موقع الغدير

 

الصفحة الرئيسية

 

 

أهل البيت عليهم السلام هل يعلموا علم الغيب؟

حديث عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)

 

عن كتاب سرور الموالي: لبعض أصحابنا، عن المعلى بن خنيس قال: أتيت الإمام جعفر الصّادق (عليه السلام) فلم أجده خالياً فجلست في موضع بإزائه، فلما أبصرني قال: مرحباً يا ابن خنيس.

قلت: يا ابن رسول الله تخالج في صدري شيء من العلم الذي خصكم الله به وفضّلكم على الخلائق تفضيلاً فأحببت أن أسألك عنه لتوقفني عليه وترشدني.

قال: قل ما بدا لك يا ابن خنيس. قلت: يا سيدي جلست إلى رفقة من فقهاء أهل الكوفة وجماعة منهم، فإذا بهم يثنون الأول والثاني، روى فقيه من فقهائهم إلى أن قال: فذكرت ما خصكم الله به فأنكروا ذلك. قال الصادق (عليه السلام): وما الذي ذكرت لهم؟

قلت: أمر العلم وما أعطاكم الله من علم الكتاب، وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، وأنه علّم علياً علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب، وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. فقالوا كلهم: هذا محال لم يطلع الله على غيبه أحداً وتلوا عليَّ آيات من القرآن منها قوله تعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ {الأنعام/59}، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ {لقمان/34}، وقوله: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴾{الجن/26}، وشهدوا عليَّ بالكفر بادعاء هذا العلم لكم وبقيت متحيراً قد قطعوني.

فضحك الصادق (عليه السلام) وقال: يا ابن خنيس استضعفوك القوم وغلبوك بباطلهم وتظاهروا عليك.

فقلت: يا ابن رسول الله، قد فُعِلَ بوصيِّ نبي الله هارون حين قال: ﴿ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي ﴾ {الأعراف/150}، وقد فُعِلَ بأمير المؤمنين ذلك وأكثر من هذا حين أخرجوه إلى البيعة.

قال: يا ابن خنيس، هلّا أحضرتنيهم حتى أريهم أنهم أولى بالكفر، وأنّك وأصحابك على الحق المبين، وأنّهم ظالمون يكذبون من كتاب الله الباطن الذي لا يستطيعون له إنكاراً ولا منه فراراً.

قلت: هم أقل من أن يحضروا ويجمعوا، ثم قال: يا ابن خنيس، لأشرحنّ لك كل ذلك حتى لا يشك شاك منهم أو من غيرهم، ولأُفسرنّ ذلك حتى تعلم أنّهم على الباطل، وأنّ من قال بقولهم فهو كافر بالله العظيم.

قال المعلى: فامتلأت فرحاً وسروراً ونشاطاً وقلت: يا ابن رسول الله، من أولى بذلك منكم، وأنتم معدن الحكمة، وورثة العلم، ومهبط الوحي؟

ثم قال (عليه السلام): أو لا قرأت عليهم قرآناً عربياً، فإنّه لا شيء أغلب للطغاة، ولا أقهر لهم من كتاب الله عزّ وجلّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إلى أن قال (عليه السلام): ففي كتاب الله عزّ وجلّ بطلان لما ادعوه أكثر من مائة آية أنا مبيّنها لك يا ابن خنيس.

إنَّ معنى علم الغيب، هو علم ما غاب عنك، فإنّ علم الغيب غيب، وهذا ما لا يظهر عليه إلا الله عزّ وجلّ ومن أطلعه عليه واختصه من الأنبياء والأوصياء، فلو قيل إنّ الغيب لا يعلمه إلاّ الله عزّ وجلّ وإن خصّ قوماً بما لم يخصّ به غيرهم، حملهم الحسد على الكفر بالله العظيم.

أرأيت احتجاجهم بقول الله تبارك وتعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴾ كيف لم يتلو تمام الآية: ﴿ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ﴾ {الجن/27}، قد خصّ الله قوماً وأكرمهم وفضّلهم على هذا الخلق المنكوس.

فقلت: بلى يا ابن رسول الله.

قال: فنحن والله أولئك الذين خصّنا بما لم يخصّ به أحداً، وذلك أنّ الله عزّ وجلّ بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوة واختصه بالرسالة وعلّمه علم الكتاب كله، وفي الكتاب علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وأمر نبيّه أن يعلّم ذلك وصيّه فعلّمه علياً (عليه السلام) فارتد بذلك نفر من أصحابه فأدركهم الحسد وتآمروا بينهم وتغامزوا حتى نافقوا فعبرهم الله عزّ وجلّ فقال: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ﴾{النساء/54}، وما أراد من آل إبراهيم إلاّ الذين عصمهم الله من الشبهات وطهرهم، فلم يعبدوا وثناً ولا صنماً.

هكذا قال إبراهيم (عليه السلام): ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ {إبراهيم/35}، وقال تعالى: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ {ص/26}.

فكل من عبد وثناً أو صنماً يوماً واحداً من الدهر فليس بمعصوم، ولا طاهر. قال الله عزّ وجلّ لنبيه: ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾ {المدثر/5}، يعني الوثن والصنم، فأعطاه الله عزّ وجلّ الكتاب وفي الكتاب كل شيء، قال الله عزّ وجلّ: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾{الأنعام/38}.

وفي هذا الكتاب الذي أنزله الله عزّ وجلّ على نبيه علم الأولين والآخرين وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، منح الله عزّ وجلّ علم الكتاب أنبيائه ورسله وأُمنائه وحرمه سائر الناس، ألا أوجدك لذلك من كتاب الله نصاً؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله.

قال: إقرأ هذه الآية المحكمة: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ، مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا﴾{هود/49}، ما يشك في هذا إلاّ كافر معلن بالكفر. قلت: نعم.

قال (عليه السلام): أليس قد علّمه من الغيب ما لم يعلّمه أحداً؟ . قلت: بلى.

قال (عليه السلام): أفلا أدلك على ما هو أوضح من هذا؟ قلت: بلى.

قال: قوله عزّ وجلّ عبارة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ (البقرة/111) ﴿ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾{الأنبياء/24}. قوله: ﴿ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ ﴾ أليس قد علّمه علم كل شيء هو معه وما يكون إلى يوم القيامة، وأطلعه على علم ما كان قبله من الأمم الأولين، أفليس هذا هو الحق الذي قال الله عزّ وجلّ: ﴿ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ {الأنبياء/24}.

قلت : يا ابن رسول الله، لو كانت حضرتني هذه الآية التي قلتها: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ﴾{هود/49}.

قال (عليه السلام): يا ابن خنيس، ألا أدلّك على ما هو أوضح من هذا؟ قلت: بلى .

قال: قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ﴾{الشورى/52}، قد أوحى إليه عالم الغيب ما لم يكن يعلمه، فهذا علم الكتاب، والكتاب فيه علم الأولين والآخرين، وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، فهل يشك في هذا أحد؟ قلت: لا.

قال: ما لهم لعنهم الله يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، قال الله عزّ وجلّ: ﴿ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ {البقرة/85}.

ثم قال: يا ابن خنيس، ألا أدلّك على ما هو أبين من هذا؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله.

قال: خصّ الله آدم على نبينا وآله وعليه السلام من تعليم كل شيء، قال الله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ﴾{البقرة/31} إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ﴾ {البقرة/33}، وذلك أنه عزّ وجلّ علّمه اسم كل شيء قبل أن يخلق ذلك الشيء، حتى اسم الملح بجميع اللغات، فلما أحضر الملائكة أعلمهم فضل آدم وأمرهم بالسجود له وأعلمهم أنه يجعله خليفة في الأرض: ﴿ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء ﴾ {البقرة/30}، وقد كانت الملائكة نازعت آدم قبل ذلك وقالت نحن أفضل منه. فقال آدم: بل أنا أفضل منكم خلقني الله بيده، ونفخ فيَّ من روحه وعلّمني غيب السماوات والأرض، ولم يعلّمكم الله منه شيئاً، قال الله عزّ وجلّ: ﴿ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ {البقرة/31} فيما ادّعيتم، ﴿ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا ﴾ {البقرة/32}، قال حينئذ ﴿ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ﴾ {البقرة/33} علموا أنه أفضل منهم، فانقادوا وخضعوا له، فعندها قال الله عزّ وجلّ: ﴿ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾{البقرة/33}.

ثم قال (عليه السلام): يا ابن خنيس، كيف لم تحتج عليهم باحتجاجهم؟ قلت: بماذا؟

قال: بقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾{الأنعام/59}، أليس قد ردّه كله إلى الكتاب، فهذا هو الكتاب الذي قال الله تعالى عزّ وجلّ: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ {النساء/54}، نحن والله آل إبراهيم.

قلت: يا ابن رسول الله، كأني لم أقرأ هذا القرآن قبل اليوم.

قال: يا ابن خنيس، هذا والله الكتاب الذي قال الله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ﴾ {الشورى/52}، فأخبر أنه لم يدرِ ما الكتاب حتى علّمه هذا الكتاب. قال الله عزّ وجلّ: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا ﴾ {هود/49}.

قلت: سيدي، إذا كان الاحتجاج عليهم من جهتهم فقد طاب لي اللحاق بهم والمناظرة معهم.

قال (عليه السلام): يا ابن خنيس، ألا أدلك على أوضح من هذا ممّا أخبرتك به جميعه؟

قلت: سيدي فأي شيء أوضح من هذا وأنور مما أخبرتني به؟

قال: القرآن كله نور وشفاء لما في الصدور ورحمة للعالمين، ومن القرآن قول عيسى على نبينا وآله وعليه السلام لبني إسرائيل: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ ﴾ {آل عمران/49}، إلى قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ {آل عمران/49 - البقرة/248}. فهل أنبأهم بما يأكلون وبما يدخرون في بيوتهم إلا بشيء غائب عن بصره هذا علم الغيب بعينه، هل يستطيعون له إنكارها أو منه فرارها؟

قلت: كلما أخبرتني به واضح وهذا أوضح وأنور.

فقال (عليه السلام): أليس القرآن ينطق بصدق قولنا وتكذيب قولهم؟ يا ابن خنيس، جميع ما أخبرتك به من الظاهر، فكيف لو سمعت بباطن واحد وما تراهم فاعلون وما عساهم يظهرون لو سمعوه، كان والله يظهر منهم ما لا تقوى على احتماله ولا تقدر على استماعه إلا بمعونة الله عزّ وجلّ.

قلت: سيدي امنن على عبدك بباطن واحد في هذا المعنى.

فقال (عليه السلام): إنك لا تحتمله.

قلت: أحتمله إن ثبتني الله عزّ وجلّ وسددني وهداني فادع الله لي.

فقال (عليه السلام): افعل به ذلك، فإنه من أوليائنا. يا ابن خنيس، اقرأ هذه الآية: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ﴾ {الأنعام/59}﴾، إلى قوله ﴿ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾{الأنعام/59}﴾ أو تدري ما الكتاب المبين؟ قلت: القرآن.

قال: ذلك مبلغك من علم الكتاب. فقال الإمام (عليه السلام): ما القرآن يا ابن خنيس؟ قلت: القرآن إمامي.

قال: نعم الله ربك ومحمد نبيك والقرآن إمامك، ألا أُوجدك ذلك من كتاب الله عزّ وجلّ؟ قلت: بلى.

قال: والذي فلق الحبة وبرء النسمة ونصب القبلة، لقد أعطى الإمام ما لم يُعْطَ ملك مقرب ولا نبي مرسل. ألا أُوجدك ذلك من كتاب الله عزّ وجلّ؟

قلت: بلى يا ابن رسول الله وهذا أيضاً في الكتاب.

قال (عليه السلام): ويحك أما قرأت: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ {الأنعام/38}، اقرأ قصة موسى. قلت : أي القصص؟

قال: قوله تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾{النمل/16} ، فقرأتها، فقال: أفهمتها يا ابن خنيس؟ إنما أوتي من كل شيء ولولا ذلك لكان يقول علمنا منطق الطير وأوتينا كل شيء، ولم يقل من كل شيء. قلت : كذلك هو يا ابن رسول الله.

قال : اقرأ قصة عيسى. قلت: أي القصص؟

قال: قوله: ﴿ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ {الزخرف/63} ،وإنما علم بعض الشيء ولم يقل الكل. قلت: كذلك هو يا ابن رسول الله .

قال: اقرأ قصة الإمام. قلت: سيدي وأي قصة الإمام؟

قال (عليه السلام): أبين القصص وأوضحها: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾{يس/12}، قال كل شيء ولم يقل من شيء، ولا بعض الشيء، قال: أوتدري أين تحقيقه من كتاب الله عزّ وجلّ؟ قلت: لا أدري.

قال: قوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ {الأنعام/59}، أتدري أن الإمام أُعطي بأمر من الكتاب؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله.

قال (عليه السلام): فعلم كل ما في السماوات والأرض عند الإمام، فمن ذلك قال: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، وذلك أن الإمام حجة الله في أرضه، لا يصلح أن يسأل عن شيء فيقول لا أدري.

قلت: كذلك هو يا ابن رسول الله.

قال: أوتدري لم فعل ذلك به ومعه؟ قلت: لا.

قال: لأن الإمام خليفة الله في أرضه، لا ينبغي أن يكون ناقصا منقوصا، أليس الله عزّ وجلّ قال: يا محمد ﴿ قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ {الأنعام/149}، يقول لو شاء لهداكم إلى علمه، ولكن خص بذلك إمامه وخليفته وحجته. ثم قال (عليه السلام): ارفع رأسك يا ابن خنيس، واسمع ما قال في الإمام إنَّ الإمام من روح الله عزّ وجلّ وهي الروح التي جعلها الله في آدم: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ {الحجر/29}، وقال في عيسى: ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾{النساء/171}.

قلت: سيدي أخبرني عن أمر الروح ما هي؟

قال: ضروب كثيرة:

أحدها: روح الرحمة وهو قوله: ﴿ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ {المجادلة/22}،

وأما الثانية: فهي جبرئيل، وذلك قوله تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ {الشعراء/193-194}.

وأما الثالثة: يعني به ملكاً من الملائكة مسكنه السماء السابعة، صورته صورة الإنسان، وجسده جسد الملائكة، وذلك قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ {النبأ/38}، يعني بذلك الملك وهو أعظم من كل شيء، خلقه الله تعالى وهو حافظ الملائكة، فإذا كان يوم القيامة قام بين يدي الله صفاً واحداً لم يزاحمه أحد، وتقوم الملائكة صفاً آخر.

وأما الرابعة: فإنه يعنى أمره وهو قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ {الإسراء/85}، وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ {الشورى/52}، وقوله: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾{القدر/4}.

والخامسة: فإنه يعني روح الله الخاصة بمن ركبت فيه، وهذه الروح علم بها ما في السماوات والأرض، وعرج بها إلى السماء، وهبط بها إلى الأرض، وعلم بها الغيب، فإن كان في المغرب وأحب أن يكون في المشرق صار في لحظة واحدة في أقل من طرفة عين.

قلت: يا سيدي يا ابن رسول الله، لقد شفيت صدري.

قال: يا ابن خنيس، إنّ علمنا شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

(حجة الإسلام العلامة الميرزا محمد تقي شريف الممقاني في صحيفة الأبرار ج 1، ص: 422-427 ، الطبعة الأولى المحققة 1424 هـ تحقيق: مؤسسة لإحياء الكتب الإسلامية)

http://gadir.free.fr/Ar/Ehlibeyt/makale/ilmulgayb.htm