كتاب صحيفة الأبرار

 

ميرزا محمد التقي الشريف

 

 

المجلد الخامس

 

باب معجزات الأمام الهمام الولي المؤتمن بقية الله ذي المنن الحجة بن الحسن

صلوات الله عليهما

حديث أمه نرجس عليه وعليها السلام

الحادى والخمسون كمال الدين للصدوق قال: :حدثنا محمد بن علي بن حاتم النوفلي، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء البغدادي، قال: حدثنا أحمد بن طاهر القمي، قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن بحرالشيباني، قال:(وردت كربلاء سنة ست وثمانين ومائتين قال: وزرت قبر غريب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم انكفأت إلى مدينة السلام متوجها إلى مقابر قريش قد تضرمت الهواجر وتوقدت السماء، فلما وصلت منها إلى مشهد الكاظم (عليه السلام) واستنشقت نسيم تربته المغمورة من الرحمة المحفوفة بحدائق الغفران أكببت عليها بعبرات متقاطرة وزفرات متتابعة وقد حجب الدمع طرفي عن النظر، فلما رقأت العبرة وانقطع النحيب وفتحت بصري وإذا أنا بشيخ قد انحنى صلبه وتقوس منكباه وثفنت جبهته وراحتاه وهو يقول لآخر معه عند القبر: يا ابن أخي لقد نال عمك شرفا بما حمله السيدان من غوامض الغيوب وشرائف العلوم التي لم يحمل مثلها إلا سلمان، وقد أشرف عمك على استكمال المدة وانقضاء العمر وليس يجد في أهل الولاية رجلا يفضي إليه بسره.

قلت: يا نفس لا يزال العناء والمشقة ينالان منك بإتعابي الخف والحافر في طلب العلم وقد قرع سمعي من هذا الشيخ لفظ يدل على علم جسيم وأمر عظيم، فقلت: أيها الشيخ ومن السيدان.

قال: النجمان المغيبان في الثرى بسر من رأى.

فقلت: إني أقسم بالموالاة وشرف محل هذين السيدين من الإمامة والوراثة إني خاطب علمهما وطالب آثارهما وباذل من نفسي الإيمان المؤكدة على حفظ أسرارهما.

قال: إن كنت صادقا فيما تقول فاحضر ما صحبك من الآثار عن نقلة أخبارهم فلما فتش الكتب وتصفح الروايات منها، قال: صدقت أنا بشر بن سليمان النخاس من ولد أبي أيوب الأنصاري أحد موالي أبي الحسن وأبي محمد (عليهم السلام) وجارهما بسر من رأى.

قلت: فأكرم أخاك ببعض ما شاهدت من آثارهما.

قال: كان مولانا أبو الحسن علي بن محمد العسكري (عليه السلام) فقهني في علم الرقيق فكنت لا أبتاع ولا أبيع إلا بإذنه فاجتنبت بذلك موارد الشبهات حتى كملت معرفتي فيه فأحسنت الفرق فيما بين الحلال والحرام، فبينا أنا ذات ليلة في منزلي بسر من رأى وقد مضى من الليل إذ قد قرع الباب قارع فعدوت مسرعا فإذا أنا بكافور الخادم رسول مولانا أبي الحسن علي بن محمد (عليه السلام) يدعوني إليه، فلبست ثيابي ودخلت عليه فرأيته يحدث ابنه أبا محمد (عليه السلام) وأخته حكيمة من وراء الستر، فلما جلست قال: يا بشر إنك من ولد الأنصار وهذه الولاية لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف، فأنتم ثقاتنا أهل البيت وإني مزكيك ومشرفك بفضيلة تسبق بها شأو الشيعة في الموالاة بها بسر أطلعك عليه وأنفذك في ابتياع أمة، فكتب كتابا ملصقا بخط رومي ولغة رومية وطبع عليه بخاتمه وأخرج شستقة صفراء فيها مائتان وعشرون دينارا، فقال: خذها وتوجه بها إلى بغداد واحضر معبر الفرات ضحوة كذا فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا وبرزن الجواري منها فستحدق بهم طوائف المبتاعين من وكلاء قواد بني العباس وشراذم من فتيان العراق، فإذا رأيت ذلك فأشرف من البعد على المسمى عمر بن يزيد النخاس عامة نهارك، إلى أن يبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا لابسة حريرتين صفيقتين تمتنع من السفور ولمس المعترض والانقياد لمن يحاول لمسها ويشغل نظره بتأمل مكاشفها من وراء الستر الرقيق، فيضربها النخاس فتصرخ صرخة رومية فاعلم أنها تقول واهتك ستراه، فيقول بعض المبتاعين علي بثلاثمائة دينار فقد زادني العفاف فيها رغبة، فتقول بالعربية لو برزت في زي سليمان وعلى مثل سرير ملكه ما بدت لي فيك رغبة فأشفق على مالك، فيقول النخاس فما الحيلة ولا بد من بيعك، فتقول الجارية : وما العجلة ولا بد من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه وإلى أمانته وديانته، فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخاس وقل له إن معي كتابا ملصقا لبعض الأشراف كتبه بلغة رومية وخط رومي ووصف فيه كرمه ووفاءه ونبله وسخاءه فناولها لتتأمل منه أخلاق صاحبه فإن مالت إليه ورضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك.

قال بشر بن سليمان النخاس : فامتثلت جميع ما حده لي مولاي أبو الحسن (عليه السلام) في أمر الجارية فلما نظرت في الكتاب بكت بكاء شديدا وقالت لعمر بن يزيد النخاس : بعني من صاحب هذا الكتاب وحلفت بالمحرجة المغلظة إنه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها، فما زلت أشاحه في ثمنها حتى استقر الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي (عليه السلام) من الدنانير في الشستقة الصفراء، فاستوفاه مني وتسلمت منه الجارية ضاحكة مستبشرة وانصرفت بها إلى حجرتي التي كنت آوي إليها ببغداد فما أخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولاها (عليه السلام) من جيبها وهي تلثمه وتضعه على خدها وتطبقه على جفنها وتمسحه على بدنها.

فقلت تعجبا منها : أتلثمين كتابا ولا تعرفين صاحبه.

قالت : أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء أعرني سمعك وفرغ لي قلبك أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم وأمي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون أنبئك العجب العجيب، إن جدي قيصر أراد أن يزوجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة فجمع في قصره من نسل الحواريين ومن القسيسين والرهبان ثلاثمائة رجل ومن ذوي الأخطار سبعمائة رجل، وجمع من أمراء الأجناد وقواد العساكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف، وأبرز هو من بهو ملكه عرشا مصنوعا من أنواع الجواهر إلى صحن القصر فرفعه فوق أربعين مرقاة، فلما صعد ابن أخيه وأحدقت به الصلبان وقامت الأساقفة عكفا ونشرت أسفار الإنجيل تسافلت الصلبان من الأعالي فلصقت بالأرض وتقوضت الأعمدة فانهارت إلى القرار وخر الصاعد من العرش مغشيا عليه، فتغيرت ألوان الأساقفة وارتعدت فرائصهم، فقال كبيرهم لجدي : أيها الملك أعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني، فتطير جدي من ذلك تطيرا شديدا وقال للأساقفة : أقيموا هذه الأعمدة وارفعوا الصلبان وأحضروا أخا هذا المدبر العاثر المنكوس جده لأزوج منه هذه الصبية فيدفع نحوسه عنكم بسعوده، فلما فعلوا ذلك حدث على الثاني ما حدث على الأول، وتفرق الناس وقام جدي قيصر مغتما فدخل قصره وأرخيت الستور، فأريت في تلك الليلة كأن المسيح وشمعون وعدة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدي ونصبوا فيه منبرا يباري السماء علوا وارتفاعا في الموضع الذي كان جدي نصب فيه عرشه، فدخل عليهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مع فتية وعدة من بنيه، فيقوم إليه المسيح فيعتنقه فيقول يا روح الله إني جئتك خاطبا من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا وأومأ بيده إلى أبي محمد صاحب هذا الكتاب، فنظر المسيح إلى شمعون فقال له : قد أتاك الشرف فصل رحمك برحم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: قد فعلت، فصعد ذلك المنبر وخطب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وزوجني من ابنه وشهد المسيح (عليه السلام) وشهد بنو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والحواريون، فلما استيقظت من نومي أشفقت أن أقص هذه الرؤيا على أبي وجدي مخافة القتل فكنت أسرها في نفسي ولا أبديها لهم، وضرب صدري بمحبة أبي محمد حتى امتنعت من الطعام والشراب وضعفت نفسي ودق شخصي ومرضت مرضا شديدا فما بقي من مدائن الروم طبيب إلا أحضره جدي وسأله عن دوائي، فلما برح به اليأس قال: يا قرة عيني فهل تخطر ببالك شهوة فأزودكها في هذه الدنيا، فقلت: يا جدي أرى أبواب الفرج علي مغلقة فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من أسارى المسلمين وفككت عنهم الأغلال وتصدقت عليهم ومنيتهم بالخلاص لرجوت أن يهب المسيح وأمه لي عافية وشفاء، فلما فعل ذلك جدي تجلدت في إظهار الصحة في بدني وتناولت يسيرا من الطعام، فسر بذلك جدي وأقبل على إكرام الأسارى وإعزازهم، فرأيت أيضا بعد أربع ليال كأن سيدة النساء قد زارتني ومعها مريم بنت عمران وألف وصيفة من وصائف الجنان فتقول لي مريم هذه سيدة النساء أم زوجك أبي محمد (عليه السلام) فأتعلق بها وأبكي وأشكو إليها امتناع أبي محمد من زيارتي، فقالت : لي سيدة النساء (عليه السلام) : إن ابني أبا محمد لا يزورك وأنت مشركة بالله وعلى مذهب النصارى وهذه أختي مريم تبرأ إلى الله تعالى من دينك فإن ملت إلى رضا الله عز وجل ورضا المسيح ومريم عنك وزيارة أبي محمد إياك فتقولي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن أبي محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلما تكلمت بهذه الكلمة ضمتني سيدة النساء إلى صدرها وطيبت لي نفسي وقالت: الآن توقعي زيارة أبي محمد إياك فإني منفذة إليك، فانتبهت وأنا أقول : واشوقاه إلى لقاء أبي محمد (عليه السلام)، فلما كانت الليلة القابلة جاءني أبو محمد (عليه السلام) في منامي فرأيته، ثم زارني بعد ذلك ورأيت كأني أقول له : جفوتني يا حبيبي بعد أن شغلت قلبي بجوامع حبك، قال: ما كان تأخيري عنك إلا لشركك وإذ قد أسلمت فإني زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع الله شملنا في العيان، فما قطع عني زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية.

قال بشر: فقلت لها وكيف وقعت في الأسارى.

فقالت : أخبرني أبو محمد (عليه السلام) ليلة من الليالي أن جدك سيسرب جيوشا إلى قتال المسلمين يوم كذا ثم يتبعهم فعليك باللحاق بهم متنكرة في زي الخدم مع عدة من الوصائف من طريق كذا ففعلت فوقعت علينا طلائع المسلمين حتى كان من أمري ما رأيت وما شاهدت وما شعر أحد بأني ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية سواك وذلك باطلاعي إياك عليه وقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته وقلت نرجس، فقال: اسم الجواري.

فقلت : العجب إنك رومية ولسانك عربي.

قالت: بلغ من ولوع جدي وحمله إياي على تعلم الآداب أن أوعز إلى امرأة ترجمان له في الاختلاف إلي فكانت تقصدني صباحا ومساء وتفيدني العربية حتى استمر عليها لساني واستقام.

قال بشر : فلما انكفأت بها إلى سر من رأى دخلت على مولاي أبي الحسن العسكري (عليه السلام) فقال لها : كيف أراك الله عز الإسلام وذل النصرانية وشرف أهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قالت : كيف أصف لك يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أنت أعلم به مني.

قال: فإني أحب أن أكرمك فأيما أحب إليك عشرة آلاف درهم أم بشرى لك فيها شرف الأبد.

قالت : بل البشرى.

قال (عليه السلام) : فابشري بولد يملك الدنيا شرقا وغربا ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.

قالت : ممن.

قال: (عليه السلام) ممن خطبك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) له من ليلة كذا من شهر كذا من سنة كذا بالرومية.

قالت : من المسيح ووصيه.

قال: فممن زوجك المسيح ووصيه.

قالت : من ابنك أبي محمد.

قال: فهل تعرفينه.

قالت : وهل خلوت ليلة من زيارته إياي منذ الليلة التي أسلمت فيها على يد سيدة النساء أمه.

فقال أبو الحسن (عليه السلام): يا كافور ادع لي أختي حكيمة فلما دخلت عليه قال (عليه السلام) لها : ها هيه فاعتنقتها طويلا وسرت بها كثيرا، فقال لها مولانا: يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخرجيها إلى منزلك وعلميها الفرائض والسنن فإنها زوجة أبي محمد وأم القائم عليها السلام) .

وأقول : وفي غيبة الشيخ عن جماعة عن أبي المفضل الشيباني عن محمد بن بحر بن سهل الشيباني عن بشير بن سليمان النخاس قال: أتاني كافور الخادم ... ) ثم ساق الحديث مثله.

هذا وليعلم أن صورة السند في نسختين عندي من كتاب كمال الدين محمد بن يحيي الشيباني وكذا في غيبة البحار والعوالم نقلا عنه وهو سهو من المستنسخين وإنما الصحيح محمد بن بحر بالباء الموحدة ثم الحاء ثم الراء المهملتان كما في غيبة الشيخ .

ثم أن الواقع في جميع الروايات التي مضى بعضها ويأتي إن شاء الله بعض آخر من اسم بنت الجواد (عليه السلام) حكيمة بالكاف بعد الحاء والمشهور بين الناس حليمة باللام مكان الكاف وهو الواقع في بعض المواضع النادرة ولعله الأصح بقرينة ما ورد في أخبارنا عن المعصومين (عليهم السلام) من كراهية تسمية المولود بالحكيم بالكاف وتاء التأنيث لا تغير الحكم ويمكن أن يكون ما بالكاف لقبا لها لكونها مطلعة على أسرار الحكمة كما لقب فاطمة المدفونة بقم أخت الرضا (عليه السلام) بالمعصومة والله أعلم .

ولادة الإمام عليه السلام

الثاني والخمسون كتاب الحسين بن حمدان وهو غير كتاب الهداية رأيت في بعض مؤلفات أصحابنا رواية هذه صورتها قال: حدثني هارون بن مسلم بن سعدان البصري ومحمد بن أحمد مشهرالبغدادي وأحمد بن إسحاق وسهل بن زياد الأدمي وعبد الله بن جعفر الحميري وأحمد بن عبد الله البرقي وصالح بن محمد الهمداني وجعفر بن إبراهيم ابن نوح وداود بن عامر وعمران الأشعري القمي وأحمد بن محمد الجنيبي وإبراهيم بن الخصيب ومحمد بن علي الميسري ومحمد بن علي اليقطيني البغدادي وأحمد بن محمد النيسابوري وأحمد بن عبد الله بن مروان الأنصاري وعلي بن محمد الظمري وعلي بن بلال ومحمد بن أبي الصهبان وإسحاق بن إسماعيل النيسابوري وعلي بن عبد الله الحسيني ومحمد بن إسماعيل الحسيني وأبو الحسين محمد بن يحيى الفاري وأحمد بن سندولا والعباس اللباق وعلي بن صالح وعبد الحميد بن محمود ومحمد بن يحيى الخرفي ومحمد علي بن عبد الله الحسني وعلي بن عاصم الكوفي وأحمد بن محمد الحجال وعقيل مولى أبي جعفر التاسع والريان وحمزة مولى أبي جعفر وأبي الحسن الرضا (عليه السلام) وعيسى بن مهر الجوهري والحسن بن إبراهيم وأحمد بن سعيد ومحمد بن ميمون الخراساني ومحمد بن خلف وحميد بن حسان وعلي بن أحمد الصائغ والحسن بن مسعود القرافي وأحمد بن حنان العجلي والحنيف بن مالك وأحمد بن محمد بن أبي قونة وجعفر بن أحمد القصير البصري وعلي بن أحمد الصابوني وأبو الحسن علي بن بشر والحسن البلخي وأحمد بن صالح والحسين بن عثمان وعبد الله بن عبد الباري وأحمد بن داود القمي وعلي بن احمد الظميراني ومحمد بن عبد الله الطلحي وطالب بن حاتم بن طالب والحسن بن محمد بن سعيد وأحمد بن مامنداد وأبو بكر الصفار وحمد بن موسى القمي وغياث بن محمد الديلمي وأحمد بن مالك القمي وأبو الجواري عبد الله بن محمد حدثوني جميعا وشتى عن عدة من المشايخ الذين كانوا مجاورين للإمامين (عليهم السلام) عن سيدينا أبي الحسن وأبي محمد (عليهم السلام) قالا : (إن الله عز وجل إذا أراد أن يخلق الإمام (عليه السلام) أنزل قطرة من ماء الجنة في ماء من المزن فتسقط في ثمار الأرض فيأكلها الحجة في الزمان (عليه السلام) فإذا استقرت في الموضع الذي تستقر فيه ومضى له أربعون يوما سمع الصوت فإذا أتت له أربعة أشهر وقد حمل كتب على عضده الأيمن ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فإذا ولد قام بأمر الله ورفع له عمود من نور في كل مكان ينظر فيه إلى الخلائق وأعمالهم وينزل أمر الله إليه في ذلك العمود والعمود نصب عينيه حيث تولى ونظر).

ثم قال الحسين بن حمدان : وحدثني من أثق إليه من المشايخ عن حكيمة بنت محمد بن علي الرضا (عليه السلام) قال: (كانت حكيمة تدخل على أبي محمد (عليه السلام) فتدعو له أن يرزقه الله ولدا وأنها قالت : دخلت عليه فقلت له كما كنت أقول ودعوت له كما كنت أدعو.

فقال: يا عمة أما إن الذي تدعين الله أن يرزقنيه يولد في هذه الليلة فاجعلي إفطارك عندنا، فقلت : يا سيدي ممن يكون هذا المولود العظيم، فقال لي : من نرجس يا عمة، قالت : فقلت له يا سيدي ما في جواريك أحب إلي منها، وقمت ودخلت عليها وكنت إذا دخلت الدار تتلقاني وتقبل يدي وتنزع خفي بيدها، فلما دخلت إليها فعلت بي كما تفعل فانكببت على قدميها فقبلتها ومنعتها مما كانت تفعله فخاطبتني بالسيادة فخاطبتها بمثلها، فقالت لي فديتك، فقلت لها أنا فداك وجميع العالمين، فأنكرت ذلك مني، فقلت لها : لا تنكرين ما فعلت فإن الله سيهب لك في هذه الليلة غلاما سيدا في الدنيا والآخرة وهو فرج المؤمنين، فاستحيت فتأملتها فلم أر فيها أثر حمل، فقلت لسيدي أبي محمد (عليه السلام) : ما أرى بها حملا فتبسم (عليه السلام) ، ثم قال: إنا معاشر الأوصياء ليس نحمل في البطون وإنما نحمل في الجنوب، ولا نخرج من الأرحام إنما نخرج من الفخذ الأيمن من أمهاتنا لأننا نور الله الذي لا تناله الدناسات، فقلت له : يا سيدي لقد أخبرتني أنه يولد في هذه الليلة ففي أي وقت منها، قال: في طلوع الفجر يولد الكريم على الله إن شاء الله تعالى، قالت حكيمة: فأقمت فأفطرت ونمت بالقرب من نرجس، وبات أبو محمد (عليه السلام) في صفة في تلك الدار التي نحن فيها، فلما ورد وقت صلاة الليل قمت ونرجس نائمة ما بها أثر ولادة فأخذت في صلاتي ثم أوترت فأنا في الوتر حتى وقع في نفسي أن الفجر قد طلع ودخل قلبي شيء، فصاح أبو محمد (عليه السلام) من الصفة الثانية : لم يطلع الفجر يا عمة فأسرعت الصلاة وتحركت نرجس، فدنوت منها وضممتها إلي وسميت عليها ثم قلت لها : هل تحسين بشيء، قالت : نعم، فوقع علي سبات لم أتمالك معه أن نمت ووقع على نرجس مثل ذلك ونامت، فلم أنتبه إلا بحس سيدي المهدي وصيحة أبي محمد (عليهم السلام) يقول : يا عمة هاتي ابني إلي فقد قبلته، فكشفت عن سيدي (عليه السلام) فإذا أنا به ساجدا يبلغ الأرض بمساجده وعلى ذراعه الأيمن مكتوب ﴿جاءَ الْحَقُّ وزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ فضممته إلي فوجدته مفروغا منه ولففته في ثوب وحملته إلى أبي محمد (عليه السلام) ، فأخذه وأقعده على راحته اليسرى وجعل راحته اليمنى على ظهره ثم أدخل (عليه السلام) لسانه في فيه وأمر بيده على ظهره وسمعه ومفاصله ثم قال له : تكلم يا بني ، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن عليا أمير المؤمنين ولي الله ثم لم يزل يعدد السادة الأئمة (عليهم السلام) إلى أن بلغ إلى نفسه، ودعا لأوليائه بالفرج على يده ثم أجحم ، قال أبو محمد (عليه السلام) : يا عمة اذهبي به إلى أمه ليسلم عليها وأتيني به، فمضيت به إلى أمه فسلم عليها ورددته إليه ثم وقع بيني وبين أبي محمد (عليه السلام) كالحجاب فلم أر سيدي فقلت له: يا سيدي أين مولانا، فقال: أخذه من هو أحق به منك فإذا كان اليوم السابع فأتينا، فلما كان في اليوم السابع جئت فسلمت ثم جلست، فقال (عليه السلام): هلمي بابني، فجئت بسيدي وهو في ثياب صفر ففعل به كفعاله الأول وجعل لسانه (عليه السلام) في فيه ثم قال له : تكلم يا بني فقال (عليه السلام): أشهد أن لا إله إلا الله وثنى بالصلاة على محمد وأمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام) حتى وقف على أبيه (عليه السلام) ثم قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴿ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ونُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ثم قال له : اقرأ يا بني مما أنزل الله على أنبيائه ورسله، فابتدأ بصحف آدم فقرأها بالسريانية وكتاب إدريس وكتاب نوح وكتاب هود وكتاب صالح وصحف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داود وإنجيل عيسى وقرآن جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قص قصص الأنبياء والمرسلين إلى عهده، فلما كان بعد أربعين يوما دخلت عليه إلى دار أبي محمد (عليه السلام) فإذا مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) يمشي في الدار، فلم أر وجها أحسن من وجهه (عليه السلام) ولا لغة أفصح من لغته، فقال لي أبو محمد (عليه السلام) : هذا المولود الكريم على الله عز وجل، قلت له: يا سيدي له أربعون يوما وأنا أرى من أمره ما أرى، فقال (عليه السلام): يا عمتي أ ما علمت أنا معاشر الأوصياء ننشأ في اليوم ما ينشأ غيرنا في الجمعة وننشأ في الجمعة ما ينشأ غيرنا في السنة، فقمت وقبلت رأسه وانصرفت ثم عدت وتفقدته فلم أره فقلت لسيدي أبي محمد (عليه السلام) : ما فعل مولانا ، فقال: يا عمة استودعناه الذي استودعته أم موسى عليها السلام ).

أقول وزاد في الهداية بعد سوق الحديث المذكور أنه (عليه السلام) قال: (لما وهب لي ربي مهدي هذه الأمة أرسل ملكين فحملاه إلى سرادق العرش حتى وقفا به بين يدي الله عز وجل فقال: له مرحبا بك عبدي لنصرة ديني وإظهار أمري ومهدي عبادي آليت أني بك آخذ وبك أعطي وبك أغفر وبك أعذب اردداه أيها الملكان رداه رداه على أبيه ردا رفيقا وأبلغاه إنه في ضماني وكنفي وبعيني إلى أن أحق به الحق وأزهق به الباطل ويكون الدين لي واصب).

ثم اعلم أن حديث الولادة هذا متكرر في كتب أصحابنا بعدة طرق ككتاب كمال الدين للصدوق وغيبة الشيخ ودلائل الطبري وخرائج الراوندي وغيرها من كتب الأخبار، غير أن بعض الرواة زاد على بعض في بعض المواضع فذكر ما لم يذكره الآخر، ونحن اخترنا رواية أبن حمدان على سائر الروايات من أصحابنا ترويجا لروايته لكون الكتاب عزيز النسخة جدا لا يوجد عند كثير من محدثينا، هذا مع ما اشتمل عليه من بعض الزيادات التي لم تذكر في سائر الروايات من الكتب المعروفة وإن كانت هي أيضا مشتملة على ما لم يذكر هنا أن انتشار نسخ تلك الكتب يغنينا عن ترجيحها على ما أوردنا والسلام .

ولادة الإمام عليه السلام جاثيا على ركبتيه

الثالث والخمسون غيبة الشيخ عن علان الكليني، عن محمد ابن يحيى عن الحسين بن علي النيشابوري الدقاق، عن إبراهيم بن محمد ابن عبد الله بن موسى بن جعفر (عليه السلام)، عن السياري قال: حدثني نسيم ومارية قالتا : (لما خرج صاحب الزمان (عليه السلام) من بطن أمه سقط جاثيا على ركبتيه رافعا سبابتيه نحو السماء ثم عطس فقال: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله عبدا داخرا لله غير مستنكف ولا مستكبر ثم قال: زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة ولو أذن لنا في الكلام لزال الشك).

العطاس أمان من الموت ثلاثة أيام

الرابع والخمسون وفيه عن محمد بن يعقوب رفعه، عن نسيم الخادم وخادم أبي محمد (عليه السلام) قال: (دخلت على صاحب الزمان (عليه السلام) بعد مولده بعشر ليال فعطست عنده فقال: يرحمك الله، ففرحت بذلك فقال: أ لا أبشرك في العطاس هو أمان من الموت ثلاثة أيام).

الإمام يجيب مسائل كامل بن إبراهيم

الخامس والخمسون وفيه عن جعفر بن محمد بن مالك قال: حدثني محمد بن جعفر بن عبد الله، عن أبي نعيم محمد بن أحمد الأنصاري (ح) كتاب الحسين بن حمدان بالإسناد المذكور عن أبي نعيم الأنصاري (ح)، عن الدلائل للطبري عن أبي الحسين محمد بن هارون بن موسى، عن أبيه عن أبي علي محمد بن همام، عن جعفر بن محمد، عن محمد بن جعفر، عن أبي نعيم الأنصاري، (ح) غيبة الشيخ عن أحمد ابن علي الرازي، عن محمد بن علي، عن علي بن عبد الله بن عائذ الرازي، عن الحسن ابن وجنا النصيبي قال: سمعت أبا نعيم محمد بن أحمد الأنصاري - قال: (وجه قوم من المفوضة والمقصرة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمد (عليه السلام) قال كامل: فقلت في نفسي أسأله لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالتي، قال: فلما دخلت على سيدي أبي محمد (عليه السلام) نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه فقلت في نفسي: ولي الله وحجته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا نحن بمواساة الإخوان وينهانا عن لبس مثله، فقال متبسما: يا كامل وحسر عن ذراعيه فإذا مسح أسود خشن على جلده فقال: هذا لله وهذا لكم، فسلمت وجلست إلى باب عليه ستر مرخىً فجاءت الريح فكشفت طرفه فإذا بفتى كأنه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها فقال لي: يا كامل بن إبراهيم، فاقشعرت من ذلك وألهمت أن قلت لبيك يا سيدي، فقال: جئت إلى ولي الله وحجته وبابه تسأله هل يدخل الجنة إلا من عرف معرفتك وقال بمقالتك، فقلت: إي والله، قال: إذن والله يقل داخلها، والله إنه ليدخلها قوم يقال لهم الحقية، قلت: يا سيدي ومن هم، قال: قوم من حبهم لعلي يحلفون بحقه ولا يدرون ما حقه وفضله، ثم سكت (صلى الله عليه وآله وسلم) عني ساعة ثم قال: وجئت تسأله عن مقالة المفوضة كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشية الله فإذا شاء شئنا والله يقول ﴿وما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾، ثم رجع الستر إلى حالته فلم أستطع كشفه، فنظر إلي أبو محمد (عليه السلام) متبسما فقال: يا كامل ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك الحجة من بعدي، فقمت وخرجت ولم أعاينه بعد ذلك قال أبو نعيم: فلقيت كاملا فسألته عن هذا الحديث فحدثني به).

الجمل وما عليه يرتفع إلى السماء بإيماء الإمام عليه السلام

السادس والخمسون وفيه وأخبرني أحمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر، عن أبي الحسن محمد بن علي الشجاعي الكاتب، عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم النعماني، عن يوسف بن أحمد الجعفري، قال: (حججت سنة ست وثلاثمائة وجاورت بمكة تلك السنة وما بعدها إلى سنة تسع وثلاثمائة ثم خرجت عنها منصرفا إلى الشام فبينا أنا في بعض الطريق وقد فاتتني صلاة الفجر فنزلت من المحمل وتهيأت للصلاة فرأيت أربعة نفر في محمل فوقفت أعجب منهم فقال: أحدهم مم تعجب تركت صلاتك وخالفت مذهبك، فقلت للذي يخاطبني: وما علمك بمذهبي، فقال: تحب أن ترى صاحب زمانك، قلت: نعم، فأومأ إلى أحد الأربعة، فقلت له: إن له دلائل وعلامات، فقال: أيما أحب إليك أن ترى الجمل وما عليه صاعدا إلى السماء أو ترى المحمل صاعدا إلى السماء، فقلت: أيهما كان فهي دلالة فرأيت الجمل وما عليه يرتفع إلى السماء وكان الرجل أومأ إلى رجل به سمرة وكان لونه الذهب بين عينيه سجادة).

هلاك من أراد بالإمام عليه السلام سوء

السابع والخمسون وفيه بسنده وحدث عن رشيق صاحب المادراي قال: (بعث إلينا المعتضد ونحن ثلاثة نفر فأمرنا أن يركب كل واحد منا فرسا ونجنب آخر ونخرج مخفين لا يكون معنا قليل ولا كثير إلا على السرج مصلى وقال لنا: الحقوا بسامرة ووصف لنا محلة ودارا وقال: إذا أتيتموها تجدون على الباب خادما أسودا فاكبسوا الدار ومن رأيتم فيها فأتوني برأسه. فوافينا سامرة فوجدنا الأمر كما وصفه وفي الدهليز خادم أسود وفي يده تكة ينسجها فسألناه عن الدار ومن فيها فقال: صاحبها، فو الله ما التفت إلينا وقل اكتراثه بنا فكبسنا الدار كما أمرنا فوجدنا دارا سرية ومقابل الدار ستر ما نظرت قط إلى أنبل منه كأن الأيدي رفعت عنه في ذلك الوقت ولم يكن في الدار أحد. فرفعنا الستر فإذا بيت كبير كأن بحرا فيه ماء وفي أقصى البيت حصير قد علمنا أنه على الماء وفوقه رجل من أحسن الناس هيئة قائم يصلي فلم يلتفت إلينا ولا إلى شيء من أسبابنا، فسبق أحمد بن عبد الله ليتخطى البيت فغرق في الماء وما زال يضطرب حتى مددت يدي إليه فخلصته وأخرجته وغشي عليه، وبقي ساعة وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك الفعل فناله مثل ذلك وبقيت مبهوتا. فقلت لصاحب البيت: المعذرة إلى الله وإليك فو الله ما علمت كيف الخبر ولا إلى من أجيء وأنا تائب إلى الله. فما التفت إلى شيء مما قلنا وما انفتل عما كان فيه فهالنا ذلك وانصرفنا عنه وقد كان المعتضد ينتظرنا وقد تقدم إلى الحجاب إذا وافيناه أن ندخل عليه في أي وقت كان. فوافيناه في بعض الليل فأدخلنا عليه فسألنا عن الخبر فحكينا له ما رأينا، فقال: ويحكم لقيكم أحد قبلي وجرى منكم إلى أحد سبب أو قول، قلنا: لا، فقال: أنا نفي من جدي وحلف بأشد أيمان له أنه رجل إن بلغه هذا الخبر ليضربن أعناقنا فما جسرنا أن نحدث به إلا بعد موته).

الإمام في هذه الأمة مثل الخضر وذي القرنين

الثامن والخمسون كمال الدين للصدوق قال: حدثنا علي بن عبد الله الوراق، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري قال: (دخلت على أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) وأنا أريد أن أسأله عن الخلف بعده فقال لي مبتدئا: يا أحمد بن إسحاق إن الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام) ولا تخلو إلى يوم القيامة من حجة لله على خلقه به يدفع البلاء عن أهل الأرض وبه ينزل الغيث وبه يخرج بركات الأرض، قال: فقلت له يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فمن الإمام والخليفة بعدك، فنهض (عليه السلام) مسرعا فدخل البيت ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر من أبناء ثلاث سنين فقال: يا أحمد بن إسحاق لو لا كرامتك على الله عز وجل وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا إنه سمي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكنيه الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، يا أحمد بن إسحاق مثله في هذه الأمة مثل الخضر (عليه السلام) ومثله كمثل ذي القرنين، والله ليغيبن غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلا من ثبته الله عز وجل على القول بإمامته ووفقه للدعاء بتعجيل فرجه، قال أحمد بن إسحاق: فقلت له يا مولاي هل من علامة يطمئن إليها قلبي، فنطق الغلام (عليه السلام) بلسان عربي فصيح فقال: أنا بقية الله في أرضه والمنتقم من أعدائه فلا تطلب أثرا بعد عين يا أحمد ابن إسحاق، قال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسرورا فرحا فلما كان من الغد عدت إليه فقلت له: يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لقد عظم سروري بما أنعمت علي فما السنة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين، فقال: طول الغيبة يا أحمد، قلت: يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن غيبته لتطول، قال: إي وربي حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به ولا يبقى إلا من أخذ الله عز وجل عهده بولايتنا وكتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه، يا أحمد بن إسحاق هذا أمر من أمر الله وسر من سر الله وغيب من غيب الله فخذ ما آتيتك واكتمه وكن من الشاكرين تكن معنا غدا في العليين).

الإمام يكرم الحسن بن وجناء

التاسع والخمسون وفيه حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: حدثنا علي بن أحمد الكوفي المعروف بأبي القاسم الخديجي قال: حدثنا سليمان بن إبراهيم الرقي قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن وجناء النصيبي قال: (كنت ساجدا تحت الميزاب في رابع أربع وخمسين حجة بعد العتمة وأنا أتضرع في الدعاء إذ حركني محرك فقال: قم يا حسن بن وجناء، قال: فقمت فإذا جارية صفراء نحيفة البدن أقول إنها من أبناء أربعين فما فوقها، فمشت بين يدي وأنا لا أسألها عن شيء حتى أتت بي دار خديجة صلوات الله عليها وفيها بيت بابه في وسط الحائط وله درج ساج يرتقى إليه، فصعدت الجارية وجاءني النداء: اصعد يا حسن، فصعدت فوقفت بالباب فقال لي صاحب الزمان (عليه السلام): يا حسن أ تراك خفيت علي والله ما من وقت في حجك إلا وأنا معك فيه، ثم جعل يعد علي أوقاتي فوقعت مغشيا على وجهي فحسست بيد قد وقعت علي فقمت فقال لي: يا حسن إلزم دار جعفر بن محمد (عليه السلام) ولا يهمنك طعامك ولا شرابك ولا ما يستر عورتك، ثم دفع إلي دفترا فيه دعاء الفرج وصلاة عليه فقال: فبهذا فادع وهكذا صل علي ولا تعطه إلا محقي أوليائي فإن الله جل جلاله موفقك، فقلت: يا مولاي لا أراك بعدها، فقال: يا حسن إذا شاء الله، قال: فانصرفت من حجتي ولزمت دار جعفر بن محمد (عليه السلام) فأنا أخرج منها فلا أعود إليها إلا لثلاث خصال لتجديد وضوء أو لنوم أو لوقت الإفطار فأدخل بيتي وقت الإفطار فأصيب رباعيا مملوء ماء ورغيفا على رأسه عليه ما تشتهي نفسي بالنهار فآكل ذلك فهو كفاية لي وكسوة الشتاء في وقت الشتاء وكسوة الصيف في وقت الصيف، وإني لأدخل الماء بالنهار فأرش البيت وأدع الكوز فارغا وأوتي بالطعام ولا حاجة لي إليه فأصدق به ليلا لئلا يعلم بي من معي).

الإمام عليه السلام يرشد أحد شيعته

الستون وفيه حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: حدثنا أبو القاسم علي بن أحمد الخديجي الكوفي قال: حدثنا الأزدي قال: (بينما أنا في الطواف قد طفت ستا وأنا أريد أن أطوف السابع فإذا أنا بحلقة عن يمين الكعبة وشاب حسن الوجه طيب الرائحة هيوب مع هيبته متقرب إلى الناس يتكلم فلم أر أحسن من كلامه ولا أعذب من نطقه وحسن جلوسه، فذهبت أكلمه فزبرني الناس فسألت بعضهم من هذا؟، فقال:وا هذا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يظهر في كل سنة يوما لخواصه يحدثهم، فقلت: يا سيدي مسترشدا أتيتك فأرشدني هداك الله، فناولني (عليه السلام) حصاة، فحولت وجهي فقال لي بعض جلسائه ما الذي دفع إليك؟، فقلت: حصاة وكشفت عنها فإذا أنا بسبيكة ذهب فذهبت، فإذا أنا به (عليه السلام) قد لحقني فقال لي: ثبتت عليك الحجة وظهر لك الحق وذهب عنك العمى أ تعرفني، فقلت: لا ، فقال (عليه السلام): أنا المهدي وأنا قائم الزمان أنا الذي أملؤها عدلا كما ملئت جورا إن الأرض لا تخلو من حجة ولا يبقى الناس في فترة وهذه أمانة لا تحدث بها إلا إخوانك من أهل الحق).

أقول وفي رواية الشيخ (ولا يبقى الناس في فترة أكثر من تيه بني إسرائيل وقد ظهر أيام خروجي فهذه أمانة في رقبتك فحدث بها إخوانك من أهل الحق).

سبب إيمان بني راشد

الحادى والستون وفيه قال: :سمعنا شيخا من أصحاب الحديث يقال له أحمد بن فارس الأديب يقول: (سمعت بهمدان حكاية حكيتها كما سمعتها لبعض إخواني فسألني أن أثبتها له بخطي ولم أجد إلى مخالفته سبيلا وقد كتبتها وعهدتها على من حكاها وذلك أن بهمدان ناسا يعرفون ببني راشد وهم كلهم يتشيعون ومذهبهم مذهب أهل الإمامة فسألت عن سبب تشيعهم من بين أهل همدان فقال لي شيخ منهم رأيت فيه صلاحا وسمتا: إن سبب ذلك أن جدنا الذي ننسب إليه خرج حاجا فقال إنه لما صدر من الحج وساروا منازل في البادية قال: فنشطت في النزول والمشي فمشيت طويلا حتى أعييت وتعبت فقلت في نفسي أنام نومة تريحني فإذا جاء أواخر القافلة قمت، قال: فما انتبهت إلا بحر الشمس ولم أر أحدا فتوحشت ولم أر طريقا ولا أثرا، فتوكلت على الله عز وجل وقلت أسير حيث وجهني، ومشيت غير طويل فوقعت في أرض خضراء نضرة كأنها قريبة عهد بغيث وإذا تربتها أطيب تربة، ونظرت في سواء تلك الأرض إلى قصر يلوح كأنه سيف فقلت: يا ليت شعري ما هذا القصر الذي لم أعهده ولم أسمع به، فقصدته فلما بلغت الباب رأيت خادمين أبيضين فسلمت عليهما فردا ردا جميلا وقالا: اجلس فقد أراد الله بك خيرا، فقام أحدهما ودخل واحتبس غير بعيد ثم خرج فقال: قم فادخل، فدخلت قصرا لم أر بناء أحسن من بنائه ولا أضوأ منه، وتقدم الخادم إلى ستر على بيت فرفعه ثم قال لي: ادخل فدخلت البيت فإذا فتى جالس في وسط البيت وقد علق على رأسه من السقف سيف طويل تكاد ظبته تمس رأسه والفتى كأنه بدر يلوح في ظلام فسلمت، فرد السلام بألطف الكلام وأحسنه ثم قال لي: أ تدري من أنا؟، فقلت: لا والله، فقال: أنا القائم من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أنا الذي أخرج في آخر الزمان بهذا السيف وأشار إليه فأملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، فسقطت على وجهي وتعفرت، فقال: لا تفعل ارفع رأسك أنت فلان من مدينة بالجبل يقال لها همدان، قلت: صدقت يا سيدي ومولاي، قال: فتحب أن تئوب إلى أهلك، فقلت: نعم يا سيدي وأبشرهم بما أتاح الله عز وجل لي، فأومأ إلى الخادم فأخذ بيدي وناولني صرة وخرج ومشى معي خطوات، فنظرت إلى ظلال وأشجار ومنارة مسجد، فقال: أ تعرف هذا البلد، فقلت: إن بقرب بلدنا بلدة تعرف باستاباد (بأسدآباذ) وهي تشبهها، قال: فقال: هذه باستاباد (بأسدآباذ) امض راشدا، فالتفت فلم أره فدخلت باستاباد (بأسدآباذ) وإذا في الصرة أربعون أو خمسون دينارا، فوردت همدان وجمعت أهلي وبشرتهم بما أتاح الله لي ويسره عز وجل لي ولم نزل بخير ما بقي معنا من تلك الدنانير).

الإمام عليه السلام ينادي نصر باسم أبيه

الثاني والستون وفيه قال: : حدثنا أبي عن سعد بن عبدالله، عن علان، عن الأعلم البصري، عن أبي رجاء البصري قال: (خرجت في الطلب بعد مضي أبي محمد (عليه السلام) بسنتين لم أقف فيهما على شيء فلما كان في الثالثة كنت بالمدينة في طلب ولد أبي محمد (عليه السلام) بصرياء وقد سألني أبو غانم أن أتعشى عنده فأنا قاعد مفكر في نفسي وأقول لو كان شيء لظهر بعد ثلاث سنين، فإذا هاتف أسمع صوته ولا أرى شخصه وهو يقول يا نصر بن عبد الله قل لأهل مصر آمنتم برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث رأيتموه، قال نصر: ولم أكن أعرف اسم أبي وذلك أني ولدت بالمدائن فحملني النوفلي إلى مصر وقد مات أبي فنشأت بها، فلما سمعت الصوت قمت مبادرا ولم أنصرف إلى أبي غانم وأخذت طريق مصر).

قصة إبراهيم بن مهزيار

الثالث والستون وفيه قال: حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن إبراهيم بن مهزيار قال: (قدمت مدينة الرسول وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) فبحثت عن أخبار آل أبي محمد الحسن بن علي الأخير (عليه السلام) فلم أقع على شيء منها، فرحلت منها إلى مكة مستبحثا عن ذلك فبينا أنا في الطواف إذ تراءى لي فتى أسمر اللون رائع الحسن جميل المخيلة يطيل التوسم في، فعدت إليه مؤملا منه عرفان ما قصدت له، فلما قربت منه سلمت فأحسن الإجابة ثم قال: من أي البلاد أنت؟.

قلت: رجل من أهل العراق.

قال: من أي العراق؟.

قلت: من الأهواز.

قال: مرحبا بلقائك، هل تعرف بها جعفر بن حمدان الخصيبي؟.

قلت : دعي فأجاب قال: رحمه الله ما كان أطول ليله وأجزل نيله، فهل تعرف إبراهيم بن مهزيار؟.

قلت: أنا إبراهيم بن مهزيار، فعانقني مليا ثم قال: مرحبا بك يا أبا إسحاق، ما فعلت بالعلامة التي وشجت بينك وبين أبي محمد (عليه السلام)؟.

فقلت: لعلك تريد الخاتم الذي آثرني الله به من الطيب أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام).

فقال: ما أردت سواه، فأخرجته إليه فلما نظر إليه استعبر وقبله ثم قرأ كتابته فكانت يا الله يا محمد يا علي، ثم قال: بأبي يدا طالما جلت فيها، وتراخى بنا فنون الأحاديث إلى أن قال لي: يا أبا إسحاق أخبرني عن عظيم ما توخيت بعد الحج.

قلت: وأبيك ما توخيت إلا ما سأستعلمك مكنونه.

قال: سل عما شئت فإني شارح لك إن شاء الله.

قلت: هل تعرف من أخبار آل أبي محمد الحسن بن علي صلوات الله عليهما شيئا؟

قال لي: وأيم الله إني لأعرف الضوء في جبين محمد وموسى ابني الحسن بن علي صلوات الله عليهما وإني لرسولهما إليك قاصدا لإنبائك أمرهما فإن أحببت لقاءهما والاكتحال بالتبرك بهما فارحل معي إلى الطائف وليكن ذلك في خفية من رجالك واكتتام.

قال إبراهيم: فشخصت معه إلى الطائف أتخلل رملة فرملة حتى أخذ في بعض مخارج الفلاة فبدت لنا خيمة شعر قد أشرفت على أكمة رمل تتلألأ تلك البقاع منها تلألؤا فبدرني إلى الإذن ودخل مسلما عليهما وأعلمهما بمكاني، فخرج علي أحدهما وهو الأكبر سنا م‏ح‏م‏د بن الحسن صلوات الله عليه وهو غلام أمرد ناصع اللون واضح الجبين أبلج الحاجب مسنون الخدين أقنى الأنف أشم أروع كأنه غصن بان وكأن صفحة غرته كوكب دري بخده الأيمن خال كأنه فتاتة مسك على بياض الفضة، فإذا برأسه وفرة سحماء سبطة تطالع شحمة أذنه، له سمت ما رأت العيون أقصد منه ولا أعرف حسنا وسكينة وحياء، فلما مثل لي أسرعت إلى تلقيه فأكببت عليه ألثم كل جارحة منه، فقال لي: مرحبا بك يا أبا إسحاق، لقد كانت الأيام تعدني وشك لقائك والمعاتب بيني وبينك على تشاحط الدار وتراخي المزار، تتخيل لي صورتك حتى كأنّا لم نخل طرفة عين من طيب المحادثة وخيال المشاهدة، وأنا أحمد الله ربي وليّ الحمد على ما قيض من التلاقي ورفه من كربة التنازع والاستشراف، ثم سألني عن إخواني (أحوالي) متقدمها ومتأخرها.

فقلت: بأبي أنت وأمي ما زلت أفحص عن أمرك بلدا فبلدا منذ استأثر الله بسيدي أبي محمد (عليه السلام) فاستغلق علي ذلك حتى من الله علي بمن أرشدني إليك ودلني عليك، والشكر لله على ما أوزعني فيك من كريم اليد والطول.

ثم نسب نفسه وأخاه موسى واعتزل بي ناحية ثم قال: إن أبي صلوات الله عليه عهد إلي أن لا أوطن من الأرض إلا أخفاها وأقصاها إسرارا لأمري وتحصينا لمحلي من مكائد أهل الضلال والمردة من أحداث الأمم الضوال، فنبذني إلى عالية الرمال وجبت صرائم الأرض ننظر في الغاية التي عندها يحل الأمر وينجلي الهلع، وكان صلوات الله عليه أنبط لي من خزائن الحكم وكوامن العلوم ما إن أشعت إليك جزء منه أغناك عن الجملة، واعلم يا أبا إسحاق أنه قال صلوات الله عليه: يا بني إن الله جل ثناؤه لم يكن ليخلي أطباق أرضه وأهل الجد في طاعته وعبادته بلا حجة يستعلى بها وإمام يؤتم به ويقتدى بسبيل سنته ومنهاج قصده، وأرجو يا بني أن تكون أحد من أعده الله لنشر الحق وطي الباطل وإعلاء الدين وإطفاء الضلال، فعليك يا بني بلزوم خوافي الأرض وتتبع أقاصيها فإن لكل ولي من أولياء الله عز وجل عدوا مقارعا وضدا منازعا افتراضا لمجاهدة أهل نفاقه وخلافه أولي الإلحاد والعناد، فلا يوحشنك ذلك، واعلم أن قلوب أهل الطاعة والإخلاص نزع إليك مثل الطير إذا أمت أوكارها، وهم معشر يطلعون بمخائل الذلة والاستكانة وهم عند الله بررة أعزاء، يبرزون بأنفس مختلة محتاجة وهم أهل القناعة والاعتصام، استنبطوا الدين فوازروه على مجاهدة الأضداد، خصهم الله باحتمال الضيم في الدنيا ليشملهم باتساع العز في دار القرار، وجبلهم على خلائق الصبر لتكون لهم العاقبة الحسنى وكرامة حسن العقبى، فاقتبس يا بني نور الصبر على موارد أمورك تفز بدرك الصنع في مصادرها، واستشعر العز فيما ينوبك تحظ بما تحمد عليه إن شاء الله، فكأنك يا بني بتأييد نصر الله وقد آن، وتيسير الفلج وعلو الكعب قد حان، وكأنك بالرايات الصفر والأعلام البيض تخفق على أثناء أعطافك ما بين الحطيم وزمزم، وكأنك بترادف البيعة وتصافي الولاء يتناظم عليك تناظم الدر في مثاني العقود وتصافق الأكف على جنبات الحجر الأسود، تلوذ بفنائك من ملإ برأهم الله من طهارة الولاء ونفاسة التربة، مقدسة قلوبهم من دنس النفاق، مهذبة أفئدتهم من رجس الشقاق، لينة عرائكهم للدين، خشنة ضرائبهم عن العدوان، واضحة بالقبول أوجههم، نضرة بالفضل عيدانهم، يدينون بدين الحق وأهله، فإذا اشتدت أركانهم وتقومت أعمادهم فدت بمكاثفتهم طبقات الأمم إذ تبعتك في ظلال شجرة دوحة بسقت أفنان غصونها على حافات بحيرة الطبرية، فعندها يتلألأ صبح الحق، وينجلي ظلام الباطل، ويقصم الله بك الطغيان ويعيد معالم الإيمان، يظهر بك أسقام الآفاق وسلام الرفاق، يود الطفل في المهد لو استطاع إليك نهوضا، ونواسط الوحش لو تجد نحوك مجازا، تهتز بك أطراف الدنيا بهجة، وتهز بك أغصان العز نضرة، وتستقر بواني العز في قرارها، وتئوب شوارد الدين إلى أوكارها، يتهاطل عليك سحائب الظفر فتخنق كل عدو وتنصر كل ولي، فلا يبقى على وجه الأرض جبار قاسط، ولا جاحد غامط، ولا شانئ مبغض، ولا معاند كاشح، ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا.

ثم قال: يا أبا إسحاق ليكن مجلسي هذا عندك مكتوما إلا عن أهل الصدق والأخوة الصادقة في الدين، إذا بدت لك إمارات الظهور والتمكن فلا تبطئ بإخوانك عنا ،وبأهل المسارعة إلى منار اليقين وضياء مصابيح الدين، تلق رشدا إن شاء الله.

قال إبراهيم بن مهزيار: فمكثت عنده حينا أقتبس ما أأؤدي إليهم من موضحات الأعلام ونيرات الأحكام، وأروي نبات الصدور من نضارة ما أذخره الله في طبائعه من لطائف الحكم، وطرائف فواضل القسم، حتى خفت إضاعة مخلفي بالأهواز لتراخي اللقاء عنهم، فاستأذنته في القفول وأعلمته عظيم ما أصدر به عنه من التوحش لفرقته، والتجرع للظعن عن محاله، فأذن وأردفني من صالح دعائه ما يكون ذخرا عند الله لي ولعقبي وقرابتي إن شاء الله، فلما أزف ارتحالي وتهيأ اعتزام نفسي غدوت عليه مودعا ومجددا للعهد، وعرضت عليه مالا كان معي يزيد على خمسين ألف درهم، وسألته أن يتفضل بالأمر بقبوله مني، فابتسم وقال: يا أبا إسحاق استعن به على منصرفك، فإن الشقة قذفة وفلوات الأرض أمامك جمة، ولا تحزن لإعراضنا عنه فإنا قد أحدثنا لك شكره ونشره، وربضناه عندنا بالتذكرة وقبول المنة، فبارك الله فيما خولك، وأدام لك ما نولك، وكتب لك أحسن ثواب المحسنين، وأكرم آثار الطائعين، فإن الفضل له ومنه وأسأل الله أن يردك إلى أصحابك بأوفر الحظ من سلامة الأوبة، وأكناف الغبطة بلين المنصرف، ولا أوعث الله لك سبيلا، ولا حير لك دليلا، وأستودعه نفسك وديعة لا تضيع ولا تزول بمنه ولطفه إن شاء الله، يا أبا إسحاق قنعنا بعوائد إحسانه وفوائد امتنانه، وصان أنفسنا عن معاونة الأولياء إلا عن الإخلاص في النية وإمحاض النصيحة والمحافظة على ما هو أتقى وأبقى وأرفع ذكرا.

قال: فأقفلت عنه حامدا لله عز وجل على ما هداني وأرشدني، عالما بأن الله لم يكن ليعطل أرضه ولا يخليها من حجة واضحة وإمام قائم، وألقيت هذا الخبر المأثور والنسب المشهور توخيا للزيادة في بصائر أهل اليقين، وتعريفا لهم ما من الله عز وجل به من إنشاء الذرية الطيبة والتربة الزكية، وقصدت أداء الأمانة والتسليم لما استبان ليضاعف الله عز وجل الملة الهادية والطريقة المستقيمة المرضية قوة عزم وتأييد نية وشدة أزر واعتقاد عصمة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم).

يقول محمد تقي الشريف مصنف هذا الكتاب: وروى الصدوق في كتابه المذكور في موضع آخر قال: حدثنا أبو الحسن علي بن موسى ابن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: (وجدت في كتاب أبي حدثنا محمد بن أحمد الطوال، عن أبيه، عن الحسن بن علي الطبري، عن أبي جعفر محمد بن علي بن مهزيار، قال: سمعت أبي يقول: سمعت جدي علي بن مهزيار يقول: كنت نائما في مرقدي إذ رأيت فيما يرى النائم قائلا يقول لي حج في هذه السنة فإنك تلقى صاحب زمانك) ثم ساق حديثا يشبه هذا الحديث ببعض الزيادة والنقيصة بل يظهر منه الاتحاد.

وفي مدينة المعاجز عن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (روى أبو عبد الله محمد بن سهل الجلودي قال: حدثنا أبو الخير أحمد بن محمد بن جعفر الطائي الكوفي في مسجد أبي إبراهيم موسى بن جعفر قال: حدثنا محمد بن الحسن بن يحيى الحارثي قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي قال: خرجت في بعض السنين حاجا) ثم ساق حديثا يظهر منه الاتحاد للخبرين المذكورين مع كونه مغائرا لهما في كثير من المعاني.

تحقيق في سند الخبر

والظاهر والله أعلم اتحاد القصة ونشوء الاختلاف في المعاني واسم الرواي من سهو الرواة وعدم ضبطهم، ثم الظاهر بعد ذلك على تقدير كون الصحيح في اسم الراوي علي بن مهزيار دون إبراهيم أنه علي بن إبراهيم بن مهزيار ابن أخي علي بن مهزيار المعروف كما احتمله المجلسي أيضا في البحار، لبعد بقاء علي بن مهزيار إلى ذلك الزمان فإنه من أصحاب زمن الرضا (عليه السلام)، ولا يأتي هذا الاستبعاد في إبراهيم وإن كان أخا علي المذكور لكونه هو أصغر سنا منه كما يشهد بذلك روايته عن أخيه علي دون العكس، ولتصريح الأصحاب بكون إبراهيم من سفراء الصاحب (عليه السلام) ووكلائه، ووردت أخبار صريحة في إدراكه زمن الغيبة، وأما علي فقد عده أهل الرجال من أصحاب الرضا والجواد والهادي (عليهم السلام) ولم يتعدوا إلى ما بعد ذلك، وهو دليل آخر لما ذكرناه من عدم بقائه إلى زمان الغيبة، وتحقيق هذا الاحتمال مضافا إلى ما ذكر وقوع التصريح بذلك في سند الشيخ في كتابه الغيبة فإنه روى عن جماعة عن التلعكبري، عن أحمد بن علي الرازي، عن علي بن الحسين، عن رجل ذكر أنه من أهل قزوين لم يذكر اسمه، عن حبيب بن محمد بن يونس بن شاذان الصنعاني قال: دخلت على علي بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي) ثم ساق حديث قريب المعني من رواية الطبري وهو كما ترى صريح في كون الراوي علي بن إبراهيم، هذا وذكر السيد العلامة التوبلي في كتاب تبصرة الولي سند كتاب كمال الدين هكذا عن أبي جعفر بن محمد بن علي بن إبراهيم بن مهزيار بوقوع الابن بين الكنية والاسم، ووقوع إبراهيم بين علي ومهزيار ولعله أصح فإن السند المذكور أولا وإن كان في نسختين عندي من أصل كتاب كمال الدين كما أوردته، وكذا في غيبة البحار نقلا عنه، غير أنه كما ترى واضح الاختلال يحتاج تصحيحه إلى تكلفات عديدة، ولذا احتمل المجلسي أيضا كون الابن ساقطا من بين الكنية والاسم بخلاف ما ذكر وإن كان هو أيضا مع ذلك لا يخلو عن قصور، لأن سياق السند يعطي كون الجد إبراهيم بن مهزيار دون علي، لأن قائل سمعت جدي هو محمد ابن علي لا أبو جعفر بن محمد، فافهم، فلا بد في تصحيحه من ارتكاب أحد أمرين إما القول بكون الراوي إبراهيم وأن ذكر علي كأنه سهو من الرواة، أو القول بسقوط بعض الآباء من البين حتى يصح كون علي جدا لمحمد ولا بعد فيه فإن إسقاط الآباء من البين غير عزيز في ذكر الأنساب كمحمد بن بابويه وعلي بن بابويه فإن بابويه جدهما الأعلى والنسب المتصل محمد بن علي بن الحسين مولا ابن بابويه، ولو صح الاحتمال الأخير فهو أيضا يدل على كون الراوي علي بن إبراهيم بن مهزيار دون علي بن مهزيار المعروف، فالاشتباه من الرواة على تقدير اتحاد الواقعة كما هو الظاهر إنما هو بين إبراهيم وبين ابنه علي لا بينه وبين أخيه فلا موقع لما قال الشيخ السديد قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي فإنه قال في الخرائج بعد ذكر حديث إبراهيم بن مهزيار بسنده عن الصدوق ما هذا لفظه: وهذا مثل حكاية أخيه علي بن مهزيار فإنه قال: (حججت عشرين حجة لذلك) الخبر، هذا ما أدى إليه نظري القاصر في تنقيح سند هذا الخبر وتعمير ما في المتون من الاختلافات الكثيرة، وإلى الله المشتكى من سوء خبط الرواة وتضييعهم للروايات.

الإمام يكرم عيسى بن مهدي الجواهري

الرابع والستون الهداية لابن حمدان ،أقول: وروي في بعض تأليفات أصحابنا عن الحسين بن حمدان، عن أبي محمد عيسى بن مهدي الجوهري قال: (خرجت في سنة ثمان وستين ومائتين إلى الحج وكان قصدي المدينة حيث صح عندنا أن صاحب الزمان (عليه السلام) قد ظهر، فاعتللت وقد خرجنا من فيد فتعلقت نفسي بشهوة السمك والتمر، فلما وردت المدينة ولقيت بها إخواننا بشروني بظهوره (عليه السلام) بصاريا، فصرت إلى صاريا فلما أشرفت على الوادي رأيت عنيزات عجافا تدخل القصر، فوقفت أرقب الأمر إلى أن صليت العشاءين وأنا أدعو وأتضرع وأسأل، فإذا أنا ببدر الخادم يصيح بي يا عيسى بن مهدي الجوهري ادخل، فكبرت وهللت وأكثرت من حمد الله عز وجل والثناء عليه، فلما صرت في صحن القصر رأيت مائدة منصوبة فمر بي الخادم فأجلسني عليها وقال لي: مولاك يأمرك أن تأكل ما اشتهيت في علتك وأنت خارج من فيد، فقلت في نفسي: حسبي بهذا برهانا فكيف آكل ولم أر سيدي ومولاي، فصاح: يا عيسى كل من طعامك فإنك تراني، فجلست على المائدة فنظرت فإذا فيها سمك حار يفور وتمر إلى جانبه أشبه التمور بتمورنا وبجانب التمر لبن، فقلت في نفسي: عليل وسمك وتمر ولبن، فصاح بي: يا عيسى أ تشك في أمرنا ؟ فأنت أعلم بما ينفعك ويضرك، فبكيت واستغفرت الله تعالى وأكلت من الجميع، وكلما رفعت يدي منه لم يتبين موضعها فيه ووجدته أطيب ما ذقته في الدنيا، فأكلت منه كثيرا حتى استحييت، فصاح بي: لا تستحي يا عيسى فإنه من طعام الجنة لم تصنعه يد مخلوق، فأكلت فرأيت نفسي لا تنتهي عنه من أكله، فقلت :يا مولاي حسبي، فصاح بي: أقبل إلي، فقلت في نفسي: آتي مولاي ولم أغسل يدي، فصاح بي: يا عيسى وهل لما أكلت غمر، فشممت يدي فإذا هي أعطر من المسك والكافور، فدنوت منه (عليه السلام) فبدا لي نور غشى بصري ورهبت حتى ظننت أن عقلي قد اختلط، فقال لي: يا عيسى ما كان لكم أن تزوروني لولا المكذبون القائلون بأي مكان هو ومتى كان وأين ولد ومن رآه وما الذي خرج إليكم منه وبأي شيء نبأكم وأي معجز أتاكم، أما والله لقد رفضوا أمير المؤمنين (عليه السلام) مع ما رأوه وقدموا عليه وكادوه وقتلوه وكذلك آبائي (عليهم السلام) ولم يصدقوهم، ونسبوهم إلى السحر والكهنة وخدمة الجن، إلى أن قال: يا عيسى فخبر أولياءنا بما رأيت وإياك أن تخبر عدوا فتسلبه، فقلت: يا مولاي ادع لي بالثبات، فقال: لو لم يثبتك الله ما رأيتني فامض لحجك راشدا، فخرجت أكثر حمد الله وشكرا).

أقول: وفي الكتاب الآخر لابن حمدان عن عيسى الجوهري المذكور مثله إلا أن فيه أنه قال: (خرجت في سنة ثمان وستين ومائتين إلى الحج وكان قصدي المدينة وصاريا حيث صح عندنا أن صاحب الزمان (عليه السلام) رحل من العراق إلى المدينة فجلست بالقصر بصاريا في ظلة بجانب ظلة أبيه أبي محمد الحسن (عليه السلام) ودخل عليه قوم من خاص شيعته فخرجت بعد حجت ثلاثين حجة في تلك السنة حاجا مشتاقا إلى لقائه (عليه السلام) بصاريا فاعتللت وقد خرجنا من فيد..، وساق الحديث إلى أن قال:: فامض لحجك راشدا فخرجت من أكثر الناس حمدا وشكرا).

الإمام يزيل الشك عن قلب محمد بن إبراهيم

الخامس والستون كتاب ابن حمدان المذكور قال: حدثني محمد بن جمهور عن محمد بن إبراهيم بن مهزيار قال: (شككت بعد مضي أبي محمد واجتمع عند أبي مال كثير فحمله وركب السفينة وخرجت معه مشيعا، فوعك وعكا شديدا فقال: يا بني ردني فهذا الموت، وقال: اتق الله في هذا المال، وأوصاني ومات، فقلت في نفسي: لم يكن أبي أوصاني في شيء غير صحيح أحمل هذا المال إلى العراق وأستكري دارا على الشط ولا أخبر أحدا بشيء، فإن وضح لي شيء كوضوحه أيام أبي محمد أنفذته أو رجعت به، وقدمت بغداد واستكريت دارا على الشط وبقيت أياما فإذا أنا برسول معه رقعة فيها: يا أبا محمد معك كذا في جوف كذا حتى قص علي جميع ما علمته وما لم أعلمه فسلمته للرسول وبقيت أياما لا يرفع لي رأس، واغتممت فخرج إلي الأمر: قد أقمناك في مال لنا مقام أبيك فاحمد الله واشكره).

أقول: وفي الكافي عن علي بن محمد بن حمويه السويداوى عن محمد بن إبراهيم بن مهزيار مثله بمغائرة يسيرة في اللفظ.

السادس والستون غيبة الشيخ قال: وأخبرني جماعة عن أبي غالب أحمد بن محمد الزراري قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن زيد بن مروان قال: حدثني أبو عيسى محمد بن علي الجعفري وأبو الحسين محمد بن علي بن الرقام قال: حدثنا أبو سورة قال: أبو غالب وقد رأيت ابنا لأبي سورة وكان أبو سورة أحد مشايخ الزيدية المذكورين. قال: أبو سورة خرجت إلى قبر أبي عبد الله (عليه السلام) أريد يوم عرفة، فعرفت يوم عرفة فلما كان وقت عشاء الآخرة صليت وقمت فابتدأت أقرأ من الحمد وإذا شاب حسن الوجه عليه جبة سيفي فابتدأ أيضا من الحمد وختم قبلي أو ختمت قبله، فلما كان الغداة خرجنا جميعا من باب الحائر فلما صرنا إلى شاطئ الفرات قال لي الشاب: أنت تريد الكوفة فامض، فمضيت طريق الفرات وأخذ الشاب طريق البر. قال أبو سورة: ثم أسفت على فراقه فاتبعته فقال لي: تعال، فجئنا جميعا إلى أصل حصن المسناة فنمنا جميعا وانتبهنا فإذا نحن على العوفي على جبل الخندق فقال لي: أنت مضيق وعليك عيال فامض إلى أبي طاهر الزراري فيخرج إليك من منزله وفي يده الدم من الأضحية فقل له شاب من صفته كذا يقول لك صرة فيها عشرون دينارا جاءك بها بعض إخوانك فخذها منه. قال: أبو سورة: فصرت إلى أبي طاهر الزراري كما قال الشاب ووصفته له فقال: الحمد لله ورأيته فدخل وأخرج إلي صرة الدنانير فدفعها إلي وانصرفت) الخبر.

السابع والستون كمال الدين قال: (حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد الخزاعي قال: حدثنا أبو علي بن أبي الحسين الأسدي عن أبيه قال: ورد علي توقيع من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري ابتداء لم يتقدمه سؤال (بسم الله الرحمن الرحيم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من استحل من مالنا درهما) قال أبو الحسين الأسدي : فوقع في نفسي أن ذلك فيمن استحل من مال الناحية درهما دون من أكل منه غير مستحل له وقلت في نفسي إن ذلك في جميع من استحل محرما فأي فضل في ذلك للحجة (عليه السلام) على غيره؟ قال: فوالذي بعث محمدا بالحق بشيرا لقد نظرت بعد ذلك في التوقيع فوجدته قد انقلب إلى ما وقع في نفسي (بسم الله الرحمن الرحيم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من أكل من مالنا درهما حراما) قال أبو جعفر محمد بن محمد الخزاعي: أخرج إلينا أبو علي بن أبي الحسين الأسدي هذا التوقيع حتى نظرنا إليه وقرأناه).

الثامن والستون الخرائج عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه قال: (لما وصلت بغداد في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة للحج وهي السنة التي رد القرامطة فيها الحجر إلى مكانه من البيت كان أكبر همي من ينصب الحجر لأنه مضى في أثناء الكتب قصة أخذه وأنه إنما ينصبه في مكانه الحجة في الزمان كما في زمان الحجاج وضعه زين العابدين (عليه السلام) في مكانه واستقر. فاعتللت علة صعبة خفت منها على نفسي ولم يتهيأ لي ما قصدت له فاستنبت المعروف بابن هشام وأعطيته رقعة مختومة أسأل فيها عن مدة عمري وهل تكون الموتة في هذه العلة أم لا ،وقلت: همي إيصال هذه الرقعة إلى واضع الحجر في مكانه وأخذ جوابه وإنما أندبك لهذا قال فقال المعروف بابن هشام: لما حصلت بمكة وعزم على إعادة الحجر بذلت لسدنة البيت جملة تمكنت معها من الكون بحيث أرى واضع الحجر في مكانه فأقمت معي منهم من يمنع عني ازدحام الناس، فكلما عمد إنسان لوضعه اضطرب ولم يستقم، فأقبل غلام أسمر اللون حسن الوجه فتناوله ووضعه في مكانه فاستقام كأنه لم يزل عنه وعلت لذلك الأصوات فانصرف خارجا من الباب فنهضت من مكاني أتبعه وأدفع الناس عني يمينا وشمالا حتى ظن بي الاختلاط في العقل والناس يفرجون لي وعيني لا تفارقه حتى انقطع عن الناس فكنت أسرع السير خلفه وهو يمشي على تؤدة ولا أدركه، فلما حصل بحيث لا أحد يراه غيري وقف والتفت إلي فقال: هات ما معك. فناولته الرقعة فقال: من غير أن ينظر فيها قل له لا خوف عليك في هذه العلة ويكون ما لا بد منه بعد ثلاثين سنة. قال: فوقع علي الدمع حتى لم أطق حراكا وتركني وانصرف. قال أبو القاسم: فأعلمني بهذه الجملة، فلما كان سنة سبع وستين اعتل أبو القاسم وأخذ ينظر في أمره وتحصيل جهازه إلى قبره وكتب وصيته واستعمل الجد في ذلك، فقيل له ما هذا الخوف ونرجو أن يتفضل الله تعالى بالسلامة فما عليك بمخوفة، فقال: هذه السنة التي خوفت فيها فمات في علته).

التاسع والستون كمال الدين قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن الحسين بن عبد الله بن محمد بن مهران الآبي العروضي بمرو قال: حدثنا أبو الحسين بن زيد بن عبد الله البغدادي قال: حدثنا أبو الحسن علي بن سنان الموصلي قال: حدثني أبي قال: (لما قبض سيدنا أبو محمد الحسن ابن علي العسكري (عليهم السلام) وفد من قم والجبال وفود بالأموال التي كانت تحمل على الرسم والعادة ولم يكن عندهم خبر وفاة الحسن (عليه السلام) فلما أن وصلوا إلى سر من رأى سألوا عن سيدنا الحسن بن علي (عليه السلام) فقيل لهم إنه قد فقد فقال: فمن وارثه؟ قال: أخوه جعفر بن علي، فسألوا عنه فقيل لهم إنه قد خرج متنزها وركب زورقا في دجلة يشرب ومعه المغنون قال: فتشاور القوم فقال: ليست هذه صفات الإمام وقال: بعضهم لبعض امضوا بنا لنرد هذه الأموال على أصحابها، فقال أبو العباس محمد بن جعفر الحميري القمي: قفوا بنا حتى ينصرف هذا الرجل ونختبر أمره على الصحة، قال: فلما انصرف دخلوا عليه فسلموا عليه وقال: يا سيدنا نحن قوم من أهل قم ومعنا جماعة من الشيعة وغيرها وكنا نحمل إلى سيدنا أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) الأموال، فقال: وأين هي؟ قال: معنا ،قال: احملوها إلي، قال: لا إن لهذه الأموال خبرا طريفا، فقال: وما هو؟ قال: إن هذه الأموال تجمع ويكون فيها من عامة الشيعة الدينار والديناران ثم يجعلونها في كيس ويختمون عليه وكنا إذا وردنا بالمال قال سيدنا أبي محمد (عليه السلام) جملة المال كذا وكذا دينارا من فلان كذا ومن فلان كذا حتى يأتي على أسماء الناس كلهم ويقول ما على الخواتيم من نقش فقال جعفر: كذبتم تقولون على أخي ما لم يفعله هذا علم الغيب، قال: فلما سمع القوم كلام جعفر جعل ينظر بعضهم إلى بعض، فقال لهم احملوا هذا المال إلي قال: إنا قوم مستأجرون وكلاء لأرباب المال ولا نسلم المال إلا بالعلامات التي كنا نعرفها من سيدنا أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) فإن كنت الإمام فبرهن لنا وإلا رددناها إلى أصحابها يرون فيها رأيهم قال: فدخل جعفر على الخليفة وكان بسر من رأى فاستعدى عليهم فلما أحضروا قال الخليفة: احملوا هذا المال إلى جعفر قال: أصلح الله أمير المؤمنين إنا قوم مستأجرون وكلاء لأرباب هذه الأموال وهي وداعة الجماعة أمرونا بأن لا نسلمها إلا بعلامة ودلالة وقد جرت بهذا العادة مع أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام)، فقال الخليفة: وما الدلالة التي كانت لأبي محمد؟ قال القوم: كان يصف الدنانير وأصحابها والأموال وكم هي فإذا فعل ذلك سلمناها إليه وقد وفدنا إليه مرارا فكانت هذه علامتنا منه ودلالتنا وقد مات فإن يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر فليقم لنا ما كان يقيمه لنا أخوه وإلا رددناها إلى أصحابها، فقال جعفر: يا أمير المؤمنين إن هؤلاء قوم كذابون يكذبون على أخي وهذا علم الغيب فقال الخليفة: القوم رسل وما على الرسول إلا البلاغ المبين، قال: فبهت جعفر ولم يحر جوابا فقال القوم: يتطول أمير المؤمنين بإخراج أمره إلى من يبدرقنا حتى نخرج من هذه البلدة قال: فأمر لهم بنقيب فأخرجهم منها، فلما أن خرجوا من البلد خرج عليهم غلام أحسن الناس وجها كأنه خادم فنادى يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان أجيبوا مولاكم قال فقال: له أنت مولانا، قال: معاذ الله أنا عبد مولاكم فسيروا إليه قال: فسرنا معه حتى دخلنا دار مولانا الحسن بن علي (عليه السلام) فإذا ولده القائم (عليه السلام) قاعد على سرير كأنه فلقة القمر عليه ثياب خضر فسلمنا عليه فرد علينا السلام ثم قال: جملة المال كذا وكذا دينارا حمل فلان كذا وحمل فلان كذا ولم يزل يصف حتى وصف الجميع ثم وصف ثيابنا ورحالنا وما كان معنا من الدواب فخررنا سجدا لله عز وجل شكرا لما عرفنا وقبلنا الأرض بين يديه ثم سألناه عما أردنا فأجاب فحملنا إليه الأموال وأمرنا القائم (عليه السلام) أن لا نحمل إلى سر من رأى بعدها شيئا من المال فإنه ينصب لنا ببغداد رجلا نحمل إليه الأموال ويخرج من عنده التوقيعات قال: فانصرفنا من عنده ودفع إلى أبي العباس محمد بن جعفر القمي الحميري شيئا من الحنوط والكفن وقال: له أعظم الله أجرك في نفسك قال: فما بلغ أبو العباس عقبة همدان حتى توفي، وكان بعد ذلك تحمل الأموال إلى بغداد إلى النواب المنصوبين بها ويخرج من عندهم التوقيعات).

السبعون وفيه قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: كنت عند الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح مع جماعة فيهم علي بن عيسى القصري فقام إليه رجل فقال له: (إني أريد أن أسألك عن شيء، فقال له: سل عما بدا لك، فقال الرجل: أخبرني عن الحسين بن علي (عليه السلام) أهو ولي الله؟ قال: نعم قال: أخبرني عن قاتله أهو عدو الله؟ قال: نعم، قال الرجل: فهل يجوز أن يسلط الله عز وجل عدوه على وليه؟ فقال له أبو القاسم الحسين بن روح قدس الله روحه: افهم عني ما أقول لك اعلم أن الله عز وجل لا يخاطب الناس بمشاهدة العيان ولا يشافههم بالكلام ولكنه جل جلاله يبعث إليهم رسلا من أجناسهم وأصنافهم بشرا مثلهم ولو بعث إليهم رسلا من غير صنفهم وصورهم لنفروا عنهم ولم يقبلوا منهم فلما جاؤوهم وكانوا من جنسهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق قال لهم: أنتم بشر مثلنا ولا نقبل منكم حتى تأتونا بشيء نعجز أن نأتي بمثله فنعلم أنكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه، فجعل الله عز وجل لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها، فمنهم من جاء بالطوفان بعد الإنذار والإعذار فغرق جميع من طغى وتمرد، ومنهم من ألقي في النار فكانت بردا وسلاما، ومنهم من أخرج من الحجر الصلد ناقة وأجرى من ضرعها لبنا، ومنهم من فلق له البحر وفجر له من الحجر العيون وجعل له العصا اليابسة ثعبانا تلقف ما يأفكون، ومنهم من أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى بإذن الله وأنبأهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، ومنهم من انشق له القمر وكلمته البهائم مثل البعير والذئب وغير ذلك، فلما أتوا بمثل ذلك وعجز الخلق عن أمرهم وعن أن يأتوا بمثله كان من تقدير الله عز وجل ولطفه بعباده وحكمته أن جعل أنبياءه (عليهم السلام) مع هذه القدرة والمعجزات في حالة غالبين وفي أخرى مغلوبين وفي حال قاهرين وفي أخرى مقهورين ولو جعلهم الله عز وجل في جميع أحوالهم غالبين وقاهرين ولم يبتلهم ولم يمتحنهم لاتخذهم الناس آلهة من دون الله عز وجل ولما عرف فضل صبرهم على البلاء والمحن والاختبار، ولكنه عز وجل جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم ليكونوا في حال المحنة والبلوى صابرين وفي حال العافية والظهور على الأعداء شاكرين ويكونوا في جميع أحوالهم متواضعين غير شامخين ولا متجبرين وليعلم العباد أن لهم (عليهم السلام) إلها هو خالقهم ومدبرهم فيعبدوه ويطيعوا رسله وتكون حجة الله ثابتة على من تجاوز الحد فيهم وادعى لهم الربوبية أو عاند أو خالف وعصى وجحد بما أتت به الرسل والأنبياء (عليهم السلام) لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، قال محمد بن إبراهيم بن إسحاق : فعدت إلى الشيخ أبي القاسم بن روح قدس الله روحه من الغد وأنا أقول في نفسي أ تراه ذكر ما ذكر لنا يوم أمس من عند نفسه فابتدأني فقال لي: يا محمد بن إبراهيم لأن أخر من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحب إلي من أن أقول في دين الله عز وجل برأيي أو من عند نفسي بل ذلك عن الأصل ومسموع عن الحجة صلوات الله وسلامه عليه).

الحادى والسبعون غيبة الطوسي أخبرني محمد بن محمد بن النعمان والحسين بن عبيد الله عن محمد بن أحمد الصفواني قال: (رأيت القاسم بن العلاء وقد عمر مائة سنة وسبع عشرة سنة منها ثمانون سنة صحيح العينين، لقي مولانا أبا الحسن وأبا محمد العسكريين (عليهم السلام) وحجب بعد الثمانين وردت عليه عيناه قبل وفاته بسبعة أيام وذلك: أني كنت مقيما عنده بمدينة الران من أرض آذربايجان وكان لا تنقطع توقيعات مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) على يد أبي جعفر محمد بن عثمان العمري وبعده على يد أبي القاسم الحسين بن روح قدس الله أرواحهما فانقطعت عنه المكاتبة نحوا من شهرين فقلق لذلك، فبينا نحن عنده نأكل إذ دخل البواب مستبشرا فقال له: فيج العراق لا يسمى بغيره، فاستبشر القاسم وحول وجهه إلى القبلة فسجد ودخل كهل قصير يرى أثر الفيوج عليه وعليه جبة مضربة وفي رجله نعل محاملي وعلى كتفه مخلاة، فقام القاسم فعانقه ووضع المخلاة عن عنقه ودعا بطشت وماء فغسل يده وأجلسه إلى جانبه فأكلنا وغسلنا أيدينا فقام الرجل فأخرج كتابا أفضل من النصف الدرج فناوله القاسم فأخذه وقبله ودفعه إلى كاتب له يقال له ابن أبي سلمة فأخذه أبو عبد الله ففضه وقرأه حتى أحس القاسم ببكائه فقال: يا أبا عبد الله خير؟ فقال: خير، فقال: ويحك خرج في شيء؟ فقال أبو عبد الله: ما تكره فلا، قال القاسم فما هو؟ قال: نعي الشيخ إلى نفسه بعد ورود هذا الكتاب بأربعين يوما وقد حمل إليه سبعة أثواب فقال القاسم في سلامة من ديني؟ فقال: في سلامة من دينك، فضحك فقال: ما أؤمل بعد هذا العمر، فقال الرجل الوارد: فأخرج من مخلاته ثلاثة أزر وحبرة يمانية حمراء وعمامة وثوبين ومنديلا فأخذه القاسم وكان عنده قميص خلعه عليه مولانا الرضا أبو الحسن (عليه السلام) وكان له صديق يقال له عبد الرحمن بن محمد السنيزي وكان شديد النصب وكان بينه وبين القاسم نضر الله وجهه مودة في أمور الدنيا شديدة، وكان القاسم يوده وقد كان عبد الرحمن وافى إلى الدار لإصلاح بين أبي جعفر بن حمدون الهمداني وبين ختنة ابن القاسم، فقال القاسم لشيخين من مشايخنا المقيمين معه أحدهما يقال له أبو حامد عمران بن المفلس والآخر أبو علي بن جحدر أن أقرآ هذا على الكتاب عبد الرحمن بن محمد فإني أحب هدايته وأرجو أن يهديه الله بقراءة هذا الكتاب، فقالا له: الله الله الله فإن هذا الكتاب لا يحتمل ما فيه خلق من الشيعة فكيف عبد الرحمن بن محمد، فقال: أنا أعلم أني مفش لسر لا يجوز لي إعلانه لكن من محبتي لعبد الرحمن بن محمد وشهوتي أن يهديه الله عز وجل لهذا الأمر هو ذا أقرآه الكتاب، فلما مر ذلك اليوم وكان يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من رجب دخل عبد الرحمن بن محمد وسلم عليه فأخرج القاسم الكتاب فقال له: اقرأ هذا الكتاب وانظر لنفسك فقرأ عبد الرحمن الكتاب فلما بلغ إلى موضع النعي رمى الكتاب عن يده وقال للقاسم: يا أبا محمد اتق الله فإنك رجل فاضل في دينك متمكن من عقلك والله عز وجل يقول ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾، وقال: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً﴾، فضحك القاسم وقال له: أتم الآية ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ ومولاي (عليه السلام) هوالرضا من الرسول وقال: قد علمت أنك تقول هذا ولكن أرخ اليوم فإن أنا عشت بعد هذا اليوم المؤرخ في هذا الكتاب فاعلم أني لست على شي‏ء وإن أنا مت فانظر لنفسك فورخ عبد الرحمن اليوم وافترقوا، وحم القاسم يوم السابع من ورود الكتاب واشتدت به في ذلك اليوم العلة واستند في فراشه إلى الحائط وكان ابنه الحسن بن القاسم مدمنا على شرب الخمر وكان متزوجا إلى أبي جعفر ابن حمدون الهمداني وكان جالسا ورداؤه مستور على وجهه في ناحية من الدار وأبو حامد في ناحية وأبو علي بن جحدر وأنا وجماعة من أهل البلد نبكي إذ اتكأ القاسم على يديه إلى خلف وجعل يقول يا محمد يا علي يا حسن يا حسين يا موالي كونوا شفعائي إلى الله عز وجل وقالها الثانية وقالها الثالثة، فلما بلغ في الثالثة يا موسى يا علي تفرقعت أجفان عينيه كما يفرقع الصبيان شقائق النعمان وانتفخت حدقته وجعل يمسح بكمه عينيه وخرج من عينيه شبيه بماء اللحم ثم مد طرفه إلى ابنه فقال: يا حسن إلي، يا أبا حامد إلي، يا أبا علي إلي فاجتمعنا حوله ونظرنا إلى الحدقتين صحيحتين، فقال له أبو حامد: تراني وجعل يده على كل واحد منا وشاع الخبر في الناس والعامة وأتاه الناس من العوام ينظرون إليه، وركب القاضي إليه وهو أبو السائب عتبة بن عبيدالله المسعودي وهو قاضي القضاة ببغداد فدخل عليه فقال له: يا أبا محمد ما هذا الذي بيدي وأراه خاتما فصه فيروزج فقربه منه فقال: عليه ثلاثة أسطر فتناوله القاسم فلم يمكنه قراءته وخرج الناس متعجبين يتحدثون بخبره، والتفت القاسم إلى ابنه الحسن فقال له: إن الله منزلك منزلة ومرتبك مرتبة فاقبلها بشكر فقال له الحسن: يا أبة قد قبلتها، قال القاسم: على ماذا؟ قال: على ما تأمرني به يا أبة، قال: على أن ترجع عما أنت عليه من شرب الخمر، قال الحسن: يا أبة وحق من أنت في ذكره لأرجعن عن شرب الخمر ومع الخمر أشياء لا تعرفها فرفع القاسم يده إلى السماء وقال: اللهم ألهم الحسن طاعتك وجنبه معصيتك ثلاث مرات، ثم دعا بدرج فكتب وصيته بيده وكانت الضياع التي في يده لمولانا وقف وقفه أبوه، وكان فيما أوصى الحسن أن قال: (يا بني إن أهلت لهذا الأمر يعني الوكالة لمولانا فيكون قوتك من نصف ضيعتي المعروفة بفرجيذه وسائرها ملك لمولاي وإن لم تؤهل له فاطلب خيرك من حيث يتقبل الله) وقبل الحسن وصيته على ذلك. فلما كان في يوم الأربعين وقد طلع الفجر مات القاسم فوافاه عبد الرحمن يعدو في الأسواق حافيا حاسرا وهو يصيح وا سيداه فاستعظم الناس ذلك منه وجعل الناس يقولون ما الذي تفعل بنفسك فقال: اسكتوا فقد رأيت ما لم تروه، وتشيع ورجع عما كان عليه ووقف الكثير من ضياعه. وتولى أبو علي بن جحدر غسل القاسم وأبو حامد يصب عليه الماء وكفن في ثمانية أثواب على بدنه قميص مولاه أبي الحسن وما يليه السبعة الأثواب التي جاءته من العراق، فلما كان بعد مدة يسيرة ورد كتاب تعزية على الحسن من مولانا (عليه السلام) في آخره دعاء (ألهمك الله طاعته وجنبك معصيته) وهو الدعاء الذي كان دعا به أبوه وكان آخره (قد جعلنا أباك إماما لك وفعاله لك مثالا)).

الثاني والسبعون الخرائج قال: ومنها ما روى علان عن ظريف أبي نصر الخادم قال: دخلت على صاحب الزمان (عليه السلام) وهو في المهد فقال لي: علي بالصندل الأحمر، فأتيته به ،فقال: أ تعرفني؟ قلت: نعم أنت سيدي وابن سيدي، فقال: ليس عن هذا سألتك، فقلت: فسر لي، فقال: أنا خاتم الأوصياء وبي يرفع الله البلاء عن أهلي وشيعتي).

الثالث والسبعون كمال الدين قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن أحمد بن روح بن عبد الله بن منصور بن يونس بن روح صاحب مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) قال:(سمعت محمد بن الحسن الصيرفي المقيم بأرض بلخ يقول أردت الخروج إلى الحج وكان معي مال بعضه ذهب وبعضه فضة فجعلت ما كان معي من ذهب سبائك وما كان معي من فضة نقرا وكان قد دفع ذلك المال إلي لأسلمه إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح قدس الله روحه، قال: فلما نزلت سرخس ضربت خيمتي على موضع فيه رمل وجعلت أميز تلك السبائك والنقر فسقطت سبيكة من تلك السبائك مني وغاصت في الرمل وأنا لا أعلم قال: فلما دخلت همدان ميزت تلك السبائك والنقر مرة أخرى اهتماما مني بحفظها ففقدت منها سبيكة وزنها مائة مثقال وثلاثة مثاقيل أو قال: ثلاثة وتسعون مثقالا، قال: فسبكت مكانها من مالي بوزنها سبيكة وجعلتها بين السبائك، فلما وردت مدينة السلام قصدت الشيخ أبا القاسم الحسين بن روح قدس الله روحه وسلمت إليه ما كان معي من السبائك والنقر فمد يده من بين السبائك إلى السبيكة التي كنت سبكتها من مالي بدلا مما ضاع مني فرمى بها إلي وقال لي: ليست هذه السبيكة لنا وسبيكتنا ضيعتها بسرخس حيث ضربت خيمتك في الرمل فارجع إلى مكانك وانزل حيث نزلت واطلب السبيكة هناك تحت الرمل فإنك ستجدها وستعود إلى هاهنا فلا تراني، قال: فرجعت إلى سرخس ونزلت حيث كنت نزلت ووجدت السبيكة تحت الرمل وقد نبت عليها الحشيش فأخذت السبيكة وانصرفت إلى بلدي، فلما كان بعد ذلك حججت ومعي السبيكة فدخلت مدينة السلام وقد كان الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح مضى ولقيت أبا الحسن علي بن محمد السمري فسلمت إليه السبيكة).

الرابع والسبعون وفيه حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب قال: (كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري قدس الله روحه فحضرته قبل وفاته بأيام فأخرج إلى الناس توقيعا نسخته (بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة الثانية فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جورا، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه فقيل له من وصيك من بعدك فقال: لله أمر هو بالغه ومضى فهذا آخر كلام سمع منه)هي.

سنة تناثر النجوم

يقول محمد تقي الشريف مصنف هذا الكتاب: علي بن محمد هذا آخر الأبواب الأربعة الذين كانت الشيعة ترجع إليهم بنص من قبل الإمام (عليه السلام) في أمورهم زمان الغيبة الصغرى، ولما توفي علي بن محمد وقعت الغيبة التامة وذلك للنصف من شعبان من سنة تسع وعشرين وثلاثمائة من الهجرة على ما ذكره الشيخ في الغيبة وغيره في غيره وهي سنة تناثر النجوم، وفي هذه السنة توفي أيضا ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكلينى صاحب الكافي والشيخ الجليل على بن بابويه والد الصدوق قدس سرهما، هذا ولكن الصدوق ذكر في كتابه كمال الدين رواية تدل على أن وفاة والده ووفاة على بن محمد وقعتا في سنة ثمان وعشرين وهي ما رواه (عن أبي الحسين صالح بن شعيب الطالقانى في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم بن مخلد قال: حضرت بغداد عند المشايخ فقال: الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري قدس الله روحه ابتداء منه رحم الله علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، قال: فكتب المشايخ تأريخ ذلك اليوم فورد الخبر أنه توفي ذلك اليوم ومضى أبو الحسن السمري بعد ذلك في النصف من شعبان سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة)هي. كذا في نسختين عندى من كمال الدين وكذا في الخرائج ومدينة المعاجز نقلا عنه، وهي كما ترى صريحة في ذلك ومن البعيد اشتباه الصدوق في سنة وفاة والده ولكن ينافي ذلك ما نقل عن النجاشي في كتابه أنه قال: بعد الثناء عليه يعني علي بن الحسين له كتب (أخبرنا أبو الحسن العباس بن عمر بن العباس بن محمد بن عبد الملك بن أبي مروان الكلوذاني قال: أخذت إجازة علي بن الحسين بن بابويه لما قدم بغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة بجميع كتبه، ومات علي بن الحسين سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وهي السنة التي تناثرت فيها النجوم)هي.

وما نقل عن رجال الشيخ أنه قال: بعد ذكره والثناء عليه (روى عنه التلعكبري، قال: سمعت منه في السنة التي تهافتت فيها الكواكب دخل بغداد فيها، وذكر أن له منه إجازة بجميع ما يرويه)هي. وهذا الاختلاف عجيب وأعجب منه أن الشيخ في الغيبة روى عن الصدوق الرواة التي قدمنا عنه آنفا بعين السند المذكور وساقها إلى أن قال: (ومضى أبو الحسن السمري بعد ذلك في النصف من شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة)هي.

هذا والعجب أن شيخنا المجلسي في غيبة البحار ذكر هذه الرواية عن الشيخ وقال بعده بغير فصل: وفي كتاب كمال الدين عن صالح بن شعيب مثله، ولعله لم يلتفت إلى اختلاف التاريخين أو كان ما في نسخته من كمال الدين موافقا لما ذكره عن العيبة والله أعلم.

وأعجب من ذلك كله ما رواه الشيخ في الغيبة قال: (أخبرني جماعة عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسين بن موسي بن بابويه، قال: حدثني جماعة من أهل بلدنا المقيمين كانوا ببغداد في السنة التي خرجت القرامطة على الحاج وهي سنة تناثر الكواكب أن والدي كتب إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح يستأذن في الخروج إلى الحج، فخرج في الجواب لا تخرج في هذه السنة، فأعاد فقال: هو نذر واجب أفيجوز لي القعود عنه؟ فخرج الجواب: إن كان لا بد فكن في القافلة الأخيرة فكان في القافلة الأخيرة فسلم بنفسه وقتل من تقدمه في القوافل الأخر) ، وهو غريب غاية الغرابة فإن سنة تناثر النجوم سنة تسع وعشرين قطعا وقد عرفت أن علي بن الحسين توفي فيها أو في السنة التي قبلها على الخلاف وكانت وفاته بقم قطعا فكيف تكون تلك السنة في الحج في آخر شهر منها؟ ثم أن الحسين بن روح توفي في شعبان سنة ست وعشرين كما رواه الشيخ في الغيبة بسنده عن أبي نصر هبة الله بن محمد الكاتب والطبرسى في أعلام الورى فكيف يلائم هذا ما ذكر من التاريخ، ثم أن خروج القرامطة علي الحاج وقتلهم لهم ونهبهم للأموال ونقلهم الحجر الأسود من الكعبة إلى هجر من البحرين بأمر أبا طاهر القرمطي إنما وقع في سنة سبع عشرة وثلاثمائة يوم التروية كما ذكره ابن خلكان في تاريخه وغيره في غيره، ولم يقع لهم بعد ذلك واقعة بالنسبة إلى مكة والحاج سوى ردهم الحجر إلى مكانه في سنة تسع وثلاثين و ثلاثمائة أو سبع وثلاثين على رواية ابن قولويه وقد مضى حديثه آنفا في هذا الباب.

وبالجملة الخبر متهافت جدا ولعل ذكر تناثر النجوم وقع من بعض الرواة سهوا وبدونه يرتفع التهافت عن الخبر بالكلية ولا بعد في وقوع مثل هذا السهو، وإنما البعيد ما وقع لشيخنا البهائي في هذا الباب على ما نقل عنه الطريحي في كتابة مجمع البحرين في ذكر مادة قرمط فإنه قال فيه: (وعن الشيخ البهائي أنه في سنة عشر وثلاثمائة دخلت القرامطة لعنهم الله إلى مكة أيام الموسم وأخذوا الحجر الأسود وبقي عندهم عشرين سنة وقتلوا خلقا كثيرا، وممن قتلوا علي بن بابويه وكان يطوف فما قطع طوافه فضربوه بالسيوف فوقع إلى الأرض وأنشد:

ترى المحبين صرعى في ديارهم

كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا

وهو كما ترى سهو ظاهر في تاريخ دخول القرامطة مكة وفي كون على بن بابويه ممن قتل في تلك الواقعة ولعلة شخص آخر التبس على شيخنا البهائي أو على الطريحى في النقل، أو المراد بالقتل ضربه بالسيف بذلك القصد وأنه سلم منه ولا ينافيه رواية ابنه الحسين بن علي التي مرت آنفا من أنه سلم بنفسه وقتل من تقدم في القوافل الأخر فإنه لم ينف فيها حتى وقوع الجرح عليه، وأما تاريخ دخول القرامطة مكة فلا شك في كونه سهوا، وكيف كان فالأظهر وقوع وفات السمرى في التاسع والعشرين وهي سنة تناثر النجوم، وأما وجه تسمية هذه السنة بسنة تناثر النجوم فهو على ما نقله الشيخ الجليل الشيخ يوسف البحراني في كتاب اللؤلؤة (عن بعض أصحابنا أنه رأى الناس في تلك السنة تساقط شهب كثيرة من السماء وفسر ذلك لموت العلماء وقد كان ذلك فإنه مات في تلك السنة جملة منهم، منهم علي بن بابويه ومنهم الكلينى وعلي بن محمد السمرى آخر السفراء وغيرهم)، هي.

أقول وقد وقع نظير ما ذكر في بلدنا تبريز في عامنا هذا وهو سنة تسع وثمانين ومائتين بعد الألف وهو عام تحرير هذه الأحرف في ليلة السادس والعشرين من شهر رمضان المبارك ،وهو أنه انقض في الليلة المذكورة شهب كثيرة في الجو على نحو التهافت والتواتر لا يحصي عددها إلا الله في خلال ساعات تقريبا وكان ابتداء ذلك على رأس ست ساعات مضت من الليل تقريبا وقد رآه جم غفير من الناس.

الرد على بعض اعتراضات أحد النواصب

وقفت على كتاب لبعض العامة أورد فيه اعتراضات على الشيعة وفي حق القائم (عليه السلام) أحب إيرادها بلفظها والجواب عنها وهي أنه قال: والعجب من علمائهم أنهم رووا (قال أبو جعفر (عليه السلام): سأل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين فقال: أخبرني عن المهدي ما اسمه؟ قال له: أما اسمه فإن حبيبي قد عهد إلي ألا أحدث به حتى يبعثه الله عز وجل).

ثم رووا عن علي كرم الله وجهه والأئمة الذين بعده أن المهدى يكون سمي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكنيه إلا أن يقولوا إنما منعه عن أن يخبر غير الشيعة.

وأيضا رووا عن الأئمة (أنه لا يحل لأحد أن يسميه باسمه ولا يكنيه بكنيته قبل ظهوره) ثم لا تجد تصنيفا من تصانيفهم في ذكر الأئمة والرجال وغير ذلك إلا أنهم ذكروا فيه اسمه وكنيته ثم قال: وأما ما ذكروا أنه اختفى خوفا على نفسه من الأعداء.

فيرد عليه أنه إنما يخرج عند ظهور الفتن وكثرة الهرج بالاتفاق والظاهر أن الخوف يكون في الفتن والهرج أكثر فما وجه غيبته في الأمن وظهوره في الهرج والفتنة مع أن التشيع شائع في بلاد العجم في أيامنا شيوعا تاما بحيث لا يوجد فيها من أهل السنة إلا نادرا؟ فأي مانع له من ظهوره فإن الخوف قد زال عنه؟.

ثم قال: وأيضا رووا أن الإمام كتب في آخر توقيعاته أنه قد وقعت الغيبة التامة (فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر) .

ثم رووا عن جماعة أنهم رأوه وشاهدوا قصة إسماعيل الهرقلي وباقي بن عطوة مشهورة عندهم وقال صاحب كشف الغمة بعد ذكر قصة الهرقلى وابن عطوة: والأخبار عنه في هذا الباب كثيرة وأنه رآه جماعة قد انقطعوا في طريق الحجاز وغيرها وخلصهم أوصلهم إلى حيث أرادوا ولولا التطويل لذكرت منها جملة ولكن هذا القدر الذي قرب عهده بزماني كاف. انتهى.

وإنا لم نذكر هذه الأبحاث لإظهار تناقض رواياتهم ولا طعنا في دينهم ومذهبهم فكل منا لا يرضى بالتقصير في جده واجتهاده ولا يسأم عن نيل مراده بل نلتمس منهم تسهيل ما أشكل علينا ونسأل الله أن يهدينا وإياهم سبيل الرشاد ويعصمنا وإياهم عن التعصب والعناد.

انتهى ما أردنا نقله من كلامه بلفظه وحيث أنه طلب منا جواب ما أشكل عليه فلا بأس بالجواب عنه مختصرا فنقول وبالله التوفيق:

أما الجواب عن الاعتراض الأول فلا بد فيه من تقديم بعض ما ورد في أخبار الشيعة من ذلك لينطق عليه الجواب ففي كمال الدين بسنده (عن علي بن رئاب عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: صاحب هذا الأمر رجل لا يسميه باسمه إلا رجل كافر).

وفيه بسنده عن الريان بن الصلت قال: سئل الرضا (عليه السلام) عن القائم (عليه السلام) قال: لا يرى جسمه ولا يسمى باسمه).

وفيه بسنده (عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سأل عمر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن المهدي قال: يا ابن أبي طالب أخبرني عن المهدي ما اسمه؟ قال: أما اسمه فلا إن حبيبي وخليلي عهد إلي أن لا أحدث باسمه حتى يبعثه الله عز وجل وهو مما استودع الله عز وجل رسوله في علمه).

وفيه بسنده (عن أبي هاشم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن العسكري (عليه السلام) يقول الخلف من بعدي الحسن ابني فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ قلت: ولم جعلني الله فداك؟ قال: لأنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه، قلت: فكيف نذكره؟ فقال: قولوا الحجة من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ).

وفيه بسنده عن محمد بن زياد الأزدى عن موسى بن جعفر (عليه السلام) في حديث إلى أن قال: (ذاك ابن سيدة الإماء يخفى على الناس ولادته ولا يحل تسميته حتى يظهره عز وجل فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما).

وفيه (عن عبد العظيم الحسني قال: قلت لمحمد بن علي بن موسى (عليه السلام) يا مولاي إني لأرجو أن تكون القائم (عليه السلام) من أهل بيت محمد الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، فقال (عليه السلام) :ما منا إلا قائم بأمر الله عز وجل وهاد إلى دين الله ولكن القائم (عليه السلام) الذي يطهر الله عز وجل به الأرض من أهل الكفر والجحود ويملأ الأرض قسطا وعدلا هو الذي يخفى على الناس ولادته ويغيب عنهم شخصه ويحرم عليهم تسميته وهو سمي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكنيه).

وفيه بسنده عن أبي يعقوب عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث إلى أن قال: (حدثنا علي بن أحمد بن محمد الدقاق قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن سهل بن زياد الأدمي عن الحسن بن محبوب عن عبد العزيز العبدي عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قال: أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) من أقر بالأئمة من آبائي وولدي وجحد المهدي من ولدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) نبوته فقلت يا سيدي ومن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته).

وفيه بسنده عن (علي بن عاصم الكوفي يقول خرج في توقيعات صاحب الزمان (عليه السلام) ملعون ملعون من سماني في محفل من الناس).

وفيه بسنده عن (أبي علي محمد بن همام يقول سمعت محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه يقول: خرج توقيع بخط أعرفه (من سماني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله) ).

وفيه بنسده (عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو على المنبر: يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان أبيض اللون مشرب بالحمرة {مبدح البطن عريض الفخذين عظيم مشاش المنكبين بظهره شامتان شامة على لون جلده وشامة على شبه شامة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) }وساق الحديث إلى أن قال:.. له اسمان اسم يخفى واسم يعلن فأما الذي يخفى فأحمد وأما الذي يعلن فمحمد).

وفيه غيبة الشيخ بسنده عن عبد الله بن جعفر الحميرى في حديث طويل (قال: سألت عثمان بن سعيد العمري أنت رأيت الخلف من أبي محمد (عليه السلام) ؟فقال: إي والله ورقبته مثل هذا، وأومأ بيده فقلت: بقيت واحدة، فقال: هات، قلت: الاسم، قال: محرم عليكم أن تسألوا عن ذلك ولا أقول هذا من عندي فليس لي أن أحلل ولا أحرم ولكن عنه (عليه السلام) فإن الأمر عند السلطان أن أبا محمد (عليه السلام) مضى ولم يخلف ولدا وقسم ميراثه وأخذ من لا حق له فصبر على ذلك وهو ذا عماله يجولون فليس أحد يجسر أن يتقرب إليهم ويسألهم شيئا وإذا وقع الاسم وقع الطلب فالله الله اتقوا الله وأمسكوا عن ذلك).

ورواه في كمال الدين مختصرا عن أبيه وابن الوليد (حدثنا أبي ومحمد بن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري قال: كنت مع أحمد بن إسحاق عند العمري فقلت للعمري: إني أسألك عن مسألة كما قال: الله عز وجل في قصة إبراهيم أَ ولَمْ تُؤْمِنْ قال:َ بَلى ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي هل رأيت صاحبي فقال لي: نعم وله عنق مثل ذي وأومأ بيديه جميعا إلى عنقه قال قلت: فالاسم؟ قال: إياك أن تبحث عن هذا فإن عند القوم أن هذا النسل قد انقطع هي).

وفي الغيبة بسنده (عن علي بن صدقة القمي قال: خرج إلى محمد بن عثمان العمري ابتداء من غير مسألة ليخبر الذين يسألون عن الاسم إما السكوت والجنة وإما الكلام والنار فإنهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه وإن وقفوا على المكان دلوا عليه) هي.

وفي مضمون هذه الأخبار أخبار أخر عدلنا عن ذكرها لاتحاد المؤدى وإعطاء النظر في تلك الأخبار سوى حديث عمر بعد حمل مطلقها على مقيدها كما هو الديدن الجاري في الأخبار وغيرها، وملاحظة ما تقرر عند الشيعة من أن أخبار أئمتهم يفسر بعضها بعضا كالقرآن يفيد اختصاص تحريم التسمية بأوان الولادة وما بعدها وعدم التحرج فيما قبلها فإن قولهم (عليهم السلام) (عن الأسدي عن سهل عن عبد العظيم الحسني عن محمد بن علي (عليه السلام) قال: القائم (عليه السلام) هو الذي يخفى على الناس ولادته ويغيب عنهم شخصه ويحرم عليهم تسميته).

وما في معناه صريح في الأخبار عن حكم أهل زمانه دون من قبله ولا يتوهم أن قول العسكري (عليه السلام) لأبي هاشم الجعفري (لأنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه) حيث أتي بصيغة الخطاب ينافي ذلك فإنه صريح في الأخبار عن حكم ما يأتي والخطاب لنوع الشيعة بعنوان المخاطب الحاضر فيكفي فيه وقوع ذلك الحكم في حق بعض منهم كقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو سلكوا حجر ضب لسلكتموه) فإن الخطاب فيه لنوع الأمة بعنوان الحاضرين وإلا لكان يجب أن يقع من خصوص الحاضرين جميع ما كان في الأمم السابقة وهذا لا يتفوه به ذو مسكة، ونظائر ذلك في المحاورات كثيرة ويؤكد هذا التخصيص أمور منها:

قول الجواد (عليه السلام) في حديث عبد العظيم (وهو سمي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكنيه بعد قوله ويحرم عليهم تسميته) فتأمل.

ومنها وقوع التصريح بخصوص الاسم في كثير من أخبار الأئمة السابقين (عليهم السلام) بحيث لا مجال لطرحها .

ومنها قولهم (ولا يحل لهم ذكره باسمه) فإنه صريح عند من يعرف لحن الكلام في كون هؤلاء المخرجين عليهم ذلك عالمين بالاسم وإلا لكانوا يقولون ولا يعلمون باسمه، ومن الظاهر أن علمهم بذلك لا يمكن لإخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة السابقين (عليهم السلام) بذلك حتى يصل إلى أهل زمانه (عليه السلام) بواسطة الرواة عنهم، نعم يظهر من بعض الأخبار إخفاء ذلك عن بعض ضعفاء السابقين على زمانه أيضا حذرا من أداء ذلك إلي المحذور الذي دعا إلى إخفاء اسمه في نفس زمان الحجة (عج) كما يدل على ذلك ما في غيبة النعماني عن (عبد الواحد بن عبد الله بن يونس قال: حدثنا محمد بن جعفر القرشي قال: حدثني محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمد بن سنان عن محمد بن يحيى الخثعمي قال: حدثني الضريس عن أبي خالد الكابلي قال: لما مضى علي بن الحسين (عليه السلام) دخلت على محمد بن علي الباقر (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك قد عرفت انقطاعي إلى أبيك وأنسي به ووحشتي من الناس، قال: صدقت يا أبا خالد فتريد ما ذا؟ قلت: جعلت فداك لقد وصف لي أبوك صاحب هذا الأمر بصفة لو رأيته في بعض الطريق لأخذت بيده، قال: فتريد ماذا يا أبا خالد؟ قلت: أريد أن تسميه لي حتى أعرفه باسمه، فقال: سألتني والله يا أبا خالد عن سؤال مجهد ولقد سألتني عن أمر ما كنت محدثا به أحدا ولو كنت محدثا به أحدا لحدثتك ولقد سألتني عن أمر لو أن بني فاطمة عرفوه حرصوا على أن يقطع بضعة بضعة) هي.

فإنه (عليه السلام) إنما لم يخبر أبا خالد بذلك لعلمه بأداء هذا الإخبار الخاص إلى ما ذكره من المحظور وقوله (عليه السلام) (لو كنت محدثا به أحدا لحدثتك) ليس على عموم الظاهري بقرينة سائر الأخبار فالمراد به إما من هو من أمثال أبي خالد وفي درجته فيكون المعنى لو كنت محدثا به أحدا من أمثالك لحدثتك، أو المراد الإخبار عن حال نفسه فيما يستقبل من الزمان أو غير ذلك من الوجوه، ولعل من هذا الباب حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) مع عمر في علة الإخفاء واختصاص عدم التحدث لأمثال عمر كما فهمه المعترض أيضا فاستدرك اعتراضه بذلك وسيأتي إن شاء الله له وجه آخر.

وكذا تفيد تلك الأخبار تحريم تسميته (عليه السلام) عند خصوص المخالفين من أهل زمانه وعند ضعفاء الشيعة الذين لا يؤمنون على حفظ السر وكتمانه عن الأغيار دون الخواص من الشيعة كما هو مؤدى قولهم (عليهم السلام) ولا يحل لهم ذكره باسمه، وقولهم (ويحرم عليهم تسميته) فإن مؤداه كما أشرنا إليه آنفا علم هؤلاء بالاسم فإن تحريم ذلك عليهم فرع العلم بالاسم كما هو ظاهر عند من يعرف لحن الكلام وأصرح من ذلك قوله (عليه السلام) في التوقيع (ملعون ملعون من سماني في محفل من الناس) وفي الآخر (من سماني في مجمع من الناس بإسمي فعليه لعنة الله) فإنهما دالان على علم بعض الشيعة بالاسم وكون المحرم عليهم تسميته عند الأغيار فإن الاسم لو كان مجهولا عند الجميع لكان هذا التحذير خاليا عن الفائدة بالبديهة فلا محذور في تداول الخواص للاسم بينهم وإخبار بعضهم له لبعض ولو في أوان ولادته وأيام غيبته، بل وإثبات ذلك في كتبهم وأصولهم فإن كتبهم كانت مستورة عن الأغيار في ذلك الزمان لا يتداولونها إلا فيما بينهم ولا سيما كتبهم التي كانت مشتملة على بعض الأسرار، وأما الإخبار لضعفاء الشيعة في ذلك الزمان أعني زمان الولادة والغيبة الصغرى فيدل على كونه محظورا قوله (عليه السلام) في التوقيع ليختبر الذين يسألون عن الاسم إلى قوله (فإنهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه وإن وقفوا على المكان دلوا عليه) فإن من الظاهر أن السائلين عن الاسم كانوا من الشيعة وليس المراد كل الشيعة لما قدمنا من الدلالة على كون بعضهم عالمين بذلك كالسفراء ومن يحذو حذوهم من حملة الأسرار، ثم هذا الحكم بهذا التفصيل مخصوص بزمان الغيبة الصغرى وهي من حين ولادته (عليه السلام) إلى زمان انقطاع السفراء الأربعة وهو سنة تسع وعشرين وثلاثمائة أو هو مستمر إلى وقت ظهوره (عليه السلام) موضع خلاف بين أصحابنا، فمنهم من خصه بالأول منهم المحقق الخواجة نصير الدين الطوسي وعلي بن عيسى الأربلي صاحب كشف الغمة ومن المتأخرين شيخنا البهائي وشيخ المتألهين شيخنا الإحسائي قدس الله أرواحهم، ولهم التعليلات الواردة في بعض الأخبار في المنع عن التسمية فإن تلك التعليلات تعطى اختصاص ذلك بزمان الغيبة الصغرى التي ما كان (عليه السلام) مختفيا عن الشيعة بالكلية وكانت الأعداء يتجسسون عن أخباره، منها قول عثمان بن سعيد في الحميري لما سأله عن الاسم أن الأمر عند السلطان أن (أبا محمد (عليه السلام) مضى ولم يخلف ولدا) إلى قوله (وإذا وقع الاسم وقع الطلب) فإن المحذورات المذكورة من الخوف عليه وعلى عياله مرتفعة في زمن الغيبة الكبرى، ومنها قول أبي جعفر (عليه السلام) في حديث أبي خالد (لو أن بني فاطمة عرفوه حرصوا على أن يقطعوه بضعة بضعة) وظاهر قوله (عليه السلام) أنهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه وإن وقفوا على المكان دلوا عليه.

والأخبار الواردة في النهى عن التسمية جلها قضايا مهملة ليس في شيء منها عموم ولا إطلاق حتى يشمل جميع الأزمنة وإنما هي دالة على التحريم في الجملة وهو يتحقق لوقوع الحرمة في وقت ما، وأما قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (وله اسمان اسم يخفى واسم يعلن.. الخ) فالظاهر أنه ليس المراد به تشريع حكم وإنما هو إخبار عما سيكون الأمر عليه وهو كذلك فإن اسمه الذي قال أنه يخفى مخفي عن عامة الناس لا يعرفونه بهذا الاسم وإنما يعرفونه بالاسم الآخر وله معني تأويلي لا يهمنا ذكره على أن هذا يناقض لمطلوب الخصم لو جعلناه تشريعا لحكم الحرمة والإباحة لأن الاختلاف في هذا الحكم متعلق بهذا الاسم المعروف الذي أخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه يعلن، نعم لا يبعد أن يكون له (عليه السلام) اسم أو أسماء خاصة من أسماء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو غيرها لم يخبروا بها أحدا وإنما هي مخزونة عند أهل البيت (عليهم السلام) أو أخبروا بها الخصيصين من شيعتهم في كل عهد دون سائر الناس حتى الخواص ولم تكتب أبدا فعلى هذا لا يناقض هذا الاختيار قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (إن حبيبي وخليلي عهد إلي أن لا أحدث باسمه حتى يبعثه الله عز وجل) وكذا قول الكاظم (عليه السلام) في حديث محمد بن زياد (ولا يحل لهم تسميته حتى يظهره الله عز وجل فيملأ به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما) الخبر. حيث أنهما (عليهم السلام) جعلا الخطر مغيا بوقت ظهوره (عليه السلام) لجواز كون المراد بذلك الاسم المخزون وإن قيل هذا التأويل خلاف الظاهر قلنا على فرض التسليم لابد من ذلك على قولكم لئلا يناقض قوله أما الذي يعلن فمحمد فافهم.

هذا وأعلم أن السيد الجزائري في الأنوار ذكر لهذا الفريق أدلة كلها ليس بشيء ولذا لم نتعرض لإيرادها، ومنهم من عمم الحكم فلم يجوز التصريح بالاسم حتى في زمن الغيبة الكبرى منهم الصدوق كما صرح به كمال الدين وغيره عند ذكر حديث اللوح والمفيد والطبرسى وجماعة، ومن المتأخرين مولانا المجلسي وتلميذه المقلد له الشيخ عبدالله البحراني في العوالم والسيد الجزائري في الأنوار لإطلاق أخبار التحريم وصراحة بعضها في كون ذلك ممتدا إلى أوان ظهوره ولأن الأئمة (عليهم السلام) لما عبروا عن اسمه الشريف عبروا بالحروف المقطعة هكذا م ح م د أو قال: في التعبير اسمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نحو ذلك من الكنايات ذكر هذا السيد الجزائري في الأنوار.

وقد عرفت أن الأخبار لا إطلاق فيها ولا عموم وأما المصرحة منها بالامتداد فهي حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) وحديث الكاظم (عليه السلام) وقد عرفت قيام الاحتمال فيهما بل تعينه ومعه يبطل الاستدلال، وأما دليل السيد فهو من غريب الأدلة فإنه إنما يتم لو وجد خط من الأئمة (عليهم السلام) قد كتبوا فيه اسمه (عليه السلام) بالحروف المقطعة ومثل هذا الخط لم نقف عليه ولا وقف عليه غيرنا ممن سبقنا وإلا لنقلوه، نعم قد جرى ديدن الشيعة على إثبات اسمه (عليه السلام) في الكتب إذا دعتهم الحاجة إليه بالحروف المقطعة غالبا وهذا مما لا ربط له بالاستدلال المذكور على أنا لا نجد فرقا بوجه بين ذكر الاسم بالحروف المقطعة وذكره بالمركبة فإن كلا الأمرين تصريح بالاسم على أنك قد عرفت خروج زمن الأئمة (عليهم السلام) عن محل البحث رأسا.

وأما قولهم في التعبير اسمه اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو على تقدير تسليم عدم كونه تصريحا لا يكون دليلا على المطلوب لوقوع التصريح منهم (عليهم السلام) بالاسم في أخبار كثيرة جدا لا يمنعنا من ذكرها إلا خوف الإطالة ووجودها في الكتب الموضوعة في الغيبة وغيرها من كتب الأخبار المشهورة منها ما مر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) صريحا، فكيف يجوز مع ذلك أن يقال على الإطلاق أنهم (عليهم السلام) كانوا يعبرون عنه بالكنايات على أنا نقول عليه، لاشك أنك عرفت على سبيل الضرورة أن اسم الحجة (عليه السلام) م ح م د لا تجيز فيه احتمال الخلاف فحينئذ نقول أخبرنا من أين عرفت ذلك إذ لا سبيل إلى العلم بذلك إلا من تصريح واحد من الأئمة (عليهم السلام) إذ غيرهم لا يمكنه العلم بذلك إلا منهم لأن أباه (عليه السلام) هو الذي سماه بهذا الاسم ولو أنه لم يخبر بذلك لما كان لأحد طريق إلى العلم به إلا لسائر الأئمة الذين ليس علمهم حاصلا من طريق السماع فانحصر علم ذلك فيهم، والمفروض أنك علمت ذلك على سبيل البت والضرورة فلا بد من انتهاء علمك هذا إلى وقوع تصريح منهم بذلك وهو المطلوب، وليس لك أن تقول علمت ذلك من ذكرهم له بالحروف المقطعة أيضا لأنا قد أبطلنا هذا الوهم، ولا أن تقول علمت ذلك من قولهم أنه سمي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنا نقول هذا القول غير مفيد للقطع بخصوص اسمه م ح م د لكون أسماء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متعددة على أن الالتزام بكون ذلك نصا لغرضه ومثبت لمطلوبنا هذا.

واعلم أن صاحب كشف الغمة أورد على المفيد والطبرسي نقضا في المقام وقال: (من العجب أن الشيخ الطبرسي والمفيد رحمهما الله تعالى قالا: (لا يجوز ذكر اسمه ولا كنيته) ثم يقولان اسمه اسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكنيته كنيته (عليه السلام) وهما يظنان أنهما لم يذكرا اسمه ولا كنيته وهذا عجيب والذي أراه أن المنع إنما كان للتقية في وقت الخوف عليه والطلب له والسؤال عنه فأما الآن فلا والله أعلم) انتهى.

وهذا الاعتراض بعينه هو الذي أورده هذا الرجل العامي على العلماء وأظهر به التناقض بين الروايتين عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وقد أجاب السيد الجزائري عن اعتراض صاحب كشف الغمة بأن الظاهر أن تعجبه من الشيخين ليس على ما ينبغي لأن ذلك القول منهم ليس ذكر الاسم بل هو تفهيم وتعليم بطريق الإشارة والكناية ولا يكون من باب ذكر الاسم في مجارى العرف والعادات، هي.

وفيه ما فيه فإن المقصود من عدم جواز ذكر الاسم إخفاء ذلك وكتمانه عن عامة الناس، فحينئذ كيف يجوز التفهيم والتعلم ولو بطريق الإشارة والكناية فافهم، فالأولى في الجواب أن يقال: أن هذا ليس نصا في التسمية بخصوص اسم معين لكون أسماء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكناه متعددة ولا يعين هذا القول بمجرده شيئا منها، وهذا جواب آخر لنا عن اعتراض الرجل العامي إذا تقرر هذه الجملة فلنرجع إلى الجواب عن اعتراض الرجل فنقول:

أما الجزء الأول من اعتراضه الأول فقد علم جوابه من تضاعيف ما قررنا بوجوه عديدة.

وأما الجزء الثاني فقد عرفت اختصاص تحريم التسمية بزمان الحجة (عليه السلام) ثم عرفت اختلاف مذهب أصحابنا في أنه هل هو مخصوص بزمان الغيبة الصغرى أم ممتد إلى أوان الظهور؟

فمن ذهب إلى الثاني لم يصرح من ذلك بشيء في كتابه ومن ذهب إلى الأول لم يحترز عن ذلك بناء على مذهبه، فقوله (لا تجد تصنيفا من تصانيفهم إلا أنهم ذكروا فيه اسمه وكنيته فريه بلا مرية) نعم ذكر بعض من لا يجوّز التسمية مطلقا بعض الأخبار التي وقع فيها التصريح بالاسم على سبيل النقل كالصدوق فإنه ذكر في كمال الدين حديث اللوح الذي وقع التصريح فيه باسم القائم (عليه السلام) ثم قال (قال مصنف هذا الكتاب جاء هذا الحديث هكذا بتسمية القائم (عليه السلام) والذي أذهب إليه ما روي في النهي عن تسميته، وسأذكر ما رويت في ذلك من الأخبار في باب أصنعه في هذا الكتاب لذلك إن شاء الله تعالى).

وكذا ذكر المجلسي في البحار الأخبار المصرحة بالاسم مع اختياره عدم جواز التسمية إلى أوان الظهور، ولعل نظرهما ونظر من شاركهما في ذلك إلى أن التصريح على سبيل النقل عن الغير لا ينافي حرمة التسمية على الناقل في نفسه وإن كان هذا النظر موضع تأمل بل غير صواب فإن الأخبار المصرحة بالاسم إنما وردت عن الأئمة السابقين على الحجة (عليهم السلام) وقد عرفت أن التصريح به في زمانهم ما كان ممنوعا.

وأما إذا وصلت تلك الأخبار إلى من يحرم في حقه التصريح والإذاعة فالواجب عليه عدم التصريح به عند التغيير وعدم إثباته في كتاب يقف عليه كل بر وفاجر، بل التعبير عنه بالكناية والرمز كلفظ فلان وما أشبه كما صنع جماعة من الأصحاب، أو عدم إيراده في مثل ذلك الكتاب أصلا ولا ذكره في محفل من الناس.

وأما الجواب عن الاعتراض الثاني فهو أن هذا الاعتراض سقط من القول، فإن المراد من الخوف من القتل ليس على ما توهمه وإنما هو أن من علل غيبته (عليه السلام) وجود قوم مؤمنين في أصلاب قوم كافرين كما ورد التصريح به في حديث إبراهيم الكرخي (عن فلان الكرخي قال: قال رجل لأبي عبد اللّه (عليه السلام) لم يكن عليّ قويّا في بدنه قويّا في أمر اللّه فقال: له أبو عبد اللّه (عليه السلام) بلى. قال: فما منعه أن يدفع أو يمتنع؟ قال: قد سألت فافهم الجواب منع عليّا من ذلك آية من كتاب اللّه، فقال: وأيّ آية؟ قال: فقرأ ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ إنه كان للّه ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين، فلم يكن عليّ صلوات اللّه عليه ليقتل الآباء حتّى يخرج الودائع، فلما خرجت ظهر على من ظهر وقتله، وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبدا حتّى يخرج ودائع اللّه فإذا خرجت يظهر على من يظهر فيقتله) .

وفي مضمونه أخبار أخر والمراد بها أنه إذا خرج على الأعداء الذين يحاربونه فإن قتلهم فقد من في أصلابهم من المؤمنين وإن لم يقتلهم قتلوه كما كان يوم الحسين (عليه السلام) ، فهذا هو المراد من خوفه (عليه السلام) من القتل وهو خاتم الأوصياء باعتقاد الشيعة فإذا قتل بقيت الأرض بغير حجة فلا بد له من الغيبة حتى تخرج الودائع، ولا ربط لهذا النحو من الخوف بشدة الفتن وضعفها فإنه (عليه السلام) ليس بعاجز عن دفع أعدائه لولا الموانع المانعة له عن ذلك.

وأما شيوع التشيع في بلاد العجم على زعم المخالف فالجواب عنه مع الغض عما ذكر أنه أعلم بحال شيعته منك ومنا فلو علم منهم الثبات مع توفر سائر الأسباب والدواعي لظهر، وحيث أنه لم يظهر علمنا عدم ثباتهم لو ظهر أو وجود نقص في سائر الأسباب والدواعي فإن من علل الغيبة ما ذكر ومنها الاختبار والابتلاء اللذين بهما يميز الله الخبيث من الطيب كما قال: تعالى﴿أََلَم أحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ﴾﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ الآية

وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه (لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً ولَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً ولَتُسَاطُنَّ سوطة الْقِدْرِ حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ وأَعْلَاكُمْ أَسْفَلَكُمْ ولَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ) الخطبة.

ومنها إعطاء الله عز وجل جزيل منحه ومواهبه على ما سبب لهم من الإيمان بالغيب والتصديق له ولكتبه ولرسله وأوليائه، ومنها غير ذلك فإذا اجتمعت الأسباب وارتفعت الموانع ظهر رغما لآناف المنكرين، ثم لو صح هذا الاعتراض فهو وارد أولا على قوله تعالى عن موسى (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ) مع أنه ظهر بعد ذلك في شدة سلطان فرعون مصاحبا لدعوة كان فيها إبطال أمر فرعون بالكلية واضمحلال سلطانه فكانت الدواعي على قتله حينئذ أشد مما قبل قطعا والجواب الجواب، فالاعتراض المذكور أهون من بيت العنكبوت والحمد لله رب العالمين.

وأما الاعتراض الثالث فالمستند فيه مضمون التوقيع الشريف الذي خرج إلى علي بن محمد السمري وهو الذي نحن بصدد الكلام عليه، وليس المراد به ما توهم وإنما المراد به دعوى المشاهدة على سبيل النيابة والسفارة وأنه يشاهده على سبيل الاستمرار أو في أكثر الأوقات ويأخذ عنه ما يتعلق بأمر النيابة، فإنه (عليه السلام) في هذا التوقيع في مقام بيان انقطاع النيابة الخاصة بينه وبين شيعته وأعلام الشيعة بعدم اغترارهم بأصحاب التلوين المتلبسين بلباس الصادقين ولذا قال (عليه السلام) (سيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة تلويحا للعارفين باللحن أن المدعي لذلك ليس بداخل في زمرة الشيعة وأنه يأتيهم ليضلهم عن السبيل بكذبه ومثل هذا لا يأتى في دعوى مجرد الرؤية وإن كان المدعي كاذبا فيها).

وأما ما وقع في بعض المواضع من إثبات لفظة من في ذلك بهذه الصورة (وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة) فالظاهر أنه لحن نشأ من تبادر ثبوتها في بادئ النظر والله أعلم.

ولسنا بصدد إثبات ذلك لعدم ابتناء الحمل على النكتة المذكورة وإنما المستند فيه ظهور نفس الكلام في ذلك كما فهمه مولانا المجلسي أيضا ويؤيد هذا الحمل أن دعوى المشاهدة مجردة عن دعوى النيابة والسفارة ليست مما يجب مزيد اعتناء بها وتنبه الخلق عليها ولو كانت كذبا لعدم ترتب مفسدة عليها، والدليل على ذلك أن جماعة قد ادعوا ذلك في زمن الغيبة الكبرى ولم يلزم منها مفسدة دينية سوى زيادة يقلن من بعض الضعفاء على وجوده (عليه السلام) فتدبر، ولم نقف سوى هذا الخبر على خبر يدل على عدم وقوع الرؤية على الإطلاق سوى ما في حديث المفضل بن عمر الذي يأتي إن شاء الله في أواخر الباب فإن فيه (قال المفضل: يا سيدي ولا يرى وقت ولادته؟ قال: بلى والله ليرى من ساعة ولادته إلى ساعة وفاة أبيه {سنتين وتسعة أشهر أول ولادته وقت الفجر من ليلة الجمعة لثمان تخلون من شعبان سنة سبع وخمسين ومائتين إلى يوم الجمعة لثمان خلون من ربيع الأول من سنة ستين ومائتين وهو يوم وفاة أبيه (إلى أن قال:بالمدينة التي بشاطئ دجلة يبنيها المتكبر الجبار المسمى باسم جعفر الضال الملقب بالمتوكل وهو المتآكل لعنه الله تعالى) ،إلى أن قال:وهي مدينة تدعى بسر من‏ رأى وهي ساء من رأى يرى شخصه المؤمن المحق سنة ستين ومائتين ولا يراه المشكك المرتاب وينفذ فيها أمره ونهيه، ويغيب عنها فيظهر في القصر بصابر بجانب المدينة في حرم جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيلقاه هناك من يسعده الله بالنظر إليه ثم يغيب في آخر يوم من سنة ست وستين ومائتين فلا تراه عين أحد حتى يراه كل أحد وكل عين قال: المفضل قلت يا سيدي فمن يخاطبه ولمن يخاطب؟ قال الصادق (عليه السلام) :تخاطبه الملائكة والمؤمنون من الجن ويخرج أمره ونهيه إلى ثقاته وولاته ووكلائه ويقعد ببابه محمد بن نصير النميري في يوم غيبته بصابر ثم يظهر بمكة). الخبر بطوله.

وهو كما ترى صريح في عدم وقوع رؤية أحد له بعد التاريخ المذكور ولكنه غريب لمخالفته للأخبار المعتبرة الدالة على وقوع المشاهدة بعد ذلك التاريخ من أزمنة الغيبة الصغرى لجماعة من الشيعة منهم محمد بن عبيد الله المروي حديثه في غيبة الشيخ وقد رآه (عليه السلام) في سنة ثلاث وتسعين ومائتين، ومنهم يوسف بن أحمد الجعفري الذي مضى حديثه عن غيبة الشيخ في كتابنا هذا ورواه الراوندي أيضا في الخرائج، وقد رآه في سنة تسع وثلاثمائة، ومنهم أبو نعيم محمد بن أحمد الأنصاري المروي حديثه في غيبة الشيخ وكمال الدين للصدوق ودلائل الطبري بأسانيد متعددة وقد رآه (عليه السلام) في اليوم السادس من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين ومائتين، ومنهم علي بن إبراهيم بن مهزيار على ما في غيبة الشيخ ودلائل الطبري فإنه يظهر من حديثه أنه رآه (عليه السلام) بعد التاريخ المذكور حيث قال في أوله (حججت عشرين حجة كلا أطلب بها عيان الإمام فلم أجد إلى ذلك..)، الخبر. وبملاحظة ذلك مع تاريخ الولادة يظهر ما ذكرناه، ومنهم يعقوب بن يوسف الغسانى المروي حديثه في غيبة الشيخ ودلائل الطبري وقد رآه في سنة إحدى وثمانين ومائتين، وسيأتي حديثه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، ومنهم غير هؤلاء ولا يصلح ذلك الخبر لمقاومة تلك الأخبار المعتبرة لكون رواية الحسين بن حمدان الحضيني في كتابه الهداية وكتابه الآخر وابن حمدان هذا من الضعفاء جدا كما صرح به أصحاب الرجال، ووجدنا في كتابه ما يحقق قولهم فإن كتابه الآخر قد أورد فيه أخبارا في تصديق أبي الخطاب الملعون وكونه بابا للصادق (عليه السلام)، وكذا روى أخبارا في تصديق محمد بن الفرات وأبي شعيب محمد بن نصير النميري وكونه بابا لأبي محمد العسكري والحجة (عليهم السلام) وأنكر كون السفراء الأربعة أبوابا وذهب إلى أنهم كانوا وكلاء الأموال وكانت البابية لمحمد بن نصير الملعون المطرود على لسان الحجة (عليه السلام) باتفاق من الشيعة، ومقالاته المنكرة من إباحة المحارم وارتكابه لها حتى وطأ الغلمان مذكور في كتب الشيعة من غيبة الشيخ وغيرها، فلو لم يكن إلا قوله في هذا الحديث بالخصوص ويقعد على بابه محمد بن نصير النميري.. إلخ، وفي كتابه الآخر ويقعد بابه بحذف حرف الجر فناهينا في الدلالة على ضعفه وفساد عقيدته وسند حديثه مع ذلك منته إلى نفس محمد بن نصير ثم عمر بن الفرات الذي ضعفه الشيخ في رجاله، وإنما اعتمدنا على سائر مضامين هذا الخبر واعتمد غيرنا كالشيخ الصالح الحسن بن سليمان الحلي في منتخب البصائر والمولى الجليل محمد باقر المجلسي في غيبة البحار وشيخ المتألهين مولانا أحمد بن زين الدين الإحسائي في كتابيه العصمة والرجعة لوجود مضامينه في سائر الأخبار مفرقة كما صرح به الإحسائي في كتابه المذكور ولموافقتها للميزان الذي قررناه في صدر الكتاب وكذا سائر رواياته .

وأما ما يتفرد به مخالفا لسائر الأخبار المعتبرة ولما أجمع عليه الفرقة المحقة كبابيه النميري لعنة الله عليه مثلا فلا يجوز الاعتماد عليه والالتفات إليه ولا سيما إذا كان سنده منتهيا إلى من ذكرناه، ولا سيما إذا ضمت إلى تلك الأخبار روايات من رآه (عليه السلام) بعد زمان الغيبة الصغرى وهى كثيرة جدا مذكورة في كتب الغيبة وغيرها وقد مر بعض منها ويأتي بعض آخر مما يناسب كتابنا هذا، ومن أراد الاستيفاء فعليه بغيبة البحار وغيبة العوالم فإنهما جمعا جل الأخبار المتفرقة في سائر المواضع.

وقد عزم السيد العلامة السيد هاشم التوبلي البحراني على تأليف كتاب مجرد في خصوص من رآه (عليه السلام) في زمن الغيبة الأولى والثانية وسماه تبصرة الولي فيمن رأي القائم المهدي (عليه السلام) غير أنه لم يتم على ما يريد على ما وصل نسخته إلينا.

وبالجملة هي أخبار قد روتها الثقاة لا يجوز أن تنكر بمجرد رواية ابن حمدان الذي عرفت حاله وحال سند حديثه ما يناقض تلك الروايات نعم من تتبع الأخبار المعصومية ولمح الاعتبارات الحكمية وجد أن غيبته (عج) قد وقعت على سبيل التدرج شيئاً فشيئا، فكلما طال المدى اشتدت الغيبة لتراكم ظلمات العالم بعضها على بعض فعلى هذا لا يبعد أن يؤول الحال بالتدريج إلى أن لا يتراءى (عليه السلام) فيما بعد عن الغيبة الصغرى لأحد على نحو يعرفه، وهذا مما لا ينافي تلك الأخبار المنقولة فاندفع الاعتراض الثالث أيضا بحمد الله تعالى.

هذا واعلم أن الذي يجب علينا بيان الحق ودفع انتحال المبطلين عن المبادئ العالية سلام الله عليهم والعصابة المجتمعة على أمر من الأمور وأما الأفراد المتفردون ببعض الأمور فلم يثبت بيننا وبينهم ضمان جريرة فلسنا بملتزمين لتصحيح كل ما قالوا بحسب ما أدت إليه أنظارهم والله ولي التوفيق.

واعلم أن هذا الرجل المعترض قد أظهر في اعتراضاته هذه أنه لم يقصد بها إظهار تناقض في روايات الشيعة وأن اعتراضه هذا ليس ناشئا من التعصب والعناد وإنما أراد بذلك الهداية والإرشاد وتسهيل ما أشكل عليه، ونحن قررناه على دعواه هذه ولكن حاله ذكرني حكاية لطيفة وهى: أن المشهور عند العوام ولا سيما أهل القرى والبوادي ولا سيما القدماء منهم والمركوز في اعتقادهم أن بعض الميتين قد يتفق له انبعاث من قبره بعد الموت، وعندهم أن من يتفق له تلك الحالة إذا خرج من قبره يجب أن يقتل لأنهم يرون مثل هذا الحال من الميت أمرا منكرا وعارا وشنوا على أهل بيته، فنقل أن رجلا من أهل بعض القرى اعترته سكتة فظن أهله أنه قد مات فغسلوه وكفنوه وجاءوا به إلى المقابر ودفنوه هناك فلما كان من الغد أفاق ذلك الرجل من سكتته فرأى نفسه في بيت مظلم على حالة عجيبة، فعرف أن أهله قد دفنوه بظن الموت فجعل يحفر ما على القبر شيئا فشيئاً إلى أن وجد مخرجا منه فخرج من القبر وعلم أنه لو علم بذلك أهل القرية قتلوه يقينا، فأتي ضيعة له في خارج القرية ووجد بعض أكرته فيها يعمل في الزراعة فلما رآه ذلك الأكار توحش منه توحشا شديدا فصاح به مولاه وقال: لا تخف فإني أنا مولاك الفلاني وقد زعم أهلي أني ميت فسبحوني ودفنوني وإنما عرضت لي سكتة وقد أفقت منها في القبر وخرجت منه ولي إليك حاجة وهو أن تمضى إلى بيتي وتأتيني بثيابي وتفكتى ولا تخبر أهلي ولا أهل القرية بشيء من ذلك وأنا أجازيك بذلك ما تريد، فلما سمع الرجل منه ذلك فكر في أمره فلم يصدقه في قلبه بل اعتقد أنه من المنبعثين غير أنه قال في نفسه: أي ضرر في أن أقضي له ما يريد وقد كان مولى لي في حياته وله علي حقوق فمضى إلى بيت الرجل وأخذ ثيابه وتفكته وأتى بها وألقاها إليه من بعيد، ورجع من فوره إلى القرية وأخبر أهل بيته وسائر أهل القرية أن فلانا الميت قد انبعث من القبر فأدركوه واقتلوه قبل أن يفوتكم فلما سمع أولئك الحمير بذلك عجلوا وأخذوا من الأسلحة ما أمكن فجاءوا يهرعون إليه، ولما أحس الرجل المسكين بذلك من بعيد لبس الثياب وأخذ التفكة وصعد إلى جبل هناك متحصنا منهم وجعل كل من أراد أن يصعد الجبل هدده بالتفكة وحلف بالأيمان المغلظة أنه يقتل كل من يريد أن يدنو منه فلم يجتر أحد بذلك فاجتمعوا في سفح الجبل وجعلوا ينظرون إليه وقد ائتمروا على قتله بنية مجتمعة صادقة، ومن العجب أن من المصرين على ذلك أم ذلك الرجل فإنها إذ ذاك واقفة في ناحية تصيح على الجماعة وتحرضهم على قتله وتلتمس منهم ذلك أشد الالتماس وتقول: اقتلوه بالله عليكم لئلا يبقى عار هذه الشناعة في بيتنا وتتحدث به الركبان أن ميت آل فلان قد انبعث من قبره، ولما وجد الرجل منهم إحجاما وسكونا جعل يقص عليهم قصته ويحلف تارة لهم بأيمان مغلظة أنه ليس كما زعموا وأخرى يعظهم ويقول: يا قوم اتقوا الله في قتلي فإني رجل مسلم وهبوا أني كما زعمتم فارجعوا إلى عقولكم وانظروا بأي حجة يجب قتل الميت المنبعث من القبر، فكان كلما يزيدهم موعظة وتذكرة زادوا عتوا وإصرارا في العزم على قتله فلما استيئس منهم قال: يا قوم إنكم جهال لا تفقهون كثيرا مما أقول وإن كان ولا بد من قتلي فالتمس منكم أن تأتوني بعالم قريتكم هذه أكلمه ساعة لعله يفقه قولي ويعرفكم أنكم مخطئون في هذا الاعتقاد، فجاءوا بعالم القرية وهو من أمثال علماء قرى زماننا الذين حالهم معلوم عند أهل البصيرة، فلما بلغ سفح الجبل وقف وأحجم عن الدنو منه وكلما التمس الرجل منه ذلك امتنع وأبى وقال: له قل ما تريد فإني أسمعه فحكى الرجل عليه القصة ثم قال: أنشدك بالله هل قرأت في الكتب أو بلغك من شرعنا أن الميت ينبعث من قبره على النحو الذي يزعمون هؤلاء؟ قال: لا، قال: فأعلم هؤلاء الجهال ذلك عساهم يرتدعون وينتهون عن قتلي من غير سبب، فلما سمع العالم ذلك منه أطرق مليا ثم رفع رأسه وقال: إني وإن كنت لم أجد شيئا من ذلك في الكتب ولا ورد في شرعنا شيء من ذلك ولكن دوران عينيك تخبر أنك من المنبعثين، فلما سمع أهل القرية منه ذلك تأهبوا لقتله فاختار الرجل المسكين الفرار على القرار حتى تخلص منهم بعد كد شديد ولم يقدر على العود إليهم ما دام حيا، انتهى.

فنحن نقول كما قال: ذلك المتفقه القروي إنك أيها المعترض وإن كنت تدعي التبرؤ من التعصب والعناد وأن اعتراضاتك هذه لم تنشأ منهما وينبغي لنا أن نقرك على ظاهر كلامك ولا نبحث عن باطن الأمر ولكن فلتات كلامك تخبر أنك من الناصبين المعاندين قد نفث هذه الاعتراضات في روعك الشيطان والحمد لله الذي دفع عنا سلطانك وخذل بأيدينا شيطانك وحق على الله نصر المؤمنين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.

الخامس والسبعون عن دلائل الطبري قال: (حدثني أبو جعفر محمد بن هارون بن موسى التلعكبري قال: حدثني أبو الحسين بن أبي البغل الكاتب قال: تقلدت عملا من أبي منصور بن الصالحان وجرى بيني وبينه ما أوجب استتاري، فطلبني وأخافني فمكثت مستترا خائفا ثم قصدت مقابر قريش ليلة الجمعة واعتمدت المبيت هناك للدعاء والمسألة وكانت ليلة ريح ومطر، فسألت أبا جعفر القيم أن يغلق الأبواب وأن يجتهد في خلوة الموضع لأخلو بما أريده من الدعاء والمسألة وآمن من دخول إنسان مما لم آمنه وخفت من لقائي له، ففعل وقفل الأبواب وانتصف الليل وورد من الريح والمطر ما قطع الناس عن الموضع ومكثت أدعو وأزور وأصلي، فبينا أنا كذلك إذ سمعت وطئا عند مولانا موسى (عليه السلام) وإذا رجل يزور فسلم على آدم وأولي العزم ثم الأئمة (عليهم السلام) واحدا واحدا إلى أن انتهى إلى صاحب الزمان (عليه السلام) فعجبت من ذلك وقلت لعله نسي أو لم يعرف أو هذا مذهب لهذا الرجل فلما فرغ من زيارته صلى ركعتين وأقبل إلى عند مولانا أبي جعفر وزار مثل تلك الزيارة وذلك السلام وصلى ركعتين وأنا خائف منه إذ لم أعرفه ورأيته شابا تاما من الرجال عليه ثياب بيض وعمامة محنك بها وذؤابة ورداء على كتفه مسبل فقال: لي يا أبا الحسين بن أبي البغل أين أنت عن دعاء الفرج؟ فقلت وما هو يا سيدي؟ فقال: تصلي ركعتين وتقول (يا من أظهر الجميل وستر القبيح يا من لم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك الستر يا عظيم المن يا كريم الصفح يا حسن التجاوز يا واسع المغفرة يا باسط اليدين بالرحمة يا منتهى كل نجوى ويا غاية كل شكوى يا عون كل مستعين يا مبتدئا بالنعم قبل استحقاقها يا رباه (عشر مرات) يا سيداه (عشر مرات) يا مولاه (عشر مرات) يا غايتاه (عشر مرات) يا منتهى رغبتاه (عشر مرات) أسألك بحق هذه الأسماء وبحق محمد وآله الطاهرين إلا ما كشفت كربي ونفست همي وفرجت غمي وأصلحت حالي) وتدعو بعد ذلك بما شئت وتسأل حاجتك ثم تضع خدك الأيمن على الأرض وتقول مائة مرة في سجودك يا محمد يا علي يا علي يا محمد اكفياني فإنكما كافياي وانصراني فإنكما ناصراي، وتضع خدك الأيسر على الأرض وتقول مائة مرة أدركني وتكررها كثيرا وتقول الغوث الغوث حتى ينقطع نفسك وترفع رأسك فإن الله بكرمه يقضي حاجتك إن شاء الله تعالى، فلما شغلت بالصلاة والدعاء خرج فلما فرغت خرجت إلى أبي جعفر لأسأله عن الرجل وكيف قد دخل فرأيت الأبواب على حالها مغلقة مقفلة فعجبت من ذلك وقلت لعله باب هاهنا ولم أعلم فانتهيت إلى أبي جعفر القيم فخرج إلى عندي من بيت الزيت فسألته عن الرجل ودخوله فقال: الأبواب مقفلة كما ترى ما فتحتها، فحدثته بالحديث فقال: هذا مولانا صاحب الزمان (صلوات الله عليه) وقد شاهدته مرارا في مثل هذه الليلة عند خلوها من الناس فتأسفت على ما فاتني منه وخرجت عند قرب الفجر وقصدت الكرخ إلى الموضع الذي كنت مستترا فيه، فما أضحى النهار إلا وأصحاب ابن الصالحان يلتمسون لقائي ويسألون عني أصدقائي ومعهم أمان من الوزير ورقعة بخطه فيها كل جميل، فحضرت مع ثقة من أصدقائي عنده فقام والتزمني وعاملني بما لم أعهده منه وقال: انتهت بك الحال إلى أن تشكوني إلى صاحب الزمان (عليه السلام) ؟ فقلت: قد كان مني دعاء ومسألة، فقال: ويحك رأيت البارحة مولاي صاحب الزمان (عليه السلام) في النوم يعني ليلة الجمعة وهو يأمرني بكل جميل ويجفو علي في ذلك جفوة خفتها، فقلت: لا إله إلا الله أشهد أنهم الحق ومنتهى الصدق رأيت البارحة مولانا في اليقظة وقال لي كذا وكذا وشرحت ما رأيته في المشهد فعجب من ذلك وجرت منه أمور عظام حسان في هذا المعنى وبلغت منه غاية ما لم أظنه ببركة مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليه).

السادس والسبعون غيبة البحار قال: (أخبرني به بعض الأفاضل الكرام والثقات الأعلام قال: أخبرني بعض من أثق به يرويه عمن يثق به ويطريه أنه قال: لما كان بلدة البحرين تحت ولاية الإفرنج جعلوا واليها رجلا من المسلمين ليكون أدعى إلى تعميرها وأصلح بحال أهلها، وكان هذا الوالي من النواصب وله وزير أشد نصبا منه يظهر العداوة لأهل البحرين لحبهم لأهل البيت (عليهم السلام) ويحتال في إهلاكهم وإضرارهم بكل حيلة، فلما كان في بعض الأيام دخل الوزير على الوالي وبيده رمانة فأعطاها الوالي فإذا كان مكتوبا عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبو بكر وعمر وعثمان وعلي خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتأمل الوالي فرأى الكتابة من أصل الرمانة بحيث لا يحتمل عنده أن يكون من صناعة بشر فتعجب من ذلك وقال للوزير: هذه آية بينة وحجة قوية على إبطال مذهب الرافضة فما رأيك في أهل البحرين؟ فقال له: أصلحك الله إن هؤلاء جماعة متعصبون ينكرون البراهين وينبغي لك أن تحضرهم وتريهم هذه الرمانة فإن قبلوا ورجعوا إلى مذهبنا كان لك الثواب الجزيل بذلك، وإن أبوا إلا المقام على ضلالتهم فخيرهم بين ثلاث إما أن يؤدوا الجزية وهم صاغرون أو يأتوا بجواب عن هذه الآية البينة التي لا محيص لهم عنها أو تقتل رجالهم وتسبي نساءهم وأولادهم وتأخذ بالغنيمة أموالهم، فاستحسن الوالي رأيه وأرسل إلى العلماء والأفاضل الأخيار والنجباء والسادة الأبرار من أهل البحرين وأحضرهم وأراهم الرمانة وأخبرهم بما رأى فيهم إن لم يأتوا بجواب شاف من القتل والأسر وأخذ الأموال أو أخذ الجزية على وجه الصغار كالكفار، فتحيروا في أمرها ولم يقدروا على جواب وتغيرت وجوههم وارتعدت فرائصهم، فقال كبراؤهم: أمهلنا أيها الأمير ثلاثة أيام لعلنا نأتيك بجواب ترتضيه وإلا فاحكم فينا ما شئت، فأمهلهم فخرجوا من عنده خائفين مرعوبين متحيرين.

فاجتمعوا في مجلس وأجالوا الرأي في ذلك فاتفق رأيهم على أن يختاروا من صلحاء البحرين وزهادهم عشرة ففعلوا ثم اختاروا من العشرة ثلاثة فقالوا لأحدهم: اخرج الليلة إلى الصحراء واعبد الله فيها واستغث بإمام زماننا وحجة الله علينا لعله يبين لك ما هو المخرج من هذه الداهية الدهماء، فخرج وبات طول ليلته متعبدا خاشعا داعيا باكيا يدعو الله ويستغيث بالإمام (عليه السلام) حتى أصبح ولم ير شيئا فأتاهم وأخبرهم، فبعثوا في الليلة الثانية الثاني منهم فرجع كصاحبه ولم يأتهم بخبر فازداد قلقهم وجزعهم، فأحضروا الثالث وكان تقيا فاضلا اسمه محمد بن عيسى فخرج الليلة الثالثة حافيا حاسر الرأس إلى الصحراء وكانت ليلة مظلمة فدعا وبكى وتوسل إلى الله تعالى في خلاص هؤلاء المؤمنين وكشف هذه البلية عنهم واستغاث بصاحب الزمان (عليه السلام) ، فلما كان آخر الليل إذا هو برجل يخاطبه ويقول يا محمد بن عيسى ما لي أراك على هذه الحالة ولماذا خرجت إلى هذه البرية؟ فقال: له أيها الرجل دعني فإني خرجت لأمر عظيم وخطب جسيم لا أذكره إلا لإمامي ولا أشكوه إلا إلى من يقدر على كشفه عني، فقال: يا محمد بن عيسى أنا صاحب الأمر فاذكر حاجتك، فقال: إن كنت هو فأنت تعلم قصتي ولا تحتاج إلى أن أشرحها لك، فقال له: نعم خرجت لما دهمكم من أمر الرمانة وما كتب عليها وما أوعدكم الأمير به، قال: فلما سمعت ذلك توجهت إليه وقلت له نعم يا مولاي قد تعلم ما أصابنا وأنت إمامنا وملاذنا والقادر على كشفه عنا، فقال صلوات الله عليه: يا محمد بن عيسى إن الوزير لعنه الله في داره شجرة رمان فلما حملت تلك الشجرة صنع شيئا من الطين على هيئة الرمانة وجعلها نصفين وكتب في داخل كل نصف بعض تلك الكتابة ثم وضعهما على الرمانة وشدهما عليها وهي صغيرة فأثر فيها وصارت هكذا، فإذا مضيتم غدا إلى الوالي فقل له جئتك بالجواب ولكني لا أبديه إلا في دار الوزير فإذا مضيتم إلى داره فانظر عن يمينك ترى فيها غرفة فقل للوالي لا أجيبك إلا في تلك الغرفة وسيأبى الوزير عن ذلك وأنت بالغ في ذلك ولا ترض إلا بصعودها فإذا صعد فاصعد معه ولا تتركه وحده يتقدم عليك فإذا دخلت الغرفة رأيت كوة فيها كيس أبيض فانهض إليه وخذه فترى فيه تلك الطينة التي عملها لهذه الحيلة ثم ضعها أمام الوالي وضع الرمانة فيها لينكشف له جلية الحال، وأيضا يا محمد بن عيسى قل للوالي إن لنا معجزة أخرى وهي أن هذه الرمانة ليس فيها إلا الرماد والدخان وإن أردت صحة ذلك فأمر الوزير بكسرها فإذا كسرها طار الرماد والدخان على وجهه ولحيته، فلما سمع محمد بن عيسى ذلك من الإمام (عليه السلام) فرح فرحا شديدا وقبل بين يدي الإمام صلوات الله عليه وانصرف إلى أهله بالبشارة والسرور، فلما أصبحوا مضوا إلى الوالي ففعل محمد بن عيسى كل ما أمره الإمام (عليه السلام) وظهر كل ما أخبره فالتفت الوالي إلى محمد بن عيسى وقال له: من أخبرك بهذا؟ فقال: إمام زماننا وحجة الله علينا فقال: ومن إمامكم فأخبره بالأئمة (عليهم السلام) واحدا بعد واحد إلى أن انتهى صاحب الأمر صلوات الله عليه وعليهم، فقال الوالي: مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن الخليفة بعده بلا فصل أمير المؤمنين علي(عليه السلام) ثم أقر بالأئمة (عليهم السلام) إلى آخرهم (عليهم السلام) وحسن إيمانه وأمر بقتل الوزير واعتذر إلى أهل البحرين وأحسن إليهم وأكرمهم، قال: وهذه القصة مشهورة عند أهل البحرين وقبر محمد بن عيسى عندهم معروف يزوره الناس).

السابع والسبعون عن كشف الغمة قال: (حدثني جماعة من ثقات إخواني كان في بلاد الحلة شخص يقال له إسماعيل بن الحسن الهرقلي من قرية يقال لها هرقل مات في زماني وما رأيته حكى لي ولده شمس الدين قال: حكى لي والدي أنه خرج فيه وهو شاب على فخذه الأيسر توثة مقدار قبضة الإنسان وكانت في كل ربيع تتشقق ويخرج منها دم وقيح ويقطعه ألمها عن كثير من أشغاله وكان مقيما بهرقل، فحضر إلى الحلة يوما ودخل إلى مجلس السعيد رضي الدين علي بن طاوس وشكا إليه ما يجده وقال: أريد أن أداويها فأحضر له أطباء الحلة وأراهم الموضع فقالوا هذه التوثة فوق العرق الأكحل وعلاجها خطر ومتى قطعت خيف أن ينقطع العرق فيموت، فقال له السعيد رضي الدين قدس الله روحه أنا متوجه إلى بغداد وربما كان أطباؤها أعرف وأحذق من هؤلاء فاصحبني فأصعد معه وأحضر الأطباء فقالوا كما قال أولئك فضاق صدره فقال له السعيد إن الشرع قد فسح لك في الصلاة في هذه الثياب وعليك الاجتهاد في الاحتراس ولا تغرر بنفسك فالله تعالى قد نهى عن ذلك ورسوله، فقال له والدي: إذا كان الأمر هكذا وقد حصلت في بغداد فأتوجه إلى زيارة المشهد الشريف بسر من‏ رأى على مشرفه السلام ثم أنحدر إلى أهلي، فحسن له ذلك فترك ثيابه ونفقته عند السعيد رضي الدين وتوجه، قال: فلما دخلت المشهد وزرت الأئمة (عليهم السلام) ونزلت السرداب واستغثت بالله تعالى وبالإمام (عليه السلام) وقضيت بعض الليل في السرداب وبقيت في المشهد إلى الخميس ثم مضيت إلى دجلة واغتسلت ولبست ثوبا نظيفا وملأت إبريقا كان معي وصعدت أريد المشهد فرأيت أربعة فرسان خارجين من باب السور وكان حول المشهد قوم من الشرفاء يرعون أغنامهم فحسبتهم منهم فالتقينا، فرأيت شابين أحدهما عبد مخطوط وكل واحد منهم متقلد بسيف وشيخا منقبا بيده رمح والآخر متقلد بسيف وعليه فرجية ملونة فوق السيف وهو متحنك بعذبته، فوقف الشيخ صاحب الرمح يمين الطريق ووضع كعب رمحه في الأرض ووقف الشابان عن يسار الطريق وبقي صاحب الفرجية على الطريق مقابل والدي ثم سلموا عليه فرد عليهم السلام فقال له صاحب الفرجية: أنت غدا تروح إلى أهلك؟ فقال له: نعم فقال: له تقدم حتى أبصر ما يوجعك، قال: فكرهت ملامستهم وقلت أهل البادية ما يكادون يحترزون من النجاسة وأنا قد خرجت من الماء وقميصي مبلول ثم إني مع ذلك تقدمت إليه فلزمني بيدي ومدني إليه وجعل يلمس جانبي من كتفي إلى أن أصابت يده التوثة فعصرها بيده فأوجعني ثم استوى في سرج فرسه كما كان فقال لي الشيخ: أفلحت يا إسماعيل، فتعجبت من معرفته باسمي فقلت أفلحنا وأفلحتم إن شاء الله، قال فقال: هذا هو الإمام (عليه السلام)، قال: فتقدمت إليه فاحتضنته وقبلت فخذه ثم إنه ساق وأنا أمشي معه محتضنه فقال: ارجع، فقلت: لا أفارقك أبدا، فقال: المصلحة رجوعك، فأعدت عليه مثل القول الأول فقال: الشيخ يا إسماعيل ما تستحيي يقول لك الإمام (عليه السلام) مرتين ارجع وتخالفه، فجبهني بهذا القول فوقفت فتقدم خطوات والتفت إلي وقال: إذا وصلت بغداد فلا بد أن يطلبك أبو جعفر يعني الخليفة المستنصر فإذا حضرت عنده وأعطاك شيئا فلا تأخذه وقل لولدنا الرضي ليكتب لك إلى علي بن عوض فإنني أوصيه يعطيك الذي تريد، ثم سار وأصحابه معه فلم أزل قائما أبصرهم حتى بعدوا وحصل عندي أسف لمفارقته، فقعدت إلى الأرض ساعة ثم مشيت إلى المشهد فاجتمع القوم حولي وقالوا: نرى وجهك متغيرا أوجعك شيء؟ قلت: لا قالوا: خاصمك أحد؟ قلت: لا ليس عندي مما تقولون خبر لكن أسألكم هل عرفتم الفرسان الذين كانوا عندكم؟ فقالوا: هم من الشرفاء أرباب الغنم فقلت بل هو الإمام (عليه السلام) فقالوا: الإمام (عليه السلام) هو الشيخ أو صاحب الفرجية؟ فقلت: هو صاحب الفرجية، فقالوا: أريته المرض الذي فيك فقلت: قبضه هو بيده وأوجعني ثم كشفت رجلي فلم أر لذلك المرض أثرا فتداخلني الشك من الدهش فأخرجت رجلي الأخرى فلم أر شيئا فانطبق الناس علي ومزقوا قميصي فأدخلني القوم خزانة ومنعوا الناس عني، وكان ناظر بين النهرين بالمشهد فسمع الضجة وسأل عن الخبر فعرفوه فجاء إلى الخزانة وسألني عن اسمي وسألني منذ كم خرجت من بغداد فعرفته أني خرجت في أول الأسبوع فمشى عني وبت في المشهد وصليت الصبح وخرجت وخرج الناس معي إلى أن بعدت عن المشهد ورجعوا عني، ووصلت إلى أوانا فبت بها وبكرت منها أريد بغداد فرأيت الناس مزدحمين على القنطرة العتيقة يسألون من ورد عليهم عن اسمه ونسبه وأين كان فسألوني عن اسمي ومن أين جئت فعرفتهم فاجتمعوا علي ومزقوا ثيابي ولم يبق لي في روحي حكم وكان الناظر بين النهرين كتب إلى بغداد وعرفهم الحال ثم حملوني إلى بغداد وازدحم الناس علي وكادوا يقتلونني من كثرة الزحام، وكان الوزير القمي قد طلب السعيد رضي الدين وتقدم أن يعرفه صحة هذا الخبر، قال: فخرج رضي الدين ومعه جماعة فوافينا باب النوبي فرد أصحابه الناس عني فلما رآني قال: أعنك يقولون؟ قلت: نعم، فنزل عن دابته وكشف فخذي فلم ير شيئا فغشي عليه ساعة وأخذ بيدي وأدخلني على الوزير وهو يبكي ويقول يا مولانا هذا أخي وأقرب الناس إلى قلبي، فسألني الوزير عن القصة فحكيت له فأحضر الأطباء الذين أشرفوا عليها وأمرهم بمداواتها فقالوا: ما دواؤها إلا القطع بالحديد ومتى قطعها مات فقال لهم الوزير: فبتقدير أن يقطع ولا يموت في كم تبرأ؟ فقالوا: في شهرين ويبقى في مكانها حفيرة بيضاء لا ينبت فيها شعر، فسألهم الوزير: متى رأيتموه؟ قالوا: منذ عشرة أيام فكشف الوزير عن الفخذ الذي كان فيه الألم وهي مثل أختها ليس فيها أثر أصلا، فصاح أحد الحكماء: هذا عمل المسيح، فقال الوزير: حيث لم يكن عملكم فنحن نعرف من عملها، ثم إنه أحضر عند الخليفة المستنصر فسأله عن القصة فعرفه بها كما جرى فتقدم له بألف دينار فلما حضرت قال: خذ هذه فأنفقها، فقال: ما أجسر آخذ منه حبة واحدة فقال الخليفة: ممن تخاف؟ فقال: من الذي فعل معي هذا قال لا تأخذ من أبي جعفر شيئا، فبكى الخليفة وتكدر وخرج من عنده ولم يأخذ شيئا قال علي بن عيسى عفا الله عنه: كنت في بعض الأيام أحكي هذه القصة لجماعة عندي وكان هذا شمس الدين محمد ولده عندي وأنا لا أعرفه فلما انقضت الحكاية قال: أنا ولده لصلبه فعجبت من هذا الاتفاق وقلت له هل رأيت فخذه وهي مريضة فقال: لا لأني أصبو عن ذلك ولكني رأيتها بعد ما صلحت ولا أثر فيها وقد نبت في موضعها شعر، وسألت السيد صفي الدين محمد بن محمد بن بشير العلوي الموسوي ونجم الدين حيدر بن الأيسر رحمهما الله تعالى وكانا من أعيان الناس وسراتهم وذوي الهيئات منهم وكانا صديقين لي وعزيزين عندي فأخبراني بصحة القصة وأنهما رأياها في حال مرضها وحال صحتها وحكى لي ولده هذا أنه كان بعد ذلك شديد الحزن لفراقه (عليه السلام) حتى إنه جاء إلى بغداد وأقام بها في فصل الشتاء وكان كل أيام يزور سامراء ويعود إلى بغداد فزارها في تلك السنة أربعين مرة طمعا أن يعود له الوقت الذي مضى أو يقضى له الحظ بما قضى ومن الذي أعطاه دهره الرضا أو ساعده بمطالبه صرف القضاء فمات بحسرته وانتقل إلى الآخرة بغصته والله يتولاه وإيانا برحمته بمنه وكرامته).

الثامن والسبعون غيبة البحار عن كتاب السلطان المفرج عن أهل الإيمان للسيد علي بن عبد الحميد عن خط بعض أصحابنا الصالحين ما صورته (عن محيي الدين الإربلي أنه حضر عند أبيه ومعه رجل فنعس فوقعت عمامته عن رأسه فبدت في رأسه ضربة هائلة فسأله عنها فقال له: هي من صفين، فقيل له: وكيف ذلك ووقعة صفين قديمة؟ فقال: كنت مسافرا إلى مصر فصاحبني إنسان من غزة فلما كنا في بعض الطريق تذاكرنا وقعة صفين فقال لي الرجل: لو كنت في أيام صفين لرويت سيفي من علي وأصحابه، فقلت: لو كنت في أيام صفين لرويت سيفي من معاوية وأصحابه وها أنا وأنت من أصحاب علي (عليه السلام) ومعاوية، فاعتركنا عركة عظيمة واضطربنا فما أحسست بنفسي إلا مرميا لما بي، فبينما أنا كذلك وإذا بإنسان يوقظني بطرف رمحه ففتحت عيني فنزل إلي ومسح الضربة فتلاءمت فقال: البث هنا ثم غاب قليلا وعاد معه رأس مخاصمي مقطوعا والدواب معه فقال لي: هذا رأس عدوك وأنت نصرتنا فنصرناك ولينصرن الله من نصره، فقلت: من أنت فقال: فلان بن فلان يعني صاحب الأمر (عليه السلام) ثم قال لي: وإذا سئلت عن هذه الضربة فقل ضربتها في صفين‏).

التاسع والسبعون عن غيبة النعماني قال: (أخبرنا عبد الواحد بن عبد الله قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن رباح قال: حدثنا محمد بن العباس بن عيسى الحسيني عن الحسن بن علي البطائني عن أبيه عن المفضل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إن لصاحب هذا الأمر بيتا يقال له بيت الحمد فيه سراج يزهر منذ يوم ولد إلى يوم يقوم بالسيف لا يطفأ).

الثمانون عن دلائل الطبري قال: (حدثني أبو المفضل محمد بن عبد الله قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد المقرئ قال: حدثنا أبو العباس محمد بن سابور قال: حدثني الحسن بن محمد بن حيوان السراج قال: حدثني أحمد بن الدينوري السراج المكنى بأبي العباس الملقب بأستارة قال: انصرفت من أردبيل إلى الدينور أريد الحج وذلك بعد مضي أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) بسنة أو سنتين وكان الناس في حيرة فاستبشروا أهل الدينور بموافاتي واجتمع الشيعة عندي فقالوا :اجتمع عندنا ستة عشر ألف دينار من مال الموالي ونحتاج أن تحملها معك وتسلمها بحيث يجب تسليمها، قال فقلت: يا قوم هذه حيرة ولا نعرف الباب في هذا الوقت قال فقالوا: إنما اخترناك لحمل هذا المال لما نعرف من ثقتك وكرمك فاعمل على ألا تخرجه من يديك إلا بحجة قال: فحمل إلي ذلك المال في صرر باسم رجل رجل فحملت ذلك المال وخرجت فلما وافيت قرميسين كان أحمد بن الحسن مقيما بها فصرت إليه مسلما فلما لقيني استبشر بي ثم أعطاني ألف دينار في كيس وتخوت ثياب ألوان معكمة لم أعرف ما فيها ثم قال لي أحمد: احمل هذا معك ولا تخرجه عن يدك إلا بحجة، قال: فقبضت منه المال والتخوت بما فيها من الثياب فلما وردت بغداد لم يكن لي همة غير البحث عمن أشير إليه بالنيابة فقيل لي إن هاهنا رجلا يعرف بالباقطاني يدعي بالنيابة وآخر يعرف بإسحاق الأحمر يدعي النيابة وآخر يعرف بأبي جعفر العمري يدعي بالنيابة، قال: فبدأت بالباقطاني فصرت إليه فوجدته شيخا بهيا له مروءة ظاهرة وفرس عربي وغلمان كثير ويجتمع عنده الناس عنده يتناظرون، قال: فدخلت إليه وسلمت عليه فرحب وقرب وسر وبر قال: فأطلت القعود إلى أن خرج أكثر الناس قال: فسألني عن حاجتي فعرفته أني رجل من أهل الدينور ومعي شيء من المال أحتاج أن أسلمه فقال لي: احمله، قال فقلت: أريد حجة، قال: تعود إلي في غد، قال: فعدت إليه من الغد فلم يأت بحجة وعدت إليه في اليوم الثالث فلم يأت بحجة، قال: فصرت إلى إسحاق الأحمر فوجدته شابا نظيفا منزله أكبر من منزل الباقطاني وفرسه ولباسه ومروءته أسرى وغلمانه أكثر من غلمانه ويجتمع عنده من الناس أكثر مما يجتمعون عند الباقطاني قال: فدخلت وسلمت فرحب وقرب، قال: فصبرت إلى أن خف الناس قال: فسألني عن حاجتي، فقلت له كما قلت للباقطاني وعدت إليه بعد ثلاثة أيام فلم يأت بحجة، قال: فصرت إلى أبي جعفر العمري فوجدته شيخا متواضعا عليه مبطنة بيضاء قاعد على لبد في بيت صغير ليس له غلمان ولا من المروءة والفرس ما وجدت لغيره، قال: فسلمت فرد الجواب وأدناني وبسط مني ثم سألني عن حالي فعرفته أني وافيت من الجبل وحملت مالا فقال: فإن أحببت أن تصل هذا الشيء إلى من يجب أن يصل إليه تخرج إلى سر من رأى وتسأل دار ابن الرضا وعن فلان بن فلان الوكيل، وكانت دار ابن الرضا عامرة بأهلها فإنك تجد هناك ما تريد، قال: فخرجت من عنده ومضيت نحو سر من ‏رأى وصرت إلى دار ابن الرضا وسألت عن الوكيل فذكر البواب أنه مشتغل في الدار وأنه يخرج آنفا فقعدت على الباب أنتظر خروجه، فخرج بعد ساعة فقمت وسلمت عليه وأخذ بيدي إلى بيت كان له وسألني عن حالي وعما وردت له فعرفته أني حملت شيئا من المال من ناحية الجبل وأحتاج أن أسلمه بحجة، قال فقال: نعم، ثم قدم إلي طعاما وقال لي: تغدى بهذا واسترح فإنك تعب وإن بيننا وبين صلاة الأولى ساعة فإني أحمل إليك ما تريد، قال: فأكلت ونمت فلما كان وقت الصلاة نهضت وصليت وذهبت إلى المشرعة فاغتسلت وانصرفت إلى بيت الرجل ومكثت إلى أن مضى من الليل ربعه فجاءني ومعه درج فيه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وافى أحمد بن محمد الدينوري وحمل ستة عشر ألف دينار وفي كذا وكذا صرة فيها صرة فلان بن فلان كذا وكذا دينارا وصرة فلان بن فلان كذا وكذا دينارا إلى أن عد الصرر كلها وصرة فلان بن فلان الزراع ستة عشر دينارا، قال: فوسوس لي الشيطان أن سيدي أعلم بهذا مني فما زلت أقرأ ذكر صرة صرة وذكر صاحبها حتى أتيت عليها عند آخرها ثم ذكر قد حمل من قرميسين من عند أحمد بن الحسن المادرائي أخي الصواف كيسا فيه ألف دينار كذا وكذا تختا ثيابا منها ثوب فلاني وثوب لونه كذا حتى نسب الثياب إلى آخرها بأنسابها وألوانها، قال: فحمدت الله وشكرته على ما من به علي من إزالة الشك عن قلبي وأمر بتسليم جميع ما حملته إلى حيث ما يأمرك أبو جعفر العمري، قال: فانصرفت إلى بغداد وصرت إلى أبي جعفر العمري، قال: وكان خروجي وانصرافي في ثلاثة أيام، قال: فلما بصر بي أبو جعفر العمري، قال لي: لم لم تخرج؟ فقلت: يا سيدي من سر من رأى انصرفت، قال: فأنا أحدث أبا جعفر بهذا إذ وردت رقعة على أبي جعفر العمري من مولانا (عليه السلام) ومعها درج مثل الدرج الذي كان معي فيه ذكر المال والثياب وأمر أن يسلم جميع ذلك إلى أبي جعفر محمد بن أحمد بن جعفر القطان القمي، فلبس أبو جعفر العمري ثيابه وقال لي: احمل ما معك إلى منزل محمد بن أحمد بن جعفر القطان القمي، قال: فحملت المال والثياب إلى منزل محمد بن أحمد بن جعفر القطان وسلمتها وخرجت إلى الحج فلما انصرفت إلى الدينور اجتمع عندي الناس فأخرجت الدرج الذي أخرجه وكيل مولانا صلوات الله عليه إلي وقرأته على القوم فلما سمع ذكر الصرة باسم الزراع سقط مغشيا عليه فما زلنا نعلله حتى أفاق فلما أفاق سجد شكرا لله عز وجل وقال: الحمد لله الذي من علينا بالهداية الآن علمت أن الأرض لا تخلو من حجة هذه الصرة دفعها والله إلي هذا الزراع ولم يقف على ذلك إلا الله عز وجل، قال: فخرجت ولقيت بعد ذلك بدهر أبا الحسن المادرائي وعرفته الخبر وقرأت عليه الدرج قال: يا سبحان الله ما شككت في شيء فلا تشكن في أن الله عز وجل لا يخلي أرضه من حجة، اعلم أنه لما غزا أذكوتكين يزيد بن عبد الله بسهرورد وظفر ببلاده واحتوى على خزانته صار إلي رجل وذكر أن يزيد بن عبد الله جعل الفرس الفلاني والسيف الفلاني في باب مولانا (عليه السلام)، قال: فجعلت أنقل خزائن يزيد بن عبد الله إلى أذكوتكين أولا فأولا وكنت أدافع الفرس والسيف إلى أن لم يبق شيء غيرهما وكنت أرجو أن أخلص ذلك لمولانا (عليه السلام) فلما اشتد مطالبة أذكوتكين إياي ولم يمكنني مدافعته جعلت في السيف والفرس في نفسي ألف دينار ووزنتها ودفعتها إلى الخازن وقلت له ادفع هذه الدنانير في أوثق مكان ولا تخرجن إلي في حال من الأحوال ولو اشتدت الحاجة إليها وسلمت الفرس والنصل قال: فأنا قاعد في مجلسي بالري أبرم الأمور وأوفي القصص وآمر وأنهى إذ دخل أبو الحسن الأسدي وكان يتعاهدني الوقت بعد الوقت وكنت أقضي حوائجه فلما طال جلوسه وعلي بؤس كثير قلت له ما حاجتك قال: أحتاج منك إلى خلوة فأمرت الخازن أن يهيئ لنا مكانا من الخزانة فدخلنا الخزانة فأخرج إلي رقعة صغيرة من مولانا (عليه السلام) فيها (يا أحمد بن الحسن الألف دينار التي لنا عندك ثمن النصل والفرس سلمها إلى أبي الحسن الأسدي) قال: فخررت لله عز وجل ساجدا شاكرا لما من به علي وعرفت أنه خليفة الله حقا لأنه لم يقف على هذا أحد غيري فأضفت إلى ذلك المال ثلاثة آلاف دينار أخرى سرورا بما من الله علي بهذا الأمر).

الحادي والثمانون الخرائج قال: (روي أن أبا محمد الدعلجي كان له ولدان وكان من خيار أصحابنا وكان قد سمع الأحاديث وكان أحد ولديه على الطريقة المستقيمة وهو أبو الحسن كان يغسل الأموات وولد آخر يسلك مسالك الأحداث في فعل الحرام ودفع إلى أبي محمد حجة يحج بها عن صاحب الزمان (عليه السلام) وكان ذلك عادة الشيعة وقتئذ، فدفع شيئا منها إلى ابنه المذكور بالفساد وخرج إلى الحج، فلما عاد حكى أنه كان واقفا بالموقف فرأى إلى جانبه شابا حسن الوجه أسمر اللون بذؤابتين مقبلا على شأنه في الدعاء والابتهال والتضرع وحسن العمل فلما قرب نفر الناس التفت إلي وقال: يا شيخ ما تستحي؟ قلت: من أي شيء يا سيدي؟ قال: يدفع إليك حجة عمن تعلم فتدفع منها إلى فاسق يشرب الخمر يوشك أن تذهب عينك هذه، وأومأ إلى عيني وأنا من ذلك إلى الآن على وجل ومخافة، وسمع أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ذلك قال: فما مضى عليه أربعون يوما بعد مورده حتى خرج في عينه التي أومأ إليها قرحة فذهبت).

الثاني والثمانون كمال الدين قال: (حدثنا الحسين بن علي بن محمد القمي المعروف بأبي علي البغدادي قال: كنت ببخارى فدفع إلي المعروف بابن جاوشير عشرة سبائك ذهبا وأمرني أن أسلمها بمدينة السلام إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح قدس الله روحه، فحملتها معي فلما بلغت آمويه ضاعت مني سبيكة من تلك السبائك ولم أعلم بذلك حتى دخلت مدينة السلام فأخرجت السبائك لأسلمها فوجدتها ناقصة واحدة منها فاشتريت سبيكة مكانها بوزنها وأضفتها إلى التسع السبائك ثم دخلت على الشيخ أبي القاسم الروحي قدس الله روحه ووضعت السبائك بين يديه فقال لي: خذ تلك السبيكة التي اشتريتها وأشار إليها بيده فإن السبيكة التي ضيعتها قد وصلت إلينا وهو ذا هي ثم أخرج إلي تلك السبيكة التي كانت ضاعت مني بآمويه فنظرت إليها وعرفتها).

الثالث والثمانون وفيه عن الحسين بن علي المذكور (قال: ورأيت تلك السنة بمدينة السلام امرأة فسألتني عن وكيل مولانا (عليه السلام) من هو؟ فأخبرها بعض القميين أنه أبو القاسم الحسين بن روح وأشار إليها فدخلت عليه وأنا عنده فقالت له: أيها الشيخ أي شيء معي فقال: ما معك فألقيه في دجلة ثم ائتيني حتى أخبرك، قال: فذهبت المرأة وحملت ما كان معها فألقته في دجلة ثم رجعت ودخلت إلى أبي القاسم الروحي قدس الله روحه فقال أبو القاسم لمملوكة له: أخرجي إلي الحقة، فأخرجت إليه حقة فقال للمرأة: هذه الحقة التي كانت معك ورميت بها في دجلة أخبرك بما فيها أو تخبريني؟ فقالت له: بل أخبرني أنت، فقال: في هذه الحقة زوج سوار ذهب وحلقة كبيرة فيها جوهرة وحلقتان صغيرتان فيهما جوهر وخاتمان أحدهما فيروزج والآخر عقيق، وكان الأمر كما ذكر لم يغادر منه شيئا ثم فتح الحقة فعرض علي ما فيها فنظرت المرأة إليه فقالت: هذا الذي حملته بعينه ورميت به في دجلة فغشي علي وعلى المرأة فرحا بما شاهدناه من صدق الدلالة، ثم قال الحسين لي: من بعد ما حدثني بهذا الحديث أشهد بالله تعالى أن هذا الحديث كما ذكرته لم أزد فيه ولم أنقص منه وحلف بالأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم لقد صدق فيما حدث به ما زاد فيه ولا نقص منه).

الرابع والثمانون وفيه بسنده عن (العاصمي أن رجلا تفكر في رجل يوصل له ما وجب للغريم (عليه السلام) وضاق به صدره فسمع هاتفا يهتف به أوصل ما معك إلى حاجز).

أقول: لفظ الغريم كناية كانت الشيعة في زمن التقية تكنى بها عن الحجة المنتظر صلوات الله عليه وحاجز هذا هو ابن يزيد وكان من وكلاء الناحية والسلام.

الخامس والثمانون الخرائج (عن أحمد بن أبي روح قال: وجهت إلي امرأة من أهل دينور فأتيتها فقالت: يا ابن أبي روح أنت أوثق من في ناحيتنا دينا وورعا وإني أريد أن أودعك أمانة أجعلها في رقبتك تؤديها وتقوم بها، فقلت: أفعل إن شاء الله تعالى، فقالت: هذه دراهم في هذا الكيس المختوم لا تحله ولا تنظر فيه حتى تؤديه إلى من يخبرك بما فيه وهذا قرطي يساوي عشرة دنانير وفيه ثلاث حبات تساوي عشرة دنانير ولي إلى صاحب الزمان (عليه السلام) حاجة أريد أن يخبرني بها قبل أن أسأله عنها، فقلت: وما الحاجة؟ قالت: عشرة دنانير استقرضتها أمي في عرسي لا أدري ممن استقرضتها ولا أدري إلى من أدفعها فإن أخبرك بها فادفعها إلى من يأمرك بها، قال: وكنت أقول بجعفر بن علي فقلت هذه المحنة بيني وبين جعفر فحملت المال وخرجت حتى دخلت بغداد فأتيت حاجز بن يزيد الوشاء فسلمت عليه وجلست فقال: أ لك حاجة؟ قلت: هذا مال دفع إلي لا أدفعه إليك حتى تخبرني كم هو ومن دفعه إلي فإن أخبرتني دفعته إليك، قال: لم أؤمر بأخذه وهذه رقعة جاءتني بأمرك فإذا فيها (لا تقبل من أحمد بن أبي روح توجه به إلى سر من رأى)، فقلت: لا إله إلا الله هذا أجل شيء أردته، فخرجت ووافيت سر من رأى فقلت: أبدأ بجعفر ثم تفكرت، فقلت: أبدأ بهم فإن كانت المحنة من عندهم وإلا مضيت إلى جعفر فدنوت من دار أبي محمد (عليه السلام) فخرج إلي خادم فقال: أنت أحمد بن أبي روح؟ قلت: نعم، قال: هذه الرقعة اقرأها فإذا فيها (بسم الله الرحمن الرحيم يا ابن أبي روح أودعتك عاتكة بنت الديراني كيسا فيه ألف درهم بزعمك وهو خلاف ما تظن وقد أديت فيه الأمانة ولم تفتح الكيس ولم تدر ما فيه وفيه ألف درهم وخمسون دينارا صحاح ومعك قرط زعمت المرأة أنه يساوي عشرة دنانير صدقت مع الفصين فيه وفيه ثلاث حبات لؤلؤ شراؤها عشرة دنانير وتساوي أكثر فادفع ذلك إلى خادمتنا فلانة فإنا قد وهبناه لها وصر إلى بغداد وادفع المال إلى الحاجز وخذ منه ما يعطيك لنفقتك إلى منزلك، وأما عشرة الدنانير التي زعمت أن أمها استقرضتها في عرسها وهي لا تدري من صاحبها بل هي تعلم لمن هي لكلثوم بنت أحمد وهي ناصبية فتحرجت أن تعطيها وأحبت أن تقسمها في أخواتها فاستأذنتنا في ذلك فلتفرقها في ضعفاء أخواتها، ولا تعودن يا ابن أبي روح إلى القول بجعفر والمحنة له وارجع إلى منزلك فإن عمك قد مات وقد رزقك الله أهله وماله، فرجعت إلى بغداد وناولت الكيس حاجزا فوزنه فإذا فيه ألف درهم وخمسون دينارا فناولني ثلاثين دينارا وقال: أمرت بدفعها إليك لنفقتك، فأخذتها وانصرفت إلى الموضع الذي نزلت فيه وقد جاءني من منزلي يخبرني بأن عمي قد مات وأهلي يأمروني بالانصراف إليهم فرجعت فإذا هو قد مات وورثت منه ثلاثة آلاف دينار ومائة ألف درهم‏).

السادس والثمانون الكافي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا الْقُمِّيِّينَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَامِرِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ غَانِمٍ الْهِنْدِيِّ قَالَ:(كُنْتُ بِمَدِينَةِ الْهِنْدِ الْمَعْرُوفَةِ بِقِشْمِيرَ الدَّاخِلَةِ وأَصْحَابٌ لِي يَقْعُدُونَ عَلَى كَرَاسِيَّ عَنْ يَمِينِ الْمَلِكِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا كُلُّهُمْ يَقْرَأُ الْكُتُبَ الْأَرْبَعَةَ التَّوْرَاةَ والْإِنْجِيلَ والزَّبُورَ وصُحُفَ إِبْرَاهِيمَ نَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ ونُفَقِّهُهُمْ فِي دِينِهِمْ ونُفْتِيهِمْ فِي حَلَالِهِمْ وحَرَامِهِمْ، يَفْزَعُ النَّاسُ إِلَيْنَا الْمَلِكُ فَمَنْ دُونَهُ فَتَجَارَيْنَا ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَقُلْنَا هَذَا النَّبِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الْكُتُبِ قَدْ خَفِيَ عَلَيْنَا أَمْرُهُ ويَجِبُ عَلَيْنَا الْفَحْصُ عَنْهُ وطَلَبُ أَثَرِهِ، واتَّفَقَ رَأْيُنَا وتَوَافَقْنَا عَلَى أَنْ أَخْرُجَ فَأَرْتَادَ لَهُمْ فَخَرَجْتُ ومَعِي مَالٌ جَلِيلٌ فَسِرْتُ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْراً حَتَّى قَرُبْتُ مِنْ كَابُلَ فَعَرَضَ لِي قَوْمٌ مِنَ التُّرْكِ فَقَطَعُوا عَلَيَّ وأَخَذُوا مَالِي وجُرِحْتُ جِرَاحَاتٍ شَدِيدَةً ودُفِعْتُ إِلَى مَدِينَةِ كَابُلَ فَأَنْفَذَنِي مَلِكُهَا لَمَّا وَقَفَ عَلَى خَبَرِي إِلَى مَدِينَةِ بَلْخَ وعَلَيْهَا إِذْ ذَاكَ دَاوُدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ فَبَلَغَهُ خَبَرِي وأَنِّي خَرَجْتُ مُرْتَاداً مِنَ الْهِنْدِ وتَعَلَّمْتُ الْفَارِسِيَّةَ ونَاظَرْتُ الْفُقَهَاءَ وأَصْحَابَ الْكَلَامِ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ دَاوُدُ بْنُ الْعَبَّاسِ فَأَحْضَرَنِي مَجْلِسَهُ وجَمَعَ عَلَيَّ الْفُقَهَاءَ فَنَاظَرُونِي فَأَعْلَمْتُهُمْ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَلَدِي أَطْلُبُ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي وَجَدْتُهُ فِي الْكُتُبِ، فَقَالَ لِي: مَنْ هُوَ ومَا اسْمُهُ؟ فَقُلْتُ: مُحَمَّدٌ، فَقَالُوا: هُوَ نَبِيُّنَا الَّذِي تَطْلُبُ، فَسَأَلْتُهُمْ عَنْ شَرَائِعِهِ فَأَعْلَمُونِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّداً نَبِيٌّ ولَا أَعْلَمُهُ هَذَا الَّذِي تَصِفُونَ أَمْ لَا فَأَعْلِمُونِي مَوْضِعَهُ لِأَقْصِدَهُ فَأُسَائِلَهُ عَنْ عَلَامَاتٍ عِنْدِي ودَلَالَاتٍ فَإِنْ كَانَ صَاحِبِيَ الَّذِي طَلَبْتُ آمَنْتُ بِهِ، فَقَالُوا: قَدْ مَضَى (صلى الله عليه وآله وسلم)، فَقُلْتُ: فَمَنْ وَصِيُّهُ وخَلِيفَتُهُ؟ فَقَالُوا: أَبُو بَكْرٍ، قُلْتُ: فَسَمُّوهُ لِي فَإِنَّ هَذِهِ كُنْيَتُهُ، قَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ ونَسَبُوهُ إِلَى قُرَيْشٍ، قُلْتُ: فَانْسُبُوا لِي مُحَمَّداً نَبِيَّكُمْ فَنَسَبُوهُ لِي، فَقُلْتُ: لَيْسَ هَذَا صَاحِبِيَ الَّذِي طَلَبْتُ، صَاحِبِيَ الَّذِي أَطْلُبُهُ خَلِيفَتُهُ أَخُوهُ فِي الدِّينِ وابْنُ عَمِّهِ فِي النَّسَبِ وزَوْجُ ابْنَتِهِ وأَبُو وُلْدِهِ لَيْسَ لِهَذَا النَّبِيِّ ذُرِّيَّةٌ عَلَى الْأَرْضِ غَيْرُ وُلْدِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ خَلِيفَتُهُ، قَالَ: فَوَثَبُوا بِي وقَالُوا: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ هَذَا قَدْ خَرَجَ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى الْكُفْرِ هَذَا حَلَالُ الدَّمِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: يَا قَوْمُ أَنَا رَجُلٌ مَعِي دِينٌ مُتَمَسِّكٌ بِهِ لَا أُفَارِقُهُ حَتَّى أَرَى مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ إِنِّي وَجَدْتُ صِفَةَ هَذَا الرَّجُلِ فِي الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وإِنَّمَا خَرَجْتُ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ ومِنَ الْعِزِّ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ طَلَباً لَهُ فَلَمَّا فَحَصْتُ عَنْ أَمْرِ صَاحِبِكُمُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيَّ الْمَوْصُوفَ فِي الْكُتُبِ فَكَفُّوا عَنِّي، وبَعَثَ الْعَامِلُ إِلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ إِشْكِيبَ فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: نَاظِرْ هَذَا الرَّجُلَ الْهِنْدِيَّ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ عِنْدَكَ الْفُقَهَاءُ والْعُلَمَاءُ وهُمْ أَعْلَمُ وأَبْصَرُ بِمُنَاظَرَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: نَاظِرْهُ كَمَا أَقُولُ لَكَ واخْلُ بِهِ والْطُفْ لَهُ، فَقَالَ لِيَ الْحُسَيْنُ بْنُ إِشْكِيبَ بَعْدَ مَا فَاوَضْتُهُ: إِنَّ صَاحِبَكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ هُوَ النَّبِيُّ الَّذِي وَصَفَهُ هَؤُلَاءِ ولَيْسَ الْأَمْرُ فِي خَلِيفَتِهِ كَمَا قَالُوا، هَذَا النَّبِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ووَصِيُّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وهُوَ زَوْجُ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ وأَبُو الْحَسَنِ والْحُسَيْنِ سِبْطَيْ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قَالَ: غَانِمٌ أَبُو سَعِيدٍ فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ هَذَا الَّذِي طَلَبْتُ، فَانْصَرَفْتُ إِلَى دَاوُدَ بْنِ الْعَبَّاسِ فَقُلْتُ لَه:ُ أَيُّهَا الْأَمِيرُ وَجَدْتُ مَا طَلَبْتُ وأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ: فَبَرَّنِي ووَصَلَنِي، وقَالَ لِلْحُسَيْنِ: تَفَقَّدْهُ، قَالَ: فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ حَتَّى آنَسْتُ بِهِ وفَقَّهَنِي فِيمَا احْتَجْتُ إِلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ والصِّيَامِ والْفَرَائِضِ، قَالَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا نَقْرَأُ فِي كُتُبِنَا أَنَّ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ وأَنَّ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى وَصِيِّهِ ووَارِثِهِ وخَلِيفَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ثُمَّ إِلَى الْوَصِيِّ بَعْدَ الْوَصِيِّ لَا يَزَالُ أَمْرُ اللَّهِ جَارِياً فِي أَعْقَابِهِمْ حَتَّى تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا، فَمَنْ وَصِيُّ وَصِيِّ مُحَمَّدٍ؟ قَال:َ الْحَسَنُ ثُمَّ الْحُسَيْنُ ابْنَا مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثُمَّ سَاقَ الْأَمْرَ فِي الْوَصِيَّةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى صَاحِبِ الزَّمَانِ (عليه السلام)، ثُمَّ أَعْلَمَنِي مَا حَدَثَ فَلَمْ يَكُنْ لِي هِمَّةٌ إِلَّا طَلَبُ النَّاحِيَةِ، فَوَافَى قُمَّ وقَعَدَ مَعَ أَصْحَابِنَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وسِتِّينَ ومِائَتَيْنِ وخَرَجَ مَعَهُمْ حَتَّى وَافَى بَغْدَادَ ومَعَهُ رَفِيقٌ لَهُ مِنْ أَهْلِ السِّنْدِ كَانَ صَحِبَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي غَانِمٌ قَالَ‏: وَأَنْكَرْتُ مِنْ رَفِيقِي بَعْضَ أَخْلَاقِهِ فَهَجَرْتُهُ وخَرَجْتُ حَتَّى سِرْتُ إِلَى الْعَبَّاسِيَّةِ أَتَهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ وأُصَلِّي، وإِنِّي لَوَاقِفٌ مُتَفَكِّرٌ فِيمَا قَصَدْتُ لِطَلَبِهِ إِذَا أَنَا بِآتٍ قَدْ أَتَانِي فَقَالَ: أَنْتَ فُلَانٌ اسْمُهُ بِالْهِنْدِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَجِبْ مَوْلَاكَ، فَمَضَيْتُ مَعَهُ فَلَمْ يَزَلْ يَتَخَلَّلُ بِيَ الطُّرُقَ حَتَّى أَتَى دَاراً وبُسْتَاناً فَإِذَا أَنَا بِهِ (عليه السلام) جَالِسٌ فَقَالَ: مَرْحَباً يَا فُلَانُ بِكَلَامِ الْهِنْدِ كَيْفَ حَالُكَ وكَيْفَ خَلَّفْتَ فُلَاناً وفُلَاناً حَتَّى عَدَّ الْأَرْبَعِينَ كُلَّهُمْ فَسَأَلَنِي عَنْهُمْ وَاحِداً وَاحِداً، ثُمَّ أَخْبَرَنِي بِمَا تَجَارَيْنَا كُلُّ ذَلِكَ بِكَلَامِ الْهِنْدِ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتَ أَنْ تَحُجَّ مَعَ أَهْلِ قُمّ؟َ قُلْتُ: نَعَمْ يَا سَيِّدِي، فَقَالَ: لَا تَحُجَّ مَعَهُمْ وانْصَرِفْ سَنَتَكَ هَذِهِ وحُجَّ فِي قَابِلٍ، ثُمَّ أَلْقَى إِلَيَّ صُرَّةً كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِيَ: اجْعَلْهَا نَفَقَتَكَ ولَا تَدْخُلْ إِلَى بَغْدَادَ إِلَى فُلَانٍ سَمَّاهُ ولَا تُطْلِعْهُ عَلَى شَيْ‏ءٍ وانْصَرِفْ إِلَيْنَا إِلَى الْبَلَدِ، ثُمَّ وَافَانَا بَعْضُ الْفُيُوجِ فَأَعْلَمُونَا أَنَّ أَصْحَابَنَا انْصَرَفُوا مِنَ الْعَقَبَةِ ومَضَى نَحْوَ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا كَانَ فِي قَابِلٍ حَجَّ وأَرْسَلَ إِلَيْنَا بِهَدِيَّةٍ مِنْ طُرَفِ خُرَاسَانَ فَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً ثُمَّ مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ).

السابع والثمانون وفيه عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ النَّيْسَابُورِيِّ قَالَ :(اجْتَمَعَ عِنْدِي خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ تَنْقُصُ عِشْرِينَ دِرْهَماً فَأَنِفْتُ أَنْ أَبْعَثَ بِخَمْسِمِائَةٍ تَنْقُصُ عِشْرِينَ دِرْهَماً فَوَزَنْتُ مِنْ عِنْدِي عِشْرِينَ دِرْهَماً وبَعَثْتُهَا إِلَى الْأَسَدِيِّ ولَمْ أَكْتُبْ مَا لِي فِيهَا فَوَرَدَ (وَصَلَتْ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ لَكَ مِنْهَا عِشْرُونَ دِرْهَماً)).

الثامن والثمانون وفيه (عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي عَقِيلٍ عِيسَى بْنِ نَصْرٍ قَالَ كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ الصَّيْمَرِيُّ يَسْأَلُ كَفَناً فَكَتَبَ إِلَيْهِ (إِنَّكَ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ فَمَاتَ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ وبَعَثَ إِلَيْهِ بِالْكَفَنِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَيَّامٍ)).

أقول: علي بن زياد هذا هو علي بن محمد بن زياد ولذا أخرج الصدوق هذا الحديث بعنوان علي بن محمد الصيمري، هذا وأورد الشيخ هذا الخبر في الغيبة بطريق آخر وفيه محمد بن زياد مكان علي بن زياد وظني أنه سهو والله أعلم.

التاسع والثمانون وفيه (عَلِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْيَمَانِيِّ قَالَ: كُنْتُ بِبَغْدَادَ فَتَهَيَّأَتْ قَافِلَةٌ لِلْيَمَانِيِّينَ فَأَرَدْتُ الْخُرُوجَ مَعَهَا فَكَتَبْتُ أَلْتَمِسُ الْإِذْنَ فِي ذَلِكَ، فَخَرَجَ (لَا تَخْرُجْ مَعَهُمْ فَلَيْسَ لَكَ فِي الْخُرُوجِ مَعَهُمْ خِيَرَةٌ وأَقِمْ بِالْكُوفَةِ) قَالَ: وأَقَمْتُ وخَرَجَتِ الْقَافِلَةُ فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ حَنْظَلَةُ فَاجْتَاحَتْهُمْ، وكَتَبْتُ أَسْتَأْذِنُ فِي رُكُوبِ الْمَاءِ فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَسَأَلْتُ عَنِ الْمَرَاكِبِ الَّتِي خَرَجَتْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فِي الْبَحْرِ فَمَا سَلِمَ مِنْهَا مَرْكَبٌ، خَرَجَ عَلَيْهَا قَوْمٌ مِنَ الْهِنْدِ يُقَالُ لَهُمُ الْبَوَارِجُ فَقَطَعُوا عَلَيْهَا، قَالَ: وزُرْتُ الْعَسْكَرَ فَأَتَيْتُ الدَّرْبَ مَعَ الْمَغِيبِ ولَمْ أُكَلِّمْ أَحَداً ولَمْ أَتَعَرَّفْ إِلَى أَحَدٍ، وأَنَا أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ فَرَاغِي مِنَ الزِّيَارَةِ إِذَا بِخَادِمٍ قَدْ جَاءَنِي فَقَالَ لِي: قُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِذَنْ إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ لِي: إِلَى الْمَنْزِل،ِ قُلْتُ: ومَنْ أَنَا؟ لَعَلَّكَ أَرْسَلْتَ إِلَى غَيْرِي، فَقَال:َ لَا مَا أَرْسَلْتُ إِلَّا إِلَيْكَ أَنْتَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ رَسُولُ جَعْفَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَمَرَّ بِي حَتَّى أَنْزَلَنِي فِي بَيْتِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ ثُمَّ سَارَّهُ فَلَمْ أَدْرِ مَا قَالَ لَهُ حَتَّى آتَانِي جَمِيعَ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ وجَلَسْتُ عِنْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ واسْتَأْذَنْتُهُ فِي الزِّيَارَةِ مِنْ دَاخِلٍ فَأَذِنَ لِي فَزُرْتُ لَيْلًا).

التسعون كمال الدين (حدثنا أبو طالب المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود عن أبيه ،قال: حدثنا أحمد بن علي بن كلثوم قال: حدثنا علي بن أحمد الرازي قال: خرج بعض إخواني من أهل الري مرتادا بعد مضي أبي محمد (عليه السلام)، فبينا هو في مسجد الكوفة مغموما فيما خرج له يبحث حصى المسجد بيده إذ ظهرت له حصاة فيها مكتوب (محمد) قال الرجل: فنظرت إلى الحصاة فإذا فيها كتابة ثابتة (ناتئة)مخلوقة غير منقوشة).

الحادي والتسعون وفيه (حدثنا محمد بن علي ماجيلويه قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب وأحمد بن محمد بن عيسى جميعا عن محمد بن سنان عن أبي الجارود زياد بن المنذر قال: قال: أبو جعفر (عليه السلام) إذا خرج القائم (عليه السلام) من مكة ينادي مناديه (ألا لا يحملن أحدكم طعاما ولا شرابا وحمل معه حجر موسى بن عمران (عليه السلام) وهو وقر بعير فلا ينزل منزلا إلا انفجرت منه عيون فمن كان جائعا شبع ومن كان ظمآن روي ورويت دوابهم حتى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة)).

أقول: وفي الخرائج عن أبي سعيد الخراساني عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهم السلام) ما يوافقه في المعنى وفيه بعد قوله (حتى ينزلوا النجف من ظاهر الكوفة)هكذا (فإذا نزلوا ظاهرها انبعث منه الماء واللبن دائما فمن كان جائعا شبع ومن كان عطشانا روي).

الثاني والتسعون وفيه (عن محمد بن ماجيلويه عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل عن أبي إسماعيل السراج عن بشر عن جعفر عن المفضل بن عمر عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنه إذا تناهت الأمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى كل منخفض من الأرض وخفض له كل مرتفع منها حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته فأيكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها).

أقول: الظاهر أن المراد بصاحب هذا الأمر في الحديث مطلق الإمام (عليه السلام) لا خصوص القائم (عليه السلام) ولما كان الصدوق قد أخرجه في خصوص القائم (عليه السلام) أخرجناه في هذا الباب تبعاً له.

الثالث والتسعون (حدثنا أبي عن شيخه السند شيخ المتألهين الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي قدس الله روحه عن أبيه المقدس زين الدين بن إبراهيم عمن رواه أن الحجة صلوات الله عليه أتى إلى رجل يحيك برداً فقعد عنده واستند إلى نورد الحائك فقال له: زوجني ابنتك، فقال: إني لا أعرفك من أي الناس أنت فمن أنت؟ قال: لا تسألني إن أحببت أن تزوجني فافعل، فقال: أستشير أمها فقام ودخل بيته ليستشير زوجته فخرج ولم يرى الشخص ونظر إلى البرد فإذا هو قد تمت حياكته ونظر إلى النورد فإذا هو قد اخضر وأورق موضع استناده وإذا هو مكتوب عليه هذه الأبيات:

أيا سائلي عن مبدء اسمي ومنسبي

سأنبئك عن لفظي وحسن تكلمي

أنا ابن منى والمشعرين وزمزم

ومكة والبيت العتيق المعظم

أنا جدي الهادي النبي وأبي علي

ولايته فرض على كل مسلم

وأمي البتول المستضاء بنورها

إذا ما نسبناها عديلة مريم

وسبطا رسول الله عمي ووالدي

وبعدهم الأطهار تسعة أنجم

أئمة هذا الخلق بعد نبيهم

فإن كنت لم تعلم بذلك فاعلم

ومن يتمسك بحبل ولاية

يفز بهم يوم المعاد وينعم

أنا العلوي الهاشمي الذي ارتمى

به الخوف والأيام بالمرء ترتمي

وضاقت بي الأرض الفضاء برحبها

ولم أستطع نيل السماء بسلم

وبين لي الأرض التي أنا كاتب

عليها بخطي فأقر ما شئت وافهم

ثلاث عصي صففت بعد خاتم

على رأسها مثل السنان المقوم

وميم طميس أبتر ثم سلم

كهيأة سلام وليس بسلم

وأربع مثل الأنامل صففت

قشير إلى الخيرات من كل مغنم

وهاء شقيق ثم واو منكس

كأنبوب حجام وليس بمحجم

خطوط على الأعراف لاح رسومها

عليها براهين من النور فاعلم

فعدتها من بعد عشر ثلاثة

فلا تك في إحصائها ذا توهم

عليها من النور الإلهي جلالة

إلى كل إنسي فصيح وأعجمي

فمن أحرف التوراة فيهن أربع

وأربع من إنجيل عيسى بن مريم

وخمس من القرآن وهي تمامها

فاضع إلى الاسم العظيم المعظم

فيا حامل الاسم الذي جل قدره

توق به كل المكاره تسلم

فلا حية تدنو ولا عقرباً ترى

ولا أسد يأتي إليك يهمهم

ولا تخش من رمح ولا ضرب خنجر

ولا تخشى دبوساً ولا رمي أسهم

هم الطور والشورى هم الحج والنساء

هم الشجر الطوبى لدى المتفهم

وصل على المختار من آل هاشم

وعترته يا ذي الجلال وسلم

قال الشيخ قدس الله روحه: قال والدي تغمده الله برحمته: ونقل أنه لما أتى الرجل الحائك ونظر إلى دكانه فإذا هو قد انشق لأنه (عليه السلام) نزل فيه وغاب وأنه هو السرداب الموجود في سرّ من رأى إلى الآن يزار (عليه السلام) فيه) هي.

ورواه أيضاً السيد السند حجة الأكابر والأعاظم مولانا السيد كاظم الرشتي أنار الله برهانه في رسالة له عن شيخ العلماء الإحسائي المذكور أعلى الله مقامه إلى آخر الأبيات إلى أمه، لم يذكر ما بعدها لعدم تعلق غرضه بذلك في الموضوع المذكور فنحن نروي عنه أيضاً هذه الرواية بالإجازة العامة من عدة من مشايخ الآتي ذكرهم إن شاء الله في آخر الكتاب عنه.

تذكرة: ثم إن هذه الرواية ذكرتني كلاما لابن خلكان في تاريخه وفيات الأعيان لا يخلو ذكره عن تحصيل عبرة لأولي الأبصار وهو أنه قال في كتابه المذكور عند ذكر القائم (عليه السلام) ما هذا لفظه: هو ثاني عشر الأئمة (عليهم السلام) فباثني عشر على اعتقاد الإمامية المعروف بالحجة وهو الذي تزعم الشيعة أنه المنتظر والقائم والمهدي وهو صاحب السرداب عندهم، وأقاويلهم فيه كثيرة وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسر من رأى، كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين ولما توفي أبوه كان عمره خمس سنين واسم أمه خمط وقيل نرجس، والشيعة يقولون إنه دخل السرداب في دار أبيه وأمه تنظر إليه فلم يعد يخرج إليها وذلك في سنة خمس وستين ومائتين وعمره يومئذ تسع سنين، وذكر ابن الأزرق في تاريخ ميافارقين أن الحجة المذكور ولد تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين وقيل في ثامن شعبان سنة ست وخمسين وهو الأصح، وإنه لما دخل السرداب كان عمره أربع سنين وقيل خمس سنين، وقيل إنه دخل السرداب سنة خمس وسبعين ومائتين وعمره سبع عشر سنة والله أعلم‏) انتهى كلامه.

أقول: أما مذهب الشيعة في حق القائم (عليه السلام) فهو أنه ولد في النصف من شعبان أو الثامن منه أو النصف من شهر رمضان والأول أشهر وأقسط من سنة خمسة أو ستة أو ثمان وخمسين ومائتين من الهجرة، وتوفي أبوه سنة ستين، وأنّ أباه العسكري(عليه السلام) قد أخفى ولادته إلا عن الخواص من شيعته، ولما توفي أبوه (عليه السلام) ووضع في داره ليصلي عليه أخوه جعفر طلع من بيت وجذب رداء جعفر ووخره وصلى على أبيه ثم رجع وغاب في البيت وفتشه بعد ذلك خليفة عهده ودبّر قتله فلم يظفر به ورجع المأمورون خائبين، وفي ذلك حكايات مذكورة في كتب الغيبة ومرّ بعضها في هذا الكتاب، ونصب (عليه السلام) لنفسه في غيبته هذه نواباً أربع واحداً بعد واحد آخرهم علي بن محمد السمري، وكان هؤلاء يسكنون بغداد والشيعة ترجع إليهم في حوائجهم وتصدر على أيديهم التوقيعات من الأصل وتمادت هذه الحالة إلى أن توفي علي بن محمد السمري وذلك في النصف من شعبان سنة تسعة وعشرين وثلاثمائة ثم وقعت الغيبة التامة بمعنى انقطاع السفارة الخاصة إلى أن يأذن الله في ظهوره ويقطع دابر الظالمين، وأما الناحية التي هو (عليه السلام) غائب فيها فعند الشيعة أنه كان زمان حياة أبيه في داره بسر من رأى مستتراً عن غير الخواص وأما بعد وفاة أبيه (عليه السلام) فالذي يظهر من الأخبار أنه (عليه السلام) كان أيضاً مستتراً في داره قد ستر الله عز وجل أمره عن الأعداء ثم بصاريا قرب المدينة وغير ذلك من المواضع إلى آخر الغيبة الأولى، وأما فيما بعد ذلك فعندهم أنه (عليه السلام) يجول في الأرض ويأتي الموسم وأن له في كل وقت مسكناً خاصاً وأن في الجزيرة الخضراء له بلادا وأصحاباً ليس بغائب عنهم، ولكن الذي حققه أهل التحقيق أن تلك البلاد ليست من سنخ ظاهر هذه الدنيا وإنما هي من سنخ لطيفها فهي عالم متوسط بين هذه الدنيا وبين عالم المثال ومن بلادها جابلقا وجابرصا، وبلوغ بعض من نقل إلى بعض نواحي تلك البلاد إن صح النقل لا ينافي ذلك فإن له عندنا وجوهاً وأسباباً لا يسعنا ذكرها في المقام.

وأما حال أمه (عليه السلام) ففي روايات الشيعة أنها ماتت في حياة العسكري (عليه السلام) باستدعاءٍ منها لذلك وربما يلوح من بعضها بقائها بعد وفاته وليست صريحة في ذلك.

وأما أنه (عليه السلام) كيف غاب ومن أين غاب فليس في روايات الشيعة منه ذكر وينبغي أن لا يكون لأنه (عليه السلام) كان في الحقيقة غائباً منذ أول ميلاده فلا حاجة لوقوع غيبة أخرى بحيث يراه الغير ويعين له مغيباً سواء كان ذلك الغير أمه أم غيره، فالذي عزاه صاحب الكتاب إلى الشيعة من دخوله السرداب وعين له تاريخاً ففرية بلا مرية فإن هذا النحو من الغيبة ليس عند الشيعة منه ذكر ولا أثر، فضلاً عن تعين تاريخ له.

وبالجملة هذا السرداب التي تلوكه العامة في أفواههم حتى أنه أوردوا عليه شبهة وقالوا: إن بقاء البشر في السرداب هذه المدة الطويلة من غير أن يقوم أحد بطعامه وشرابه من الممتنع عادة وأجاب عنه محمد بن يوسف الكنجي بالنقض بعيسى (عليه السلام) وأورد فيه سؤالات وأجوبة مما لم أعرف له مأخذاً أصلاً. قال: الشيخ الأربلي في كشف الغمة بعد ذكر هذه الشبه ونعم ما قال: (وأما قولهم أن المهدي في سرداب وكيف يمكن بقاؤه من غير أحد يقوم بطعامه وشرابه فهذا قول عجيب وتصور غريب فإن الذين أنكروا وجوده لا يريدون هذا والذين يقولون بوجوده لا يقولون أنه في سرداب بل يقولون أنه حي موجود يحل ويرتحل ويطوف في الأرض ببيوت وخدم وحشم وإبل وخيل وغير ذلك وينقلون قصصاً في ذلك وأحاديث يطول شرحها.. إلخ كلامه) ، وأما هذا السرداب الذي هو الآن بسر من رأى يزار القائم (عليه السلام) فيه فشرحه أن الموضع الذي دفن فيه العسكريان (عليهم السلام) كان دارهما التي يسكنان فيها أيام حياتهما وهذا السرداب كان من متعلقات تلك الدار ثم جهل أثره بعد وقوع الغيبة التامة وانتقال القائم (عليه السلام) منها فسكنه الناس، ولما أخبر (عليه السلام) في أشعاره المذكورة أنه كان مسكنه الذي كان يسكنه في أوائل الأمر بقوله (وبين في الأرض التي أنا كاتب عليها بخطي فأقر ما شئت واعلم) وأبيات أخر قد فاتتني مما هي صريحة في ذلك وفيها أمر بزيارته (عليه السلام) عن ذلك المكان اجتمعت الشيعة فعمروا ذلك المكان وجعلوه مزاراً، والبئر التي فيه الآن هو الموضع الذي انشق فغاب (عليه السلام) منه لأن الرجل الحائك قد أغلق الباب لما خرج منه وتركه (عليه السلام) في السرداب على ما سمعت والدي رحمه الله في حديثه، فلما رجع الرجل وجد الباب مغلقاً على حاله فلما فتحه ودخل السرداب رأى الأرض قد انشقت وغاب (عليه السلام) منها وكانت هذه الواقعة في زمن الغيبة الكبرى فلا ربط له بأصل الغيبة التي وقعت له (عليه السلام) بوجه.

وأما ظهوره (عليه السلام) قد اجتمعت الشيعة على أنه (عليه السلام) يظهر بمكة عند البيت ورواياتهم بذلك عن أئمتهم المعصومين متواترة فقول هذا الرجل أنهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسر من رأى معطوف على سائر فلتاته وفلتات إخوانه وقد تخربط بمثل ذلك ابن حجرهم العسقلاني أيضاً بأبيات خاطب بها الشيعة وقال:

ما آن للسرداب أن يلد الذي

سميتموه بزعمكم إنساناً

فعلى عقولكم العفاء فإنكم

ثلثتم العنقاء والغيلانا

وقد أفادني وارد الوقت حين وقفت على مزخرفه هذا أبيات في الجواب وهي:

آمنت بالدجال يابن سلقلق

وعبدت طول حيوتك الشيطان

وأجزت في حق المسيح نظيره

إن كنت ممن صدق القرآنا

وأحلته في حق من لولاه ما

ثبت الوجود ولم يكن ما كان

فاخسأ خزيت فقد أتيت بمنكر

أضحكت منه بعقلك الصبيانا

وسل القوابل عن أبيك فإنه

قد ثلث العنقاء والغيلانا

وما أنسب بحال هؤلاء في أمثال نقولهم هذه ما نقل أن خالد بن عبدالله بن يزيد القصري لعنه الله قال يوماً على المنبر: العنوا علي بن أبي طالب فإنه لص بن لص (بضم اللام) فقام إليه أعرابي وقال: والله ما أعلم من أي شيء أعجب من سبك علي بن أبي طالب أم من معرفتك بالعربية أم من علمك بالأنساب، وما نقل أن رجلاً من العوام العجم أتى عالماً فقال له: (آن كدام إمام بودكه در بصره شغالش خورد) يريد به يوسف النبي (عليه السلام) فقال العالم: (إمام نبود بيغمبر بود بصره نبود مصر بود شغال نبود كَرگ بود آنهم نخورد) .

ثم اعلم أن إنكار بعض هؤلاء العميان بوجود المهدي الذي تدعيه الشيعة لا منشأ له سوى محض العناد والعصبية وإلا فالرجل العاقل لا ينكر ما هو واقع تحت الإمكان ولا يقم على نفيه حجة عقلية أو نقليه بل لا أقل له من التوقف إن لم تلزمه الحجة القائمة بذلك، وهؤلاء قد تمادى بعصبه الغي حتى جعلوه من الأمور الممتنعة لامتناع بقاء الشخص هذه المدة الطويلة عادة ولم يعلموا أنه على سبيل التسليم من أوهن الشبهات فإن الشيعة لو قالوا بتخرق العادة في ذلك يكون ماذا؟ فإن خرق العادة من الله تعالى في أمثال هذه الأمور ليس أول قارورة كسرت في الإسلام صدق الله سبحانه ﴿ فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَْبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾.

الرابع والتسعون عن كامل الزيارة حدثني الحسين بن محمد بن عامر عن أحمد بن إسحاق سعد عن سعدان بن مسلم عن عمر بن أبان عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كأني بالقائم على نجف الكوفة وقد لبس درع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فينتفض هو بها فتستدير عليه فيغشيها بحذاجة من إستبرق ويركب فرسا أدهم بين عينيه شمراخ فينتفض به انتفاضة لا يبقى أهل بلاد إلا وهم يرون أنه معهم في بلادهم، فينشر راية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عمودها من عمود العرش وسائرها من نصر الله لا يهوي بها إلى شيء أبدا إلا أهلكه الله فإذا هزها لم يبق مؤمن إلا صار قلبه كزبر الحديد ويعطى المؤمن قوة أربعين رجلا، ولا يبقى مؤمن إلا دخلت عليه تلك الفرحة في قبره وذلك حيث يتزاورون في قبورهم ويتباشرون بقيام القائم فتنحط عليه ثلاثة عشر ألف ملك وثلاثمائة وثلاث عشر ملكا، قلت: كل هؤلاء الملائكة؟ قال: نعم الذين كانوا مع نوح في السفينة والذين كانوا مع إبراهيم حين ألقي في النار والذين كانوا مع موسى حين فلق البحر لبني إسرائيل والذين كانوا مع عيسى حين رفعه الله إليه، وأربعة آلاف ملك مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مسومين وألف مردفين وثلاثمائة وثلاثة عشر ملائكة بدريين وأربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين بن علي (عليهم السلام) فلم يؤذن لهم في القتال فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة ورئيسهم ملك يقال له منصور فلا يزوره زائر إلا استقبلوه ولا يودعه مودع إلا شيعوه ولا يمرض مريض إلا عادوه ولا يموت ميت إلا صلوا على جنازته واستغفروا له بعد موته ،وكل هؤلاء في الأرض ينتظرون قيام القائم (عليه السلام) إلى وقت خروجه عليه صلوات الله والسلام).

الخامس والتسعون كمال الدين قال: حدثنا أبو الأديان قال: (كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) وأحمل كتبه إلى الأمصار فدخلت إليه في علته التي توفي فيها (عليه السلام) فكتب معي كتبا وقال: تمضي بها إلى المدائن فإنك ستغيب خمسة عشر يوما فتدخل إلى سر من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل قال أبو الأديان: فقلت يا سيدي فإذا كان ذلك فمن؟ قال: من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم بعدي، فقلت: زدني، فقال: من يصلي علي فهو القائم بعدي، فقلت: زدني، فقال: من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي، ثم منعتني هيبته أن أسأله عما في الهميان وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر كما قال لي (عليه السلام) فإذا أنا بالواعية في داره وإذا به على المغتسل وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار والشيعة حوله يعزونه ويهنونه فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام (عليه السلام) فقد حالت الإمامة لأني كنت أعرفه يشرب النبيذ ويقامر في الجوسق ويلعب بالطنبور، فتقدمت فعزيت وهنيت فلم يسألني عن شيء، ثم خرج عقيد فقال: يا سيدي قد كفن أخوك فقم للصلاة عليه فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمان والحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة، فلما صرنا بالدار إذا نحن بالحسن بن علي (عليه السلام) على نعشه مكفنا فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه فلما هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة بشعره قطط بأسنانه تفليج فجبذ برداء جعفر بن علي وقال: تأخر يا عم فأنا أحق بالصلاة على أبي فتأخر جعفر وقد أربد وجهه، فتقدم الصبي فصلى عليه ودفن إلى جانب قبر أبيه (عليه السلام) ثم قال: يا بصري هات جوابات الكتب التي معك فدفعتها إليه فقلت في نفسي: هذه اثنتان بقي الهميان ثم خرجت إلى جعفر بن علي وهو يزفر فقال له حاجز الوشاء: يا سيدي من الصبي؟ ليقيم عليه الحجة، فقال: والله ما رأيته قط ولا عرفته فنحن جلوس إذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي (عليهم السلام) فعرفوا موته فقالوا: فمن نعزي فأشار الناس إلى جعفر بن علي فسلموا عليه وعزوه وهنوه وقالوا: إن معنا كتبا ومالا فتقول ممن الكتب وكم المال فقام ينفض أثوابه ويقول يريدون منا أن نعلم الغيب، قال: فخرج الخادم فقال: معكم كتب فلان وفلان وهميان فيه ألف دينار وعشرة دنانير منها مطلية فدفعوا الكتب والمال وقالوا: الذي وجه بك لأجل ذلك هو الإمام (عليه السلام) ، فدخل جعفر بن علي على المعتمد وكشف له ذلك فوجه المعتمد خدمه وقبضوا على صيقل الجارية وطالبوها بالصبي فأنكرته وادعت حملا بها لتغطي على حال الصبي فسلمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي وبغتهم موت عبيد الله بن يحيى بن خاقان فجأة وخروج صاحب الزنج بالبصرة فشغلوا بذلك عن الجارية فخرجت عن أيديهم والحمد لله رب العالمين لا شريك له).

أقول: قد روى الصدوق خبرا آخراً يدل على أن صيقل أم الحجة (عليه السلام) توفت في حياة أبي محمد (عليه السلام) باستدعاء منها لذلك، ولو صح الخبر فيمكن أن تكون صيقل هذه المقبوضة جارية أخرى من جواري أبي محمد (عليه السلام) اسمها صيقل حقيقة أو زعما من القوم فلا تنافي بين الخبرين والله أعلم وحججه (عليهم السلام)، وأن أبا محمد (عليه السلام) حدثها بما يجري على عياله فسألته أن يدعو الله عز وجل أن يجعل منيتها قبله فماتت في حياة أبي محمد (عليه السلام)..إلخ).

السادس والتسعون غيبة البحار قال: ما أخبرني به والدي قال: (كان في زماننا رجل شريف صالح كان يقال له أمير إسحاق الاسترآبادي وكان قد حج أربعين حجة ماشيا وكان قد اشتهر بين الناس أنه تطوى له الأرض، فورد في بعض السنين بلدة أصفهان فأتيته وسألته عما اشتهر فيه فقال: كان سبب ذلك أني كنت في بعض السنين مع الحاج متوجهين إلى بيت الله الحرام، فلما وصلنا إلى موضع كان بيننا وبين مكة سبعة منازل أو تسعة تأخرت عن القافلة لبعض الأسباب حتى غابت عني وضللت عن الطريق وتحيرت وغلبني العطش حتى آيست من الحياة، فناديت يا صالح يا أبا صالح أرشدونا إلى الطريق يرحمكم الله، فتراءى لي في منتهى البادية شبح فلما تأملته حضر عندي في زمان يسير فرأيته شابا حسن الوجه نقي الثياب أسمر على هيئة الشرفاء راكبا على جمل ومعه إداوة فسلمت عليه فرد علي السلام وقال: أنت عطشان ؟ قلت: نعم، فأعطاني الإداوة فشربت ثم قال: تريد أن تلحق القافلة؟ قلت: نعم، فأردفني خلفه وتوجه نحو مكة، وكان من عادتي قراءة الحرز اليماني في كل يوم فأخذت في قراءته فقال (عليه السلام): اقرأ هكذا قال: فما مضى إلا زمان يسير حتى قال لي: تعرف هذا الموضع فنظرت فإذا أنا بالأبطح فقال: انزل، فلما نزلت رجع وغاب عني، فعند ذلك عرفت أنه القائم (عليه السلام) فندمت وتأسفت على مفارقته وعدم معرفته، فلما كان بعد سبعة أيام أتت القافلة فرأوني في مكة بعد ما أيسوا من حياتي فلذا اشتهرت بطي الأرض. قال: الوالد فقرأت عنده الحرز اليماني وصححته وأجازني والحمد لله).

السابع والتسعون وفيه قال:(ومنها ما أخبرني به جماعة من أهل الغري على مشرفه السلام أن رجلا من أهل قاشان أتى إلى الغري متوجها إلى بيت الله الحرام فاعتل علة شديدة حتى يبست رجلاه ولم يقدر على المشي فخلفه رفقاؤه وتركوه عند رجل من الصلحاء كان يسكن في بعض حجرات المدرسة المحيطة بالروضة المقدسة وذهبوا إلى الحج، فكان هذا الرجل يغلق عليه الباب كل يوم ويذهب إلى الصحاري للتنزه ولطلب الدراري التي تؤخذ منها فقال له في بعض الأيام: إني قد ضاق صدري واستوحشت من هذا المكان فاذهب بي اليوم واطرحني في مكان واذهب حيث شئت، قال: فأجابني إلى ذلك وحملني وذهب بي إلى مقام القائم صلوات الله عليه خارج النجف فأجلسني هناك وغسل قميصه في الحوض وطرحها على شجرة كانت هناك وذهب إلى الصحراء وبقيت وحدي مغموما أفكر فيما يؤول إليه أمري، فإذا أنا بشاب صبيح الوجه أسمر اللون دخل الصحن وسلم علي وذهب إلى بيت المقام وصلى عند المحراب ركعات بخضوع وخشوع لم أر مثله قط، فلما فرغ من الصلاة خرج وأتاني وسألني عن حالي، فقلت له: ابتليت ببلية ضقت بها لا يشفيني الله فأسلم منها ولا يذهب بي فأستريح، فقال: لا تحزن سيعطيك الله كليهما وذهب، فلما خرج رأيت القميص وقع على الأرض فقمت وأخذت القميص وغسلتها وطرحتها على الشجر فتفكرت في أمري وقلت: أنا كنت لا أقدر على القيام والحركة فكيف صرت هكذا فنظرت إلى نفسي فلم أجد شيئا مما كان بي فعلمت أنه كان القائم صلوات الله عليه فخرجت فنظرت في الصحراء فلم أر أحدا فندمت ندامة شديدة، فلما أتاني صاحب الحجرة سألني عن حالي وتحير في أمري فأخبرته بما جرى فتحسر على ما فات منه ومني ومشيت معه إلى الحجرة، قالوا: فكان هكذا سليما حتى أتى الحاج ورفقاؤه فلما رآهم وكان معهم قليلا مرض ومات ودفن في الصحن فظهر صحة ما أخبره(عليه السلام) من وقوع الأمرين معا، وهذه القصة من المشهورات عند أهل المشهد وأخبرني به ثقاتهم وصلحاؤهم).

الثامن والتسعون كمال الدين حدثنا محمد بن علي بن محمد بن حاتم النوفلي المعروف بالكرماني قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء البغدادي قال: حدثنا أحمد بن طاهر القمي قال: حدثنا محمد بن بحر بن سهل الشيباني قال: حدثنا أحمد بن مسرور عن سعد بن عبد الله القمي قال: (كنت امرئ لهجا بجمع الكتب المشتملة على غوامض العلوم ودقائقها، كلفا باستظهار ما يصح لي من حقائقها مغرما بحفظ مشتبهها ومستغلقها شحيحا على ما أظفر به من معاضلها ومشكل