، و من كان فاقدا عقله لا يكون مكلفا فكيف يستحق العذاب و هذا بالضد من الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه و آله: أنه قال: أكثر أهل الجنة البله.

يقال له: في قوله: إلا بإذن الله وجوه:

" منها" أن يكون الإذن الأمر، و يكون معنى الكلام أن الإيمان لا يقع من أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه و يأمر به، و لا يكون معناه ما ظنه السائل من أنه لا يكون للفاعل فعله إلا بإذنه، و يجري هذا مجرى قوله تعالى:" وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ" و معلوم أن معنى قوله ليس لها في هذه الآية هو ما ذكرناه و إن كان الأشبه في الآية التي فيها ذكر الموت أن يكون المراد بالإذن العلم.

و منها: أن يكون هو التوفيق و التيسير و التسهيل، و لا شبهة في أن الله تعالى يوفق لفعل الإيمان و يلطف فيه و يسهل السبيل إليه.

و منها: أن يكون الإذن العلم من قولهم أذنت لكذا و كذا إذا سمعته و علمته، و آذنت فلانا بكذا و كذا إذا أعلمته، فتكون فائدة الآية الأخبار عن علمه تعالى بسائر الكائنات، و أنه ممن لا تخفى عليه الخفيات، و قد أنكر بعض من لا بصيرة له أن يكون الإذن بكسر الألف و تسكين الذال عبارة عن العلم، و زعم أن الذي هو العلم‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 154

الإذن بالتحريك، و استشهد بقول الشاعر:" إن همي في سماع و أذن" و ليس الأمر على ما توهمه هذا المتوهم، لأن الإذن هو المصدر، و الإذن هو اسم الفعل، و يجري مجرى الحذر في أنه مصدر، و الحذر بالتسكين الاسم على أنه لو لم يكن مسموعا إلا الإذن بالتحريك لجاز التسكين، مثل مثل و مثل و شبه و شبه و نظائر ذلك كثيرة.

و منها: أن يكون الإذن العلم و معناه إعلام الله المكلفين بفضل الإيمان و ما يدعو إلى فعله فيكون معنى الآية: و ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإعلام الله تعالى لها ما يبعثها على الإيمان، و يدعوها إلى فعله، فأما ظن السائل دخول الإرادة في محتمل اللفظ فباطل، لأن الإذن لا يحتمل الإرادة في اللغة، و لو احتملها أيضا لم يجب ما توهمه لأنه إذا قال أن الإيمان لم يقع إلا و أنا مريد له لم ينف أن يكون مريدا لما لم يقع و ليس في صريح الكلام و لا في دليله شي‏ء من ذلك.

فأما قوله تعالى:" وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ" فلم يعن به الناقصي العقول، و إنما أراد تعالى الذين لم يعقلوا و يعلموا ما وجب عليهم علمه من معرفة خالقهم تعالى و الاعتراف بنبوة رسله عليهم السلام و الانقياد إلى طاعتهم و وصفهم بأنهم لا يعقلون تشبيها، كما قال تعالى:" صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ" و كما يصف أحدنا من لم يفطن لبعض الأمور أو لم يعلم ما هو مأمور بعلمه بالجنون و فقد العقل، فأما الحديث الذي أورده السائل شاهدا له فقد قيل فيه: إنه صلى الله عليه و آله لم يرد بالبله ذوي الغفلة و النقص و الجنون و إنما أراد البله عن الشر و القبيح، و سماهم بلهاء عن ذلك من حيث لا يستعملونه و لا يعتادونه لا من حيث فقد العلم به، و وجه تشبيه من هذه حاله بالأبله ظاهر.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 155

باب المشية و الإرادة

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): ضعيف، و رواه البرقي في المحاسن بسند صحيح هكذا: حدثني أبي عن يونس عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت: لا يكون إلا ما شاء الله و أراد و قضى فقال: لا يكون إلا ما شاء الله و أراد و قدر و قضى، قلت: فما معنى شاء؟ قال:

ابتداء الفعل قلت: فما معنى أراد؟ قال: الثبوت عليه، قلت: فما معنى قدر؟ إلى آخر الخبر و لعله سقط الإرادة من الكتاب.

و قوله عليه السلام: ابتداء الفعل،

 (3) أي أول الكتابة في اللوح، أو أول ما يحصل من جانب الفاعل و يصدر عنه مما يؤدي إلى وجود المعلول، و على ما في المحاسن يدل على أن الإرادة تأكد المشية، و في الله سبحانه يكون عبارة عن الكتابة في الألواح و تسبيب أسباب وجوده،

و قوله: تقدير الشي‏ء،

 (4) أي تعيين خصوصياته في اللوح أو تسبيب بعض الأسباب المؤدية إلى تعيين المعلول و تحديده و خصوصياته‏

" و إذا قضاه أمضاه"

 (5) أي إذا أوجبه باستكمال شرائط وجوده و جميع ما يتوقف عليه المعلول أوجده‏

" و ذلك الذي لا مرد له"

 (6) لاستحالة تخلف المعلول عن الموجب التام كذا قيل.

 (الحديث الثاني)

 (7): موثق كالصحيح.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 156

قوله عليه السلام: هكذا خرج إلينا،

 (1) أي هكذا وصل إلينا من النبي و آبائنا الأئمة صلوات الله عليهم، و لما كان فهمه يحتاج إلى لطف قريحة، و كانت الحكمة تقتضي عدم بيانه للسائل اكتفى عليه السلام ببيان المأخذ النقلي عن التبيين العقلي.

و كلامه عليه السلام يحتمل وجوها:

الأول: أن يكون المراد بالقضاء و القدر و المشية و الإرادة فيما يتعلق بأفعال العباد علمه سبحانه بوقوع الفعل و ثبته في الألواح السماوية و شي‏ء منها لا يصير سببا للفعل و أما المحبة فهو أمره سبحانه بالشي‏ء و إثابته عليه، فهو سبحانه لا يأمر بالمعاصي و لا يثيب عليها فصح إثبات القضاء و أخوانها مع نفي المحبة.

الثاني: أن يقال لما كانت المشية و الإرادة و تعلقهما بإيقاع الفعل في الإنسان مقارنا لمحبته و شوقه و ميل قلبه إلى ذلك، توهم السائل أن له سبحانه صفة زائدة على ما ذكره، و هي المحبة و الشوق و ميل القلب، أجاب عليه السلام بأنه ليس له تعالى محبة بل إسنادها إليه مجاز، و هي كناية عن أمره أو عدم نهيه أو ثوابه و مدحه.

الثالث: ما قيل: أن عدم المنافاة بين تعلق الإرادة و المشية بشي‏ء و إن لا يحبه لأن تعلق المشية و الإرادة بما لا يحبه بتعلقهما بوقوع ما يتعلق به إرادة العباد بإرادتهم و ترتبه عليها، فتعلقهما بالذات بكونهم قادرين مريدين لأفعالهم و ترتبها على إرادتهم و تعلقها بما هو مرادهم بالتبع و لا حجر في كون متعلقهما بالتبع شرا غير محبوب له، فإن دخول الشر و ما لا يحبه في متعلق إرادته بالعرض جائز فإن كل من تعلق مشيته و إرادته بخير و علم لزوم شر له شرية لا تقاوم خيريته تعلقتا بذلك الشر بالعرض و بالتبع و ذلك التعلق بالتبع لا ينافي أن يكون المريد خيرا محضا، و لا يتصف بكونه شريرا و محبا للشر، و سيأتي مزيد تحقيق لذلك في شرح الأخبار الآتية.

 

 

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 157

 (الحديث الثالث)

 (1): مجهول.

قوله عليه السلام: و شاء أن لا يسجد.

 (2) أقول: توجيه تلك الأخبار على أصول العدلية لا يخلو من صعوبة و قد يوجه بوجوه:

الأول: حملها على التقية لكونها موافقة لأصول الجبرية و أكثر المخالفين منهم و يؤيده ما رواه الصدوق في العيون و التوحيد بإسناده عن الحسين بن خالد قال:

قلت للرضا عليه السلام: يا بن رسول الله إن الناس ينسبوننا إلى القول بالتشبيه و الجبر لما روي من الأخبار في ذلك من آبائك الأئمة عليهم السلام؟ فقال: يا بن خالد أخبرني عن الأخبار التي رويت عن آبائي الأئمة عليهم السلام في التشبيه أكثر أم الأخبار التي رويت عن النبي صلى الله عليه و آله في ذلك؟ فقلت: بل ما روي عن النبي صلى الله عليه و آله في ذلك أكثر، قال:

فليقولوا إن رسول الله صلى الله عليه و آله كان يقول بالتشبيه و الجبر إذا؟ قلت له: إنهم يقولون إن رسول الله صلى الله عليه و آله لم يقل من ذلك شيئا، و إنما روي عليه، قال عليه السلام: فليقولوا في آبائي عليهم السلام إنهم لم يقولوا من ذلك شيئا، و إنما روي عليهم، ثم قال عليه السلام:

من قال بالتشبيه و الجبر فهو كافر مشرك، و نحن منه براء في الدنيا و الآخرة، يا بن خالد إنما وضع الأخبار عنا في التشبيه و الجبر الغلاة الذين صغروا عظمة الله فمن أحبهم فقد أبغضنا و من أبغضهم فقد أحبنا" الخبر".

الثاني: أن يقال: المراد بالمشية العلم، و يؤيده ما في كتاب فقه الرضا حيث قال عليه السلام: قد شاء الله من عباده المعصية و ما أراد، و شاء الطاعة و أراد منهم، لأن المشية مشية الأمر و مشية العلم، و إرادته إرادة الرضا و إرادة الأمر، أمر بالطاعة و رضي بها، و شاء المعصية يعني علم من عباده المعصية و لم يأمرهم بها" الخبر".

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 158

الثالث: أن يقال: المراد بمشية الطاعة هداياته و ألطافه الخاصة التي ليست من ضروريات التكليف، و بمشية المعصية خذلانه و عدم فعل تلك الألطاف بالنسبة إليه و شي‏ء منهما لا يوجب جبره على الفعل و الترك، و لا ينافي استحقاق الثواب و العقاب.

الرابع: ما قيل: إن المراد تهيئة أسباب فعل العبد بعد إرادة العبد ذلك الفعل.

الخامس: أن يقال: لما اقتضت المصلحة تكليف من علم الله منه المعصية و كلفه مع علمه بذلك و وكله إلى اختياره ففعل تلك المعصية فكأنه شاء صدوره منه، و كذا في الطاعة إذا علم عدم صدوره منه، فسمي ذلك مشية مجازا، و هذا مجاز شائع كما إذا أمر المولى عبده بأوامر و خيره في ذلك و مكنه على الفعل و الترك مع علمه بأنه لا يأتي بها، فيقال له: أنت فعلت ذلك إذ كنت تعلم أنه لا يفعل و مكنته و وكلته إلى نفسه.

السادس: أن يقال أن المراد بمشيته عدم جبره على فعل الطاعة أو ترك المعصية و بعبارة أخرى سمى عدم المشية مشية العدم كما سيأتي في كلام الصدوق (ره) و هذا قريب من الوجه السابق بل يرجع إليه.

السابع: أنه إسناد للفعل إلى العلة البعيدة، فإن العبد و قدرته و أدواته لما كانت مخلوقة لله تعالى فهو جل و علا علة بعيدة لجميع أفعاله.

الثامن: ما أومأنا إليه في الخبر السابق من المشية بالتبع، و ربما يحقق بوجه أوضح حيث حقق بعضهم الأمر بين الأمرين، أن فعل العبد واقع بمجموع القدرتين، قدرة الله و قدرة العبد، و العبد لا يستقل في إيجاد فعله بحيث لا دخل لقدرة الله تعالى فيه، بمعنى أنه أقدر العبد على فعله بحيث يخرج عن يده أزمة الفعل المقدور للعبد مطلقا، كما ذهب إليه المفوضة أو لا تأثير لقدرته فيه، و إن كان‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 159

قادرا على طاعة العاصي جبرا لعدم تعلق إرادته بجبره في أفعاله الاختيارية كما ذهب إليه المعتزلة و هذا أيضا نحو من التفويض و ليس قدرة العبد بحيث لا تأثير له في فعله أصلا، سواء كانت كاسبة كما ذهب إليه الأشعري، و يؤول مذهبه إلى الجبر، أم لا تكون كاسبة أيضا بمعنى أن لا تكون له قدرة و اختيار أصلا، بحيث لا يكون فرق بين مشي زيد و حركة المرتعش كما ذهب إليه الجبرية، و هم جهم بن صفوان و من تبعه.

فهذا معنى الأمر بين الأمرين، و لما كان مشية العبد و إرادته و تأثيره في فعله جزءا أخيرا للعلة التامة، و إنما يكون تحقق الفعل و الترك مع وجود ذلك التأثير و عدمه فينتفي صدور القبيح عنه تعالى، بل إنما يتحقق بالمشية و الإرادة الحادثة، و بالتأثير من العبد الذي هو متمم للعلة التامة، و مع عدم تأثير العبد و الكف عنه بإرادته و اختياره لا يتحقق فعله بمجرد مشية الله سبحانه و إرادته و قدره إذ لم يتحقق مشية و إرادة و تعلق إرادة منه تعالى بذلك الفعل مجردا عن تأثير العبد فحينئذ الفعل لا سيما القبيح مستند إلى العبد، و لما كان مراده تعالى من أقداره العبد في فعله و تمكينه له فيه صدور الأفعال عنه باختياره و إرادته إذا لم يكن مانع أي فعل أراد و اختار من الإيمان و الكفر و الطاعة و المعصية، و لم يرد منه خصوص شي‏ء من الطاعة و المعصية، و لم يرد جبره في أفعاله ليصح تكليفه لأجل المصلحة المقتضية له، و كلفه بعد ذلك الأقدار بإعلامه بمصالح أفعاله و مفاسده في صورة الأمر و النهي، لأنهما منه تعالى من قبيل أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء النافع و نهيه عن أكل الغذاء الضار، فمن صدور الكفر و العصيان عن العبد بإرادته المؤثرة و استحقاقه بذلك العقاب لا يلزم أن يكون العبد غالبا عليه تعالى، و لا يلزم عجزه تعالى كما لا يلزم غلبة المريض على الطبيب و لا عجز الطبيب إذا خالفه المريض و هلك، و لا يلزم أن يكون في ملكه أمر لا يكون بمشية الله تعالى و إرادته، و لا يلزم الظلم في عقابه، لأنه فعل‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 160

القبيح بإرادته المؤثرة و طبيعة ذلك الفعل توجب أن يستحق فاعله العقاب.

و لما كان مع ذلك الإعلام من الأمر و النهي بوساطة الحجج عليهم السلام اللطف و التوفيق في الخيرات و الطاعات من الله جل ذكره فما فعل الإنسان من حسنة فالأولى أن يسند و ينسب إليه تعالى لأنه مع أقداره و تمكينه له و توفيقه للحسنات أعلمه بمصالح الإتيان بالحسنات و مضار تركها و الكف عنها بأوامره، و ما فعله من سيئة فمن نفسه لأنه مع ذلك أعلمه بمفاسد الإتيان بالسيئات و منافع الكف عنها بنواهيه و هذا من قبيل إطاعة الطبيب و مخالفته فإنه من أطاعه و برأ من المرض يقال: عالجه الطبيب، و من خالف و هلك يقال: أهلك نفسه بمخالفته للطبيب.

فمعنى‏

قوله: أمر الله و لم يشأ،

 (1) أنه أعلم العباد و أخبرهم بالأعمال النافعة لهم كالإيمان و الطاعة، و لم يشأ صدور خصوص تلك الأفعال عنهم، كيف و لو شاء و لم يصدر عن بعضهم لزم عجزه و مغلوبيته تعالى عن ذلك علوا كبيرا، بل إنما شاء صدور الأفعال عنهم بقدرتهم و اختيارهم أي فعل أرادوه، فما شاء الله كان.

و معنى‏

قوله: شاء و لم يأمر،

 (2) أنه شاء صدور الأفعال عن العباد باختيارهم أي فعل أرادوه، و لم يأمر بكل ما أرادوا بل نهاهم عن بعضه و أعلمهم بمضرته كالكفر و العصيان.

فقوله: أمر إبليس أن يسجد لآدم،

 (3) أي أعلمه بأن سجدته لآدم نافع له، و كفه عنه ضار له، و شاء أن لا يسجد يعني لم يشأ خصوص السجود عنه، و لو شاء خصوص السجود عنه لسجد، لاستحالة عجزه و غلبة إبليس عليه، بل إنما شاء صدور أيهما كان من السجود و تركه، أي كفه بإرادته و اختياره، و لما لم يسجد إبليس، أي كف عن السجود بإرادته، فهو تعالى لأجل ذلك شاء كفه، و لما كان الكف إنما يتحقق بمشية إبليس و إرادته المؤثرة و هي جزء أخير للعلة التامة فلذا يستحق إبليس الذم و العقاب، و القبيح صادر عنه لا عن الله تعالى، و كذا الكلام في نهي آدم عن أكل الشجرة.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 161

أقول: هذا ما حققه بعضهم و له وجهان:

" الأول": أن يكون المراد أنه تعالى يوجد الفعل بعد إرادة العبد لقولهم:

لا مؤثر في الوجود إلا الله، فإرادة العبد شرط لتأثيره تعالى، و هذا مخالف لقول الإمامية بل عندهم أن أعمال العباد مخلوقة لهم.

" و الثاني": أن يكون العباد موجدين لأعمالهم بشرط عدم حيلولته سبحانه بينهم و بين الفعل، و لتوفيقه و خذلانه سبحانه أيضا مدخل في صدور الفعل، لكن لا ينتهي إلى حد الإلجاء و الاضطرار، و نسبة المشية إليه سبحانه لتمكينهم و أقدارهم و عدم منعهم عنه لمصلحة التكليف فيرجع إلى بعض الوجوه السابقة، و هو موافق لمذهب الإمامية، و الله تعالى يعلم حقائق الأمور.

 (الحديث الرابع)

 (1): مجهول، و قال الصدوق نور الله ضريحه في كتاب التوحيد بعد إيراد هذا الخبر: إن الله تعالى نهى آدم و زوجته عن أن يأكلا من الشجرة، و قد علم أنهما يأكلان منها لكنه عز و جل شاء أن لا يحول بينهما و بين الأكل منها بالجبر و القدرة، كما منعهما من الأكل منها بالنهي و الزجر، فهذا معنى مشيته فيهما و لو شاء عز و جل منعهما من الأكل بالجبر، ثم أكلا منها لكان مشيتهما قد غلبت مشية الله كما قال العالم: تعالى الله عن العجز علوا كبيرا" انتهى".

و الكلام في هذا الخبر كالكلام في سابقه‏

و المراد بإرادة الحتم‏

 (2) الإرادة المستجمعة لشرائط التأثير المنجزة إلى الإيجاب و الإيجاد، و كذا المشية،

و المراد بإرادة العزم‏

 (3) الإرادة المنتهية إلى طلب المراد و الأمر و النهي، و ينفك أحدهما عن الآخر كما

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 162

مر، و هذه الرواية تدل على أن الذبيح إسحاق، و قد اتفق عليه أهل الكتابين، و ذهب إليه بعض العامة و قليل من أصحابنا، و لعل الكليني (ره) أيضا مال إليه، و المشهور أنه إسماعيل عليه السلام و عليه دلت الأخبار المستفيضة، و يمكن حمل هذا الخبر على التقية، و ربما يأول بأنه عليه السلام أمر أولا بذبح إسحاق ثم نسخ و أمر بذبح إسماعيل، و الإقدام على الذبح و فعل مقدماته إنما وقع فيه.

و روى الصدوق (قدس سره) هذا الخبر في التوحيد، و فيه هكذا: و أمر إبراهيم بذبح ابنه و شاء أن لا يذبحه و ليس فيه ذكر واحد منهما.

 (الحديث الخامس)

 (1): ضعيف.

قوله عليه السلام: أن لا يكون شي‏ء إلا بعلمه،

 (2) قيل: أي شاء بالمشية الحتمية أن لا يكون شي‏ء إلا بعلمه، و على طباق ما في علمه بالنظام الأعلى و ما هو الخير و الأصلح و لوازمها، و أراد الإرادة الحتمية مثل ذلك و لم يحب الشرور اللازمة التابعة للخير و الأصلح، كان يقال: ثالث ثلاثة، و أن يكفر به و لم يرض بهما و قيل: لم يحب و لم يرض أي لم يأمر بهما بل جعلهما منهيا عنهما، و لم يجعلهما بحيث يترتب عليهما النفع، بل بحيث يترتب عليهما الضرر، و تمام الكلام في ذلك قد مر في شرح الأخبار السابقة.

 (الحديث السادس)

 (3): صحيح.

قوله سبحانه: بمشيتي،

 (4) أي بالمشية التي خلقتها فيك و جعلتك مريدا شائيا،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 163

أو بما شئت أن أجعلك مختارا مريدا

و بقوتي‏

 (1) التي خلقتها فيك أديت فرائضي، و قيل لعل المراد بها القوة العقلانية

" و بنعمتي"

 (2) التي أنعمتها عليك من قدرتك على ما تشاء، و القوي الشهوانية و الغضبية التي بها حفظ الأبدان و الأنواع و صلاحها

" قويت على معصيتي"

 (3) و قوله‏

" جعلتك سميعا بصيرا"

 (4) ناظر إلى الفقرة الثانية،

و قوله: قويا

 (5) إلى الثالثة.

و قوله:" ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ"

 (6) لأنه من آثار ما أفيض عليه من جانب الله‏

" وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ"

 (7) لأنه من طغيانها بهواه.

و قوله: و ذاك أني أولى بحسناتك منك" إلخ"

 (8) بيان للفرق، مع أن الكل مستند إليه و منتهى به بالأخرة، و للعبد في الكل مدخل بالترتب على مشيته و قواه العقلانية و النفسانية، بأن ما يؤدي إلى الحسنات منها أولى به سبحانه، لأنه من مقتضيات خيريته سبحانه و آثاره الفائضة من ذلك الجناب بلا مدخلية للنفوس إلا القابلية لها، و ما يؤدي إلى السيئات منها أولى بالأنفس لأنها مناقص من آثار نقصها لا تستند إلى ما فيه منقصة.

و قوله:" و ذاك أني لا أسأل عما أفعل وَ هُمْ يُسْئَلُونَ"

 (9) بيان لكونه أولى بالحسنات بأن ما يصدر و يفاض من الخير المحض من الجهة الفائضة منه لا يسأل عنه، و لا يؤاخذ به فإنه لا مؤاخذة بالخير الصرف، و ما ينسب إلى غير الخير المحض و من فيه شرية ينبعث منه الشر يؤاخذ بالشر، فالشرور و إن كانت من حيث وجودها منتسبة إلى خالقها، فمن حيث شريتها منتسبة إلى منشإها و أسبابها القريبة المادية، هذا ما ذكره بعض الأفاضل في هذا المقام.

و يمكن أن يقال: كونه تعالى أولى بحسناته لأنها بألطافه و توفيقاته و تأييداته‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 164

و يمكن أن يكون قوله عليه السلام: بقوتي إشارة إلى ذلك أيضا، و للعبد مدخلية ضعيفة فيها بإرادته و اختياره بخلاف المعاصي، فإنها و إن كانت بالقدرة و الآلات و الأدوات التي خلقها الله فيه و له، لكنه سبحانه لم يخلقها للمعصية بل خلقها للطاعة، و صرفها في المعصية موجب لمزيد الحجة عليه، و أما خذلانه و منع التوفيق فليس فعلا منه تعالى بل ترك فعل لعدم استحقاقه لذلك و اختيار المعصية بإرادته و سوء اختياره، فظهر أن العبد أولى بسيئاته منه سبحانه.

و قوله:" و ذاك أني" يمكن أن يكون تفريعا لا تعليلا، أي لأجل ما ذكر لا يسأل سبحانه عن معاصي العباد و لا يعترض عليه و هم يسألون، و لو كان تعليلا يحتمل أن يكون المراد أنه لوضوح كمال علمه و حكمته و لطفه و رحمته ليس لأحد أن يسأله عن سبب فعله و حكمة التكاليف، و العباد لنقصهم و عجزهم و تقصيرهم يسألون، و ليس على ما زعمه الأشاعرة من أن المراد أنه لا اعتراض لأحد على المالك فيما يفعله في ملكه، و العالم ملكه تعالى و ملكه فله أن يفعل فيه كل ما يريده سواء كان خيرا أو شرا أو عبثا، و هم لا يقولون بالمخصص و المرجح في اختياره تعالى لشي‏ء، قائلين إن الإرادة يخصص أحد الطرفين من غير حاجة إلى المخصص و المرجح لأنه لا يسأل عن اللمية، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

باب الابتلاء و الاختبار

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): حسن.

و القبض‏

 (3) في اللغة: الإمساك و الأخذ،

و البسط:

 (4) نشر الشي‏ء و يطلق القبض على المنع و البسط على العطاء، و من أسمائه تعالى القابض و الباسط، لأنه يقبض الرزق‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 165

عمن يشاء و يبسطه لمن يشاء و يقبض الأرواح عند الممات و يبسطها عند الحياة.

و هنا يحتمل أن يكون المراد بهما ما هو من فعله تعالى كالقبض و البسط في الأرزاق بالتوسيع و التقتير، و في النفوس بالسرور و الأحزان أو بإفاضة المعارف عليها و عدمها، و في الأبدان بالصحة و الألم، و في الأعمال بتوفيق الإقبال إليها و عدمه، و في الدعاء بالإجابة له و عدمها، و في الأحكام بالرخصة في بعضها و النهي عن بعضها، أو ما هو من فعل العباد كقبض اليد و بسطها، و البخل و الجود و أمثالها،

فالمراد بالمشية و القضاء

 (1) أحد المعاني المذكورة في الباب السابق،

و الابتلاء

 (2) و الامتحان و الاختبار في حقه تعالى مجاز، أي يعاملهم معاملة المختبر مع صاحبه لا ليعلم مال حالهم و عاقبة أمرهم، لأنه علام الغيوب، بل ليظهر منهم ما يستحقون به الثواب و العقاب.

 (الحديث الثاني)

 (3): حسن.

باب السعادة و الشقاء

 (4)

 (الحديث الأول)

 (5): مجهول كالصحيح.

قوله: خلق السعادة،

 (6) السعادة: ما يوجب دخول الجنة و الراحة الأبدية و اللذات الدائمة، و الشقاوة ما يوجب دخول النار و العقوبات الأبدية و الآلام الدائمة، و قد تطلق السعادة على كون خاتمة الأعمال بالخير، و الشقاوة على كون‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 166

الخاتمة بالشر، و المراد بخلق السعادة و الشقاوة تقديرهما بتقدير التكاليف الموجبة لهما، أو أن يكتب في الألواح السماوية كونه من أهل الجنة، أو من أهل النار، موافقا لعلمه سبحانه، التابع لما يختارونه بعد وجودهم و تكليفهم بإرادتهم و اختيارهم و المراد بالخلق ثانيا الإيجاد في الخارج.

" فمن خلقه الله سعيدا"

 (1) أي علمه و قدره سعيدا، و خلقه عالما بأنه سيكون سعيدا.

" لم يبغضه أبدا"

 (2) أي لا يعاقبه، و لا يحكم بكونه معاقبا.

" و إن عمل شرا أبغض عمله"

 (3) أي يذم عمله، و يحكم بأن هذا الفعل مما يستحق به العقاب‏

" و لم يبغضه"

 (4) بأن يحكم بأن هذا الشخص مستحق للعقاب لعلمه سبحانه بأنه سيتوب، و يصير من السعداء.

" و إن كان شقيا"

 (5) في علمه تعالى بأن يعلم أنه يموت على الكفر و الضلال‏

" لم يحبه أبدا"

 (6) أي لا يحكم بأنه من أهل الجنة و لا يثني عليه، و إن عمل الأعمال الصالحة لما يعلم من عاقبته و لكن يحكم بأن عمله حسن عند ما يعمل صالحا، و أن هذا العمل مما يستحق عامله الثواب إن لم يعمل ما يحبطه‏

" و أبغضه"

 (7) أي يحكم بأنه من أهل النار لما يعلم من عاقبة أمره، فإذا أحب الله شيئا سواء كان من الأشخاص أو الأعمال‏

" لم يبغضه أبدا"

 (8) و كذا العكس بالمعنى الذي ذكرنا للحب و البغض.

 (الحديث الثاني)

 (9): مرفوع و هو في غاية الصعوبة و الإشكال، و تطبيقه على مذهب العدلية يحتاج إلى تكلفات كثيرة.

و العجب أن الصدوق قدس سره رواه في التوحيد ناقلا عن الكليني بهذا

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 167

السند بعينه هكذا: عن أبي بصير قال: كنت بين يدي أبي عبد الله عليه السلام جالسا و قد سأله سائل فقال: جعلت فداك يا بن رسول الله من أين لحق الشقاء أهل المعصية حتى حكم الله لهم في علمه بالعذاب على عملهم؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: أيها السائل علم الله عز و جل لا يقوم أحد من خلقه بحقه، فلما علم بذلك وهب لأهل محبته القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم، و لم يمنعهم أطاقه القبول منه، لأن علمه أولى بحقيقة التصديق، فوافقوا ما سبق لهم في علمه، و إن قدروا أن يأتوا خلالا ينجيهم عن معصيته، و هو معنى شاء ما شاء و هو سر، و لا أدري أن نسخته كانت هكذا أو غيره ليوافق قواعد العدل، و يشكل احتمال هذا الظن في مثله.

و بالجملة على ما في الكتاب لعل حمله على التقية أو تحريف الرواة أولى و لنتكلم على الخبر ظاهرا و تأويلا، ثم نكل علمه إلى من صدر عنه و نسب إليه صلوات الله عليه.

فنقول: السؤال يحتمل وجوها:

" الأول": أنه سئل عن سبب أصل السعادة و الشقاوة و صيرورة بعض الخلق كفارا و بعضهم مؤمنين و فرقة فساقا و أخرى صالحين.

" الثاني" أن يكون الشبهة الواردة عليه من جهة أن العلم لما كان تابعا للمعلوم فتوهم أنه يجب تأخره عن المعلوم فكيف تقدم عليه.

" الثالث": أن يكون الشبهة عليه من جهة أن العلم إما حصولي أو حضوري و حصول الصورة لا يتصور في حقه تعالى، و الحضور إنما يكون بعد وجود المعلوم.

و حاصل الجواب على الأول أن حكم الله بالسعادة و الشقاوة و أسبابهما من غوامض مسائل القضاء و القدر، و عقول أكثر الخلق عاجزة عن الإحاطة بها، فلا يجوز

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 168

الخوض فيها كما قال الصدوق (ره) في رسالة العقائد: الكلام في القدر منهي عنه كما قال أمير المؤمنين عليه السلام لرجل قد سأله عن القدر؟ فقال: بحر عميق فلا تلجه، ثم سأله ثانية فقال: طريق مظلم فلا تسلكه، ثم سأله ثالثة فقال: سر الله فلا تتكلفه و قال عليه السلام في القدر: ألا إن القدر سر من سر الله، و حرز من حرز الله، مرفوع في حجاب الله، مطوي عن خلق الله، مختوم بخاتم الله، سابق في علم الله، وضع الله عن العباد علمه، و رفعه فوق شهاداتهم، لأنهم لا ينالونه بحقيقة الربانية، و لا بقدرة الصمدانية، و لا بعظمة النورانية، و لا بعزة الوحدانية، لأنه بحر زاخر مواج خالص لله عز و جل، عمقه ما بين السماء و الأرض، عرضه ما بين المشرق و المغرب، أسود كالليل الدامس، كثير الحيات و الحيتان، يعلو مرة و يسفل أخرى، في قعره شمس تضي‏ء لا ينبغي أن يطلع عليها إلا الواحد الفرد، فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في حكمه و نازعه في سلطانه و كشف عن سره و ستره، و باء بغضب من الله و مأواه جهنم و بئس المصير.

و أما على الثاني فالجواب عنه و إن كان ظاهرا إذ تابعية العلم لا تستدعي تأخره عن المعلوم زمانا، فلعله لم يجب عنه لقصور فهم السائل.

و أما الثالث فغموض المسألة و عجز أكثر الخلق عن الوصول إلى كنه علمه سبحانه ظاهر، و قد تحير فيه الحكماء و المتكلمون، و لم يأتوا فيه بشي‏ء يسمن و يغني من جوع، و سبيل أهل الديانة فيه و في أمثاله الإقرار به جملة، و عدم الخوض في كيفيته و ترك التفكر في حقيقته فإنه كما لا يمكن إدراك حقيقة ذاته تعالى، فكذا لا تصل عقول الخلق إلى كنه صفاته التي هي عين ذاته سبحانه.

و يحتمل أن يكون المراد أن تكاليفه تعالى شاقة لا يتيسر إلا بهدايته و توفيقه سبحانه‏

" وهب لأهل محبته"

 (1) الإضافة إلى الضمير إضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول، أي الذين أحبهم لعلمه بأنهم يطيعونه، أو الذين يحبونه و وضع عنهم ثقل العمل‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 169

بالتوفيقات و الهدايات و الألطاف الخاصة

بحقيقة ما هم أهله،

 (1) أي بحسب ما يرجع إليهم من النيات الصحيحة و الأعمال الصالحة و الطينات الطيبة

" و وهب لأهل المعصية"

 (2) الهبة هنا على سبيل التحكم أو يقال إعطاء أصل القوة لطف و رحمة، و باستعمال العبد إياها في المعصية تصير شرا، أو أنهم لما كانوا طالبين للمعصية راغبين فيها، فكأنهم سألوا ذلك و وهبهم و الأوسط أظهر.

" القوة على معصيتهم"

 (3) أي المعصية التي يفعلونها بإرادتهم و اختيارهم لسبق علمه فيهم، إذ علم أن التكليف لا يتم إلا بإعطاء الآلة و القوة، و إلا لكانوا مجبورين على الترك.

" و منعهم أطاقه القبول منه"

 (4) قيل: هو مصدر مضاف إلى الفاعل عطفا على ضمير فيهم، أي لعلمه بأنهم يمنعون أنفسهم أطاقه القبول، و لا يخفى ما فيه لفظا و معنى.

أقول: و يحتمل أن يكون عطفا على السبق و يكون اللام فيهما لام العاقبة كما في قوله تعالى:" لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا" أي وهب لهم القوة مع أنه كان يعلم عدم إطاعتهم و تصييرهم أنفسهم بحيث كأنهم لا يطيقون القبول منه، أو منعهم بصيغة الماضي و يكون المراد ترك الألطاف الخاصة، فلما لم يلطف لهم فكأنه منعهم القبول كما في قوله تعالى:" خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ" و كذا

قوله: و لم يقدروا،

 (5) أي قدرة تامة لسهولة كما كانت للفريق الأول عند الألطاف الخاصة، لأن علمه أولى‏

بحقيقة

 

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 170

التصديق،

 (1) أي إنما صاروا كذلك لأن علمه تعالى لا يتخلف، لا لأن العلم علة، بل لأن علمه سبحانه لا محالة يكون موافقا للمعلوم، فمعنى مشية الله تعالى و سرها هو هذا المعنى، أي علمه مع التوفيق لقوم و الخذلان لآخرين على وجه لا يصير شي‏ء منهما سببا للإجبار على الطاعة أو المعصية.

هذا غاية ما يمكن من القول في تأويل هذا الخبر و إن كان ظاهره أن الله لما علم من قوم أنهم يطيعونه سهل عليهم الطاعة، و لما علم من قوم المعصية إن وكلوا إلى اختيارهم جعلهم بحيث لم يمكن أن يتأتى منهم الطاعة، و القول بظاهره لا يوافق العدل، و للسالكين مسالك الحكماء و الصوفية هيهنا تحقيقات طويلة الذيل، دقيقة المسالك لم نذكرها لئلا تتعلق بقلوب نواقص العقول و الأفكار و الله يعلم حقائق الأسرار

 (الحديث الثالث)

 (2): مجهول.

قوله عليه السلام: يسلك بالسعيد،

 (3) على بناء المفعول و الباء للتعدية، و الفاعل هو الله بالخذلان أو الشيطان‏

" ما أشبهه بهم"

 (4) تعجبا من كمال مشابهتهم بهم في الأعمال ثم يحكمون بعد تكرر مشاهدة ذلك أنه منهم‏

" إن من كتبه الله"

 (5) أي علم الله منه السعادة و كتب له ذلك في اللوح المحفوظ، لا لوح المحو و الإثبات، فلا ينافي ما ورد في الأدعية الكثيرة" إن كنت كتبتني شقيا فامح من أم الكتاب شقائي" فإن المراد به لوح المحو و الإثبات،

و الفواق‏

 (6) بالضم و قد يفتح الفاء: ما بين الحلبتين من الوقت، لأن الناقة تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب، أو ما بين فتح يدك و قبضها على الضرع.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 171

و الحاصل أن السعادة و الشقاوة الأخرويتين إنما تكون بحسن العاقبة و سوءها و المدار عليهما، فينبغي للإنسان أن يطلب حسن العاقبة و يسعى فيه، و يتضرع إليه تعالى في أن يرزقه ذلك، رزقنا الله و سائر المؤمنين حسن عاقبة المتقين.

باب الخير و الشر

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): صحيح.

و الخير و الشر

 (3) يطلقان على الطاعة و المعصية و على أسبابهما و دواعيهما، و على المخلوقات النافعة كالحبوب و الثمار و الحيوانات المأكولة و الضارة كالسموم و الحيات و العقارب، و على النعم و البلايا، و ذهبت الأشاعرة إلى أن جميع ذلك من فعله تعالى، و المعتزلة و الإمامية خالفوهم في أفعال العباد، و أولوا ما ورد في أنه تعالى خالق الخير و الشر بالمعنيين الأخيرين.

قال المحقق الطوسي قدس سره: ما ورد أنه تعالى خالق الخير و الشر، أريد بالشر ما لا يلائم الطباع و إن كان مشتملا على مصلحة، و تحقيق ما ذكره أن للشر معنيين: أحدهما: ما لا يكون ملائما للطبائع كخلق الحيوانات المؤذية، و الثاني ما يكون مستلزما للفساد، و لا يكون فيه مصلحة، و المنفي عنه تعالى هو الشر بالمعنى الثاني لا الشر بالمعنى الأول، و قال الحكماء: ما يمكن صدوره من الحكيم إما أن يكون كله خيرا، أو كله شرا، أو بعضه خيرا و بعضه شرا، فإن كان كله خيرا وجب عليه تعالى خلقه، و إن كان كله شرا لم يجز خلقه، و إن كان بعضه خيرا و بعضه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 172

شرا فإما أن يكون خيره أكثر من شره، أو شره أكثر من خيره، أو تساويا، فإن كان خيره أكثر من شره وجب على الله خلقه، و إن كان شره أكثر من خيره أو كانا متساويين لم يجز خلقه، و ما نرى من المؤذيات في العالم فخيرها أكثر من شرها.

ثم اعلم أن المراد بخلق الخير و الشر في هذه الأخبار إما تقديرهما أو خلق الآلات و الأسباب التي بها يتيسر فعل الخير و فعل الشر، كما أنه سبحانه خلق الخمر و خلق في الناس القدرة على شربها، أو كناية عن أنهما يحصلان بتوفيقه و خذلانه، فكأنه خلقهما أو المراد بالخير و الشر النعم و البلايا، أو المراد بخلقهما خلق من يعلم أنه يكون باختياره مختارا للخير أو الشر، و لا يخفى بعد ما سوى المعنى الثاني و الثالث، و أما الحكماء فأكثرهم يقولون لا مؤثر في الوجود إلا الله، و إرادة العبد معدة لإيجاده تعالى الفعل على يده، فهي موافقة لمذاهبهم و مذاهب الأشاعرة و يمكن حملها على التقية.

 (الحديث الثاني)

 (1): حسن على الظاهر.

 (الحديث الثالث)

 (2): مجهول، و يدل كالسابق على النهي عن الخوض في هذه المسائل و الاعتراض عليها.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 173

و قوله: قال يونس،

 (1) كلام محمد بن عيسى و هو تفسير

لقوله عليه السلام: من يقول كيف ذا و كيف ذا،

 (2) أي كيف أجرى على يد هذا الخير و أجرى على يد هذا الشر؟ و غرض يونس أن الويل لمن أنكر كون خالق الخير و الشر هو الله تعالى بتفقهه و علمه اتكالا على عقله، و أما من سأل عن عالم ليتضح له الأمر، أو يخطر بباله من غير حدوث شك له أو يؤمن به مجملا و هو متحير في معناه، معترف بجهل معناه لقصور عقله عن فهمه فلا ويل له.

باب الجبر و القدر و الأمر بين الأمرين‏

 (3)

 (الحديث الأول)

 (4): مرفوع لكن رواه الصدوق (ره) في العيون بأسانيد عنه عليه السلام، و مذكور في رسالة أبي الحسن الثالث عليه السلام إلى أهل الأهواز، و سائر الكتب الحديثية و الكلامية، و أشار المحقق الطوسي (ره) في التجريد إليه، و رواه العلامة (قدس سره) في شرحه عن الأصبغ بن نباتة بأدنى تغيير.

و صفين‏

 (5) كسجين اسم موضع قرب الرقة شاطئ الفرات، بها الواقعة العظمى‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 174

بين أمير المؤمنين عليه السلام و معاوية لعنه الله،

و جثا

 (1) كرمي أي جلس على ركبتيه، و قال الفيروزآبادي:

التلعة،

 (2) ما ارتفع من الأرض، و مسيل الماء" انتهى"

و بطن الوادي‏

 (3) أسفله، و المطمئن منه.

قوله: عند الله أحتسب عنائي،

 (4) العناء بالفتح و المد: التعب و النصب، و يمكن أن يكون استفهاما إنكاريا، أي كيف أحتسب أجر مشقتي عند الله و قد كنت مجبورا في فعلي؟ أو المعنى فلا نستحق شيئا، و لعل الله يعطينا بفضله من غير استحقاق للتفضل أيضا، و في رواية الأصبغ بعده: ما أرى لي من الأجر شيئا فيؤيد الثاني‏

" فقال له:

مه"

 (5) أي اسكت و المسير مصدر ميمي بمعنى السير

" و أنتم سائرون"

 (6) أي بقدرتكم و إرادتكم المؤثرة

" و في مقامكم"

 (7) أي بإزاء العدو بصفين‏

" و لم تكونوا في شي‏ء من حالاتكم مكرهين"

 (8) كما زعمته الجبرية الصرفة

" و لا إليه مضطرين"

 (9) كما ذهب إليه الأشاعرة كما سيأتي تحقيقهما، و لما توهم الشيخ من الجوابين التدافع و التنافي قال:

فكيف لم نكن" إلى آخره"

 (10) فأجاب عليه السلام‏

بقوله: فتظن أنه كان قضاء حتما

 (11) لا مدخل لاختيار العبد و إرادته فيه كما يقضي و يوجد الأشياء، ليس كذلك بل قضاءان يخير العبد و يكله إلى إرادته، و أيده بما يستحقه من الألطاف الخاصة حتى أتى بالفعل و قد مر أنه قد يحمل القضاء على العلم أو الثبت في الألواح السماوية، و شي‏ء منها لا يصير سببا للجبر و القدر، اللازم هو تعلق إرادته بفعله الذي لا مدخل لإرادة الغير

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 175

فيه، و هنا ليس كذلك، ثم أبطل مذهب الجبرية و الأشاعرة

بقوله: إنه لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب،

 (1) لأن الثواب نفع مقارن للتعظيم و المحمدة، و العقاب ضرر مقارن للإهانة و اللوم، و لا يتصوران مع الجبر بمعنييه، و إلا كان سفها، ثم‏

بقوله: و الأمر و النهي،

 (2) لأنهما عبارتان عن إعلام الناس بمصالح بعض الأعمال و منافعها و بمفاسد بعضها و مضارها، ليختار العبد ما فيه المصلحة و المنفعة، و يترك ما فيه المفسدة و المضرة، و ظاهر أن ذلك الإعلام في صورة الجبر و عدم تأثير الاختيار و الإرادة سفه و عبث، تعالى عن ذلك.

ثم بقوله: و الزجر من الله،

 (3) و زواجر الله: بلاياه النازلة على العصاة بإزاء عصيانهم، و أحكامه في القصاص و الحدود و نحو ذلك و التقريب ظاهر مما مر.

ثم بقوله: و سقط الوعد و الوعيد،

 (4) أي المقصود منهما من إتيان الحسنات و ترك السيئات، لأن ذلك لا يعقل من المجبور في أفعاله، فالوعد و الوعيد سفه و عبث، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

ثم بقوله عليه السلام: فلم تكن لأئمة للمذنب و لا محمدة للمحسن،

 (5) لأن المحمدة هو الثناء على الجميل الاختياري، و اللائمة ما يقابله من الذم على القبيح الاختياري و معلوم بديهة أنه لا يستحقهما المجبور.

و أما قوله عليه السلام: و لكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن، و لكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب،

 (6) فيحتمل وجوها:" الأول" أن يكون هذا متفرعا على الوجوه السابقة، أي إذا بطل الثواب و العقاب و الأمر و النهي و الزجر و الوعد و الوعيد لكان المحسن أولى" إلخ" و وجه الأولوية أنه لم يبق حينئذ إلا الإحسان و العقوبة الدنيوية، و المذنب كالسلطان القاهر الصحيح الذي يكون في غاية التنعم يأتي‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 176

بكل ما يشتهيه من الشرب و الزنا و القتل و القذف و أخذ أموال الناس و غير ذلك و ليس له مشقة التكاليف الشرعية و المحسن كالفقير المريض الذي يكون دائما في التعب و النصب، من التكاليف الشرعية من الإتيان بالمأمورات و الانتهاء عن المنهيات و من قلة المؤنة و تحصيل المعيشة من الحلال في غاية المشقة فحينئذ الإحسان الواقع للمذنب أكثر مما وقع للمحسن، فهو أولى بالإحسان من المحسن، و العقوبة الواقعة على المحسن أكثر مما وقع على المذنب فهو أولى بالعقوبة من المذنب.

الثاني: أن يكون المعنى أنه لو فرض جريان المدح و الذم و استحقاقهما و استحقاق الإحسان و الإثابة و العقوبة و ترتبها على الأفعال الاضطرارية الخارجة عن القدرة و الاختيار، لكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن و بالعكس، لأن في عقوبة المسي‏ء على ذلك التقدير جمع بين إلزامه بالسيئة القبيحة عقلا، و جعله موردا لملامة العقلاء و عقوبة عليها و كل منهما إضرار و إزراء به و في أثابه المحسن جمع بين إلزامه بالحسنة الممدوحة عقلا و يصير بذلك ممدوحا عند العقلاء، و إثابته عليها و كل منهما نفع و إحسان إليه، و في خلاف ذلك يكون لكل منهما نفع و ضرر، و هذا بالعدل أقرب و ذاك بخلافه أشبه.

الثالث: ما قيل إنه إنما كان المذنب أولى بالإحسان لأنه لا يرضى بالذنب كما يدل عليه جبره عليه، و المحسن أولى بالعقوبة لأنه لا يرضى بالإحسان لدلالة الجبر عليه، و من لا يرضى بالإحسان أولى بالعقوبة من الذي يرضى به و لا يخفى ما فيه.

الرابع: أنه لما اقتضى ذات المذنب أن يحسن إليه في الدنيا بإحداث اللذات فيه، فينبغي أن يكون في الآخرة أيضا كذلك لعدم تغير الذوات في النشأتين، و إذا اقتضى ذات المحسن المشقة في الدنيا و إيلامه بالتكاليف الشاقة ففي الآخرة أيضا

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 177

ينبغي أن يكون كذلك.

الخامس: ما قيل لعل وجه ذلك أن المذنب بصدور القبائح و السيئات منه متألم منكسر البال لظنه أنها وقعت منه باختياره، و قد كانت بجبر جابر و قهر قاهر فيستحق الإحسان، و أن المحسن لفرحانه بصدور الحسنات عنه و زعمه أنه قد فعلها بالاختيار أولى بالعقوبة من المذنب، و في حديث الأصبغ هكذا: و لم تأت لأئمة من الله لمذنب و لا محمدة لمحسن، و لم يكن المحسن أولى بالمدح من المسي‏ء، و لا المسي‏ء أولى بالذم من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان و جنود الشيطان و شهود الزور و أهل العمى عن الصواب و هم قدرية هذه الأمة و مجوسها.

" تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان"

 (1) أي أشباههم، لأن عبدة الأوثان الذين كانوا في عصر النبي ص كانوا جبرية لقوله تعالى:" وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها" أي جعلنا الله مجبورا عليها و قوله:" وَ قالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ" و أمثال ذلك في القرآن كثيرة.

و قيل: إنما كانوا إخوانهم لأن القول بما يستلزم بطلان الثواب و العقاب في حكم القول بلازمه، و القول ببطلان الثواب و العقاب قول عبدة الأوثان، و أما كونهم‏

خصماء الرحمن‏

 (2) لأنهم نسبوا إليه سبحانه ما لا يليق بجنابة من الظلم و الجور و العبث و أية خصومة و عداوة تكون أشد من ذلك. و قيل: إنكار الأمر و النهي إنكار للتكليف و المنكرون للتكاليف خصماء المكلف الآمر و الناهي.

و قيل: لما نسب الله سبحانه في آيات كثيرة أفعال العباد إليهم، و صرح في كثير منها ببراءته من القبائح و الظلم، و هؤلاء يقولون نحن برآء من القبائح و أنت تفعلها فلا مخاصمة أعظم من ذلك‏

" و حزب الشيطان"

 (3) لأنه لعنه الله قال:" رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي"

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 178

و أيضا أنه لعنه الله يبعثهم على تلك العقائد الفاسدة، أو لما لزمهم بطلان الأمر و النهي و التكليف فيجوز له متابعة الشيطان في كل ما يدعوهم إليه،

و قوله: و قدرية هذه الأمة،

 (1) يدل على أن المجبرة هم القدرية، و لا خلاف بين الأمة في أن النبي صلى الله عليه و آله ذم القدرية، لكن كل من الجبرية و التفويضية يسمون خصومهم بها، و في أخبارنا أطلقت عليهما، و إن كان على التفويضية أكثر، قال في المقاصد: لا خلاف في ذم القدرية و قال شارحه: قد ورد في صحاح الأحاديث لعنة القدرية على لسان سبعين نبيا، و المراد بهم القائلون بنفي كون الخير و الشر كله بتقدير الله و مشيته، سموا بذلك، لمبالغتهم في نفيه و كثرة مدافعتهم إياه، و قيل: لإثباتهم للعبد قدرة الإيجاد و ليس بشي‏ء، لأن المناسب حينئذ القدري بضم القاف، و قالت المعتزلة: القدرية هم القائلون بأن الشر و الخير كله من الله تعالى و بتقديره و مشيته، لأن الشائع نسبة الشخص إلى ما يثبته و يقول به كالجبرية و الحنفية و الشافعية لا إلى ما ينفيه.

و رد بأنه صح عن النبي صلى الله عليه و آله قوله: القدرية مجوس هذه الأمة، و قوله:

إذا قامت القيامة نادى مناد أهل الجمع: أين خصماء الله، فتقوم القدرية، و لا خفاء في أن المجوس هم الذين ينسبون الخير إلى الله و الشر إلى الشيطان، و يسمونهما:

يزدان، و أهريمن، و أن من لا يفوض الأمور كلها إلى الله، و معترض لبعضها فينسبه إلى نفسه، يكون هو المخاصم لله تعالى، و أيضا من يضيف القدر إلى نفسه و يدعي كونه الفاعل و المقدر أولى باسم القدري ممن يضيفه إلى ربه.

فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه و آله أنه قال لرجل قدم عليه من فارس: أخبرني بأعجب شي‏ء رأيت؟ فقال: رأيت أقواما ينكحون أمهاتهم و بناتهم و أخواتهم، فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك؟ قالوا قضاء الله علينا و قدره؟ فقال صلى الله عليه و آله: ستكون في آخر أمتي أقوام يقولون بمثل مقالتهم، أولئك مجوس أمتي، و روى الأصبغ بن نباتة:

أن شيخا قام إلى علي بن أبي طالب عليه السلام بعد انصرافه من صفين ثم ذكر نحو هذا

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 179

الخبر- إلى قوله-" ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ" فقال الشيخ: و ما القضاء و القدر اللذان ما سرنا إلا بهما؟ قال: هو الأمر من الله و الحكم ثم تلا قوله تعالى" وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ" و عن الحسن بعث الله محمدا صلى الله عليه و آله إلى العرب و هم قدرية يحملون ذنوبهم على الله، و يصدقه قوله تعالى:

" وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها".

قلنا: ما ذكر لا يدل إلا على أن القول بأن فعل العبد إذا كان بقضاء الله تعالى و قدره و خلقه و إرادته، يجوز للعبد الإقدام عليه، و يبطل اختياره فيه و استحقاقه للثواب و العقاب و المدح و الذم عليه قول المجوس، فلينظر أن هذا قول المعتزلة أم المجبرة، و لكن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور، و من وقاحتهم أنهم يروجون باطلهم بنسبته إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام و أولاده رضي الله عنهم، و قد صح عنه أنه خطب الناس على منبر الكوفة فقال: ليس منا من لم يؤمن بالقدر خيره و شره، و أنه قال لمن قال: إني أملك الخير و الشر و الطاعة و المعصية؟ تملكها مع الله أو تملكها بدون الله؟ فإن قلت: أملكها مع الله فقد ادعيت أنك شريك الله، و إن قلت أملكها بدون الله فقد ادعيت أنك أنت الله؟ فتاب الرجل على يده.

و أن جعفر الصادق عليه السلام قال لقدري: أقرء الفاتحة، فقرأ فلما بلغ قوله:

" إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" قال له جعفر: على ما ذا تستعين بالله و عندك أن الفعل منك، و جميع ما يتعلق بالأقدار و التمكين و الألطاف قد حصلت و تمت؟ فانقطع القدري و الحمد لله رب العالمين" انتهى".

و قال العلامة (قدس سره) في شرح التجريد بعد إيراد خبر الأصبغ: قال أبو الحسن البصري و محمود الخوارزمي: فوجه تشبيهه عليه السلام المجبرة بالمجوس من وجوه:

أحدها: أن المجوس اختصوا بمقالات سخيفة و اعتقادات واهية، معلومة البطلان‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 180

و كذا المجبرة.

و ثانيها: مذهب المجوس أن الله تعالى يخلق فعله ثم يتبرأ منه، كما خلق إبليس و انتفى منه، و كذا المجبرة قالوا: إن الله تعالى يفعل القبيح ثم يتبرأ منها.

و ثالثها: أن المجوس قالوا: إن نكاح الأمهات و الأخوات بقضاء الله و قدره و إرادته و وافقهم المجبرة، حيث قالوا: إن نكاح المجوس لأمهاتهم و أخواتهم بقضاء الله و قدره و إرادته.

و رابعها: أن المجوس قالوا: إن القادر على الخير لا يقدر على الشر و بالعكس و المجبرة قالوا: إن القدرة الموجبة للفعل غير متقدمة عليه، فالإنسان القادر على الخير لا يقدر على ضده و بالعكس" انتهى".

أقول: و قد يعطف خصماء الرحمن على عبدة الأوثان فالمراد بهم المعتزلة المفوضة أي الأشاعرة الجبرية إخوان المفوضة، الذين هم خصماء الرحمن، لأنهم يدعون استقلال قدرتهم في مقابلة قدرة الرحمن، و أنهم يفعلون ما يريدون بلا مشاركة الله في أعمالهم بالتوفيق و الخذلان، و الأخوة بينهما باعتبار أن كلا منهما على طرف خارج عن الحق الذي هو بينهما، و هو الأمر بين الأمرين، فهما يشتركان في البطلان، كما أن المؤمنين إخوة لاشتراكهم في الحق.

و قيل في وجه الأخوة: إنه يقال للمتقابلين إنهما متشابهان كما قيل، إن قصة سورة براءة تشابه قصة سورة الأنفال و تناسبها، لأن في الأنفال ذكر العهود و في البراءة نبذها، فضمت إليها" انتهى" و على هذا يكون قوله: و حزب الشيطان، و قوله:

قدرية هذه الأمة، و قوله: مجوسها، كلها معطوفات على العبدة لا الإخوان، و أوصافا للمفوضة لا الجبرية، على الوجوه المتقدمة، و يكون الحديث مشتملا على نفي طرفي الإفراط و التفريط معا، و هذا الوجه و إن كان بعيدا لكنه يكون أتم فائدة.

و يؤيده أيضا ما رواه الصدوق (ره) في التوحيد بإسناده عن علي بن سالم عن‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 181

أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرقي أ تدفع من القدر شيئا؟ فقال: هي من القدر، و قال عليه السلام: إن القدرية مجوس هذه الأمة، و هم الذين أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من سلطانه، و فيهم نزلت هذه الآية:" يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ" و يعضده أيضا أن قدماء المحدثين إنما يطلقون القدرية على المفوضة كالمصنف، حيث قابل في عنوان الباب بين الجبر و القدر، و قد عد أصحاب الرجال من كتب هشام بن الحكم كتاب الجبر و القدر، و كتاب الرد على المعتزلة

" إن الله كلف تخييرا"

 (1) أي أمره جاعلا له مخيرا بين الفعل و الترك بإعطاء القدرة له على الإتيان بما شاء منهما، من غير إكراه و إجبار"

و نهى تحذيرا"

 (2) أي طلبا للاحتراز عن فعل المنهي عنه، لا بالإكراه على الترك‏

" و أعطي على القليل كثيرا"

 (3) ترغيبا إلى الطاعة و ترك المعصية

" و لم يعص مغلوبا"

 (4) على بناء المفعول:

أي لم يقع العصيان عن طاعته بمغلوبيته عن العبد بل بما فيه الحكمة من عدم إكراهه و إجباره، أو لا يقع العصيان بمغلوبية العاصي، فإنه لا عصيان مع عدم الاختيار،

" و لم يطع مكرها"

 (5) على صيغة اسم الفاعل، أي لم تقع طاعته بإكراهه المطيع على الطاعة و ربما يقرأ على صيغة المفعول، فيكون ردا على المفوضة أيضا، لأنه إذا استقل العبد و لم يكن لتوفيقه تعالى مدخل في ذلك فكأنه سبحانه مكره فيه.

و يمكن أن يقرأ الفعلان على بناء الفاعل و يكون الفاعل المطيع و العاصي، و هما بعيدان‏

" و لم يملك"

 (6) على بناء التفعيل و المفعول القدرة و الإرادة و الاختيار، أو على بناء الأفعال بمعنى إعطاء السلطنة

" مفوضا"

 (7) بحيث لم يحصرهم بالأمر و النهي أو لم يكن له مدخل في أفعالهم بالتوفيق و الخذلان‏

" و لم يخلق السماوات، إلخ"

 (8) إشارة إلى قوله سبحانه:" وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 182

كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ، أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ" و هذا إما رد على عبدة الأوثان المذكورين سابقا بتقريب ذكر إخوانهم، أو المجبرة إذ الجبر يستلزم بطلان الثواب و العقاب و التكليف المستلزم لكون خلق السماوات و الأرض عبثا و باطلا، أو المفوضة أيضا لأن التفويض على أكثر الوجوه الآتية ينافي غرض الإيجاد، و كون بعثة الأنبياء و الرسل مع الجبر باطلا ظاهر، بل مع التفويض على بعض الوجوه.

أقول: و روى الصدوق في التوحيد و العيون هذه الرواية عن أبي الحسن الثالث عن آبائه عليه السلام، و عن الصادق عن آبائه عليهم السلام بسندين آخرين و عن ابن عباس بسند آخر، و زاد في الرواية بالسند الأخير، فقال الشيخ: فما القضاء و القدر اللذان ساقانا و ما هبطنا واديا و لا علونا تلعة إلا بهما؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: الأمر من الله و الحكم، ثم تلا هذه الآية" وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً" أي أمر ربك.

و قال الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج بعد إيراد هذه الرواية: و روي أن الرجل قال: فما القضاء و القدر الذي ذكرته يا أمير المؤمنين؟

قال: الأمر بالطاعة، و النهي عن المعصية و التمكين من فعل الحسنة و ترك المعصية، و المعونة على القربة إليه و الخذلان لمن عصاه، و الوعد و الوعيد و الترغيب و الترهيب، كل ذلك قضاء الله في أفعالنا و قدره لأعمالنا، أما غير ذلك فلا تظنه فإن الظن له محيط للأعمال، فقال الرجل: فرجت عني بذلك يا أمير المؤمنين فرج الله عنك، و في رواية ابن نباتة الذي أورده العلامة و غيره: فقال الشيخ: و ما القضاء و القدر اللذان‏

 

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 183

ما سرنا إلا بهما؟ فقال: هو الأمر من الله تعالى و الحكم، و تلا قوله تعالى:" وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ" فنهض الشيخ مسرورا و هو يقول. و ذكر البيتين.

 (الحديث الثاني)

 (1): ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام: من زعم،

 (2) أي ادعى، و قال: و أكثر استعماله في الباطل‏

" إن الله يأمر بالفحشاء"

 (3) اقتباس من قوله تعالى:" وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ".

قال بعض المفسرين: الفاحشة: الفعلة المتناهية في القبح كعبادة الصنم و كشف العورة في الطواف حيث كان المشركون يطوفون عراة، و يقولون: لا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب، فكانوا إذا نهوا عنها اعتذروا و احتجوا بأمرين: تقليد الآباء، و الافتراء على الله، فأعرض عن الأول لظهور فساده، و رد الثاني بقوله:

" قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ" أي بأمر يجد العقل السليم قبحه، بل لا يأمر إلا بمحاسن الأعمال و العقائد، فالأمر بمعناه، و قال الطبرسي (ره): قال الحسن: إنهم كانوا أهل إجبار فقالوا: لو كره الله ما نحن عليه الطبرسي (ره): قال الحسن: إنهم كانوا أهل إجبار فقالوا: لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه، فلهذا قالوا: و الله أمرنا بها فأقول: الأمر في الخبر أيضا يحتمل الوجهين، فعلى الأول إشارة إلى فساد قول الأشاعرة من نفي الحسن و القبح العقليين، و تجويز أن يأمر بما نهى عنه مما يحكم العقل بقبحه، و أن يأمر بالسوء و الفحشاء، فإن إبطال حكم العقل فيما يحكم به بديهة أو بالبرهان باطل، و الأمر بالقبيح قبيح، و من جوز القبيح على الله فقد كذب عليه، و على الثاني رد على الأشاعرة أيضا من حيث قولهم بالجبر.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 184

و قوله: و من زعم أن الخير و الشر إليه،

 (1) الظاهر إرجاع الضمير إلى الموصول، فيكون ردا على المفوضة و المعتزلة القائلين باستقلال العبد في أفعاله، و عدم مدخلية الرب سبحانه فيها، و هذا أيضا كذب على الله تعالى لمخالفته للآيات الكثيرة الدالة على هدايته و توفيقه و خذلانه و مشيته و تقديره، و يحتمل إرجاع الضمير إلى الله فيكون ردا على المجبرة فينبغي حمل الفقرة الأولى حينئذ على المعنى الأول.

 (الحديث الثالث)

 (2): ضعيف على المشهور.

قوله: الله أعز من ذلك‏

 (3) أي أغلب و أقدر من أن يكون غيره فاعلا مستقلا في ملكه، بغير مدخلية له سبحانه في ذلك الفعل.

قوله: و أحكم،

 (4) أي الجبر مناف للحكمة.

 (الحديث الرابع)

 (5): مجهول.

و المراد بالقدرية

 (6) هنا من يقول بأن أفعال العباد و وجودها ليست بقدر الله و قضائه بل باستقلال إرادة العبد به و استواء نسبته إلى الإرادتين و صدور أحدهما عنه لا بموجب غير الإرادة كما ذهب إليه بعض المعتزلة، فإنهم لم يقولوا بقول أهل الجنة من إسناد هدايتهم إليه سبحانه، و لا بقول أهل النار من إسناد ضلالهم إلى شقوتهم، و ظاهره‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 185

هنا أن المراد بالشقوة ما يصير مرجحا للأعمال السيئة من خبث الطينة و قلة العقل، و سوء الفهم، مما يرجع إلى العبد، أو هذا أيضا يرجع إلى الله بناء على أن الله تعالى خالق السعادة و الشقاوة و مقدرهما، و يحتمل أن يكون المراد بالشقوة استحقاق العذاب بسبب الأعمال السيئة فإن. ذلك يصير سببا لمنع اللطف و الهداية الخاصة، و لا بقول إبليس من إسناد الإغواء إليه سبحانه، و هذا الخبر يدل على أن غرضه من الإغواء كان هو الخذلان و منع اللطف، إذ ظاهر الخبر أنه عليه السلام استشهد بقوله و قول أهل النار لتقريره سبحانه إياهما، و يحتمل أن يكون غرضه عليه السلام أنهم اخترعوا قولا ليس قول أهل الخير و لا قول أهل الشر.

قوله: و لكني أقول لا يكون إلا بما شاء الله،

 (1) أقول: في أكثر النسخ الباء موجودة في كلام يونس دون كلامه عليه السلام، فالفرق بينهما بالباء إذ كلام يونس يدل على العلية و السببية و استقلال إرادة الله سبحانه و مشيته في فعل العبد، فيوهم الجبر فلذا أسقط عليه السلام الباء، و قيل: كان غرض يونس من إدخال الباء بيان أن الله تعالى أعطى العبد القدرة و الاختيار، ثم هو فعل الفعل بما أعطاه الله و هو مستقل في الفعل، فأراد عليه السلام نفي التفويض فأسقط الباء، و في بعض النسخ بدون الباء فلا يعقل فرق إلا بنحو التقرير، لكن في تفسير علي بن إبراهيم: و لكني أقول لا يكون إلا ما شاء الله و قضى و قدر، فقال: ليس هكذا يا يونس،

و لكن لا يكون إلا ما شاء الله و قدر و قضاء

 (2) فيكون الاختلاف بينهما في الترتيب، فإن القدر مقدم على القضاء كما في الأخبار، فلذا غير عليه السلام الترتيب ليكون الترتيب الذكري موافقا للترتيب الواقعي، و لعل التوافق صدر من النساخ ثم ألحقوا الباء لحصول الاختلاف.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 186

قوله عليه السلام: هي الذكر الأول،

 (1) أي الإثبات مجملا في لوح المحو و الإثبات، و قيل العلم القديم.

قوله: هي العزيمة،

 (2) العزيمة: تأكد الإرادة، و لعل المراد بها هنا الإثبات ثانيا مع بعض الخصوصيات أو الأخذ في خلق أسباب وجوده البعيدة، و قيل: المعنى أن المشية فينا هي توجه النفس إلى المعلوم بملاحظة صفاته و أحواله المرغوبة، الموجبة لحركة النفس إلى تحصيله، و هذه الحركة النفسانية فينا و انبعاثها لتحصيله هي العزم و الإرادة و في الواجب تعالى ما يترتب عليه أثر هذا التوجه، و يكون بمنزلته.

قوله عليه السلام: هي الهندسة،

 (3) الهندسة: على وزن دحرجة مأخوذ من الهنداز (معرب انداز) فأبدلت الزاي سينا لأنه ليس في كلام العرب دال بعدها زاي، فالهندسة (معرب اندازه) أي المقدار، و المهندس مقدر مجاري القناة حيث تحفر، ثم عمم في تحديد مجاري الأمور كلها، فالقدر إثبات خصوصيات ما أراد إيجاده في اللوح من أزمنة بقائه و وقت فنائه و أشباه ذلك، أو ترتيب أسباب وجوده إلى حيث ينتهي إلى علله الخاصة المعينة لخصوصياته، أو فينا عبارة عن تعيين حدود ما يريده من عرضه و طوله و سمكه و إحكامه على وجه يبقى زمانا طويلا أو قصيرا، و فيه تعالى ما يناسبه من ترتيب الأسباب، و القضاء هو الإبرام أي إحكام المراد، و إقامة عينه أي إيجاده، و في أفعال العباد إقدار العبد و تمكينه و رفع الموانع عنه.

 (الحديث الخامس)

 (4): مجهول كالصحيح.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 187

قوله عليه السلام: فقد جعل لهم السبيل،

 (1) قال بعض المحققين: أي كل ما تعلق به الأمر جعل للمأمور سبيل إلى تركه بإعطاء القدرة له، و إمكان المأمور به.

فإن قيل: المأمور به واجب ضروري الوجود عند اجتماع أسباب وجوده و ممتنع ضروري العدم عند عدم اجتماع أسباب الوجود، فلا إمكان له؟

قيل: المقصود الإمكان قبل الإرادة الحتمية، و هي من أسباب الوجود، فلا وجوب قبلها، و لزوم وقوع العدم عند عدم استجماع الشرائط لا ينافي الإمكان، فإن الممكن الذي لا يلحقه وجوب لعلته الموجبة، لا إيجاب لعدمه من عدم علته، كما لا تأثير من عدم علته في عدمه، فالممكن مع إمكان وجوده بوجود علته يكون معدوما لعدم علته فوجوب عدمه عبارة عن ضرورة عدم انفكاك العدم عن العدم، لا ضرورة عدم حاصل فيه بإيجاب من موجب، و بخلاف وجوب وجوده فوجوب الوجود من الفاعل لا يجامع الإمكان بمعنى عدم ضرورة نسبة الوجود و مقابله إلى الماهية و لو بإيجاب من الموجب، و لزوم العدم يجامع الإمكان بمعنى عدم ضرورة أحدهما للماهية و لو بإيجاب موجب، و مرجع هذا اللزوم إلى ما هو بمنزلة الوجوب اللاحق، فالممكن بإمكانه مجردا من إيجاب موجب إنما يكون معدوما و هذا الإمكان مصحح الطلب.

و الحاصل أن مناط الوجود للممكن، الوجوب الحاصل لوجوده من علته الموجبة أي إيجابها إياه، و مناط العدم للممكن عدم إيجاب موجب إياه لا إيجاب موجب لعدمه، و إذا كان المعدوم يمكن وجوده بموجبه صح طلب إيجاده بإيجابه بموجبه، و طلب الكف عن إيجاده بعدم إيجابه بموجبه، و كذا لزوم عدم إرادة الفاعل لعدم أسبابها لا ينافي الأمر بإرادته" انتهى".

و لعل المراد بالإذن رفع الموانع التي من جملتها تعلق الإرادة الحتمية من الله تعالى بضده.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 188

و الحق أن تأثير جميع المؤثرات مشروطة بذلك كإحراق النار فإنه مشروط بعدم تعلق إرادته سبحانه بعدمه، فإذا تعلقت لم تؤثر كما لم تحرق إبراهيم عليه السلام، و تأثير السيف في قطع اللحم و شبهه مشروط بذلك، فكما أن الإحراق و القطع مشروطان بشرائط كثيرة من قابلية المادة و مجاورة المؤثر و غيرهما فكذا مشروطان بعدم تعلق الإرادة الحتمية من ذي القدرة القاهرة و القوة الغالبة بخلافهما، و لا يتأتى التصديق بمعجزات الأنبياء و الأوصياء صلوات الله عليهم إلا بذلك، و به يستقيم مدخلية إرادة الله سبحانه في أعمال العباد مع اختيارهم، و هو المراد بالتخلية.

أقول: و روى الشيخ أحمد الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن علي بن محمد العسكري عليه السلام أن أبا الحسن موسى عليه السلام قال: إن الله خلق الخلق فعلم ما هم صائرون إليه، فأمرهم و نهاهم، فما أمرهم به من شي‏ء فقد جعل لهم السبيل إلى الأخذ به، و ما نهاهم عنه من شي‏ء فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، و لا يكونون آخذين و لا تاركين إلا بإذنه، و ما جبر الله أحدا على معصيته، بل اختبرهم كما قال:" لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا".

قوله عليه السلام: و لا يكونون آخذين و لا تاركين إلا بإذنه،

 (1) أي بتخليته و علمه" انتهى" و الظاهر أن التفسير من المؤلف (ره).

أقول: و يومي إلى ما ذكرنا ما ذكره الشيخ السعيد المفيد في كتاب المقالات حيث قال: إن الإرادة التي هي قصد الإيجاد أحد الضدين الخاطرين ببال المريد موجبة لمرادها، و أنه محال وجودها و ارتفاع المراد بعدها بلا فصل، إلا أن يمنع من ذلك من فعل غير المريد، و هذا مذهب جعفر بن حرب و جماعة من متكلمي البغداديين و هو مذهب البلخي، و على خلافه مذهب الجبائي و ابنه و البصريين من المعتزلة و الحشوية و أهل الأخبار.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 189

و قال الشيخ أبو علي الطبرسي رحمه الله: في قوله تعالى:" وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ" اختلفوا في تفسير الإذن على أقوال:" الأول" أن يكون الإذن هو الأمر أي يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا تموت أحد إلا بهذا الأمر" الثاني" أن المراد به الأمر التكويني كقوله:" أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" و لا يقدر على الحياة و الموت أحد إلا الله" الثالث" أن يكون الإذن هو التخلية و الإطلاق، و ترك المنع بالقهر و الإجبار، و به فسر قوله تعالى:" وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ" أي بتخليته، فإنه تعالى قادر على المنع من ذلك بالقهر" الرابع" أن يكون الإذن بمعنى العلم و معناه إن نفسا لا تموت إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه.

" الخامس" قال ابن عباس: الإذن هو قضاء الله و قدره، فإنه لا يحدث شي‏ء إلا بمشية الله و إرادته.

 (الحديث السادس)

 (1): مجهول.

قوله: بغير مشية الله،

 (2) أي التخلية و عدم تعلق الإرادة الحتمية بخلافه، فإن من زعم استقلال الخلق و عدم قدرته تعالى على صرفهم عن أفعالهم، و عدم مدخليته سبحانه في أعمالهم بوجه فقد أخرج الله من سلطانه، و عزله عن التصرف في ملكه.

 (الحديث السابع)

 (3): مرسل.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 190

قوله: أقررت لك بالمعاصي،

 (1) أي جوزت لك فعل المعاصي، إذ ليس لك فيها اختيار و هي بإرادته سبحانه، أو أقررت لك بأن المعاصي بإرادته تعالى.

قوله عليه السلام: لنفسه نظر،

 (2) أي تأمل و احتاط لنفسه، حيث لم يحكم بما يوجب هلاكه من القول بالقدر الذي هو مذهبه، أو نفي مذهبه، و مذهب الجبرية أيضا و إن لم يفهم الواسطة، و يمكن أن يكون تفطن بالواسطة عند الإلزام عليه.

 (الحديث الثامن)

 (3): مرسل.

قوله: أجبر الله،

 (4) الهمزة للاستفهام.

قوله عليه السلام: لطف من ربك،

 (5) أي رحمة و توفيق، و قيل: أمر دقيق لا تصل إليه العقول، و هو الأمر بين الأمرين، و الظاهر أنه غير اللطف الذي هو مصطلح المتكلمين بل ما قررنا سابقا و سيأتي مزيد توضيح له، و اللطف على اصطلاح المتكلمين هو ما يقرب العبد إلى الطاعة و يبعده عن المعصية، و لا حظ له في التمكين، و لا يبلغ الإلجاء و متكلمو الإمامية و المعتزلة اتفقوا على وجوبه على الله عقلا و خالفهم في ذلك الأشاعرة و قالوا بعدم وجوبه.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 191

و استدل المثبتون عليه بأن اللطف مما يتوقف عليه غرض المكلف من المكلف و كل ما يتوقف عليه الغرض يكون واجبا، أما الأولى فظاهر، لأن غرض المكلف من المكلف إيقاعه ما كلف به، و هو يتوقف على كل ما يقر به إلى فعله و يبعده عن تركه، و أما الثانية فلأن المريد من غيره فعلا من الأفعال إذا علم المريد أن المراد منه لا يفعل الفعل المطلوب إلا بفعل يفعله المريد مع المراد منه من نوع ملاطفة أو مكاتبة أو سعى إليه أو إرسال من غير مشقة عليه في ذلك لو لم يفعل ما يتوقف عليه إيقاع ذلك الفعل منه، مع تصميم إرادته إيقاعه منه، لكان هذا المريد ناقضا لغرضه عند العقلاء، و نقض الغرض قبيح لذم العقلاء على ذلك، و إذا أردنا تمشية هذا التقرير في حقه سبحانه، قلنا: إنه كلف العباد بالأوامر و النواهي فكان غرضه من التكليف المذكور إيقاع الطاعة و ارتفاع المعصية من المكلفين، فإذا علم أنهم لا يفعلون ذلك إلا بفعل يفعله بهم بحيث يحصل به تقريبهم إلى إيقاع ذلك منهم، لو لم يفعل ذلك مع توقف غرضه عليه كان ناقضا لغرضه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فوجب في حكمته تعالى و عنايته فعل الألطاف المقربة للمكلفين إلى فعل الطاعات المبعدة لهم عن المعاصي و هو المطلوب.

ثم إن هذه الألطاف تكون من فعله تعالى خاصة كإرسال الرسل و نصب الأئمة و إظهار المعجزات على أيدي الأنبياء و الأوصياء عليهم السلام، فيجب عليه فعل ذلك، و قد يكون من فعل المكلفين كأتباعهم الرسل و طاعتهم الأئمة و امتثالهم لأوامرهم، و الانتهاء عند نواهيهم فيجب عليه إعلامهم بذلك و إيجابه عليهم ليتم الامتثال و يحصل القول، و يستكمل الألطاف، و قد يكون من فعل غيرهما كقبول الرسل للرسالة، و تحمل الإمام للإمامة، و قيامهما بأعبائهما، فيجب عليه في ذلك الإيجاب على ذلك الغير و إثابته عليه، لأن تكليف شخص لنفع غيره من غير نفع له قبيح عقلا.

أقول: هذا هو اللطف الذي أوجبه أصحابنا، و يشكل الجزم بوجوب كل لطف‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 192

بالنسبة إلى كل مكلف، نعم لا بد من الألطاف التي لا يصح التكليف عقلا بدونها كالإعلام و الأقدار و التمكين و رفع الموانع التي ليس رفعها في وسع المكلف، و أما وجوب كل ما يقرب إلى الطاعة و يبعد عن المعصية فيشكل القول بوجوبها، بل الظاهر عدم تحقق كثير من الألطاف الغير المفضية إلى حد الإلجاء كابتلاء أكثر المرتكبين للمعاصي مقارنا لفعلهم ببلاء، و إيصال نفع عاجل بأكثر المطيعين، و تواتر الأنبياء و المرسلين و الحجج في كل أرض و صقع، و أيضا فحينئذ لا معنى للخذلان الذي يدل عليه كثير من الأخبار، إذ مع علمه تعالى بعدم نفع اللطف لا تأثير للخذلان في الفعل و الترك، و مع النفع يفوت اللطف، و نقض الغرض إنما يتحقق إذا كان الغرض فعل المكلف به، و لعل الغرض تعريضهم للثواب و العقاب، و ليس هذا مقام بسط الكلام في تلك المسائل، و إنما نشير إلى ما ظهر لنا من الأخبار في كل منها.

 (الحديث التاسع)

 (1): مرسل كالصحيح.

قوله عليه السلام: و الله أعز،

 (2) أي إنما قدروا على الفعل لأن الله سبحانه خلى بينهم و بين إرادتهم، و لو أراد غيره حتما لصرفهم إذ هو سبحانه أعز من أن يريد أمرا حتما ثم لا يكون ذلك الأمر، و هذا الخبر أيضا يدل على أن القدرية المفوضة.

 (الحديث العاشر)

 (3): ضعيف.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 193

قوله: التي بينهما،

 (1) مبتدأ

" لا يعلمها"

 (2) خبره، أشار عليه السلام إلى دقة المنزلة بين المنزلتين و غموضها، كما يظهر لمن تأمل فيها، فإنها أصعب المسائل الدينية، و قد تحير فيها العلماء من كل فرقة، قال إمامهم الرازي: حال هذه المسألة عجيبة فإن الناس كانوا فيها مختلفين أبدا بسبب أن ما يمكن الرجوع إليه فيها متعارضة متدافعة، فمعول الجبرية على أنه لا بد لترجيح الفعل على الترك من مرجح ليس من العبد، و معول القدرية على أن العبد لو لم يكن قادرا على فعله لما حسن المدح و الذم و الأمر و النهي، و هما مقدمتان بديهيتان.

ثم من الدلائل العقلية اعتماد الجبرية على أن تفاصيل أحوال الأفعال غير معلومة للعبد، و اعتماد القدرية على أن أفعال العباد واقعة على وفق قصودهم و دواعيهم و هما متعارضان، و من الإلزامات الخطابية أن القدرة على الإيجاد كما لا يليق بالعبد الذي هو منبع النقصان، فإن أفعال العباد يكون سفها و عبثا فلا يليق المتعالي عن النقصان، و أما الدلائل السمعية فالقرآن مملوء مما يوهم بالأمرين، و كذا الآثار و أن أمة من الأمم لم تكن خالية من الفرقتين، و كذا الأوضاع و الحكايات متدافعة من الجانبين، حتى قيل: إن وضع النرد على الجبر و وضع الشطرنج على القدر، إلا أن مذهبنا أقوى بسبب أن القدح في قولنا لا يترجح الممكن إلا بمرجح [لا] يوجب انسداد باب إثبات الصانع.

و نحن نقول: الحق ما قال بعض أئمة الدين: أنه لا جبر و لا تفويض و لكن أمر بين أمرين، و ذلك لأن مبني المبادئ القريبة لأفعال العبد على قدرته و اختياره، و المبادئ البعيدة على عجزه و اضطراره، فإن الإنسان مضطر في صورة مختار، كالقلم في يد الكاتب، و الوتد في شق الحائط، و في كلام بعض العقلاء: قال الحائط للوتد:

لم تشقني؟ قال: سل من يدقني" انتهى" و إنما أوردت كلامه لبيان حيرتهم و اعترافه بالأمر بين الأمرين، و إن لم يبين معناه على وجه يرفع الإشكال من البين.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 194

 (الحديث الحادي عشر)

 (1): مرسل كالصحيح.

و يظهر منه أن التفويض هو إهمال العباد و عدم توجه الأمر و النهي إليهم، و لذا قال بعضهم: التفويض غير معنى القدر و الجبر المقابل لكل منهما معنى آخر، و أقول: يحتمل أن يكون المراد لو كان أهملهم بعد الأمر و النهي و لم يوجه إليهم الألطاف و التوفيقات، لكان إهمالهم مطلقا أولى، و الحاصل أن أمرهم و نهيهم و إرسال الرسل إليهم دليل على أنه سبحانه متوجه إلى إصلاحهم، معتن بشأنهم ليوصلهم إلى ما يستحقونه من الدرجات، و إهمالهم حينئذ ينافي ذلك الغرض، فيكون قريبا من دليل اللطف المتقدم، و قيل: أي لم يحصرهم بسلطنته و ملكه و يلزم خروجهم باعتبار التفويض من سلطان الله تعالى، و لما كانت السلطنة علة للأمر و النهي فعبر عنها بهما مجازا تسمية للسبب باسم المسبب، و لا يخفى بعده، و قيل: أي التفويض مستلزم للعجز، و العاجز غير قابل للربوبية و الأمر و النهي، و هو قريب من الأول مضمونا و بعدا.

 (الحديث الثاني عشر)

 (2): ضعيف على المشهور،

و الاستطاعة

 (3) تطلق على ثلاثة معان" الأول" القدرة الزائدة على ذات القادر" الثاني" آلة تحصل معها القدرة على الشي‏ء

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 195

كالزاد و الراحلة و تخلية السرب و صحة البدن في الحج" الثالث" التفويض مقابل الجبر و هو المراد ههنا،

و قوله: قد نظمت،

 (1) كلام الرضا عليه السلام و يحتمل السجاد عليه السلام أيضا لكنه بعيد، و قد مر الكلام في الخبر في باب المشية و الإرادة.

 (الحديث الثالث عشر)

 (2): مرسل و يدل على أن الأمر بين الأمرين هو مدخليته سبحانه في أعمال العباد بالتوفيق و الخذلان كما سيأتي.

 (الحديث الرابع عشر)

 (3): صحيح.

قوله عليه السلام: ما لا يطيقون،

 (4) أي ما لا يكون الإتيان به مقدورا لهم، و يكونون مجبورين على خلافه كما تقوله الجبرية.

قوله: ما لا يريده،

 (5) أي و لو بالعرض كما مر أو يريد خلافه.

فذلكة اعلم أن مسألة خلق الأعمال من أعظم المسائل الإسلامية و أصعبها و أهمها، و قد جرى بين الإمامية و المعتزلة و الأشاعرة في ذلك مناقشات طويلة و مباحثات كثيرة،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 196

و قد صنع أكثرهم في ذلك رسائل مفردة، و الذي يتحصل من مذاهبهم أن أفعال العباد دائرة بحسب الاحتمال العقلي بين أمور:

الأول: أن يكون حصولها بقدرة الله و إرادته من غير مدخل لقدرة العبد فيه و إرادته.

الثاني: أن يكون بقدرة العبد و إرادته من غير مدخل لقدرة الله تعالى و إرادته فيه، أي بلا واسطة، إذ لا ينكر عاقل أن الأقدار و التمكين مستندان إليه تعالى، إما ابتداء أو بواسطة.

الثالث: أن يكون حصولها بمجموع القدرتين، و ذلك بأن يكون المؤثر قدرة الله بواسطة قدرة العبد أو بالعكس، أو يكون المؤثر مجموعها من غير تخصيص إحداهما بالمؤثرية، و الأخرى بالآلية، و ذهب إلى كل من تلك الاحتمالات ما خلا الاحتمال الثاني من محتملات الشق الثالث طائفة.

أما الأول ففيه قولان:" الأول" مذهب الجبرية البحتة و هم جهم بن صفوان و أتباعه، حيث ذهبوا إلى أن الفعل من الله سبحانه بلا تأثير لإرادة العبد و قدرته فيه و لا كسب، بل لا فرق عندهم بين مشي زيد و حركة المرتعش، و لا بين الصاعد إلى السطح و الساقط منه،" و الثاني" مذهب أبي الحسن الأشعري و أتباعه فإنهم لما رأوا شناعة قول الجهمية فروا منه بما لا ينفعهم و قالوا: أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله وحده، و ليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله سبحانه أجرى عادته بأنه يوجد في العبد قدرة و اختيارا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما، فيكون فعل العبد مخلوقا لله إبداعا و إحداثا و مكسوبا للعبد، و المراد بكسبه إياه مقارنته لقدرته و إرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له، و قالوا: نسبة الفعل إلى العبد باعتبار قيامه به لا باعتبار إيجاده له،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 197

فالقائم و الآكل و الشارب عندهم بمنزلة الأسود و الأبيض.

و الثاني و هو استقلال العبد في الفعل مذهب أكثر الإمامية و المعتزلة، فإنهم ذهبوا إلى أن العباد موجدون لأفعالهم مخترعون لها بقدرتهم، لكن أكثر المعتزلة قائلون بوجوب الفعل بعد إرادة العبد، و بعضهم قالوا: بعدم وجوب الفعل بل يصير أولى، قال المحقق الطوسي (قدس سره): ذهب مشايخ المعتزلة و أبو الحسين البصري و إمام الحرمين من أهل السنة إلى أن العبد له قدرة قبل الفعل و إرادة بها تتم مؤثريته، فيصدر عنه الفعل، فيكون العبد مختارا إذ كان فعله بقدرته الصالحة للفعل و الترك، و تبعا لداعيه الذي هو إرادته، و الفعل يكون بالقياس إلى القدرة وحدها ممكنا و بالقياس إليها مع الإرادة يصير واجبا، و قال المحمود الملاحمي و غيره من المعتزلة:

إن الفعل عند وجود القدرة و الإرادة يصير أولى بالوجود حذرا من أن يلزمهم القول بالجبر لو قالوا بالوجوب، و ليس ذلك بشي‏ء لأن مع حصول الأولوية إن جاز له الطرف الآخر لما كانت الأولوية بأولوية، و إن لم يجز فهو الواجب و إنما غيروا اللفظ دون المعنى" انتهى".

و اختلف في نسبة احتمالي الشق الثالث و تحقيقهما، ففي المواقف و شرحه: أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها، و قالت المعتزلة: بقدرة العبد وحدها على سبيل الاستقلال بلا إيجاب بل باختيار، و قالت طائفة بالقدرتين، ثم اختلفوا فقال الأستاد، يعني أبا إسحاق الإسفرائيني: بمجموع القدرتين، على أن تتعلقا جميعا بالفعل نفسه و جوز اجتماع المؤثرين على أثر واحد، و قال القاضي، يعني الباقلاني:

على أن تتعلق قدرة الله بأصل الفعل و قدرة العبد بصفته أعني كونه طاعة و معصية، إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا يوصف بها أفعاله تعالى كما في لطم اليتيم تأديبا أو إيذاء فإن ذات اللطم واقعة بقدرة الله و تأثيره، و كونه طاعة على الأول و معصية على الثاني بقدرة العبد و تأثيره، و قالت الحكماء و إمام الحرمين: هي واقعة على سبيل‏

 

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 198

الوجوب و امتناع التخلف بقدرة يخلقها الله في العبد إذا قارنت حصول الشرائط و ارتفاع الموانع، و الضابط في هذا المقام أن المؤثر إما قدرة الله أو قدرة العبد على الانفراد كمذهبي الأشعري و جمهور المعتزلة، أو هما معا و ذلك إما مع اتحاد المتعلقين كمذهب الأستاد منا و النجار من المعتزلة، أو دونه و حينئذ فإما مع كون إحداهما متعلقة للأخرى، و لا شبهة في أنه ليس قدرة الله متعلقة لقدرة العبد، إذ يستحيل تأثير الحادث في القديم، فتعين العكس و هو أن تكون قدرة العبد صادرة عن قدرة الله و موجبة للفعل، و هو قول الإمام و الفلاسفة، و إما بدون ذلك و هو مذهب القاضي لأن المفروض عدم اتحاد المتعلقين" انتهى". و اعترض عليه المولى جمال الدين محمود و غيره: بأن جعل المذهب المنسوب إلى الإمام و الفلاسفة كون المؤثر مجموع القدرتين دون مذهب المعتزلة تحكم بحت إذ لا فرق بين هذين المذهبين في أن المؤثر الحقيقي في الفعل هو قدرة العبد، و تلك القدرة الحادثة مخلوقة للقدرة القديمة الإلهية، ثم قال: الصواب في الضبط أن يقال المؤثر إما قدرة الله تعالى وحدها و هو مذهب الشيخ الأشعري، و إما قدرة العبد وحدها و هو مذهب جمهور المعتزلة و الإمام و الفلاسفة، و إما هما معا أما مع اتحاد المتعلقين و هو مذهب الأستاد، أو بدون ذلك بأن تتعلق القدرة القديمة بنفس الفعل و الحادثة بصفته، و هو مذهب القاضي" انتهى".

ثم اعلم أن هذا المذهب الذي نسبوا إلى الحكماء من أن العلة القريبة للفعل الاختياري إنما هو العبد و قدرته، لكن قدرته مخلوقة لله و إرادته حاصلة بالعلل المترتبة منه تعالى قول بعضهم، و قال جم غفير منهم: لا مؤثر في الوجود إلا الله، و موجد أفعال العباد هو الله سبحانه، و قالوا: إن الفعل كما يسند إلى الفاعل كإسناد البناء إلى البناء قد يسند إلى الشرط كإسناد الإضاءة إلى الشمس و السراج مثلا فبعض الأفعال الصادرة عن الطبائع النوعية كالحركات الطبيعية و القسرية و الأفعال‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 199

الاختيارية للإنسان و غيره بل الأفعال الصادرة عن النفوس الفلكية و العقول المجردة بناء على القول بوجودهما، فكل من هذه الأمور لا سيما إرادة النفوس الحيوانية و الإنسانية و الفلكية بل العقول مع عدم المانع شرط و واسطة لصدور تلك الأفعال من مفيض الوجود، و إسنادها إلى تلك المبادئ من قبيل إسناد الفعل إلى الشرائط و الوسائط، لا إلى الفاعل و الموجد، و هذا قريب من مذهب الأشاعرة.

إذا عرفت هذه المذاهب فاعلم أن تأثير قدرة العبد و إرادته في الأفعال الاختيارية من أجلى البديهيات و سخافة مذاهب الأشاعرة و من يحذو حذوهم لا يحتاج إلى بيان و بطون الأوراق و الصحف و الزبر من علمائنا و المخالفين مشحونة بذلك.

قال العلامة الحلي قدس الله روحه: الإمامية قسموا الأفعال إلى ما يتعلق بقصودنا و دواعينا و إرادتنا و اختيارنا بحركتنا الاختيارية الصادرة عنا، كالحركة يمنة و يسرة، و إلى ما لا يتعلق بقصودنا و دواعينا و إرادتنا و اختيارنا كالآثار التي فعلها الله تعالى من الألوان و حركة النمو و التغذية و النبض و غير ذلك، و هو مذهب الحكماء، و الحق أنا نعلم بالضرورة أنا فاعلون، يدل عليه العقل و النقل، أما العقل فإنا نعلم بالضرورة الفرق بين حركتنا الاختيارية و الاضطرارية و حركة الجماد و نعلم بالضرورة قدرتنا على الحركة الأولى كحركتنا يمنة و يسرة، و عجزنا عن الثانية كحركتنا إلى السماء و حركة الواقع من شاهق، و انتفاء قدرة الجماد، و من أسند الأفعال إلى الله تعالى ينفي الفرق بينهما، و يحكم بنفي ما قضت الضرورة بثبوته، و قال أبو الهزيل العلاف:- و نعم ما قال- حمار بشر أعقل من بشر، فإن حمار بشر لو أتيت به إلى جدول صغير و ضربته للعبور فإنه يظفر، و لو أتيت به إلى جدول كبير و ضربته فإنه لا يظفر و يروع عنه، لأنه فرق بين ما يقدر عليه و بين ما لا يقدر عليه و بشر لا يفرق بين المقدور له و غير المقدور له" انتهى".

و إذا كان الحكم بذلك ضروريا فالشبه الموردة في مقابلة ذلك لا يصغي إليها

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 200

و إن كانت قوية، و كثير من أحوال الإنسان و أموره إذا أمعن النظر فيها يصل إلى حد يتحير العقل فيها، كحقيقة النفس و كيفية الإبصار مع كونهما أقرب الأشياء إليه، لا يمكنه الوصول إلى حقيقة ذلك، و ينتهي التفكر فيها إلى حد التحير و ليس ذلك سببا لأن ينفي وجودهما و تحققهما فيه، و لا نطيل الكلام بإيراد الدلائل و دفع الشبهات، فإن هذا الكتاب ليس محل إيرادها، و إنما نومئ إلى بعض مسائل الكلامية إجمالا لتوقف فهم الأخبار التي نحن بصدد شرحها عليه.

ثم اعلم أن الحق أن المعتزلة أيضا خرجوا من الحق للإفراط من الجانب الآخر، فإنهم يذهبون إلى أنه تعالى لا مدخلية له في أعمال العباد أصلا، سوى خلق الآلات و التمكين و الأقدار حتى أن بعض المعتزلة قالوا: إن الله لا يقدر على عين مقدور العبد، و بعضهم قالوا: لا يقدر على مثله أيضا، فهم عزلوا الله عن سلطانه، و كأنهم أخرجوا الله من ملكه و أشركوا من حيث لا يعلمون، و الأخبار الواردة ينفي مذهب هؤلاء و ذمهم أكثر من الأخبار الدالة على ذم الجبرية و نفي مذهبهم، و في أكثر الأخبار أطلقت القدرية عليهم كما عرفت، و أطلقوا عليهم المفوضة، فهم عليه السلام نفوا و أبطلوا الجبر و التفويض معا، و أثبتوا الأمر بين الأمرين و هو أمر غامض دقيق و للناس في تحقيق ذلك مسالك:

الأول: ما ذكره الشيخ الأجل المفيد طيب الله رمسه حيث قال في تحقيق الأمر بين الأمرين: الجبر هو الحمل على الفعل و الاضطرار إليه بالقسر و الغلبة، و حقيقة ذلك إيجاد الفعل في الخلق من غير أن تكون له قدرة على دفعه، و الامتناع من وجوده فيه، و قد يعبر عما يفعله الإنسان بالقدرة التي معه على وجه الإكراه له على التخويف و الإلجاء أنه جبر، و الأصل فيه ما فعل من غير قدرة على امتناعه منه حسبما قدمناه، و إذا تحقق القول في الجبر على ما وصفناه، كان مذهب أصحاب المخلوق هو بعينه لأنهم يزعمون الله تعالى خلق في العبد الطاعة من غير أن يكون‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 201

للعبد قدرة على ضدها، و الامتناع منها، و خلق فيه المعصية كذلك، فهم المجبرة حقا و الجبر مذهبهم على التحقيق، و التفويض هو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال و الإباحة لهم مع ما شاءوا من الأعمال، و هذا قول الزنادقة و أصحاب الإباحات و الواسطة بين القولين أن الله أقدر الخلق على أفعالهم و مكنهم من أعمالهم و حد لهم الحدود في ذلك و رسم لهم الرسوم، و نهاهم عن القبائح بالزجر و التخويف، و الوعد و الوعيد، فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبرا لهم عليها، و لم يفوض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها، و وضع الحدود لهم فيها و أمرهم بحسنها و نهاهم عن قبيحها، فهذا هو الفصل بين الجبر و التفويض" انتهى" و أقول هذا معنى حق لكن تنزيل الأخبار عليه لا يخلو من بعد.

الثاني: ما ذكره بعض السالكين مسلك الفلاسفة حيث قال: فعل العبد واقع بمجموع القدرتين و الإرادتين، و التأثيرين من العبد و من الرب سبحانه، و العبد لا يستقل في إيجاد فعله بحيث لا مدخل لقدرة الله فيه أصلا، بمعنى أنه أقدر العبد على فعله بحيث يخرج عن يده أزمة الفعل المقدور للعبد مطلقا، كما ذهب إليه المفوضة أو لا تأثير لقدرته فيه و إن كان قادرا على طاعة العاصي جبرا، لعدم تعلق إرادته بجبره في أفعاله الاختيارية كما ذهب إليه المعتزلة، و هذا أيضا نحو من التفويض، و قول بالقدر و بطلانه ظاهر، كيف و لقدرة خالق العبد و موجده تأثير في فعل العبد بلا شبهة كما يحكم به الحدس الصائب، و ليس قدرة العبد بحيث لا تأثير له في فعله أصلا سواء كانت كاسبة كما ذهب إليه الأشعري، و يؤول مذهبه إلى الجبر كما يظهر بأدنى تأمل أم لا تكون كاسبة أيضا بمعنى أن لا تكون له قدرة و اختيار أصلا بحيث لا فرق بين مشي زيد و حركة المرتعش كما ذهب إليه الجبرية و هم الجهمية، و قال: هذا معنى الأمر بين الأمرين، و معنى قول الحكماء الإلهيين: لا مؤثر في الوجود إلا الله، فمعناه أنه لا يوجد شي‏ء إلا بإيجاده تعالى و تأثيره في وجوده، بأن يكون فاعلا قريبا له،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 202

سواء كان بلا مشاركة تأثير غيره فيه كما في أفعاله سبحانه كخلق زيد مثلا، أو بمشاركة تأثير غيره فيه كخلقه فعل زيد مثلا، فجميع الكائنات حتى أفعال العباد بمشيته تعالى و إرادته و قدره، أي تعلق إرادته و قضاؤه، أي إيجاده و تأثيره في وجوده، و لما كانت مشية العبد و إرادته و تأثيره في فعله بل تأثير كل واحد من الأمور المذكورة آنفا في أفعاله جزءا أخيرا للعلة التامة لأفعاله، و إنما يكون تحقق الفعل و الترك مع وجود ذلك التأثير و عدمه فينتفي صدور القبيح عن الله تعالى، بل إنما يتحقق بالمشية و الإرادة الحادثة، و بالتأثير من العبد الذي هو متمم للعلة التامة، و مع عدم تأثير العبد و الكف عنه بإرادته و اختياره لا يتحقق فعله بمجرد مشية الله تعالى و إرادته و قدره، بل لا يتحقق مشية و إرادة و تعلق إرادة منه تعالى بذلك الفعل، و لا يتعلق جعله و تأثيره في وجود ذلك الفعل مجردا عن تأثير العبد فحينئذ الفعل لا سيما القبيح مستند إلى العبد، و لما كان مراده تعالى من إقدار العبد في فعله و تمكينه له فيه صدور الأفعال عنه باختياره و إرادته، إذا لم يكن مانع أي فعل أراد و اختار من الإيمان و الكفر و الطاعة و المعصية، و لم يرد منه خصوص شي‏ء من الطاعة و المعصية، و لم يرد جبره في أفعاله ليصح تكليفه لأجل المصلحة المقتضية له، و لا يعلم تلك المصلحة إلا الله تعالى و كلفه بعد ذلك الأقدار بإعلامه بمصالح أفعاله و مفاسده في صورة الأمر و النهي، لأنهما من الله تعالى من قبيل أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء النافع، و نهيه عن أكل غذاء الضار، و ذلك ليس بأمر و نهي حقيقة، بل إعلام بما هو نافع و ضار له، فمن صدور الكفر و العصيان عن العبد بإرادته المؤثرة و استحقاقه بذلك العقاب، لا يلزم أن يكون العبد غالبا عليه تعالى، و لا يلزم عجزه تعالى، كما لا يلزم غلبة المريض على الطبيب، و لا عجز الطبيب إذا خالفه المريض و هلك، و لا يلزم أن يكون في ملكه أمر لا يكون بمشيته تعالى و إرادته، و لا يلزم الظلم في عقابه، لأنه فعل القبيح بإرادته المؤثرة، و طبيعة ذلك الفعل توجب أن يستحق فاعله العقاب،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 203

و لما كان مع ذلك الإعلام من الأمر و النهي بوساطة الحجج البينة اللطف و التوفيق في الخيرات و الطاعات من الله جل ذكره، فما فعل الإنسان من حسنة فالأولى أن يسند و ينسب إليه تعالى، لأن مع أقداره و تمكينه له و توفيقه للحسنات أعلمه بمصالح الإتيان بالحسنات، و مضار تركها و الكف عنها بأوامره، و ما فعله من سيئة فمن نفسه، لأنه مع ذلك أعلمه بمفاسد الإتيان بالسيئات و منافع الكف عنها بنواهيه و هذا من قبيل إطاعة الطبيب و مخالفته، فإنه من أطاعه و بري‏ء من المرض يقال له:

عالجه الطبيب و صيره صحيحا، و من خالفه و هلك يقال له: أهلك نفسه بمخالفته للطبيب، فظهر إسناد الحسنات إلى الله تعالى و إسناد السيئات إلى العبد، فهذا معنى الأمر بين الأمرين و ينطبق عليه الآيات و الأخبار من غير تكلف" انتهى" و هذا المحقق و إن بالغ في التدقيق و التوفيق بين الأدلة لكن يشكل القول بتأثيره سبحانه في القبائح و المعاصي مع مفاسد أخر ترد عليه، ذكرها يفضي إلى الإطناب.

الثالث: ما ذكره أيضا أكثر السالكين مسلك الفلاسفة و نسب إلى المحقق الطوسي أيضا حيث قالوا: قد ثبت أن ما يوجد في هذا العالم فقد قدر بهيئته و زمانه في عالم آخر فوق هذا العالم قبل وجوده، و قد ثبت أن الله تعالى قادر على جميع الممكنات و لم يخرج شي‏ء من الأشياء عن مصلحته و علمه و قدرته و إيجاده بواسطة أو بغير واسطة و إلا لم يصلح لمبدئية الكل، فالهداية و الضلال و الإيمان و الكفر و الخير و الشر و النفع و الضرر و سائر المتقابلات كلها منتهية إلى قدرته و تأثيره و علمه و إرادته و مشيته بالذات أو بالعرض، و أفعالنا كسائر الموجودات و أفاعيلها بقضائه و قدره و هي واجبة الصدور بذلك منا، و لكن بتوسط أسباب و علل من إدراكنا و إرادتنا و حركاتنا و سكناتنا و غير ذلك من الأسباب العالية الغائبة عن علمنا، و تدبيرنا الخارجة عن قدرتنا و تأثيرنا، فاجتماع تلك الأمور التي هي الأسباب و الشرائط مع ارتفاع الموانع علة تامة يجب عندها وجود ذلك الأمر المدبر و المقضي المقدر، و عند تخلف شي‏ء

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 204

منها أو حصول مانع بقي وجوده في حيز الامتناع، و يكون ممكنا وقوعيا بالقياس إلى كل واحد من الأسباب الكونية.

و لما كان من جملة الأسباب و خصوصا القريبة منها إرادتنا و تفكرنا و تخيلنا و بالجملة ما نختار به أحد طرفي الفعل و الترك فالفعل اختياري لنا فإن الله أعطانا القوة و القدرة و الاستطاعة ليبلونا أينا أحسن عملا، مع إحاطة علمه، فوجوبه لا ينافي إمكانه و اضطراريته لا تدافع كونه اختياريا كيف و أنه ما وجب إلا باختياره و لا شك أن القدرة و الاختيار كسائر الأسباب من الإدراك و العلم و الإرادة و التفكر و التخيل و قواها و آلاتها كلها بفعل الله تعالى لا بفعلنا و اختيارنا، و إلا لتسلسلت القدر و الإرادات إلى غير النهاية، و ذلك لأنا و إن كنا بحيث إن شئنا فعلنا، و إن لم نشأ لم نفعل، لكنا لسنا بحيث إن شئنا شئنا، و إن لم نشأ لم نشأ، بل إذا شئنا فلم تتعلق مشيتنا بمشيتنا بل بغير مشيتنا فليست المشية إلينا، إذ لو كانت إلينا أ إلى مشية أخرى سابقه، و تسلسل الأمر إلى غير النهاية، و مع قطع النظر عن استحالة التسلسل نقول: مشياتنا الغير المتناهية بحيث لا تشذ عنها مشية لا يخلو إما أن يكون وقوعها بسبب أمر خارج عن مشيتنا أو بسبب مشيتنا، و الثاني باطل لعدم إمكان مشية أخرى خارجة عن تلك الجملة، و الأول هو المطلوب، فقد ظهر أن مشيتنا ليست تحت قدرتنا كما قال الله عز و جل:" وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ" فإذا نحن في مشيتنا مضطرون و إنما تحدث المشية عقيب الداعي، و هو تصور الشي‏ء الملائم تصورا ظنيا أو تخيليا أو علميا، فإذا أدركنا شيئا فإن وجدنا ملائمته أو منافرته لنا دفعة بالوهم أو ببديهة العقل انبعث منا شوق إلى جذبه أو دفعه، و تأكد هذا الشوق هو العزم الجازم المسمى بالإرادة، و إذا انضمت إلى القدرة التي هي هيئة للقوة الفاعلة انبعثت تلك القوة لتحريك الأعضاء الأدوية من العضلات و غيرها،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 205

فيحصل الفعل فإذا تحقق الداعي للفعل الذي تنبعث منه المشية تحققت المشية، و إذا تحققت المشية التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة، و لم يكن لها سبيل إلى المخالفة، فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة، و القدرة محركة ضرورة عند انجزام المشية و المشية تحدث ضرورة في القلب عقيب الداعي، فهذه ضروريات يترتب بعضها على بعض، و ليس لنا أن ندفع وجود شي‏ء منها عند تحقق سابقه، فليس يمكن لنا أن ندفع المشية عند تحقق الداعي للفعل، و لا انصراف القدرة عن المقدور بعدها، و فنحن مضطرون في الجميع، و نحن في عين الاختيار مجبورون على الاختيار" انتهى".

و الظاهر أن هذا عين الجبر، و ليس من الأمر بين الأمرين في شي‏ء، و احتياج الإرادة إلى إرادة أخرى ممنوع، و تفصيل الكلام في ذلك يحتاج إلى تمهيد مقدمات و إيراد إشكالات و أجوبة تفضي إلى التطويل، مع أن أمثال هذه شبه في مقابلة البديهة و لا وقع بمثلها.

و مثل هذا التوجيه ما قيل: أنه لا دخل لإرادة العبد في الإيجاب، بل هي من الشروط التي بها يصير المبدأ بإرادته موجبا تاما مستجمعا لشرائط التأثير، و هذا القدر كاف لوقوع فعل العبد بإرادته، و كونه مستندا إليها و عملا له.

و ما قيل: أن لإرادة العبد مدخلية في الإيجاب لا بالمشاركة فيه، بل بأنه أراد وقوع مراد العبد و أوجبه على أنه مراده، فلها مدخلية في الإيجاب لا بالمشاركة فيه، و بهذه المدخلية ينسب الفعل إلى العبد و يكون عملا له، فهذان الوجهان و أضرابها مما تركنا ذكرها حذرا من الإطالة مشتركة في عدم رفع المفاسد، و عدم إيصال طالب الحق إلى المقاصد.

الرابع: ما ذكره الفاضل الأسترآبادي رحمه الله تعالى حيث قال: معنى الأمر بين الأمرين أنهم ليسوا بحيث ما شاءوا صنعوا بل فعلهم معلق على إرادة حادثة متعلقة

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 206

بالتخلية أو بالصرف، و في كثير من الأحاديث أن تأثير السحر موقوف على أذنه تعالى و كان السر في ذلك أنه لا يكون شي‏ء من طاعة أو معصية أو غيرهما كالأفعال الطبيعية إلا بإذن جديد منه تعالى، فتوقف حينئذ كل حادث على الإذن توقف المعلول على شروطه، لا توقفه على سببه.

أقول: و هذا معنى يشبه الحق و سنشير إليه.

الخامس: أن يكون الجبر المنفي ما ذهب إليه الأشعري و الجهمية، و التفويض المنفي هو كون العبد مستقلا في الفعل، بحيث لا يقدر الرب تعالى على صرفه عنه كما ينسب إلى بعض المعتزلة، و الأمر بينهما هو أنه جعلهم مختارين في الفعل و الترك مع قدرته على صرفهم عما يختارون.

السادس: أن يقال: الأمر بين الأمرين هو أن الأسباب القريبة للفعل بقدرة العبد، و الأسباب البعيدة كالآلات و الأدوات و الجوارح و الأعضاء و القوي بقدرة الله سبحانه، فقد حصل الفعل بمجموع القدرتين.

و فيه: أن التفويض بهذا المعنى لم يقل به أحد حتى يحتاج إلى نفيه.

السابع: أن المراد بالأمر بين الأمرين كون بعض الأشياء باختيار العبد و هي الأفعال التكليفية، و بعضها بغير اختياره كالصحة و المرض و النوم و اليقظة و أشباهها.

و يرد عليه ما أوردنا على الوجه السابق.

الثامن: أن التفويض المنفي هو تفويض الخلق و الرزق و تدبير العالم إلى العباد كقول الغلاة في الأئمة عليه السلام، و يؤيده ما رواه الصدوق في العيون بإسناده عن يزيد بن عمير قال: دخلت على علي بن موسى الرضا عليه السلام بمرو، فقلت: يا بن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: لا جبر و لا تفويض، أمر بين أمرين فما معناه؟ فقال: من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر، و من‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 207

زعم أن الله عز و جل فوض أمر الخلق و الرزق إلى حججه عليهم السلام فقد قال بالتفويض، فالقائل بالجبر كافر، و القائل بالتفويض مشرك، فقلت له: يا بن رسول الله، فما أمر بين أمرين؟ فقال: وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به، و ترك ما نهوا عنه، فقلت له: فهل لله عز و جل مشية و إرادة في ذلك؟ فقال: أما الطاعات فإرادة الله و مشيته فيها الأمر بها و الرضا لها، و المعاونة عليها، و إرادته و مشيته في المعاصي النهي عنها و السخط لها و الخذلان عليها، قلت: فلله عز و جل فيها القضاء؟ قال: نعم، ما من فعل يفعله العباد من خير و شر إلا و لله فيه قضاء، قلت: فما معنى هذا القضاء؟ قال: الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب و العقاب في الدنيا و الآخرة.

التاسع: ما ظهر لنا من الأخبار المعتبرة المأثورة عن الصادقين عليهم السلام، و هو أن الجبر المنفي قول الأشاعرة و الجبرية كما عرفت، و التفويض المنفي هو قول المعتزلة إنه تعالى أوجد العباد و أقدرهم على أعمالهم و فوض إليهم الاختيار، فهم مستقلون بإيجادها على وفق مشيتهم و قدرتهم، و ليس لله سبحانه في أعمالهم صنع.

و أما الأمر بين الأمرين فهو أن لهداياته و توفيقاته تعالى مدخلا في أفعالهم بحيث لا يصل إلى حد الإلجاء و الاضطرار، كما أن لخذلانه سبحانه مدخلا في فعل المعاصي و ترك الطاعات، لكن لا بحيث ينتهي إلى حد لا يقدر معه على الفعل أو الترك، و هذا أمر يجده الإنسان من نفسه في أحواله المختلفة، و هو مثل أن يأمر السيد عبده بشي‏ء يقدر على فعله و فهمه ذلك، و وعده على فعله شيئا من الثواب و على تركه قدرا من العقاب، فلو اكتفى من تكليف عبده بذلك و لم يزد عليه مع علمه بأنه لا يفعل الفعل بمحض ذلك، لم يكن لوما عند العقلاء لو عاقبه على تركه، و لا ينسب عندهم إلى الظلم، و لا يقول عاقل أنه أجبره على ترك الفعل، و لو لم يكتف السيد بذلك و زاد في ألطافه و الوعد بإكرامه و الوعيد على تركه، و أكد ذلك ببعث من يحثه على الفعل و يرغبه فيه و يحذره على الترك، ثم فعل ذلك الفعل بقدرته و اختياره فلا

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 208

يقول عاقل أنه جبره على الفعل، و أما فعل ذلك بالنسبة إلى قوم و تركه بالنسبة إلى آخرين فيرجع إلى حسن اختيارهم و صفاء طويتهم أو سوء اختيارهم و قبح سريرتهم أو إلى شي‏ء لا يصل إليه علمنا، فالقول بهذا لا يوجب نسبة الظلم إليه سبحانه، بأن يقال: جبرهم على المعاصي ثم عذبهم عليها، كما يلزم الأولين، و لا عزله تعالى من ملكه و استقلال العباد، بحيث لا مدخل لله في أفعالهم، فيكونون شركاء لله في تدبير عالم الوجود كما يلزم الآخرين.

و يدل على هذا الوجه أخبار كثيرة كالخبر الأول لا سيما مع التتمة التي في الاحتجاج، و الخبر الثامن و الثالث عشر من هذا الباب، بل أكثر أبواب هذا الباب، و الأبواب السابقة و اللاحقة، و به يمكن رفع التنافي بينها كما أومأنا إليه في بعضها، و قد روي في الاحتجاج و تحف العقول فيما أجاب به أبو الحسن العسكري عليه السلام في رسالته إلى أهل الأهواز حيث قال عليه السلام: قال الصادق عليه السلام: لا جبر و لا تفويض، أمر بين أمرين، قيل: فما ذا يا بن رسول الله؟ قال: صحة العقل و تخلية السرب، و المهلة في الوقت، و الزاد قبل الراحلة، و السبب المهيج للفاعل على فعله، فهذه خمسة أشياء، فإذا نقض العبد منها خلة كان العمل عنه مطرحا بحسبه و أنا أضرب لكل باب من هذه الأبواب الثلاثة و هي الجبر و التفويض و المنزلة بين المنزلتين مثلا يقرب المعنى للطالب و يسهل له البحث من شرحه، و يشهد به القرآن بمحكم آياته و تحقيق تصديقه عند ذوي الألباب و بالله العصمة و التوفيق.

ثم قال عليه السلام: فأما الجبر فهو قول من زعم أن الله عز و جل جبر العباد على المعاصي و عاقبهم عليها، و من قال بهذا القول فقد ظلم الله و كذبه و رد عليه قوله:

" وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً" و قوله جل ذكره:" ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ" مع آي كثيرة في مثل هذا، فمن زعم أنه مجبور على المعاصي فقد

                       

 

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 209

أحال بذنبه على الله عز و جل و ظلمه في عقوبته له، و من ظلم ربه فقد كذب كتابه، و من كذب كتابه لزمه الكفر بإجماع الأمة.

و المثل المضروب في ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك إلا نفسه، و لا يملك عرضا من عروض الدنيا، و يعلم مولاه ذلك منه، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها، و لا يملكه ثمن ما يأتيه به، و علم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن، و قد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل و النصفة و إظهار الحكمة و نفي الجور، فأوعد عبده إن لم يأته بالحاجة أن يعاقبه، فلما صار العبد إلى السوق و حاول أخذ الحاجة التي بعثه المولى للإتيان بها وجد عليها مانعا يمنعه منها إلا بالثمن، و لا يملك العبد ثمنها، فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجته، فاغتاظ مولاه لذلك و عاقبه على ذلك، فإنه كان ظالما متعديا مبطلا لما وصف من عدله و حكمته و نصفته، و إن لم يعاقبه كذب نفسه، أ ليس يجب أن لا يعاقبه و الكذب و الظلم ينفيان العدل و الحكمة تعالى الله عما يقول المجبرة علوا كبيرا.

ثم قال عليه السلام بعد كلام طويل: فأما التفويض الذي أبطله الصادق عليه السلام و خطى‏ء من دان به فهو قول القائل: إن الله فوض إلى العباد اختيار أمره و نهيه و أهملهم، و في هذا كلام دقيق لم يذهب إلى غوره و دقته إلا الأئمة المهدية عليهم السلام من عترة آل الرسول صلى الله عليه و آله فإنهم قالوا: لو فوض الله إليهم على جهة الإهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه و استوجبوا به من الثواب، و لم يكن عليهم فيما اجترموا العقاب، إذ كان الإهمال واقعا، فتنصرف هذه المقالة على معنيين: إما أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة، كره ذلك أم أحبه فقد لزم الوهن، أو يكون جل و تقدس عجز عن تعبدهم بالأمر و النهي ففوض أمره و نهيه إليهم و أجراهما على محبتهم، إذ عجز عن تعبدهم بالأمر و النهي على إرادته، فجعل الاختيار إليهم في‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 210

الكفر و الإيمان، و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه و يعرف له فضل ولايته و يقف عند أمره، و نهيه، و ادعى مالك العبد أنه قادر قاهر عزيز حكيم، فأمر عبده و نهاه و وعده على اتباع أو أمره عظيم الثواب، و أوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه و لم يقف عند أمره و نهيه، فأي أمر أمره به أو نهي نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى، بل كان العبد يتبع إرادة نفسه، و بعثه في بعض حوائجه، و فيها الحاجة له، فصدر العبد بغير تلك الحاجة خلافا على مولاه، و قصد إرادة نفسه و اتبع هواه، فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه فإذا هو خلاف ما أمره به، فقال العبد:

اتكلت على تفويضك الأمر إلى فاتبعت هواي و إرادتي، لأن المفوض إليه غير محصور عليه، لاستحالة اجتماع التفويض و التحصير.

ثم قال عليه السلام: من زعم أن الله فوض قبول أمره و نهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز، و أوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير أو شر و أبطل أمر الله تعالى و نهيه، ثم قال: إن الله خلق الخلق بقدرته، و ملكهم استطاعة ما تعبدهم به من الأمر و النهي و قبل منهم اتباع أمره و رضي بذلك منهم، و نهاهم عن معصيته و ذم من عصاه و عاقبه عليها، و لله الخيرة في الأمر و النهي، يختار ما يريد و يأمر به، و ينهى عما يكره، و يثيب و يعاقب بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره و اجتناب معاصيه، لأنه العدل و منه النصفة و الحكومة، بالغ الحجة بالأعذار و الإنذار، و إليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده، اصطفى محمدا صلى الله عليه و آله و بعثه بالرسالة إلى خلقه، و لو فوض اختيار أموره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار أمية بن الصلت و أبي مسعود الثقفي، إذ كانا عندهم أفضل من محمد صلى الله عليه و آله لما قالوا: لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" يعنونهما بذلك.

فهذا هو القول بين القولين ليس بجبر و لا تفويض، بذلك أخبر أمير المؤمنين عليه السلام حين سأله عباية بن ربعي الأسدي عن الاستطاعة؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 211

تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عباية، فقال له: قل يا عباية! قال: و ما أقول؟

قال: إن قلت تملكها مع الله قتلتك، و إن قلت تملكها من دون الله قتلتك، قال:

و ما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: تقول تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن ملكها كان ذلك من عطائه، و إن سلبكها كان ذلك من بلائه، و هو المالك لما ملكك، و المالك لما عليه أقدرك، أ ما سمعت الناس يسألون الحول و القوة حيث يقولون: لا حول و لا قوة إلا بالله؟ فقال الرجل: و ما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قال: لا حول بنا عن معاصي الله إلا بعصمة الله، و لا قوة لنا على طاعة الله إلا بعون الله، قال: فوثب الرجل و قبل يديه و رجليه، إلى آخر الخبر بطوله.

و أقول أكثر أجزاء هذا الخبر يدل على ما ذكرنا في الوجه التاسع، و أما ما ذكر في معنى التفويض، فيحتمل أن يكون راجعا إلى الوجه الأول، لكن الظاهر أن غرضه عليه السلام من نفي التفويض نفي ما ذكره المخالفون من تفويض اختيار الإمام عليه السلام و نصبه إلى الأمة و تفويض الأحكام إليهم بأن يحكموا فيها بآرائهم، و قياساتهم و استحساناتهم، و لهذا أجمل عليه السلام في الكلام، و قال في هذا كلام دقيق، و بين ذلك أخيرا بذكر قريش و اصطفائهم فلا تغفل.

فيمكن أن يعد هذا وجها عاشرا لنفي الجبر و التفويض، و إثبات الواسطة.

و يؤيد ما ذكرنا أيضا ما رواه الشيخ أبو الفتح الكراجكي في كتاب كنز الفوائد إن الحسن البصري كتب إلى الإمام الحسن بن علي عليهما السلام: من الحسن البصري إلى الحسن بن رسول الله أما بعد فإنكم معاشر بني هاشم الفلك الجارية في اللجج الغامرة، مصابيح الدجى و أعلام الهدى، و الأئمة القادة، الذين من تبعهم نجا و السفينة التي يؤول إليها المؤمنون، و ينجو فيها المتمسكون، قد كثر يا بن رسول الله عندنا الكلام في القدر، و اختلافنا في الاستطاعة، فعلمنا ما الذي عليه رأيك و رأي آبائك فإنكم ذرية بعضها من بعض، من علم الله علمتم، و هو الشاهد عليكم، و أنتم الشهداء

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 212

على الناس و السلام؟ فأجابه صلوات الله عليه من الحسن بن علي إلى الحسن البصري:

أما بعد فقد انتهى إلى كتابك عند حيرتك و حيرة من زعمت من أمتنا و كيف ترجعون إلينا و أنتم معنا بالقول دون العمل، و اعلم أنه لو لا ما تناهى إلى من حيرتك و حيرة الأمة من قبلك لأمسكت عن الجواب، و لكني الناصح ابن الناصح الأمين، و الذي أنا عليه أنه من لم يؤمن بالقدر خيره و شره فقد كفر، و من حمل المعاصي على الله فقد فجر، إن الله سبحانه لا يطاع بإكراه، و لا يعص بغلبة، و لا أهمل العباد من الملكة و لكنه عز و جل المالك لما ملكهم و القادر على ما عليه أقدرهم، فإن ائتمروا بالطاعة لم يكن الله عز و جل لهم صادا، و لا عنها مانعا، و إن ائتمروا بالمعصية فشاء سبحانه أن يمن عليهم فيحول بينهم و بينها فعل، و إن لم يفعل فليس هو حملهم عليها إجبارا و لا ألزمهم بها إكراها، بل احتجاجه عز ذكره عليهم أن عرفهم و جعل لهم السبيل إلى فعل ما دعاهم إليه، و ترك ما نهاهم عنه، و لله الحجة البالغة و السلام.

و في تحف العقول هكذا: أما بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره و شره أن الله يعلمه فقد كفر، إلى قوله عليه السلام: و إن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبرا و لا ألزموها كرها، بل من عليهم بأن بصرهم و عرفهم و حذرهم و أمرهم و نهاهم لا جبلا لهم على ما أمرهم به، فيكونوا كالملائكة، و لا جبرا لهم على ما نهاهم، و لله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين و السلام على من اتبع الهدى.

و أقول: قال السيد بن طاوس قدس سره في كتاب الطرائف: روى جماعة من علماء الإسلام عن نبيهم صلى الله عليه و آله أنه قال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا، قيل: و من القدرية يا رسول الله؟ قال: قوم يزعمون أن الله قدر عليهم المعاصي و عذبهم عليها.

و روى صاحب الفائق و غيره من علماء الإسلام عن محمد بن علي المكي بإسناده قال: إن رجلا قدم على النبي صلى الله عليه و آله فقال له رسول الله صلى الله عليه و آله: أخبرني بأعجب شي‏ء رأيت؟ قال: رأيت قوما ينكحون أمهاتهم و بناتهم و أخواتهم، فإذا قيل لهم: لم‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 213

تفعلون؟ قالوا: قضاء الله علينا و قدره، فقال النبي صلى الله عليه و آله: ستكون من أمتي أقوام يقولون مثل مقالتهم، أولئك مجوس أمتي.

و روى صاحب الفائق و غيره عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه و آله أنه قال: يكون في آخر الزمان قوم يعملون المعاصي و يقولون إن الله قد قدرها عليهم، الراد عليهم كشاهر سيفه في سبيل الله.

أقول: الأخبار الواردة في ذلك أوردناها في كتابنا الكبير، و إنما أوردنا هنا بعضها تأييدا لما ذكرنا في شرح الأخبار، إذ المصنف (ره) إنما اقتصر على الأخبار الموهمة للجبر، و لم يذكر مما يعارضها إلا قليلا و الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

باب الاستطاعة

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): ضعيف.

قوله عليه السلام: أن يكون مخلى السرب،

 (3) و السرب بالفتح و الكسر: الطريق و الوجهة، و بالكسر البال و القلب و النفس، أي مخلى الطريق مفتوحة، و هو كناية عن رفع الموانع و الزواجر كزجر السلطان و أمثاله‏

" صحيح الجسم"

 (4) أي من الأمراض المانعة عن الفعل‏

" سليم الجوارح"

 (5) التي هي آلات الفعل‏

" له سبب وارد من الله"

 (6) من عصمته أو التخلية بينه و بين إرادته‏

" فسر لي هذا"

 (7) أي السبب الوارد ففسره عليه السلام‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 214

بالعصمة و التخلية، فيكون ذكر وجدان المرأة استطرادا

" و لم يطع الله بإكراه"

 (1) بل بإرادته و عصمة الله من أسباب إرادته‏

" و لم يعصه بغلبة"

 (2) منه، بل بإرادته مع تخلية الله بينه و بين إرادته، فلو لم يخل الله بينه و بين اختياره، و أراد منعه لم يمكنه الفعل فلم يكن الله في ذلك مغلوبا منه.

و يحتمل أن يكون المراد بتخلية السرب أن يكون مخلى بالطبع، فارغ البال غير مشغول الخاطر بما يصرفه عن الفعل، و بصحة الجسم أن لا يكون له مرض لا يقدر معه على الفعل، و بسلامة الجوارح أن لا يكون في الجارحة التي يحتاج إليها في الفعل آفة، كقطع الذكر في مثل الزنا، و بالسبب إذنه تعالى أي رفع الموانع، فقوله: فلا يجد امرأة، مثال لتخلف السبب عن الثلاث و قوله: ثم يجدها، بيان لوجوده، فقوله إما أن يعصم نفسه، أي يعصم المكلف نفسه لكن في المقابلة بينه و بين أن يخلي تكلف.

و فيما أجاب به أبو الحسن الثالث عليه السلام قال الصادق عليه السلام: لا جبر و لا تفويض و لكن منزلة بين المنزلتين، و هي صحة الخلقة و تخلية السرب و المهلة في الوقت و الزاد مثل الراحلة و السبب المهيج للفاعل على فعله، ثم فسر عليه السلام صحة الخلقة بكمال الخلق للإنسان بكمال الحواس و ثبات العقل و التميز و إطلاق اللسان بالنطق قال: و أما تخلية السرب فهو الذي ليس عليه رقيب يحظر عليه، و يمنعه العمل مما أمر الله به، و أما المهلة في الوقت و هو العمر الذي يمتع به الإنسان من حد ما يجب عليه المعرفة إلى أجل الوقت، و ذلك من وقت تميزه و بلوغ الحلم، إلى أن يأتيه أجله، فمن مات على طلب الحق فلم يدرك كماله فهو على خير، و أما الزاد فمعناه البلغة و الجدة التي يستعين بها العبد على ما أمره الله به، و الراحلة للحج و الجهاد و أشباه ذلك، و السبب المهيج هو النية التي هي داعية الإنسان إلى جميع الأفعال‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 215

و حاستها القلب، فمن فعل فعلا و كان بدين لم يعقد قلبه على ذلك لم يقبل الله منه عملا إلا بصدق النية، إلى آخر الخبر الطويل الذي أوردته في الكتاب الكبير و فيه فوائد جمة.

 (الحديث الثاني)

 (1): مرسل.

و اعلم أن المتكلمين اختلفوا في أن الاستطاعة و القدرة هل هما في العبد قبل الفعل أو معه؟ فذهبت الإمامية و المعتزلة إلى الأول و الأشاعرة إلى الثاني، و استدل كل من الفريقين على مذهبهم بدلائل ليس هذا موضع ذكرها، و الحق أن ما ذهب إليه الإمامية ضرورية إذ القطع حاصل بقدرة القاعد في وقت قعوده على القيام، و القائم في حال قيامه على القعود بالوجدان، و يدل عليه أخبار كثيرة:

منها ما رواه الصدوق عن عوف بن عبد الله عن عمه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاستطاعة؟ فقال: و قد فعلوا، فقلت: نعم زعموا أنها لا تكون إلا عند الفعل، واردة في حال الفعل لا قبله، فقال: أشرك القوم.

و في الصحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول: لا يكون العبد فاعلا إلا و هو مستطيع، و قد يكون مستطيعا غير فاعل، و لا يكون فاعلا أبدا حتى يكون معه الاستطاعة.

و في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما كلف الله العباد كلفة فعل، و لا نهاهم عن شي‏ء حتى جعل لهم الاستطاعة، ثم أمرهم و نهاهم فلا يكون العبد آخذا و لا تاركا إلا باستطاعة متقدمة قبل الأمر و النهي، و قبل الأخذ و الترك و قبل القبض و البسط.

و في الصحيح أيضا عن هشام عنه عليه السلام قال: لا يكون من العبد قبض و لا بسط إلا باستطاعة متقدمة للقبض و البسط.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 216

و في الصحيح أيضا عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول و عنده قوم يتناظرون في الأفاعيل و الحركات، فقال: الاستطاعة قبل الفعل، لم يأمر الله عز و جل بقبض و لا بسط إلا و العبد لذلك مستطيع، و الأخبار في ذلك كثيرة.

و الأشاعرة إنما قالوا بعدم القدرة قبل الفعل و كونها مع الفعل لأنهم يقولون بعدم تأثير قدرة العبد و إرادته في الفعل أصلا.

إذا عرفت هذا فاعلم أن هذا الخبر ظاهرا موافق لمذهب الأشاعرة، و مخالف لمذهب الإمامية، و الأخبار الصحيحة السالفة تنفيه، و يمكن تأويله بوجوه:

الأول: حمله على التقية إذ أكثر المخالفين يرون رأي الأشعري و يتبعونه في أصول مذهبهم، و يؤيده أن ما ذكر فيه من الدليل على نفي الاستطاعة من عمدة دلائل الأشاعرة على نفي اختيار العبد حيث قالوا: القدرة على الأثر بمعنى التمكن على فعله و تركه، إما حال وجود الأثر و حينئذ يجب وجوده، فلا يتمكن من الترك و إما حال عدمه فيجب عدمه فلا يتمكن من الفعل، و أجيب بأنا نختار أنها حال عدم الأثر لكنها عبارة عن التمكن من الفعل في ثاني الحال، فلا ينافيه العدم في الحال، بل يجتمع معه.

الثاني: أن يقال المراد بالاستطاعة في الخبر الاستعداد التام الذي لا يكون إلا مع الأثر و المراد بآلة الاستطاعة جميع ما يتوقف عليه الأثر فعلا كان أو تركا، فاستطاعة الفعل لا يكون إلا مع الفعل، و استطاعة الترك لا يكون إلا مع الترك، و بعبارة أخرى: المراد بالاستطاعة الاستقلال بالفعل، بحيث لا يمكن أن يمنعه مانع عنه، و لا يكون هذا إلا في حال الفعل إذ يمكن قبل الفعل أن يزيله الله تعالى عن الفعل بصرفه عنه، أو إعدامه أو إعدام الآلة، و الحاصل أن استطاعة الشي‏ء التمكن منه و انقياد حصول ذلك الشي‏ء له، و استطاعة أحد الطرفين لا يستلزم استطاعة الآخر بخلاف القدرة، فإن القدرة على أحد الطرفين تلزمه القدرة على الآخر، و القدرة

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 217

على الفعل تسبقه بمراتب بخلاف الاستطاعة، قال إمامهم الرازي في الجمع بين رأيي الأشاعرة و المعتزلة في تلك المسألة: القدرة قد تطلق على القوة العضلية التي هي مبدء الآثار المختلفة في الحيوان بحيث متى انضم إليها إرادة كل واحد من الضدين حصل دون الآخر، و لا شك في أن نسبتها إلى الضدين على السواء، و قد تطلق على القوة المستجمعة لشرائط التأثير، و لا شك في امتناع تعلقها بالضدين و إلا اجتمعا في الوجود، بل هي بالنسبة إلى كل مقدور غيرها بالنسبة إلى مقدور آخر لاختلاف الشرائط بحسب مقدور مقدور، فلعل الأشعري أراد بالقدرة المعنى الثاني، فحكم بأنها لا تتعلق بالضدين، و لا هي قبل الفعل، و المعتزلة أرادوا بها المعنى الأول فذهبوا إلى أنها تتعلق بالضدين و أنها قبل الفعل" انتهى" و هذا الكلام متين لكنه لا يصلح جامعا بين القولين، لأن الأشعري لا يقول بتأثير قدرة العبد و إرادته، و لذا قال بمقارنتها للفعل.

الثالث: أن يكون المعنى أن في حال الفعل تظهر الاستطاعة، و يعلم أنه كان مستطيعا قبله، بأن أذن الله له في الفعل، كما ورد أن بعد القضاء لا بداء.

قوله عليه السلام: أن تعمل ما لم يكون،

 (1) أي بعد حصول الترك في زمان الترك لا تستطيع الفعل، بل تستطيع الترك، و تمت علته و حصل، فلا تستطيع الفعل حينئذ، إذ لم يحصل منك و لا من الله ما يتوقف عليه حصول الفعل قبله، فصار الترك حينئذ واجبا بعلله التي منها إرادة العبد الترك.

قوله عليه السلام: أن تنتهي عما قد كون،

 (2) أي بعد وجود الفعل و وجوبه بعلله التي منها إرادته كيف يستطيع الترك، فالقدرة على الفعل و الترك قبلهما و استطاعتهما أي وجوبهما و لزومهما في وقتهما كما مر في الوجه الثاني‏

" فجعل فيهم آلة الاستطاعة"

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 218

 (1) أي ما يتوقف عليه حصولها من تخلية السرب و صحة الجسم و سلامة الجوارح و نحو ذلك على حسب الأعمال المستطاع لها

" ثم لم يفوض إليهم"

 (2) بحيث يكونون مستقلين لا يمكنه صرفهم عنه، أو بحيث لا يكون له مدخل في أفعالهم بالتوفيق و الخذلان، أو المراد بالتفويض عدم الحصر بالأمر و النهي‏

" لم يكونوا مستطيعين"

 (3) أي بالاستقلال بحيث لا مدخل لتوفيق الله و خذلانه فيه، أو لم يحصل لهم العلة التامة للفعل و إن كان باختيارهم، و يمكن حمله على ما إذا كان الترك لعدم الآلات و للموانع الصارفة من قبل الله تعالى، و على هذا ينطبق التعليل غاية الانطباق، إذ استقلال العبد على هذا الوجه بحيث لا يتوقف فعله على شي‏ء من قبل الله تعالى، و عدم قدرته سبحانه على صرفه عنه، قول بوجود أضداد له تعالى في ملكه، و على الأول أيضا ظاهر، و على الثاني يحتاج إلى تكلف، و ربما يقال: التعليل لعدم التفويض، و لا يخفى بعده‏

" فجعل فيهم آلة الفعل"

 (4) أي قدرتهم و إرادتهم و قواهم و جوارحهم التي هي من أسباب وجود ذلك الفعل.

 (الحديث الثالث)

 (5): ضعيف، و الكلام في صدر الخبر ما مر في الخبر السابق.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 219

قوله عليه السلام: مثل الزنا،

 (1) هذا مثال لقوله: إذا فعلوا الفعل، و ليس مثالا لتفسير الاستطاعة، و لما توهم السائل من قوله عليه السلام: كانوا مستطيعين بالاستطاعة التي جعلها الله فيهم، و من أن الاستطاعة مع الفعل لا قبله الجبر

قال: فعلى ما يعذبه؟

 (2) أي الزاني‏

و المراد بالحجة البالغة

 (3) أوامر الله تعالى و نواهيه و إرسال الرسل و إنزال الكتب و نصب الأنبياء و الأوصياء عليهم السلام لإعلام الناس بالأفعال النافعة و الضارة، و المراد

بالآلة التي ركب فيهم‏

 (4) القدرة و الإرادة المؤثرتين اللتين خلقهما الله تعالى في العباد.

قوله: كان في إرادة الله أن يكفر،

 (5) أي إرادة بالعرض لأنه لما أراد أن يعطي العبد إرادة و اختيارا و يخليه و اختياره و هو أراد المعصية فهو سبحانه أراد ما صار سببا لكفره إرادة بالعرض أو يقال إرادته سبحانه علة بعيدة للكفر، أو يقال: لما خيره و خلاه مع علمه بأنه يكفر بإرادته فكأنه أراد كفره مجازا كما مر تفصيله.

قوله عليه السلام: أن لا يصيروا إلى شي‏ء من الخير،

 (6) أي باختيارهم و إرادتهم المؤثرة و لما توهم السائل من‏

قوله عليه السلام: إنه تعالى شاء منهم أن يكفروا،

 (7) أي جبرهم عليه أو ذلك مقصوده منهم، أجاب عليه السلام بأن ليس مرادي ذلك، بل مرادي أن الله أراد بحسب مصلحة التكليف أن يكلهم إلى اختيارهم و إرادتهم، و علم أن إرادتهم يتعلق‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 220

بالكفر فتعلق إرادته بكفرهم من حيث تعلق إرادته بما يصير سببا لإرادتهم الكفر مع علمه بذلك، و هذا لا يستلزم كون الكفر مقصوده و مطلوبه منهم، فإن دخوله في القصد بالعرض لا بالذات، و تعلق الإرادة بالكفر بالعرض ليست موجبة للفعل إيجابا يخرجه عن الاختيار، لأن هذا التعلق من جهة إرادتهم و اختيارهم و ما يتعلق بشي‏ء من جهة الإرادة و الاختيار لا يخرجه عن الاختيار، و قيل: الفرق بين كلام الإمام و كلام السائل أن في كلامه عليه السلام عديت الإرادة بفي و في كلام السائل بمن، و التعدية بفي تفيد التمكين مع القدرة على المنع، و التعدية بمن، تفيد الطلب إما تكليفا و إما تكوينا، فالظرفان متعلقان بالإرادة كالظرف في قوله لعلمه.

 (الحديث الرابع)

 (1): مرسل.

قوله: فإنه لا يضرك،

 (2) هذا إما لأنه عليه السلام كان مطلعا على ما في قلبه و أنه حق، أو المراد أنه إذا كان في قلبك شي‏ء ثم رجعت عنه إلى قولنا لم يضرك، و قوله أو كما قال، ترديد من السائل بين العبارة المنقولة و ما في حكمها من العبارات الدالة على تصديق معتقده بوجه من الوجوه.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 221

باب البيان و التعريف و لزوم الحجة

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): حسن بسنده الأول، مجهول كالصحيح بسنده الثاني.

قوله عليه السلام: بما آتاهم،

 (3) أي من العقول و الآلات و الأدوات و الجوارح و القوي و عرفهم من أصول الدين و فروعه كما قال تعالى:" أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ".

 (الحديث الثاني)

 (4): مجهول.

و المراد بالمعرفة

 (5) أما العلم بوجوده سبحانه فإنه مما فطر الله العباد عليه إذا خلوا أنفسهم عن المعصية، و الأغراض الدنية كما قال تعالى:" وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" و به فسر قوله صلى الله عليه و آله: من عرف نفسه فقد عرف ربه، أي من وصل إلى حد يعرف نفسه فيوقن بأن له خالقا ليس مثله، و يحتمل أن يكون المراد كمال المعرفة فإنه من قبل الله تعالى بسبب كثرة الطاعات و العبادات و الرياضات، أو المراد معرفة غير ما يتوقف عليه العلم بصدق الرسل فإن ما سوى ذلك‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 222

إنما نعرفه بما عرفنا الله على لسان أنبيائه و حججه صلوات الله عليهم، أو يقال:

المراد بها معرفة الأحكام الفرعية لعدم استقلال العقل فيها، أو المعنى أنها إنما تحصل بتوفيقه تعالى للاكتساب، و ذهب الحكماء إلى أن العلة الفاعلية للمعرفة تصوريا كان أو تصديقيا، بديهيا كان أو نظريا، شرعيا كان أو نظريا، شرعيا كان أو غيره، إنما يفيض من الله تعالى في الذهن بعد حصول استعداد له بسبب الإحساس أو التجربة أو النظر و الفكر و الاستماع من المعلم أو غير ذلك، فهذه الأمور معدات و العبد كاسب للمعرفة لا موجد لها، و الظاهر من أكثر الأخبار أن العباد إنما كلفوا بالانقياد للحق و ترك الاستكبار عن قبوله، فأما المعارف فإنها بأسرها مما يلقيه الله سبحانه في قلوب عباده بعد اختيارهم للحق، ثم يكمل ذلك يوما فيوما بقدر أعمالهم و طاعاتهم حتى يوصلهم إلى درجة اليقين، و حسبك في ذلك ما وصل إليك من سيرة النبيين و أئمة الدين في تكميل أممهم و أصحابهم فإنهم لم يحيلوهم على الاكتساب و النظر، و تتبع كتب الفلاسفة و غيرهم، بل إنما دعوهم أولا إلى الإقرار بالتوحيد و سائر العقائد، ثم إلى تكميل النفس بالطاعات و الرياضات، حتى فازوا بما سعدوا به من أعالي درجات السعادات.

قال الفاضل المحدث أمين الدين الأسترآبادي في الفوائد المدنية: قد تواترت الأخبار عن أهل بيت النبوة متصلة إلى النبي صلى الله عليه و آله بأن معرفة الله بعنوان أنه الخالق للعالم، و أن له رضا و سخطا، و أنه لا بد من معلم من جهته تعالى ليعلم الخلق ما يرضيه و ما يسخطه من الأمور الفطرية التي وقعت في القلوب بإلهام فطري إلهي، و ذلك كما قالت الحكماء: الطفل يتعلق بثدي أمه بإلهام فطري الهي، و توضيح ذلك أنه تعالى ألهمهم بتلك القضايا، أي خلقها في قلوبهم و ألهمهم بدلالات واضحة على تلك القضايا، ثم أرسل إليهم الرسول و أنزل عليهم الكتاب، فأمر فيه و نهى فيه، و بالجملة لم يتعلق وجوب و لا غيره من التكليفات إلا بعد بلوغ خطاب الشارع، و معرفة الله قد حصلت لهم قبل بلوغ الخطاب بطريق إلهام بمراتب، و كل من بلغته‏

                                                مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 223

دعوة النبي صلى الله عليه و آله يقع في قلبه من الله يقين بصدقه، فإنه قد تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام بأنه ما من أحد إلا و قد يرد عليه الحق حتى يصدع قلبه، قبله أو تركه.

و قال في موضع آخر: قد تواترت الأخبار أن معرفة خالق العالم و معرفة النبي و الأئمة عليهم السلام ليستا من أفعالنا الاختيارية، و أن على الله بيان هذه الأمور و إيقاعها في القلوب بأسبابها، و أن على الخلق بعد أن أوقع الله تلك المعارف الإقرار بها و العزم على العمل بمقتضاها.

ثم قال في موضع آخر: قد تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام بأن طلب العلم فريضة على كل مسلم كما تواترت بأن المعرفة موهبية غير كسبية، و إنما عليهم اكتساب الأعمال فكيف يكون الجمع بينهما؟ أقول: الذي استفدته من كلامهم عليهم السلام في الجمع بينهما: أن المراد بالمعرفة ما يتوقف عليه حجية الأدلة السمعية من معرفة صانع العالم، و أن له رضا و سخطا، و ينبغي أن ينصب معلما ليعلم الناس ما يصلحهم و ما يفسدهم، و من معرفة النبي صلى الله عليه و آله، و المراد بالعلم الأدلة السمعية كما قال صلى الله عليه و آله: العلم أما آية محكمة أو سنة متبعة أو فريضة عادلة، و في قول الصادق عليه السلام: إن من قولنا أن الله احتج على العباد بما آتاهم و عرفهم، ثم أرسل إليهم الرسول و أنزل عليهم الكتاب و أمر فيه و نهى، و في نظائره إشارة إلى ذلك، أ لا ترى أنه عليه السلام قدم أشياء على الأمر و النهي، فتلك الأشياء كلها معارف، و ما يستفاد من الأمر و النهي كله هو العلم، و يحتمل أيضا أن يراد بها معرفة الأحكام الشرعية و هو الذي ذهب إليه بعض أصحابنا حيث قال: المراد بهذه المعرفة التي يعذب و يثاب مخالفها و موافقها" انتهى".

لكن المشهور بين المتكلمين من أصحابنا و المعتزلة و الأشاعرة أن معرفته تعالى نظرية واجبة على العباد، و أنه تعالى كلفهم بالنظر و الاستدلال فيها، إلا أن الأشاعرة قالوا: تجب معرفته تعالى نقلا بالنظر، و المعرفة بعده من صنع الله تعالى‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 224

بطريق العادة، و سائرهم قالوا: تجب معرفته سبحانه عقلا بالنظر و المعرفة بعده من صنع العبد يولدها النظر، كما أن حركة اليد تولد حركة المفتاح، و هم قد اختلفوا في أول واجب على العباد، فقال أبو الحسن الأشعري: هو معرفته تعالى إذ هو أصل المعارف و العقائد الدينية، و عليه يتفرع كل واجب من الواجبات الشرعية، و قيل هو النظر في معرفته تعالى لأن المعرفة تتوقف عليه، و هذا مذهب جمهور المعتزلة و قيل: هو أول جزء منه، لأن وجوب الكل يستلزم وجوب أجزائه، فأول جزء من النظر واجب و مقدم على النظر المقدم على المعرفة، و قيل: هو القصد إلى النظر، لأن النظر فعل اختياري مسبوق بالقصد المقدم على أول جزء من أجزاء النظر، و قال شارح المواقف: النزاع لفظي إذ لو أريد الواجب بالقصد الأول، أي أريد أول الواجبات المقصودة أولا و بالذات فهو المعرفة اتفاقا، و إن أريد أول الواجبات مطلقا فالقصد إلى النظر، لأنه مقدمة للنظر الواجب مطلقا فيكون واجبا أيضا.

 (الحديث الثالث)

 (1): حسن موثق.

قوله سبحانه:" وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً"

 (2) أي يسميهم ضلالا أو يؤاخذهم مؤاخذتهم، أو يسمهم بسمة الضلالة يعرف بها من يشاء من ملائكته إذا نظروا إليها أنهم من الضالين، أو يخذلهم بسلب اللطف و التوفيق منهم‏

" بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ"

 (3) قيل:

يحتمل أن تكون الهداية هيهنا بمعنى الإيصال إلى المطلوب، فمعناه أنه تعالى لا يخذل قوما أو لا يحتج على قوم و لا يحكم بضلالتهم بعد أن أوصلهم إلى المطلوب حتى يعرفهم ما يرضيه فيعملوا به، و ما يسخطه فيجتنبوا عنه، أي حتى يوفقهم لكل خير و يعصمهم‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 225

من كل شر فما بعد" حتى" داخل فيما قبلها، و يحتمل أن يكون بمعنى إراءة الطريق فمعناه أنه تعالى لا يخذل قوما أو لا يحكم بضلالتهم بعد إذ هداهم إلى الإيمان إلا بعد أن يعلمهم ما يرضيه و ما يسخطه فما بعد" حتى" خارج عن حكم ما قبلها" انتهى".

و فيه دلالة على أن التعريف من الله فيما يرضيه و فيما يسخطه من الشرائع و الواجبات و السنن و الأحكام، لكن لا ينافي ما مر،

و قوله: و قال فألهمها،

 (1) من كلام ثعلبة و ضميره راجع إلى حمزة، أي و سأله عن قوله تعالى:" فَأَلْهَمَها" و الضمير راجع إلى النفس، و المراد: بفجورها و تقويها، ما فيه فجورها و ما فيه تقويها، و

قوله عليه السلام:

بين لها ما تأتي و ما تترك،

 (2) أي المراد بالإلهام هو بيان أن الله تعالى و إعلامه بما ينبغي للنفس أن تأتي به مما ينفع لها بالأمر، و بما ينبغي لها أن تتركه مما يضرها بالنهي فالنشر على خلاف ترتيب اللف، قال البيضاوي: إلهام الفجور و التقوى إفهامهما، و تعريف حالهما، و التمكين من الإتيان بهما

" إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ"

 (3) أي سبيل الخيرات و الطاعات‏

" إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً".

 (4) قال البيضاوي: هما حالان من الهاء، و إما للتفصيل أو التقسيم أي هديناه في حالتيه جميعا أو مقسوما إليهما بعضهم شاكر بالاهتداء و الأخذ فيه، و بعضهم كفور بالإعراض عنه، أو من السبيل و وصفه بالشكر و الكفر مجاز

" قال: عرفناه"

 (5) بالتشديد أي السبيل‏

" إما آخذ"

 (6) تفسير للشاكر

" و إما تارك"

 (7) تفسير للكفور، و هذا شامل لجميع الواجبات الأصولية و الفروعية، و كذا قوله:

" وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ"

 (8) شامل لهما، و الهداية هنا بمعنى إراءة الطريق،

و في رواية: بينا لهم،

 (9) أي مكان عرفناهم.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 226

 (الحديث الرابع)

 (1): حسن موثق أيضا.

" نجد الخير"

 (2) أي عرفناه سبيلهما، و النجد في الأصل الطريق الواضح المرتفع، و فيه دلالة على أن الهداية تطلق على إراءة طريق الشر أيضا لأنها هداية إلى اجتنابه و تركه، أو هو على التغليب و قال السيد الداماد (ره) إذا أريد تخصيص الهداية بالخير قيل أي نجدي العقل النظري و العقل العملي، و سبيلي كمال القوة النظرية و كمال القوة العملية، أو نجدي المعاش و المعاد، أو نجدي الدنيا و الآخرة، أو نجد الجنة و العقاب و الثواب و الفناء المطلق في نور وجه الله البهجة الحقة للقاء بقائه.

 (الحديث الخامس)

 (3): مجهول.

قوله: هل جعل في الناس أداة،

 (4) أي آلة من العقل و الفهم ينالون بها بدون التعريف و التوقيف المعرفة بأحد المعاني المتقدمة،

" فهل كلفوا المعرفة"

 (5) أي بالنظر و الاستدلال‏

" على الله البيان"

 (6) أي و عليهم القبول كما روي في التوحيد عن الصادق عليه السلام قال: ليس لله على الخلق أن يعرفوا قبل أن يعرفهم، و للخلق على الله أن يعرفهم، و لله على الخلق إذا عرفهم أن يقبلوا، ثم أشار عليه السلام إلى أن تكليفهم بالمعرفة أو بكمالها تكليف بالمحال،

بقوله:" لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها"

 (7) و الوسع أوسع من الطاقة،

" و لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها"

 (8) أي ما آتاها علمه، و ظاهره أن المعارف توقيفية، و تكليفهم بتحصيلها تكليف بالمحال و قد سبق الكلام فيه.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 227

 (الحديث السادس)

 (1): مرفوع.

قوله عليه السلام: فحجته عليه القيام بما كلفه،

 (2) أي ما يحتج به عليه بعد التعريف قوة القيام بما كلف به، أو المحتج له القيام بالمكلف به، و هذا أظهر و أوفق بما بعده من جعل التعاهد للفقراء بنوافل ماله و الحمد على شرفه و جماله، و عدم التطاول على غيره، من الحجة و حينئذ ينبغي حمل‏

قوله" فحجته عليه ماله"

 (3) على أن المحتج له إصلاح ماله و صرفه في مصارفه و حفظه عن التضييع و الإسراف فيه.

باب [اختلاف الحجة على عباده‏]

 (4) ليس الباب في بعض النسخ، و إنما لم يعنون لأنه من الباب الأول، و إنما أفرد لامتياز حديثه بخصوصية كما لا يخفى.

 (الحديث الأول)

 (5): ضعيف‏

" المعرفة و الجهل"

 (6) أقول: قد مر الكلام فيهما سابقا و نقل إجماع المتكلمين على وجوب‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 228

النظر في معرفة الله تعالى، بل إجماع الأمة عليه، و إنما اختلفوا في أن وجوبها عقلي أو شرعي و نسب إلى البراهمة أنها تحصل بالإلهام، و إلى الملاحدة أنها تحصل بالتعليم، و إلى المتصوفة أنها تحصل بتصفية الباطن و الرياضات، و ربما يقال: إن النظر في معرفة الله تعالى و صفاته و أفعاله و العقائد الدينية على ما تفعله المتكلمون بدعة في الدين، لم ينقل عن النبي صلى الله عليه و آله و الصحابة و الخلفاء الراشدين، و لو كانوا قد اشتغلوا بها لنقل إلينا لتوفر الدواعي على نقله كما نقل اشتغالهم بالمسائل الفقهية على اختلاف أصنافها، و أجيب بمنع عدم النقل بل تواتر أنهم كانوا يبحثون عن دلائل التوحيد و ما يتعلق به، و القرآن مملوء منه، و هل ما يذكر في كتب الكلام إلا قطرة من بحر مما نطق به الكتاب الكريم؟ نعم أنهم لم يدونوها و لم يشتغلوا بتقرير المذاهب و تحرير الاصطلاحات، و لم يبالغوا في تفصيل الأسئلة و تلخيص الجوابات لاختصاصهم بصفاء النفوس و قوة الأذهان، و مشاهدة الوحي المقتضية لفيضان أنوار العرفان، و التمكن من مراجعة من يفيدهم و يدفع عنهم ما عسى أن يعرض لهم من الشكوك و الشبهات في كل حين، مع قلة عناد المعاندين و ندرة تشكيك المشككين، بخلاف زمان من بعدهم إلى زماننا هذا، حيث كثرت المذاهب و المقالات، و شاعت المنازعات و المجادلات، فاجتمع بالتدريج لأهل الأعصار التالية جميع ما حدث في الأزمان و القرون الخالية، فاحتيج إلى تدوين مسائل الكلام و تقرير كل ما أورد على كل حجة من النقض و الإبرام.

قالوا: فإن ادعى أن هذا التدوين بدعة فرب بدعة حسنة، و ذلك بعينه كالاشتغال بتدوين الفقه و أصوله، و ترتيب أبوابه و فصوله، فإنه حدث بعد ما لم يكن فكما ليس ذلك بقادح في الفقه ليس هذا بضائر للكلام، و قد أمر الله سبحانه بالنظر في آيات كثيرة كقوله تعالى:" قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ" و قوله تعالى:" فَانْظُرْ إِلى‏ آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها" فأمر بالنظر و هو

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 229

للوجوب، و لما نزل:" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ" قال النبي صلى الله عليه و آله: ويل لمن لاكها بين لحيتيه و لم يتفكر فيها، فقد أوعد بترك التفكر في دلائل المعرفة، فيكون واجبا، إذ لا وعيد على ترك غير الواجب أقول: قال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب المقالات: المعرفة بالله تعالى اكتساب و كذلك المعرفة بأنبيائه عليهم السلام و كل غائب، و إنه لا يجوز الاضطرار إلى معرفة شي‏ء مما ذكرناه و هو مذهب كثير من الإمامية و البغداديين من المعتزلة خاصة، و يخالف فيه البصريون من المعتزلة و المجبرة و الحشوية من أصحاب الحديث، و قال في موضع آخر منه: العلم بالله عز و جل و أنبيائه عليهم السلام و بصحة دينه الذي ارتضاه و كل شي‏ء لا تدرك حقيقته بالحواس، و لا تكون المعرفة به قائمة في البداهة و إنما يحصل بضرب من القياس لا يصح أن يكون من جهة الاضطرار، و لا يحصل على الأحوال كلها إلا من جهة الاكتساب، كما لا يصح وقوع العلم بما طريقه الحواس من جهة القياس، و لا يحصل العلم في حال من الأحوال بما في البداهة.

ثم قال رحمه الله: العلم بصحة جميع الأخبار طريقه الاستدلال و هو حاصل من جهة الاكتساب، و لا يصح وقوع شي‏ء منه بالاضطرار، و القول فيه كالقول في جملة الغائبات، و إلى هذا القول ذهب جمهور البغداديين و يخالف فيه البصريون و المشبهة و أهل الأخبار، و أما العلم بالحواس فهو على ثلاثة أضرب، فضرب هو من فعل الله تعالى، و ضرب من فعل الحاس، و ضرب من فعل غيره من العباد، فأما فعل الله تعالى فهو ما حصل للعالم به عن سبب من الله، كعلمه بصوت الرعد و لون البرق و وجود الحر و البرد و أصوات الرياح و ما أشبه ذلك مما يبده ذو الحاسة من غير أن يتعمد لإحساسه، و يكون بسبب من الله سبحانه، ليس للعباد فيه اختيار، فأما فعل الحاس فهو ما حصل له عقيب فتح بصره أو الإصغاء بإذنه أو التعمد لإحساسه بشي‏ء من حواسه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 230

أو يفعله السبب الموجب لإحساس المحسوس، و حصول العلم به، و أما فعل غير الحاس من العباد فهو ما حصل للحاس بسبب من بعض العباد كالصائح بغيره و هو غير متعمد لسماعة أو المولم له فلا يمتنع من العلم بالألم عند إيلامه و ما أشبه ذلك، و هذا مذهب جمهور المتكلمين من أهل بغداد و مخالف فيه من سميناه" انتهى".

و أقول: الغرض من إيراد هذه الوجوه أن تطلع على مذاهب القوم في ذلك، و إن كان للنظر فيها مجال واسع، و لنتكلم على الخبر فنقول: قد عرفت الوجوه التي يمكن حمل أمثال هذا الخبر عليه، و لنعد بعضها:

الأول: أنه يصح على القول بأن جميع العلوم و المعارف فائضة من قبل الله سبحانه بحسب استعدادات العباد و قابلياتهم إما بلا واسطة أو بتوسط الأنبياء و الأوصياء عليهم السلام، و إنما الواجب على الخلق أن يخلو أنفسهم عن الأغراض الدنية و الحمية و العصبية، و يصيروا طالبين للحق ثم بعد إفاضة الحق عليهم أن يقروا بها ظاهرا و لا ينكروا و لا يكونوا كالذين قال الله سبحانه فيهم:" جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ".

قال المحقق الطوسي روح الله روحه القدوسي: و لا بد فيه أي في العلم من الاستعداد، أما الضروري فبالحواس، و أما الكسبي فبالأول، و قال العلامة رفع الله مقامه في شرحه: قد بينا أن العلم أما ضروري و إما كسبي، و كلاهما حصل بعد عدمه، إذ الفطرة البشرية خلقت أولا عارية عن العلوم، ثم يحصل لها العلم بقسميه فلا بد من استعداد سابق مغاير للنفس، و فاعل للعلم، فالضروري فاعله هو الله تعالى إذ القابل لا يخرج المقبول من القوة إلى الفعل بذاته، و إلا لم ينفك عنه، و للقبول درجات مختلفة في القرب و البعد، و إنما يستعد النفس للقبول على التدريج فينتقل من أقصى مراتب البعد إلى أدناها قليلا قليلا لأجل المعدات التي هي الإحساس بالحواس على اختلافها، و التمرن عليها و تكرارها مرة بعد أخرى، فيتم الاستعداد

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 231

لإفاضة العلوم البديهية الكلية من التصورات و التصديقات بين كليات تلك المحسوسات و أما النظرية فإنها مستفادة من النفس أو من الله تعالى على اختلاف الآراء، لكن بواسطة الاستعداد بالعلوم البديهية، أما في التصورات فبالحد و الرسم، و أما في التصديقات فبالقياسات المستندة إلى المقدمات الضرورية" انتهى".

و ظاهر كلام المصنف أن الإفاضة من المبدأ الفياض، و ليس من فعل النفس بالتوليد كما ذهب إليه المعتزلة.

و قال صاحب الفوائد المدنية رحمه الله: هنا إشكال كان لا يزال يخطر ببالي من أوائل سني، و هو أنه كيف تقول بأن التصديقات فائضة من الله تعالى على النفوس الناطقة، و منها كاذبة و منها كفرية، هذا إنما يتجه على رأي جمهور الأشاعرة القائلين بجواز العكس بأن يجعل الله كل ما حرمه واجبا و بالعكس، المنكرين للحسن و القبح الذاتيين، لا على رأي محققيهم، و لا على رأي المعتزلة، و لا على رأي أصحابنا؟

و الجواب أن التصديقات الصادقة فائضة على القلوب بلا واسطة أو بواسطة ملك، و هي تكون جزما أو ظنا، و التصديقات الكاذبة تقع في القلوب بإلهام الشيطان، و هي لا تتعدى الظن و لا تبلغ إلى حد الجزم، و في الأحاديث تصريحات بأن من جملة نعماء الله تعالى على بعض عبادة أنه يسلط ملكا يسدده و يلهمه الحق، و من جملة غضب الله على بعض أنه يخلى بينه و بين الشيطان ليضله عن الحق و يلهمه الباطل، و بأن الله تعالى يحول بين المرء و بين أن يجزم جزما باطلا" انتهى".

و على ما ذكره يكون المراد بالمعرفة العلم اليقيني المطابق، و الجهل يشمل البسيط و المركب، و نسبته إليه سبحانه من جهة التخلية، و لا يرد على شي‏ء من تلك الوجوه عدم معاقبة الكفار و المخالفين على عقائدهم الباطلة، لأنهم إما موقنون في أنفسهم منكرون ظاهرا فيعاقبون على الإنكار أو غير موقنين لتقصيرهم في المبادئ، فلذا يعاقبون.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 232

و يؤيده ما رواه الصدوق في التوحيد عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله عليه السلام اختلف الناس جعلت فداك بالعراق في المعرفة و الجحود، فأخبرني جعلت فداك أ هما مخلوقان؟ فكتب عليه السلام: اعلم رحمك الله أن المعرفة من صنع الله عز و جل في القلب مخلوقة، و الجحود صنع الله في القلب مخلوق، و ليس للعباد فيهما من صنع، فلهم فيهما الاختيار من الاكتساب، فبشهوتهم الإيمان اختاروا المعرفة، فكانوا بذلك مؤمنين عارفين، و بشهوتهم الكفر اختاروا الجحود فكانوا بذلك كافرين جاحدين ضلالا، و ذلك بتوفيق الله لهم و خذلان من خذله الله، فبالاختيار و الاكتساب عاقبهم الله و أثابهم، إلى آخر الخبر.

إذ ظاهره أن المفيض للمعارف هو الرب تعالى، و للنظر و التفكر و الطلب مدخل فيها، و إنما يثابون و يعاقبون بفعل تلك المبادئ و تركها، و يحتمل أن يكون المعنى أن المعرفة ليست إلا من قبله تعالى، إما بإلقائها في قلوبهم أو ببيان الأنبياء و الحجج عليهم السلام، و إنما كلف العباد بقبول ذلك و إقرارهم به ظاهرا و تخلية النفس قبل ذلك لطلب الحق عن العصبية و العناد، و عما يوجب الحرمان عن الحق من تقليد أهل الفساد، فهذا هو المراد بالاختيار من الاكتساب، ثم بين عليه السلام أن لتوفيق الله و خذلانه أيضا مدخلا في ذلك الاكتساب أيضا كما مر تحقيقه.

الثاني: أن يخص بمعرفة الخالق و الإقرار بوجوده سبحانه، فإنها فطرية كما عرفت، و روي في قرب الإسناد من معاوية بن حكيم عن البزنطي قال: قلت للرضا عليه السلام: للناس في المعرفة صنع؟ قال: لا، قلت: لهم عليها ثواب؟ قال: يتطول عليهم بالثواب كما يتطول عليهم بالمعرفة، و روي في المحاسن بسند صحيح عن صفوان قال: قلت للعبد الصالح: هل في الناس استطاعة يتعاطون بها المعرفة؟ قال: لا، إنما هو تطول من الله، قلت: أ فلهم على المعرفة ثواب إذا كان ليس لهم فيها ما يتعاطونه بمنزلة الركوع و السجود الذي أمروا به ففعلوه؟ قال: لا إنما هو تطول من الله عليهم‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 233

و تطول بالثواب. و في الصحيح أيضا عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز و جل:

" وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ" قال:

كان ذلك معاينة فأنساهم المعاينة و أثبت الإقرار في صدورهم، و لو لا ذلك ما عرف أحد خالقه و لا رازقه، و هو قول الله:" وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ".

الثالث: أن يعم بحيث يشمل جميع أصول الدين، و يكون المراد أن الهداية إنما هو من الله سبحانه كما قال:" إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ" لأن الله تعالى أعطى العقل و أقام الحجج على وجوده و علمه و قدرته و حكمته في الآفاق و الأنفس، ثم بعث الأنبياء عليهم السلام ليبينوا للناس ما لا يفي به عقولهم، و أيدهم بالمعجزات الباهرات، ثم نصب لهم الأوصياء فترجع أسباب الهداية كلها إليه سبحانه، و ليس للعباد فيها مدخلية تامة، و يكون المراد بالجهل الجهل ببعض الأمور كمن لم تقم عليه حجة من المستضعفين في الإمامة و غيرها، فيعذرهم أو بالجميع كالمجانين.

الرابع: أن يكون المراد سوى ما يتوقف عليه العلم بحقية الرسل عليهم السلام، فالمراد أن ما سوى ذلك توقيفية يعرفها الله بتوسطهم عليهم السلام و لم يكلفهم تحصيلها بالنظر كما قررنا سابقا.

الخامس: أن يكون المراد بالمعرفة كمالها، و بالجهل مقابله فإنهما بتوفيق الله سبحانه و خذلانه بأسباب راجعة إلى العبد كما دلت عليه الأخبار و شهدت به التجربة و الاعتبار.

السادس: أن تحمل على العلم بالأحكام الشرعية ردا على المخالفين القائلين بجواز استنباطها بقياس العقول و استحساناتها، كما روى البرقي في المحاسن بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: ليس على الناس أن يعلموا حتى يكون الله هو المعلم لهم، فإذا علمهم فعليهم أن يعلموا، و قد مضت الأخبار الدالة على النهي عن‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 234

اتباع الأهواء و العمل بالقياس في الدين.

السابع: حمله على التقية لموافقته ظاهر المذاهب الأشاعرة و أشباههم، لكن لا ضرورة فيه، و حمله على بعض الوجوه السابقة أظهر.

و الرضا

 (1) كيفية نفسانية تنفعل بها النفس و تتحرك نحو قبول شي‏ء، سواء كان ذلك الشي‏ء مرغوبا لها أو مكروها،

و الغضب‏

 (2) حالة نفسانية تنفعل بها النفس و تتحرك نحو الانتقام، و قد يطلقان على نفس الانفعالين،

و النوم‏

 (3) حالة تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواس عن أفعالها، لعدم انصباب الروح الحيواني إليها،

و اليقظة

 (4) زوال تلك الحالة.

و أقول: لعل تخصيص تلك الستة من بين سائر الصفات النفسانية لأنها مما يتوهم فيها كونها بالاختيار، أو يقال: أنها أصول الكيفيات النفسانية فيظهر سائرها بالمقايسة، كاللذة و الألم، و الإرادة و الكراهة و الحياة و الموت، و الصحة و المرض، و الفرح و الغم، و الحزن و الهم، و البخل و الحقد و أشباهها، و الأول أظهر.

باب حجج الله على خلقه‏

 (5)

 (الحديث الأول)

 (6): ضعيف.

و يعرف شرحه مما مر في الأخبار السابقة، و هذه الأخبار و أمثالها مما يدل على الحسن و القبح العقليين.

 (الحديث الثاني)

 (7): مجهول.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 235

قوله من لم يعرف،

 (1) على بناء المعلوم من المجرد أو المجهول من باب التفعيل‏

" شيئا"

 (2) على العموم أي شيئا من الأشياء بإرسال الرسل أو الوحي أو الإلهام، هل يجب عليه شي‏ء يؤاخذ بتركه و يعاقب عليه؟ أو المراد من لم يعرف شيئا خاصا بتعريفه سبحانه هل يجب ذلك الشي‏ء عليه و يؤاخذ بتركه؟ و الجواب بنفي الوجوب أما على الأول فلقوله تعالى:" وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا" و لأن من لم يعرف شيئا حتى المعرفة بالله سبحانه التي من صنع الله كما مر على بعض الوجوه كيف يؤاخذ بعدم المعرفة به، و بما يترتب عليه كما قيل، و أما على الثاني فللآية و لأن مؤاخذة الغافل عن الشي‏ء من غير أن ينبه عليه و عقابه على تركه قبيح عقلا، و قيل: إفاضة المعرفة من الله لا يعاقب على عدمها، و إنما يعاقب على ترك التحصيل كما مر في بعض الوجوه، و يدل على أن الجاهل معذور، و على أن من لم تبلغه الدعوة و لم تتم عليه الحجة غير معاقب.

 (الحديث الثالث)

 (3): مجهول.

قوله: ما حجب الله عن العباد،

 (4) و في التوحيد" علمه" و ظاهره عدم تكليف العباد في التفكر في الأمور التي لم تبين لهم في الكتاب و السنة، و ربما يحمل على ما ليس في وسعهم العلم به كأسرار القضاء و القدر و أمثالها، و على التقادير يدل على أن الجاهل بالحكم مع عدم التقصير في تحصيله معذور.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 236

 (الحديث الرابع)

 (1): حسن موثق.

قوله عليه السلام: اكتب،

 (2) يدل على استحباب كتابة الحديث و لعل الأمر هنا للاعتناء بشأن ما يمليه لئلا ينسى شيئا منه، و الإملاء الإلقاء على الكاتب ليكتب، و أصله من المضاعف فأبدل الثاني ياء، كما قال تعالى على الأصل:" وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ"

" بما آتاهم"

 (3) أي من العقول‏

" و عرفهم"

 (4) و لعل المراد هنا معرفة الله سبحانه التي عرفها العباد بفطرهم عليها، أو بنصب الدلائل الواضحة في الآفاق و الأنفس عليها، و يدل عليه‏

قوله عليه السلام: ثم أرسل إليهم،

 (5) فإن إرسال الرسول إنما يتأخر عن هذا التعريف‏

" و أنزل عليهم"

 (6) و في التوحيد" عليه" بإرجاع الضمير إلى الرسول و خص الصلاة و الصيام بالذكر لأنهما من أعاظم أركان الإيمان و الإسلام، فنام رسول الله صلى الله عليه و آله هذا النوم رواه العامة و الخاصة أنه صلى الله عليه و آله نام في المعرس حتى طلعت الشمس، و من أنكر سهو النبي لم ينكر هذا كما ذكره الشهيد (ره) لكنه ينافي ظاهرا ما عد من خصائصه صلى الله عليه و آله أنه كان ينام عينه و لا ينام قلبه، فيلزم ترك الصلاة متعمدا.

و أجيب عنه بوجوه:" الأول" أن المراد لا ينام قلبه في الأكثر و هذه الإنامة كانت لمصلحة فكان كنوم الناس.

الثاني: ما ذكره بعض العامة أن المراد أنه لا يستغرقه النوم حتى يصدر منه الحدث.

الثالث: ما قال بعضهم أيضا إنه صلى الله عليه و آله أخبر أن عينيه تنامان و هما اللتان نامتا هيهنا، لأن طلوع الفجر يدرك بالعين لا بالقلب، و لا يخفى ما فيه إذ ظاهر

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 237

أن الغرض اطلاعه عليه السلام على ما يخفى على النائم، سواء كان مما يدرك بالعين أم لا كما يدل عليه قصة ابن أبي رافع و غيرها، و أوردناها في الكتاب الكبير.

الرابع: ما يخطر بالبال و هو أنه صلى الله عليه و آله لم يكن مكلفا بالعمل بما يعلمه من غير الجهات التي يعلم بها سائر الخلق، لأنه صلى الله عليه و آله كان يعلم كفر المنافقين و لم يكن مأمورا بالعمل بما يقتضيه هذا العلم من قتلهم و الاجتناب عنهم و عدم مناكحتهم و غيرها من الأحكام، و كان الأئمة عليه السلام يعلمون كون السم في الطعام أو الذهاب إلى العدو يوجب القتل أو هزيمة الأصحاب و لم يكونوا مكلفين بالعمل بهذا العلم، فلا يبعد أن يكون مع العلم بالفجر الصلاة ساقطة عنه أو مأمورا بتركها لتلك المصلحة، و يمكن أن يعد هذا الوجه الأخير جوابا خامسا و سيأتي بعض القول فيه في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى: أنا أنمتك، في بعض النسخ‏

أنيمك‏

 (1) على صيغة المضارع كما في التوحيد و هو أصوب، و هذا الكلام و ما بعده لبيان أن الله تعالى لم يضيق على العباد في التكاليف بل وسع عليهم فيها، فكيف يتوهم أنه جبرهم على المعاصي أو كلفهم ما لا يعلمون أو لا يطيقون؟

و قوله عليه السلام: و لله عليه الحجة،

 (2) كالدليل على ذلك، فإنه لا حجة على المجبور و لا على الجاهل لكونهما معذورين،

و قوله: و لله فيه المشية،

 (3) إشارة إلى نفي التفويض كما عرفت، كما صرح به‏

بقوله: و لا أقول إنهم ما شاء و اصنعوا،

 (4) بل لا بد من إذنه تعالى و توفيقه أو خذلانه و تخليته كما مر، أو المراد نفي التفويض بمعنى عدم الحصر بالأمر و النهي، و هو بعيد.

" إن الله يهدي و يضل"

 (5) قيل: أي يثيب و يعاقب أو يرشد في الآخرة إلى طريق‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 238

الجنة و النار للمطيع و العاصي كما قيل في قوله تعالى:" سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بالَهُمْ" أو ينجي و يهلك كما فسر قوله تعالى:" لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ" بالنجاة و فسرت الضلالة في قوله تعالى:" فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ" و في قوله:" أَ إِذا ضَلَلْنا" بالهلاك أو يكون نسبة الهداية و الإضلال إليه مجازا باعتبار أقداره على الخيرات و المعاصي، و الأظهر أن المراد بهما التوفيق للخيرات لمن يستحقه، و سلبه و خذلانه ممن لا يستحقه كما مر.

و قال المحقق الطوسي (ره) في التجريد: الإضلال إشارة إلى خلاف الحق و فعل الضلالة، و الإهلاك و الهدى مقابل، و الأولان منفيان عنه تعالى، و قال العلامة قدس سره في الشرح: يطلق الإضلال على الإشارة إلى خلاف الحق و البأس الحق بالباطل، كما تقول: أضلني فلان عن الطريق إذا أشار إلى غيره، و أوهم أنه هو الطريق و يطلق على فعل الضلالة في الإنسان كفعل الجهل فيه، حتى يكون معتقدا خلاف الحق، و يطلق على الإهلاك و البطلان كما قال الله تعالى:" فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ" بمعنى فلن يبطلها، و الهدى يقال لمعان ثلاثة مقابلة لهذه المعاني، فيقال بمعنى أعمالهم" بمعنى فلن يبطلها، و الهدى يقال لمعان ثلاثة مقابلة لهذه المعاني، فيقال بمعنى نصب الدلالة على الحق كما تقول: هداني إلى الطريق، و بمعنى فعل الهدى في الإنسان حتى الدلالة على الحق كما تقول: هداني إلى الطريق، و بمعنى فعل الهدى في الإنسان حتى يعتقد المشي على ما هو به، و بمعنى الإثابة كقوله تعالى:" سَيَهْدِيهِمْ" يعني سيثيبهم و الأولان منفيان عنه تعالى بمعنى الإشارة إلى خلاف الحق و فعل الضلالة، لأنهما قبيحان و الله تعالى منزه عن فعل القبيح، و أما الهداية فإن الله نصب الدلالة على الحق و فعل الهداية الضرورية في العقلاء و لم يفعل الإيمان فيهم لأنه كلفهم به و يثيب على الإيمان، فمعاني الهداية صادقة في حقه تعالى إلا فعل ما كلف به، و إذا قيل: إن الله تعالى يهدي و يضل، فإن المراد به أنه يهدي المؤمنين بمعنى أنه يثيبهم، و يضل‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 239

العصاة بمعنى أنه يهلكهم و يعاقبهم، و قول موسى عليه السلام:" إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ" فالمراد بالفتنة الشدة و التكليف الصعب،" تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ" أي تهلك من تشاء و هم الكفار" انتهى".

و قال الفاضل المحدث الأسترآبادي (ره) في حاشيته على هذا الحديث: يجي‏ء في باب ثبوت الإيمان أن الله خلق الناس كلهم على الفطرة التي فطرهم عليها لا يعرفون إيمانا بشريعة و كفرا بجحود، ثم بعث الله الرسل يدعو العباد إلى الإيمان به، فمنهم من هدى الله و منهم من لم يهد الله، و أقول: هذا إشارة إلى الحالة التي سمتها الحكماء العقل الهيولاني و معنى الضال هو الذي انحرف عن صوب الصواب و لما لم يكن قبل إرسال الرسل و إنزال الكتب صوب صواب امتنع حينئذ الانحراف عنه، و لما حصل أمكن ذلك، فيكون الله تعالى سببا بعيدا في ضلالة الضال، و هذا هو المراد بقوله عليه السلام:" يضل".

و قال في الفوائد المدنية: و أما أنه تعالى هو المضل فقد تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام بأن الله يخرج العبد من الشقاوة إلى السعادة و لا يخرجه من السعادة إلى الشقاوة، فلا بد من الجمع بينهما، و وجه الجمع كما يستفاد من الأحاديث و إليه ذهب ابن بابويه: أن من جملة غضب الله تعالى على العباد أنه إذا وقع منهم عصيان ينكت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب و أناب يزيل الله تعالى تلك النكتة، و إلا فتنتشر تلك النكتة حتى تستوعب قلبه كله، فحينئذ لا يرد قلبه إلى موضعه دليل.

لا يقال: من المعلوم أنه مكلف بعد ذلك، فإذا امتنع تأثر قلبه بكون تكليفه بالطاعة من قبيل التكليف بما لا يطاق؟.

لأنا نقول: من المعلوم أن انتشار النكتة لا ينتهي إلى حد تعذر التأثر، و مما يؤيد هذا المقام ما اشتمل عليه كثير من الأدعية المأثورة عن أهل بيت النبوة صلوات‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 240

الله عليهم من الاستعاذة بالله من ذنب لا يوفق صاحبه للتوبة بعده أبدا. ثم أقول:

هيهنا دقيقة أخرى و هي أنه يستفاد من قوله تعالى:" وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ" أي نجد الخير و نجد الشر، و من نظائره من الآيات و الروايات، و من قوله تعالى:" أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ" و من نظائره من الآيات و الروايات أن تصوير النجدين و تمييز نجد الخير من نجد الشر من جانبه تعالى، و أنه تعالى قد يحول بين المرء و بين أن يميل إلى الباطل، و قد لا يحول و يخلي بينه و بين الشيطان ليضله عن الحق و يلهمه الباطل، و ذلك نوع من غضبه، و يتضرع على اختيار العبد العمى بعد أن عرفه الله تعالى نجد الخير و نجد الشر، فهذا معنى كونه تعالى هاديا و مضلا، و بالجملة أن الله يقعد أولا في أحد أذني قلب الإنسان ملكا، و في أحد أذنيه شيطانا ثم يلقى في قلبه اليقين بالمعارف الضرورية، فإن عزم الإنسان على إظهار تلك المعارف و العمل بمقتضاها يزيد الله في توفيقه، و إن عزم على إخفائها و إظهار خلافها يرفع الملك عن قلبه و يخلي بينه و بين الشيطان ليلقي في قلبه الأباطيل الظنية، و هذا معنى كونه تعالى مضلا لبعض عباده" انتهى".

و قال بعض المحققين في جواب استدلال الأشاعرة بقوله تعالى:" يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ" على مذهبهم الفاسد: هذا مدفوع بما فصله الأصحاب في تحقيق معنى الهداية و الضلالة، و حاصله أن الهدى يستعمل في اللغة بمعنى الدلالة و الإرشاد نحو" إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى‏" و بمعنى التوفيق نحو" وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً" و بمعنى الثواب نحو" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ" و بمعنى الفوز و النجاة نحو" لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ"

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 241

و بمعنى الحكم و التسمية نحو" أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ" يعني أ تريدون أن تسموا مهتديا من سماه الله ضالا، و حكم بذلك عليه. و الإضلال يأتي على وجوه:" أحدهما" الجهل بالشي‏ء يقال: أضل بعيره إذا جهل مكانه" و ثانيها" الإضاعة و الإبطال يقال: أضله أي إضاعة و أبطله، و منه قوله تعالى:" أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ" أي أبطلها" و ثالثها" بمعنى الحكم و التسمية يقال أضل فلان فلانا أي حكم عليه بذلك، و سماه به" و رابعها" بمعنى الوجدان و المصادفة، يقال: أضللت فلانا أي وجدته ضالا، كما يقال: أبخلته أي وجدته بخيلا، و عليه حمل قوله تعالى:" وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى‏ عِلْمٍ" أي وجده ضالا و حمل أيضا على معنى الحكم و التسمية و على معنى العذاب" و خامسها" أن يفعل ما عنده يضل و يضيفه مجازا لأجل ذلك كقوله تعالى:" يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً" أي يضل عنده كثير" و سادسها" أن يكون متعديا إلى مفعولين نحو" فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا"" لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ" و هذا هو الإضلال بمعنى الإغواء و هو محل الخطاب بيننا و بينهم، و ليس في القرآن و لا في السنة شي‏ء يضاف إلى الله تعالى بهذا المعنى" انتهى".

" و ما أمروا إلا بدون سعتهم"

 (1) أي أقل من طاقتهم، بل السعة أوسع من الطاقة و هو يتضمن السهولة، و يحتمل أن يكون- دون- بمعنى- عند-

" و لكن الناس لا خير فيهم"

 (2) إذ وسع عليهم هذه التوسعة، و مع ذلك لا يطيعونه، أو المراد أن ما لم يقع‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 242

من المأمور به ليس لأنهم لا يسعون بل لأنه لا خير فيهم، و يحتمل أن يكون المراد بالناس العامة المجبرة حيث ينسبون ربهم إلى الجور و الظلم، مع هذه التوسعة التي جعلها الله في التكاليف.

و قيل: المعنى المخالفون لا خير فيهم، حيث تمسكوا في أصول الدين و فروعه بمفتريات أوهامهم، و تركوا اتباع من جعله الله مبينا و هاديا لهم" ثم تلا عليه السلام" استشهادا لقوله: لم تجد أحدا في ضيق، و قوله: و ما أمروا إلا بدون سعتهم‏

" لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى‏ وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ"

 (1) لكمال فقرهم‏

" ما يُنْفِقُونَ"

 (2) في سبيل الجهاد

" حَرَجٌ"

 (3) فوضع عنهم تكليف الخروج و الحرج و الإثم للقعود عن الجهاد و التأخر عن الخروج‏

" ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ"

 (4) و هم الضعفاء و المرضى‏

" مِنْ سَبِيلٍ"

 (5) إلى معاتبتهم و مؤاخذتهم و تكليفهم ما ليس في وسعهم، و إنما وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على أن اتصافهم بصفة الإحسان و دخولهم في المجاهدين بالقلب و اللسان، و إن تخلفوا عنهم بالأبدان صار منشأ لنفي الحرج عنهم كما قال سبحانه:" إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ. وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" يغفر لهم خطيئاتهم و لا يكلفهم بما لا يطيقون‏

" وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ"

 (6) من فقراء الصحابة

" لِتَحْمِلَهُمْ"

 (7) إلى الجهاد بتحصيل الراحلة و الزاد لينفروا معك" قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ" قال: فوضع عنهم الجهاد و الحرج لأنهم لا يجدون ما يركبون و ما ينفقون.

قيل: و المقصود من ذكر الآية أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، فكيف يكلف الناس على اختلاف عقولهم و أهوائهم أن يكتسبوا المعارف و الأحكام بأوهامهم، و لا يبين لهم ذلك بهاد يهديهم و مرشد يرشدهم، و الله يعلم حقائق الأمور.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 243

باب الهداية أنها من الله عز و جل‏

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): مجهول.

قوله عليه السلام: ما لكم و للناس؟

 (3) الواو للعطف على الضمير المجرور بإعادة الجار، و العامل معنوي يشعر به كلمة الاستفهام و حروف الجر الطالبان للفعل، و المعنى:

ما تصنعون أنتم و الناس، ثم إن أخبار هذا الباب تشتمل على أمرين:

الأول: ترك المجادلة و المخاصمة و الاحتجاج في مسائل الدين، و الآيات و الأخبار في ذلك متعارضة ظاهرا إذ كثير منها دالة على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و فضل الهداية و التعليم، و دفع شبه المخالفين، و كثير منها تدل على رجحان الكف عن ذلك و عدم التعرض لهم و النهي عن المراء و المجادلة و المخاصمة.

و يمكن الجمع بينها بوجوه:" الأول" حمل أخبار النهي على التقية و الاتقاء على الشيعة فإنهم لحرصهم على هداية الخلق و دخولهم في هذا الأمر كانوا يلقون أنفسهم في المهالك، و يحتجون على المخالفين بما يعود به الضرر العظيم عليهم و على أنفسهم في المهالك، و يحتجون على المخالفين بما يعود به الضرر العظيم عليهم و على أئمتهم عليهم السلام، كما كان من أمر هشام بن الحكم و أضرابه، فنهوهم عن ذلك و أزالوا التوهم الذي صار سببا لحرصهم في ذلك من قدرتهم على هداية الخلق بالمبالغة و الاهتمام في الاحتجاج فيها، بأن الهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب من قبل الله تعالى، و لو علم الله المصلحة في جبرهم على اختيار الحق لكان قادرا عليه و لفعل، فإذا لم يفعل الله ذلك لمنافاته للتكليف و غير ذلك من المصالح، فلم تتعرضون أنتم للمهالك، مع عدم‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 244

قدرتكم عليه، و قد منع الله نبيه صلوات الله عليه من ذلك و قال:" إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ" و أما إظهار الحق فإنما يجب مع عدم التقية، مع أنه قد تبين الرشد من الغي و تمت الحجة عليهم بما رأوا من فضل الأئمة و علمهم و ورعهم و كمالهم، و فجور خلفائهم الجائرين و بغيهم، و انتشرت الأخبار الدالة على الحق بينهم، و يكفي ذلك لهدايتهم إن كانوا قابلين، و لإتمام الحجة عليهم إن كانوا متعنتين.

" الثاني" أن يكون الأمر بها عند عدم ظهور الحق و اشتباه الأمر على الناس و النهي عنها، أو تجويز تركها عند وضوح الحق و ظهور الأمر كما أشرنا إليه.

" الثالث" أن يحمل أخبار الأمر على ما إذا كان لظهور الحق و هداية الخلق، و أخبار النهي على ما إذا كان للمراء و المخاصمة، و إظهار الفضل و الكمال، و التعنت و الغلبة، و إن كان بالباطل، و هذا من أخس صفات الذميمة و أرذلها.

" الرابع" يمكن حمل بعض أخبار النهي على المسائل التي نهي عن الخوض فيها كمسألة القدر و كنه صفات الباري تعالى و أشباه ذلك.

" الخامس" أن يكون النهي محمولا على مجادلة من يعلم أنه لا يؤول إلى الحق لشدة رسوخه في باطله.

" السادس" أن يكون بعضها محمولا على من لا تقدر على إلقاء الحجج و دفع الشبه فيكون مخاصمته سببا لقوة حجة الخصم و رسوخه في ضلالته، و يدل عليه ما رواه الكشي عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن الناس يعيبون علي بالكلام و أنا أكلم الناس؟ فقال: أما مثلك من يقع ثم يطير فنعم، و أما من يقع ثم لا يطير فلا، و عن الطيار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: بلغني أنك كرهت مناظرة الناس؟ فقال: أما كلام مثلك فلا يكره من إذا طار يحسن أن يقع، و إن وقع يحسن أن يطير، فمن كان هكذا لا نكرهه، و عن حماد قال: كان أبو الحسن عليه السلام يأمر محمد

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 245

ابن حكيم أن يجالس أهل المدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه و آله و أن يكلمهم و يخاصمهم حتى كلمهم في صاحب القبر، و كان إذا انصرف إليه قال: ما قلت لهم؟ و ما قالوا لك؟

و يرضي بذلك منه، و عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ما فعل ابن الطيار؟ قال: قلت: مات، قال: رحمه الله و لقاه نضرة و سرورا فقد كان شديد الخصومة عنا أهل البيت.

و يؤيد الوجه الثالث ما روي في تفسير الإمام عليه السلام قال: ذكر عند الصادق عليه السلام الجدال في الدين، و أن رسول الله صلى الله عليه و آله و الأئمة المعصومين عليهم السلام قد نهوا عنه؟ فقال الصادق عليه السلام: لم ينه عنه مطلقا، لكنه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن، أ ما تسمعون إليه يقول:" وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" و قوله تعالى:

" ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين، و الجدال بغير التي هي أحسن محرم، و حرمه الله على شيعتنا، و كيف يحرم الله الجدال جملة و هو يقول:" وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى‏" قال الله تعالى:" تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" فجعل علم الصدق و الإيمان بالبرهان، و هل يؤتى بالبرهان إلا في الجدال بالتي هي أحسن، قيل: يا بن رسول الله فما الجدال بالتي هي أحسن و التي ليست بأحسن؟ فقال: أما الجدال بغير التي هي أحسن أن تجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلا ترده بحجة قد نصبها الله تعالى، و لكن تجحد قوله أو تجحد حقا يريد ذلك المبطل أن يعين به باطله فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة لأنك لا تدري كيف المخلص منه، فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم، و على المبطلين، أما المبطلون فيجعلون الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلة

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 246

و ضعف في يده حجة له على باطله، و أما الضعفاء منكم فتعمى قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل، ثم ذكر عليه السلام له احتجاجات النبي صلى الله عليه و آله على أرباب الملل الباطلة.

و مما يؤيد سائر الوجوه ما رواه الصدوق في الخصال عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: إياك و الخصومات فإنها تورث الشك و تحبط العمل، و تردي صاحبها، و عسى أن يتكلم الرجل بالشي‏ء لا يغفر له، و في المجالس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إياك و الخصومة في الدين فإنها تشغل القلب عن ذكر الله عز و جل و تورث النفاق و تكسب الضغائن و تستجيز الكذب.

و ما رواه الشيخ في مجالسه عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لأصحابه: اسمعوا مني كلاما هو خير لكم من الدهم الموقفة: لا يتكلم أحدكم بما لا يعنيه، و ليدع كثيرا من الكلام فيما يعينه، حتى يجد له موضعا، فرب متكلم في غير موضعه جنى على نفسه بكلامه، و لا يمارين أحدكم سفيها و لا حليما، فإنه من مارى حليما أقصاه، و من مارى سفيها أرداه، و في المحاسن عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام ادعوا الناس إلى ما في يدي؟ فقال: لا، قلت: إن استرشدني أحد أرشده؟ قال: نعم، إن استرشدك فأرشده، فإن استزادك فزده، فإن جاحدك فجاحده.

و روى السيد بن طاوس في كشف المحجة نقلا من كتاب عبد الله بن حماد عن عاصم الحناط عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام و أنا عنده: إياك و أصحاب الكلام و الخصومات و مجالستهم، فإنهم تركوا ما أمروا بعلمه، و تكلفوا ما لم يؤمروا بعلمه حتى تكلفوا علم السماء، يا أبا عبيدة خالط الناس بأخلاقهم و زائلهم بأعمالهم،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 247

و من الكتاب المذكور عن جميل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: متكلمو هذه العصابة من شرار من هم منهم، إلى غير ذلك من الأخبار التي أوردتها في كتاب بحار الأنوار.

و قال شارح التجريد القوشجي في سياق أدلة النافين لوجوب النظر شرعا:

و ثانيها: أن النبي صلى الله عليه و آله نهى عن الجدل كما في مسألة القدر، روي أنه صلوات الله عليه خرج على أصحابه فرآهم يتكلمون في القدر، فغضب حتى احمرت وجنتاه و قال:

إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا، عزمت عليكم أن لا تخوضوا فيه أبدا، و قال صلوات الله عليه: إذا ذكر القدر فأمسكوا، و لا شك أن النظر جدل، فيكون منهيا عنه لا واجبا، و أجيب: بأن ذلك النهي الوارد عن الجدل إنما هو حيث كان الجدل تعنتا و لجاجا بتلفيق الشبهات الفاسدة لترويج الآراء الباطلة، و دفع العقائد الحقة و إراءة الباطل في صورة الحق بالتلبيس و التدليس، كما قال تعالى:" وَ جادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ" و قال:" بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ" و قال" وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ" و مثل هذا الجدال لا نزاع في كونه منهيا عنه، و أما الجدل بالحق لإظهاره و إبطال الباطل فمأمور به، قال الله تعالى:" وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" و مجادلة الرسول لابن الزبعرى، و علي عليه السلام للقدري مشهورة إلى آخر ما قال.

الثاني: أن الهداية من الله سبحانه، و لا يقدر الخلق عليها، و هو حق، و محمول على الإيصال إلى المطلوب، و هو مما لا يقدر عليه غيره تعالى، و أما الهداية بمعنى إراءة الطريق فهي شأن الأنبياء و الأوصياء و العلماء، و ربما يحمل على أن مفيض العلم‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 248

هو الله تعالى كما مر، و الأول أظهر، و هو المراد

بقوله عليه السلام: على أن يهدوا عبدا يريد الله ضلالته،

 (1) و المراد بإرادة الضلالة أن يكله إلى نفسه، و يمنعه الألطاف الخاصة التي لا يستحقها، فيختار الضلالة، فإرادة الضلالة إرادة بالعرض و على المجاز، و ربما تأول الإرادة بالعلم الأزلي، أو بالعذاب و الهلاك كما مر، و كذا إرادة الهداية توفيقه و تأييده بما يصير سببا لاختياره الاهتداء، و ربما تأول بالإثابة و الإرشاد إلى طريق الجنة في الآخرة.

" و لا يقول أحد عمي"

 (2) أي هذا عمي و يلزمني هدايته‏

" فإن الله إذا أراد بعبد خيرا"

 (3) أي استحق الألطاف الخاصة

" طيب روحه"

 (4) من خبث العقائد الباطلة

" إلا عرفه"

 (5) أي أيقن أنه حق‏

" إلا أنكره"

 (6) أي لم يذعن به، و علم أنه باطل" ثم يقذف الله في قلبه كلمة يجمع بها أمره‏

" المراد بالكلمة

 (7) ولاية الأئمة عليهم السلام و وجوب متابعتهم فبها يتم نجاته لأنه يأخذ عنهم ما ينجيه من العقائد و الأعمال الحقة، أو الإخلاص و صدق النية في طلب الحق، و ترك الأغراض الباطلة، و قيل: أي كلمة التقوى و هي المعرفة الكاملة.

 (الحديث الثاني)

 (8): مجهول.

قوله عليه السلام: إذا أراد بعبد خيرا،

 (9) أي لطفا يستحقه بحسن اختياره، و قيل: أي علما

" نكت في قلبه نكتة"

 (10) أي أثر في قلبه تأثيرا و أفاض عليه علما يقينيا ينتقش‏

                                                مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 249

فيه من قولهم: نكت الأرض بالقضيب إذا أثر فيها، و سمي اليقين بالنور إذ به يظهر حقائق الأشياء على النفس،

و فتح مسامع القلب‏

 (1) كناية عن تهيئة لقبول ما يرد عليه من المعارف‏

" و وكل به ملك يسدده"

 (2) و يلهمه الحق، و يدفع عنه استيلاء الشيطان بالشبهات،

" و إذا أراد بعبد سوءا"

 (3) أي منع لطفه لعدم استحقاقه‏

" نكت في قلبه"

 (4) أي يخليه و الشيطان،

فينكت الشيطان في قلبه نكتة سوداء

 (5) من الجهالة و الضلالة، و ما يصير سببا لعدم قبول الحق‏

و سد مسامع قلبه،

 (6) أي لا يوفقه لقبول الحق و لا يفعل به ما فعل بمن استحق الألطاف الخاصة، فكأنه سبحانه سد مسامع قلبه، و هو مثل قوله سبحانه:" خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ"

" و وكل به شيطانا"

 (7) أي يخلي بينه و بين الشيطان لعدم قبوله هداية الرحمن، و إعراضه عن الحق بعد البيان.

قوله تعالى" فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ"

 (8) قال البيضاوي: أي يعرفه طريق الحق و يوفقه للإيمان‏

" يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ"

 (9) فيتسع له و يفسح ما فيه مجالة و هو كناية عن جعل النفس قابلة للحق مهيأة لحلوله فيها، مصفاة عما يمنعه و ينافيه‏

" وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً"

 (10) بحيث ينبو عن قبول الحق، فلا يدخله الإيمان‏

" كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ"

 (11) شبهه مبالغة في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه، فإن صعود السماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة.

و قال الطبرسي: قد ذكر في تأويل الآية وجوه:" أحدهما" أن معناه من يرد الله أن يهديه إلى الثواب و طريق الجنة يشرح صدره في الدنيا للإسلام، بأن يثبت عزمه عليه و يقوي دواعيه على التمسك، و يزيل عن قلبه وساوس الشيطان، و إنما يفعل ذلك لطفا و منا عليه و ثوابا على اهتدائه بهدي الله، و قبوله إياه و نظيره قوله سبحانه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 250

" وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً"" و يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً"" و مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ" عن ثوابه و كرامته" يَجْعَلْ صَدْرَهُ" في كفره" ضَيِّقاً حَرَجاً" عقوبة له علي تركه الإيمان من غير أن يكون سبحانه مانعا له عن الإيمان و سالبا إياه القدرة عليه، بل ربما يكون ذلك سببا داعيا له إلى الإيمان فإن من ضاق صدره بالشي‏ء كان ذلك داعيا له إلى تركه، و قد وردت الرواية الصحيحة أنه لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه و آله عن شرح الصدر ما هو؟ فقال صلى الله عليه و آله: نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له صدره، و ينفسخ قالوا: فهل لذلك من أمارة فيعرف بها؟ قال صلى الله عليه و آله: نعم الإنابة إلى دار- الخلود و التجافي عن دار الغرور، و الاستعداد للموت قبل نزوله.

و ثانيها: أن معنى الآية من يرد الله أن يثبته على الهدى يشرح صدره من الوجه الذي ذكرناه جزاء له على إيمانه و اهتدائه، و قد يطلق لفظ الهدى و المراد به الاستدامة كما قلناه في: اهدنا الصراط المستقيم" وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ" أي يخذله و يخلي بينه و بين ما يريده لاختياره الكفر، و تركه الإيمان" يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً" بأن يمنعه الألطاف التي ينشرح لها صدره لخروجه من قبولها، بإقامته على كفره.

و ثالثها: أن معنى الآية من يرد الله أن يهديه زيادة الهدى التي وعدها المؤمن يشرح صدره لتلك الزيادة لأن من حقها أن تزيد المؤمن بصيرة، و من يرد أن يضله عن تلك الزيادة بمعنى يذهبه عنها من حيث أخرج هو نفسه من أن تصح عليه" يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً" لمكان فقد تلك الزيادة لأنها إذا اقتضت في المؤمن ما قلناه، اقتضى في الكافر ما يضاده، و تكون الفائدة في ذلك الترغيب في الإيمان و الزجر عن الكفر، و قد روي عن ابن عباس أنه قال: إنما سمي قلب الكافر حرجا لأنه لا يصل الخير إلى قلبه، و في رواية أخرى: لا تصل الحكمة إلى قلبه، و لا يجوز أن يكون‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 251

المراد بالإضلال في الآية الدعاء إلى الضلال، و لا الأمر به، و لا الإجبار عليه، لإجماع الأمة على أن الله تعالى لا يأمر بالضلال، و لا يدعو إليه، فكيف يجبر عليه، و الدعاء إليه أهون من الإجبار عليه، و قد ذم الله سبحانه فرعون و السامري على إضلالهما عن دين الهدى في قوله:" وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى‏" و قوله:" وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ" و لا خلاف في أن إضلالهما إضلال أمر و إجبار و دعاء، و قد ذمهما الله سبحانه عليه مطلقا، فكيف يتمدح بما ذم عليه غيره.

و قوله:" كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ" فيه وجوه:" أحدها" أن معناه كأنه قد كلف أن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى الإسلام من ضيق صدره عنه، و كان قلبه يصعد إلى السماء نبوا عن الإسلام و الحكمة عن الزجاج" و ثانيها" أن معنى يصعد كأنه يتكلف مشقة في ارتقاء صعود" و ثالثها" أن معناه كأنما ينزع قلبه إلى السماء لشدة المشقة عليه في مفارقه مذهبه" انتهى".

و روى الصدوق في التوحيد و العيون و غيرهما بإسناده عن حمدان بن سليمان قال:

سألت الرضا عليه السلام عن قول الله عز و جل:" فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ" قال: من يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنته و دار كرامته في الآخرة يشرح صدره للتسليم لله و الثقة به، و السكون إلى ما وعده من ثوابه حتى يطمئن إليه، و من يرد أن يضله عن جنته و دار كرامته في الآخرة لكفره به و عصيانه له في الدنيا يجعل صدره ضيقا حرجا حتى يشك في كفره و يضطرب من اعتقاده قلبه حتى يصير كأنما يصعد في السماء" كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ".

و في معاني الأخبار بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عز و جل:" وَ مَنْ يُرِدْ

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 252

أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً" فقال: قد يكون ضيقا و له منفذ يسمع منه و يبصر و الحرج هو الملتئم الذي لا منفذ يسمع به و لا يبصر منه.

 (الحديث الثالث)

 (1): حسن.

قوله عليه السلام: اجعلوا أمركم،

 (2) أي دينكم قولا و فعلا خالصا

" لله"

 (3) طالبين لمرضاته‏

" و لا تجعلوه للناس"

 (4) رياء و سمعة، و للغلبة عليهم و إظهارا للفضل و الكمال‏

" فإنه ما كان لله فهو لله"

 (5) أي يصل إليه و يقبله، و قيل: ما كان لله في الدنيا فهو في الآخرة أيضا لله يطلب الثواب منه‏

" و ما كان للناس فلا يصعد إلى الله"

 (6) أي لا يقبله، أو لا يصعد به ليكتب في ديوان المقربين كما قال سبحانه:" إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ" و قال:

" إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ" فإن صعودهما إليه مجاز عن قبوله إياهما، أو صعود الكتبة بصحيفتهما

" فإن المخاصمة ممرضة"

 (7) بفتح الميم و الراء، اسم مكان أو بضم الميم و كسر الراء اسم فاعل، أي موجبة لحدوث أمراض الشك و الشبهة و الأخلاق الذميمة من الحقد و الحسد و غيرهما في القلب، و القلب المستعد لقبول الحق يكفيه أدنى تنبيه، و القلب المطبوع على الباطل لا تنجع فيه أعلى مدارج الخصومات من العالم النبيه بل يضره و يصير سببا لمزيد رسوخه فيما هو فيه، ثم أيد عليه السلام ما ذكره بقوله تعالى لنبيه صلوات الله عليه في عدم ترتب الهداية على مبالغته و مجادلته:

" إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ"

 (8) قال الطبرسي رحمه الله أي أحببت هدايته أو

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 253

أحببته لقرابته، و المراد بالهداية هنا اللطف الذي يختار عنده الإيمان، فإنه لا يقدر عليه إلا الله لأنه إما أن يكون من فعله خاصة أو بإعلامه، و لا يعلم ما يصلح المرء في دينه إلا الله تعالى، فإن الهداية التي هي الدعوة و البيان قد أضافه سبحانه إليه في قوله:" وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ".

و قيل: إن المراد بالهداية في الآية الإجبار على الاهتداء أي أنت لا تقدر على ذلك، و قيل: معناه ليس عليك اهتداؤهم و قبولهم الحق‏

" وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ"

 (1) بلطفه، و قيل: على وجه الإجبار.

و قال رحمه الله في قوله تعالى" وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً" معناه الأخبار عن قدرة الله تعالى على أن يكره الخلق على الإيمان، كما قال:" إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ" و لذا قال بعد ذلك‏

" أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ"

 (2) و معناه أنه لا ينبغي أن تريد إكراههم على الإيمان، مع أنك لا تقدر عليه، لأن الله تعالى يقدر عليه و لا يريده لأنه ينافي التكليف، و أراد بذلك تسلية النبي صلى الله عليه و آله و تخفيف ما يلحقه من التحسر و الحرص على إيمانهم عنه" انتهى".

و روى الصدوق رحمه الله في كتاب العيون بإسناده عن الرضا عليه السلام أنه قال له المأمون: ما معنى قول الله جل ثناؤه:" وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ" فقال الرضا عليه السلام: حدثني أبي عن آبائه عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: إن المسلمين‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 254

قالوا لرسول الله صلى الله عليه و آله: لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الإسلام لكثر عددنا، و قوينا على عدونا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و آله: ما كنت لألقى الله ببدعة لم يحدث إلى فيها شيئا و ما أنا من المتكلفين، فأنزل الله تبارك و تعالى يا محمد صلى الله عليه و آله" وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً" على سبيل الإلجاء و الاضطرار في الدنيا كما يؤمن عند المعاينة و رؤية البأس في الآخرة، و لو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا مني ثوابا و لا مدحا و لكني أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين ليستحقوا مني الزلفى و الكرامة، و دوام الخلود في جنة الخلد أ فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، و أما قوله عز و جل:" وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ" فليس على تحريم الإيمان عليها، و لكن على أنها ما كانت لتؤمن إلا بإذن الله، و إذنه أمره لها بالإيمان، ما كانت مكلفة متعبدة و إلجاؤه إياها إلى الإيمان عند زوال التكليف و التعبد عنها، فقال المأمون: فرجت عني يا أبا الحسن فرج الله عنك.

" ذروا الناس"

 (1) أي اتركوا المخالفين و لا تتعرضوا لمعارضتهم و مجادلتهم، أو لدعوتهم أيضا تقية فإنهم أخذوا دينهم من الناس و اتبعوهم و ظنوا أن فعلهم و قولهم حجة، فلا يتركون دينهم بقولكم، و أنتم أخذتم دينكم عن رسول الله صلى الله عليه و آله بواسطة المعصومين من أهل بيته عليه السلام، و الغرض إما بيان المباينة بين المسلكين و البعد بين الطريقتين لبيان أن حجة الشيعة لا يؤثر فيهم فلا ينبغي لهم التعرض للمهالك لذلك أو هو تسلية للشيعة بأنكم لما كنتم على الحق فلا تبالوا بمخالفة من خالفكم، أو الغرض أنه إن كان غرضكم هدايتهم فقد سبق أنه من الله، و إن كان لتبين حجية مذهبكم فحجتكم واضحة لا نحتاج إلى ذلك.

و قيل: المعنى ذروا مخالطة الناس و موافقتهم، فإنكم على الحق و إنهم على الباطل، و لا يخفى بعده.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 255

" إذا كتب على عبد"

 (1) أي علم إيمانه و كتبه في اللوح، و وكر الطائر: عشه.

 (الحديث الرابع)

 (2): مجهول.

و النهي عن الدعوة أما للتقية أو محمول على ترك المبالغة فيها لمن لا يرجى نفعها فيه‏

" طائعا أو كارها"

 (3) أي سواء كان في أول الأمر راغبا فيه أم لا، إذ كثيرا ما نرى رجلا في غاية التعصب في خلاف الحق، ثم يدخل فيه بلطف من ألطافه تعالى كالأحلام الصادقة أو غيرها، و قيل: إشارة إلى اختلاف مراتب الألطاف، و قيل: أي أدخله في معرفة هذا الأمر و العلم بحقيته بالاطلاع على دلائله، سواء كان راغبا فيه أو كارها له، فإن عند الاطلاع على الدلائل، و الانتقال إلى وجه الدلالة يحصل العلم بالمدلول، و إن لم يكن المطلع راغبا و كان كارها.

انتهى ما وفق الله سبحانه لتعليقه على كتاب التوحيد من كتاب الكافي: أفقر العباد إلى عفو ربه الغني محمد باقر بن محمد تقي الملقب بالمجلسي عفا الله عن جرائمهما في سابع شهر ربيع الثاني من سنة ثمان و تسعين بعد ألف الهجرية على غاية الاستعجال و توزع البال و وفور الأشغال، و الحمد لله على كل حال و الصلاة على سيد المرسلين محمد و آله خير آل.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 256

كتاب الحجة

 (1) بسم الله الرحمن الرحيم الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ سَلامٌ عَلى‏ عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى‏ محمد و آله خيرة الورى أما بعد فهذا هو المجلد الثاني من كتاب مرآة العقول في شرح أخبار الرسول صلى الله عليه و عليهم أجمعين من كتاب الكافي.

باب الاضطرار إلى الحجة

 (2) أي لا بد في كل زمان من حجة معصوم، عالم بما يحتاج إليه الخلق إما نبي أو وصي نبي، و هذا المطلوب مبين في كتب الكلام بالبراهين العقلية و النقلية.

 (الحديث الأول)

 (3) مجهول، و هو جزء من حديث طويل أوردناه في الكتاب الكبير و قد مضى بعض أجزائه في كتاب التوحيد.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 257

" من أين أثبت"

 (1) على صيغة المخاطب و ربما يقرأ على بناء المفعول و هو بعيد

" متعاليا عنا"

 (2) أي عن مشابهتنا و الاشتراك معنا في الحقيقة و الصفة،

و قوله: متعاليا

 (3) ثانيا أريد به تعاليه عن العبث و اللغو، أو عن أن يشاهده الخلق و يلامسوه،

فقوله:" لم يجز"

 (4) صفة موضحة، و على الأول يحتمل أن يكون خبرا بعد خبر لكان، ثم إنه يحتمل أن يكون المراد بالملامسة و المباشرة معنييهما الحقيقيين، أو إدراكه بحقيقته فإنه يستلزم حصول حقيقته سبحانه في الذهن، أو إدراكه على وجه الكمال، و المراد بالخلق أكثرهم، أو إدراك كل أحد على ما ينبغي و يليق به بالمعنى بلا واسطة.

و قوله: ثبت،

 (5) جواب لما،

و السفراء:

 (6) جمع سفير من سفر بين القوم أي أصلح، أو من السفر بمعنى الكشف و الإيضاح‏

" على مصالحهم و منافعهم"

 (7) أي الدنيوية و الأخروية

" و ما به بقاؤهم"

 (8) من أمور المعاش، أو الأعم منها و من العبادة و المعرفة، فإن بقاء الخلق بهما

" غير مشاركين للناس"

 (9) أي في التقدس و القرب و الكمالات.

ثم اعلم أنه عليه السلام أشار بذلك إلى براهين شتى على اضطرار الناس إلى الرسل نذكر منها وجهين جامعين:

الأول: أنه لما ثبت وجود الصانع تعالى و حكمته و أنه لا يفعل العبث، و لو لم يكن الخلق مكلفين بمعرفته و عبادته ليفوزوا بهما بالمثوبات الأخروية و الكمالات النفسانية، لكان خلقهم عبثا، إذ يعلم كل عاقل أن اللذات الدنيوية المشوبة

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 258

بأنواع المحن و الآلام لا تصلح علة لهذا الخلق و النظام، و أما معرفته سبحانه فلا يمكن حصولها للخلق إلا بوحيه سبحانه، لتعاليه عن مشاركة الخلق في حقائقهم، و مشابهته لهم حتى يعرفوا حقيقته بذلك كما تعرف سائر الخلق به، و هو متعال عن أن يدرك بالحواس أيضا حتى يعرف بذلك، و كذا معلوم أن ما يوجب القرب و الكمال من الأخلاق و الأعمال مما لا تفي بها القوي البشرية و العقول الإنسانية فلا بد في معرفة جميع ذلك من وحي من الله سبحانه و تلقى الوحي منه تعالى لا يتيسر لجميع الخلق، إذ لا بد من نوع مناسبة بين الموحي و الموحى إليه حتى يفهم ما يلقى إليه فلذا أرسل الله تعالى من عباده أقواما من جهة روحانيتهم و تقدسهم و تنزههم عن الأدناس البشرية يناسبون الملإ الأعلى و بهذه الجهة يتلقون الوحي من ربهم جل و علا، و من جهة بشريتهم و تجسمهم و مشاكلتهم للخلق في صورهم و أجسامهم و معاشرتهم لهم في ظواهر أحوالهم، يلقون الوحي إليهم.

و أيضا لو كان الله تعالى يلقي الوحي إلى سائر الخلق كما ألقى إلى نبينا صلى الله عليه و آله في ليلة المعراج و غيرها، و إلى موسى عند الشجرة، لم تتم الحجة عليهم، لأنه لم تكن لهم قابلية أن يعرفوا أن ذلك الوحي من قبله سبحانه و ليس من الشياطين، بخلاف ما إذا سمعوا من بشر مثلهم يأتي بما لا يقدرون على الإتيان بمثله، فثبت أنه لا بد من سفراء بينه سبحانه و بينهم، و لا بد أن يكونوا من نوع البشر، و أن يكونوا مع مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب مباينين لهم في سائر أحوالهم و أطوارهم و أخلاقهم مقدسين منزهين روحانيين ليضاهئوا الملإ الأعلى كما مر ذكره فيما مضى، و معصومين مؤيدين بالمعجزات ليكونوا حجة على غيرهم.

و هذا مما خطر ببالي القاصر، و هو بيان شاف، و برهان كاف لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد.

الثاني: ما ذكره السالكون مسلك الحكماء و هو مبني على مقدمات عقلية:

أوليها: أن لنا خالقا صانعا قادرا على كل شي‏ء.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 259

و الثانية: أن الله جل اسمه متعال عن التجسم و التعلق بالمواد و الأجسام، و عن أن يكون مبصرا أو محسوسا بإحدى الحواس خلافا للكرامة و من يحذو حذوهم.

و الثالثة: أنه تعالى حكيم عالم بوجوه الخير و المنفعة في النظام، و سبيل المصلحة للخلائق في المعيشة و القوام و البقاء و الدوام.

و الرابعة: أن الناس محتاجون في معاشهم و معادهم إلى من يدبر أمورهم و يعلمهم طريق المعيشة في الدنيا، و النجاة من العذاب في العقبى و ذلك لأنه من المعلوم أن الإنسان لا تتمشى معيشته لو انفرد وحده شخصا واحدا كغيره من أنواع الحيوان يتولى أمره من غير شريك يعاونه على ضروريات حاجاته، و أنه لا بد من أن يكون مستغنيا بآخر من نوعه يكون ذلك أيضا مستغنيا مكفيا به و بنظيره، فيكون هذا يزرع لهذا و هذا يطحن لذاك، و ذلك يخبز لآخر و آخر يخيط لغيره، و هذا يبني و هذا يتخذ الحديد، و هذا ينجر و على هذا القياس، حتى إذا اجتمعوا كان أمرهم مكفيا و لهذا اضطروا إلى عقد المدن و الاجتماعات للمعاملات و المناكحات و سائر المعاونات و المشاركات.

و بالجملة لا بد في وجود الإنسان و بقائه من المشاركة، و لا تتم المشاركة إلا بالمعاملة، و لا بد في المعاملة من سنة و قانون عدل، و لا بد للسنة و العدل من سان و معدل، و لا يجوز أن يترك الناس و آراءهم و أهواءهم في ذلك، فيختلفون، فيرى كل أحد منهم ما له عدلا و ما عليه ظلما و جورا، و لا بد أن يكون هذا المعدل و السان بشرا لا ملكا، لأن الملك لا يراه أكثر الناس إلا أن يتشكل بشرا، لأن قواهم لا تقوى على رؤيته على صورة الملكية، و إنما رآهم الأفراد من الأنبياء بقوتهم القدسية.

ثم لو فرض أن يتشكل بحيث يراه سائر الخلق كجبرئيل في صورة دحية كان ملتبسا عليهم كالبشر كما قال تعالى:" وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 260

ما يَلْبِسُونَ" فلا بد أن يكون السان له خصوصية ليست لسائر الناس حتى يستشعر الناس فيه أمرا لا يوجد لهم، فيتميز به منهم، فيكون له المعجزات التي أخبرنا بها و الحاجة إلى هذا الإنسان في أن يبقى نوع البشر، و يتحصل وجوده أشد من كثير من المنافع التي لا ضرورة فيها للبقاء كإنبات الشعر على الحاجبين، و تقعير الأخمص للقدمين، و ما يجري مجراهما من منافع الأعضاء التي بعضها للزينة و بعضها للسهولة في الأفعال و الحركات، كما يظهر من علم التشريح، و وجود هذا الإنسان الصالح لأن يسن و يشرح ممكن و تأييده بالآيات و المعجزات الموجبة لإذعان الخلق له أيضا ممكن فلا يجوز أن تكون الغاية الأولى تقتضي تلك المنافع، و لا تقتضي هذه التي هي أصلها و عمدتها.

فإذا تمهدت هذه المقدمات فثبت و بين أنه واجب أن يوجد نبي و أن يكون إنسانا، و أن تكون له خصوصية ليست لسائر الناس و هي الأمور الخارقة للعادات، و يجب أن يسن للناس سننا بإذن الله و أمره و وحيه، و إنزال الملك إليه، و يكون الأصل الأول فيما يسنه تعريفه إياهم أن لهم صانعا قادرا واحدا لا شريك له، و أن النبي عبده و رسوله، و أنه عالم بالسر و العلانية و أنه من حقه أن يطاع أمره، و أنه قد أعد لمن أطاعه الجنة، و لمن عصاه النار، حتى يتلقى الجمهور أحكامه المنزلة على لسانه من الله و الملائكة بالسمع و الطاعة.

ففي هذا الحديث الشريف تصريح و تلويح إلى جميع ذلك كما لا يخفى على المتأمل.

قوله:" ثم ثبت ذلك"

 (1) أقول: يحتمل هذا الكلام وجوها:

الأول: أن يكون المعنى أن الدليل المتقدم إنما يدل على وجوب النبي‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 261

أو الحجة في كل عصر، و أما تعيين الأشخاص المعينة فإنما يثبت بما أتوا به من‏

الدلائل و البراهين،

 (1) أي الآيات و المعجزات و خوارق العادات، و غلبتهم في العلوم على أهل عصرهم، و

قوله عليه السلام:" لكيلا يخلو"

 (2) تعليل لقوله: ثم ثبت، و وجه التعليل أنه ما دامت الأرض باقية و الناس موجودين فيها لا بد لهم من حجة لله عليهم يقوم بأمرهم، و يهديهم إلى سبيل الرشاد مؤيدا بما يدل على صدقه و عدالته و وجوب متابعته.

الثاني: أن يكون ذلك إشارة إلى وجود الآمرين و الناهين الموصوفين بالأوصاف المذكورة، و المراد أن الدليل السابق إنما دل على وجوب إقامة الحجة في الأرض في الجملة، و أما عدم خلو دهر طويل أو زمان قصير من حجة فإنما ثبت بقول الأنبياء و الرسل، فإن كلامهم و أخبارهم عن الله دليل و برهان حيث أخبروا أن أرض الله لا تخلو من حجة فمن في قوله" مما" للسببية، و الظرف متعلق بقوله: ثم ثبت، أو بكل من" فثبت" و" ثم ثبت" على التنازع.

الثالث: أن يكون المقصود بالدليل أولا إثبات الأنبياء عليهم السلام، و بقوله: ثم ثبت إثبات الأوصياء، و هذا يحتمل وجهين:" أحدهما" أنه قد ثبت الأوصياء في كل دهر بما أتت به الأنبياء من قبل الله من النص عليهم، فيكون ثبوت الأنبياء عليهم السلام بالعقل و الأوصياء بالنقل" و ثانيهما" أن يكون المراد أن الأوصياء بعد الأنبياء أيضا ثبت إمامتهم بما أتت به الأنبياء من المعجزات، و في بعض النسخ: مما أثبت، و لا يخفى توجيهه على الوجوه إن قرأ معلوما أو مجهولا.

و يزيد على الأخير أنه يمكن تعميمه بحيث يشمل الدليل العقلي المتقدم الدال على وجوب الأنبياء عليه السلام.

قوله عليه السلام: تكون معه علم،

 (3) بفتحتين أي علامة و دليل، و ربما يقرأ بكسر الأول و سكون الثاني.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 262

قوله عليه السلام: على جواز عدالته،

 (1) أي جريان حكمه العدل.

 (الحديث الثاني)

 (2): مجهول كالصحيح.

قوله: من أن يعرف بخلقه،

 (3) قد سبقت الوجوه المحتملة في هذه الفقرة، و حاصلها: أنه تعالى أجل من أن يعرف بتعريف خلقه، إذ المعرفة موهبية و على الخلق إراءة السبيل، و الموصل هو الله سبحانه‏

" بل الخلق يعرفون بالله"

 (4) على بناء المعلوم أي إنما يعرفونه بإفاضته و هدايته و توفيقه، أو من أن يعرف بصفات خلقه و مشابهتهم بل إنما يعرفونه بما عرف به نفسه من الصفات اللائقة، أو بل الخلق يعرفون الحقائق الممكنة و أحوالها بالله، أي بسبب خلقه لها أو بسبب فيضان معرفتها منه عليهم على قدر عقولهم.

و قيل: إشارة إلى ما ذكره المحققون من أن المقربين يعرفون الحق بالحق لا بالاستدلال بمخلوقاته عليه، و يمكن أن يقرأ" يعرفون" على بناء المجهول بل هو أظهر، أي الأنبياء و الحجج عليه السلام إنما تعرف حقيقتهم و رسالتهم و حجيتهم بما أتاهم من المعجزات و البراهين، أو به يعرف جميع الخلق بما أشرق منه عليهم من نور الوجود.

" قال صدقت"

 (5) بالتخفيف، و ربما يقرأ بالتشديد، إذ كلامه مأخوذ منهم عليهم السلام كما مر و لا يخفى بعده، و قوله: فقد ينبغي لأن يعرف أن لذلك الرب رضا و سخطا أي ينبغي له أن يعرفه بصفات كماله و تنزهه عن النقائص، و منها حكمته و علمه و قدرته‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 263

و إرادته للخير، و كراهته للشر و القبيح، و أنه لا يخل بالحسن، و لا يأتي بالقبيح، فلا يخل باللطف إلى عباده، و إنما يتم بالأمر بالحسن و النهي عن القبيح الموجبين للرضا بالطاعة، و السخط على المعصية، و إنما يعرف أمره و نهيه و إرادته و كراهته بالوحي، أو بإرسال الرسول، فمن لم يأته الوحي فعليه طلب الرسول، فإذا طلب اطلع عليه بالآيات و الحجج الدالة على رسالته.

قوله: و قلت للناس،

 (1) أي للعامة مناظرا لهم في الإمامة

" فقالوا القرآن"

 (2) أي هو كاف لرفع حاجة الخلق، و لا حاجة إلى غيره كما قال إمامهم: حسبنا كتاب الله‏

" فنظرت"

 (3) في نفسي بدون أن أقول لهم، أو بتقدير القول‏

" في القرآن فهو إذا يخاصم به المرجئي"

 (4) أي لا يغني عن المبين له، إذ يخاصم به الفرق المختلفة حتى يغلب كل منهم خصمه بما يجده في القرآن لإجماله و إغلاقه، و كونه ذا وجوه و محامل.

و في النهاية: المرجئة فرقة من فرق الإسلام، يعتقدون أنه لا يضر مع الأيمان معصية كما أنها لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم عن المعاصي أي أخره عنهم، و المرجئة تهمز و لا تهمز، و كلاهما بمعنى التأخير، يقال: أرجأت الأمر و أرجأته إذا أخرته فتقول من الهمز رجل مرجى‏ء، و هم المرجئة و في النسب مرجئي مثل مرجع و مرجعة و مرجعي، و إذا لم تهمز قلت رجل مرج و مرجئة و مرجي، مثل معط و معطية و معطي، انتهى.

و قد تطلق المرجئة على كل من أخر أمير المؤمنين عن مرتبته، و قد عرفت‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 264

إطلاق القدري على الجبري و التفويضي،

و الزنديق‏

 (1) هو النافي للصانع أو الثنوي.

قوله: إلا بقيم،

 (2) في الفائق: قيم القوم: من يقوم بسياسة أمورهم، و المراد هنا من يقوم بأمر القرآن و يعرف ظاهره و باطنه و مجمله و مؤولة و محكمة و متشابهه و ناسخه و منسوخه بوحي إلهي أو بإلهام رباني، أو بتعليم نبوي، فلما سألهم عن القيم ذكروا جماعة لم يكونوا يعرفون من القرآن إلا أقله، و القيم لا بد أن يكون عالما بجميع القرآن و سائر الأحكام، و يكون منصوصا عليه، معصوما عن الخطإ و الزلل حتى تجب متابعته و قبول قوله، و أيضا لم يدع أحد منهم سماع جميع ذلك من رسول الله صلى الله عليه و آله، و إنما ادعوا سماع مسائل قليلة مما يحتاج إليه الناس فيما سمعوا تفسيره عنه صلى الله عليه و آله، و لم يذهب أحد إلى كون أحد منهم عالما بجميعه بالنقل، أو العلم المقرون بالعصمة إلا أمير المؤمنين عليه السلام، حيث كان يدعي ذلك على رؤوس الأشهاد، و مجامع جماهير المسلمين، و إذ لا بد من عالم و لم يدع غيره، بل علم عدمه في غيره، و هو كان يدعيه و يبينه بدلائل نقلية و عقلية، و آيات و علامات إعجازية، علم أنه قيم القرآن، و كونه عليه السلام أعلم الأمة متفق عليه بين فرق المسلمين، حتى قال الآبي في كتاب الإكمال- و هو من أعاظم علماء المخالفين و متعصبيهم- لقد كان: في علي عليه السلام من الفضل و العلم و غيرهما من صفات الكمال- ما لم يكن في جميع الأمة حتى أنه لو لم يقدم عليه طائفة من الأمة أبا بكر لكان هو أحق بالخلافة، انتهى.

و ما في الخبر بعد تنقيحه و تفصيله يرجع إلى الدلائل المفصلة في كتب الكلام، على وجوب نصب الإمام و عصمته لحفظ الشرائع و الأحكام.

و قوله: فأشهد أن عليا عليه السلام" اه"

 (3) لازم لجزاء مقدر أقيم مقامه و التقدير

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 265

اعلم أن القائل أنا أدري هو القيم دونهم فأشهد. اه‏

 (الحديث الثالث)

 (1): مجهول.

و عمرو بن عبيد

 (2) من رؤساء المعتزلة، و الإجلال: التعظيم‏

" إذا أمرتكم"

 (3) الأمر مفهوم من ألا التحضيضية، و المراد أن إطاعة الأمر أوجب من رعاية الإجلال و الاستحياء.

و في النهاية: الحلقة:

 (4) الجماعة من الناس مستديرين كحلقة الباب و غيره، و الشملة بالفتح: كساء يشتمل به‏

" فاستفرجت"

 (5) أي طلبت الفرجة و هي الخلل بين الشيئين، أو طلبت منهم الإفراج عن الطريق أي انكشافهم عنه فانكشفوا عنه لأجلي،

" أيها العالم"

 (6) أي بزعم الناس، و وصف المسألة بالحمق على سبيل التجوز مبالغة، و ربما يقرأ حمقاء بضم الحاء و سكون الميم بدون ألف مصدرا و إنما لم يذكر اللمس‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 266

لأنه ليست له جارحة مخصوصة ظاهرة، أو لقلة الاشتباه فيه، مع أنه يعرف بالمقايسة، و المراد بالقلب النفس الناطقة المتعلقة أولا و بالذات بالروح الحيواني المنبعث عن القلب الصنوبري الذي نسبته إلى أعضاء الحس و الحركة كنسبة النفس إلى قوي الحس و الحركة في أنه ينبعث منه الدم و الروح البخاري إلى سائر الأعضاء، فالنفس رئيس القوي و إمامها، و القلب و هو مستقرها و عرش استوائها بإذن الله رئيس سائر الأعضاء و إمامها، أو المراد بالقلب القوة العقلية التي للنفس الإنسانية أو ما يشمل القوي الحسية الباطنة التي هي كالآلات للقوة العقلية في فكرتها و سائر تصرفاتها كما قيل.

و أما شك الحواس و غلطها فقيل: معناه أن العقل و الوهم المشوب بالحس يغلط، أو يشك بسبب من الأسباب، ثم يعلم النفس بقوة العقل ما هو الحق المتيقن كما يرى البصر العظيم صغيرا لبعده، و الصغير كبيرا لقربه، و الواحد اثنين لحول في العين، و الشجرة التي في طرف الحوض منكوسة لانعكاس شعاع البصر من الماء إليها

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 267

و السمع يسمع الصوت الواحد عند الجبل و نحوه مما فيه صلابة أو صقالة صوتين، لانعكاس الهواء المكيف بكيفية السمع إلى الصماخ تارة أخرى، و يقال للصوت الثاني:

الصداء، و كما تجد الذائقة الحلو مرا لغلبة المرة الصفراء على جرم اللسان، و كذا تشمئز الشامة من الروائح الطيبة بالزكام، فهذه و أمثالها أغلاط حسية يعرف القلب حقيقة الأمر فيها.

و قيل: معناه أن النفس مع هذه القوي الحسية الظاهرة، تحتاج إلى قوة حاكمة عليها، إذ من شأنها من حيث هذه القوي هذه الإدراكات التصورية دون التصديقات و اليقينيات، فلا يستيقن إلا بقوة أخرى هي الحاكمة باليقينيات، و هي القوة التي بها تخرج عن الشك إلى اليقين، فإنما أقام الله القلب بإعطاء هذه القوة لتخرج بها النفس عن تلك المرتبة التي شأنها بحسبها الشك و عدم الاستيقان إلى مرتبة اليقين، ثم إذا كان بحكمته لا يخل بإعطاء ما تحتاج إليه نفسك في وصولها إلى كمالها القابلة، كيف يخل بما يحتاج إليه الخلق كلهم، لخروجهم عن حيرتهم و شكهم إلى الاستيقان بما فيه بقاؤهم و نجاتهم عن الضلال و الهلاك، فأول هذا الكلام تنبيه على حكمته المقتضية للصلاح و الخير و إعطاء ما يحتاج إليه المستكمل في الخروج من النقصان إلى الكمال، و الوصول إلى النجاة عن الضلال، و آخره الاستدلال من تلك الحكمة على إقامة الإمام الذي إنما يحصل نجاة الخلق عن حيرتهم و شكهم بمعرفته، و الأخذ عنه، و الاهتداء بهداه.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 268

قوله: فقلت لا،

 (1) قال ذلك تورية للمصلحة، و يمكن أن يكون غرضه لا- أخبرك به.

 (الحديث الرابع)

 (2): مرسل.

و ذكر الفرائض بعد الفقه تخصيص بعد التعميم لغموض مسائلها بالنسبة إلى سائر أبواب الفقه، و كون اختلاف الأمة فيها أكثر من غيرها، و شدة اعتناء المخالفين بها، و مدخلية علم الحساب فيها، و هو [غير] مأخوذ من الشارع، و ربما يقال: المراد بالفرائض الواجبات و هو بعيد

" لمناظرة أصحابك"

 (3) إنما نسب المناظرة إلى الأصحاب رعاية للأدب‏

و" من"

 (4) في قوله:" من كلام رسول الله صلى الله عليه و آله" للابتداء أو للتعليل أو للتبعيض.

قوله عليه السلام: فأنت إذا شريك رسول الله صلى الله عليه و آله،

 (5) يدل على بطلان الكلام الذي لم يكن مأخوذا من الكتاب و السنة، و أنه لا يجوز الاعتماد في أصول الدين على الأدلة العقلية، و قيل: لما كان مناظرته في الإمامة و المناط فيها قول الشارع قال له ذلك، لأنه إذا بني أمرا لا بد فيه من الرجوع إلى الشارع على قول الرسول و قوله‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 269

معا، فيلزمه أن يجعل نفسه شريكه صلى الله عليه و آله و سلم في رسالته و في شرعه للدين، فلما نفى الشركة

" قال عليه السلام فسمعت الوحي عن الله"

 (1) أي المبين لأصول الدين، على الأول، أو للإمامة على الثاني، إعلام الله بها أو بتبيين و تعيين ممن أوجب الله طاعته كطاعة رسول الله أو إعلام الله إما بوساطة الرسول أو بالوحي بلا واسطة، و ما بوساطة الرسول فهو من كلامه لا من عندك، فتعين عليك في قولك من عندي أحد الأمرين إما الوحي إليك بسماعك عن الله بلا واسطة، أو وجوب طاعتك كوجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه و آله، فلما نفاهما

بقوله" لا"

 (2) في كليهما لزمه نفي ما قاله و من عندي، و لذا قال عليه السلام هذا خاصم نفسه قبل أن يتكلم، و قيل: مخاصمة نفسه من جهة أنه اعترف ببطلان ما يقوله من عنده، لأن شيئا لا يكون مستندا إلى الوحي و لا إلى الرسول، و لا يكون قائله في نفسه واجب الإطاعة لا محالة، بل يكون باطلا.

و أقول: يحتمل أن يكون الكلام الذي ردد عليه السلام الحال فيه بين الأمرين الكلام في الفروع من الفقه و الفرائض، لأنه لا مدخل العقل فيها، و لا بد من استنادها إلى الوحي، فمن حكم فيها برأيه يكون شريكا للرسول في تشريع الأحكام، و التعميم أظهر.

" لو كنت تحسن الكلام"

 (3) أي تعلمه كما ورد: قيمة المرء ما يحسنه‏

" يا لها من حسرة"

 (4) النداء للتعجب و المنادي محذوف، و لام التعجب متعلق باعجبوا، و" من حسرة" تميز من الضمير المبهم بزيادة من، و الحسرة أشد التلهف على الشي‏ء الفائت، و قوله: فقال يونس، إما علي الالتفات أو بتقدير" قلت" بعده، أو قال ذلك عند الحكاية للراوي.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 270

و قوله:" هذا ينقاد و هذا لا ينقاد"

 (1) أي إنهم يزنون ما ورد في الكتاب و السنة بميزان عقولهم و قواعدهم الكلامية، فيؤمنون ببعض و يكفرون ببعض، فإنهم كثيرا ما يتركون ظواهر الكتاب و السنة لمناقضة آرائهم إياها، فيقولون: هذا ينقاد لما وافق عقولهم، و هذا لا ينقاد لما خالفها، و هو المراد أيضا

بقوله:" هذا ينساق و هذا لا ينساق".

 (2) و قيل: المعنى هذا ينجر إلى أمر كذا من محال أو تناقض أو دور أو تسلسل، و هذا لا ينساق، أي لا ينجر إليه، و قيل: هذا ينقاد و هذا لا ينقاد، إشارة إلى ما يقوله أهل المناظرة في مجادلاتهم: سلمنا هذا و لكن لا نسلم ذلك، و هذا ينساق و هذا لا ينساق إلى قولهم للخصم: أن يقول كذا و ليس له أن يقول كذا.

" و هذا نعقله"

 (3) أي تقبله عقولنا

" إن تركوا ما أقول"

 (4) أي ما ثبت من الشارع في الدين‏

" فلما استقر بنا المجلس"

 (5) الباء إما بمعنى في، و المعنى على القلب، أي استقررنا فيه أو الإسناد على المجاز، و إما للمصاحبة أو للتعدية، و على الوجوه: المعنى كنا لم ننتظر حضور غيرنا، و الفازة بالفاء و الزاي مظلة بعمودين، و الخبب: ضرب من العدو

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 271

ذكرهما الجوهري‏

" هو شديد المحبة له"

 (1) أي هشام له عليه السلام أو بالعكس، قال الجوهري:

اختط الغلام‏

 (2) أي نبت عذاره‏

" فتعارفا"

 (3) في أكثر النسخ بالعين و الراء المهملتين و الفاء، أي تكلما بما عرف كل منهما صاحبه و كلامه بلا غلبة لأحدهما على الآخر، و في بعضها بالواو و الفاء أي تعوق كل منهما عن الغلبة و في بعضها بالفاء و الراء و القاف و هو ظاهر، و في بعضها بالعين و الراء و القاف أي وقعا في العرق كناية عن طول المناظرة

" مما قد أصاب الشامي‏

 (4) بالنصب أي من المغلوبية و الخجلة، أو بالرفع فما مصدرية أي إصابة الشامي و خطى‏ء قيس، فالضحك لعجز قيس‏

" فغضب هشام"

 (5) لسوء أدب الشامي بالنسبة إلى جنابه عليه السلام‏

" أ ربك أنظر"

 (6) يقال: نظر له كضرب و علم نظرا: أعانه، و النظرة بالفتح الرحمة

" كيلا يتشتتوا"

 (7) أي لا يتفرقوا في مذاهبهم و مسالكهم و آرائهم،

و الأود:

 (8) بالتحريك الاعوجاج، أي يزيل اعوجاجهم و انعطافهم عن الحق بإقامتهم.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 272

قوله: فلم اختلفت أنا و أنت؟

 (1) فإن عارض بأنه مع قولك أيضا الاختلاف واقع بيننا و بينك فلم ينفع وجود الإمام؟ يجاب بأنه لا بد في لطف الله تعالى و حكمته أن يعين لهم حجة إذا رجعوا إليه يرتفع الاختلاف عنهم، فإذا لم يرجعوا إليه و حصل الاختلاف كان التقصير منهم و لم يكن لهم علي الله حجة.

قوله: و كل منا يدعي الحق،

 (2) أي يدعى في قوله إنه الحق دون قول مخالفيه، و لما لم يبق له سبيل إلى النقض التفصيلي و الدخل في مقدمة من المقدمات أراد سلوك سبيل المعارضة بالمثل أو النقض الإجمالي و الأول أظهر، و في النهاية: يقال:

أبطل‏

 (3) إذا جاء بالباطل، و قال:

الملي‏ء

 (4) بالهمز: الثقة الغني، و قد ملأ فهو ملي‏ء و قد أولع الناس بترك الهمزة و تشديد الياء" انتهى" و المراد هنا تجده غنيا بالعلم، مقتدرا على المناظرة، و قيل: فعيل بمعنى مفعول، أي حملوا علما أو بمعنى فاعل من ملي‏ء كعلم و حسن أي امتلاء.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 273

قوله: قال الشامي في وقت رسول الله صلى الله عليه و آله،

 (1) أي ظاهرا و كان الرسول، و في بعض النسخ بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه و آله و هو أظهر، و لعله سقط من النساخ لتوهم التكرار.

قوله: تشد إليه الرحال،

 (2) هو جمع الرحل و هو ما يستصحبه المسافر من الأثاث، و القتب للبعير، و الظرف متعلق بتشد بتضمين معنى التوجه، أي يتوجه إليه علماء كل بلد للاستفادة منه.

قوله: وراثة عن أب عن جد،

 (3) أي هذه الحالة و هي الإمامة المستلزمة للعلم بالمغيبات، و الأخبار بأخبار السماء و الأرض وراثة عن أب عن جد إذ كل منهم عليهم السلام وارث و وصي لمن تقدمه، أو الأخبار وراثة،

و قوله:" يخبرنا"

 (4) على الأول بيان لطريق العلم بكونه وصيا و إماما، فإن الأخبار معجزة،

و قوله: فكيف لي أن أعلم ذلك"

 (5) أي الإخبار بالمغيبات؟ فأجاب بأن طريقه السؤال عما لا طريق إلى علمه إلا من قبل الله، و على الثاني: الأخبار إنما يكون طريقا إلى العلم لأنه إذا كان هو من بين الأمة عالما بما يخفى على غيره و لا يخفى عليه ما يعلمه غيره فيكون أولى بالخلافة و الإمامة، و لهذا قال:

سله عما بدا لك‏

 (6) على التعميم في المسؤول عنه تعميما لا يحيط به النقل، و لا تحصره الرواية، و يمكن أن يكون ذلك إشارة إلى العلم بإمامته عليه السلام، أما على الأول فبأن يحمل على أنه لم يفهم مقصود هشام من قوله يخبرنا، و على الثاني فبأن الإخبار وراثة لا يكون دليلا عليها، و الجواب ما مر و الأول أظهر.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 274

قوله: إن الإسلام قبل الإيمان،

 (1) سيأتي معانيهما في كتاب الإيمان و الكفر، و يدل على أن الإسلام هو الاعتقاد بالتوحيد و الرسالة و المعاد و ما يلزمها سوى الإمامة، و الإيمان هو الاعتقاد القلبي بجميع العقائد الحقة التي عمدتها الإقرار بجميع أئمة الحق عليهم السلام، و يدل على أن الأحكام الدنيوية تترتب على الإسلام، و أما الثواب الأخروي فلا يكون له إلا بالإيمان، فالمخالفون لا يدخلون الجنة أبدا، و على أنه يجوز نكاح المخالفين و إنكاحهم، و يكون التوارث بينهم و بين المؤمنين، و على عدم دخول الأعمال في الإيمان، و سيأتي الكلام في جميع ذلك في مظانها إنشاء الله تعالى، و قبلية الإسلام بالنسبة إلى الإيمان إما ذاتي كتقدم الكلي على الجزئي و الكل على الجزء، أو المعنى أنه يمكن حصول الإسلام قبل الإيمان بالزمان و إن أمكن مقارنتهما، و الحاصل أن النسبة بينهما العموم و الخصوص المطلق.

قوله عليه السلام: تجري الكلام على الأثر،

 (2) أي على الأخبار المأثورة عن النبي و أئمة الهدى صلوات الله عليهم‏

فتصيب‏

 (3) الحق، و قيل: على حيث ما يقتضي كلامك السابق، فلا يختلف كلامك بل يتعاضد.

أقول: و يحتمل أن يكون المراد على أثر كلام الخصم، أي جوابك مطابق للسؤال، و الأول أظهر.

" تريد الأثر"

 (4) أي تريد أن تبني كلامك على الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و آله،

و لا تعرفه،

 (5) لعدم التتبع في الأخبار، أو عدم القدرة على الاستنباط

" قياس"

 (6) بالقياس‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 275

الفقهي أو المنطقي،

" رواغ"

 (1) أي ميال عن الحق، أو مميل كثير الميل عما يوجب غلبة الخصم عليك، من قولهم راغ عن الشي‏ء أي مال و حاد، و منه روغان الثعلب‏

" إلا أن باطلك أظهر"

 (2) أي أغلب على الخصم، أو أوضح أو أشبه بالصواب‏

" و أقرب ما يكون"

 (3) أقرب مرفوع بالابتداء و مضاف إلى الموصول، و" يكون" تامة أو ناقصة بتقدير الخبر، و الضمير المستتر فيه لما

و" من"

 (4) صلة لأقرب أو تبعيضية،

و أبعد

 (5) خبر و ضمير

" منه"

 (6) للخبر، و الجملة حال عن فاعل تتكلم، أو كلمة

" ما"

 (7) مصدرية أي أقرب أوقات كون كلامك من الخبر أبعدها. و يحتمل أن يكون أبعد منصوبا على الحالية سادا مسد الخبر كما في قولهم:

أخطب ما يكون الأمير قائما، على اختلافهم في تقدير مثله كما هو مذكور في محله.

قال الرضي رضي الله عنه في شرحه على الكافية بعد نقل الأقوال في ذلك: و اعلم أنه يجوز رفع الحال الساد مسد الخبر عن أفعل المضاف إلى" ما" المصدرية الموصولة بكان أو يكون، نحو أخطب ما يكون الأمير قائم، هذا عند الأخفش و المبرد، و منعه سيبويه و الأولى جوازه، لأنك جعلت ذلك الكون أخطب مجازا فجاز جعله قائما أيضا، ثم قال: و يجوز أن يقدر في أفعل المذكور زمان مضاف إلى ما يكون لكثرة وقوع ما المصدرية مقام الظرف، نحو قولك: ما ذر شارق فيكون التقدير أخطب ما يكون الأمير قائم، أي أوقات كون الأمير، فتكون قد جعلت الوقت أخطب و قائما كما يقال: نهاره صائم و ليله قائم، انتهى.

و على التقادير: المراد بيان بعد كلامه عن الأثر و أن كلما يزعمه أقرب إلى الخبر فهو أبعد منه، و قال بعض الأفاضل: أي تتكلم و كلامك أقرب ما يكون من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و آله أبعد ما يكون منه، أي مشتمل عليهما تمزج الحق القريب‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 276

منه من الخبر مع الباطل البعيد عنه، و لو اكتفيت بالحق عن الباطل لأصبت، و قليل الحق يكفي عن كثير الباطل.

و يحتمل وجهين آخرين" أحدهما" كون الضمير في قوله: أبعد ما يكون منه، راجعا إلى الكلام، و المعنى يتكلم و الحال أن أقرب ما يكون من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و آله أبعد ما يكون من كلامك" و ثانيهما" أن يكون راجعا إلى الخبر، و يكون المعنى و الحال أن أقرب ما تكون من الخبر عن رسول الله أبعد ما يكون من الخبر عنه في كلامك و بحسب حملك و تنزيلك، و الأول أظهر، و في بعض النسخ أقرب ما تكون بلفظ الخطاب، أي أقرب حالك التي تكون عليها من الخبر أبعد حالك عنها، و حاصله أنه إذا أردت القرب من الخبر و الموافقة له تقع في المخالفة و البعد عنه.

" قفازان"

 (1) بالقاف و الفاء المشددة و الزاي من القفز و هو الوثوب، أي وثابان من مقام إلى آخر غير ثابتين على أمر واحد، و قيل: هو من القفيز و هو المكيال، و المراد علم الميزان، و في بعض النسخ بالراء المهملة من القفر و هو المتابعة و الاقتفاء و في بعضها بتقديم الفاء على القاف من فقرت البئر أي حفرته، و الفقر أيضا: ثقب الخرز للنظم و مناسبتها ظاهرة

" لا تكاد تقع"

 (2) أي لا يقرب وقوعك على الأرض و مغلوبيتك‏

" تلوى رجليك إذا هممت بالأرض"

 (3) أي قصدت الوقوع على الأرض تنزلا لمماشاة الخصم، أو قربت من الوقوع مجازا، و لويت الحبل فتلته، و لوى الرجل رأسه: أمال، و الحاصل أنك كلما قربت من الأرض و خفت الوقوع عليها لويت رجليك كما هو شأن الطير عند إرادة الطيران، ثم طرت و لم تقع، و الغرض أنك لا تغلب من خصمك قط، و إذا قرب أن يغلب إليك و يعجزك تجد مفرا حسنا فتغلب عليه.

و الزلة

 (4) هي ما وقع منه في زمن الكاظم صلوات الله عليه من مخالفته عليه السلام حين‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 277

أمره بترك الكلام تقية و اتقاء و إبقاء عليه و على نفسه صلوات الله عليه، كما روى الكشي عن أبي يحيى الواسطي عن عبد الرحمن بن حجاج قال: سمعته يؤدي إلى هشام بن الحكم رسالة أبي الحسن عليه السلام قال: لا تتكلم فإنه قد أمرني أن آمرك أن لا- تتكلم قال: فما بال هشام يتكلم و أنا لا أتكلم؟ قال: أمرني أن آمرك أن لا تتكلم أنا رسوله إليك، قال أبو يحيى: أمسك هشام بن الحكم عن الكلام شهرا ثم تكلم، فأتاه عبد الرحمن بن الحجاج فقال: سبحان الله يا أبا محمد تكلمت و قد نهيت عن الكلام؟

فقال: مثلي لا ينهى عن الكلام، قال أبو يحيى: فلما كان من قابل أتاه عبد الرحمن بن الحجاج فقال له يا هشام: قال لك أ يسرك أن تشرك في دم امرئ مسلم؟ قال: لا، قال:

فكيف تشرك في دمي؟ فإن سكت و إلا فهو الذبح، فما سكت حتى كان من أمره ما كان صلى الله عليه، و ذكر نحوا من ذلك بأسانيد، و له قصة طويلة في مناظرته في بيت يحيى البرمكي و هارون خلف الستر، و أن ذلك صار سبب موته، لكن فيه مدائح كثيرة تغلب ذمه، و لعل هذه الزلات التي كانت لشدة حبهم و رسوخهم في الدين مقرونة بالشفاعة و المغفرة كما وعده عليه السلام، و قد أشبعت الكلام في ذلك في الكتاب الكبير.

 (الحديث الخامس)

 (1): موثق كالصحيح.

" إن طرقك طارق منا"

 (2) أي دخل عليك بالليل خوفا من الظلمة طارق منا أهل البيت يدعوك إلى معاونته في رفع شر الظلمة

أ تخرج معه‏

 (3) لمعاونته؟ و قد يطلق الطارق على مطلق النازل ليلا كان أو نهارا

" فقلت له: إن كان أباك أو أخاك"

 (4) أي إن كان‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 278

الطارق أو مرسله إماما مفترض الطاعة كأبيك و أخيك يدعوني إلى الخروج معه خرجت معه.

و اعلم أن الأخبار في حال زيد مختلفة، ففي بعضها ما يدل على أنه ادعى الإمامة فيكون كافرا، و في كثير منها أنه كان يدعو إلى الرضا من آل محمد و أنه كان غرضه دفع هؤلاء الكفرة و رد الحق إلى أهله، و ربما يقال: إنه كان مأذونا عن الصادق عليه السلام باطنا و إن كان ينهاه بحسب الظاهر تقية و فيه بعد، و قيل: كان جهاده لدفع شرهم عنه و عن أهل البيت عليهم السلام كجهاد المرابطين في زمن الغيبة لدفع الكفرة، أو كمجاهد المرء عدوه على سبيل الدفع عن نفسه و حرمه و ماله، و إجماله في القول لئلا تتخلف عنه العامة و تتضرر منه الخاصة، و لعل حمله على أحد هذه الوجوه أولى، فإن الأصل فيهم كونهم مشكورين مغفورين، و قد وردت الأخبار في النهي عن التعرض لأمثالهم بالذم، و أنهم يوفقون عند الموت للرجوع إلى الحق، و الاعتقاد بإمام العصر

" أ ترغب بنفسك عني"

 (1) أي أ ترغب عني و لا تميل إلى بسبب نفسك، و خوفا عليها أن تقتل، أو المعنى أ تعد نفسك أرفع من أن تبايعني أو ترى لنفسك فضلا فتحافظ عليها ما لم تحافظ علي، أو فتظن أنك أعرف بأمر الدين مني و أن ما تراه في ترك الخروج لدفع شر هؤلاء أولى مما أراه من مجاهدتهم لدفعهم، قال في النهاية: فيه، إني لأرغب بك عن الأذان، يقال رغبت بفلان عن هذا الأمر إذا كرهته و زهدت له فيه، و في القاموس: رغب بنفسه عنه بالكسر: رأى لنفسه عليه فضلا.

" إنما هي نفس واحدة"

 (2) أي ليس لي نفسان إن أتلفت إحداهما في معصية الله تداركت بالأخرى طاعة الله، فلا بد لي من أن أنظر لها و لا أضيعها، و قيل: المعنى لست إلا رجلا واحدا ليس لي أتباع فلا ينفعك نصرتي، و يحتمل أن يراد أن الحجة نفس واحدة، و معلوم أن أخاك أو ابن أخيك حجة فكيف تكون أنت حجة، و

                                                مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 279

الأول أظهر.

ثم أخذ في الاستدلال على أنه لا ينبغي أن يخرج معه‏

بقوله:" فإن كان لله في الأرض حجة فالمتخلف عنك ناج"

 (1) لأنك لست بذاك‏

" و الخارج معك هالك"

 (2) لأن إمامي منعني عن الخروج، أو لأن إجابة من ليس بحجة إلى الخروج و الطاعة و الانقياد له مع وجود الحجة هلاك و ضلال‏

" و إن لا تكن لله حجة"

 (3) فأجابه غير الحجة و التخلف عنه سواء في الدين، و ليس شي‏ء منهما مكلفا به و في الإجابة إلقاء النفس إلى التهلكة، و لا مفسدة في التخلف، فقال له زيد- معرضا عن إبطال حجته مفصلا، مقتصرا على الإشارة إليه إجمالا- بأنه لو كان هذا الخروج الذي أريده محظورا لأخبرني به أبي عليه السلام، و أنه مع كمال شفقته علي لم يكن يخبرك و أمثالك بما يتعلق بالدين، و لا يخبرني به، أو المراد أنه كيف أخبرك و أمثالك بالإمام و لم يخبرني به؟ فقال له الأحول على طريقة الجدل: لعله لم يخبرك لشفقته عليك مخافة أن لا تقبله، و أخبرني لعدم الداعي إلى عدم القبول‏

" و إن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار"

 (4) و إنما قال ذلك تنزلا، لأنه كيف يتصور عدم علمه بإمامة أخيه في مدة حياة والده عليه السلام و بعده.

و في النهاية: الخوان‏

 (5) بالكسر: الذي يؤكل عليه، معرب، و قال:

البضعة

 (6) بالفتح القطعة من اللحم.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 280

قوله:" أما و الله لئن قلت ذلك"

 (1) الظاهر أن هذا على سبيل الإنكار، و قيل:

لما كان بناء كلام الأحول على ظنه بزيد أنه غير مقر بالإمامة، و غير عارف بإمامه، و لم تكن المصلحة في إظهار حاله و التصريح ببطلان ظنه و مقالة، أعرض عن التعرض لجوابه، و قال تنبيها له على أن مجاهدته ليس لنيل الرئاسة و لا لجهله بالإمامة كما ظنه، بل لأمر آخر" و الله لئن قلت ذلك" و ظننت بي ما ظننت‏

" فلقد حدثني صاحبك"

 (2) الذي هو الحجة" بالمدينة" و أنا أو إليه و آخذ عنه‏

" إني أقتل و أصلب بالكناسة"

 (3) بالضم اسم موضع بالكوفة، و الغرض أنه يعلم من قول من لا يشك في صدقه مصير أمره، و إنما يريد المجاهدة لما يجوز له بمراضاة من الحجة و مشورته.

" أخذته من بين يديه"

 (4) أي لم تترك له طريق جواب أصلا، و قيل: ذكر الجهات الست إشارة إلى الست الفقرات التي تكلم بها الأحول.

باب طبقات الأنبياء و الرسل و الأئمة عليهم السلام‏

 (5)

 (الحديث الأول)

 (6): ضعيف‏

و قوله: درست‏

 (7) إما معطوف على هشام، و الضمير في‏

عنه‏

 (8) راجع إلى الإمام عليه السلام، أو إلى هشام، ينقله عنه بواسطة أيضا، أو على أبي يحيى و الضمير راجع إلى هشام.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 281

قوله عليه السلام: الأنبياء و المرسلون،

 (1) أي مجموع الصنفين علي التداخل ينقسم إلى الأربع لأكل منهما، فلا ينافي ما سيأتي في الباب الآتي من الفرق بين النبي و الرسول، و يحتمل أن يكون هذا التقسيم مبنيا على اصطلاح آخر، و الأول أظهر.

قال شارح المقاصد: النبوة هو كون الإنسان مبعوثا من الحق إلى الخلق، فإن كان النبي مأخوذا من النباوة و هو الارتفاع لعلو شأنه و اشتهار مكانه أو من النبي بمعنى الطريق لكونه وسيلة إلى الحق، فالنبوة على الأصل كالأبوة، و إن كان من النبإ بمعنى الخبر لإنبائه عن الله تعالى، فعلى قلب الهمزة واوا ثم الإدغام كالمروة، و قال: النبي هو إنسان بعثه الله لتبليغ ما أوحى إليه، و كذا الرسول و قد يخص بمن له شريعة و كتاب، فيكون أخص من النبي، و اعترض بما ورد في الحديث من زيادة عدد الرسل على عدد الكتب، فقيل: هو من له كتاب أو نسخ لبعض أحكام الشريعة السابقة، و النبي قد يخلو عن ذلك كيوشع عليه السلام، و في كلام بعض المعتزلة أن الرسول صاحب الوحي بواسطة الملك، و النبي هو المخبر عن الله بكتاب أو إلهام أو تنبيه في منام، انتهى.

أقول: و سيأتي تحقيق القول في ذلك.

قوله: فنبي منبأ في نفسه،

 (2) أقول: الفرق بينه و بين الثاني لا يخلو من إشكال، و يمكن توجيهه بوجهين:

الأول: أن يكون المراد بقوله: منبأ في نفسه لا يعدو غيرها، أنه لا يتعلق بنبوته شي‏ء غير نفسه، لا ملك يسمع صوته أو يعاينه، و لا أحد يبعث إليه و الثاني ليس بمقصود على ذلك، بل يسمع كلام الملك أيضا بحيث لا يراه في اليقظة، فيكون‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 282

القسمان مشتركين في عدم البعثة إلى أحد، و إنما الفرق بسماع الصوت في اليقظة و عدمه، و التشبيه بلوط عليه السلام في محض كونه عليه إمام، لأن لوطا كان من المرسلين، و كان مبعوثا على أمة عذبوا بمخالفته.

و الوجه الثاني: أن يكون الأول من لم يبعث إلى أحد أصلا، و الثاني من يكون مبعوثا لكن لا من قبل الله، بل من قبل الإمام بأن يكون لوطا مبعوثا من قبل إبراهيم عليه السلام إليهم لا من قبل الله، و إن كان نبيا فيكون التشبيه كاملا، و يكون قوله سبحانه" وَ إِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ" يعني به أنه من المرسلين من قبل الإمام، و المراد بعدم المعاينة عدمها عند إلقاء الحكم و سماع الصوت المشتمل على بيان الحكم الشرعي، فلا ينافي رؤية لوط عليه السلام الملائكة المرسلين لتعذيب قومه و سماعه أصواتهم، و يمكن أن يكون المراد رؤيتهم بصورتهم الأصلية، و هو عليه السلام رآهم في صورة البشر، أو رؤيتهم عند معرفة أنهم ملائكة، فيمكن أن يكون حين عرفهم لم يكن يراهم، و لكن يسمع أصواتهم و الظرف في قوله: في اليقظة، متعلق بيسمع الصوت و لا يعاينه على التنازع.

و قوله تعالى" أَوْ يَزِيدُونَ"

 (1) مما يوهم الشك و هو محال على الله سبحانه.

و أجيب بوجوه:" الأول" أن المعنى أو يزيدون في تقديركم، بمعنى أنه إذا رآهم الرائي منكم قال: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون على المائة ألف" الثاني" أن أو بمعنى الواو" الثالث" أن أو بمعنى بل" الرابع" أنه للإبهام على المخاطبين" الخامس" ما قيل: إنه لما كان إرسال يونس إلى قومه أمرا مستمرا و كان قومه في بعض أوقات‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 283

الإرسال مائة ألف و زادوا بالتوالد في بعض الأوقات إلى أن صاروا مائة و ثلاثين ألفا استعمل" أو" لبيان أن المرسل إليهم على قسمين، ففي بعض الأوقات مائة ألف، و في بعضها يزيدون، و لم يذكر قدر الزيادة إشارة إلى أنه في كل وقت من أوقات الزيادة غير ما في الأوقات الأخرى، فبين عليه السلام أن منتهى الزيادة ثلاثون ألفا.

و قال الطبرسي (ره): و اختلف في الزيادة على مائة ألف كم هي؟ فقيل:

عشرون ألفا عن ابن عباس و مقاتل، و قيل: بضع و ثلاثون ألفا عن الحسن و الربيع، و قيل: سبعون ألفا عن مقاتل بن حيان.

قوله: و عليه إمام،

 (1) أي موسى عليه السلام و الإمام من تكون له الرئاسة العامة و يتبعه كل من يأتي بعده إلى أن تنسخ شريعته، و هذا المعنى ثابت لجميع أولو العزم، و لأئمتنا صلوات الله عليهم، و قوله عليه السلام: من عبد صنما أو وثنا لم يكن إماما، إما تفسير لقوله تعالى:" لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" أو متفرع و مترتب عليه و هذا أنسب بسائر الأخبار، فيكون تعريضا لأئمة المخالفين الذين كانوا في أكثر عمرهم مشركين، فعلى الأول المراد بالظلم الكفر و الشرك، و بالعهد الإمامة، و على الثاني فالظلم على عمومه و العهد شامل للإمامة و ما في حكمها، و هو في الأصل ما يكتب للولاة، من عهد إليه كعلم إذا أوصاه، و هنا كناية عن خلافة الله في أرضه.

و قال الطبرسي (ره) قال مجاهد: العهد الإمامة و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليه السلام، أي لا يكون الظالم إماما للناس فهذا يدل على أنه يجوز أن يعطي ذلك بعض ولده إذا لم يكن ظالما لأنه لو لم يرد أن يجعل أحدا منهم إماما للناس‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 284

لوجب أن يقول في الجواب: لا، أو لا ينال عهدي ذريتك، و قال الحسن: إن معناه أن الظالمين ليس لهم عند الله عهد يعطيهم به خيرا و إن كانوا قد يعاهدون في الدنيا فيوفي لهم، و قد يجوز في العربية أن يقال لا ينال عهدي الظالمين، لأن ما نالك فقد نلته، و قد روي ذلك في قراءة ابن مسعود، و استدل أصحابنا بهذه الآية على أن الإمام لا يكون إلا معصوما عن القبائح، لأن الله سبحانه نفي أن ينال عهده الذي هو الإمامة ظالم، و من ليس بمعصوم فقد يكون ظالما إما لنفسه و إما لغيره، فإن قيل:

إنما نفى أن يناله في حال ظلمة، فإذا تاب فلا يسمى ظالما، فيصح أن يناله؟ فالجواب أن الظالم و إن تاب فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته في حال كونه ظالما، فإذا نفى أن يناله فقد حكم بأنه لا ينالها، و الآية مطلقة غير مقيدة بوقت دون وقت، فيجب أن تكون محمولة على الأوقات كلها، فلا يناله الظالم و إن تاب فيها بعد، انتهى كلامه رفع الله مقامه.

فإن قلت: على القول باشتراط بقاء المشتق منه في صدق المشتق كيف يستقيم الاستدلال؟

قلت: لا ريب أن الظالم في الآية يحتمل الماضي و الحال، لأن إبراهيم عليه السلام إنما سأل ذلك لذريته من بعده، فأجاب تعالى بعدم نيل العهد لمن يصدق عليه أنه ظالم بعده، فكل من صدق عليه بعد مخاطبة الله تعالى لإبراهيم بهذا الخطاب أنه ظالم، و صدر عنه الظلم في أي زمان من أزمنة المستقبل يشمله هذا الحكم، أنه لا يناله العهد.

فإن قلت: تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية؟

قلت: العلية لا تدل على المقارنة، إذ ليس مفاد الحكم إلا أن عدم النيل إنما هو للاتصاف بالظلم في أحد الأزمنة المستقبلة بالنسبة إلى صدور الحكم فتدبر.

و قال بعض الأفاضل: في الخبر دلالة علي أن المراد بالظالم من ظلم و سبق ظلمه، حيث قال: من عبد صنما و لم يقل من لم يعبد، و لم يدخل الفاء في الخبر

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 285

دلالة على عدم إرادة معنى الشرط، و أيضا فكما كان الخليل عليه السلام يسأل الإمامة و يريدها لظالم حين ظلمه إنما يدخل في سؤاله الذي سبق ظلمه، و هو غير متلبس به، فأجاب بإخراج من ظلم و سبق منه الظلم، و يحتمل أن يكون مراد الخليل عليه السلام أخذ العهد لذريته بالإمامة، في ضمن عهد إمامته، و الجواب من يفعل منهم ظلما لا ينال عهد الإمامة، فذريته على العموم لا يصح إدخالهم في العهد، فإن من ذريته من يعبد الصنم و الوثن.

 (الحديث الثاني)

 (1): ضعيف، و تقدم النبوة على الرسالة ظاهر، و كذا الرسالة على الخلة فإنها فراغ القلب عن جميع ما سوى الله، و عدم التوسل في شي‏ء من الأمور إلى سواه، و كل رسول لا يلزم أن تكون له هذه الدرجة، و الإمامة التي هي الرئاسة العامة لجميع الخلق، و كون من بعده من الأنبياء تابعين له أفضل من الجميع.

قوله عليه السلام: فلما جمع له،

 (2) على بناء المعلوم أو المجهول‏

" الأشياء"

 (3) أي المذكورة سابقا.

قوله عليه السلام: لا يكون السفيه.

 (4) هذا تفسير لنفي إمامة الظالم بحمل الظلم على السفاهة، سواء كان بفقدان العقائد الحقة و اختيار الباطل، و هم الظلمة على أنفسهم، أو بارتكاب القبائح الشنيعة و هم الظلمة على أنفسهم أو على غيرهم، أو بيان لسببه، أو لما يترتب عليه.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 286

قيل: و فيه دلالة على عموم الإمامة بالنسبة إلى كل الناس كما هو الظاهر من قوله تعالى:" إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً".

 (الحديث الثالث)

 (1): موثق‏

" و عليهم دارت الرحى"

 (2) أي رحا النبوة و الرسالة و الشريعة و الدين، و سائر الأنبياء تابعون لهم فهم بمنزلة القطب للرحى، و قيل: كنى بالرحى عن الشرائع لدورانها بين الأمم مستمرة إلى يوم القيامة، و شبه أولو العزم بالماء الذي تدور عليه الرحى، أو كنى بالرحى عن الأفلاك، فإنها تدور و تدوم بوجود الأنبياء و دوام آثارهم و لولاهم لما دارت و لما بقيت كما ورد في الحديث القدسي في حق نبينا صلى الله عليه و آله: لولاك لما خلقت الأفلاك.

 (الحديث الرابع)

 (3): ضعيف.

قوله: و قبض يده،

 (4) الظاهر أن الضمير المستتر و البارز راجعان إلى الباقر عليه السلام، و الكلام من الراوي أي لما قال عليه السلام فلما جمع له هذه الأشياء قبض يده الشريفة، أي ضم أصابعه إلى الكف لبيان اجتماع هذه الخمسة له، أي العبودية التي هي إخلاص العبادة لله، و العمل بما يقتضيه، و هذا غاية كمال الممكن، و قد وصف الله المقربين من عباده بذلك حيث قال:" سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ" و قال‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 287

" عَبْداً مِنْ عِبادِنا" إلى غير ذلك من الآيات، و النبوة و الرسالة و الخلة و الإمامة، و ضم الفعل إلى القول بهذه الإشارات شائع في الاستعمالات كما لا يخفى علي المتدبرين في فهم الروايات، و قيل: لعل المراد أخذ يده و رفعه من حضيض الكمالات إلى أوجها، هذا إذا كان الضمير في يده راجعا إلى إبراهيم و إن كان راجعا إلى الله فقبض يده كناية عن إكمال الصنعة و إتمام الحقيقة في إكمال ذاته و صفاته، أو تشبيه للمعقول بالمحسوس للإيضاح، فإن الصانع منا إذا أكمل صنعة الشي‏ء لرفع يده عنه و لا يعمل فيه شيئا لتمام صنعته، و قيل: فيه إضمار أي قبض إبراهيم هذه الأشياء بيده، أو قبض المجموع في يده، و لا يخفى ما في جميع ذلك من التكلف و التعسف.

قوله: فمن عظمها

 (1) أي الإمامة.

باب الفرق بين الرسول و النبي و المحدث‏

 (2)

 (الحديث الأول)

 (3): صحيح‏

قوله عليه السلام: الذي يرى في منامه،

 (4) الغرض بيان مادة الافتراق لإثبات العموم، أي يصدق على هذا الفرد

" و لا يعاين الملك"

 (5) أي في اليقظة، و المعنى: لا يعاينه حين سماع صوته، فلا ينافيه الخبر الآتي، و يدل على أنه كان في قراءة أهل البيت عليهم السلام:

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 288

" و لا محدث"

 (1) و قيل: يحتمل أن يكون بيانا للمراد من الآية، أقول: هذا بعيد جدا و إن أمكن توجيهه بأن الأئمة في هذه الأمة لما كانوا بمنزلة الأنبياء الذين كانوا في الأمم السابقة كما قال النبي صلى الله عليه و آله: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل، و فسر بالأئمة عليهم السلام، فذكر الأنبياء المتقدمين و بيان حكمهم مشتمل على ذكر الأئمة عليهم السلام على هذا الوجه، لكن أوردنا في كتابنا الكبير أخبارا أصرح من هذه الأخبار، في كون هذه الكلمة في القرآن، و لا استبعاد في سقوط بعض القرآن عما جمعه عثمان كما سيأتي تحقيقه في كتاب القرآن إن شاء الله تعالى.

 (الحديث الثاني)

 (2): مجهول‏

قال: فكتب.

 (3) القائل أما الحسن أو إسماعيل فإن أحدهما شك في أن جوابه عليه السلام كان بعنوان المكاتبة أو المكالمة

" ينزل عليه جبرئيل"

 (4) ذكره على المثال أو على التعيين، فيكون الملك في سائر الأخبار محمولا عليه‏

" و ينزل عليه الوحي"

 (5) أما تفسير لما سبق أو تعميم بعد التخصيص على الاحتمال الأول، أو المراد الوحي بلا واسطة الملك،

" و ربما رأى الشخص"

 (6) أي النبي الذي ليس برسول لا يجتمع له السماع و الرؤية في حالة واحدة كما مر، و يرى في المنام أيضا و لا يرى الشخص، أي جبرئيل عليه السلام على الاحتمال الثاني مطلقا، و إن كان ينافيه بعض الأخبار، أو عند إلقاء الحكم كما

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 289

مر، فالفرق بينه و بين بعض الأنبياء غير مذكور هنا، قيل: أي الإمامة باعتبار هذه المرتبة، كما أن النبوة باعتبار الرؤية في المنام، و الرسالة باعتبار نزول جبرئيل عليه السلام و رؤية شخصه و سماع كلامه في اليقظة، فمتى فارقت الإمامة النبوة و الرسالة لم يكن الإسماع و الكلام من غير معاينة و لا في المنام كما سيأتي.

 (الحديث الثالث)

 (1): صحيح.

قال الفيروزآبادي: رأيته قبلا

 (2) محركة و بضمتين، و كصرد و عنب، و قبيلا كأمير: عيانا و مقابلة

" و يأتيه الروح"

 (3) أي جبرئيل للخبر السابق، أو روح القدس كما سيأتي.

و اعلم أن تحقيق الفرق بين النبي و الإمام عليهم السلام و استنباطه من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال، و كذا الجمع بينهما و بين سائر الأخبار التي سيأتي بعضها و أوردنا أكثرها في كتاب البحار، في غاية الإشكال، و الذي ظهر لي من أكثرها: هو أن الإمام لا يرى الحكم الشرعي في المنام، و النبي قد يراه فيه، و أما الفرق بين الإمام و النبي و بين الرسول، أن الرسول يرى الملك عند إلقاء الحكم و النبي غير الرسول و الإمام عليه السلام لا يريانه في تلك الحال، و إن رأياه في سائر الأحوال، و يمكن أن يخص الملك الذي لا يريانه بجبرئيل عليه السلام، و يعم الأحوال لكن فيه أيضا منافرة لبعض الروايات، و مع قطع النظر عن الأخبار لعل الفرق بين الأئمة عليهم السلام و غير

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 290

أولي العزم من الأنبياء أن الأئمة عليهم السلام نواب للرسول صلى الله عليه و آله لا يبلغون إلا بالنيابة، و أما الأنبياء و إن كانوا تابعين لشريعة غيرهم لكنهم مبعوثون بالأصالة و إن كانت تلك النيابة أشرف و أعلى رتبة من تلك الأصالة، و ربما يفرق بينهما بأن الملك يلقي إلى النبي على وجه التعليم، و إلى الإمام عليه السلام للتنبيه.

و بالجملة لا بد لنا من الإذعان بعدم كونهم أنبياء، و أنهم أفضل و أشرف من جميع الأنبياء سوى نبينا صلوات الله عليه و عليهم، و من سائر الأوصياء عليهم السلام، و لا نعرف سببا لعدم اتصافهم بالنبوة إلا رعاية جلالة خاتم الأنبياء صلى الله عليه و آله، و لا يصل عقولنا إلى فرق بين بين النبوة و الإمامة، و ما دلت عليه الأخبار فقد عرفته و الله يعلم حقائق أحوالهم صلوات الله عليهم.

قال الشيخ المفيد قدس الله روحه في شرح عقائد الصدوق رحمه الله: أصل الوحي هو الكلام الخفي ثم قد تطلق على كل شي‏ء قصد به إلى إفهام المخاطب على السر له من غيره، و التخصيص له به دون من سواه، فإذا أضيف إلى الله تعالى كان فيما يخص به الرسل خاصة دون من سواهم على عرف الإسلام و شريعة النبي صلى الله عليه و آله، قال الله تعالى:

" وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ أُمِّ مُوسى‏ أَنْ أَرْضِعِيهِ" الآية، فاتفق أهل الإسلام على أن الوحي كان رؤيا مناما و كلاما سمعته أم موسى في منامها على الاختصاص، و قال تعالى:" وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ" الآية يريد به الإلهام الخفي إذ كان خاصا بمن أفرده دون من سواه، فكان علمه حاصلا للنحل بغير كلام جهر به المتكلم فأسمعه غيره.

و ساق (ره) الكلام إلى أن قال: و قد يرى الله في المنام خلقا كثيرا ما يصح تأويله و يثبت حقه لكنه لا يطلق بعد استقرار الشريعة عليه اسم الوحي، و لا يقال في هذا الوقت لمن أطلعه الله على علم شي‏ء أنه يوحى إليه، و عندنا أن الله يسمع الحجج بعد نبيه صلى الله عليه و آله كلاما يلقيه إليهم أي الأوصياء في علم ما يكون، لكنه لا يطلق عليه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 291

اسم الوحي لما قدمناه من إجماع المسلمين على أنه لا يوحى لأحد بعد نبينا صلى الله عليه و آله، و إنه لا يقال في شي‏ء مما ذكرناه أنه وحي إلى أحد، و لله تعالى أن يبيح إطلاق الكلام أحيانا و يحظره أحيانا و يمنع السمات بشي‏ء حينا و يطلقها حينا، فأما المعاني فإنها لا تتغير عن حقائقها على ما قدمناه. و قال رحمه الله في كتاب المقالات: أن العقل لا يمنع من نزول الوحي إليهم عليهم السلام و إن كانوا أئمة غير أنبياء، فقد أوحى الله عز و جل إلى أم موسى عليه السلام أَنْ أَرْضِعِيهِ، الآية، فعرفت صحة ذلك بالوحي، و عملت عليه و لم تكن نبيا و لا رسولا و لا إماما، و لكنها كانت من عباد الله الصالحين، و إنما منعت من نزول الوحي إليهم و الإيحاء بالأشياء إليهم للإجماع على المنع من ذلك و الاتفاق على أنه من زعم أن أحدا بعد نبينا صلى الله عليه و آله يوحى إليه فقد أخطأ و كفر، و لحصول العلم بذلك من دين النبي صلى الله عليه و آله، كما أن العقل لم يمنع من بعثة نبي بعد نبينا صلى الله عليه و آله و نسخ شرعه كما نسخ ما قبله من شرائع الأنبياء عليهم السلام، و إنما منع ذلك الإجماع و العلم بأنه خلاف دين النبي صلى الله عليه و آله من جهة اليقين و ما يقارب الاضطرار، و الإمامية جميعا على ما ذكرت ليس بينها فيه على ما وصفت خلاف.

ثم قال رحمه الله:" القول في سماع الأئمة عليهم السلام كلام الملائكة الكرام و إن كانوا لا يرون منهم الأشخاص" و أقول بجواز هذا من جهة العقل، و أنه ليس يمتنع في الصديقين من الشيعة، المعصومين من الضلال، و قد جاءت بصحته و كونه للأئمة عليهم السلام و من سميت من شيعتهم الصالحين الأبرار الأخيار واضحة الحجة و البرهان، و هو مذهب فقهاء الإمامية و أصحاب الآثار منهم، و قد أباه بنو نوبخت و جماعة من الإمامية لا معرفة لهم بالأخبار، و لم يتعمقوا النظر و لا سلكوا طريق الصواب.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 292

ثم قال رحمه الله تعالى: و أقول: منامات الرسل و الأنبياء و الأئمة عليهم السلام صادقة لا تكذب، و أن الله تعالى عصمهم عن الأحلام و بذلك جاءت الأخبار عنهم عليهم السلام، و على هذا القول جماعة من فقهاء الإمامية و أصحاب النقل منهم، و إما متكلموهم فلا أعرف منهم نفيا و لا إثباتا، و لا مسألة فيه و لا جوابا، و المعتزلة بأسرها تخالفنا فيه، انتهى.

 (الحديث الرابع)

 (1): ضعيف، و أحمد بن محمد كأنه العاصمي.

قوله عليه السلام: يوفق لذلك،

 (2) أي يعطيه أسباب تلك المعرفة و يهيئها له من معجزة مقارنة له أو إفاضة علم ضروري به‏

" لقد ختم الله بكتابكم"

 (3) الظاهر أن هذا لرفع توهم النبوة في الحجج عليهم السلام، لاشتراكهم مع الأنبياء في سماع صوت الملك، أو لبيان أنه لا بد من محدثين بعد النبي صلى الله عليه و آله لحفظ الملة و هداية الأمة، إذ في الأمم السابقة كان في كل عصر جماعة من الأنبياء يحفظون شريعة النبي الذي سبقهم من أولي العزم، و يدعون الناس إلى ملته، فلما انقطعت النبوة بعد نبينا فلا بد من محدثين يأتون بما كانوا يأتون به.

و قيل: نبه بذلك على أن كيفية ذلك إنما يحتاج إلى علمه من يكون نبيا، أو من يحتمل نبوته و هو لكم مفروغ عنه، لانقطاع النبوة بعد نبينا صلى الله عليه و آله و لا يخفى ما فيه.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 293

باب أن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام‏

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): صحيح.

قوله عليه السلام: إن الحجة لا تقوم،

 (3) أي في الدنيا بحيث يجب عليهم الإتيان بما أمروا به و الانتهاء عما نهوا عنه، فإن التعريف شرط التكليف، أو في الآخرة بحيث يحتج عليهم لم فعلت كذا؟ و لم تركت كذا؟

" إلا بإمام حتى يعرف"

 (4) على المعلوم من بناء التفعيل أي حتى يعرف الناس ما يحتاجون إليه، فيكون دليلا على المدعى أو على بناء المجهول بالتخفيف أو بالتشديد، و الضمير راجع إلى الله أو إلى الدين أو الحق المعلومين بقرينة المقام، أو إلى الإمام إذ لو لم يكن إماما منصوبا من قبل الله مؤيدا بالمعجزات لم تعرف حقيته و حجيته، و في بعض النسخ" حي" مكان" حتى" فالوجوه أيضا محتملة في البناء، لكن الضمير راجع إلى الإمام، و التقييد بالحي للرد على العامة القائلين بأن الإمام بعد الرسول القرآن كما قال إمامهم: حسبنا كتاب الله، و في بعض النسخ:" حق" مكانه ردا على المخالفين القائلين بإمامة خلفاء الجور.

 (الحديث الثاني)

 (5): ضعيف.

                                                مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 294

 (الحديث الثالث)

 (1): مجهول.

 (الحديث الرابع)

 (2): صحيح،

و الحجة:

 (3) البرهان، و المراد بها هنا الإمام عليه السلام إذ به تقوم حجة الله على الخلق‏

" قبل الخلق"

 (4) أي قبل جميعهم من المكلفين كآدم عليه السلام إذ كان قبل خلق حواء و خلق ذريته‏

" و مع الخلق"

 (5) لعدم خلو الأرض من الإمام، و بعدهم إذ القائم أو أمير المؤمنين عليهما السلام آخر من يموت من الخلق، أو يكون الحجة قبل كل أحد و معه و بعده، و قيل: حجية الحجة قبل إيجاد الخلق في الميثاق، و معهم في الدنيا و بعد موتهم في القيامة، و أقول: يحتمل على بعد أن يكون المعنى:

هو قبل الخلق بالعلية، و معهم بالزمان، و بعدهم بالغائية، و لعل المصنف (ره) حمله علي المعنى الثالث.

باب أن الأرض لا تخلو من حجة

 (6)

 (الحديث الأول)

 (7): حسن.

" إلا و أحدهما صامت"

 (8) أي ساكت عن الدعوة و التعريف و ادعاء الإمامة، و الناطق إمام عليه في الحال كالسبطين عليهما السلام.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 295

 (الحديث الثاني)

 (1): حسن موثق.

" إن الأرض لا تخلو"

 (2) أي عن إمام سابق‏

" إلا و فيها إمام"

 (3) أي لا حق بشرط بقاء زمان التكليف، و الواو للحال و الاستثناء مفرغ متصل، أي لا تخلو على حال من الأحوال إلا هذه الحالة، أو لا تخلو من أحد إلا و فيها إمام، أو لا تمضي إلا و فيها إمام، من قولهم خلا الدهر أي مضى، و نسبة المضي إليها مجاز بل الزمان يمضي عليها، و هذا عندي أظهر، أو من الخلق فيكون المراد إن آخر من يموت الحجة

" كيما إذا زاد المؤمنون شيئا"

 (4) أي من العقائد أو الأعمال سهوا أو خطأ

" ردهم، و إن نقصوا شيئا"

 (5) لقصورهم عن الوصول إليه‏

" أتمه لهم"

 (6) و يحتمل أن يكون المراد بالمؤمنين المدعين للإيمان المبتدعين في الدين.

 (الحديث الثالث)

 (7): مجهول.

قوله عليه السلام: ما زالت الأرض،

 (8) من زال يزول فعلا تاما أي من حال إلى حال، فإن الأرض دائما في التغير و التبدل، أو من زال يزال فعلا ناقصا فكلمة

إلا

 (9) زائدة.

قال ابن هشام في المغني عند ذكر معاني" إلا" و الرابع: أن يكون زائدة، قاله الأصمعي و ابن جني، و حملا عليه قوله:

         حراجيج ما تنفك إلا مناخة             على الخسف أو ترمي بها بلدا قفرا

 و ابن مالك و حمل عليه قوله:

         أرى الدهر إلا مجنونا بأهله             و ما صاحب الحاجات إلا معذبا

" انتهى"

يعرف‏

 (10) كيضرب أو على التفعيل.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 296

 (الحديث الرابع)

 (1): ضعيف.

" تبقى الأرض بغير إمام"

 (2) أي تبقى صالحة معمورة، أو تبقى مقرا للناس فأجاب عليه السلام بنفي البقاء حينئذ لفقد ما هو المقصود من الخلق من العبادة و المعرفة حينئذ مع فقد الزواجر عن الفساد المنجر إلى الخراب و الهلاك، و قيل: تبقى فعل ناقص بمعنى تكون.

 (الحديث الخامس)

 (3): صحيح.

" و لو لا ذلك"

 (4) استدلال على عدم خلو الأرض من عالم باستلزام الخلو عدم المعرفة المقصودة من الخلق و الإيجاد، و عدم العبادة الموقوفة على المعرفة.

 (الحديث السادس)

 (5): ضعيف.

قوله عليه السلام: إن الله أجل و أعظم،

 (6) أي أجل و أعظم من أن لا يكون حكيما لطيفا بعبادة، أو لا يكون قادرا على الإتيان بمقتضى الحكمة و اللطف فيخل بمقتضاهما و يترك الأرض بغير إمام عادل.

 (الحديث السابع)

 (7): مجهول.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 297

 (الحديث الثامن)

 (1): مجهول.

" ما ترك الله أرضا"

 (2) التنكير باعتبار تعدد الأزمنة أي الأرض في زمان، و قيل:

" في" في قوله‏

" فيها"

 (3) بمعنى علي، و المراد جزءا من الأرض فيها مكلف.

 (الحديث التاسع)

 (4): ضعيف،

و أبو الحسن‏

 (5) هو الثالث عليه السلام.

 (الحديث العاشر)

 (6): مجهول.

و قال الفيروزآبادي: ساخت‏

 (7) قوائمه ثاخت و الشي‏ء رسب، و الأرض بهم سوخا و سووخا و سوخانا: انخسف، انتهى. و المراد هنا غوصها في الماء إما حقيقة أو كناية عن هلاك البشر و ذهاب نظامها.

 (الحديث الحادي عشر)

 (8): مجهول.

قوله عليه السلام:" لا تبقى"

 (9) أي ليس مراد أبي عبد الله عليه السلام السخط الذي تبقى معه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 298

الأرض و أهله، بل السخط الذي تصير به الأرض منخسفة ذاهبة غير منتظمة، ارتفع عنها التكليف.

 (الحديث الثاني عشر)

 (1): ضعيف.

 (الحديث الثالث عشر)

 (2): ضعيف.

باب أنه لو لم يبق في الأرض إلا رجلان لكان أحدهما الحجة

 (3)

 (الحديث الأول)

 (4): ضعيف.

قوله عليه السلام" لكان أحدهما الحجة"

 (5) أقول: نظيره من طرق العامة ما رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه و آله قال: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان، و ذلك لأنه كما يحتاج الناس إلى الحجة من حيث الاجتماع لأمر له مدخل في نظامهم و معاشهم، كذلك يحتاجون إليه من حيث الانفراد لأمر له مدخل في معرفة مبدئهم و معادهم و عباداتهم، و أيضا الحكمة الداعية إلى الأمر بالاجتماع و سد باب الاختلاف المؤدي إلى الفساد جارية هيهنا، و إنما تتم بحجية أحدهما، و وجوب إطاعة الآخر له.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 299

 (الحديث الثاني)

 (1): ضعيف بسنديه.

 (الحديث الثالث)

 (2): مرسل.

و آخر من يموت‏

 (3) إما القائم عليه السلام أو أمير المؤمنين عليه السلام في رجعته، لما ورد أنه دابة الأرض.

 (الحديث الرابع)

 (4): ضعيف.

 (الحديث الخامس)

 (5): مجهول.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 300

باب معرفة الإمام و الرد إليه‏

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): ضعيف على المشهور.

" إنما يعبد الله من يعرف الله"

 (3) أي معرفته تعالى كما ينبغي شرط لصحة العبادة،

" فإنما يعبده هكذا"

 (4) كأنه أشار بذلك إلى عبادة جماهير الناس أو إلى جهة الخلف، أي يمشون على خلاف جهة الحق أو إلى جهة الشمال، فإنها طريق أهل الضلال، أو إشارة إلى العبادة على غير المعرفة، و قيل: غمض عينيه أو أشار بيده إلى عينه لبيان العمى،

و قوله:" ضلالا"

 (5) تميز أو حال على المبالغة، أو بأن يقرأ بضم الضاد و تشديد اللام جمعا، و إنما أدخل التصديق بالرسول و موالاة الأئمة و البراءة من أعدائهم في معرفة الله تعالى لاشتراط قبول معرفته سبحانه بها، أو لأن من لم يصدق بتلك الأمور لم يعرف الله بصفاته الكمالية، من اللطف و الحكمة و الرحمة كما لا يخفى على من تأمل فيما أسلفنا في الأبواب السالفة، و موالاة الأئمة متابعتهم بتسليم الأمر إليهم بالإمامة و اتخاذهم أئمة و الاقتداء بهم و الانقياد لهم، و البراءة من أعدائهم المفارقة عنهم اعتقادا قلبا و لسانا و إطاعة، و قيل: إنما اعتبر معرفة الإمام فيما لا تتم العبادة إلا به من المعرفة، لأنه ما لم يعرف استناد الأمر و النهي و الطلب إليه سبحانه لا- يكون الإتيان بالعمل عبادة له تعالى، و إنما تحصل تلك المعرفة بالأخذ عن الحجة، و ما لم يعرف الحجة امتنع الأخذ عنه فيجب على من يريد أن يعبده إمام، فعليه معرفة

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 301

الإمام كما كان يجب عليه الإقرار به تعالى موحدا، و رسوله مصدقا له في جميع ما جاء به.

 (الحديث الثاني)

 (1): ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام: لا يكون العبد مؤمنا،

 (2) أي مصدقا بالمعارف التي تجب عليه فلا يفلح إلا بها، ما لم يحصل له معرفة الله و التصديق بوجوده و وحدته و صفاته اللائقة به، و معرفة رسوله بالرسالة، و التصديق بجميع ما جاء به، و معرفة الأئمة عليهم السلام كلهم و إمام زمانه بالإمامة، و وجوب الرد إليه و الأخذ عنه و إطاعته، و ذلك لأنه إنما يحصل له المعرفة من جهتهم و بتعريفهم و هدايتهم، فكل عبد يحتاج في معرفته إلى إمام زمانه، و معرفته إنما يتيسر له غالبا بالنقل من الإمام السابق عليه، فيحتاج في معرفة إمام زمانه إلى معرفة الأئمة كلهم.

و قوله" و يرد إليه و يسلم له"

 (3) بيان لجهة الاحتياج إلى معرفة إمام زمانه و

قوله:" كيف يعرف الآخر و هو يجهل الأول"

 (4) إشارة إلى أن سبب اعتبار معرفة الأئمة كلهم هو توقف معرفة الزمان على معرفة الأئمة السابقين كلهم، لأن إمامة كل لا حق إنما تعرف بنص السابق عليه، أو أن طريق المعرفة واحدة، فلو علم إمامة إمام زمانه بالمعجزة فقد تواترت المعجزات عن السابقين، و أما معرفة إمام الزمان و مدخليتها في الإيمان، فلما تواتر عن النبي ص: من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، و ما قيل: من أن المراد بالأول هو الله تعالى فلا يخفى ما فيه.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 302

 (الحديث الثالث)

 (1): صحيح.

قوله عليه السلام: فكيف تجب عليه معرفة الإمام،

 (2) أي على الانفراد بل يجب عليه أن يؤمن بالله و رسوله أولا ثم بالإمام، و الغرض أن معرفتهما أوجب عليه بل لا سبيل له إلى معرفته إلا بمعرفتهما، فلا ينافي أن يعاقب بتركها أيضا إذا ترك الجميع، و قيل:

المراد أنه إنما تجب عليه معرفة الإمام إذا كان قابلا لمعرفة الله و رسوله، غير معذور في تركهما بأن يكون كامل العقل، فإنه يجب عليه معرفة الإمام و إلا فلا، لفقدان العقل الذي هو مناط التكليف، و فيه بعد، و قيل: هذا استدلال على وجوب معرفة الإمام على المسلمين دون غيرهم بأن من لم يؤمن بالله و رسوله و لم يصدق الله و رسوله، لم تكن معرفة الإمام مطلوبة منه لأن معرفة الإمام للتعريف و تبيين ما جاء به الرسول لصدقه و رده إليه، و التسليم و الانقياد له، و اجتماع كلمة المسلمين و كونهم جماعة ليظهروا باتفاقهم على غيرهم، فلم تكن مطلوبة من غيرهم.

و لعل المراد أن معرفة الإمام مطلوبة لا لذاتها بل لحفظ الشريعة و الاقتداء به فيها، فوجوبها بالحقيقة على المؤمن بالله و برسوله، فإن المطلوب من غير المؤمن أن يؤمن بالله و برسوله ثم إذا أسلم فعليه أن يعرف الإمام و يطيعه.

قوله: فما تقول فيمن يؤمن" إلخ"

 (3) لعله إنما أعاد السؤال طلبا للتأكيد و التنصيص أو ذكره تعجبا و استبعادا، و قيل: سؤال عن أنه إذا كان المؤمن مصدقا للرسول في‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 303

جميع ما أنزل الله أي مفصلا، أي حاجة له في الإمام؟

و قوله عليه السلام: أ ليس هؤلاء يعرفون فلانا و فلانا؟

 (1) إشارة إلى جهة احتياجهم إلى الإمام بعد تصديقهم النبي في جميع ما أنزل الله، و هو أن هؤلاء العارفين من أصحاب النبي صلى الله عليه و آله أضلهم الشيطان حتى أطاعوا فلانا و فلانا و انقادوا إليهم، و اتخذوهم أئمة فانجر إلى ما انجر إليه من الظلم و الطغيان و الضلال و العصيان، فالمصدق للنبي في جميع ما أنزل الله ليس يأمن من الشيطان و إضلاله، فيحتاج إلى الإمام لرفع الأوهام و الشبه الفاسدة التي يلقيها الشيطان في أذهانهم، و تستحسنها نفوسهم على وفق أهويتها الباطلة و أمانيها الفاسدة.

أقول: و يحتمل أن يكون المراد أن المخالفين أيضا قائلون بوجوب معرفة الإمام فاعتقدوا لذلك بإمامة هؤلاء، و إن أخطأوا في تعيين الإمام، أو المعنى أنهم لما تفطنوا بوجوب الخليفة و تمكنوا من معرفته، فما المانع لهم من الاهتداء لما هو الحق فيه؟ ليس المانع إلا الشيطان لأن الله عز و جل أقدرهم على ذلك و أعطاهم آلة المعرفة، فوجب عليهم تحصيل معرفة الإمام.

 (الحديث الرابع)

 (2): مختلف فيه.

" إنما يعرف الله و يعبده"

 (3) أي معرفة و عبادة صحيحتين‏

" من عرف الله و عرف إمامه"

 (4) أي من جمع بين المعرفتين فمعرفة الله بدون معرفة الإمام كلا معرفة و العبادة بدون معرفتهما باطلة

" و يعرف الإمام"

 (5) الواو للحال عن المنفي أو النفي، داخل على‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 304

مجموع المعرفتين‏

" فإنما يعرف"

 (1) و يعبد

" غير الله"

 (2) إذ مع عدم معرفة الله يعرف و يعبد من يكون مطابق معرفته و هو غير الله، و مع عدم معرفة الإمام يعرف و يعبد إلها لا يكون حكيما و لا رؤوف رحيما بعباده و هو غير الله، مع أنه لا يمكن معرفة الله إلا بمعرفة الإمام و أخذ معرفة الله عنه.

 (الحديث الخامس)

 (3): ضعيف.

قوله: قلت ثم أنت؟

 (4) تصديق أو استفهام، و السكوت على الأول تقرير، و علي الثاني إما للتقية أو لأمر آخر.

قوله: إني إنما حدثتك،

 (5) يحتمل أن يكون الغرض الامتنان عليه بأنك بعد معرفة ذلك صرت من شيعتنا و هم الشهداء كما قال الله تعالى:" الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ" و قال:" وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ" أو الغرض نهيه عن الإذاعة، أي إنما أخبرتك لتكون من المؤمنين لا لأن تذيع و ترده علي، أو تحريصه على التبليغ و التبيين عند عدم التقية، فإنه إذا فعل ذلك كان من شهداء الله على خلقه تنبيها لهم، أو المعنى إني إنما أخبرتك لتكون شاهدا لي عند الله بأني بلغت ذلك أو

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 305

شاهدا لله ببيانه للخلق على لساننا.

 (الحديث السادس)

 (1): ضعيف و سيأتي بأدنى اختلاف في كتاب الإيمان و الكفر بهذا السند.

" إنكم لا تكونون صالحين"

 (2) أي لا صلاح و لا نجاة و لا قبول عند الله إلا بالمعرفة، إذ لا صلاح إلا بالعبادة لمن يستحق أن يعبد، و لا عبادة إلا بالمعرفة،

" و لا تعرفوا"

 (3) بصيغة النهي و معناه النفي، و الظاهر" و لا تعرفون" كما فيما سيأتي، أي لا معرفة إلا بالتصديق لله و لرسوله و للحجج عليهم السلام، و لا تصديق إلا بالتسليم و الرضا بما من جانب المصدق به أعني الأبواب الأربعة، و قيل: المراد بالتسليم الانقياد للأئمة عليهم السلام و الرضا بما يصدر منهم‏

" و أبوابا"

 (4) منصوب بتقدير: ألزموا، أو خذوا، أو اعلموا.

و في الأبواب الأربعة وجوه:" الأول" ما سمعته من الوالد قدس سره و هو أنها إشارة إلى الأربعة المذكورة في الآية الآتية، أي التوبة، و الإيمان، و العمل الصالح، و الاهتداء بولاية أهل البيت عليهم السلام، و أصحاب الثلاثة هم التاركون للرابعة، مع أنهم أصحاب الثلاثة على وجه آخر أيضا لقولهم بخلافة الخلفاء الثلاثة.

الثاني: أن يكون المراد بها الأربعة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه و آله في الكساء فحمل الثلاثة علي الخلفاء أنسب.

الثالث: أن يكون المراد بالأربعة الأصول الخمسة، بجعل العدل داخلا في التوحيد، فإنه يرجع إلى صفاته تعالى، و بالثلاثة ما سوى الإمامة.

الرابع: أن أحد الأربعة ما يتعلق بمعرفة الله تعالى و تصديقه، و ثانيها ما يتعلق بتصديق رسوله، و ثالثها ما يتعلق بموالاة ولي الأمر من أهل البيت عليهم السلام، و

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 306

رابعها ما يتعلق بالبراءة من أعدائهم.

الخامس: أن يكون المراد بها المذكورات في أول الخبر من الصلاح و المعرفة، و هي معرفة الله، و التصديق، أي لرسول الله صلى الله عليه و آله و التسليم أي الرضا و الطاعة و الانقياد لولي الله و حججه.

" لا يصلح أولها"

 (1) المراد إما الأول و الآخر الحقيقيين أو الأعم منهما و من الإضافيين، أي لا يتم كل سابق إلا بلا حقه، و تطبيقهما على كل من المعاني ظاهر" ضل أصحاب الثلاثة" أي الذين يرون الاكتفاء بالثلاثة الأول من الأربعة، و الغناء عن الرابع،

" و تاهوا"

 (2) أي ضلوا

" تيها بعيدا"

 (3) عن الحق أو عن العقل‏

" إن الله لا يقبل إلا العمل الصالح"

 (4) أي إنما يقبل من الأعمال العمل الصالح فعليكم أن تكونوا صالحين بالإتيان به على الوجوب المطلوب الذي بالخروج عنه يخرج عن الصلاح، و إنما يقبل الله ما يكون الإتيان به وفاء بالشروط التي شرطها على عباده، و العهود التي عهد إليهم بها

" فمن و في لله تعالى بشرطه‏

 (5)" عليه‏

" و استعمل"

 (6) فيما سيأتي و استكمل‏

" ما وصف في عهده"

 (7) إليه‏

" نال ما عنده"

 (8) من الثواب على الأعمال الصالحة المقبولة المأتي بها على وجه يتحفظ به صلاحها، و من أخل بشي‏ء منها لم يصح عمله و لم يقبل منه ما فعله، و لم ينل ما عند الله من الثواب، و استحق الخذلان و العقاب، فلا تكونون صالحين إلا بالوفاء بما شرط عليكم و عهد إليكم من المعرفة و التصديق و التسليم، أو الأربعة المذكورة في الآية أو غيرهما مما تقدم، فهذا القول توضيح و تبيين لما سبقه.

و قوله:" إن الله تبارك و تعالى أخبر العباد بطرق الهدى"

 (9) إلخ، بيان للشرط و

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 307

العهد منه سبحانه حيث قال:

" وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ"

 (1) أي من الكفر

" وَ آمَنَ"

 (2) أي بالله و برسوله و صدق الله و رسوله‏

" وَ عَمِلَ صالِحاً"

 (3) أي عملا صالحا أمر به‏

" ثُمَّ اهْتَدى‏"

 (4) أي بعد التوبة و الإيمان، و العمل بما كلف به من الأعمال الصالحة، سلك طريق الهدي الذي أمر بسلوكه من الأخذ عن الحجة فيما يحتاج إلى أخذه، و اتباع من أمر بمتابعته و جعل إماما على المسلمين بإعلام من الله و رسوله، و في الدلالة على تأخر الاهتداء عن التوبة و الإيمان و العمل الصالح و انفصاله عنها بقوله، ثم أشار إلى أن المراد بالاهتداء فيما يجب بعدها، و إنما الواجب بعدها ما يجب بعد زمن رسول الله صلى الله عليه و آله من المراجعة في المعارف الإلهية و الأحكام الشرعية إلى المنصوب لذلك من جانب الله و اتباعه في أوامره و نواهيه الشرعية، و حيث قال:

" إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ"

 (5) أي إنما نتقبل الأعمال الصالحة من الطاعات و العبادات من المتقين.

و لا يخفى دلالته على مغايرة التقوى للإتيان بها و التقوى المغايرة للإتيان بها أخذها عن مأخذها و التجنب عن الأخذ عن غيره، و الدخول من غير الباب، و تشريك الطواغيت له سبحانه في الأعمال و العبادات، كما قال تعالى في آية أخرى:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ".

" هيهات"

 (6) تأكيد لقوله: ضل أصحاب الثلاثة، و هو اسم فعل بمعنى بعد

" و أشركوا من حيث لا يعلمون"

 (7) حيث أشركوا مع الإمام المنصوب من قبل الله الطواغيت و الفراعنة، و قد أشير إلى ذلك في آيات كثيرة نحو قوله تعالى" وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ" و قوله‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 308

عز و جل:" اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ".

" إنه من أتى البيوت"

 (1) إشارة إلى تأويل قوله تعالى" وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها" و أن المراد بها بيوت العلم و الحكمة، و بالأبواب الأوصياء عليهم السلام لقول النبي صلى الله عليه و آله:

أنا مدينة العلم- أو الحكمة- و علي بابها.

" وصل الله"

 (2) إلخ، إشارة إلى قوله تعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" حيث لم يفصل و لم يقل: و أطيعوا أولي الأمر منكم، مع تكراره في السابق للدلالة على أنهما تكليف واحد، متعلق بأحدهما، ففي زمان الرسول يتعلق بالرسول، و بعده يتعلق بولي الأمر، و دليل على أن المراد بأولى الأمر ليس أمراء السرايا و نحوهم كما توهمه المخالفون، إذ لا ريب أنه تعالى لا يحكم بطاعة غير المعصوم عموما، و طاعة رسوله بطاعته على الوجه السابق في قوله تعالى:" أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ" و قوله سبحانه:" مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ" أو مطلقا في آية أولي الأمر أيضا، فلا يكون عدم تكرار" أطيعوا" منظورا في الأول أيضا، و يحتمل أن يكون المراد بوصل طاعة ولي الأمر بطاعة الرسول إدخالها فيه، و جعل كل منهما مشروطا بالآخر، و كذا وصل طاعة الرسول بطاعة الله، و هذا نوع من الاستدلال أشاروا عليهم السلام إليه في مواضع كاشتراط قبول الصلاة بإيتاء الزكاة، حيث قرنهما الله في الآيات، و الإيمان بالأعمال الصالحة لذلك.

" و هو"

 (3) أي طاعة ولاة الأمر

" الإقرار بما أنزل"

 (4) بصيغة المجهول‏

" من عند الله عز و جل"

 (5) في الآيات الآتية أو السابقة أو الأعم، و على الوسط

" خُذُوا زِينَتَكُمْ"

 (6) اقتباس من الآية دلالة على أن المراد بالزينة معرفة الإمام و ولايته، و بالمسجد الصلاة أو

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 309

مطلق العبادة، و قد ورد في بعض الروايات تأويل الزينة باللباس و بثياب التجمل و بالسواك، و الجمع بينها بأن الزينة شاملة لكل ما يزين به الإنسان روحه و بدنه، لقبول العبادة و كمالها، فزينة الروح و النفس بالعقائد و الأخلاق الحسنة، و البدن بما ذكر.

" و التمسوا البيوت"

 (1) أي اطلبوها، و يدل على أن المراد بالبيوت بيوت الأئمة عليهم السلام الصورية أو المعنوية، فإنه قد ورد أنه ليس المراد بها البيوت المبنية بالطين و المدر

" فإنه أخبركم"

 (2) تعليل لكون المراد بها بيوتهم بأن الله تعالى وصف أهل تلك البيوت بصفات يخصهم، حيث قال:" يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ رِجالٌ" فضمير أنهم راجع إلى أهل البيوت بقرينة المقام، و تفسير البيوت بالأئمة عليهم السلام، فإنهم منازل نور الله، و جعل كلمة" في" في قوله" فيها" للسببية، و تفسير الرجال بأصحابهم الملتمسين للبيوت بعيد.

" لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ"

 (3) أي اشتراء فإن أصل التاجر الحاذق بالأمر، و الحذق إنما يحتاج إليه كثيرا في الشراء، لأن الأول اشتراء مجهول بمعلوم، و الثاني بيع معلوم بمعلوم، ربما تولاه من لا بصيرة له و ضرر و لا بيع الترقي فيه، باعتبار أن البيع أهم عند التجار من الاشتراء، لأن الأول اتفاقي و الثاني باختيارهم‏

" يَخافُونَ يَوْماً"

 (4) أي عذاب يوم‏

" تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ"

 (5) ظهرا لبطن، و من جانب إلى جانب، كتقلب الحية على الرمضاء، و ذلك لشدة مصائبه و عظم نوائبه.

" إن الله قد استخلص الرسل لأمره"

 (6) قال الجوهري: استخلصه لنفسه استخصه" انتهى" أي جعلهم خالصين عن الأغراض الدنيوية و العلائق البدنية، مخصوصين برسالته لأمر التبليغ و الإنذار و هداية الخلق‏

" ثم استخلصهم"

 (7) أي ولاة الأمر المتقدم‏

                                                مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 310

ذكرهم‏

" مصدقين بذلك"

 (1) الأمر الذي بعث به الرسول كائنين‏

" في"

 (2) جملة

" نذره"

 (3) فإن النذير يشمل النبي و الإمام‏

كما قال تعالى:" وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ"

 (4) أي طائفة و أهل عصر و زمان‏

" إِلَّا خَلا"

 (5) أي مضي‏

" فِيها نَذِيرٌ"

 (6) و يحتمل أن يكون" بذلك" متعلقا بقوله:

استخلصهم، لا صلة للتصديق، و يكون إشارة إلى الأمر، أي بسبب الأمر الذي بعث له الأنبياء و هو تكميل الخلق و هدايتهم. و يحتمل أن يكون على الأول النذر مصدرا بمعنى الإنذار كما قيل في قوله تعالى:

" فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ" أي إنذاري، فكلمة" في" للتعليل، و الظرف متعلق باستخلصهم.

و يحتمل أيضا أن يكون الضمير في قوله عليه السلام: استخلصهم، راجعا إلى الأنبياء أيضا، فالمراد بالنذر الأوصياء، أي استخلصهم أولا لأمر تبليغ الشرائع، ثم استخلصهم مصدقين لله بذلك، أي بالأمر الذي أمروا بتبليغه في نذره بعدهم، و هم الأوصياء، أو المراد أنه استخلصهم أولا لعبادته و قربه، ثم لما أكملهم استخصهم لإنذاره و رسالته و قيل: هذا تعليل لما سبق حيث أمرهم بالتماس البيوت و معرفتها و معرفة أهلها، ثم قال: و ذلك غير متعسر عليكم، فإنه تعالى أخبركم أنهم رجالا لا تُلْهِيهِمْ" إلخ" و ليس هذا وصفا للرسل، فإنهم إنما يوصفون بالرسالة و تبليغ الأمر و الإنذار، فإن الله قد استخلصهم و استخصهم لأمره و تبليغه و الرسالة فيه، و بعد تصديقهم بذلك استخصهم في نذره كما قال تعالى:" وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ" أي مضى و أرسل، فالتعبير اللائق بهم الرسول و النذير، فقوله تعالى:" رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ" تعبير عن غيرهم و هم ولاة الأمر" انتهى" و لا يخفى ما فيه من التعسف.

" تاه"

 (7) أي تحير و ضل عن إمام زمانه‏

" من جهل"

 (8) الكتاب و السنة

" و اهتدى"

 (9) إلى الإمام‏

" من أبصر"

 (10) بعين قلبه طريق النجاة

" و عقل"

 (11) و فهم ما نزل على الرسل، ثم بين عليه السلام أن الإبصار الذي يوجب الهداية ما هو بأبصار القلوب لا بأبصار العيون بقوله‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 311

تعالى:

" فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ"

 (1) الضمير في أنها للقصة، أو مبهم يفسره الأبصار، و في" تعمى" راجع إليه، أو الظاهر أقيم مقامه، أي ليس الخلل في مشاعرهم، و إنما ألفت عقولهم باتباع الهوى و الانهماك في التقليد، و ذكر الصدور للتأكيد و نفي التجوز و فضل التنبيه على أن العمى الحقيقي ليس المتعارف الذي يخص البصر.

ثم بين عليه السلام أن الاهتداء لا يكون إلا بأبصار القلب و التميز بين الحق و الباطل، و لا يكون ذلك الإبصار إلا بالتدبر و التفكر في الآيات و الأخبار" اتبعوا رسول الله" فذلكة للبحث و نتيجة لما سبق،

و" آثار الهدى"

 (2) الأئمة عليهم السلام، فإنهم علامة الهداية أو الدلائل الدالة على إمامتهم و وجوب متابعتهم‏

" فإنهم علامات الأمانة"

 (3) أي المتصفون بها، أو بأقوالهم و أفعالهم تعلم أحكام الأمانة و التقوى، ثم بين عليه السلام وجوب الإقرار بجميع الأئمة عليهم السلام، و اشتراط الإيمان به بأنه لو أقر رجل بجميع الأنبياء و أنكر واحدا منهم لم ينفعه إيمانه كما قال تعالى:" لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ" فكذلك من أنكر واحدا من الأئمة عليهم السلام لم ينفعه إقراره بسائر الأنبياء و الأوصياء عليهم السلام، لأن كلمة الأنبياء و الأوصياء متفقة، و كل منهم مصدق بمن سواهم، فإنكار واحد منهم إنكار للجميع.

" اقتصوا الطريق"

 (4) يقال: قص أثره و اقتصه إلى اتبعه، أي اتبعوا طريق الشيعة و الدين، أو اتبعوا أثر من تجب متابعته في طريق الدين بطلب المنار الذي به يعلم الطريق و هو الإمام، و المنار بفتح الميم: محل النور الذي ينصب على الطريق ليهتدي به الضالون في الظلمات‏

" و التمسوا"

 (5) أي اطلبوا

" من وراء الحجب"

 (6) أي حجب الشكوك‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 312

و الشبهات و الفتن التي صارت حجابا بين الناس و فهم الحق‏

" الآثار"

 (1) أي آثار الهداية و دلائلها، و هم الأئمة عليهم السلام، أو دلائل إمامتهم أو المعنى إن لم يتيسر لكم الوصول إلى الإمام فاطلبوا آثاره و أخباره من رواتها و حملتها، أو اطلبوا الإمام المحجوب بحجاب التقية و الخوف حتى تصلوا إليه، فإذا فعلتم ما ذكر فقد أكملتم أمر دينكم بمعرفة الأئمة عليهم السلام و متابعتهم، و آمنتم بالله حق الإيمان و إلا فلستم بمؤمنين.

 (الحديث السابع)

 (2): مجهول.

" أبي الله أن يجري الأشياء إلا بالأسباب"

 (3) أي جرت عادته سبحانه على وفق قانون الحكمة و المصلحة أن يوجد الأشياء بالأسباب، كإيجاد زيد من الآباء و المواد و العناصر، و إن كان قادرا على إيجاده من كتم العدم دفعة بدون الأسباب، و كذا علوم أكثر العباد و معارفهم، جعلها منوطة بشرائط و علل و أسباب، كالمعلم و الإمام و الرسول، و الملك و اللوح و القلم، و إن كان يمكنه إفاضتها بدونها، و كذا سائر الأمور التي تجري في العالم، ففيما هو عليه السلام بصدد بيانه من الحاجة إلى الإمام‏

" الشي‏ء"

 (4) حصول النجاة و الوصول إلى درجات السعادات الأخروية أو الأعم" و السبب" المعرفة و الطاعة و" الشرح" الشريعة المقدسة

و" العلم"

 (5) بالتحريك أي ما يعلم بالشرع، أو بالكسر أي سبب علم و هو القرآن و الباب الناطق الذي به يوصل إلى القرآن النبي صلى الله عليه و آله في زمانه و الأئمة صلوات الله عليهم بعده.

فظهر أنه لا بد في حصول النجاة و الوصول إلى الجنة الصورية و المعنوية من‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 313

معرفة النبي صلى الله عليه و آله و الإمام عليه السلام، و يحتمل أن يكون العلم الرسول صلى الله عليه و آله و الباب الإمام، فقوله:

" ذاك"

 (1) راجع إليهما معا، و الأول أظهر.

 (الحديث الثامن)

 (2): صحيح.

قوله عليه السلام: كل من دان الله،

 (3) أي أطاع الله بزعمه أو عبد الله أو عامل الله‏

" يجهد فيها نفسه"

 (4) أي يجد و يبالغ فيها و يحمل على نفسه فوق طاقتها، قال في المغرب: جهده حمله فوق طاقته من باب منع و أجهد لغة قليلة، و الجهد المشقة" و لا إمام له من الله" أي منصوب من قبل الله بأن لا يعتقد إمامته، و لا يكون عمله بالأخذ عنه" و هو ضال متحير" حيث لم يأخذها عن مأخذها الموجب لصحة المعرفة، فعمله لم يكن لله" و الله شانئ سبحانه مبغض لأعماله، بمعنى أنها غير مقبولة عند الله و صاحبها غير مرضي عنده سبحانه" و مثله" أي في أعماله و حيرته.

و قال الفيروزآبادي: هجم‏

 (5) عليه هجوما: انتهى إليه بغتة، أو دخل بغير إذن، و فلانا: أدخله كما هجمه، و الشي‏ء: سكن و أطرق، و فلانا طرده" انتهى".

فهو على بناء المعلوم أي دخلت في السعي و التعب بلا روية و لا علم.

" ذاهبة و جائية"

 (6) متحيرة في جميع يومها، فإن ذلك العامل لما لم يكن على ثقة من المعرفة بالعمل، يكون في معرض الشك و الحيرة.

" فلما جنها الليل"

 (7) أي حان حين خوفه و أحاطت ظلمة الجهل به و لم يعرف من يحصل له الثقة به، و طلب من يلحق به لحق على غير بصيرة لجماعة يراهم مجتمعين على من لا يعرف حاله و حن إليهم و اغتر بهم ظنا منه أنهم على ما هو عليه.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 314

قوله: مع غير راعيها،

 (1) أي الشاة و في بعض النسخ" مع راعيها" فالضمير راجع إلى الغنم.

و في القاموس: الحنن:

 (2) الشوق، و توقان النفس، و الذعر: الفزع و الخوف، و الحاصل أنه عليه السلام ذكر هذا التشبيه على سبيل التمثيل، و هو عبارة عن تشبيه هيئة منتزعة من أشياء متعددة بهيئة أخرى، و لا بد من اشتماله على تشبيهات متعددة للأجزاء بالإجزاء، ففي هذا التمثيل شبه عليه السلام الإمام بالراعي، و الأمة بالغنم، و الجاهل الذي لا إمام له بالشاة التي ضلت عن راعيها و قطيعها، و شبه عبادته و سعيه لطلب الإمام من غير بصيرة بتهجم تلك الشاة ذاهبة و جائية، لاشتراكهما في الضلال و التحير مع السعي و التردد و لحوقه كل يوم بطائفة لتحيره في أمره بلحوق الشاة الضالة بالقطيع، و تنفره عما يرى منهم من سوء العقائد و الأعمال، و أشياء يخالف ما في يده منهما بإنكار الشاة راعيها و قطيعها، و تنفر طائفة عنه محقين كانوا أو مبطلين، لما يرون منه من رسوخه في الضلال و عدم استعداده لقبول ما هم عليه، إما للتقية أو لعدم تجويز تأثير النصح فيه، بصياح الراعي بالشاة النافرة: الحقي براعيك و قطيعك الشيطان الذي يجعله ثابتا في الضلالة، بالذئب المهلك.

فالتشبيه و التمثيل في غاية الحسن و التمام، و هو وصف لحال الفرق الشاذة عن الشيعة الإمامية كالزيدية و الفطحية و الواقفية و أمثالهم، فإنهم لما تركوا الإمام الحق، و ضلوا عنه ذهبوا إلى عبد الله الأفطح و أمثاله، فسألوهم عن مسائل و وجدوهم مخالفين لما وصل إليهم من أئمة الحق قولا و فعلا، فتركوهم و ذهبوا إلى طائفة أخرى من فرق الشيعة الضالة فلم يقبلوهم، أو إلى الفرقة الإمامية فلم يثقوا بهم و ردوهم لعدم خلوص‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 315

نيتهم و استعدادهم لقبول الحق، فاغتنم الشيطان ضلالهم و حيرتهم و وسوس إليهم أن هذه الفرق كلهم ضالة فألحق بالمخالفين، فهلك هلاكا لا يرجو النجاة، و كالمخالفين الذين تركوا أمير المؤمنين و تحيروا في خلافته فذهبوا إلى خلفاء الجور فلما رأوا منهم خلاف سيرة النبي صلى الله عليه و آله و طريقته ذهبوا إلى أهل الحق امتحانا من غير بصيرة فردوهم تقية أو لغير ذلك، فوسوس إليهم الشيطان و ردوهم إلى الكفر الأصلي، أو سد عليهم الحق حتى هلكوا في الحيرة و الضلالة، أو تركوا جميع المذاهب و ذهبوا إلى الإلحاد.

كما روي أن ابن أبي العوجاء كان من تلامذة الحسن البصري، فانحرف عن التوحيد، فقيل له: تركت مذهب صاحبك و دخلت فيما لا أصل له و لا حقيقة؟ فقال:

إن صاحبي كان مخلطا كان يقول بالقدر، و طورا بالجبر، و ما أعلمه اعتقد مذهبا دام عليه.

قوله عليه السلام: إذا اغتنم الذئب ضيعتها،

 (1) أي ضياعها و كونها بلا راع و حافظ فيكون مصدرا، و قيل: الضمير راجع إلى قطيع الغنم، أي ما ضاع منها و قيل: إنما اكتفي براعيين و قطيعين للإشارة إلى أن كل طريق من طرق الضلالة إما مشتمل على الإفراط أو على التفريط، و الوسط هو الحق.

قوله: ظاهر،

 (2) أي بين حجيته بالبرهان و إن كان غائبا، و قال الفاضل التستري (ره): الظاهر أنه بالطاء المهملة، و يؤيده ما في بعض الروايات: إن الله طهرنا و عصمنا" انتهى".

و قال الجوهري: الميتة

 (3) بالكسر: كالجلسة و الركبة يقال: مات فلان ميتة حسنة" انتهى".

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 316

أقول: و هذا الخبر صريح في كفر المخالفين لإنكارهم أصلا عظيما من أصول الدين، و نفاقهم لأنهم يقرون ظاهرا بما جاء به النبي صلى الله عليه و آله و ينكرون في القلب عمدتها و أضلوا،

" فأعمالهم"

 (1) إلى آخره، تضمين للآية الكريمة، و هي قوله تعالى:

" مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ"

 (2) أي حملته و طيرته‏

" فِي يَوْمٍ عاصِفٍ"

 (3) أي شديدة ريحه، و وصف اليوم بالعصف للمبالغة

" لا يَقْدِرُونَ"

 (4) أي يوم القيامة

" مِمَّا كَسَبُوا عَلى‏ شَيْ‏ءٍ"

 (5) لحبوطه‏

" ذلِكَ"

 (6) أي ضلالهم مع حسبانهم أنهم يحسنون‏

" هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ"

 (7) لكونهم في غاية البعد عن طريق الحق.

 (الحديث التاسع)

 (8): ضعيف.

قوله تعالى:" وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ"

 (9) اعلم أن للمفسرين أقوالا شتى في تفسير الأعراف و أصحابه، قاما تفسير الأعراف فلهم فيه قولان:

الأول: أنها سور بين الجنة و النار، أو شرفها و أعاليها.

و الثاني: أن المراد على معرفة أهل الجنة و النار رجال، و الأخبار تدل عليهما، و ربما يظهر من بعضها أنه جمع عريف كشريف و أشراف، فالتقدير على طريقة الأعراف رجال، أو علي التجريد، أو معنى الأعراف العارفون بالله تعالى و بحججه عليهم السلام، و تكرار كلمة على للاستعلاء كما في قولهم فلان مهيمن على قومه و حفيظ عليهم، فالأعراف جمع عارف كناصر و أنصار، و طاهر و أطهار.

ثم القائلون بالأول اختلفوا في أن الذين على الأعراف من هم؟ فقيل: إنهم الأشراف من أهل الطاعة و الثواب، و قيل: إنهم أقوام يكونون في الدرجة السافلة

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 317

من أهل الثواب، فالقائلون بالأول منهم من قال إنهم ملائكة يعرفون أهل الجنة و النار، و منهم من قال: إنهم الأنبياء و أجلسهم الله على أعالي ذلك السور تمييزا لهم عن سائر أهل القيامة، و منهم من قال: إنهم الشهداء، و القائلون بالثاني، منهم من قال: إنهم أقوام تساوت حسناتهم و سيئاتهم، و منهم من قال: إنهم قوم خرجوا إلى الغزو بغير إذن إمامهم، و قيل: إنهم مساكين أهل الجنة، و قيل: إنهم الفساق من أهل الصلاة، و يظهر من الأخبار التي أوردتها في الكتاب الكبير الجمع بين القولين، و أن الأئمة عليهم السلام يقومون على الأعراف ليميزوا شيعتهم من مخالفيهم، و يشفعوا الفساق محبيهم و أن قوما من المذنبين أيضا يكونون فيها إلى أن يشفع لهم.

و في هذا الخبر أيضا إشارة إلى إطلاقات الأعراف و معانيها، و أن الرجال هم عليهم السلام كما قيل: إن الأعراف مأخوذ من العرفان، و هو يطلق على الموضع المشرف المعين بإشرافه على اطلاع من عليه.

فبهذه الجهة قال عليه السلام:

نحن على الأعراف،

 (1) و يطلق على حامل المعرفة المتأمل فيها، الذي إنما يعرف غيره بوساطته كالحجج من الرسل و الأنبياء، و ولاة الأمر عليهم السلام، و على هذا الإطلاق قال:

و نحن الأعراف‏

 (2) الذين لا يعرف الله تعالى إلا بسبيل معرفتنا.

و يطلق على المعرف الذي إنما يتم المقصود بمعرفته، و على هذا قال: نحن الأعراف يعرفنا الله يوم القيامة على الصراط، فإن أريد ظاهر الآية فالأعراف هو المعبر عنه بالسور بين الجنة و النار، و من عليه من الرجال الحجج عليهم السلام الذين يعرفون كلا بسيماهم، و إنما ينال المقصود بمعرفتهم، و هم الحافظون لها المحيطون بأطرافها و يستحقون أن يطلق عليهم الأعراف لاشتمالهم عليها و إحاطتهم بها.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 318

فقوله: و نحن الأعراف كقوله صلى الله عليه و آله: أنا كلام الله الناطق، و لعل‏

قوله عليه السلام:

و نحن الأعراف الذين لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا،

 (1) بالنظر إلى أحوال الدنيا،

و قوله:

و نحن الأعراف يعرفنا الله تعالى،

 (2) بالنظر إلى أحوال العقبى.

و قوله:" و عرفناه"

 (3) الظاهر أنه من المجرد أي مناط دخول الجنة معرفتهم بنا بالحجية و الولاية، و معرفتنا إياهم بكونهم أنصارنا و موالينا، و ربما يقرأ من باب التفعيل، أي مناط دخول الجنة معرفتهم بنا و بإمامتنا و تعريفنا ما يحتاجون إليه.

و قيل في تأويل الآية: إن قوله تعالى:" وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ" بيان لحال المقربين و الحجج في الدنيا، فإن معرفة الطائفتين و التميز بينهما بالسيماء و العلامة إنما تكون في الدنيا، و أما في الآخرة فالامتياز بين الفريقين في غاية الظهور لا يحتاج إلى أن يعرف بالسيماء، و كذا قوله:" لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُونَ" يناسب حالهم في الدنيا و كذا قوله:" وَ إِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" يعني إذا أرادوا أهل النار الذين عرفوهم بسيماهم و ما هم عليه من الكفر أو الفسق ظاهرا كان أو باطنا استعاذوا بالله و دعوا الله أن لا يجعلهم من القوم الظالمين.

و أما قوله تعالى:" وَ نادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ" فيحتمل الوقوع في الدارين، و كذا قوله:" وَ نادى‏ أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ" الآية و إن كان الظاهر فيه كونه حكاية قولهم في الآخرة، بأن يكون معناه: و نادى أصحاب الآخرة رجالا كانوا يعرفونهم في الدنيا بسيماهم و قالوا ذلك القول و لكن يجوز حمله علي الوقوع في الدنيا، أو على ما هو أعم.

و على أي تقدير لا ينافي كون ما سبق من المذكورات إخبارا عن حال العارفين في الدنيا، فقوله عليه السلام: نحن على الأعراف، تنبيه على أن معنى" عَلَى الْأَعْرافِ" علي المعرفة، و أن كلمة" على" هنا للاستعلاء المعنوي لا المكاني، و فيه إشارة إلى أن‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 319

أنصارهم أهل الجنة، و أعداءهم أهل النار، و هم يعرفون الفريقين في الدنيا بسيماهم، لا بظواهر أعمالهم و قوله عليه السلام:" و نحن الأعراف الذي لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا" أراد بالأعراف ما يعرف به الشي‏ء سواء كان ما به المعرفة ذاتا أو صفة من باب تسمية الشي‏ء باسم سببه. أما قوله: و نحن الأعراف يعرفنا الله، فأراد بالأعراف هاهنا نفس المعروف بالذات، كما يطلق العلم على الصورة العلمية، و هي المعلومة بالذات فإنه تعالى بهم يعرف أمتهم و أتباعهم إلى آخر ما حققه و لا نطيل الكلام بإيراده.

قوله عليه السلام:" و لكن جعلنا أبوابه"

 (1) أي أبواب معرفته و علمه‏

" و صراطه"

 (2) الذي يعرف طريق عبادته‏

" و سبيله"

 (3) الذي به يعرف الوصول إلى قربه و جنته، و الحاصل أنه تعالى كان قادرا على أن يعرف العباد جميع ذلك بنفسه، لكن كانت المصلحة مقتضية لأن يجعلنا وسيلة فيها

" و لا سواء"

 (4) أي ليس بمستو من اعتصم الناس أي المخالفون به و لا سواء من اعتصمهم به، نظير قوله تعالى:" وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لَا الْأَمْواتُ" و فيه مبالغة في نفي التساوي، أو الثاني تكرار للأول و الشق الآخر محذوف فيهما، أي لا سواء من اعتصموا به و من اعتصمتم به، و لا يستوي صنع الناس و صنعكم في الاعتصام.

أقول: و يحتمل أن يكون المراد بالناس جميعهم من المحقين و المبطلين، و كذا من اعتصموا به، أي ليس الذين يعتصم الناس بهم متساوين، و لا سواء المعتصمون بهم أو ما ينتفعون به منهم.

و فيه: أنه لا بد من حمل الناس ثانيا على المخالفين، و كونه في كل من الموضعين بمعنى آخر بعيد، ثم بين عليه السلام عدم المساواة على الوجوه كلها

فقال:" حيث ذهب الناس‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 320

إلى عيون كدرة يفرغ"

 (1) على بناء المجرد المعلوم أو الأفعال معلوما أو مجهولا

" بعضها في بعض"

 (2) أو من بعض، قال الجوهري: فرغ الماء بالكسر يفرغ فراغا مثل سمع يسمع سماعا أي انصب و أفرغته أنا" انتهى".

و الحاصل أنه عليه السلام شبه العلم بالماء لأنه سبب للحياة الروحاني، كما أن الماء سبب للحياة البدني، و قد شبه به في كثير من الآيات الفرقانية، و شبه علوم علماء المخالفين و خلفائهم بالمياه النابعة من العيون القليلة الماء المكدرة بالطين و غيره، ينقطع ينعها و ينفد ماؤها بأخذ شي‏ء قليل منها، لأنهم خلطوا شيئا قليلا وصل إليهم من الحكم و الشرائع، بالشبه الباطلة و الأوهام الفاسدة، و إن أجابوا عن قليل من المسائل ينتهي علمهم، و لا يجيبون فيما سواها، و يفرغ بعضها في بعض، أي يأخذ هذا عن هذا و هذا عن هذا و لا ينتهي علمهم إلى من يستغني بعلمه عن علم غيره، فهي قاصرة كما و كيفا، و شبه علوم أهل البيت عليهم السلام بالمياه الجارية عن عيون صافية تجري بأمر ربها، لا نفاد لها و لا انقطاع، إذ بحار العلوم و الحكم فائضة أبدا على قلوبهم من منابع الوحي و الإلهام، و لا تشوب بالآراء و الأوهام.

 (الحديث العاشر)

 (3): ضعيف.

و المراد بطرق السماء،

 (4) الطرق المعلومة بالوحي، النازل من السماء، أو الطرق الموصلة إلى الجنة التي في السماء، أو الطرق المؤدية إلى سماء المعرفة و الكمال، و الأعرفية ظاهرة إذ الأمور المحسوسة أوضح من الأمور المعقولة.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 321

 (الحديث الحادي عشر)

 (1): صحيح.

قوله عليه السلام: طاعة الله،

 (2) قيل: لما كانت الحكمة استكمال النفس الإنسانية بحسب قوتيه العلمية، و العملية و إنما استكمالها بالمعارف الحقة و التحلي بالفضائل من الصفات، و الإتيان بالحسنات، و السلامة عن الرذائل و ارتكاب السيئات، و قد أمر الله سبحانه عباده بجميعها، و بين لهم منهجها و سبيلها، و تجمعها طاعة الله المنوطة بمعرفة الإمام، ففسرها بطاعة الله و معرفة الإمام.

 (الحديث الثاني عشر)

 (3): مجهول.

قوله عليه السلام:" حسبك إذا"

 (4) فإن من عرف إمامه و تمسك به قولا و فعلا فقد استكمل بواعث النجاة.

 (الحديث الثالث عشر)

 (5): موثق.

و فسر الميت بالجاهل،

 (6) و يعلم منه تفسير الحي بالعالم،

" و نورا يمشي به في الناس"

 (7) بإمام يأتم به بعد معرفته و من‏

" مثله"

 (8) و صفته أنه‏

" فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها"

 (9) بالذي لا يعرف الإمام فإن من لا يعرفه لا يمكنه الخروج من ظلمات الجهل.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 322

و قوله:" يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ"

 (1) المراد به المشي العقلاني و السعي الروحاني في درجات المعارف الإلهية، و المراد بالناس المقربون، و سائر الناس نسناس أو الأعم، أي كائنا بين الناس معدودا منهم، أو المراد بالمشي فيهم المعاملة و المعاشرة معهم بهدايتهم و رعايتهم و التقية منهم، و سائر ما يجري بينه و بينهم، و من كان عالما حيا لا يعرف الإمام فهو في الظلمات كالأموات لا يتخلص منها و لا ينتفع بعلمه.

 (الحديث الرابع عشر)

 (2): ضعيف، لكن هذا المضمون مروي بطرق كثيرة مستفيضة.

و رواه الثعلبي في تفسيره عن أبي عبد الله الجدلي عن أمير المؤمنين عليه السلام و رواه الطبرسي عن مهدي بن نزار عن أبي القاسم الحسكاني بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام،

و قال في قوله تعالى:" مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ"

 (3) أي بكلمة التوحيد و الإخلاص عن قتادة، و قيل:

بالإيمان‏

" فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها"

 (4) قال ابن عباس: أي فمنها يصل الخير إليه، و المعنى فله من تلك الحسنة خير يوم القيامة و هو الثواب و الأمان من العقاب، فخير هيهنا اسم و ليس بالذي هو بمعنى الأفضل، و هو المروي عن الحسن و عكرمة و ابن جريج، و قيل: معناه فله أفضل منها في عظم النفع، فإنه يعطى بالحسنة عشرا، و قيل: هو رضوان الله و رضوان من الله أكبر

" وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ"

 (5) قرئ فزع بالتنوين و يومئذ بفتح الميم و بغير تنوين بكسر الميم و بفتحها، قال الكلبي: إذا أطبقت النار على أهلها فزعوا فزعة لم يفزعوا مثلها و أهل الجنة آمنون من ذلك الفزع‏

" وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ"

 (6) أي بالمعصية الكبيرة التي هي الكفر و الشرك، عن ابن عباس و أكثر المفسرين‏

" فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ"

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 323

 (1) أي ألقوا في النار منكوسين‏

" هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"

 (2) أي هذا جزاء فعلكم و ليس بظلم" انتهى".

و الحاصل: أنه لما كانت معرفة الولاية و الإمامة مناط الحسنة لأنها إنما تكون حسنة بالأخذ عن مأخذها المنتهى إلى الله سبحانه، حتى يكون الإتيان بها طاعة له و بدونه تكون سيئة، و طاعة للطواغيت و أهل الغي و الضلال، فسر الحسنة بمعرفة الولاية و حب أهل البيت عليهم السلام الداعي إلى متابعتهم و الأخذ عنهم، و السيئة بإنكار ولايتهم و بغضهم عليهم السلام مع أن الإقرار بإمامتهم و حبهم من أعظم أركان الإيمان، و الشرط الأعظم لقبول جميع الأعمال.

باب فرض طاعة الأئمة عليهم السلام‏

 (3)

 (الحديث الأول)

 (4): حسن.

و ذروة الأمر

 (5) بالضم و الكسر: أعلاه، و الأمر الإيمان أو جميع الأمور الدينية أو الأعم منها و من الدنيوية

" و سنامه"

 (6) بالفتح أي أشرفه و أرفعه مستعارا من سنام البعير لأنه أعلى عضو منه،

" و مفتاحه"

 (7) أي ما يفتح و يعلم به سائر أمور الدين،

" و باب الأشياء"

 (8) أي سبب علمها أو ما ينبغي أن يعلم قبل الدخول فيها، أو ما يصير سببا للدخول في منازل الإيمان، و على بعض الوجوه تعميم بعد التخصيص.

" و رضا الرحمن"

 (9) بالكسر و القصر بمعنى ما يرضى به‏

" بعد معرفته"

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 324

 (1) أي الإمام أو الرحمن تعالى شأنه و الأول أظهر

" و من تولى"

 (2) أي عن طاعته‏

" حفيظا"

 (3) أي تحفظ عليهم أعمالهم و تحاسبهم عليها، إنما عليك البلاغ و علينا الحساب، و الاستشهاد بالآية إما لأن طاعة الرسول عليه السلام إنما كانت تجب من حيث الخلافة و الإمامة التي هي رئاسة عامة، فإنه صلى الله عليه و آله كان إماما على الناس في زمانه مع رسالته، فبهذه الجهة تجب طاعة الإمام بعده، أو لعلمه عليه السلام بأن المراد بالرسول فيها أعم من الإمام، أو لأن الرسول صلى الله عليه و آله أمر بطاعة الأئمة عليهم السلام بالنصوص المتواترة، فطاعتهم طاعة الرسول صلى الله عليه و آله و طاعته طاعة الله، فطاعتهم طاعة الله، أو علم عليه السلام أن المراد بطاعة الرسول صلى الله عليه و آله طاعة الله، فطاعتهم طاعة الله، أو علم عليه أن المراد بطاعة الرسول طاعته في تعيين أولي الأمر بعده و أمره بطاعتهم، أو لأنهم عليهم السلام لما كانوا نواب الرسول صلى الله عليه و آله و خلفاءه فحكمهم حكمه في جميع الأشياء، إلا ما يعلم اختصاصه بالرسالة و هذا ليس منه.

 (الحديث الثاني)

 (4): ضعيف.

 (الحديث الثالث)

 (5): ضعيف على المشهور.

" فرض الله طاعتنا"

 (6) أي بالآيات الكريمة كقوله تعالى" وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" و بما جرى من ذلك على لسان رسوله صلى الله عليه و آله‏

" بمن لا يعذر الناس"

 (7) أي‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 325

المخالفون أو الأعم‏

" بجهالته"

 (1) لوضوح الأمر و إن خفي عليهم فبتقصيرهم أو لكونه من أعظم أركان الإيمان و ربما يخص بغير المستضعفين.

 (الحديث الرابع)

 (2): مرسل.

قوله: الطاعة المفروضة،

 (3) أي الإمامة التي هي رئاسة عامة على الناس، و فرض الطاعة من الله و الانقياد لهم، فإنه خلافة من الله، و ملك و سلطنة عظيمة لا يدانيه شي‏ء من مراتب الملك و السلطنة.

 (الحديث الخامس)

 (4): ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام:" أشرك"

 (5) على صيغة الأمر أو الماضي المجهول أو المعلوم، و الفاعل الضمير الراجع إلى الله بقرينة المقام، و الأوسط أظهر، أي وجوب الطاعة غير مختص بالأنبياء بل الأوصياء أيضا مشتركون معهم.

 (الحديث السادس)

 (6) صحيح.

و الأنفال‏

 (7) جمع نفل بالفتح و بالتحريك و هو الزيادة، و المراد هنا ما جعله الله تعالى للنبي في حياته و بعده للإمام زائدا على الخمس و غيره مما اشترك فيه معه غيره، قال في مجمع البيان: قد صحت الرواية عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: الأنفال‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 326

كل ما أخذ في دار الحرب بغير قتال، و كل أرض انجلى أهلها عنها بغير قتال، و ميراث من لا وارث له، و قطائع الملوك إذا كانت في أيديهم بغير غصب، و الآجام و بطون الأودية، و الأرضون الموات و غير ذلك مما هو مذكور في مواضعه.

و قالا عليهما السلام: هي لله و للرسول، و بعده لمن قام مقامه، يصرفه حيث شاء من مصالح نفسه، ليس لأحد فيه شي‏ء" انتهى".

" و لنا صفو المال"

 (1) أي خالصة و مختاره، من صفا يا ملوك أهل الحرب و قطائعهم و غير ذلك مما يصطفي من الغنيمة، كالفرس الجواد و الثوب المرتفع، و الجارية الحسناء و السيف الفاخر و أضرابها

" و نحن الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ"

 (2) الممدوحون في القرآن كما سيأتي و كذا يأتي ذكر المحسودين إنشاء الله.

 (الحديث السابع)

 (3): حسن كالصحيح.

" وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ"

 (4) قال الطبرسي رحمه الله: للمفسرين فيه قولان: أحدهما أنهم الأمراء، و الآخر أنهم العلماء، و أما أصحابنا فإنهم رووا عن الباقر و الصادق عليهما السلام أن أولي الأمر هم الأئمة من آل محمد صلى الله عليه و آله أوجب الله طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب طاعته و طاعة رسوله، و لا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلا من ثبتت عصمته، و علم أن باطنه كظاهره و أمن منه الغلط و الأمر بالقبيح، و ليس ذلك بحاصل في الأمراء و لا العلماء سواهم، جل الله سبحانه أن يأمر بطاعة من يعصيه، و بالانقياد للمختلفين بالقول و الفعل، لأنه محال أن يطاع المختلفون كما أنه محال‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 327

أن يجتمع ما اختلفوا فيه.

و مما يدل على ذلك أيضا أن الله سبحانه لم يقرن طاعة أولي الأمر بطاعة رسوله، كما قرن طاعة رسوله بطاعته إلا و أولو الأمر فوق الخلق جميعا، كما أن الرسول فوق أولي الأمر و فوق سائر الخلق، و هذه صفة أئمة الهدى من آل محمد عليهم السلام الذين ثبتت إمامتهم و عصمتهم، و اتفقت الأمة على علو رتبتهم و عدالتهم" انتهى".

قوله تعالى:" إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ"

 (1) الآية، أقول: هذه الآية عمدة ما استدل به أصحابنا رضي الله عنهم على إمامة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، و تقريره يتوقف على بيان أمور:

الأول: أن الآية خاصة و ليست بعامة لجميع المؤمنين، و بيانه أنه تعالى خص الحكم بالولاية بالمؤمنين المتصفين بإقامة الصلاة و إيتاء الزكاة في حال الركوع، و معلوم أن تلك الأوصاف غير شاملة لجميع المؤمنين، و ليس لأحد أن يقول: أن المراد بقوله:" وَ هُمْ راكِعُونَ" أن هذه شيمتهم و عادتهم، و لا يكون حالا عن إيتاء الزكاة، و ذلك لأن قوله:" يُقِيمُونَ الصَّلاةَ" قد دخل فيه الركوع فلو لم يحمل على الحالية لكان كالتكرار، و التأويل المفيد أولى من البعيد الذي لا يفيد، و أما حمل الركوع على غير الحقيقة الشرعية بحمله على الخضوع من غير داع إليه سوى العصبية لا يرضى به ذو فطنة سوية، مع أن الآية على أي حال تتأدى بسياقها على الاختصاص. و قد قيل فيه وجه آخر: و هو أن قوله:" إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ" خطاب عام لجميع المؤمنين و دخل في الخطاب النبي صلى الله عليه و آله و غيره، ثم قال:

" وَ رَسُولُهُ"

 (2) فأخرج النبي صلى الله عليه و آله من جملتهم لكونهم مضافين إلى ولايته ثم قال:

" وَ الَّذِينَ آمَنُوا"

 (3) فوجب أن يكون الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية و إلا أدى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه، و إلى أن يكون كل واحد من المؤمنين ولي نفسه و ذلك محال، و فيه:

بعض المناقشات و الأول أسلم منها.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 328

الثاني: أن المراد بالولي هنا الأولى بالتصرف، و الذي يلي تدبير الأمر، كما يقال: فلان ولي المرأة و ولي الطفل، و ولي الدم، و السلطان ولي أمر الرعية و يقال لمن يقيمه بعده: هو ولي عهد المسلمين، و قال الكميت يمدح عليا عليه السلام:

         و نعم ولي الأمر بعد وليه             و منتجع التقوى و نعم المؤدب‏

 و قال المبرد في كتاب العبارة عن صفات الله: أصل الولي الذي هو أولى أي أحق، و الولي و إن كان يستعمل في معان آخر كالمحب و الناصر لكن لا يمكن إرادة غير الأولى بالتصرف و التدبير هيهنا، لأن لفظة إنما تفيد التخصيص، و لا يرتاب فيه من تتبع اللغة و كلام الفصحاء أن التخصيص ينافي حمله على المعاني الأخر، إذ سائر المعاني المحتملة في بادئ الرأي لا يختص شي‏ء منها ببعض المؤمنين دون بعض، كما قال تعالى:" وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ" و بعض الأصحاب استدل على ذلك بأن الظاهر من الخطاب أن يكون عاما لجميع المكلفين من المؤمنين و غيرهم، كما في قوله تعالى:" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ" و غير ذلك، فإذا دخل الجميع تحته استحال أن يكون المراد باللفظة الموالاة في الدين، لأن هذه الموالاة يختص بها المؤمنون دون غيرهم، فلا بد إذا من حملها على ما يصح دخول الجميع فيه، و هي معنى الإمامة و وجوب الطاعة و فيه كلام.

الثالث: أن الآية نازلة فيه عليه السلام، و الأخبار في ذلك متواترة من طرق الخاصة و العامة، و عليه إجماع المفسرين، و قد رواها الزمخشري و البيضاوي و إمامهم الرازي في تفاسيرهم مع شدة تعصبهم و كثرة اهتمامهم في إخفاء فضائله، إذ كان هذا في الاشتهار كالشمس في رائعة النهار.

قال محمد بن شهرآشوب في مناقبه: أجمعت الأمة على أن هذه الآية نزلت في علي عليه السلام لما تصدق بخاتمه و هو راكع، لا خلاف بين المفسرين في ذلك، ذكره الثعلبي‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 329

و الماوردي و القشيري و القزويني و الرازي و النيسابوري و الفلكي و الطوسي و الطبرسي في تفاسيرهم، عن السدي و المجاهد و الحسن و الأعمش و عتبة بن أبي حكيم و غالب بن عبد الله و قيس بن ربيع و عباية بن ربعي و عبد الله بن العباس و أبي ذر الغفاري، و ذكره ابن البيع في معرفة أصول الحديث عن عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب، و الواحدي في أسباب نزول القرآن عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، و السمعاني في فضائل الصحابة عن حميد الطويل عن أنس، و سلمان بن أحمد في معجمه الأوسط عن عمار، و أبو بكر البيهقي في المصنف و محمد بن الفتال في التنوير و في الروضة عن عبد الله بن سلام و أبي صالح و الشعبي و مجاهد، و النطنزي في الخصائص عن ابن عباس، و الإبانة عن الفلكي عن جابر الأنصاري و ناصح التميمي و ابن عباس و الكلبي في روايات مختلفة الألفاظ متفقة المعاني، و في أسباب النزول عن الواحدي أن عبد الله بن سلام أقبل و معه نفر من قومه و شكوا بعد المنزل عن المسجد، و قالوا: إن قومنا لما رأونا صدقنا الله و رسوله رفضونا و لا يكلموننا و لا يجالسوننا و لا يناكحوننا، فنزلت هذه الآية، فخرج النبي صلى الله عليه و آله إلى المسجد فرأى سائلا فقال: هل أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم خاتم فضة، و في رواية:

خاتم ذهب، قال: من أعطاكه؟ قال: أعطانيه هذا الراكع" انتهى".

و أقول: روى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن عباية بن ربعي عن أبي ذر الغفاري قال: إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه و آله يوما من الأيام الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا و رفع السائل يده إلى السماء و قال: اللهم أشهد أني سألت في مسجد رسول الله صلى الله عليه و آله فلم يعطني أحد شيئا و كان علي في الصلاة راكعا، فأومأ إليه بخنصره اليمنى، و كان يتختم فيها، فأقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره، و ذلك بمرأى النبي صلى الله عليه و آله و هو يصلي، فلما فرغ النبي صلى الله عليه و آله من صلاته رفع رأسه إلى السماء و قال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال:" رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 330

وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي" فأنزلت عليه قرآنا ناطقا:" سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا" اللهم و أنا محمد نبيك و صفيك اللهم فاشرح لي صدري و يسر لي أمري، و اجعل لي وزيرا من أهلي عليا اشدد به ظهري، قال أبو ذر:

فما استتم رسول الله صلى الله عليه و آله كلامه حتى نزل جبرئيل عليه السلام من عند الله عز و جل فقال:

يا محمد اقرأ قال: و ما أقرأ؟ قال: اقرأ:" إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا" الآية.

و قال السيد بن طاوس في كتاب سعد السعود: رأيت في تفسير محمد بن العباس بن علي بن مروان أنه روى نزل آية" إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ" في علي عليه السلام من تسعين طريقا بأسانيد متصلة كلها أو جلها من رجال المخالفين لأهل البيت عليه السلام" انتهى".

و أقول: روى السيوطي في تفسيره الدر المنثور أخبارا كثيرة في ذلك أوردتها مع سائر ما ورد في ذلك في كتابنا الكبير.

و أما إطلاق لفظ الجمع على الواحد تعظيما فهو شائع ذائع في اللغة و العرف، و قد ذكر المفسرون هذا الوجه في كثير من الآيات الكريمة كما قال تعالى:" وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ" و" إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً" و" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ" و قوله:

" الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ" مع أن القائل كان واحدا و أمثالها و من خطاب الملوك و الرؤساء: فعلنا كذا، و أمرنا بكذا، و من الخطاب الشائع في عرف العرب و العجم إذا خاطبوا واحدا: فعلتم كذا، و قلتم كذا، تعظيما.

و قال الزمخشري:" فإن قلت": كيف صح أن يكون لعلي عليه السلام و اللفظ لفظ جماعة؟" قلت": جي‏ء به على لفظ الجمع و إن كان السبب فيه رجلا واحدا ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، و لينبه على أن سجية المؤمنين تجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر و الإحسان و هم في الصلاة، لم يؤخروه إلى الفراغ منها" انتهى".

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 331

على أنه يظهر من بعض روايات الشيعة أن المراد به جميع الأئمة عليهم السلام، و أنهم جميعا قد وفقوا لمثل تلك القضية كما سيأتي بعضها في باب: ما نص الله عز و جل على رسوله و على الأئمة، و أيضا كل من قال بأن المراد بالولي في هذه الآية ما يرجع إلى الإمامة قائل بأن المقصود بها علي عليه السلام، و لا قائل بالفرق، فإذا ثبت الأول ثبت الثاني، هذا ملخص استدلال القوم، و أما تفصيل القوم فيه و دفع الشبه الواردة عليه فموكول إلى مظانه كالشافي و غيره.

 (الحديث الثامن)

 (1): صحيح.

قوله: مثل طاعة علي بن أبي طالب عليه السلام،

 (2) أي في كون الافتراض بالنص من الله تعالى أو في عموم الافتراض لجميع الخلق أو في التأكيد و القدر و المنزلة و ترتب الآثار عليها وجودا و عدما.

 (الحديث التاسع)

 (3): ضعيف على المشهور.

" هل يجرون"

 (4) بصيغة المجهول و من باب الأفعال، أو المعلوم من المجرد

" في الأمر"

 (5) أي أمر الخلافة و الوصاية أو في كونهم أولي الأمر، أو في وجوب طاعة الآمر فقوله:

" و الطاعة"

 (6) عطف تفسير

" مجرى"

 (7) اسم مكان من المجرد أو من باب الأفعال، أو مصدر ميمي من أحدهما.

 (الحديث العاشر):

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 332

" عبيد لنا"

 (1) أي أرقاء يجوز لنا بيعهم و نحو ذلك، أو نحن آلهتهم‏

" لا و قرابتي"

 (2) يدل على جواز القسم بغير الله، فما ورد من النهي فلعله محمول على ما إذا كان يمين صبر في الدعاوي الشرعية

" و لا سمعته"

 (3) أي مشافهة

" عبيد لنا في الطاعة"

 (4) أي كالأرقاء في أن فرض الله عليهم طاعتنا ليسوا أرقاء حقيقة و ليست طاعتهم لنا عبادة، لأنه بإذن من هو الأعلى‏

و" موال لنا"

 (5) بفتح الميم جمع مولى‏

" في الدين"

 (6) و المولى هنا بمعنى الناصر أو التابع أو المعتق بالفتح، فإنه بسبب موالاتهم أعتقهم الله من النار، فكلمة" في" للسببية و الأول أظهر

" فليبلغ"

 (7) على التفعيل أي أنا راض بذلك و لا أرى فيه مفسدة، أو لا بد من ذلك لتصحيح عقائد الشيعة و دفع افتراء المفترين.

 (الحديث الحادي عشر)

 (8):

" و من أنكرنا" أ

 (9) ي حكم و جزم بعدم وجوب ولايتنا و إمامتنا، فالثالث من شك في ذلك من المستضعفين كما سيأتي تحقيقه في كتاب الإيمان و الكفر، فقوله: من طاعتنا الواجبة، أي القول بوجوب طاعتنا أو المراد بالثالث الفساق من الشيعة فإنهم ناقصون في المعرفة، و إلا لم يخالفوا إمامهم، فإن ماتوا على ذلك يفعل الله بهم ما يشاء من العذاب أو العفو، و يؤيده ظاهر قوله: من طاعتنا الواجبة، و قيل: المراد بقوله: من أنكرنا،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 333

من جحدنا بعد الاطلاع على قول الله و قول الرسول فينا، فالجحود بعد وضوح الأمر فينا رد على الله و على الرسول، و الراد عليهما كافر، و الضالون علي قسمين أسوأهما المتهاونون بأمر الدين، التاركون لطلب المعرفة بلا استضعاف‏

" فإن يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء"

 (1) من عقابه و نكاله، و أما المستضعفون الذين استثناهم الله تعالى" إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ" فمن يمت على حد ضلاله يفعل الله به ما يشاء من العفو و الخذلان.

 (الحديث الثاني عشر)

 (2): مجهول، بل صحيح إذ الظاهر أن محمد بن الفضيل هو محمد بن القاسم بن الفضيل، فضمير سألته راجع إلى الرضا عليه السلام، و قيل: راجع إلى الصادق عليه السلام و هو بعيد، و قيل: إلى محمد بن الفضيل فيكون كلام يونس و هو أبعد.

" حبنا إيمان"

 (3) يطلق حبهم في الأخبار كثيرا على اعتقاد إمامتهم، فإن من ادعى حبهم و أنكر إمامتهم فهو عدو مخلط، إذ يفضل أعداءهم عليهم، و بغضهم إنكار إمامتهم كما عرفت، فالشاك و المستضعف متوسط بينهما و الحمل فيهما على الحقيقة، و يحتمل أن يكون الحب و البغض على معناهما، و الحمل على المجاز أي حبهم يدعو إلى الإيمان لأنه إذا أحبهم أطاعهم في القول و الفعل، و هو يستلزم الإيمان و كذا البغض، و إن كان بغضهم في نفسه أيضا كفرا.

 (الحديث الثالث عشر)

 (4): ضعيف على المشهور.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 334

" و الإقرار"

 (1) بالرفع أي ديني الإقرار، و هو مبتدأ و خبره محذوف، و قيل:

بالنصب على المفعول معه و عامله فعل معنوي، لأن معنى أشهد يكون مني الشهادة و هذا يؤيد مذهب أبي علي الفارسي حيث جوز نحو هذا لك و أيا لك خلافا لسيبويه، حيث ذهب إلى أنه لا بد للمفعول معه من تقدم جملة ذات فعل عامل أو اسم فيه معنى الفعل‏

" حتى انتهى"

 (2) متعلق بقوله" قلت".

" هذا دين الله"

 (3) يمكن أن تكون الإضافة في الموضعين على نهج واحد، أي دين ارتضاه الله و ملائكته أو في الأول بمعنى الدين الذي قرره الله تعالى للعباد و كلفهم به، و الثاني بمعنى الدين الذي كلفت الملائكة به و أخذ منهم الميثاق عليه كما يظهر من بعض الأخبار، أو المعنى دين فرض الله التدين به و دين نزلت به ملائكته.

 (الحديث الرابع عشر)

 (4): مجهول.

قوله عليه السلام: إن صحبة العالم‏

 (5) أي الكامل في العلم، و هو الإمام عليه السلام أو الأعم منه و من سائر العلماء الربانيين،

و المكسبة

 (6) بالفتح: اسم مكان أو مصدر ميمي أو بالكسر اسم آلة و كذا الممحاة" و جميل" أي ذكر أو أجر جميل.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 335

 (الحديث الخامس عشر)

 (1): مجهول كالصحيح، و قد مر شرح صدر الخبر في باب الاضطرار إلى الحجة.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 336

قوله: فضحك،

 (1) لعل الضحك لتكرار التقبيل و اهتمامه في ذلك و الأمر بالكف و الإمساك عن ذكره بالإمامة للتقية و الخوف عليه في زمانه‏

" فلا أنكرك"

 (2) من الإنكار بمعنى عدم المعرفة، أي لا أجهل حقك و استحقاقك لأن يجاب في كل مسألة بحق جوابها من غير تقية.

 (الحديث السادس عشر)

 (3): ضعيف، و قد مر عن الحسين باختلاف في وسط السند.

 (الحديث السابع عشر)

 (4): مجهول كالحسن.

قوله: السمع و الطاعة،

 (5) أي لما قاله الإمام" و الطاعة" له‏

" أبواب الخير"

 (6) أي موجب للدخول في جميع الخيرات‏

" يوم يلقى الله"

 (7) متعلق بقوله:" تمت" أو خبر" و احتجاجه" مبتدأ و قوله تعالى:

" يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ"

 (8) أي باسم إمامهم و على التقديرين، إما المراد كل من كان في عصر إمام أو من اتبعه من أصحابه فالإمام أعم من إمامهم‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 337

الهدى و إمام الضلالة.

و يؤيد الأول ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بإمامهم الذي بين أظهرهم و هو قائم أهل زمانه، و روى علي بن إبراهيم عن الباقر عليه السلام في تفسيرها قال: يجي‏ء رسول الله صلى الله عليه و آله في قومه و علي عليه السلام في قومه، و الحسن عليه السلام في قومه، و الحسين عليه السلام في قومه، و كل من مات بين ظهراني قوم جاءوا معه، و روى العياشي مثله بأسانيد.

و يؤيد الثاني ما رواه الصدوق في المجالس عن الحسين عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال: إمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه، و إمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنة و هؤلاء في النار، و هو قوله تعالى:" فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ" و روى العياشي عن الصادق عليه السلام: سيدعى كل أناس بإمامهم، أصحاب الشمس بالشمس، و أصحاب القمر بالقمر، و أصحاب النار بالنار، و أصحاب الحجارة بالحجارة، و في المحاسن عنه عليه السلام أنتم و الله على دين الله ثم تلا هذه الآية، ثم قال: على إمامنا، و رسول الله إمامنا، كم إمام يجي‏ء يوم القيامة يلعن أصحابه و يلعنونه، فعلى الأول الاستشهاد بالآية لأنه إذا دعي يوم القيامة كل أهل عصر باسم إمامهم فثبت حينئذ كونه إماما لهم، أو يدعون معه ليتم عليهم حجته، و على الثاني لأن كل قوم إذا دعوا مع رئيسهم و إمامهم فإمام الحق يتم حجته حينئذ على الرؤساء و المرؤوسين.

باب في أن الأئمة شهداء الله عز و جل على خلقه‏

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): ضعيف.

" فَكَيْفَ"

 (3) قال الطبرسي- ره-: أي فكيف حال الأمم و كيف يصنعون‏

" إِذا جِئْنا

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 338

مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ"

 (1) من الأمم‏

" بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ"

 (2) يا محمد

" عَلى‏ هؤُلاءِ"

 (3) يعني قومه‏

" شَهِيداً"

 (4) و معنى الآية: أن الله تعالى يستشهد يوم القيامة كل نبي على أمته، و يستشهد نبينا صلى الله عليه و آله على أمته، انتهى.

قوله عليه السلام:" خاصة"

 (5) يمكن أن يكون المراد تخصيص الشاهد و المشهود عليهم جميعا بهذه الأمة، فالمراد بكل أمة كل قرن من هذه الأمة، أو المراد تخصيص الشاهد فقط، أي في كل قرن يكون أحد من الأئمة شاهدا على من في عصرهم من هذه الأمة، و على جميع من مضي من الأمم، و قيل: لعل المراد أن الآية نزلت فيهم خاصة لا أن الحكم مخصوص بهم، فإن الآية شاملة لأمة محمد صلى الله عليه و آله و السلام و لسائر الأمم.

 (الحديث الثاني)

 (6): ضعيف.

قوله تعالى:" وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ"

 (7) قال الطبرسي قدس سره الوسط العدل، و قيل:

الخيار، قال: صاحب العين: الوسط من كل شي‏ء أعدله و أفضله، و متى قيل: إذا كان في الأمة من ليست هذه صفته فكيف وصف جماعتهم بذلك؟ فالجواب: أن المراد به من كان بتلك الصفة، لأن كل عصر لا يخلو من جماعة هذه صفتهم، و روى بريد عن الباقر عليه السلام قال: نحن الأمة الوسط، و نحن شهداء الله على خلقه، و حجته في أرضه، و في رواية أخرى قال: إلينا يرجع الغالي و بنا يلحق المقصر، و روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل بإسناده عن سليم بن قيس عن علي عليه السلام أن الله‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 339

تعالى إيانا عنى‏

بقوله:" لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ"

 (1) فرسول الله شاهد علينا،

و نحن شهداء الله على خلقه و حجته في أرضه،

 (2) و نحن الذين قال الله:" وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً" و قوله:" لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ" فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا فيها الحق في الدنيا و الآخرة، كما قال تعالى:" وَ جِي‏ءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَداءِ".

و الثاني: لتكونوا حجة على الناس فتبينوا لهم الحق و الدين، و يكون الرسول شهيدا مؤديا للدين إليكم.

و الثالث: أنهم يشهدون للأنبياء على أمهم المكذبين لهم بأنهم قد بلغوا و يكون الرسول عليكم شهيدا، أي شاهدا عليكم بما يكون من أعمالكم، و قيل: حجة عليكم، و قيل: شهيدا لكم بأنكم قد صدقتم يوم القيامة فيما تشهدون به، و يكون على بمعنى اللام كقوله:" وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ" انتهى.

و أقول: في بعض الروايات أنها نزلت: أئمة وسطا، و الحاصل أن الخطاب إنما توجه إلى الأئمة عليه السلام أو إلى جميع الأمة باعتبار اشتمالهم علي الأئمة، فكأن الخطاب توجه إليهم فقوله عليه السلام: نحن الأمة الوسطى، أن الأمة إنما اتصفوا بهذه الصفة بسببنا و هذا أظهر بالنظر إلى لفظ الآية، و الثاني أظهر بالنظر إلى الأخبار." و نحن شهداء الله" أي في الآخرة أو الأعم منها و من الدنيا" و حججه في أرضه" في الدنيا.

قوله تعالى:" مِلَّةَ أَبِيكُمْ"

 (3) أقول: قبله:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 340

وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ، وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" و قال البيضاوي: ملة منتصب على المصدر لفعل دل عليه مضمون ما قبلها بحذف المضاف، أي وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، أو على الإغراء أو على الاختصاص، و إنما جعله أباهم لأنه أبو رسول الله صلى الله عليه و آله أو كالأب لأمته من حيث أنه سبب لحياتهم الأبدية و وجودهم على الوجه المعتد به في الآخرة، أو لأن أكثر العرب كانوا من ذريته فغلبوا على غيرهم، انتهى.

قوله عليه السلام: إيانا عنى،

 (1) أي هم المقصودون بخطاب:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" لكما لهم في الإيمان، و لا يخفى أن الأمر بالجهاد و الاجتباء بهم أنسب و كذا" مِلَّةَ أَبِيكُمْ" لا يحتاج إلى ما تكلفوا في تصحيحه، و كذا سائر أجزاء الآية، أو هم المقصودون بالذات بهذا الخطاب و إن دخل غيرهم فيه بالتبع، أو هم العاملون بهذا الخطاب أو خطاب الأمة به لاشتمالهم عليهم السلام، فيرجع إلى أنهم المقصودون بالذات به.

" هُوَ سَمَّاكُمُ"

 (2) الضمير راجع إلى الله، و قيل: إلى إبراهيم و هو بعيد،

" لِيَكُونَ الرَّسُولُ عليكم شهيدا"

 (3) في الآية" شَهِيداً عَلَيْكُمْ" و لعله من النساخ أو هو نقل بمعنى، أو كان في قراءتهم عليهم السلام هكذا.

و قال الطبرسي- ره- أي بالطاعة و القبول، فإذا شهد لكم به صرتم عدولا تشهدون علي الأمم الماضية بأن الرسل قد بلغوهم رسالة ربهم و أنهم لم يقبلوا فيوجب لكافرهم النار و لمؤمنهم الجنة بشهادتهم، و قيل: معناه ليكون الرسول شهيدا عليكم في إبلاغ رسالة ربه إليكم و تكونوا شهداء علي الناس بعده بأن تبلغوا إليهم ما بلغه الرسول إليكم، انتهى.

و ما ذكره عليه السلام أظهر و أحق بالقبول‏

" فمن صدق"

 (4) بالتشديد و يحتمل التخفيف،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 341

و كذا

قوله:" كذب كذبناه"

 (1) أي في دعوى التصديق يوم القيامة.

 (الحديث الثالث)

 (2): ضعيف، لكن مضمونه مروي بطرق مستفيضة بل متواترة من طرق الخاص، أوردت أكثرها في الكتاب الكبير، و رواه صاحب كشف الغمة و ابن- بطريق في المستدرك، و السيد بن طاوس في الطرائف، و العلامة في كشف الحق بطرق متعددة من كتب المخالفين.

و قال السيد في كتاب سعد السعود: و قد روي أن المقصود بقوله جل جلاله:

" و شاهد منه" هو علي بن أبي طالب، محمد بن العباس بن مروان في كتابه من ستة و ستين طريقا بأسانيدها.

و قال إمامهم الرازي في تفسيره: قد ذكروا في تفسير الشاهد وجوها:" أحدها" أنه جبرئيل عليه السلام يقرأ القرآن علي محمد صلى الله عليه و آله" و ثانيها" أن ذلك الشاهد لسان محمد صلى الله عليه و آله" و ثالثها" أن المراد هو علي بن أبي طالب و المعنى أنه يتلو تلك البينة و قوله:" منه" أي هذا الشاهد من محمد و بعض منه، و المراد منه تشريف هذا الشاهد بأنه بعض من محمد صلى الله عليه و آله، انتهى.

و روى السيوطي من مشاهير علماء المخالفين أيضا في الدر المنثور عن ابن أبي حاتم و ابن مردويه و أبي نعيم في المعرفة عن علي عليه السلام قال: ما من رجل من قريش إلا نزلت فيه طائفة من القرآن فقال رجل: ما نزل فيك؟ قال: أ ما تقرأ سورة هود:

" أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ"

 (3) رسول الله على بينة من ربه، و أنا شاهد منه.

قال الطبرسي (ره) في مجمع البيان: المراد بالبينة القرآن و بمن كان على‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 342

بينة النبي صلى الله عليه و آله، و قيل: المعنى به كل محق يدين بحجة و بينة، و قيل: هم المؤمنون من أصحاب محمد صلى الله عليه و آله" وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ" أي و يتبعه من يشهد بصحته منه، و اختلف في معناه فقيل: الشاهد جبرئيل يتلو القرآن على النبي صلى الله عليه و آله من الله، و قيل: محمد صلى الله عليه و آله، و قيل: لسانه صلى الله عليه و آله، أي يتلو القرآن بلسانه و قيل: الشاهد منه علي بن أبي طالب عليه السلام يشهد للنبي صلى الله عليه و آله، و هو المروي عن أبي جعفر و علي بن موسى الرضا عليهما السلام، و رواه الطبري بإسناده عن جابر بن عبد الله عن علي عليه السلام، و قيل: الشاهد ملك يسدده و يحفظه، و قيل: بينة من ربه حجة من عقله، و أضاف البينة إليه تعالى لأنه ينصب الأدلة العقلية و الشرعية" وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ" يشهد بصحته و هو القرآن، انتهى.

قوله عليه السلام: الشاهد على رسول الله صلى الله عليه و آله،

 (1) أي في تبليغه إلى الأمة ما أمر بتبليغه، أو" على" بمعنى اللام أي المصدق له أو هو عليه السلام شاهد بعلومه و معجزاته و كمالاته إلى حقية النبي صلى الله عليه و آله، و لا يخفى أن" يتلوه" يدل على أنه المبلغ و الخليفة بعده على أمته و" منه" يدل على غاية الاختصاص بينهما كما قال صلى الله عليه و آله: علي مني و أنا منه.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 343

قوله:" من حرج"

 (1) في بعض النسخ" من ضيق" فعلى الأول المراد بقوله:

فالحرج أشد من الضيق أنه ليس المراد نفي الضيق مطلقا إذ في بعض التكاليف الشرعية صعوبة و عسر، و على الثاني فالمعنى بنفي الحرج هنا نفي الضيق مطلقا، لا معناه المتبادر فإنه الضيق الشديد، كما هو المراد به في قوله تعالى:" ضَيِّقاً حَرَجاً" أو المعنى أنه و إن نفى الله سبحانه هنا الحرج لكن مطلق الضيق منفي واقعا و إنما خص الحرج هنا بالنفي لحكمة الله عز و جل‏

" سمانا"

 (2) الضمير راجع إليه تعالى.

 (الحديث الرابع)

 (3) مختلف فيه و حسن عندي.

" إن الله تعالى طهرنا"

 (4) أي من الشرك و العقائد الفاسدة، و الأخلاق الرديئة

" و عصمنا"

 (5) أي من المعاصي و الذنوب‏

" و جعلنا مع القرآن"

 (6) حيث تعمل بما فيه أو يدل على فضلنا و وجوب طاعتنا

" و جعل القرآن معنا"

 (7) لأنه عندهم لفظا و معنى كما سيأتي في الأخبار.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 344

باب أن الأئمة عليهم السلام هم الهداة

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): ضعيف كالموثق.

 (الحديث الثاني)

 (3): حسن.

و قال الطبرسي قدس الله روحه عند تفسير هذه الآية: فيه أقوال:" أحدها" أن معناه إنما أنت منذر، أي مخوف و هاد لكل قوم، و ليس إليك إنزال الآيات، فأنت مبتدأ و منذر خبره، و هاد عطف على منذر، و فصل بين الواو و المعطوف بالظرف" و الثاني" أن المنذر محمد و الهادي هو الله" و الثالث" أن معناه إنما أنت منذر يا محمد و لكل قوم نبي وداع يرشدهم" و الرابع" أن المراد بالهادي كل داع إلى الحق، و روي عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت الآية قال رسول الله صلى الله عليه و آله: أنا المنذر و علي الهادي، يا علي بك يهتدى المهتدون، و على هذه الأقوال الثلاثة يكون‏

" هاد"

 (4) مبتدأ"

و لكل قوم"

 (5) خبره على قول سيبويه و يكون مرتفعا بالظرف على قول الأخفش، انتهى.

" رسول الله صلى الله عليه و آله المنذر"

 (6) أي لكل أمة من أولهم إلى آخرهم، و لكل قرن‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 345

و وقت من الزمان‏

" هاد"

 (1) أو هو صلى الله عليه و آله كان منذرا لأهل عصره و لكل عصر بعده هاد، فتسميته صلى الله عليه و آله منذرا و الإمام هاديا لعله إشارة إلى أن الأنبياء عليهم السلام يتقدمونهم أولا من الشرك و ما يوجب دخول النار و شدائد العقوبات، و الأوصياء عليهم السلام يكملونهم و يهدونهم إلى ما يستحقون به أرفع الدرجات، بل يجعلهم النبي ظاهرا من المسلمين و يميز الوصي المؤمنون من المنافقين.

 (الحديث الثالث)

 (2): ضعيف.

" و علي الهادي"

 (3) أي أول الهداة علي عليه السلام.

" حتى دفعت"

 (4) علي بناء المجهول أي الهداية و الإمامة و الخلافة.

" ثم مات ذلك الرجل"

 (5) أي الرسول الذي نزلت عليه الآية

" ماتت الآية"

 (6) أي فات بيانها و بقيت مجهولة

" مات الكتاب"

 (7) المنزل علي الرسول و فات بيانه و صار كالميت لعدم الانتفاع به، و لعدم إمكان العمل بموجبه و لكنه لا يجوز فوات بيانه مع وجود المكلف به، إذ حكمه و تكليف العمل به باق إلى يوم القيامة، أو المراد بموت الكتاب سقوط التكليف بالعمل به، فالمعنى أنه لو نزلت آية على رسول و بعد موت ذلك الرجل لم يكن مفسر لها فصارت مبهمة علي الأمة، لزم سقوط العمل بالكتاب، إذ تكليف الجاهل محال، لكن الكتاب حي، أي حكمه باق غير ساقط عن المكلفين ضرورة و اتفاقا، يجري حكمه على الباقين كجريانه علي الماضين، و على التقديرين الكلام مشتمل على قياس استثنائي ينتج رفع التالي رفع المقدم.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 346

 (الحديث الرابع)

 (1): مجهول.

" ما ذهبت"

 (2) أي الهداية أو الآية يعني حكمها باق‏

" إلى الساعة"

 (3) أي الآن أو إلى يوم القيامة.

باب أن الأئمة عليهم السلام ولاة أمر الله و خزنة علمه‏

 (4)

 (الحديث الأول)

 (5): ضعيف.

" ولاة أمر الله"

 (6) أي أمر الخلافة و الإمامة،

و قال الفيروزآبادي: العيبة:

 (7) زبيل من أدم و ما يجعل فيه الثياب، و من الرجل موضع سره، و في النهاية: العرب تكني عن القلوب و الصدور بالعياب، لأنها مستودع السرائر كما أن العياب مستودع الثياب، انتهى.

فالمراد بعيبة وحي الله أن كل وحي نزل من السماء على نبي من الأنبياء فقد وصل إليهم و هو محفوظ عندهم.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 347

 (الحديث الثاني)

 (1): مجهول.

قوله عليه السلام: لخزان الله في سمائه و أرضه،

 (2) أي خزنة العلوم المكتوبة في الألواح السماوية و العلوم الكائنة في الأرض من الكتب المنزلة، و خزنة علوم حقائق الأجرام السماوية و الملائكة و أحوالهم، و حقائق ما في الأرض من الجمادات و النباتات و أحوالها، أو المراد: نحن الخزنة من بين أهل السماء و أهل الأرض أو نحن المعروفون بذلك عند أهلهما.

" إلا علي علمه"

 (3) الاستثناء منقطع.

 (الحديث الثالث)

 (4): مجهول.

قوله: ما أنتم؟

 (5) أي من جهة الفضل و الخواص التي بها تمتازون من سائر المخلوقات،

و التراجمة

 (6) بفتح التاء و كسر الجيم جمع ترجمان بضم التاء و كسر الجيم و فتحهما، و فتح التاء و ضم الجيم، و هو من يفسر الكلام بلسان آخر، و قد يكون الجمع بغير هاء، و المراد هنا مفسر جميع ما أوحى الله تعالى إلى الأنبياء و مبينها.

" نحن الحجة البالغة"

 (7) أي التامة الكاملة

" على من دون السماء"

 (8) التخصيص بهم لظهور كونهم مكلفين بذلك، و لنقص عقول المخاطبين عما ورد في كثير من الأخبار أنهم الحجة على جميع أهل السماء و الأرض، أو المراد دون كل سماء فيشمل أكثر الملائكة، و أراد نوعا من الحجة يختص بغير الملائكة.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 348

 (الحديث الرابع)

 (1): مجهول.

" استكمال حجتي"

 (2) أي كمال احتجاجي يوم القيامة مبالغة

" على الأشقياء"

 (3) متعلق بحجتي أو باستكمال، أو خبر استكمال‏

" من ترك"

 (4) من للسببية و الظرف خبر على غير الاحتمال الأخير، و متعلق بالظرف المتقدم عليه، و يمكن أن يقرأ من ترك، بالفتح اسم موصول فيكون بدلا من الأشقياء

" من بعدك"

 (5) حال عن الأوصياء

" فإن فيهم"

 (6) أي في علي و الأوصياء

" سنتك"

 (7) أي سيرتك و الطريقة و الشريعة التي جئت بها و السيرة و الطريقة و الشريعة التي جاءوا بها من قبلك و هم حفظتها و حملتها.

" و هم خزاني على علمي"

 (8) تتمة للتعليل أي على العلم الذي أنزلتها عليك و علي الأنبياء من قبلك، و هذا إما تعليل لاستكمال الحجة على من ترك ولايتهم، فإن من هيئ له جميع الأسباب و ترك المراجعة إليها و الأخذ منها كانت الحجة عليه كاملة غاية الاستكمال، أو تعليل لشقاوة تارك ولايتهم، فإن من ترك ولاية من فيه سنن جميع الأنبياء كان تاركا لجميعها و ترك جميع الأنبياء و سننهم أعلى مراتب الشقاوة.

 (الحديث الخامس)

 (9): صحيح.

" إن الله واحد"

 (10) لا شريك له أو بسيط مطلق ليس فيه تركيب أصلا، و لا صفات‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 349

زائدة

" متوحد"

 (1) أي متفرد في الوحدانية أو في الخلق و التدبير بسبب الوحدانية

" متفرد بأمره"

 (2) أي بأمر الخلق أو في جميع أموره أو أمر تعيين الخليفة و الأوسط أظهر، و على الأولين المراد بذلك الأمر غير هذا الأمر، و علي الأخير المراد أنه لم يدع أمر تعيين الخليفة إلى أحد من خلقه كما زعمه المخالفون، بل هو المتفرد بنصب الخلفاء.

و يحتمل أن يكون المعنى أنه تعالى قبل خلق الخلق كان متفردا بالأمر و التدبير، فلما أراد الخلق خلق أو لا خلقا مناسبا للخلافة و قدرهم لها، ففيه إشارة إلى تقدمهم على ما سواهم من الخلق،

و قوله:" فقدرهم"

 (3) أي جعلهم بعد خلقهم على أحسن خلق و أفضل صورة ليناسبوا

" لذلك الأمر"

 (4) و الولاية

" فنحن"

 (5) أي الأولياء، ليشمل الرسل و الأنبياء، أي الخلق المقدرون لذلك الأمر، أو الأولياء من أهل البيت أو مع رسول الله صلى الله عليه و آله‏

" هم"

 (6) أي خلق مقدرون لذلك من غير ادعاء الانحصار على أول هذين الاحتمالين، أو بادعائه بحسب سبق الخلق و تقدمه على ثانيهما، لما روي عنه صلى الله عليه و آله أنه قال: أول ما خلق الله نوري، و إنه قال صلى الله عليه و آله: أنا و علي من نور واحد، و يؤيد الوجه الأخير أخبار كثيرة أوردتها في كتاب بحار الأنوار في أبواب بدو خلقهم عليهم السلام و باب حدوث العالم.

" و القائمون بذلك"

 (7) أي بذلك الأمر المتقدم.

 (الحديث السادس)

 (8): صحيح، و قد مر شرح أكثر الفقرات في باب النوادر من كتاب التوحيد.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 350

قوله عليه السلام: و لنا نطقت الشجرة،

 (1) أي يمكننا استنطاقها بكل ما نريد بالإعجاز كما ورد في معجزات كل من النبي و الأئمة صلوات الله عليهم كثير منها، أو المعنى إنا نستنبط من الأشجار و أوراقها علوما جمة لا يعلمها غيرنا، و هذا أيضا وارد في بعض الأخبار.

باب أن الأئمة عليهم السلام خلفاء الله عز و جل في أرضه و أبوابه التي منها يؤتى.

 (2)

 (الحديث الأول)

 (3): ضعيف.

و الجعفري‏

 (4) كأنه القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أو ابنه داود أبو هاشم الجعفري، و كونهم خلفاء الله لأنه تعالى فرض طاعتهم و جعل أمرهم أمره، و نهيهم نهيه، و طاعتهم طاعته، و معصيتهم معصيته.

 (الحديث الثاني)

 (5): ضعيف.

و وصفوا عليهم السلام بكونهم أبوابا لأنهم طرق إلى معرفة الله و عبادته، و لا يمكن الوصول إلى قربه تعالى و رضوانه إلا بهم.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 351

قال الفاضل الأسترآبادي: فيه تصريح بأنه لا يمكن معرفة الله حق معرفته في صفاته و أفعاله إلا من طريق أصحاب العصمة عليهم السلام، فعلم أن فن الكلام المبني على مجرد الأحكام العقلية غير نافع.

 (الحديث الثالث)

 (1): ضعيف. على المشهور لكن مضمونه مروي بأسانيد كثيرة فالمراد بالذين آمنوا الذين صدقوا بالله و رسوله و بجميع ما يجب التصديق به حق التصديق، و عملوا جميع الأعمال الصالحة، و لم يخلو بشي‏ء منها، و هم الأئمة عليهم السلام‏

" لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ"

 (2) أي يجعلهم خلفاءه فيها، و قيل: يخلفون من قبلهم،

" كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ"

 (3) من أنبياء بني إسرائيل جعلهم خلفاءه في الأرض، أو المعنى لنورثنهم أرض الكفار من العرب و العجم فنجعلهم سكانها و ملوكها، كما استخلف بني إسرائيل إذا هلك الجبابرة بمصر، و أورثهم أرضهم و ديارهم و أموالهم، و قال تعالى بعد ذلك" وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ" يعني دين الإسلام الذي أمرهم أن يدينوا به" وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً" في الدنيا و الآخرة" يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً" قيل: أي لا يخافون غيري، و قيل: أي لا يراؤون بعبادتي أحدا.

قال الطبرسي (ره): اختلف في الآية فقيل: أنها واردة في أصحاب النبي صلى الله عليه و آله، و قيل: هي عامة في أمة محمد صلى الله عليه و آله، و المروي عن أهل البيت عليهم السلام أنها في المهدي من آل محمد صلى الله عليه و آله، و روى العياشي بإسناده عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قرأ الآية و قال:

هم و الله شيعتنا أهل البيت يفعل الله ذلك بهم على يد رجل منا و هو مهدي هذه الأمة، و هو الذي قال رسول الله صلى الله عليه و آله: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي، اسمه اسمي يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 352

ظلما و جورا.

و روي مثل ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام.

فعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا و عملوا الصالحات النبي و أهل بيته، و تضمنت الآية البشارة لهم بالاستخلاف و التمكن في البلاد، و ارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدي منهم، فيكون المراد بقوله" كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" هو أن جعل الصالح للخلافة خليفة مثل آدم و داود و سليمان، و يدل على ذلك قوله:" إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" و" يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً" و قوله:" فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً" و على هذا إجماع العترة الطاهرة، و إجماعهم حجة، لقوله صلى الله عليه و آله: إني تارك فيكم الثقلين، و أيضا فإن التمكن في الأرض على الإطلاق، و لم يتفق فيما مضى فهو منتظر، لأن الله عز اسمه لا يخلف وعده.

باب أن الأئمة عليهم السلام نور الله عز و جل في أرضه‏

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): ضعيف على المشهور.

" وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا"

 (3) المشهور بين المفسرين أن المراد بالنور هنا القرآن، سماه نورا لما فيه من الأدلة و الحجج الموصلة إلى الحق، فشبه بالنور الذي يهتدى به إلى الطريق.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 353

و أقول: لما كان النور في الأصل ما يصير سببا لظهور شي‏ء فسمي الوجود نورا لأنه يصير سببا لظهور الأشياء في الخارج، و العلم نورا لأنه سبب لظهور الأشياء عند العقل، و كل كمال نورا لأنه يصير سببا لظهور صاحبه و أنوار النيرين و الكواكب نورا لكونها أسبابا لظهور الأجسام و صفاتها للحس، و بهذه الوجوه يطلق على الرب تعالى النور، و نور الأنوار، لأنه منبع كل وجود و علم و كمال، فإطلاقه على الأنبياء و الأئمة عليهم السلام لأنهم أسباب لهداية الخلق و علمهم و كمالهم بل وجودهم، لأنهم العلل الغائية لوجود جميع الأشياء.

و أما نسبة الإنزال إليهم، فإما لإنزال أرواحهم المقدسة إلى أجسادهم المطهرة، أو أمرهم بتبليغ الرسالات و دعوة الخلق و معاشرتهم بعد كونهم روحانيين في غاية التقدس و التنزه كما قال تعالى:" أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا" و في بعض الأخبار أن الله أنزل نورهم فأسكنه في صلب آدم، و قيل: إنزال النور إيقاع ولائهم و حبهم في قلوب المؤمنين، و قيل: لما كان المراد بالنور ما يهتدى به من العلم و الكاشف عنه المبين أو المثبت فيه، الحافظ له من النفوس الزكية التي هي ينابيع العلوم و الكتاب المشتمل عليها، أو الروح الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه و آله، و يكون مع الأئمة بعده و هو مناط المعارف الحقيقية، و المراد بقوله:" إنا أنزلنا" على تقدير حمل النور على النفوس القدسية: أنزلنا على رسول الله صلى الله عليه و آله كونها أنوارا، و أن متابعتهم و اقتفاءهم مناط الاهتداء، و هم الأئمة من آل محمد صلى الله عليه و آله على الحقيقة من غير تجوز، و على سائر التقادير فقوله:" أنزلنا" أي أنزلناه و هو منزل عليه حقيقة علما كان أو كتابا، أو روحا، و الأئمة عليهم السلام هم حملته و حفظته و ذووه.

و إطلاق النور عليهم كإطلاق كتاب الله و كلامه في قول أمير المؤمنين عليه السلام: أنا

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 354

كتاب الله الناطق، لكونه حامل علم الكتاب و حافظه، و لكونه مستكملا به و موصوفا به و متحدا معه، فكأنه هو،

و قوله:" لنور الإمام"

 (1) أي هدايته، و تعريفه المعارف الإلهية أو ولايته و معرفته، و قيل: الإضافة للبيان أي هم أنور و أكشف من الشمس‏

" و هم و الله ينورون قلوب المؤمنين"

 (2) بتعريف المعارف إياهم و تثبيتها في قلوبهم‏

" و يحجب الله نورهم عمن يشاء"

 (3) أن لا يطهره عن دنس الخباثة لشقاوته و سوء اختياره فيظلم قلوبهم، و لا تتنور بنور معرفتهم لحجاب خباثتهم عن التنور به.

و قوله: حتى يسلم لنا

 (4)، من الإسلام أو التسليم، و السلم بالكسر خلاف الحرب أي سالما محبا لنا.

 (الحديث الثاني)

 (5): مرسل.

" الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ"

 (6) قال الطبرسي رحمه الله: أي يؤمنون به و يعتقدون نبوته و في" الأمي" أقوال:

أحدها: أنه الذي لا يكتب و لا يقرأ.

و ثانيها: أنه منسوب إلى الأمة، و المعنى أنه على جبلة الأمة قبل استفادة الكتابة، و قيل: أن المراد بالأمة: العرب لأنها لم تكن تحسن الكتابة.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 355

و ثالثها: أنه منسوب إلى الأم، و المعنى أنه على ما ولدته أمه قبل تعلم الكتابة.

و رابعها: أنه منسوب إلى أم القرى و هو مكة، و هو المروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام" انتهى".

و أقول: اختلفوا في أن النبي صلى الله عليه و آله هل كان يقدر أن يقرأ و يكتب أم لا؟

و الذي يقتضيه الجمع بين الأخبار أنه صلى الله عليه و آله لم يكن تعلم الخط و القراءة من أحد من البشر، لكنه كان قادرا على الكتابة و عالما بالمكتوب بما علم به سائر الأمور من قبل الله تعالى، و لم يكن يقرأ و يكتب ليكون حجته علي قومه أتم و أكمل.

" الَّذِي يَجِدُونَهُ"

 (1) قال الطبرسي: معناه يجدون نعته و صفته و نبوته مكتوبا في الكتابين، لأنه مكتوب في التوراة في السفر الخامس:" إني سأقيم لهم نبيا من إخوتهم مثلك و أجعل كلامي في فيه، فيقول لهم كلما أوحيته به" و فيها أيضا مكتوب:

" و أما ابن الأمة فقد باركت عليه جدا جدا، و سيلد اثنا عشر عظيما و أؤخره لأمة عظيمة" و فيها أيضا:" أتانا الله من سيناء و أشرق من ساعير و استعلن من جبال فاران".

و في الإنجيل بشارة بالفارقليط في مواضع، منها:" نعطيكم فارقليط آخر يكون معكم آخر الدهر كله" و فيه أيضا قول المسيح للحواريين:" أنا أذهب و سيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنه نذيركم بجميع الحق و يخبركم بالأمور المزمعة و يمدحني و يشهد لي".

" وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ"

 (2) هذا من تتمة المكتوب أو ابتداء من قول الله تعالى للنبي صلى الله عليه و آله" وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ" أي ثقلهم، شبه ما كان على بني إسرائيل من التكليف الشديد بالثقل" وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ" أي العهود التي كانت في ذمتهم،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 356

جعل تلك العهود بمنزلة الأغلال التي تكون في الأعناق للزومها، و قيل: يريد بالأغلال ما امتحنوا به من قبل نفوسهم في التوبة و فرض ما يصيبه البول من أجسادهم و ما أشبه ذلك من تحريم السبت، و تحريم العروق و الشحوم، و قطع الأعضاء الخاطئة، و وجوب القصاص دون الدية.

" وَ عَزَّرُوهُ" أي عظموه و وقروه‏

" وَ اتَّبَعُوا النُّورَ"

 (1) قال معناه: القرآن الذي هو نور في القلوب كما أن الضياء نور في العيون، و يهتدى به في أمور الذين كما يهتدون بالنور في أمور الدنيا

" الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ"

 (2) أي عليه و قد تقوم" مع" مقام" على" و قيل: في زمانه و على عهده، و قال البيضاوي: معه، أي مع نبوته، و إنما سماه نورا لأنه بإعجازه ظاهر أمره، مظهر غيره، أو لأنه كاشف الحقائق مظهر لها، و يجوز أن يكون معه متعلقا باتبعوا، أي و اتبعوا النور المنزل مع اتباع النبي صلى الله عليه و آله، فيكون إشارة إلى اتباع الكتاب و السنة، انتهى.

أقول: على ما فسره عليه السلام لا حاجة إلى التكلف في المعية، و التجوز في الإنزال مشترك كما عرفت، على أنه يحتمل أن يكون المراد أنهم القرآن لانتقاش ألفاظه و معانيه في أرواحهم المقدسة و اتصافهم بصفاته المرضية، و اجتنابهم عما فيه من الرذائل المنهية.

 (الحديث الثالث)

 (3): ضعيف.

و المراد بأهل الكتاب الذين آمنوا بموسى و محمد صلى الله عليه و آله كعبد الله بن سلام و أضرابه، و الضمير في‏

قوله:" من قبله"

 (4) و في قوله:

" به"

 (5) للقرآن كالمستكن في قوله‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 357

تعالى" وَ إِذا يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ" أي بأنه كلام الله" إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا" استئناف لبيان ما أوجب إيمانهم به" إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ" استئناف آخر للدلالة علي أن إيمانهم به ليس مما أحدثوا حينئذ بل تقادم عهده لما رأوا ذكره في الكتب المتقدمة

" أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ"

 (1) مرة على إيمانهم بكتابهم، و مرة على إيمانهم بالقرآن‏

" بِما صَبَرُوا"

 (2) بصبرهم و ثباتهم على الإيمانين، أو على الإيمان بالقرآن قبل النزول و بعده، أو على أذى المشركين و أذى من هاجرهم من أهل دينهم.

" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" قال الطبرسي (ره): أي اعترفوا بتوحيد الله و صدقوا بموسى و عيسى‏

" اتَّقُوا اللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ"

 (3) محمد صلى الله عليه و آله عن ابن عباس، و قيل: معناه يا أيها الذين آمنوا ظاهرا آمنوا باطنا

" يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ"

 (4) أي يعطكم نصيبين‏

" مِنْ رَحْمَتِهِ"

 (5) نصيبا لأيمانكم من تقدم من الأنبياء، و نصيبا لأيمانكم بمحمد صلى الله عليه و آله‏

" وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ"

 (6) أي هدى تهتدون به، و قيل: النور القرآن، انتهى.

و أقول: علي تأويله عليه السلام لعل المراد آمنوا برسوله فيما أتى به من ولاية الأئمة عليهم السلام، و سيأتي تأويل الكفلين بالحسنين عليهما السلام.

 (الحديث الرابع)

 (7): ضعيف.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 358

"" و يغشاهم بها"

 (1) أي بالظلمة.

 (الحديث الخامس)

 (2): ضعيف بالسند الأول، صحيح بالسند الثاني.

" اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ"

 (3) أي منورهما بنور الوجود و العلم و الهداية، و الأنوار الظاهرة، و قيل: أي ذو نور السماوات و الأرض، و النور الأئمة عليهم السلام، فهم نور السماوات حين كانوا محدقين بالعرش، و الأرض بعد ما أنزلوا صلب آدم‏

" مَثَلُ نُورِهِ"

 (4) أي صفة نور الله العجيبة الشأن‏

" كَمِشْكاةٍ"

 (5) أي مثل مشكاة و هي الكرة الغير النافذة التي يوضع فيها المصباح و قيل: المشكاة الأنبوبة في وسط القنديل، و المصباح: الفتيلة المشتعلة

" فِيها مِصْباحٌ"

 (6) الحسن.

أقول: في تفسير علي بن إبراهيم هكذا" فِيها مِصْباحٌ" الحسن و الْمِصْباحُ" الحسين‏

" فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ"

 (7) كان فاطمة كوكب" إلخ".

فالمصباح المذكور في الآية ثانيا المراد به غير المذكور أولا و هو الحسين عليه السلام، و لعل فيه إشارة إلى وحدة نوريهما، و شبهت فاطمة عليها السلام مرة بالمشكاة و مرة بالقنديل من الزجاجة، و وجه التشبيه فيهما متحد و عند كونها عليها السلام ظرفا لنور الحسين عليه السلام شبهت بالزجاجة، لزيادة نوره باعتبار كون سائر الأئمة من ولده عليه السلام،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 359

فلذا غير التشبيه.

و على ما في الكتاب قد يتوهم أن المراد بالزجاجة الحسين عليه السلام، فيوجه بما ذكره بعض الأفاضل حيث قال: مثل النور الحقيقي الذي هو من عالم الأمر بالنور الظاهري الذي هو من عالم الخلق، و النور ضياء بنفسه و مضي‏ء لما يطلع عليه و يشرق عليه، فمثل الجوهر الروحاني المناط للانكشافات العقلية بالمصباح، و حامله بالمشكاة، و الحامل لمادته و المشتمل عليها التي منها مدده و حفظه عن الانقطاع و النفاد بالزجاجة التي هي وعاء مادة نور المصباح التي هي الزيت، ففي الأنوار الحقيقية التي هي النفوس القدسية و الأرواح الزكية للأئمة من أهل البيت عليهم السلام الحسن عليه السلام مصباح، و فاطمة عليه السلام مشكاة فيها المصباح، و الحسين عليه السلام الزجاجة فيها مادة نور المصباح، و يجي‏ء منها مدده، و الزجاجة كوكب دري و المراد به فاطمة عليها السلام، فإن الزجاجة يعني الحسين عليه السلام مجمع النور الفائض من رسول الله صلى الله عليه و آله، الواصل إليه ابتداء و وساطة، كما كانت عليها السلام مجمع ذلك و المعنى عنها بالمشكاة كوكب دري لإحاطتها بالنور كله، و الزجاجة أيضا لإحاطتها بجميع النور كأنها كوكب دري‏

" يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ"

 (1) إبراهيم أي المشبه بالشجرة فيما ضرب له المثل إبراهيم، لأن ابتداء ظهور ذلك النور منه، و مواد العلوم من أثمار تلك الشجرة.

قال البيضاوي" دُرِّيٌّ" مضي‏ء متلألئ كالزهرة في صفائه و زهرته منسوب إلى الدر، أو فعيل كمريق من الدرء فإنه يدفع الظلام بضوئه، أو بعض ضوئه بعضا من لمعانه إلا أنه قلبت همزته ياءا" يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ" أي ابتداء ثقوب المصباح من شجرة الزيتون المتكاثرة نفعه بأن رويت ذبالته بزيتها

" لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ"

 (2) يقع‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 360

الشمس عليها حينا دون حين، بل بحيث تقع عليها طول النهار كالتي تكون على قلة جبل أو صحراء واسعة، فإن ثمرته تكون أنضج و زيتها أصفى أو نابتة في شرق المعمورة و غربها بل و في وسطها و هو الشام، فإن زيتونة أجود الزيتون، أولا في مضحي تشرق الشمس عليها دائما فتحرقها، أو في مقناة تغيب عنها دائما فتتركها نيا" انتهى".

و أقول: هذا ما يتعلق بالمشبه به، و أما تطبيقه على المشبه فإن إبراهيم عليه السلام لكونه أصل عمدة الأنبياء و هم عليهم السلام أغصانه و تشعبت منه الغصون المختلفة من الأنبياء و الأوصياء من بني إسرائيل و بني إسماعيل، و استنارت منهم أنوار عظيمة في الفرق الثلاث من أهل الكتب من اليهود و النصارى و المسلمين، فكان إبراهيم عليه السلام كالشجرة الزيتونة من جهة تلك الشعب و الأنوار، و لما كان تحقق ثمار تلك الشجرة و سريان أنوار هذه الزيتونة في نبينا و أهل بيته صلوات الله عليهم أكمل و أكثر و أتم، لكونهم الأئمة الفضلي، و أمتهم الأمة الوسطى و شريعتهم و سيرتهم و طريقتهم أعدل السير و أقومها كما قال تعالى:" وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً" كما أن اليهود كانوا يصلون إلى المغرب و النصارى إلى المشرق، فجعل قبلتهم وسط القبلتين، و كذا في حكم القصاص و الديات و سائر الأحكام جعلوا وسطا فشبه إبراهيم عليه السلام من جهة تشعب هذه الأنوار العظيمة منه بزيتونة لم تكن شرقية و لا غربية، أي غير منحرفة عن الاعتدال إلى الإفراط و التفريط، المتحققين في الملتين و الشريعتين، و أومأ بالشرقية إلى النصارى، و بالغربية إلى اليهود لقبلتيهم، و يمكن أن يكون المراد بالآية الزيتونة التي تكون في وسط الشجرة في شرقها، فلا تطلع الشمس عليها بعد العصر، و لا غربية لا تطلع الشمس عليها في أول اليوم، فيكون التشبيه أتم و أكمل‏

" يَكادُ زَيْتُها"

 (1) أي زيت الشجرة أو الزيتونة، و المراد بالزيتونة في المشبه المادة البعيدة للعلم، و هي الإمامة و الخلافة التي منبعهما إبراهيم حيث قال سبحانه:" إِنِّي جاعِلُكَ‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 361

لِلنَّاسِ إِماماً" و سرى في ذريته المقدسة، و بالزيت المواد القربية من الوحي و الإلهام، و إضاءة الزيت انفجار العلم من تلك المواد

" وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ"

 (1) أي وحي أو تعليم من البشر أو سؤال، فإن السؤال مما يقدح نار العلم.

" نُورٌ عَلى‏ نُورٍ"

 (2) قال البيضاوي أي نور متضاعف فإن نور المصباح زاد في إنارته صفا الزيت و زهرة القنديل، و ضبط المشكاة لأشعته" انتهى" و في المشبه كل إمام يتلو إماما يزيد في إنارة علم الله و حكمته بين الناس.

أقول: و يؤيد هذا التأويل ما رواه ابن بطريق (ره) في العمدة و السيد ابن طاوس رضي الله عنه في الطرائف من مناقب ابن المغازلي الشافعي بإسناده عن الحسن البصري أنه قال: المشكاة فاطمة، و المصباح الحسن و الحسين عليهم السلام" و الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ" فاطمة عليها السلام كوكبا دريا بين نساء العالمين" يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ" الشجرة المباركة إبراهيم عليه السلام" لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ" لا يهودية و لا نصرانية" يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ" قال: يكاد العلم أن ينطق منها" وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى‏ نُورٍ" قال: منها إمام بعد إمام‏

" يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ"

 (3) قال: يهدي لولايتهم من يشاء.

و ذكر الطبرسي قدس سره في تأويلها أقوالا:

أحدها: أنه مثل ضربه الله لنبيه محمد صلى الله عليه و آله فالمشكاة صدره، و الزجاجة قلبه، و المصباح فيه النبوة" لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ" أي لا يهودية و لا نصرانية" يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ" يعني شجرة النبوة و هي إبراهيم عليه السلام" يكاد" محمد يتبين للناس و لو لم يتكلم به، كما أن ذلك الزيت يضي‏ء" وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ" أي تصيبه النار، و قد قيل: أيضا أن المشكاة إبراهيم عليه السلام، و الزجاجة إسماعيل، و المصباح محمد كما سمي سراجا في موضع آخر" مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ" يعني إبراهيم لأن أكثر الأنبياء من صلبه" لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ" لا نصرانية و لا يهودية لأن النصارى تصلي إلى المشرق، و اليهود تصلي إلى المغرب" يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ" أي يكاد محاسن محمد تظهر قبل أن يوحى إليه" نُورٌ عَلى‏ نُورٍ" أي نبي من نسل نبي و قيل: إن المشكاة عبد المطلب،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 362

و الزجاجة عبد الله، و المصباح هو النبي صلى الله عليه و آله، لا شرقية و لا غربية بل مكية، لأن مكة وسط الدنيا، و روي عن الرضا عليه السلام أنه قال: نحن المشكاة، و المصباح محمد صلى الله عليه و آله، يهدي الله لولايتنا من أحب، و في كتاب التوحيد لأبي جعفر ابن بابويه (ره) بالإسناد عن عيسى بن راشد عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في قوله:" كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ" قال: نور العلم في صدر النبي صلى الله عليه و آله" الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ" الزجاجة صدر علي عليه السلام صار علم النبي صلى الله عليه و آله إلى صدر على، علم النبي عليا" يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ" نور العلم" لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ" لا يهودية و لا نصرانية" يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ" قال: يكاد العالم من آل محمد صلى الله عليه و آله يتكلم بالعلم قبل أن يسأل" نُورٌ عَلى‏ نُورٍ" أي إمام مؤيد بنور العلم و الحكمة في أثر إمام من آل محمد، و ذلك من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة" الخبر".

و ثانيها: أنها مثل ضربه الله للمؤمن، و المشكاة نفسه و الزجاجة صدره و المصباح الإيمان و القرآن، في قلبه" يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ" هي الإخلاص لله وحده لا شريك له، فهي خضراء ناعمة كشجرة التفت بها الشجرة فلا يصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت و لا إذا غربت، و كذلك المؤمن قد اختزن من أين يصيبه شي‏ء من الفتن فهو بين أربع خلال، إن أعطي شكر، و إن ابتلي صبر، و إن حكم عدل، و إن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي بين قبور الأموات" نُورٌ عَلى‏ نُورٍ" كلامه نور و علمه نور و مدخله نور و مخرجه نور، و مصيره إلى نور يوم القيامة عن أبي بن كعب.

و ثالثها: أنه مثل القرآن في قلب المؤمن فكما أن هذا المصباح يستضاء به و هو كما هو لا ينقص، فكذلك القرآن تهتدي به و يعمل به كالمصباح فالمصباح هو القرآن و الزجاجة قلب المؤمن، و المشكاة لسانه و فمه، و الشجرة المباركة شجرة الوحي" يَكادُ

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 363

زَيْتُها يُضِي‏ءُ" يكاد حجج القرآن تتضح و إن لم يقرأ، و قيل: تكاد حجج الله على خلقه تضي‏ء لمن تفكر فيها و تدبرها و لو لم ينزل القرآن" نُورٌ عَلى‏ نُورٍ" يعني أن القرآن نور مع سائر الأدلة قبله فازدادوا نورا على نور" يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ" أي يهدي الله لدينه و إيمانه من يشاء أو لنبوته و ولايته" انتهى". و أقول: لما ضرب الله الأمثال للمؤمنين و أئمتهم عليهم السلام ضرب مثلين للكافرين و المنافقين و أئمتهم، فالمثل الأول قوله:" وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ" و الثاني قوله:" أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ"

فقوله أَوْ كَظُلُماتٍ،

 (1) عطف على قوله كَسَرابٍ، و أو للتخيير، فإن أعمالهم لكونها لاغية كالسراب، و لكونها خالية عن نور الحق كالظلمات، فإن شئت شبهتهم بذلك أو للتنويع فإن الظلمات في الدنيا و السراب في الآخرة.

" فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ" أي عميق منسوب إلى اللجج و هو معظم الماء

" يَغْشاهُ"

 (2) أي يغشى البحر

" مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ"

 (3) مترادفة متراكمة" مِنْ فَوْقِهِ" أي من فوق الموج الثاني سحاب تغطي النجوم و تحجب أنوارها.

و أما تأويله عليه السلام فيحتمل وجهين:

الأول: أن المعنى أن الظلمات المذكورة في الآية أولا أبو بكر، و يغشاه موج:

إشارة إلى صاحبه يعني عمر، فإنه أتم بدع الأول و أكملها، و زاد على الظلمة ظلمة، و على الحيرة حيرة، و من فوقه موج: عبارة عن عثمان و هو الثالث، حيث زاد على بدعهما و إضلال الناس عن الحق، و قوله: ظلمات الثاني، أي لفظ الظلمات الواقع ثانيا في الآية، الموصوف فيها بأن بعضها فوق بعض إشارة إلى معاوية و فتن بني أمية.

و قوله: إذا أخرج يده‏

 (4) المؤمن، بيان للثمرة المترتبة على تلك الظلمات، المتراكمة من حيرة المؤمنين و اشتباه الأحكام الظاهرة عليهم، فإن اليد أظهر أجزاء

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 364

الإنسان له، و يحتمل أن يكون فتن بني أمية مبتدأ، خبره: إذا أخرج يده، أي قوله إذا أخرج يده، إشارة إلى فتن بني أمية، و يحتمل أيضا أن يكون المراد بالثاني عمر، و الظلمات مضافا إليه، أي ظلمات عمر فتنة بعضها فوق بعض، فيكون قوله: و معاوية ابتداء كلام آخر، أي إذا أخرج يده إشارة إلى معاوية و فتن بني أمية، و إنما كرر عمر لأنه رأس الفتنة و رئيس النفاق، و لا يخفى بعد هذين الوجهين.

و الثاني أن يكون المراد أن قوله تعالى:" أَوْ كَظُلُماتٍ" إشارة إلى الأول و صاحبه الأولين، و يغشاه موج إلى الثالث يعني عثمان الذي من فوقه موج، يعني من بعده، إشارة إلى ما وقع بعده من عشائره من بني أمية و ظلمات الثاني بعضها فوق بعض بالإضافة، أي كظلمات عمر، و تكراره لما مر فقوله: معاوية و فتن بني أمية، ابتداء كلام آخر، و يحتمل أن يكون" من" في قوله مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ، إلى قوله: فتن بني أمية كلاما واحدا، فالمراد بالموج معاوية و بالظلمات فتن بني أمية، و عبر عنهم بظلمات الثاني لأنهم كانوا من ثمرات ظلمه و جوره على أهل البيت عليهم السلام.

أقول: و يؤيد الثاني أن علي بن إبراهيم أورد في تفسيره هذا الخبر هكذا:

أي كظلمات فلان و فلان" فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ" يعني نعثل و فوقه موج طلحة و الزبير" ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ" معاوية و فتن بني أمية إلى آخر الخبر، و نعثل كناية عن عثمان.

قال ابن الأثير في النهاية: كان أعداء عثمان يسمونه نعثلا تشبيها له برجل من مصر كان طويل اللحية اسمه نعثل، و قيل: النعثل: الشيخ الأحمق.

و ذكر الضباع: و روى صاحب كتاب تأويل الآيات الظاهرة بإسناده عن الحكم بن حمران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله عز و جل:" أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ" قال: فلان و فلان" يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ" قال: أصحاب الجمل و صفين و النهروان‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 365

"" مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ" قال: بنو أمية" إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها" قال: بنو أمية إذا أخرج يده يعني أمير المؤمنين عليه السلام في ظلماتهم‏

" لَمْ يَكَدْ يَراها"

 (1) أي إذا نطق بالحكمة بينهم لم يقبلها منهم أحد إلا من أقر بولايته ثم بإمامته‏

" وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ"

 (2) أي من لم يجعل الله له إماما في الدنيا فما له في الآخرة من نور، إمام يرشده و يتبعه إلى الجنة.

 (الحديث السادس)

 (3): مجهول.

" يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ"

 (4) قال الطبرسي (ره): أي يريدون إذهاب نور الإيمان و الإسلام بفاسد الكلام، الجاري مجرى تراكم الظلام، فمثلهم فيه كمثل من حاول إطفاء نور الشمس بفيه‏

" وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ"

 (5) أي مظهر كلمته و مؤيد نبيه و معلى دينه و شريعته.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 366

باب أن الأئمة هم أركان الأرض‏

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): ضعيف بسنديه على المشهور.

" ما جاء به على آخذ به"

 (3) لأنه واجب الإطاعة من الله و من رسوله، و لأن ما جاء به مما جاء به رسول الله و ما نهى عنه مما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه و آله" و لمحمد صلى الله عليه و آله الفضل" إما بيان لما جرى له صلى الله عليه و آله من الفضل، فكما أن له صلى الله عليه و آله الفضل على جميع الخلق، كذا لعلي عليه السلام الفضل على الجميع، و إما بيان للفرق بين ما له صلى الله عليه و آله من الفضل و بين ما لعلي ع منه بفضله صلى الله عليه و آله على الجميع حتى على علي عليه السلام، و فضل علي عليه السلام على غيره صلى الله عليه و آله‏

" و المتعقب عليه في شي‏ء من أحكامه"

 (4) أي الطالب لعثرته و المعيب عليه في شي‏ء منها كالطالب لعثرة رسول الله صلى الله عليه و آله و المعيب عليه،

و" على"

 (5) للإضرار، و المراد المتقدم عليه في شي‏ء بأن يجعله عقبه و خلفه، و أراد التقدم عليه، أو يجعل حكمه عقبه و ينبذه وراء ظهره، فلا يعمل به، أو تعقبه بمعنى أنه تأخر عنه و لم يلحق به و لم يقبل أحكامه، أو المراد به شك في شي‏ء من أحكامه، و الأول أظهر ثم الأخير.

و كلمة" على" على بعض الوجوه بمعنى عن، و على بعضها بتضمين معنى يتعدى به، قال الفيروزآبادي: تعقبه أخذه بذنب كان منه، و عن الخبر شك فيه و عاد السؤال عنه، و استعقبه و تعقبه طلب عورته أو عثرته.

" في صغيرة أو كبيرة"

 (6) صفتان للكلمة أو الخصلة أو المسألة أو نحو ذلك‏

" على حد

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 367

الشرك بالله"

 (1) أي في حكمه إذ لا واسطة بين الإيمان و الشرك، و الكائن عليه مشرف على الدخول في الشرك كما ترى في كثير منهم كالمجسمة و المصورة و الصفاتية و أضرابهم، فإنهم أشركوا من حيث لا يعلمون.

" أن تميد"

 (2) أي كراهية أن تميد أو من أن تميد، بتضمين الأركان معنى الموانع، و في القاموس ماد يميد ميدا: تحرك و زاغ" انتهى".

و فيه إيماء إلى أن المراد بالرواسي في قوله تعالى:" وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ" الأئمة عليهم السلام في بطن القرآن، و المراد بالميد إما ذهاب نظام الأرض و اختلال أحوال أهلها كما يكون عند فقد الإمام قبل القيامة، أو حقيقته بالزلازل الحادثة فيها.

و قيل: المراد بمن فوق الأرض‏

 (3) الأحياء،

بمن تحت الثرى‏

 (4) الأموات، لأنهم الأشهاد يوم القيامة، و قد مر منا الكلام فيهما.

قوله عليه السلام: كثيرا ما يقول،

 (5) أي حينا كثيرا و ما زائدة للتأكيد عند جميع البصريين، و قيل: اسم نكرة صفة لكثير أو بدل منه، و على التقادير يفهم منها التفخيم بالإبهام‏

" أنا قسيم الله"

 (6) أي القسيم المنصوب من قبل الله للتميز بين أهل الجنة و أهل النار بسبب ولايته و تركها، أو هو الذي يقف بين الجنة و النار فيقسمهما بين أهلهما بسبب ولايته و عداوته كما دلت عليه صحاح الأخبار، و الأخبار بذلك متواترة من طرق الخاصة و العامة. قال في النهاية في حديث علي عليه السلام: أنا قسيم النار، أراد أن الناس فريقان فريق معي، فهم على هدى، و فريق على فهم ضلال، فنصف معي في الجنة و نصف علي في النار، و قسيم: فعيل بمعنى فاعل كالجليس و السمير" انتهى‏

" و أنا الفاروق"

 (7) أي‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 368

الذي فرق بين الحق و الباطل كما ذكره الفيروزآبادي، أو الفارق بين أهل الجنة و أهل النار

" و أنا صاحب العصا و الميسم"

 (1) قال في النهاية: الميسم هي الحديدة التي يوسم بها، و أصله موسم فقلبت الواو ياءا لكسرة الميم" انتهى".

و هذا إشارة إلى أنه عليه السلام الدابة التي أخبر بها في القرآن بقوله:" وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ" و روي عن ابن عباس و ابن جبير و غيرهما قراءة تكلمهم بالتخفيف و فتح التاء و سكون الكاف من الكلم بمعنى الجراحة.

و قال الطبرسي روح الله روحه: هي دابة تخرج بين الصفا و المروة فتخبر المؤمن بأنه مؤمن و الكافر بأنه كافر، و عند ذلك يرتفع التكليف و لا تقبل التوبة، و هو علم من أعلام الساعة، و روى محمد بن كعب القرظي قال: سئل علي عليه السلام عن الدابة؟ فقال:

أما و الله ما لها ذنب و إن لها اللحية، و في هذا إشارة إلى أنها من الإنس، و عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه و آله السلام قال: دابة الأرض طولها ستون ذراعا لا يدركها طالب و لا يفوتها هارب، فتسم المؤمن بين عينيه و تكتب بين عينيه مؤمن، و تسم الكافر بين عينيه و تكتب بين عينيه كافر، و معها عصا موسى و خاتم سليمان عليهما السلام، فتجلو وجه المؤمن بالعصا و تحطم أنف الكافر بالخاتم، حتى يقال يا مؤمن و يا كافر" انتهى".

و روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه و آله إلى أمير المؤمنين عليه السلام و هو نائم في المسجد قد جمع رملا و وضع رأسه عليه فحركه برجله ثم قال له: قم يا دابة الله، فقال رجل من أصحابه:

يا رسول الله أ يسمي بعضنا بعضا بهذا الاسم؟ فقال: لا و الله ما هو إلا له خاصة، و هو الدابة التي ذكرها الله في كتابه:" وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ" الآية، ثم قال: يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة و معك ميسم تسم به أعداءك، فقال رجل‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 369

لأبي عبد الله عليه السلام: إن العامة يقولون إن هذه الدابة إنما تكلمهم فقال أبو عبد الله عليه السلام:

كلمهم الله في نار جهنم إنما هو يكلمهم من الكلام.

و قال أبو عبد الله عليه السلام: قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا اليقظان آية في كتاب الله قد أفسدت قلبي و شككتني؟ قال عمار: أية آية هي؟ قال: قوله:" وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ" الآية، فأية دابة هذه؟ قال عمار: و الله ما أجلس و لا آكل و لا أشرب حتى أريكها فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام و هو يأكل تمرا و زبدا، فقال له: يا أبا اليقظان هلم، فجلس عمار و أقبل يأكل معه، فتعجب الرجل منه، فلما قام عمار قال له الرجل: سبحان الله يا أبا اليقظان حلفت أنك لا تأكل و لا تشرب و لا تجلس حتى ترينيها؟ قال عمار: قد أريتكها إن كنت تعقل.

و روى الحسن بن سليمان من كتاب البصائر لسعد بن عبد الله بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين في خطبة طويلة: أنا دابة الأرض، و أنا قسيم النار، و أنا خازن الجنان، و أنا صاحب الأعراف" الخبر".

و في كتاب سليم بن قيس الهلالي عن أبي الطفيل قال: سألت أمير المؤمنين عليه السلام عن الدابة؟ فقال: يا أبا الطفيل إله عن هذا فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرني به جعلت فداك! قال: هي دابة تأكل الطعام و تمشي في الأسواق و تنكح النساء، فقلت:

يا أمير المؤمنين من هو؟ قال: رب الأرض الذي يسكن الأرض قلت: يا أمير المؤمنين من هو؟ قال: الذي قال الله:" وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ" و الذي" عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ" و الذي" صَدَّقَ بِهِ" قلت: يا أمير المؤمنين فسمه لي، قال: قد سميته لك يا أبا الطفيل" الخبر". و أقول: الأخبار في ذلك كثيرة أوردتها في كتاب البحار.

و قيل:" أنا صاحب العصا و الميسم" أي الراعي لكل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه و آله، و مميز من يطيعه و يكون من قطيعة، بالميسم الذي يعرفون به عن المتخلف عنه و

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 370

الخارج عنهم، و لا يخفى ما فيه.

" و لقد أقرت لي"

 (1) أي أذعنت لي بالولاية و الفضل كما أذعنت له صلى الله عليه و آله‏

" و لقد حملت على مثل حمولته"

 (2) على بناء المجهول، و الحمولة بالفتح ما يحمل عليه من الدواب أي حملني الله على ما حمل عليه نبيه من التبليغ و الهداية و الخلافة، أو يكون خبرا عن المستقبل، أتى بالماضي لتحقق وقوعه، أي يحملني الله في القيامة على مثل مراكبه من نوق الجنة و خيولها، فتناسب الفقرة التالية لها، و شهد كثير من الأخبار بها أو في الرجعة، كما رواه الراوندي في الخرائج بإسناده عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الحسين بن علي عليهما السلام لأصحابه قبل أن يقتل: إن رسول الله صلى الله عليه و آله قال لي:

يا بني إنك لتساق إلى العراق و هي أرض قد التقى فيها النبيون و أوصياء النبيين، و على أرض تدعي غمورا و إنك لتشهد بها و يستشهد معك جماعة من أصحابك، لا- يجدون ألم مس الحديد، و تلا" يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً" يكون الحرب عليك و عليهم بردا و سلاما، فأبشروا فو الله لئن قتلونا فإنا نرد إلى نبينا صلى الله عليه و آله، ثم أمكث ما شاء الله فأكون أول من تنشق الأرض عنه فأخرج خرجة توافق ذلك خرجة أمير المؤمنين و قيام قائمنا و حياة رسول الله صلى الله عليه و آله، ثم لينزلن علي وفد من السماء من عند الله لم ينزلوا إلى الأرض قط، و لينزلن علي جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و جنود من الملائكة، و لينزلن محمد و علي و أنا و أخي و جميع من من الله عليه في حمولات من حمولات الرب، خيل بلق من نور لم يركبها مخلوق، ثم ليبرزن محمد صلى الله عليه و آله لواءه و ليدفعنه إلى قائمنا عليه السلام مع سيفه، ثم أنا أمكث بعد ذلك ما شاء الله" الخبر".

و يمكن أن يقرأ على بناء المعلوم، أي حملت أحمالي على مثل ما حمل صلى الله عليه و آله أحماله عليه في ولاية الأمر الجاري على وفق أحكام الله و حكمه، أو حملت اتباعي و شيعتي على ما حمل صلى الله عليه و آله أصحابه عليه من أحكام القرآن، و يمكن أن يقرأ على‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 371

بناء المجهول الغائب و علي بالتشديد، و القائم مقام الفاعل مثل حمولته، و التأنيث باعتبار المضاف إليه، فالحمولة بمعنى الحمل لا المحمول عليه، أي حمل الله علي من أعباء الإمامة و أسرار الخلافة مثل ما حمل عليه صلى الله عليه و آله، قال الفيروزآبادي: الحمولة ما احتمل عليه القوم من بعير و حمار و نحوه كانت عليه أثقال أو لم تكن، و الأحمال بعينها، و الحمول بالضم: الهوادج أو الإبل عليها الهودج و الواحد حمل بالكسر و يفتح" انتهى".

و قوله: و هي حمولة الرب،

 (1) على كل من المعاني ظاهر.

" يدعى"

 (2) بصيغة المجهول أي في القيامة

" و ادعى و أكسى"

 (3) أي مثل دعائه و كسائه‏

" و يستنطق"

 (4) بصيغة المجهول أي للشهادة أو للشفاعة أو للاحتجاج على الأمة أو الأعم‏

" على حد منطقه"

 (5) أي على نهجه و طريقته في الصواب و النفاذ، و المنطق بكسر الطاء مصدر ميمي‏

" خصالا"

 (6) أي فضائل‏

" ما سبقني إليها أحد"

 (7) أي من الأوصياء أو من الرسل أيضا، فالمراد

بقوله" قبلي"

 (8) قبل ما أدركته من الأعصار

" علمت المنايا"

 (9) أي آجال الناس‏

" و البلايا"

 (10) أي ما يمتحن الله به العباد من الشرور و الآفات أو الأعم منها و من الخيرات‏

" و الأنساب"

 (11) أي أعلم والد كل شخص فأميز بين أولاد الحلال و الحرام‏

" و فصل الخطاب"

 (12) أي الخطاب الفاصل بين الحق و الباطل أو الخطاب المفصول الواضح الدلالة على المقصود، أو ما كان من خصائصه صلوات الله عليه من الحكم المخصوص في كل واقعة، و الجوابات المسكتة للخصوم في كل مسألة، و قيل: هو القرآن، و فيه بيان الحوادث من ابتداء الخلق إلى يوم القيامة.

" فلم يفتني ما سبقني"

 (13) أي علم ما سبق من الحوادث أو العلوم النازلة على الأنبياء أو الأعم‏

" و لم يعزب"

 (14) كينصر و يضرب أي لم يغب عني علم ما غاب عن مجلسي‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 372

في هذا العصر و في الأعصار الآتية

" أبشر بإذن الله"

 (1) أي عند الموت أولياءه أو الأعم‏

" و أؤدي عنه"

 (2) كل ما أقول لا عن رأي و هوى‏

" كل ذلك من الله"

 (3) أي من فضله علي‏

" بعلمه"

 (4) أي بسبب ما يعلم من المصلحة في تمكيني و بالعلم الذي أعطانيه.

 (الحديث الثاني)

 (5): ضعيف.

و في أكثر النسخ فيه‏

" المعيب على أمير المؤمنين"

 (6) على بناء التفعيل، من عيبه إذا نسبه إلى العيب‏

" بإذنه"

 (7) أي بتوفيقه و تيسير أسبابه.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 373

 (الحديث الثالث)

 (1): ضعيف أيضا.

" فضل أمير المؤمنين"

 (2) على المصدر مبتدأ و الموصول خبره، أي مزيته و فضله عليه السلام مشاركته لرسول الله صلى الله عليه و آله في وجوب الأخذ بما جاء به، و الانتهاء عما نهى عنه و وجوب طاعته بعد رسول الله، أو يقرأ" فضل" على بناء التفعيل المجهول أي علي جميع الخلق أو الأمة

فقوله:" ما جاء"

 (3) بيان له‏

" و الفضل لمحمد"

 (4) أي الفضل عليه لمحمد دون غيره، أو الفضل على العموم على جميع الأنبياء و الأوصياء و الأئمة مخصوص به صلى الله عليه و آله، أو ذلك الفضل بعينه هو فضل محمد لأنهما نفس واحدة

" المتقدم"

 (5) عليه لعله إشارة إلى قوله سبحانه:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ" و إن كان في الآية على القراءة المشهورة على التفعيل و هنا على التفعل، كما قرأ به يعقوب، فيؤيد الخبر تلك القراءة، و على المشهورة أي لا تقدموا أمرا و لا تقطعوه قبل أن يحكم الله و رسوله به، و المراد هنا إما هذا أو من يرى لنفسه الفضل عليه، و يريد أن يكون متبوعا له فهو كمن يرى الفضل لنفسه على رسول الله صلى الله عليه و آله، و يريد أن يكون متبوعا له" و المتفضل" التفعل هنا للتكلف، أي المفضل نفسه بدون استحقاق.

" و عمد الإسلام"

 (6) العمد بفتحتين و ضمتين جمع العمود و هو الأسطوانة أي لا-

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 374

يقوم الإسلام إلا بإمامتهم‏

" و رابطة"

 (1) بالضمير الراجع إلى الإسلام، و الوحدة لكونهم كنفس واحدة، أو لأن في كل زمان واحد منهم، أي هم يشدون الإسلام على سبيل هدايته، أو بالتاء صفة للجماعة أي الجماعة الذين يشدون الناس على سبيل هداية الله لئلا يتعدوه، أو المرابطين في ثغر الإسلام لئلا يهجم الكفار و أهل البدع على المؤمنين فيضلوهم‏

" أو عذر أو نذر"

 (2) أي محو إساءة أو تخويف، و هما مصدران لعذر إذا محي الإساءة و أنذر إذا خوف، أو جمعان لعذير بمعنى المعذرة، و نذير بمعنى الإنذار

" و لا يصل أحد إلى ذلك"

 (3) أي إلى مرتبة فضلهم أو إلى معرفة تلك المرتبة

" إلا بعون الله"

 (4) أي بتوفيقه‏

" لا يدخلها"

 (5) أي النار أو كل من الجنة و النار و في بعض النسخ لا يدخلهما و هو أظهر.

" على حد قسمي"

 (6) الحد: الفصل بين الشيئين يميز بينهما، و القسم بالفتح:

التقسيم، و في بعض النسخ على أحد قسمي بصيغة التثنية مضافة إلى ياء المتكلم و لعله أصوب‏

" عمن كان قبلي"

 (7) أي النبي صلى الله عليه و آله‏

" و إني و إياه لعلى سبيل واحد"

 (8) أي متساويان في جميع وجوه الفضل‏

" إلا أنه هو المدعو باسمه"

 (9) أي النبي و الرسول، فإني لست بنبي و لا رسول، و إنما فضله على ذلك، أو أنه تعالى سماه في القرآن و ناداه باسمه و لم يسمني، أو المقصود بيان غاية الاتحاد بينهما على سياق قوله تعالى:" وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ" أي ليس بيني و بينه فرق إلا أنه مدعو باسمه و أنا مدعو باسمي، فلا

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 375

فرق في المسمى بل في الاسم، و هذا وجه حسن.

" و الوصايا"

 (1) أي أعلم ما أوصى به الأنبياء أوصياءهم و أممهم من الشرائع و غيرها.

" و إني لصاحب الكرات و دولة الدول"

 (2) هذه الخامسة و يحتمل وجوها:

الأول: أن يكون المعنى أني صاحب الحملات في الحروب فإنه عليه السلام كان كرارا غير فرار، و صاحب الغلبة فيها، فإنه كان الغلبة في الحروب بسببه، أو إني صاحب الغلبة على أهل الغلبة في الحروب، قال الفيروزآبادي: الكرة المرة و الحملة، و قال: الدولة انقلاب الزمان و العقبة في المال، و يضم أو الضم فيه و الفتح في الحرب، أو هما سواء، أو الضم في الآخرة و الفتح في الدنيا، و الجمع دول مثلثة، و أدالنا الله من عدونا، من الدولة و الإدالة الغلبة، و دالت الأيام: دارت، و الله يداولها بين الناس.

الثاني: أن المراد إني صاحب علم كل كرة و دولة، أي أعلم أحوال أصحاب القرون الماضية و الباقية إلى يوم القيامة من أهل الدين و الدنيا.

الثالث: أن المعنى إني أرجع إلى الدنيا مرات شتى لأمور وكلني الله بها، و كانت غلبة الأنبياء على أعاديهم و نجاتهم من المهالك بسبب التوسل بنوري و أنوار أهل بيتي، أو يكون دولة الدول أيضا إشارة إلى الدولات الكائنة في الكرات و الرجعات، فأما الرجعات فقد دلت عليها كثير من الروايات، نحو ما روى في بصائر سعد بن عبد الله و غيره بالإسناد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام في خطبة طويلة رواه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال فيها: و إن لي الكرة بعد الكرة و الرجعة بعد الرجعة، و أنا صاحب الرجعات و صاحب الصولات و النقمات و الدولات العجيبات، إلى آخر الخطبة، و غيرها من الأخبار التي أوردتها في الكتاب الكبير.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 376

و قوله:" و إني لصاحب العصا"

 (1) إلى آخره هي السادسة

" و الدابة"

 (2) تفسير لصاحب العصا و الميسم كما عرفت.

باب نادر جامع في فضل الإمام عليه السلام و صفاته‏

 (3)

 (الحديث الأول)

 (4): مرفوع، و رواه الصدوق في كثير من كتبه بسند آخر فيه جهالة، و هو مروي في الاحتجاج و غيبة النعماني و غيرهما.

و البدء

 (5) بفتح الباء و سكون الدال مهموزا: أول الشي‏ء،

و المقدم‏

 (6) بفتح الدال مصدر كالقدوم، و تبسمه عليه السلام للتعجب عن ضلالتهم و غفلتهم عن أمر هو أوضح الأمور بحسب الكتاب و السنة، أو عن استبدادهم بالرأي فيما لا مدخل للعقل فيه، و قال الجوهري: خاض القوم في الحديث أي تفاوضوا فيه.

" و خدعوا"

 (7) على المجهول‏

" عن آرائهم"

 (8) كلمة" عن" إما تعليلية أي بسبب آرائهم، أو ضمن فيه معنى الإغفال، فالمراد بالآراء ما ينبغي أن يكونوا عليها من اعتقاد الإمامة، و في بعض نسخ الكتاب و أكثر نسخ سائر الكتاب" عن أديانهم" و هو أظهر.

" إن الله لم يقبض":

 (9) بين عليه السلام أن الإمام لا بد أن يكون منصوصا عليه، و ليس‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 377

تعيينه باختيار الأمة بوجهين:

الأول: الآيات الدالة على أن الله تعالى أكمل الدين للأمة و بين لهم شرائعه و أحكامه، و ما يحتاجون إليه، و معلوم أن تعيين الإمام من الأمور المهمة في الدين بإجماع الفريقين، و لذا اعتذر المخالفون للاشتغال بتعيين الإمام قبل تجهيز الرسول صلى الله عليه و آله، بأن تعيينه كان أهم من ذلك.

و الثاني: أن للإمامة شرائط من العصمة و العلم بجميع الأحكام، و غير ذلك مما لا يحيط به عقول الخلق، فلا يعقل تفويضها إلى الأمة، و لا بد من أن يكون الإمام منصوصا منصوبا من قبل الله تعالى، و لا خلاف بين الأمة في أنه لم يقع النص على غير أئمتنا عليهم السلام، فلا بد من أن يكونوا منصوصين منصوبين للإمامة من الله و من رسوله.

" فيه تبيان كل شي‏ء"

 (1) إشارة إلى قوله تعالى في سورة النحل:" وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ" ثم فسر ذلك‏

بقوله:" بين فيه الحلال و الحرام و الحدود و الأحكام و جميع ما يحتاج إليه الناس كملا"

 (2) و لا ريب أن الإمامة و تعيين الإمام شي‏ء مما يحتاج إليه الناس غاية الاحتياج، و قال الجوهري يقال: أعطه هذا المال كملا أي كله.

" ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ"

 (3) قال البيضاوي:" من" مزيدة و شي‏ء في موضع المصدر لا المفعول به، فإن فرط لا يعدي بنفسه، و قد عدي بفي إلى الكتاب" انتهى" و وجه الاستدلال ما مر، و هو مبني على كون المراد بالكتاب القرآن كما ذهب إليه أكثر المفسرين، و قيل: المراد به اللوح، و يحتمل الاستدلال بالآيتين وجها آخر، و هو أنه تعالى أخبر بيان كل شي‏ء في القرآن، و لا خلاف في أن غير الإمام لا يعرف‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 378

كل شي‏ء من القرآن فلا بد من وجود الإمام المنصوص، و الأول أظهر.

" و أنزل في حجة الوداع"

 (1) قال بعض العامة ناقلا عن عمر: أن هذه الآية نزلت يوم عرفة في حجة الوداع في عرفات، و قال مجاهد: نزلت يوم فتح مكة و ذهبت الإمامية إلى أنها نزلت في غدير خم يوم الثامن عشر من ذي الحجة في حجة الوداع، بعد ما نصب عليا عليه السلام للخلافة بأمر الله تعالى، و قد دلت على ذلك الروايات المستفيضة من طرقنا و طرق العامة، فقد روى السيد ابن طاوس قدس سره في كتاب الطرائف نقلا من مناقب ابن المغازلي الشافعي، و تاريخ بغداد للخطيب عن أبي هريرة قال:

من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة كتب الله له صيام ستين شهرا، و هو يوم غدير خم لما أخذ رسول الله صلى الله عليه و آله بيد علي بن أبي طالب عليه السلام و قال: أ لست أولى بالمؤمنين؟

قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال له عمر: بخ بخ يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي و مولى كل مسلم، فأنزل الله عز و جل:

" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ"

 (2) و رواه الصدوق (ره) في مجالسه أيضا.

و روى السيد أيضا في كتاب كشف اليقين نقلا من كتاب محمد بن أبي الثلج من علماء المخالفين بإسناده عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: أنزل الله عز و جل على نبيه صلى الله عليه و آله بكراع الغميم" يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ في علي عليه السلام وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ" فذكر قيام رسول الله بالولاية بغدير خم، قال: و نزل جبرئيل عليه السلام بقول الله عز و جل:

" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً"

 (3) بعلي أمير المؤمنين في هذا اليوم، أكمل لكم معاشر المهاجرين و الأنصار دينكم و أتم عليكم نعمته و رضي لكم الإسلام دينا، فاسمعوا له و أطيعوا تفوزوا و تغنموا.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 379

و روى السيوطي في تفسيره الدر المنثور عن ابن مردويه و ابن عساكر بإسنادهما عن أبي سعيد الخدري قال: لما نصب رسول الله صلى الله عليه آله عليا يوم غدير خم فنادى له بالولاية هبط جبرئيل عليه السلام بهذه الآية:" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ".

و روي أيضا عن ابن مردويه و الخطيب و ابن عساكر بأسانيدهم عن أبي هريرة قال: لما كان يوم غدير خم و هو الثامن عشر من ذي الحجة قال النبي صلى الله عليه و آله: من كنت مولاه فعلي مولاه، فأنزل الله:" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" و الأخبار في ذلك كثيرة أوردتها في كتاب بحار الأنوار.

" و أمر الإمامة"

 (1) أي ما يتعلق بها من تعيين الإمام في كل زمان‏

" من تمام الدين"

 (2) أي من أجزائه التي لا يتم إلا بها، فإكمال الدين بدون بيانه غير متصور

" و لم يمض صلى الله عليه و آله"

 (3) أي كما لم يفرط الله تعالى في البيان لم يفرط الرسول صلى الله عليه و آله في التبليغ،

و" المعالم"

 (4) جمع معلم بالفتح أي ما يعلم به الدين، كنصب الإمام و بيان الأحكام، و القصد:

الوسط بين الطرفين و إضافته إلى السبيل و إضافة السبيل إلى الحق بيانيتان، و تحتملان اللامية.

" علما"

 (5) أي علامة لطريق الحق‏

" إلا بينه"

 (6) لعلي عليه السلام و للناس بالنص عليه و الأمر بالرجوع إليه‏

" فهو كافر"

 (7) يدل على كفر المخالفين‏

" هل يعرفون"

 (8) الاستفهام للإنكار، و هذا إشارة إلى الوجه الثاني من الوجهين المذكورين، و الحاصل أن نصب الإمام موقوف على العلم بصفاته و شرائط الإمامة، و هم جاهلون بها، فكيف يتيسر لهم نصبه، و من شرائطها العصمة و لا يطلع عليها إلا الله تعالى كما استدل‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 380

عليه في الشافي ببراهين شافية، لا يناسب الكتاب إيرادها.

" و أمنع جانبا"

 (1) أي جانبه و طريقه الموصل إليه أبعد من أن يصل إليه يد أحد

" خص الله بها إبراهيم"

 (2) أي بالنسبة إلى الأنبياء السابقين‏

" سرورا بها"

 (3) مفعول له لقال، و الإشادة: رفع الصوت بالشي‏ء يقال: أشاده و أشاد به إذا أشاعه و رفع ذكره‏

" فصارت في الصفوة"

 (4) مثلثة أي أهل الطهارة و العصمة من صفا الجو إذا لم يكن فيه غيم، أو أهل الاصطفاء و الاختيار الذين اختارهم الله من بين عباده لذلك لعصمتهم و فضلهم و شرفهم‏

" نافِلَةً"

 (5) النفل و النافلة: عطية التطوع من حيث لا تجب، و منه نافلة الصلاة، و النافلة أيضا: ولد الولد و الزيادة، و هي على المعنى الأول حال عن كل واحد من إسحاق و يعقوب، و على الأخيرين حال عن يعقوب، أما على الثاني فظاهر، و أما على الأول فلان يعقوب زيادة على من سأله إبراهيم عليه السلام و هو إسحاق.

" وَ كُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ"

 (6) موصوفين بالصلاح ظاهرا و باطنا قابلين للخلافة و الإمامة

" وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً"

 (7) للخلائق‏

" يَهْدُونَ"

 (8) الناس إلى الحق‏

" بِأَمْرِنا"

 (9) لا بتعيين الخلق‏

" وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ"

 (10) أي جميعها لكونه جمعا معرفا باللام‏

" وَ إِقامَ الصَّلاةِ"

 (11) من قبيل عطف الخاص على العام للإشعار بفضلهما، و حذفت التاء من إقام‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 381

للتخفيف مع قيام المضاف إليه مقامها

" وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ"

 (1) عطف على" أوحينا" أو حال من ضمير إليهم بتقدير قد، و تقديم الظرف للحصر.

" قرنا فقرنا" منصوبان على الظرفية

" إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ"

 (2) أي أخصهم به و أقربهم منه من الولي بمعنى القرب أو أحقهم بمقامه‏

" لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ"

 (3) في عقائده و أقواله و أعماله ظاهرا و باطنا، و لم يخالفوه أصلا، و هم أوصياؤه و الأنبياء من ولده عليهم السلام‏

" وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا"

 (4) حق الإيمان و هم أوصياؤه عليهم السلام‏

" وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ"

 (5) ينصرهم لإيمانهم و إرشادهم عباد الله إلى صراطه المستقيم، و قال أمير المؤمنين عليه السلام فيما رواه في نهج البلاغة عنه في بعض خطبه حيث قال: و كتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا، و هو قوله تعالى:" وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ" و قوله تعالى:" إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ" الآية، فالاستدلال بالآية مبني على أن المراد بالمؤمنين فيها الأئمة عليهم السلام، و يحتمل أن يكون المراد به أن تلك الإمامة انتهت إلى النبي صلى الله عليه و آله، و هو لم يستخلف غير علي عليه السلام بالاتفاق.

" فكانت"

 (6) أي الإمامة

" له خاصة"

 (7) أي للنبي صلى الله عليه و آله في زمانه‏

" فقلدها"

 (8) بتشديد اللام‏

" عليا"

 (9) أي جعلها لازمة في عنقه لزوم القلادة

" بأمر الله"

 (10) متعلق بقلد

" على رسم ما فرض الله"

 (11) الرسم السنة و الطريقة، أي على الطريقة التي فرضها الله في السابقين، بأن ينصب كل إمام بعده إماما لئلا يخلو زمان من حجة، و الظرف إما متعلق بالظرف الأول أو بقلد

" فصارت في ذريته"

 (12) الضمير لعلي عليه السلام‏

" بقوله"

 (13) الظرف متعلق بأتاهم، أو بصارت.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 382

" وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ"

 (1) أقول: قبل هذه الآية قوله تعالى:" وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ" فإن المجرمين يقسمون يوم القيامة أنهم ما لبثوا في الدنيا أو في القبور غير ساعة لاستقلالهم مدة لبثهم إضافة إلى مدة عذابهم في الآخرة أو نسيانا" كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ" أي مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الحق، فالمراد بالخبر أن الذين يحبونهم في القيامة و وصفهم الله بأنهم أوتوا العلم و الإيمان هم النبي و الأئمة عليهم السلام.

و يحتمل أن يكون المراد أن مصداقه الأكمل هم عليهم السلام بأن يكون المراد بالموصول في الآية جميع الأنبياء و الأوصياء صلوات الله عليهم، كما ذكره المفسرون، قال البيضاوي: من الملائكة و الإنس.

" لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ"

 (2) أي في علمه أو قضائه أو اللوح أو القرآن‏

" إِلى‏ يَوْمِ الْبَعْثِ"

 (3) فهذا يوم البعث الذي كنتم منكرين له، و هذا الجواب و إن لم يتضمن تحديد مدة لبثهم، لكن فيه دلالة بحسب قرينة المقام على أنها زائدة على ما قالوه كثيرا، حتى كأنها لا يحيط به التحديد، و ربما يوهم ظاهر الخبر أن المخاطب الأئمة عليهم السلام، و المراد لبثهم في علم الكتاب، لكن لا يساعده سابقه كما عرفت، و إن كان مثل ذلك في نظم القرآن كثيرا، و قال علي بن إبراهيم هذه الآية مقدمة و مؤخرة و إنما هو" وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى‏ يَوْمِ الْبَعْثِ" انتهى.

" إذ لا نبي بعد محمد"

 (4) هذا إما تعليل لكون الخلافة فيهم و التقريب أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه و آله حتى يجعل الإمامة في غيرهم بعد جعل النبي فيهم، أو لكونهم أئمة لا أنبياء، أو لامتداد ذلك إلى يوم القيامة و التقريب ظاهر.

                                                مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 383

"" إن الإمامة هي منزلة الأنبياء"

 (1) أي مرتبة لهم و لمن هو مثلهم أو كانت لهم فيجب أن ينتقل إلى من يشابههم، و قيل: المعنى أنها منزلة بمنزلة نبوة الأنبياء، فكما لا تثبت النبوة لأحد باختيار الخلق كذلك لا تثبت الإمامة باختيارهم‏

" و إرث الأوصياء"

 (2) أي ميراث انتقل من الأنبياء إليهم، و من بعضهم إلى بعض، و الإرث أصله الواو، و هو في الأصل مصدر، و كثيرا ما يطلق على الشي‏ء الموروث كما هنا

" إن الإمامة خلافة الله" إلخ"

 (3) خليفة الرجل من يقوم مقامه، فلا بد أن يكون عالما بما أراد المستخلف، عاملا بجميع أوامره مناسبا له في الجملة

" زمام الدين"

 (4) الزمام: الحيط الذي يشد في طرفه المقود و قد يسمى المقود زماما، و في الكلام استعارة مكنية و تخييلية

" أس الإسلام"

 (5) الأس و الأساس أصل البناء

" و النامي"

 (6) صفة المضاف أو المضاف إليه و الأول أظهر، و نمو الأصل يستلزم نمو الفرع، و قد يقال: هو من نميت الحديث أنميه مخففا إذا أبلغته على وجه الإصلاح و طلب الخير و هو بعيد،

" و السامي"

 (7) العالي المرتفع، و فرع كل شي‏ء أعلاه.

" بالإمام تمام الصلاة" إلخ،

 (8) إذ هو الآمر بجميعها و معلم أحكامها، و الباعث لإيقاعها على وجه الكمال، و شرط تحقق بعضها، و العلم بإمامته شرط صحة جميعها، و الفي‏ء: الغنيمة لأنها كانت في الأصل للمسلمين، لأن [الله‏] خلقها لهم و غصبها الكفار، ففائت و رجعت إليهم، و توفيره قسمته على قانون الشرع و العدل، و الثغور:

الحدود الفاصلة بين بلاد المسلمين و الكفار

" و الأطراف"

 (9) أعم منه‏

" يحل حلال الله"

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 384

 (1) أي يبين حليته و كذا التحريم،

و الذب:

 (2) المنع و الدفع، و حذف المفعول للتعميم‏

" و يدعو إلى سبيل ربه"

 (3) إشارة إلى قوله تعالى:" ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ‏

بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ

 (4) وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" ففسر عليه السلام المجادلة بالتي هي أحسن بالبراهين القاطعة، كما فسر الحسن بن علي العسكري عليه السلام الجدال بالتي هي أحسن بالبرهان القاطع و بغير التي هي أحسن بالجدل و إلزام الخصم بالباطل، فالمراد بالحكمة و الموعظة الحسنة الأمثال و المواعظ و الخطابات النافعة كما ذكره الله تعالى عند بيان حكمة لقمان عليه السلام أمثال ذلك، و فسر الأكثر الحكمة بالبرهان و الموعظة بالخطابيات و المجادلة بالجدليات.

و قال الجوهري: جلل الشي‏ء تجليلا أي عم، و المجلل: السحاب الذي يجلل الأرض بالمطر، أي يعم و هي في الأفق هو ما ظهر من نواحي السماء، شبه الإمام في عموم نفعه و اهتداء عامة الخلق به، و عدم وصول أيدي العقول و الأفهام إلى كنه قدره و منزلته بالشمس‏

المجللة بنورها العالم،

 (5) و هي في الارتفاع بحيث لا تنالها الأيدي، و تكل الأبصار عن رؤيتها، فالظاهر أنه استعارة تمثيلية،

و الزاهر

 (6) المضي‏ء و يقال:

سطع الغبار و الرائحة و الصبح يسطع سطوعا إذا ارتفع،

" و الغيهب":

 (7) الظلمة و شدة السواد،

" و الدجى"

 (8) بضم الدال: الظلمة و الإضافة بيانية للمبالغة، و استعبر لظلمات الفتن و الشكوك و الشبه" و الأجواز" جمع الجوز و هو من كل شي‏ء: وسطه،" و القفار" جمع القفر و هي مفازة لا نبات فيها و لا ماء، و المراد هنا الخالية عن الهداية، أو المراد بأجوازها ما بينها، و في الاحتجاج: البيد القفار، و هو أظهر، و في بعض نسخ‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 385

الكتاب‏

" و القفار"

 (1) و هو أيضا حسن،

و لجة الماء

 (2) بالضم: معظمه‏

" و الظمأ"

 (3) بالتحريك شدة العطش، و ربما يقرأ بالكسر و المد جمع ظامئ و هو بعيد،

و الردى:

 (4) الهلاك‏

" و اليفاع"

 (5) ما ارتفع من الأرض،

" و الاصطلاء"

 (6) افتعال من الصلي بالنار و هو التسخن بها

" و الهطل"

 (7) بالفتح و التحريك: تتابع المطر و سيلانه.

و السماء

 (8) تذكر و تؤنث، و هي كل ما علاك فأظلك، و منه قيل: لسقف البيت: سماء، و وصفها بالظليلة للإشعار بوجه التشبيه، و كذا البسيطة، أو المراد بها المستوية، فإن الانتفاع بها أكثر،

" و الغزيرة"

 (9) الكثيرة، يقال غزرت الناقة أي كثر لبنها، شبهه عليه السلام في وفور علمه الذي هو حياة للأرواح بالعين في نبوع الماء الذي هو حياة للأبدان منها،

" و الروضة"

 (10) الأرض الخضرة بحسن النبات‏

" و الرفيق"

 (11) مأخوذ من الرفق و هو ضد العنف و الخرق،

و" الشفيق"

 (12) من الشفقة، و وصف الأخ بالشفيق لبيان أن المشبه به الأخ النسبي قال الجوهري: هذا شفيق هذا إذا انشق الشي‏ء بنصفين، فكل واحدة منها شفيق الآخر، و منه قيل: فلان شفيق فلان، أي أخوه.

" في الداهية النئاد"

 (13) هو بفتح النون و الهمزة و الألف و الدال المهملة، مصدر:

ناده الداهية كمنعه إذا فدحته و بلغت منه كل مبلغ، فوصفت الداهية به للمبالغة، قال الفيروزآبادي: نادت الداهية فلانا: دهمته، و الناد: كسحاب و النادي: كحبالى‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 386

الداهية، و قال الجوهري: الناد و النادي: الداهية، قال الكميت:

         و إياكم و داهية نادى             أظلتكم بعارضها المخيل‏

" انتهى"

" أمين الله"

 (1) أي على دينه و علمه و غيرهما

" و الذاب عن حرم الله"

 (2) الحرم بضم الحاء و فتح الراء جمع الحرمة و هي ما لا يحل انتهاكه و تجب رعايته، أي يدفع الضرر و الفساد عن حرمات الله، و هي ما عظمها و أمر بتعظيمها، من بيته و كتابه و خلفائه و فرائضه و نواهيه و أو أمره،

و" البوار"

 (3) الهلاك، و الحمل على المبالغة كالفقر السابقة.

" و لا يوجد منه بدل"

 (4) أي في زمانه‏

" هيهات"

 (5) أي بعد البلوغ إلى معرفة الإمام‏

" هيهات"

 (6) أي بعد إمكان اختياره غاية البعد،

" و الحلوم"

 (7) كالألباب: العقول،

و" ضلت"

 (8) و

" تاهت"

 (9) و

" حارت"

 (10) متقاربة المعاني، و خسأ بصره كمنع خسأ و خسوءا أي كل، و منه قوله تعالى:" يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً".

و يقال: تصاغرت‏

 (11) إليه نفسه أي صغرت،

و التقاصر

 (12) مبالغة في القصر أو هو إظهاره كالتطاول،

و" حصر"

 (13) كعلم: عي في المنطق،

و" الأدباء"

 (14) جمع أديب و هو المتأدب‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 387

بالآداب الحسنة، و قد شاع إطلاقه على العارف بالقوانين العربية و يقال: ما يغني عنك هذا أي ما ينفعك و يجديك، و

" الغناء"

 (1) بالفتح: النفع‏

" لا"

 (2) تصريح بالإنكار المفهوم من الاستفهام، حذفت الجملة لدلالة ما قبلها على المراد أي لا يوصف بكله إلى آخر الجمل.

" كيف"

 (3) تكرار للاستفهام الإنكاري الأول تأكيدا

" و أنى"

 (4) مبالغة أخرى بالاستفهام الإنكاري عن مكان الوصف و ما بعده‏

" و هو بحيث النجم"

 (5) الواو للحال و الضمير للإمام عليه السلام و الباء بمعنى في، و حيث ظرف مكان، و النجم مطلق الكواكب، و قد يخص بالثريا، و هو مرفوع على الابتداء و خبره محذوف، أي مرئي، لأن حيث لا يضاف إلا إلى الجمل‏

" من يد المتناولين"

 (6) الظرف متعلق بحيث، و هو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس.

" كذبتهم"

 (7) بالتخفيف أي قالت لهم كذبا، أو بالتشديد أي إذا رجعوا إلى أنفسهم شهدت بكذب مقالهم‏

" و منتهم الأباطيل"

 (8) أي أوقعت في أنفسهم الأماني الباطلة، أو أضعفتهم قال الجوهري: الأمنية واحدة الأماني تقول منه: تمنيت الشي‏ء و منيت تمنية، و فلان يتمنى الأحاديث أي يفتعلها و هو مقلوب من المين و هو الكذب، و قال: منه السير أضعفه و أعياه، و يقال: مكان دحض و دحض بالتحريك أي زلق، و في القاموس رجل جائر بائر أي لم يتجه لشي‏ء، و لا يأتمر رشدا و لا يطيع مرشدا" انتهى".

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 388

" فلم يزدادوا منه"

 (1) أي من الإمام الحق‏

" إلا بعدا"

 (2) و في بعض النسخ بعد ذلك:

و قال الصفواني في حديثه:

" قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ"

 (3) ثم اجتمعا في الرواية.

أقول: رواة نسخ الكليني كثيرة أشهرهم الصفواني و النعماني فبعض الرواة المتأخرة منهم عارضوا النسخ و أشاروا إلى الاختلاف، فالأصل برواية النعماني و لم يكن فيه:" قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ" و كان في رواية الصفواني فأشار هنا إلى الاختلاف" قاتَلَهُمُ اللَّهُ" دعاء عليهم بالهلاك و البعد عن رحمة الله، لأن من قاتله الله فهو هالك بعيد عن رحمة الله أو تعجب عن شناعة عقائدهم و أعمالهم" أَنَّى يُؤْفَكُونَ" قال الراغب: أي يصرفون عن الحق في الاعتقاد إلى الباطل، و من الصدق في المقال إلى الكذب، و من الحسن في الفعل إلى القبيح، و الإفك الكذب، و كل مصروف عن وجهه.

" وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ"

 (4) في طلب الإمام باختيارهم‏

" فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ"

 (5) و هو الإمام و معرفته‏

" وَ كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ"

 (6) أي عالمين بذلك السبيل، أو قادرين على العلم فقصروا.

" وَ يَخْتارُ"

 (7) أي ما يشاء

" ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ"

 (8) كلمة" ما" نافية، و قيل: موصولة، مفعول ليختار، و العائد محذوف، و المعنى يختار الذين كان لهم فيه الخيرة و الخيرة بمعنى التخيير

" سُبْحانَ اللَّهِ"

 (9) تنزيها له أن ينازعه أحد في الخلق و يزاحم اختياره‏

" وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ"

 (10) أي عن إشراكهم في الخلق و الاختيار.

قال السيد في الطرائف: روى محمد بن مؤمن الشيرازي في تفسير

قوله تعالى:" وَ

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 389

رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ"

 (1) قال: إن الله تعالى خلق آدم من طين حيث شاء، ثم قال:

" وَ يَخْتارُ"

 (2) إن الله تعالى اختارني و أهل بيتي على جميع الخلق فانتجبنا، و جعلني الرسول و جعل علي بن أبي طالب عليه السلام الوصي، ثم قال:

" ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ"

 (3) يعني ما جعلت للعباد أن يختاروا و لكني اختار من أشاء، فأنا و أهل بيتي صفوة الله و خيرته من خلقه، ثم قال:

" سُبْحانَ اللَّهِ (وَ تَعالى‏) عَمَّا يُشْرِكُونَ"

 (4) يعني تنزيه الله عما يشرك به كفار مكة، ثم قال:" وَ رَبُّكَ" يا محمد" يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ" من بغض المنافقين لك و لأهل بيتك" وَ ما يُعْلِنُونَ" من الحب لك و لأهل بيتك.

و أقول: ليس قوله:" من أمرهم"

 (5) في القرآن و لا في العيون و معاني الأخبار و غيرهما من كتب الحديث، و لعله زيد من النساخ، و على تقديره يمكن أن يكون في قراءتهم عليهم السلام كذلك، أو زاده عليه السلام تفسيرا.

" أَمْ لَكُمْ كِتابٌ"

 (6) أي من السماء

" فِيهِ تَدْرُسُونَ"

 (7) أي تقرءون‏

" إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ"

 (8) أي إن لكم ما تختارونه و تشتهونه، قيل: أصله أن لكم بالفتح لأنه المدروس، فلما جئت باللام كسرت، و يجوز أن يكون حكاية للمدروس أو استينافا، و تخير الشي‏ء و اختياره: أخذ خيره.

" أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا"

 (9) أي عهود مؤكدة بالإيمان‏

" بالِغَةٌ"

 (10) متناهية في التأكيد

" إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ"

 (11) متعلق بالمقدر في لكم أي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها حتى نحكمكم في ذلك اليوم، أو مبالغة أي أيمان علينا تبلغ ذلك اليوم‏

" إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ"

 (12) جواب القسم لأن معنى" أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا" أم أقسمنا لكم.

" سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ"

 (13) أي بذلك الحكم قائم يدعيه و يصححه‏

م" أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ"

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 390

 (1) يشاركونهم في هذا القول‏

" فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ"

 (2) في دعواهم إذ لا أقل من التقليد، قال البيضاوي: قد نبه سبحانه في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يتشبثوا به من عقل أو نقل أو وعد أو محض تقليد على الترتيب تنبيها على مراتب النظر و تزييفا لما لا سند له‏

" أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها"

 (3) المانعة من دخول الحق فيها.

قيل: تنكير القلوب لأن المراد قلوب بعض منهم، و إضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبة لها مختصة بها، لا تجانس الأقفال المعهودة.

" أم طَبَعَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ"

 (4) هذا من كلامه عليه السلام اقتبسه من الآيات و ليس في القرآن بهذا اللفظ، و

" أم"

 (5) منقطعة في مقابلة قوله:" و القرآن يناديهم" أي ختم الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ما في متابعة القرآن و موافقة الرسول من السعادة، و ما في مخالفتهما و القول بالرأي من الشقاوة.

" أم قالُوا سَمِعْنا وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ"

 (6) هذا أيضا اقتباس، و في القرآن" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ" أي سماع انقياد و إذعان فكأنهم لا يسمعون أصلا و بعد ذلك في القرآن:

" إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ"

 (7) أي شر البهائم عِنْدَ اللَّهِ‏

" الصُّمُّ"

 (8) عن الحق‏

" الْبُكْمُ"

 (9) عنه‏

" الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ"

 (10) الحق فقد عد من لم يعمل بالآيات و لم يتفكر فيها شر البهائم، لإبطالهم عقولهم التي بها يتميزون عنها، و من جملة تلك الآيات ما دل على المنع من القول في الدين بالرأي و الاختيار و بعد تلك الآيات‏

قوله:" وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً"

 (11) قال البيضاوي: سعادة كتبت لهم أو انتفاعا بالآيات‏

" لَأَسْمَعَهُمْ"

 (12) سماع تفهيم‏

" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ"

 (13) و قد علم أن لا خير فيهم‏

" لَتَوَلَّوْا"

 (14) و لم ينتفعوا به أو ارتدوا بعد التصديق و القبول‏

" وَ هُمْ‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 391

مُعْرِضُونَ"

 (1) لعنادهم انتهى.

و يمكن أن يكون غرضه عليه السلام تأويل الآيات بالإمامة بأن يكون المراد بقوله:

" أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ" في إمامة علي عليه السلام ثم قال:" لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ" إمامة علي عليه السلام و بطلان أئمة الضلال بأصرح مما في القرآن" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ" كذلك و هم على هذه الشقاوة" لَتَوَلَّوْا" صريحا و ارتدوا عن الدين ظاهرا، و لم تكن المصلحة في ذلك، فلذا لم يسمعهم كذلك، و بالجملة لا بد أن يكون المراد بالإسماع إسماعا زائدا على ما لا بد منه في إتمام الحجة إما بزيادة التصريح، أو بالألطاف الخاصة التي لا يستحقها المعاندون.

و أورد ههنا إشكال مشهور و هو أن أمير المؤمنين المذكورتين في الآية بصورة قياس اقتراني ينتج: لو علم الله فيهم خيرا لتولوا و هذا محال، لأنه على تقدير أن يعلم الله فيهم خيرا لا يحصل منهم التولي بل الانقياد، و قد ظهر من كلام البيضاوي لذلك جواب. و الجواب الحق أنه ليس المقصود في الآية ترتب قياس اقتراني حتى يلزم أن يكون منتجا مشتملا على شرائط الإنتاج، و ليس مشتملا عليها لعدم كلية الكبرى، إذ قوله تعالى:" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا" ليس المراد أنه على أي تقدير أسمعهم لتولوا، بل على هذا التقدير الذي لا يعلم الله فيهم الخير لو أسمعهم لتولوا و لذا لم يسمعهم إسماعا موجبا لانقيادهم، و الجملة الثانية مؤكدة للأولى، أي عدم إسماعهم في تلك الحالة، لأنه لو أسمعهم لتولوا، و يحتمل أن يكون في قوة استثناء نقيض التالي فيكون قياسا استثنائيا.

و ينسب إلى المحقق الطوسي رحمه الله أنه أجاب عن هذا الإشكال بأن المقدمتين مهملتان و كبرى الشكل الأول يجب أن تكون كلية، و لو سلم فإنما ينتجان لو كانت الكبرى لزومية و هو ممنوع، و لو سلم فاستحالة النتيجة ممنوعة، لأن علم الله تعالى فيهم خيرا محال، إذ لا خير فيهم، و المحال جاز أن يستلزم المحال.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 392

و قال بعض الأفاضل هذا الجواب و أصل السؤال كلاهما باطل لأن لفظ" لو" لم يستعمل في فصيح الكلام في القياس الاقتراني، و إنما يستعمل في القياس الاستثنائي، المستثنى منه نقيض التالي لأنه معتبر في مفهوم" لو" فلو صرح به كان تكرارا، و كيف يصح أن يعتقد في كلام الحكيم تعالى و تقدس أنه قياس أهملت فيه شرائط الإنتاج، فأي فائدة تكون في ذلك، و هل يركب القياس إلا لحصول النتيجة؟ بل الحق أن قوله تعالى:" وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ" وارد على قاعدة اللغة، و هي أن امتناع الشرط يعني أن سبب عدم الإسماع في الخارج عدم العلم بالخير فيهم من غير ملاحظة أن علة العلم بانتفاء الجزاء ما هي، ثم ابتدأ قوله:" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا" كلاما آخر على طريقة قوله عليه السلام:" نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" يعني أن التولي لازم على تقدير الإسماع، فكيف على تقدير عدمه، فهو دائم الوجود، و هذه الطريقة غير طريقة أرباب الميزان الذين يستعملون لفظ" لو" في القياس الاستثنائي، و غير طريقة أهل اللغة الذين يستعملونه لامتناع الجزاء لأجل امتناع الشرط، و بناء هذه الطريقة على أن لفظ" لو" يستعمل للدلالة على أن الجزاء لازم الوجود في جميع الأزمنة مع وجود الشرط و عدمه، و ذلك إذا كان الشرط مما يستبعد استلزامه لذلك الجزاء، و يكون نقيض ذلك الشرط أنسب و أليق باستلزامه ذلك الجزاء، فيلزم استمرار وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط و عدمه فيكون دائم الوجود في قصد المتكلم.

و قال التفتازاني: يجوز أن تكون الشرطية الثانية أيضا مستعملة على قاعدة

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 393

اللغة كما هو مقتضى أصل" لو" فتفيد أن التولي منتف بسبب انتفاء الإسماع، لأن التولي هو الإعراض عن الشي‏ء و عدم الانقياد له، فعلى تقدير عدم إسماعهم ذلك الشي‏ء لم يتحقق منهم التولي و الإعراض عنه، و لم يلزم من هذا تحقق الانقياد له.

فإن قيل: انتفاء التولي خير و قد ذكر أن لا خير فيهم؟

قلنا: لا نسلم أن انتفاء التولي بسبب انتفاء الإسماع خير، و إنما يكون خيرا لو كانوا من أهله بأن سمعوا شيئا ثم انقادوا له و لم يعرضوا، انتهى.

أقول: و يحتمل على ما أشرنا إليه من حمل قوله:" لَأَسْمَعَهُمْ" على الهدايات و الألطاف الخاصة، أن يحمل قوله سبحانه" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ" على غير ذلك من أصل الاستماع الذي هو شرط التكليف، فلا يتكرر الوسط فلا يلزم الإنتاج.

و هذا قريب من أحد الوجوه التي ذكرها ابن هشام في المغني، حيث أجاب عن ذلك بثلاثة وجوه:" الأول": أن التقدير لأسمعهم إسماعا نافعا، و لو أسمعهم إسماعا غير نافع لتولوا فاختلف الوسط" و الثاني": ما ذكره البيضاوي" و الثالث": لو علم الله فيهم خيرا وقتا ما لتولوا بعد ذلك، و أشار البيضاوي إليه أيضا، و في الأخيرين ما ترى، و سيأتي في باب: أنه لا يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: إن من علم ما أوتينا تفسير القرآن و أحكامه، و علم تغيير الزمان و حدثانه، إذا أراد الله بقوم خيرا أسمعهم، و لو أسمع من لم يسمع لولي معرضا كان لم يسمع" الخبر" و فيه تأييد لما ذكرنا أولا فتفطن.

" أم قالُوا سَمِعْنا وَ عَصَيْنا"

 (1) أم منقطعة على نحو ما سبق، مقتبسا مما ذكره الله في قصة بني إسرائيل أي بل قالوا سمعنا كلام الله و رسوله في تعيين الإمام و عصيناهما.

" بل هو فضل الله"

 (2) أي الإماتة أو السماع و معرفة الإمام.

" عالم لا يجهل"

 (3) أي شيئا من الأشياء التي تحتاج الأمة إليها

" و راع"

 (4) أي حافظ

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 394

للأمة، و في بعض النسخ بالدال‏

" لا ينكل"

 (1) من باب ضرب و نصر و علم أي لا يضعف و لا يجبن" معدن" بفتح الدال و كسرها

" القدس"

 (2) بالضم و بضمتين و هو البراءة من العيوب‏

" و الطهارة"

 (3) و هي البراءة من الذنوب.

" و النسك"

 (4) أي العبادة و الطاعة أو أعمال الحج، قال في النهاية: النسيكة:

الذبيحة و جمعها نسك، و النسك أيضا الطاعة و العبادة، و كل ما يتقرب به إلى الله تعالى، و النسك ما أمرت به الشريعة و الورع ما نهت عنه، و الناسك: العابد، و سئل تغلب عن الناسك؟ فقال: هو مأخوذ من النسيكة و هي سبيكة الفضة المصفاة، كأنه صفى نفسه لله تعالى، و في القاموس: النسك مثلثة، و بضمتين: العبادة، و كل حق لله عز و جل، و نسك الثوب أو غيره غسله بالماء فطهره.

" و الزهادة"

 (5) عدم الرغبة في الدنيا

" مخصوص بدعوة الرسول"

 (6) أي بدعوة الخلق نيابة عنه صلى الله عليه و آله كما قال تعالى:" أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي" و قال النبي صلى الله عليه و آله: لا يبلغه إلا أنا أو رجل مني، أو بدعاء الرسول إياه قبل سائر الخلق أو للإمامة أو بدعاء الرسول له كقوله صلى الله عليه و آله: اللهم وال من والاه، و قوله: اللهم أذهب عنهم الرجس، و قوله: اللهم ارزقهم فهمي و علمي و غيرهما.

و قال البغوي: البتل: القطع،

 (7) و منه سميت فاطمة البتول لانقطاعها عن النساء فضلا و دينا و حسبا و

" لا مغمز فيه في نسب"

 (8) المغمز مصدر أو اسم مكان من الغمز بمعنى الطعن، و هذا من شرائط الإمام عند الإمامية.

" في البيت من قريش"

 (9) أي في أشرف بيت من بيوت قريش، أو في بيت عظيم هو قريش، بأن تكون كلمة" من" بيانية و على التقديرين يدل على أن الإمام لا بد أن يكون قرشيا.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 395

و في أخبار العامة أيضا دلالة عليه، فقد روى مسلم في صحيحه عشرة أحاديث تدل على ذلك، منها ما روي عن النبي صلى الله عليه و آله قال: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان.

و منها ما روي عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه و آله فسمعته يقول: إن هذه الأمة لا تنقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، ثم تكلم بكلام خفي علي، قال: قلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش.

و عن ابن سمرة أيضا بإسناد آخر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: لا- يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة و يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش.

قال الآمدي: الشروط المختلفة فيها في الإمامة ستة منها القرشية و هو المشهور عندنا بل مجمع عليه.

" و الذروة من هاشم"

 (1) يحتمل الوجهين السابقين، و ذروة كل شي‏ء بالضم و الكسر:

أعلاه، قيل: المراد أن يكون من فاطمة المخزومية أم عبد الله و أبي طالب و الزبير، قال حسان في ذم ابن عباس.

         و إن سنام المجد من آل هاشم             بنو بنت مخزوم و والدك العبد

 و قال الجوهري: عترة الرجل أخص أقاربه،

و عترة النبي‏

 (2) بنو عبد المطلب، و قيل: أهل بيته الأقربون، و هم أولاده و على و أولاده و قيل: عترته الأقربون و الأبعدون عنهم، انتهى.

" و الرضا من الله"

 (3) أي المرضي من عنده‏

" شرف الأشراف"

 (4) أي أشرف من كل شريف نسبا و حسبا، و فرع كل شي‏ء: أعلاه‏

" نامي العلم"

 (5) أي علمه دائما في الزيادة لأنه محدث‏

" كامل الحلم"

 (6) أي العقل و الأناءة و التثبت في الأمور لا يستخفه شي‏ء من المكاره و لا يستفزه الغضب‏

" مضطلع بالإمامة"

 (7) أي قوي عليها من الضلاعة و هي‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 396

القوة يقال: اضطلع بحمله أي قوي عليه و نهض به‏

" عالم بالسياسة"

 (1) أي بما يصلح الأمة من قولهم سست الرعية أي أدبتهم و أصلحتهم‏

" قائم بأمر الله"

 (2) لا بتعيين الأمة أو بإجراء أمر الله تعالى على خلقه‏

" و حكمه"

 (3) معطوف على المضاف أو المضاف إليه، تأكيدا أو تخصيصا بعد التعميم، أو المراد بالحكم الشرائع و بالعلم غيرها.

" في قوله تعالى"

 (4) متعلق بمقدر أي ذلك مذكور في قوله تعالى، و يحتمل أن تكون كلمة" في" تعليلية

" أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ"

 (5) الآية صريحة في أن المتبوع يجب أن يكون أعلم من التابع، و أنه لا بد أن يكون الإمام غير محتاج إلى الرعية في علمه، و لا ريب أن غير أمير المؤمنين عليه السلام من الصحابة لم يكونوا كذلك‏

و" أَمَّنْ لا يَهِدِّي"

 (6) بتشديد الدال و قرأ بفتح الهاء و كسرها، و الأصل يهتدي فأدغمت و فتحت الهاء أو كسرت لالتقاء الساكنين‏

" وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ"

 (7) يدل على فضل العلم و الحكمة، و تفضيل المفضول قبيح عقلا، و قد فسرت الحكمة في الأخب

 

 

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 396

القوة يقال: اضطلع بحمله أي قوي عليه و نهض به‏

" عالم بالسياسة"

 (1) أي بما يصلح الأمة من قولهم سست الرعية أي أدبتهم و أصلحتهم‏

" قائم بأمر الله"

 (2) لا بتعيين الأمة أو بإجراء أمر الله تعالى على خلقه‏

" و حكمه"

 (3) معطوف على المضاف أو المضاف إليه، تأكيدا أو تخصيصا بعد التعميم، أو المراد بالحكم الشرائع و بالعلم غيرها.

" في قوله تعالى"

 (4) متعلق بمقدر أي ذلك مذكور في قوله تعالى، و يحتمل أن تكون كلمة" في" تعليلية

" أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ"

 (5) الآية صريحة في أن المتبوع يجب أن يكون أعلم من التابع، و أنه لا بد أن يكون الإمام غير محتاج إلى الرعية في علمه، و لا ريب أن غير أمير المؤمنين عليه السلام من الصحابة لم يكونوا كذلك‏

و" أَمَّنْ لا يَهِدِّي"

 (6) بتشديد الدال و قرأ بفتح الهاء و كسرها، و الأصل يهتدي فأدغمت و فتحت الهاء أو كسرت لالتقاء الساكنين‏

" وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ"

 (7) يدل على فضل العلم و الحكمة، و تفضيل المفضول قبيح عقلا، و قد فسرت الحكمة في الأخبار بمعرفة الإمام‏

" و قوله تعالى في طالوت"

 (8) هو اسم أعجمي عبري و قيل: أصله طولوت من الطول، و المشهور أنه لما سأل الله إشموئيل عليه السلام لقومه أن يبعث لهم ملكا أتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم، فلم يساوها إلا طالوت فقال: هو الملك عليكم، فقال قومه:" أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا" و يستأهل الإمارة" وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ" لشرافة النسب و كثرة الأموال، لأنه كان من أولاد بنيامين و لم يكن فيهم النبوة و الملك، و كانوا من أولاد لاوي بن يعقوب و كانت النبوة فيهم، و من أولاد يهودا و كان الملك فيهم" وَ لَمْ‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 397

يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ" الذي عليه مدار الملك و السلطنة، إذ كان فقيرا راعيا أو سقاء يسقي على حمار له من النيل، أو دباغا يعمل الأديم على اختلاف الأقوال فيه‏

" فقال لهم نبيهم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ"

 (1) فدلت الآية على أن الاصطفاء و إيتاء الملك الحق إنما يكون من الله و بتعيينه، و أن مناط الاصطفاء شيئان: العلم و الجسم، و معلوم أن الجسم غير مقصود في نفسه بل لكونه ملزوما للشجاعة و المهابة عند العدو، فدلت على أن الإمام لا بد أن يكون أعلم و أشجع من جميع الأمة، و لا ريب في أن كلا من أئمتنا عليهم السلام كانوا أعلم و أشجع ممن كان في زمانهم من المدعين للخلافة.

قال البيضاوي: لما استبعدوا تملكه لفقره و سقوط نسبه رد عليهم ذلك" أولا" بأن العمدة فيه اصطفاء الله و قد اختاره عليكم و هو أعلم بالمصالح منكم" و ثانيا" بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية و جسامة البدن ليكون أعظم خطرا في القلوب و أقوى على مقاومة العدو و مكائدة الحروب و قد زاده فيهما" و ثالثا" بأنه تعالى مالك الملك على الإطلاق فله أن يؤتيه من يشاء" و رابعا" بأنه واسع الفضل يوسع على الفقير و يغنيه، عليم بمن يليق بالملك، انتهى.

و أقول: إذا تأملت في كلامه ظهر لك وجوه من الحجة عليه كما أومأنا إليه" أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ" في سورة النساء هكذا:" وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ" فالتغيير إما من النساخ أو منه عليه السلام نقلا بالمعنى، أو لكونه في قراءتهم عليهم السلام هكذا، و لعل الغرض من إيراد هذه الآية أن الله تعالى امتن على نبيه صلى الله عليه و آله بإنزال الكتاب و الحكمة و إيتاء نهاية العلم وعد ذلك فضلا عظيما، و أثبت ذلك الفضل لجماعة من تلك الأمة بأنهم المحسودون على ما آتاهم الله من فضله، ثم بين أنهم من آل إبراهيم عليه السلام.

و الفضل: العلم و الحكمة و الخلافة، مع أنه يظهر من الآيتين، أن الفضل‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 398

و الشرف بالعلم و الحكمة، و لا ريب في أنهم عليهم السلام كانوا أعلم ممن ادعى الخلافة في زمانهم.

" أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ"

 (1) أم منقطعة، و على تأويله عليه السلام: الناس: الأئمة عليهم السلام‏

" فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً"

 (2) هو الإمامة و وجوب الطاعة، فكيف لا تؤتى آل محمد؟ أو هم داخلون في آل إبراهيم و أشرفهم‏

" فَمِنْهُمْ"

 (3) أي من الأمة

" مَنْ آمَنَ بِهِ"

 (4) أي بالملك أو بالإيتاء

و" الصدود"

 (5) الإعراض و المنع‏

" وَ كَفى‏ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً"

 (6) أي نارا مسعرة يعذبون بها إن لم يعذبوا في الدنيا.

" شرح صدره"

 (7) أي وسعه و فتحه لذلك أي لأمور عباده‏

" فلم يعي"

 (8) بفتح اليائين و سكون المهملة، أي لم يعجزه‏

" بعده"

 (9) أي بعد الاختيار أو بعد الإلهام أو بعد كل واحد من الشرح و الإيداع و الإلهام‏

" و لا يحير"

 (10) مضارع حار من الحيرة، و في بعض النسخ: و لا تحير، مصدر باب التفعل‏

" فيه"

 (11) أي في الجواب‏

" مؤيد"

 (12) من الأيد بمعنى القوة أي بالملائكة أو الأعم‏

" مسدد"

 (13) بروح القدس كما سيأتي.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 399

" و بيت الله"

 (1) يدل على جواز الحلف بحرمات الله، فما ورد من المنع عن الحلف بغير الله إما مخصوص بغير هذه أو بالدعاوي‏

" كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ"

 (2) الحق و الكتاب أو ليسوا من ذوي العلم بل هم من البهائم‏

" بِغَيْرِ هُدىً"

 (3) قال البيضاوي: في موضع الحال للتوكيد أو التقييد، فإن هوي النفس قد يوافق الحق، انتهى.

" إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي"

 (4) بالهدايات الخاصة أو إلى الجنة في الآخرة

" الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"

 (5) الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى‏

" فَتَعْساً لَهُمْ"

 (6) أي ألزمهم الله هلاكا أو أتعسهم تعسا، و التعس بالفتح و بالتحريك: الهلاك، و العثار: السقوط، و الشر و البعد و الانحطاط

" وَ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ"

 (7) أي أبطلها فلم يجدوا لها أثرا عند ما يجد العاملون أثر أعمالهم.

" كَبُرَ مَقْتاً"

 (8) قبل ذلك في سورة المؤمن:" كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً" و قال البيضاوي: فيه ضمير" من" و إفراده للفظ، و يجوز أن يكون الذين مبتدأ و خبره كبر على حذف مضاف، أي و جدال الذين يجادلون كبر مقتا، أو بغير سلطان و فاعل كبر كذلك أي كبر مقتا مثل ذلك الجدال، فيكون‏

قوله:" يَطْبَعُ اللَّهُ" إلخ‏

 (9) استينافا للدلالة على الموجب لخذلانهم.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 400

 (الحديث الثاني)

 (1): صحيح.

" من أهل بيت نبينا"

 (2) حال عن الأئمة أو بيان لها، و تعدية الإيضاح و ما بعده بعن لتضمين معنى الكشف و نحوه، و الإيلاج: الإيضاح، و إضافة السبيل إلى المنهاج إما بيانية أو المراد بالسبيل العلوم، و بالمنهاج العبادات التي توجب وصول قربه تعالى، و المنهاج: الطريق الواضح، و ميح بتشديد الياء، و المائح الذي ينزل البئر فيملأ الدلو و هو أنسب، و التشديد للمبالغة، و في بعض النسخ منح بالنون من المنحة العطية.

" واجب حق إمامه"

 (3) الإضافة من قبيل: جرد قطيفة، و المعنى ما يجب عليه من معرفة الإمام و حقه بحسب قابليته، إذ معرفة كنه ذلك ليس في وسع أكثر الخلق،

و في القاموس: الطلاوة

 (4) مثلثة: الحسن و البهجة و القبول‏

" على أهل موادة"

 (5) المادة الزيادة المتصلة، أي الذين يصل إليهم رزقه تعالى و تربيته أو هداياته و توفيقاته الخاصة، و الضمير لله و كذا في‏

" عالمه"

 (6) بفتح اللام، و هو معطوف على المواد، أو على الأهل عطف تفسير أو عطف الأعم على الأخص، قال في النهاية: و منه حديث عمر:

أصل العرب و مادة الإسلام أي الذين يعينونهم و يكثرون جيوشهم و يتقوى بزكاة أموالهم، و كل ما أعنت به قوما في حرب أو غيره فهو مادة لهم.

" يمد بسبب"

 (7) السبب: الحبل و ما يتوصل به إلى الشي‏ء، أي يجعل الله بينه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 401

و بين سماء المعرفة و القرب و الكمال سببا يرتفع به إليها من روح القدس، و الإلهامات و التوفيقات قال الله تعالى:" مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ (فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ) فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ" قيل: أي فليمدد حبلا إلى سماء الدنيا ثم ليقطع به المسافة حتى يبلغ عنانه‏

" لا ينقطع عنه موادة"

 (1) أي الزيادات المقررة له من الهدايات و الإلهامات، و الضمير راجع إلى الإمام أو إلى الله أو إلى السبب على بعد في الأخير

" من ملتبسات الدجى"

 (2) التباس الأمور: اختلاطها على وجه يعسر الفرق بينها، و الدجى جمع الدجية و هي الظلمة الشديدة، أي عالم بالأمور المشتبهة في ظلم الجهالة و الفتن‏

" و معميات"

 (3) بتشديد الميم المفتوحة يقال: عميت الشي‏ء أي أخفيته، و منه المعمى‏

" و مشبهات الفتن"

 (4) أي الفتن المشبهة بالحق أو الأمور المشبهة بالحق بسبب الفتن.

و القيم‏

 (5) على الشي‏ء: المتولي عليه، و المتولي لأموره و مصالحه، و منه: قيم الخان، و منه أنت قيم السماوات و الأرض و من فيهن، أي الذي يقوم بحفظها و مراعاتها يؤتي كل شي‏ء ما به قوامه‏

" و به يعدلون"

 (6) أي بالحق، و الرعاة جمع الراعي و هو الحافظ و الحامي‏

" يدين"

 (7) أي يعبد

" بهديهم"

 (8) بضم الهاء و فتح الدال أو بفتح الهاء و سكون الدال و هو السيرة الحسنة

" و تستهل"

 (9) أي تتنور و تستضي‏ء

" بنورهم البلاد"

 (10) أي أهلها

" و تنمو ببركتهم التلاد"

 (11) التألد و التليد و التلاد: كل مال قديم و خلافه الطارف و الطريف، و التخصيص به لأنه أبعد من النمو، أو لأن الاعتناء به‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 402

أكثر، و يحتمل أن يكون كناية عن تجديد الآثار القديمة المندرسة، و في القاموس:

التألد كصاحب و التلد بالفتح و الضم و التحريك و التلاد و التليد و الاتلاد و المتلد:

ما ولد عندك من مالك أو نتج.

" جرت بذلك"

 (1) الباء للسببية، و ذلك إشارة إلى مصدر جعلهم أو إلى جميع ما تقدم فيهم‏

" مقادير الله"

 (2) أي تقدير الله‏

" على محتومها"

 (3) حال عن المقادير أي كائنة على محتومها، أو متعلق بجرت أي جرت بسبب تلك الأمور المذكورة الحاصلة فيهم تقديرات الله على محتومها، أي قدرها الله تقديرا حتما لا بداء فيها و لا تغيير

" و الهادي المنتجي"

 (4) أي المخصوص بالمناجاة، و إيداع الأسرار، قال الجوهري: انتجى القوم و تناجوا أي تساروا و انتجيته أيضا إذا اختصصته بمناجاتك‏

" و القائم"

 (5) أي بأمر الإمامة

" المرتجي"

 (6) أي للخير و الشفاعة في الدنيا و الآخرة

" و اصطنعه على عينه"

 (7) أي خلقه و رباه و أحسن إليه، متعينا بشأنه، عالما بكونه أهلا لذلك قال الله تعالى:" وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَيْنِي" قال البيضاوي: أي و لتربي و يحسن إليك و أنا راعيك و راقبك، و قال غيره: على عيني أي بمرأى مني، كناية عن غاية الإكرام و الإحسان، و قال تعالى:

" وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي" قال البيضاوي: أي و اصطفيتك لمحبتي مثله فيما خوله من الكرامة بمن قربه الملك و استخلصه لنفسه.

" في الذر حين ذرأه"

 (8) الذر بالفتح صغار النمل، الواحدة ذرة، أستعير هنا لما يشبهها من الأجسام الصغار التي تعلقت بها الأرواح في الميثاق كما سيأتي، و ذرأه بالهمز كمنعه إذا خلقه، و ربما يقرأ بالألف المنقلبة عن الواو، أي فرقه و ميزه حين أخرجه من صلب آدم‏

" و البرية"

 (9) بتشديد الياء: المخلوقون من برأه كمنعه إذا خلقه، و هو

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 403

في الأصل مهموز و قد تركت العرب همزها، و ربما يجعل من البري كالرمي و هو نحت السهم و نحوه، فأصلها غير مهموز.

و قوله:" ظلا"

 (1) حال أو مفعول ثان لبراءة، بتضمين معنى الجعل، و المراد بالظل الروح قبل تعلقه بالبدن‏

" قبل خلقه نسمة"

 (2) أي قبل تعلقه بالجسد، و من يقول بتجرد الروح يأول كونه عن يمين العرش إما بتعلقه بالجسد المثالي، أو العرش بالعلم، أو العظمة و الجلال، و اليمين بأشرف جهاته‏

" محبوا بالحكمة"

 (3) على صيغة المفعول، أي منعما عليه، و هو حال مقدرة لظلا بقرينة

قوله:" في علم الغيب"

 (4) أي كان يعلم أنه يحبوه العلم و الحكمة، أو المراد أعطاه الحكمة [لعلمه‏] بأنه أهل لها.

ثم اعلم أن ظاهر اللفظ أن الذر في عالم الأرواح و البرء في عالم الأجساد، فقوله: ظلا، متعلق بالأول و فيه بعد، و يحتمل أن يكون كلاهما في عالم الأرواح، و يكون المراد بالذر تفريقهم في الميثاق و بالبر أخلق الأرواح، و الحبوة العطية.

" اختاره بعلمه"

 (5) أي بأن أعطاه علمه أو بسبب علمه بأنه يستحقه‏

" و انتجبه لطهره"

 (6) أي لعصمته أو لأن يجعله مطهرا، و على أحد الاحتمالين الضميران لله، و على الآخر للإمام‏

" بقية من آدم"

 (7) أي انتهى إليه خلافة الله التي جعلها لآدم حيث قال:

" إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً".

و الخيرة

 (8) بكسر الخاء و سكون الياء و فتحها: المختار

" و مصطفى من آل إبراهيم"

 (9) إشارة إلى قوله تعالى:" إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ" الآية،

و السلالة

 (10)- بالضم-: الذرية و صفوة الشي‏ء مثلثة ما صفا منه‏

" لم يزل مرعيا بعين الله"

 (11) أي‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 404

بحفظه و حراسته أو بعين عنايته،

و الكلاءة:

 (1) الحراسة،

و الطرد:

 (2) الدفع،

و الحبائل‏

 (3) جمع الحبالة بالكسر: المصائد،

و الوقوب:

 (4) الدخول،

و الغسق:

 (5) أول ظلمة الليل، و الغاسق: ليل عظم ظلامه، و لعله إشارة إلى قوله تعالى:" وَ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ" و فسر بأن المراد به ليل دخل ظلامه في كل شي‏ء، و تخصيصه لأن المضار فيه يكثر و يعسر الدفع، فالمعنى أنه يدفع عنه الشرور التي يكثر حدوثها بالليل غالبا، أو المراد دفع شرور الجن و الهوام المؤذية، فإنها تقع بالليل غالبا كما تدل عليه الأخبار، أو المراد عدم دخول مظلمات الشكوك و الشبه و الجهالات عليه.

" و نفوث كل فاسق"

 (6) أي لا يؤثر فيه سحر الساحرين من قوله تعالى:" وَ مِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ" أو يكون كناية عن دفع وساوس شياطين الإنس و الجن و الأول أظهر، و ما ورد من تأثير السحر في النبي و الحسنين صلوات الله عليهم فمحمول على التقية، و ردها أكثر علمائنا، و يمكن حمله على أنه لا يؤثر فيهم تأثيرا لا يمكنهم دفعه، فلا ينافي تلك الأخبار لو صحت‏

" مصروفا عنه قوارف السوء"

 (7) من اقتراف الذنب بمعنى اكتسابه، أو المراد الاتهام بالسوء، من قولهم: قرف فلانا عابه أو اتهمه، و أقرفه وقع فيه و ذكره بسوء، و أقرف به عرضه للتهمة.

و المراد بالعاهات و الآفات:

 (8) الأمراض التي توجب نفرة الخلق و تشويه الخلقة، كالعمى و العرج و الجذام و البرص و أشباهها، و يحتمل أن يراد بالثاني الآفات النفسانية و أمراضها

" في يفاعه"

 (9) أي في صغره و بدو شبابه، يقال: يفع الغلام: إذا راهق، و في بعض النسخ: بالباء الموحدة و القاف أي في بلاده التي نشأ فيها، أو في جميع‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 405

البلاد، فإنها كلها له و الأول أظهر للمقابلة

بقوله" عند انتهائه"

 (1) أي كماله في السن أو عند إمامته‏

" مسندا إليه أمر والده"

 (2) أي يكون وصيه.

" إلى أن انتهت"

 (3) في غيبة النعماني ليس" إلى أن" فيكون" انتهت" جزاء الشرط و هو أصوب، و على هذه النسخة" فمضى" جزاء الشرط،" و إلى" متعلق بمقدر، أي تسببت الأسباب إلى أن انقضت، أو يضمن الانقضاء معنى الانتهاء

" إلى مشيته"

 (4) الضمير راجع إلى الله و الضمير في قوله:

" به"

 (5) راجع إلى الولد، و يحتمل الوالد أي انتهت مقادير الله بسبب الولد إلى ما شاء و أراد من إمامته‏

" و جاءت الإرادة من عند الله فيه إلى محبته"

 (6) الضمير راجع أيضا إلى الله أي إلى ما أحب من خلافته‏

" و أيده بروحه"

 (7) أي بروح القدس كما سيأتي‏

" و أنبأه فصل بيانه"

 (8) أي البيان الفاصل بين الحق و الباطل، كما قال تعالى:" إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ" و في بعض النسخ بالضاد المعجمة أي زيادة بيانه‏

" و انتدبه"

 (9) أي دعاه و حثه، و في أكثر كتب اللغة أن الندب الطلب، و

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 406

الانتداب الإجابة، و يظهر من الخبر أن الانتداب أيضا يكون بمعنى الطلب كما في مصباح اللغة، حيث قال: انتدبه للأمر فانتدب يستعمل لازما و متعديا.

" و استخبأه"

 (1) بالخاء المعجمة و الباء الموحدة مهموزا أو غير مهموز تخفيفا أي استكتمه، و في بعض النسخ بالحاء المهملة أي طلب منه أن يحبوا الناس الحكمة

" و استرعاه لدينه"

 (2) أي طلب منه رعاية الناس و حفظهم لأمور دينه، أو اللام زائدة

" عند تحيير أهل الجهل"

 (3) أي عند ما يحير أهل الجهل الناس بشبههم، و في بعض النسخ تحير على التفعل و هو أنسب‏

" و تحبير أهل الجدل"

 (4) أي تزيينهم الكلام الباطل عند المناظرة، في القاموس: تحبير الخط و الشعر و غيرهما: تحسينه‏

" بالنور الساطع"

 (5) الباء للسببية أو بدل أو عطف بيان لقوله:" بالعدل" و كذا قوله:" بالحق" بالنسبة إلى قوله: بالنور، أو متعلق بالنافع، و الباء للسببية

" الأبلج"

 (6) الأوضح‏

" من كل مخرج"

 (7)" من" تعليلية.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 407

باب أن الأئمة عليهم السلام ولاة الأمر و هم الناس المحسودون الذين ذكرهم الله عز و جل‏

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): ضعيف.

" وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ"

 (3) قد تقدم القول فيه في باب فرض طاعة الأئمة عليهم السلام، و قال ابن شهرآشوب رحمه الله في المناقب: الأمة على قولين في معنى" أولي الأمر" في هذه الآية:

أحدهما: أنها في أئمتنا عليهم السلام" و الثاني" أنها في أمراء السرايا، و إذا بطل أحد الأمرين ثبت الآخر، و إلا خرج الحق عن الأمة، و الذي يدل على أنها في أئمتنا صلوات الله عليهم أن ظاهرها يقتضي عموم طاعة أولي الأمر من حيث عطف الله تعالى الأمر بطاعتهم على الأمر بطاعته و طاعة رسوله، و من حيث أطلق الأمر بطاعتهم و لم يخص شيئا من شي‏ء لأنه سبحانه لو أراد خاصا لبينه، و في فقد البيان منه تعالى دليل على إرادة الكل، و إذا ثبت ذلك ثبتت إمامتهم، لأنه لا أحد تجب طاعته على ذلك الوجه بعد النبي صلى الله عليه و آله إلا الإمام، و إذا اقتضت وجوب طاعة أولي الأمر على العموم لم يكن بد من عصمتهم، و إلا أدى إلى أن يكون قد أمر بالقبيح، لأن من ليس بمعصوم لا يؤمن منه وقوع القبيح، فإذا وقع كان الاقتداء به قبيحا، و إذا ثبت‏

                                                مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 408

دلالة الآية على العصمة و وجوب الطاعة بطل توجهها إلى أمراء السرايا، لارتفاع عصمتهم، و قال بعضهم هم علماء الأمة و هم مختلفون و في طاعة بعضهم عصيان بعض، و إذا أطاع المؤمن بعضهم عصى الآخر، و الله تعالى لا يأمر بذلك، ثم إن الله تعالى وصف أولي الأمر بصفة تدل على العلم و الإمرة جميعا في قوله:" وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى‏ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ" فرد إليهم الأمن أو الخوف للأمراء، و الاستنباط للعلماء، و لا يجتمعان إلا لأمير عالم، انتهى.

قوله عليه السلام: كان جوابه،

 (1) قيل: سئل عليه السلام عن معنى أولي الأمر فأجاب السائل ببيان آية أخرى ليفهم به ما يريد مع إيضاح و تشييد و لا يخفى ما فيه.

و أقول: سوء الفهم و إشكال الحديث إنما نشأ من أن المصنف (ره) أسقط تتمة الحديث و ذكرها في موضع آخر، و في تفسير العياشي بعد قوله:" إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً"" وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ نُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا" قال:

قلت: قوله: في آل إبراهيم:" وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً" ما الملك العظيم؟ قال: أن جعل منهم أئمة، من أطاعهم أطاع الله، و من عصاهم عصى الله، فهو الملك العظيم قال:

ثم قال" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً" قال: إيانا عنى، أن يؤدى الأول منا إلى الإمام الذي بعده الكتب و العلم و السلاح" وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ" الذي في أيديكم ثم قال للناس:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" فجمع المؤمنين إلى يوم القيامة" أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" إيانا عنى خاصة، فإن خفتم تنازعا في الأمر فارجعوا إلى الله و إلى الرسول و أولي‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 409

الأمر منكم، هكذا نزلت، و كيف يأمرهم بطاعة أولي الأمر و يرخص لهم في منازعتهم، إنما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم:" أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ".

أقول: فظهر أنه عليه السلام شرع في تفسير الآيات المتقدمة على تلك الآية و بين نزولها فيهم عليه السلام ليتضح نزول هذه الآية فيهم أشد إيضاح و أبينه.

" أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ"

 (1) قال البيضاوي: نزلت في يهود كانوا يقولون إن عبادة الأصنام أرضى عند الله مما يدعو إليه محمد، و قيل: في حيي بن أخطب و كعب بن الأشرف و في جمع من اليهود خرجوا إلى مكة يحالفون قريشا على محاربة رسول الله، فقالوا: أنتم أهل كتاب، و أنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا، فلانا من مكركم فاسجدوا آلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا، و الجبت في الأصل اسم صنم فاستعمل في كل ما عبد من دون الله، و قيل: أصله الجبس و هو الذي لا خير فيه، فقلبت سينه تاء.

و الطاغوت يطلق لكل باطل من معبود أو غيره‏

" وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا"

 (2) لأجلهم و فيهم‏

" هؤلاء"

 (3) إشارة إليهم‏

" أَهْدى‏ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا"

 (4) أي أقوم دينا و أرشد طريقا

" فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً"

 (5) يمنع العذاب عنه بشفاعة أو غيرها، انتهى.

أقول: و على تأويله عليه السلام الجبت و الطاغوت: الأول و الثاني،" و الذين كفروا" سائر خلفاء الجور، و لا ينافي ذلك ما مر من نزول الآية، لأن الله تعالى لما ذم المخالفين للرسول و لعنهم فهو جار فيمن خالف أهل بيته، لأنهم القائمون مقامه.

" أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ"

 (6) قال البيضاوي" أم" منقطعة، و معنى الهمزة إنكار

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 410

أن يكون لهم نصيب من الملك، أو جحد لما زعمت اليهود من أن الملك سيصير إليهم‏

" فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً"

 (1) أي لو كان لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون أحدا ما يوازي نقيرا، و هو النقرة في ظهر النواة، و هذا هو الإغراق في بيان شحهم، فإنهم بخلوا بالنقير و هم ملوك فما ظنك بهم إذا كانوا أذلاء متفاقرين.

أقول: و يحتمل أن يكون المراد بالنقطة في كلامه عليه السلام النقرة، و قال الطبرسي رحمه الله: قيل: المراد بالملك هنا النبوة.

" أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ"

 (2) قال الطبرسي: معناه بل أ يحسدون الناس، و اختلف في معنى الناس هنا فقيل: أراد به النبي صلى الله عليه و آله حسدوه على ما أعطاه من النبوة و إباحة تسعة نسوة و ميلة إليهن، و قالوا لو كان نبيا لشغلته النبوة عن ذلك، فبين الله سبحانه أن النبوة ليست ببدع في آل إبراهيم" و ثانيها" أن المراد بالناس النبي و آله عليهم السلام عن أبي جعفر عليه السلام، و المراد بالفضل فيه النبوة، و في آله الإمامة، انتهى.

و أقول: روى ابن حجر في صواعقه قال: أخرج أبو الحسن المغازلي عن الباقر عليه السلام أنه قال في هذه الآية: نحن الناس و الله، و لا يخفى أن تفسيرهم عليهم السلام أنسب بلفظ الناس.

" فكيف يقرون به في آل إبراهيم و ينكرونه في آل محمد"

 (3) و محمد أفضل من إبراهيم، فكيف يستبعدون ذلك، أو آل محمد من آل إبراهيم فلم لا يشملهم؟

" يقول جعلنا منهم الرسل" إما تفسير لإيتاء مجموع الكتاب و الحكمة و الملك‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 411

العظيم، أو على اللف و النشر المرتب، و يؤيد الأخير ما سيأتي.

" فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ"

 (1) أي بالإيتاء أو بالملك العظيم، و ضمير" منهم" للأمة، و يقال صد صدودا أي أعرض، و صد فلانا عن كذا صدا أي منعه و صرفه‏

" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا"

 (2) أي الآيات النازلة في الأئمة أو هم عليهم السلام كما سيأتي‏

" بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها"

 (3) أي في الصفة

" إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً"

 (4) أي قويا غالبا على جميع الأشياء

" حَكِيماً"

 (5) يعاقب و يثيب على وفق حكمته.

 (الحديث الثاني)

 (6): مجهول.

 (الحديث الثالث)

 (7): حسن.

و فسر الكتاب بالنبوة لاستلزامه لها، و لعل المراد بالفهم الإلهام و بالقضاء العلم بالحكم بين الناس، أو الفهم فهم مطلق العلوم، و المعارف إشارة إلى الحكمة النظرية، و القضاء إلى الحكمة العلمية

" قال الطاعة"

 (8) أي فرض طاعته على الخلق.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 412

 (الحديث الرابع)

 (1): ضعيف.

 (الحديث الخامس)

 (2): حسن.

باب أن الأئمة عليهم السلام هم العلامات التي ذكرها الله عز و جل في كتابه‏

 (3)

 (الحديث الأول)

 (4): ضعيف.

" وَ عَلاماتٍ"

 (5) قال الطبرسي (ره) أي و جعل لكم علامات أي معالم يعلم بها الطرق، و قيل: العلامات الجبال يهتدى بها نهارا

" وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ"

 (6) ليلا و المراد بالنجم الجنس، و قيل: إن العلامات هي النجوم أيضا لأن من النجوم ما يهتدى بها، و منها ما يكون علامة لا يهتدى بها، و قيل: أراد بها الاهتداء في القبلة، انتهى.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 413

و على تأويله عليه السلام ضمير" هم" و ضمير" يهتدون" راجعان إلى العلامات و هو أظهر، لأن قبل هذه الآية" وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهاراً وَ سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" فكان الظاهر على التفسير المشهور" و أنتم تهتدون" فعلى تأويله عليه السلام لا يحتاج إلى تكلف الالتفات، و هذه المعاني بطون للآيات لا تنافي كون ظواهرها أيضا مرادة، فإنه كما أن لأهل الأرض جبالا و أنهارا و نجوما و علامات يهتدون بها إلى طرقهم الظاهرة، و بها تصلح أمور معاشهم، فكذا لهم رواسي من الأنبياء و الأوصياء و العلماء بهم تستقر الأرض و تبقى، و منابع للعلوم و المعارف بها يحيون الحياة المعنوية و شمس و قمر و نجوم من الأنبياء و الأئمة عليهم السلام بهم يهتدون إلى مصالحهم الدنيوية و الأخروية، و قد تضمنت الآيات ظهرا و بطنا، الوجهين جميعا.

 (الحديث الثاني)

 (1): ضعيف على المشهور.

 (الحديث الثالث)

 (2): كذلك.

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 414

باب أن الآيات التي ذكرها الله عز و جل في كتابه هم الأئمة عليهم السلام‏

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): ضعيف.

" الآيات"

 (3) جمع الآية و هي العلامة، و هم عليهم السلام علامات لسبيل الهداية و دلائل لعظمة الله سبحانه و قدرته و حكمته، و النذر جمع النذير بمعنى المنذر، و المشهور في تفسير الآيات: الحجج و البينات أو المعجزات، أو ما خلقه الله في الآيات و الأنفس دالا على وجوده و قدرته و علمه و حكمته.

و في الصحاح: ما يغني عنك هذا، أي ما يجدي عنك و ما ينفعك.

 (الحديث الثاني)

 (4): ضعيف.

" يعني الأوصياء"

 (5) أي هم المقصودون في بطن الآية أو هم داخلون فيها.

فإن قيل سابق الآية:" وَ لَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ، كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ" و آل فرعون إنما كذبوا بموسى؟

قلنا: و إن كذبوا بموسى لكن تكذيبهم بموسى يوجب تكذيبهم بأوصيائه‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 415

كهارون و يوشع، بل الأنبياء و الأوصياء المتقدمين عليه، لأن كلهم أخبروا بموسى، أو المعنى أن نظير ذلك التكذيب في هذه الأمة التكذيب بالأوصياء عليهم السلام، مع أنه ورد في تفسير الإمام عليه السلام أن موسى عليه السلام كان يخبر قومه بالنبي و أوصيائه عليهم السلام، و يأمرهم بالإيمان بهم، و قيل: التكذيب بواحد من الأئمة تكذيب بالجميع لاشتراكهم في الحق و الصدق و الدين.

 (الحديث الثالث)

 (1): مجهول.

" عَمَّ يَتَساءَلُونَ"

 (2) قال البيضاوي: أصله" عما" فحذف الألف، و معنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما يتساءلون عنه، كأنه لفخامته خفي جنسه فيسأل عنه، و الضمير لأهل مكة كانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم، أو يسألون الرسول و المؤمنين عنه استهزاء أو للناس‏

" عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ"

 (3) بيان للشأن المفخم أو صلة يتساءلون، و عم متعلق بمضمر مفسر به" كَلَّا سَيَعْلَمُونَ" ردع عن التساؤل" ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ" تكرير للمبالغة، انتهى.

و أقول: تأويله عليه السلام مذكور في بعض كتب المخالفين، روى السيد في الطرائف نقلا من تفسير محمد بن مؤمن الشيرازي بإسناده عن السدي يرفعه قال: أقبل صخر بن حرب حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه و آله فقال: يا محمد هذا الأمر لنا من بعدك أم لمن؟

قال صلى الله عليه و آله: يا صخر الأمر بعدي لمن هو مني بمنزلة هارون من موسى عليهما السلام، فأنزل الله:" عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ" يعني يسألك أهل مكة عن خلافة علي بن أبي طالب" الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ" منهم المصدق بولايته و خلافته، و منهم المكذب قال" كلا" و هو ردع عليهم" سيعلمون" أي سيعرفون خلافته بعدك أنها حق [تكون‏]" ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ" أي يعرفون خلافته و ولايته إذ يسألون عنها في قبورهم، فلا

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 416

يبقى ميت في شرق و لا غرب و لا في بر و لا في بحر إلا و منكر و نكير يسألان عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بعد الموت، يقولان له: من ربك؟ و من نبيك؟ و من إمامك؟

و روى مثله ابن شهرآشوب عن تفسير القطان بإسناده عن السدي مثله.

و روى محمد بن العباس بن مروان في تفسيره بإسناده إلى علقمة قال: خرج يوم صفين رجل من عسكر الشام و عليه سلاح و فوقه مصحف، و هو يقرأ" عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ" فأردت البراز إليه فقال علي عليه السلام: مكانك، و خرج بنفسه فقال له: أ تعرف النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون؟ قال: لا، فقال عليه السلام: أنا و الله النبإ العظيم الذي فيه اختلفتم، و على ولايتي تنازعتم، و عن ولايتي رجعتم بعد ما قبلتم و ببغيكم [هلكتم‏] بعد ما بسيفي نجوتم، و يوم الغدير قد علمتم و يوم القيامة تعلمون ما علمتم، ثم علاه بسيفه فرمى رأسه و يده.

باب ما فرض الله عز و جل و رسوله صلى الله و عليه و آله من الكون مع الأئمة عليهم السلام‏

 (1)

 (الحديث الأول)

 (2): ضعيف.

" وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ"

 (3) قال الطبرسي (ره) في مصحف عبد الله و قراءة ابن‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 417

عباس: من الصادقين، و روي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام، ثم قال: أي مع الذين يصدقون في أخبارهم و لا يكذبون، و معناه كونوا على مذهب من يستعمل الصدق في أقواله، و صاحبوهم و رافقوهم، و قد وصف الله الصادقين في سورة البقرة بقوله:

" وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ" إلى قوله" أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" فأمر سبحانه بالاقتداء بهؤلاء، و قيل: المراد بالصادقين هم الذين ذكرهم الله في كتابه و هو قوله:" رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ" يعني حمزة بن عبد المطلب و جعفر بن أبي طالب عليه السلام وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ" يعني علي بن أبي طالب، و روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كونوا مع الصادقين، مع علي و أصحابه، و روى جابر عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله:" كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ" قال: مع آل محمد عليهم السلام، انتهى.

و أقول: التمسك بتلك الآية لإثبات الإمامة في المعصومين بين الشيعة معروف، و قد ذكره المحقق الطوسي طيب الله روحه القدوسي في كتاب التجريد، و وجه الاستدلال بها أن الله أمر كافة المؤمنين بالكون مع الصادقين، و ظاهر أن ليس المراد به الكون معهم بأجسادهم بل المعنى لزوم طرائقهم و متابعتهم في عقائدهم و أقوالهم و أفعالهم، و معلوم أن الله تعالى لا يأمر عموما بمتابعة من يعلم صدور الفسق و المعاصي عنه، مع نهيه عنها، فلا بد من أن يكونوا معصومين لا يخطئون في شي‏ء حتى تجب متابعتهم في جميع الأمور، و أيضا اجتمعت الأمة على أن خطاب القرآن عام لجميع الأزمنة لا يختص بزمان دون زمان، فلا بد من وجود معصوم في كل زمان ليصح أمر مؤمني كل زمان بمتابعتهم.

فإن قيل: لعلهم أمروا في كل زمان بمتابعة الصادقين الكائنين في زمن الرسول صلى الله عليه و آله، فلا يتم وجود المعصوم في كل زمان.

قلنا: لا بد من تعدد الصادقين أي المعصومين لصيغة الجمع، و مع القول بالتعدد

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 418

يتعين القول بما تقول الإمامية، إذ لا قائل بين الأمة بتعدد المعصومين في زمن الرسول صلى الله عليه و آله مع خلو سائر الأزمنة عنهم، مع قطع النظر عن بعد هذا الاحتمال عن اللفظ و سيأتي تمام القول في ذلك في أبواب النصوص على أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

و العجب من إمامهم الرازي كيف قارب ثم جانب و سدد ثم شدد و أقر ثم أنكر و أصر حيث قال في تفسير تلك الآية: أنه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصادقين فلا بد من وجود الصادقين لأن الكون مع الشي‏ء مشروط بوجود ذلك الشي‏ء فهذا يدل على أنه لا بد من وجود الصادقين في كل وقت، و ذلك يمنع من إطباق الكل على الباطل، فوجب أن أطبقوا على شي‏ء أن يكونوا محقين فهذا يدل على أن إجماع الأمة حجة.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال المراد بقوله: كونوا مع الصادقين، أي كونوا على طريقة الصادقين الصالحين كما أن الرجل إذا قال لولده كن مع الصالحين لا يفيد إلا ذلك، سلمنا ذلك لكن نقول: إن هذا الأمر كان موجودا في زمان الرسول صلى الله عليه و آله فقط و كان هذا أمرا بالكون مع الرسول فلا يدل على وجود صادق في سائر الأزمنة، سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك الصادق هو المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما تقول الشيعة.

فالجواب عن الأول: أن قوله: كونوا مع الصادقين أمر بموافقة الصادقين و نهى عن مفارقتهم، و ذلك مشروط بوجود الصادقين، و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فدلت هذه الآية على وجود الصادقين، و قوله: إنه محمول على أن يكونوا على طريقة الصادقين، فنقول: إنه عدول عن الظاهر من غير دليل، قوله: هذا الأمر مختص بزمان الرسول قلنا: هذا باطل لوجوه" الأول" أنه ثبت بالتواتر الظاهر من دين محمد صلى الله عليه و آله أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة على المكلفين إلى قيام‏

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 419

القيامة فكان الأمر في هذا التكليف كذلك" و الثاني" أن الصيغة تتناول الأوقات كلها، بدليل صحة الاستثناء" و الثالث" لما لم يكن الوقت المعين مذكورا في لفظ الآية لم يكن حمل الآية على البعض أولى من حملها علي الباقي، فإما أن لا يحمل على شي‏ء فيفضي إلى التعطيل و هو باطل، أو على الكل و هو المطلوب" و الرابع" أن قوله:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ" أمر لهم بالتقوى و هذا الأمر إنما يتناول من يصح منه أن لا يكون متقيا و إنما يكون كذلك لو كان جائز الخطأ، فكانت الآية دالة على أن من كان جائز الخطإ وجب كونه مقتديا بمن كان واجب العصمة، و هم الذين حكم الله بكونهم صادقين و ترتب الحكم في هذا يدل على أنه إنما وجب على جائز الخطإ كونه مقتديا به، ليكون مانعا لجائز الخطإ عن الخطإ و هذا المعنى قائم في جميع الأزمان، فوجب حصوله في كل الأزمان، قوله: لم لا يجوز أن يكون المراد هو كون المؤمن مع المعصوم الموجود في كل زمان، قلنا: نحن معترف بأنه لا بد من معصوم في كل زمان إلا أنا نقول إن ذلك المعصوم هو مجموع الأمة، و أنتم تقولون أن ذلك المعصوم واحد منهم، فنقول: هذا الثاني باطل، لأنه تعالى أوجب على كل من المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، و إنما يمكنه ذلك لو كان عالما بأن ذلك الصادق من هو، لأن الجاهل بأنه من هو لو كان مأمورا بالكون معه كان ذلك تكليف ما لا يطاق، لأنا لا نعلم إنسانا معينا موصوفا بوصف العصمة، و العلم بأنا لا نعلم هذا الإنسان حاصل بالضرورة، فثبت أن قوله" كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ" ليس أمرا بالكون مع شخص معين، و لما بطل هذا بقي أن المراد منه الكون مع جميع الأمة، و ذلك يدل على أن قول مجموع الأمة صواب و حق و لا نعني بقولنا الإجماع حجة إلا ذلك، انتهى كلامه.

و الحمد لله الذي حقق الحق بما جرى على أقلام أعدائه، أ لا ترى كيف شيد ما ادعته الإمامية بغاية جهده ثم بأي شي‏ء تمسك في تزييفه و التعامي عن رشده،

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 420

و هل هذا إلا كمن طرح نفسه في البحر العجاج رجاء أن يتشبث للنجاة بخطوط الأمواج، و لنشر إلى شي‏ء مما في كلامه من التهافت و الاعوجاج.

فنقول كلامه فاسد عن وجوه:

أما أو لا فلأنه بعد ما اعترف أن الله تعالى إنما أمر بذلك لتحفظ الأمة عن الخطإ في كل زمان، فلو كان المراد ما زعمه من الإجماع كيف يحصل العلم بتحقق الإجماع في تلك الأعصار مع انتشار علماء المسلمين في الأمصار، و هل يجوز عاقل إمكان الاطلاع على جميع أقوال آحاد المسلمين في تلك الأزمنة، و لو تمسك بالإجماع الحاصل في الأزمنة السابقة، فقد صرح بأنه لا بد في كل زمان من معصوم محفوظ عن الخطإ.

و أما ثانيا: فبأنه على تقدير تسليم تحقق الإجماع و العلم به في تلك الأزمنة فلا يتحقق ذلك إلا في قليل من المسائل، فكيف يحصل تحفظهم عن الخطإ بذلك.

و أما ثالثا: فبأنه لا يخفى على عاقل أن الظاهر من الآية أن المأمورين بالكون، غير من أمروا بالكون معهم، و على ما ذكره يلزم اتحادهما.

و أما رابعا: فبأن المراد بالصادق إما الصادق في الجملة، فهو يصدق على جميع المسلمين فإنهم صادقون في كلمة التوحيد لا محالة، أو في جميع الأقوال، و الأول لا يمكن أن يكون مرادا لأنه يلزم أن يكونوا مأمورين باتباع كل من آحاد المسلمين كما هو الظاهر من عموم الجمع المحلى باللام، فتعين الثاني و هو لازم العصمة، و أما الذي اختاره من إطلاق الصادقين على المجموع من حيث المجموع، من جهة أنهم من حيث الاجتماع ليسوا بكاذبين، فهذا احتمال لا يجوزه كردي لم يأنس بكلام العرب قط.

و أما خامسا: فبأن تمسكه في نفي ما يدعيه الشيعة في معرفة الإمام لا تخفى سخافته، إذ كل جاهل و ضال و مبتدع في الدين يمكن أن يتمسك بهذا في عدم وجوب اختيار الحق و التزام الشرائع، فلليهود أن يقولوا: لو كان محمد صلى الله عليه و آله نبيا

                        مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏2، ص: 421

لكنا عالمين بنبوته، و لكنا نعلم ضرورة أنا غير عالمين به، و كذا سائر فرق الكفر و الضلالة، و ليس ذلك إلا لتعصبهم و معاندتهم، و تقصيرهم في طلب الحق، و لو رفعوا أغشية العصبية عن أبصارهم، و نظروا في دلائل إمامتهم و معجزاتهم، و محاسن أخلاقهم و أطوارهم لأبصروا ما هو الحق في كل باب، و لم يبق لهم شك و لا ارتياب، و كفى بهذه الآية على ما قرر الكلام فيها دليلا على لزوم الإمام في كل عصر و زمان.

 (الحديث الثاني)

 (1): صحيح.

" و الصديقون"

 (2) عطف على الصادقين أي الصديقون في قوله تعالى:" مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ" هم الأئمة، و إنما سموا بذلك لطاعتهم للأنبياء في جميع ما أتوا به قبل كل أحد، و عصمتهم من الخطإ فهم صادقو