شرح أصول الكافي

مولي محمد صالح المازندراني ج 6


[ 1 ]

كتاب الكافي الأصول والروضة لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني مع شرح الكافي الجامع للمولى محمد صالح المازندراني المتوفى 1081 ه‍ مع تعاليق الميرزا أبو الحسن الشعراني المجلد السادس


[ 3 ]

الحديث الثاني من باب شأن * (إنا أنزلناه) * * الأصل: 2 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بينا أبي جالس وعنده نفر إذ استضحك حتى أغرورقت عيناه دموعا ثم قال: هل تدرون ما أضحكني ؟ قال: فقالوا: لا. قال: زعم ابن عباس أنه من * (الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) * فقلت له: هل رأيت الملائكة يا ابن عباس ! تخبرك بولايتها لك في الدنيا والآخرة مع الأمن من الخوف والحزن ؟ قال: فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول: * (إنما المؤمنون إخوة) * وقد دخل في هذا جميع الامة، فاستضحكت ثم قلت: صدقت يا ابن عباس أنشدك الله، في حكم الله جل ذكره اختلاف ؟ قال: فقال: لا، فقلت: ما ترى في رجل ضرب رجلا أصابعه بالسيف حتى سقطت ثم ذهب وأتى به رجل آخر فأطار كفه فأتي به إليك وأنت قاض كيف أنت صانع ؟ قال: أقول لهذا القاطع: أعطه دية كفه وأقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت، وأبعث به إلى ذوي عدل، قلت: جاء الاختلاف في حكم الله عز ذكره ونقضت القول الأول، أبى الله عز ذكره أن يحدث في خلقه شيئا من الحدود [ و ] ليس تفسيره في الأرض، إقطع قاطع الكف أصلا ثم أعطه دية الأصابع، هكذا حكم الله ليلة تنزل فيها أمره، إن جحدتها بعدما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأدخلك الله النار كما أعمى بصرك يوم جحدتها علي بن أبي طالب قال: فلذلك عمي بصري، قال: وما علمك بذلك ؟ فوالله إن عمي بصري إلا من صفقة جناح الملك، قال: فاستضحكت ثم تركته يومه ذلك لسخافة عقله. ثم لقيته فقلت: يا ابن عباس ما تكلمت بصدق مثل أمس، قال لك علي بن أبي طالب (عليه السلام): إن ليلة القدر في كل سنة وإنه ينزل في تلك الليلة أمر السنة وإن لذلك الأمر ولاة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: من هم ؟ فقال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدثون، فقلت: لا أراها كانت إلا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتبدى لك الملك الذي يحدثه، فقال: كذبت يا عبد الله رأت عيناي الذي حدثك به علي - ولم تره عيناه ولكن وعى قلبه ووقر في سمعه - فقلت صفقك بجناحه فعميت ؟ قال: فقال ابن عباس: ما اختلفنا في شئ فحكمه إلى الله، فقلت له: فهل حكم الله في حكم من حكمه بأمرين ؟ قال: لا، فقلت: ههنا هلكت وأهلكت. * الشرح: قوله (حتى اغرورقت عيناه دموعا) يقال: اغرورقت عيناه إذا دمعتا كأنهما غرقتا في دمعهما.


[ 4 ]

قوله (زعم ابن عباس أنه من الذين قالوا ربنا الله) قال الله تعالى: * (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم) * قد مر تفسير هذه الآية بطريق الإجمال في باب بعد باب عرض الأعمال، واعلم أن عبد الله بن عباس كان في بداية الحال من أهل الأمانة والديانة عند أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم تغيرت حاله وذهبت أمانته وفسدت ديانته (1) وذمه (عليه السلام) في مواضع عديدة ومن أراد الاطلاع عليه فليرجع إلى نهج البلاغة. قوله (فقلت له: هل رأيت الملائكة (2) - إلى قوله - والحزن) قد ذكر الله تعالى جميع ذلك في


(1) قوله " ثم تغيرت حاله وذهبت أمانته " ان الأمور المعلومة الواضحة المتواترة لا تدفع بالمشكوكات فضلا عما علم بطلانه يقينا وقد ذكر العلامة الحلي (رحمه الله) ابن عباس في الممدوحين من الخلاصة قال: عبد الله بن عباس من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان محبا لعلي (عليه السلام) وتلميذا له، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين (عليه السلام) أشهر من أن يخفى. وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمن قدحا فيه وهو أجل من ذلك قد ذكرناها في كتابنا الكبير وأجبنا عنها (رضي الله عنه)، انتهى قوله وهو الحجة هنا، وأما الكشي فكما روى أحاديث في القدح روى أحاديث في مدحه غاية المدح وسلامته إلى آخر عمره خلافا لما قاله الشارح ولعل من رأى احتجاجاته في حرب الجمل ومحاجته مع معاوية على ما في البحار وتأسف أمير المؤمنين (عليه السلام) من عدم رضى أصحابه بتعيين ابن عباس مكان أبي موسى الأشعري وغير ذلك مما لا يحصى لم يشك في حسن حال الرجل. وأما عتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) عليه فلا يدل على عناد فيه ومخالفته في الإمامة ولم يكن ابن عباس معصوما فجاز أن يشتبه عليه أمر في مال أخذه من بيت المال وقد عتب على عثمان بن حنيف بأشد من ذلك وكان كتابه إليه ألطف وأرأف ولا اعتبار بسائر ما روي بطريق ضعيف والعبرة بالمتواتر من صحبته له ورضاه عنه وسعيه في تأكيد أمره وتحكيم خلافته وقد ذكر علماؤنا في الكلام أن المؤمن الحق لا يمكن أن يرتد ولا أدري كيف غفل عنه الشارح ! ويختلج بالبال أن واضع الخبر أراد توهين ابن عباس تقربا إلى عوام الشيعة تنفيرا لهم عن خلفاء وقته لأنهم كانوا يفتخرون بجدهم. (ش) (2) قوله " فقلت له هل رأيت الملائكة " رووا أن ابن عباس رأى جبرئيل على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وأخبره النبي (صلى الله عليه وآله) أنه يعمى في آخر عمره وكانوا يعدون ذلك من فضائل ابن عباس لأن رؤية جبرئيل تدل على وجوده بصرا ملكوتيا يرى به ذلك العالم ولم يكن عماه في آخر عمره مجازاة على رؤية الملك لأنها لم تكن باختياره ولم تكن محرمة حتى يجازى عليها ولم تكن من أثر ضربة جناح الملك، وإلا لعمي من بدو صباه في عهد النبي (صلى الله عليه وآله). وأما واضع هذا الخبر فكان سمع أن شيعة بني العباس يفتخرون برؤية جدهم جبرئيل (عليه السلام) وأن عماه في آخر عمره كان لذاك لأن الذي ينظر إلى ضياء قوي فوق استطاعة القوة الباصرة يتهيأ بصره للضعف والانحلال ولم يكن هذا الراوي مطلعا على تفصيل ما يرونه ويروونه وما يتمسكون به فلفق هذه الحكاية. والمكالمة لم تقع = (*)

[ 5 ]

هذه الآية * (الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) *. قوله (فاستضحكت) سبب الضحك أن اندراج ابن عباس في آية * (إنما المؤمنون إخوة) * يتوقف على كونه مؤمنا وأنه بعقيدته الفاسدة خرج عن حد الإيمان فيرد عليه المثل المشهور " ثبت العرش ثم انقش " ولو سلم دخوله فيها فالآية لا دلالة فيها إلا على اشتراك الأمة في أصل الإيمان وأما كونه مندرجا في آية * (قالوا ربنا الله) * فلا دلالة عليه فلا يثبت مطلوبه وقوله (عليه السلام) " صدقت " إما مبني على التنزل وإما بمعنى أنك صدقت في أن المؤمنين إخوة وإن لم يكن فيه دلالة على المطلوب. قوله (أنشدك الله. الخ) قال في " النهاية ": يقال: نشدتك الله وبالله وأنشدك الله وبالله أي سألتك وأقسمت عليك يعني بحقه ونشدته نشدة ونشدانا ومناشدة وتعديته إلى مفعولين إما لأنه بمنزلة دعوت حيث قالوا: نشدتك الله وبالله كما قالوا: دعوت زيدا وبزيد، أو لأنهم ضمنوه معنى ذكرت فأما أنشدتك بالله فخطأ. قوله (هل في حكم الله اختلاف) أي هل يكون له أحكام مختلفة في قضية مخصوصة ! أو هل يجوز تبديل حكمه بغيره بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ قال لا: لأن لله تعالى في كل قضية حكما واحدا ولا نسخ بعده. قوله (فأتى به) أي برجل آخر وهو قاطع الكف. قوله (قلت: جاء الاختلاف) قيل: لعل الاختلاف من تقويم المقومين لوقوع الاختلاف في التقويمات كثيرا، وقال الفاضل الاسترآبادي: كان مراد ابن عباس من ذكر (ذوي عدل) ما هو المشهور في كتب متأخري أصحابنا من الأرش وجعل الحر تابعا للعبد (1) ومن المعلوم الاختلاف بين هذا وبين صالحه عما شئت لأن هذا يقتضي أن يكون له قدر معلوم و (صالحه على ما شئت) يقتضي أن لا يكون له قدر معلوم معين، وأيضا ظاهر قوله (عليه السلام) (أعطه دية كفه) أن القدر معلوم معين.


= قط بين الإمام (عليه السلام) وابن عباس لأن الإمام معصوم عن الخطأ والغفلة وإن كان صبيا ولا يشتبه عليه الأمر. ثم إن الباقر (عليه السلام) لم يدرك ابن عباس إلا في صغره جدا فإنه مات سنة 65 أو 66 وأكثر ما قيل 68 ولم يكن (عليه السلام) حين ملاقاته إلا غلاما ابن عشر سنين ونحوه. والحسن بن عباس بن الحريش واضع الخبر لم يكن عالما بالتاريخ لبعد عهده عنهما وإلا لأشار إلى كون هذه المحاجة معجزة، ولكن روى الخبر بحيث يتبادر منه كون المحاجة حين إمامة الباقر (عليه السلام) وكونه محاطا بأصحابه وحضور أبي عبد الله (عليه السلام) مع كون ابن عباس حيا. (ش) (1) في كتب الديات: الجراحة التي ليست لها مقدر من الدية يفرض المجروح عبدا لو لم يكن فيه هذه الجراحة كم قيمته، ولو كان فيه هذه الجراحة كم قيمته، وبنسبة التفاوت بين القيمتين من الدية الكاملة يؤخذ للمجروح. (*)

[ 6 ]

قوله (ونقضت القول الأول) وهو أنه لا اختلاف في حكم الله تعالى. قوله (أبى الله أن يحدث) كأنه قيل: ليس لله في هذه القضية حكم، أو ما بلغ رسوله حكمها فأجاب بما ذكر. قوله (اقطع) كأنه قيل: ما الحكم هنا ؟ قال: اقطع الكف. قوله (أصلا) (1) أي من أصل الكف. قوله (ليلة تنزل فيها أمره) أي في ليلة فهي منصوبة على الظرفية والمراد بها ليلة القدر. قوله (إن جحدتها) أي جحدت يا ابن عباس استمرار حكمها بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة. قوله (يوم جحدتها) (2) أي يوم جحدت تلك الليلة على علي بن أبي طالب (عليه السلام) وسيجئ في هذا الحديث بيان إنكاره عليه. قوله (فلذلك عمي بصري) أي قال ابن عباس اعترافا: فلذلك الإنكار عمي بصري، ثم قال: يا أبا جعفر وما علمك بذلك ؟ يعني من أين علمت أن عمى بصري من أجل ذلك الإنكار ؟. قوله (فوالله الخ) من كلام أبي جعفر (عليه السلام) لبيان سبب عماه وهو أنه من صفقة جناح الملك، والصفقة: الضرب الذي له صوت، وكلمة إن نافية. قوله (قال فاستضحكت) منشأ الضحك هو أن ابن عباس لكمال سخافته لم يعقل أن عمى بصره لأجل الإنكار يوجب الاعتراف بأن ما أنكره حق فإصراره على الإنكار مع الاعتراف بما يزيله محل التعجب. فقلت: يا ابن عباس ما تكلمت بصدق مثل أمس حيث اعترفت بأن عمى بصرك لذلك الإنكار. وفي بعض النسخ " يا أبا عباس ". قوله (قال لك علي بن أبي طالب (عليه السلام)) تفصيل لما أجمله أولا بقوله " كما أعمى بصرك يوم جحدتها على علي بن أبي طالب " وبقوله " إن عمى بصري إلا من صفقة جناح الملك ". قوله (أئمة محدثون) خبر لقوله: أنا وأحد عشر من صلبي، أو حال عنه وهو خبر مبتدأ


(1) قوله (اقطع قاطع الكف أصلا) هذا أيضا من أدلة ضعف الرواية إذ شرط قصاص الطرف التساوي الجاني أنقص فلا يجوز قطع يد ذات أصابع قصاصا بيد فاقدة لها وإن أعطاه دية الأصابع، ولا حاجة لنا إلى التكلف في توجيه فتوى ابن عباس بعد عدم اعتبار الخبر. (ش) (2) قوله " يوم جحدتها " لم يعم بصر ابن عباس في خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان في زمن معاوية بصيرا بل عمي في آخر عمره في زمان ابن الزبير وقد حج في سنة حج فيها معاوية في خلافته فكان لابن عباس موكب ولمعاوية موكب وهذا أيضا من مخائل ضعف الخبر التي أشار إليها العلامة (رحمه الله) في " الخلاصة ". (ش) (*)

[ 7 ]

محذوف وهو هم أو خبر مبتدأ محذوف أي نحن أئمة. قوله (فقلت لا أراها) أي فقلت: يا ابن عباس لا أرى ليلة القدر كانت إلا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما مات ذهبت معه (1) وقد عرفت أن هذا خلاف الإجماع. قوله (فتبدى لك) أي فظهر لك يا ابن عباس الملك الذي كان يحدث عليا (عليه السلام) فقال: كذبت يا عبد الله فيما قلت من أن تلك الليلة إنما كانت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصدق علي (عليه السلام) فيما قال من أن ليلة القدر في كل سنة إلى آخره لأنه رأت عيناي ما حدثك به علي (عليه السلام) من نزول الملائكة عليه في ليلة القدر إذ كنت من جملتهم ولم ترهم عينا علي (عليه السلام) إذ كان محدثا والمحدث يسمع صوت الملك ولا يراه ولكن وعى قلبه وحفظ ما القي إليه وسكن في سمعه وثبت، ثم صفقك الملك يا ابن عباس بجناحه فعميت، وفي بعض النسخ " ثم خفقك " أي ضربك، والخفق الضرب بشئ عريض يقال: خفقه بالسيف ويخفق إذا ضربه به ضربة خفيفة. قوله (ووقر في سمعه) وقر من باب ضرب ووعد، يقال: وقر الشئ في سمعه أي سكن وثبت فيه من غير نسيان، من الوقار وهو الحلم والرزانة، وقد وقر يقر وقارا كذا في " النهاية " وفي بعض النسخ: وقر من القرار والمعنى واحد. قوله (قال: فقال ابن عباس: ما اختلفنا في شئ فحكمه إلى الله) يعني أنا يا أبا جعفر وأنت إذا اختلفنا في أمر من الأمور كاستمرار ليلة القدر ونحوه فالله يعلم المحق من المبطل، وغرضه أنه المحق. قوله (فقلت له) الغرض منه حمل ابن عباس على الإقرار بأنه كاذب. * الأصل: 3 - وبهذا الإسناد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال عزوجل في ليلة القدر: " فيها يفرق كل أمر حكيم " يقول: ينزل فيها كل أمر حكيم والمحكم ليس بشيئين إنما هو شئ واحد فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم الله عزوجل، ومن حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنه مصيب فقد حكم بحكم الطاغوت، إنه لينزل في ليلة القدر إلى ولي الأمر تفسير الأمور سنة سنة، يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا وكذا، وفي أمر الناس بكذا وكذا، وإنه ليحدث لولي الأمر سوى ذلك كل يوم علم الله عزوجل الخاص والمكنون العجيب المخزون مثل ما ينزل في تلك الليلة من الأمر، ثم قرأ: * (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله، إن


(1) قوله " فلما مات ذهبت معه " لا اعتبار بهذه النسبة ولا يعتد بها مع ضعف الحديث، والمشهور عن ابن عباس أن ليلة القدر في السابعة والعشرين من شهر رمضان وهو معروف عنه في كتب العامة والخاصة. (ش) (*)

[ 8 ]

الله عزيز حكيم) *. * الشرح: قوله (ومن حكم بأمر فيه اختلاف) قد مر معنى الاختلاف آنفا. قوله (فقد حكم بحكم الطاغوت) وهو الذي يتبع هواه ووساوس الشيطان ومن البين أن حكمه مخالف لحكم الله الذي لا اختلاف فيه وموافق لحكم الشيطان. قوله (إنه لينزل في ليلة القدر تفسير الأمور سنة سنة يؤمر) أي ولى الأمر (فيها) أي في ليلة القدر أو في تلك الأمور، وهذا بيان لتفسير الأمور وتفصيل له واعلم ان الاستدلال بسورة القدر على وجود إمام (1) في كل عصر يتوقف على استمرار حكمها وهو مذهبنا ومذهب العامة أيضا. قال عياض: سميت ليلة القدر ليلة القدر لتقدير الله تعالى فيها ما يكون في تلك السنة من الأرزاق والآجال وغير ذلك، والمراد بهذا التقدير إظهاره تعالى لملائكته مما يكون من أفعاله بما سبق به علمه وقضاؤه في الأزل، ولخواص خلقه بنفسه أو بواسطة الملائكة وهو المراد بقوله * (تنزل الملائكة والروح) * الآية، وقيل: سميت بذلك لعظمة قدرها، وقال المازري: أجمع من يعتد به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر لتظافر الأحاديث وكثرة رؤية الصالحين لها، وقال عياض: وشذ قوم فقالوا: كانت خاصة بهم ورفعت، لحديث " أنه أعلمها حتى تلاحا الرجلان فرفعت " (2)، ومعنى هذا عندنا أنه رفع علم عينها كما قال في آخر " فأنسيتها " انتهى. وقال المازري: واحتجاجهم بالحديث غلط لأن في آخره ما يرد عليهم قال فيه البخاري: فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في السبع أو التسع، فلو أريد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها انتهى. وبالجملة ظاهر القرآن وصريح رواياتنا ورواياتهم وصريح أقوال علمائنا وعلمائهم في أن حكم ليلة القدر مستمر إلى آخر الدهر والمنكر له مكابر. قوله (علم الله تعالى الخاص المكنون العجيب المخزون) أضاف هذا العلم إلى الله تعالى مع


(1) قوله " الاستدلال بسورة القدر على وجود الإمام " ولا يخفى أن سورة القدر لا تدل على وجود الإمام (عليه السلام) وساحة المعصوم بريئة عن نسبة هذا الاستدلال إليه وإنما هو خاطر اختلج في ذهن الحسن ابن عباس بن الحريش واستحسنه ونسبه إلى المعصوم وزعم أنه ابتكر مسألة في العلم، فإن قيل: دلالة السورة على الإمامة تعبد نأخذه من الإمام المعصوم وقوله حجة في دلالة القرآن وفي التفسير والتأويل، قلنا: هذا مصادرة فإنا في مقام الاستدلال بالقرآن على الإمامة، فالإمامة متوقفة على دلالة السورة ولو كانت دلالة السورة متوقفة على الإمامة لزم الدور وإنما يناسب هذا الاستدلال العوام وحشوية أهل الحديث دون الإمام المعصوم (ش). (2) رواه البخاري في كتاب الصوم باب فضل ليلة القدر. (*)

[ 9 ]

أن العلوم كلها منه تعالى للتعظيم والتشريف ثم وصفه بأربعة أوصاف: أحدها الخاص، ولعل المراد به العلم المتعلق بمعلوم معلوم كما أن الوجود الخاص الوجود المتعلق بموجود موجود، أو العلم المختص به (عليه السلام) لا يشاركه أحد سواه. وثانيها: المكنون، والعلم المكنون هو العلم المستور عن أذهان الخلائق إلا من ارتضى من رسول الله ومن يقوم مقامه. وثالثها: العجيب، والعلم العجيب ما يتعجب منه لعظم موقعه وخفاء سببه ودقة وجهه. ورابعها: المخزون وهو المكتوب في اللوح المحفوظ لأنه خزانة العلوم أو الثابت في ذهن أهله لا يطرأ عليه السهو والنسيان، فإن قلت: جميع العلوم في القرآن واللوح المحفوظ وقد ثبت أنهم علموا جميع ما فيهما فما معنى ذلك ؟ قلت: العلم بأن الشئ وجد مغاير للعلم بأنه سيوجد، والأول هو المراد هنا والحاصل لهم هو الثاني. قوله (مثل ما ينزل في تلك الليلة) دل على أنه يحدث لهم في كل يوم وليلة مثل ما يحدث لهم في ليلة القدر. فإن قلت: أي فضل في ليلة القدر بالنسبة إلى غيرها حينئذ ؟ قلت: لعل الفضل بنزول الملائكة والروح فيها لقصد زيارتهم وتبليغ بشارتهم. قوله (ثم قرأ) استشهاد لما سبق من كثرة علومه الفائضة على قلوبهم المطهرة في كل يوم وليلة إلى انقراض الدهر ورفع لاستبعاد ذلك. وقوله " من شجرة " بيان لما وتنكيرها للتكثير، وقوله " أقلام " خبر أن وقوله " والبحر " بالرفع عطف على محل اسم " أن " أو الواو للحال والمراد به البحر المحيط من شعبه وخبره محذوف أي: ولو أن البحر مداد يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله. والمقصود أن هذا البحر مع بحار متكثرة منضمة إليه لو صارت مدادا وصارت الأشجار كلها أقلاما لا تفي بكتب كلمات الله وآياته وعلومه إن الله عزيز غالب قاهر على جميع ما سواه فلا يعجز عن شئ، حكيم يفعل ما يشاء على وفق الحكمة فلا يسئل عما يفعل ومن جملته إفاضته العلوم الغير المحصورة على الوجه المذكور إلى ولي الأمر. * الأصل: 4 - وبهذا الإسناد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي بن الحسين صلوات الله عليه يقول: * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) * صدق الله عزوجل: أنزل الله القرآن في ليلة القدر. * (وما أدراك ما ليلة القدر) * قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا أدري، قال الله عزوجل: * (ليلة القدر خير من ألف شهر) * ليس فيها ليلة القدر، قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): وهل تدري لم هي خير من ألف شهر ؟ قال: لا، قال: لأنها * (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) * وإذا أذن الله عزوجل بشئ فقد رضيه * (سلام هي


[ 10 ]

حتى مطلع الفجر) * يقول: تسلم عليك يا محمد ملائكتي وروحي بسلامي من أول ما يهبطون إلى مطلع الفجر، ثم قال في بعض كتابه: * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * في إنا أنزلناه في ليلة القدر، وقال في بعض كتابه: * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) * يقول في الآية الاولى: إن محمدا حين يموت، يقول أهل الخلاف لأمر الله عزوجل: مضت ليلة القدر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهذه فتنة أصابتهم خاصة وبها ارتدوا على أعقابهم لأنهم إن قالوا: لم تذهب فلابد أن يكون لله عزوجل فيها أمر وإذا أقروا بالأمر لم يكن له من صاحب بد. * الشرح: قوله (صدق الله أنزل القرآن في ليلة القدر) قال الصدوق: اعتقادنا أن القرآن نزل في شهر رمضان في ليلة القدر جملة واحدة إلى البيت المعمور ثم فرق في مدة أربعة وعشرين سنة. قوله (ليس فيها ليلة القدر) فسر بذلك لئلا يلزم تفضيل الشئ على نفسه. قوله (والروح) ذكر الروح بعد الملائكة من باب ذكر الخاص بعد العام للاهتمام. قوله (وإذا أذن الله) لعل المراد بالإذن هنا الأمر الحتمي فلا يرد أنه لا يقع شئ ما إلا بإذنه كما مر، والله سبحانه لا يرضى ببعض الأشياء، ثم فيه دفع لتوهم المنكر أن نزولهم بإذنه تعالى إلى أحد في أمر لا يوجب رضاه تعالى بالنزول ولا بالمنزل إليه ولا بذلك الأمر فلا يتم المطلوب. قوله (واتقوا فتنة) الفتنة الاختبار بالذنب ونحوه، ثم كثر استعماله فيما أخرجه الاختبار من الذنب والبدعة والقتال والإحراق وخلاف الحق، والفاتن هو المضل عن الحق والمراد بها هنا البدعة المخصوصة وهي إنكار ليلة القدر بعده (صلى الله عليه وآله) وإنكاره خلافة علي (عليه السلام) أو هو داخل فيها، ويؤيده ما رواه الشيخ الطبرسي عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية * (واتقوا فتنة) * قال النبي (صلى الله عليه وآله) " من ظلم عليا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الأنبياء قبلي ". قوله (في إنا أنزلناه) ظرف للظلم المستفاد من (ظلموا). قوله * (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * إنكار لارتدادهم ورجوعهم عن الدين على أعقابهم بموته أو قتله بعد علمهم بموت من قبله من الأنبياء وبقاء دينهم وما جاءوا به. قوله (يقول في الآية الاولى - إلى قوله - خاصة) هذا التفسير واضح على قراءة (لتصيبن) جوابا لقسم محذوف، وكذا على قراءة (ولا تصيبن) إذا كان نهيا بعد الأمر باتقاء الذنب عن الظلم الذي وباله يصيب الظالم خاصة، وأما إذا كان نفيا صفة لفتنة، أو جوابا لأمر مذكور أي إن أصابتكم لا


[ 11 ]

تصيبن الظالمين منكم خاصة، فغير واضح إلا أن يقال: يستفاد من الآية أن الفتنة على قسمين: أحدهما وهو مذكور فيها صريحا يعم الظالم وغيره، والآخر يختص بالظالم، وما ذكره (عليه السلام) تفسير للقسم الثاني. قوله (يقول أهل الخلاف لأمر الله) لأمر الله متعلق بالخلاف وصلة له، ولعل المراد بأهل الخلاف بعضهم، فإنك قد عرفت آنفا أن أكثر أهل الخلاف يقولون ببقاء حكم ليلة القدر بعده (صلى الله عليه وآله) وإن خالفنا في المنزل إليه، ويحتمل أن يراد جميعهم لأن جميعهم يقولون بزوال حكمها إذ حكمها وهو النزول إلى ولي الله وهم لا يقولون به. قوله (لأنهم إن قالوا) دليل على قوله: يقول أهل الخلاف مضت ليلة القدر، توضيحه: إن القول بعدم ذهابها يستلزم القول بأن لله تعالى فيها أمرا وهذا القول يستلزم الإقرار بأن لذلك الأمر صاحبا تنزل الملائكة إليه، وإنكار اللوازم يستلزم إنكار الملزوم، فلزمهم القول بذهابها سواء قالوا ذلك صريحا كبعضهم أو لم يقولوا كأكثرهم فليتأمل. * الأصل: 5 - وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) كثيرا ما يقول: [ ما ] اجتمع التيمي والعدوي عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقرأ " إنا أنزلناه " بتخشع وبكاء فيقولان: ما أشد رقتك لهذه السورة فيقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما رأت عيني ووعى قلبي ولما يرى قلب هذا من بعدي، فيقولان: وما الذي رأيت وما الذي يرى ؟ قال: فيكتب لهما في التراب * (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) * قال: ثم يقول: هل بقي شئ بعد قوله عزوجل * (كل أمر) * فيقولان: لا، فيقول: هل تعلمان من المنزل إليه بذلك ؟ فيقولان: أنت يارسول الله، فيقول: نعم، فيقول: هل تكون ليلة القدر من بعدي ؟ فيقولان: نعم، قال: فيقول: فهل ينزل ذلك الأمر فيها ؟ فيقولان: نعم، قال: فيقول: إلى من ؟ فيقولان: لا ندري، فيأخذ برأسي ويقول: إن لم تدريا فادريا، هو هذا من بعدي، قال: فإن كانا ليعرفان تلك الليلة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من شدة ما يداخلهما من الرعب. * الشرح: قوله (كثيرا ما يقول) أي يقول قولا كثيرا أو حينا كثيرا، وما زائدة للمبالغة وفي بعض النسخ " يقول كثيرا ما ". قوله (اجتمع التيمي والعدوي) اريد بالتيمي أبو بكر نسب إلى جده الخامس تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، وفي مرة وهو الجد السادس للنبي (صلى الله عليه وآله) اجتمع معه، وبالعدوي عمر نسب إلى جده السابع عدي بن كعب بن لؤي، وفي كعب اجتمع مع النبي (صلى الله عليه وآله). قوله (ما أشد رقتك) رقتك صيغة


[ 12 ]

التعجب مثل ما أحسن زيدا. قوله (لما رأت عيني ووعى قلبي ولما يرى قلب هذا من بعدي) أشار بهذا إلى علي (عليه السلام) ولم ينسب الرؤية العينية إليه لأنه محدث والمحدث لا يرى بالعين بخلاف النبي. قوله (فيكتب لهما في التراب) دل على أنه (صلى الله عليه وآله) كان يكتب، وهذا من إعجازه لأنه لم يتعلم الكتاب وقد علمها. قوله (هل بقي شئ) يريد هل بقي احتمال أن يكون نزول الملائكة لا إلى أحد من الناس بعد قوله تعالى * (من كل أمر) * لأن نزولهم بالأمر لا يكون إلا إلى مأمور منزل إليه، والمقصود من هذا الاستفهام تقريرهما على نفي هذا الاحتمال، فلذا أمر أو قالا: لا. قوله (بذلك) أي بذلك الأمر. قوله (فإن كانا) إن مخففة من المكسورة المشددة وهي إذا خففت يلزمها اللام للفرق بينها وبين النافية، ويجوز إبطال عملها وإدخالها على كان ونحوه كما في قوله تبارك وتعالى * (وإن كانت لكبيرة) *. قوله (من شدة ما يداخلهما من الرعب) علة لمعرفتهما تلك الليلة، يعني أنه كان يدخل عليهما في ليلة القدر بعد النبي (صلى الله عليه وآله) من الرعب والخوف ما لا يعرف قدره إلا الله، إما لتذكرهما قول النبي (صلى الله عليه وآله) أو من قبل الله تعالى لإكمال الحجة عليهم فيعرفان بذلك أنها ليلة القدر، ولكن حب الجاه والرئاسة منعهما من الرجوع إلى الحق. * الأصل: 6 - وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يا معشر الشيعة ! خاصموا بسورة إنا أنزلناه تفلحوا، فوالله إنها لحجة الله تبارك وتعالى على الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). وإنها لسيدة دينكم، وإنها لغاية علمنا، يا معشر الشيعة خاصموا ب‍ * (حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين) * فإنها لولاة الأمر خاصة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). يا معشر الشيعة ! يقول الله تبارك وتعالى * (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) * قيل: يا أبا جعفر نذيرها محمد (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: صدقت، فهل كان نذير وهو حي من البعثة في أقطار الأرض ؟ فقال السائل: لا، قال أبو جعفر (عليه السلام): أرأيت بعيثه أليس نذيره كما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعثته من الله عزوجل نذير ؟ فقال: بلى، قال: فكذلك لم يمت محمد إلا وله بعيث نذير، قال: فإن قلت: لا، فقد ضيع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من في أصلاب الرجال من أمته قال: وما يكفيهم القرآن ؟ قال: بلى إن وجدوا له مفسرا، قال: وما فسره رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: بلى قد فسره لرجل واحد وفسر للأمة شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام).


[ 13 ]

قال السائل: يا أبا جعفر كان هذا أمر خاص لا يحتمله العامة، قال: أبى الله أن يعبد إلا سرا حتى يأتي إبان أجله الذي يظهر فيه دينه كما أنه كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع خديجة مستترا حتى أمر بالإعلان، قال السائل: ينبغي لصاحب هذا الدين أن يكتم ؟ قال: أو ما كتم علي ابن أبي طالب (عليه السلام) يوم أسلم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى ظهر أمره ؟ قال: بلى، قال: فكذلك أمرنا حتى يبلغ الكتاب أجله. * الشرح: قوله (خاصموا بسورة إنا أنزلناه تفلحوا) أي تظفروا وتغلبوا عليهم لإخبارها بنزول الملائكة والروح فيها من كل أمر إلى ولي مؤيد من عند الله تعالى، ولا يمكنهم التخلص إلا بأن يقولوا: ذهبت الليلة بذهابه (صلى الله عليه وآله) أو يقولوا: ذهب النزول بذهابه، أو يقولوا: ثبت النزول إلى سلطان الجور، أو يقولوا: ثبت النزول لا إلى أحد، والكل باطل، أما الأولان فلدلالة رواياتهم أيضا على بقائها وبقاء النزول فيها إلى يوم القيامة، ولإجماعهم على بقائهما كما مر، وأما الثالث فلأن نزول الملائكة إلى الجائر بما يحتاج إليه الناس من الأوامر والنواهي باطل بالضرورة، ولم يدع ذلك أحد من الجائرين، وأما الرابع فلأن نزولهم بالأوامر والنواهي لا إلى أحد من الخلق مما لا يتصور قطعا. قوله (إنها لحجة الله على الخلق بعد رسول الله) حيث دلت على أن الزمان بعده لا يخلو من حجة، ويحتمل أن يراد أن رسول الله حجة الله على الخلق أولا لبيانه من يقوم مقامه بعده ثم هذه السورة حجة الله عليهم بعده لما مر. قوله (وإنها لسيدة دينكم) لدلالتها على أعظم أمور الدين وهي الخلافة التي تبتنى عليها سائر أموره. قوله (وإنها لغاية علمنا) لدلالتها على حصول علوم غير محصورة لهم في تلك الليلة بإخبار الملائكة، أو لأن هذه العلوم من توابع العلوم التي كانت حاصلة لهم وغاياتها، فانهم (عليهم السلام) علموا جميع ما في اللوح المحفوظ من النقوش حتمية كانت أو غير حتمية، ويجيئهم حتم غير المحتوم في تلك الليلة، والله أعلم. قوله (فإنها لولاة الأمر خاصة) لا للغواة كما ظنه بعض النواصب، وفساد ظنه أظهر من أن يحتاج إلى البيان. قوله (ويقول الله تعالى وإن من امة إلا خلا فيها نذير) أي مضى فيها والأمة الجماعة الموجودون في عصر، وفيه دلالة على أن عصرا من الأعصار لم يخل من نذير فالحكمة الإلهية


[ 14 ]

تقتضي أن يكون في كل أمة وفي كل عصر إلى يوم القيامة نذير. قوله (قيل يا أبا جعفر نذيرها محمد) أي نذير هذه الأمة محمد (صلى الله عليه وآله) ولا يكون بعده نذير آخر فلا يتم المطلوب. قوله (أرأيت بعيثه) أي أخبرني والغرض منه تقرير السائل بالمنفي وقد أقر به. قوله (قال فإن قلت لا) أي قلت: مات محمد (صلى الله عليه وآله) ولم يكن له بعيث لزمك القول بأنه ضيع من في أصلاب الرجال من أمته، والقول بذلك باطل لأنه كفر وموجب لبطلان البعثة ونسبة ما لا يليق به (صلى الله عليه وآله) إليه. قوله (قال بلى) أي بلى يكفيهم القرآن إن وجدوا له مفسرا يعلم ظاهر القرآن وباطنه ويعلم جميع ما أنزل الله تعالى فيه. قوله (إبان أجله) إبان الشئ بالكسر والتشديد: وقته. * الأصل: 7 - وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لقد خلق الله جل ذكره ليلة القدر أول ما خلق الدنيا، ولقد خلق فيها أول نبي يكون وأول وصي يكون، ولقد قضى أن يكون في كل سنة ليلة يهبط فيها بتفسير الأمور إلى مثلها من السنة المقبلة، من جحد ذلك فقد رد على الله عزوجل علمه لأنه لا يقوم الأنبياء والرسل والمحدثون إلا أن تكون عليهم حجة بما يأتيهم في تلك الليلة مع الحجة التي يأتيهم بها جبرئيل (عليه السلام) قلت: والمحدثون أيضا يأتيهم جبرئيل أو غيره من الملائكة (عليهم السلام) قال: أما الأنبياء والرسل صلى الله عليهم فلا شك ولابد لمن سواهم - من أول يوم خلقت فيه الأرض إلى آخر فناء الدنيا - أن تكون على أهل الأرض حجة ينزل ذلك في تلك الليلة إلى من أحب من عباده، وأيم الله لقد نزل الروح والملائكة بالأمر في ليلة القدر على آدم، وأيم الله ما مات آدم إلا وله وصي، وكل من بعد آدم من الأنبياء قد أتاه الأمر فيها ووضع لوصيه من بعده، وأيم الله إن كان النبي ليؤمر فيما يأتيه من الأمر في تلك الليلة من آدم إلى محمد (صلى الله عليه وآله) أن أوص إلى فلان، ولقد قال الله عز وجل في كتابه لولاة الأمر من بعد محمد (صلى الله عليه وآله) خاصة: * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) * إلى قوله - فأولئك هم الفاسقون " يقول: أستخلفكم لعلمي وديني وعبادتي بعد نبيكم كما استخلف وصاة آدم من بعده حتى يبعث النبي الذي يليه * (يعبدونني لا يشركون بي شيئا) * يقول: يعبدونني بإيمان لا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله) فمن قال غير ذلك * (فأولئك هم الفاسقون) * فقد مكن ولاة الأمر بعد محمد بالعلم


[ 15 ]

ونحن هم، فاسألونا فإن صدقناكم فأقروا وما أنتم بفاعلين، أما علمنا فظاهر، وأما إبان أجلنا الذي يظهر فيه الدين منا حتى لا يكون بين الناس اختلاف، فإن له أجلا من ممر الليالي والأيام، إذا أتى ظهر وكان الأمر واحدا، وأيم الله لقد قضى الأمر أن لا يكون بين المؤمنين اختلاف ولذلك جعلهم شهداء على الناس ليشهد محمد (صلى الله عليه وآله) علينا ولنشهد على شيعتنا ولتشهد شيعتنا على الناس، أبى الله عزوجل أن يكون في حكمه اختلاف أو بين أهل علمه تناقض، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): فضل إيمان المؤمن بحمله إنا أنزلناه وبتفسيرها على من ليس مثله في الإيمان بها كفضل الإنسان على البهائم، وإن الله عزوجل ليدفع بالمؤمنين بها عن الجاحدين لها في الدنيا - لكمال عذاب الآخرة لمن علم أنه لا يتوب منهم - ما يدفع بالمجاهدين عن القاعدين، ولا أعلم أن في هذا الزمان جهادا إلا الحج والعمرة والجوار. * الشرح: قوله (لقد خلق الله تعالى ليلة القدر أول ما خلق الدنيا) يريد أن الزمان من أوله إلى آخره لا يخلو من ليلة القدر، أو يريد أنها أول ليلة عند خلق الدنيا وهكذا جرى قضاء الله تعالى ليجئ فيها تفسير الأمور إلى من هو أهله، وعلى التقديرين لا دلالة فيه على أن الليل مقدم على النهار فلا ينافي قوله تعالى * (ولا الليل سابق النهار) *. قوله (خلق فيها أول نبي) يريد خلق فيها أول نبي في سلسلة الأنبياء وأول وصي في سلسلة الأوصياء وإنما قيد بالأول لأنه لم يخلق كل نبي وكل وصي فيها كما يظهر لمن نظر في تواريخ مواليدهم. [ ويحتمل أن يراد بالخلق التقدير، فيعم ]. قوله (يهبط فيها بتفسير الأمور) قد تحقق أن أئمتنا (عليهم السلام) كانوا عالمين بجميع الأمور إلا أن بعضها لما كان محتوما مبرما وبعضها غير محتوم كان المراد بتفسيرها تفسير غير المحتوم فيحصل لهم العلم في تلك الليلة بأنه صار محتوما فيؤمرون بفعل هذا وترك ذاك إلى ما شاء الله تعالى، وفي لفظ التفسير إيماء إلى ذلك، ويحتمل أن يراد به الإعلام بأنها وجدت في الأعيان وهذا غير الإعلام بأنها ستوجد، وما كان متحققا لهم هو الثاني دون الأول. قوله (فقد رد على الله علمه) أي علم الله الذي أهبطه على أوليائه أو علمه بأنه أهبطه. قوله (لأنه لا يقوم الأنبياء والرسل والمحدثون) تعليل للرد المذكور، يعني لا يقوم هؤلاء العظام بأمر الخلق وإرشادهم إلا أن تكون لله تعالى حجة وبرهان عليهم وهي ما يأتيهم الملائكة من العلوم المتكثرة في ليلة القدر، وما يأتيهم جبرئيل (عليه السلام) في غيرها من سائر الأوقات، ومن أنكر ذلك


[ 16 ]

فقد رد على الله علمه الذي أنزله إليهم، والراد على الله كافر فكيف يستحق الخلافة. قوله (قلت والمحدثون أيضا يأتيهم جبرئيل (عليه السلام) أو غيره) السؤال إنما هو عن إتيان جبرئيل (عليه السلام) لا عن إتيان غيره من الملائكة لأن إتيان غيره كان معلوما للسائل بقرينة قوله " والمحدثون " ويحتمل أن يكون إتيان الملك معلوما له فسأل: هل هو جبرئيل (عليه السلام) أو غيره. قوله (من أول يوم خلقت فيه الأرض) المراد أول يوم خلقت عند وجود الأرض كما يشعر به قوله على أهل الأرض، وفيه دلالة على أن اليوم مقدم على الليل، ويؤيده أن العالم عند خلقه لابد أن يكون على أشرف الأوضاع، والطلوع أشرف من الغروب. قوله (حجة ينزل ذلك) المراد بالحجة العلم الذي ينزل أو الملك الذي ينزل به ذلك الملك في ليلة القدر وإنما لم يبين الملك النازل هل هو جبرئيل أو غيره للدلالة على التعميم. قوله (إلى من أحب من عباده) دل على أن المنزل إليه لابد أن يكون من محبوبيه فلا يكون فاسقا لأن الفاسق مبغوض. قوله (إن كان النبي ليؤمر) " إن " مخففة كما مر، وفيه تنبيه على أن سنة الله جرت في كل نبي من آدم إلى محمد (صلى الله عليه وآله) أن لا يمضي إلا بعد نص وصي بأمر الله تعالى فكيف تتخلف هذه السنة في محمد (صلى الله عليه وآله) ! ثم أشار بقوله " ولقد قال الله تعالى إلى آخره " مؤكدا بالقسم إلى أن الله تعالى نص بأوصياء نبينا مخاطبا لهم للإكرام والتشريف. قوله (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) المراد بالإيمان التصديق الكامل المنزه عن شوائب الوهم والخيال وهو الذي يرى المعقول شاهدا والغائب حاضرا وبالصالحات الأعمال الصالحة كلها صغيرها وكبيرها وحقيرها وجليلها. وفي العطف إيماء إلى أن الأعمال خارجة عن حقيقة الإيمان. قوله (يقول استخلفكم) أي يقول الله تعالى مخاطبا للأوصياء (عليهم السلام) * (كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) *. قوله (أما علمنا فظاهر) يعني أما علمنا فظاهر لم يدخل النقص فيه بغلبة الأعداء، وأما وقت ظهورنا وغلبتنا عليهم حتى يظهر الدين ويرتفع الاختلاف بين الناس فله أجل معين عند الله تعالى إذا جاء أجله صار الدين واحدا ورجع الناس من الاختلاف إلى الاتحاد وهو زمان ظهور مهدي هذه الامة. قوله (ولذلك جعلهم شهداء على الناس) أي ولقضائه تعالى بأن لا يكون بين المؤمنين


[ 17 ]

اختلاف في الذين جعلهم الله تعالى شهداء على الناس، لأن بناء الشهادة على التوافق في المشهود به، ولذلك ترد الشهادة لو اختلف الشهود فيه، فدلت الآية على أنه لا اختلاف في علم الله ولا في دينه ولا في حكمه. قوله (فضل إيمان المؤمن) هذا يحتمل وجهين: أحدهما أن فضل إيمان المؤمن العالم بها وبتفسيرها على إيمان المؤمن الغير العالم كفضل الإنسان على البهائم، وربما يؤيده لفظ الحمل، ففيه ترغيب في تحصيل العلم، وثانيهما وهو الأظهر أن فضل المؤمن بها وبتفسيرها على غير المؤمن بها من أهل الخلاف كالفضل المذكور، ويرجحه قوله " وإن الله تعالى ليدفع بالمؤمنين بها إلى آخره ". قوله (وإن الله تعالى ليدفع) يعني إن الله تعالى ليدفع بالمؤمنين بها عن الجاحدين لها عذاب الدنيا، ولولا المؤمنون بها لعذبهم في الدنيا وأهلكهم كافة وذلك الدفع ليعذبهم في الآخرة عذابا أليما بسبب جحدهم وإنكارهم إياها، وذلك الدفع أو كمال عذاب الآخرة لمن علم الله تعالى أنه لا يتوب عن إنكاره ولا يرجع عنه إلى الايمان بها، وهذا الدفع مثل ما يدفع الله تعالى بالمجاهدين في سبيله عن القاعدين هلاكهم بسيوف المشركين أو بعقوبته. قوله (ولا أعلم في هذا الزمان جهادا إلا الحج والعمرة والجوار) الجوار بالكسر الذمة والأمان فيكون بها جارك، وأيضا المجاورة، ومنه الجار الذي يجاورك، والمضاف محذوف على الأخير لو أريد أحسن الجوار، وفيه دلالة على أن وجوب الجهاد مشروط بوجود الإمام وتمكنه. * الأصل: 8 - قال: وقال رجل لأبي جعفر (عليه السلام): يا ابن رسول الله لا تغضب علي قال: لماذا ؟ قال: لما أريد أن أسألك عنه، قال: قل، قال: ولا تغضب ؟ قال: ولا أغضب، قال: أرأيت قولك في ليلة القدر وتنزل الملائكة والروح فيها إلى الأوصياء يأتونهم بأمر لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد علمه أو يأتونهم بأمر كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعلمه ؟ وقد علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مات وليس من علمه شئ إلا وعلي (عليه السلام) له واع، قال أبو جعفر (عليه السلام): ما لي ولك أيها الرجل، ومن أدخلك علي ؟ قال: أدخلني عليك القضاء لطلب الدين، قال: فافهم ما أقول لك: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما أسري به لم يهبط حتى أعلمه الله جل ذكره علم ما قد كان وما سيكون وكان كثير من علمه ذلك جملا يأتي تفسيرها في ليلة القدر، وكذلك كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد علم جمل العلم ويأتي تفسيره في ليالي القدر، كما كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال السائل: أو ما كان في الجمل تفسير ؟ قال: بلى ولكنه إنما يأتي بالأمر من الله تعالى في


[ 18 ]

ليالي القدر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وإلى الأوصياء إفعل كذا وكذا، لأمر قد كانوا علموه، امروا كيف يعملون فيه، قلت: فسر لي هذا، قال: لم يمت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا حافظا لجملة العلم وتفسيره، قلت: فالذي كان يأتيه في ليالي القدر علم ما هو ؟ قال: الأمر واليسر فيما كان قد علم، قال السائل: فما يحدث لهم في ليالي القدر علم سوى ما علموا ؟ قال: هذا مما أمروا بكتمانه ولا يعلم تفسير ما سألت عنه إلا الله عزوجل. قال السائل: فهل يعلم الأوصياء ما لا يعلم الأنبياء ؟ قال: لا وكيف يعلم وصي غير علم ما أوصي إليه ! قال السائل: فهل يسعنا أن نقول: إن أحدا من الوصاة يعلم ما لا يعلم الآخر ؟ قال: لا، لم يمت نبي إلا وعلمه في جوف وصيه وإنما تنزل الملائكة والروح في ليلة القدر بالحكم الذي يحكم به بين العباد. قال السائل: وما كانوا علموا ذلك الحكم ؟ قال: بلى قد علموه ولكنهم لا يستطيعون إمضاء شئ منه حتى يؤمروا في ليالي القدر كيف يصنعون إلى السنة المقبلة، قال السائل: يا أبا جعفر لا أستطيع إنكار هذا، قال أبو جعفر (عليه السلام): من أنكره فليس منا، قال السائل: يا أبا جعفر أرأيت النبي (صلى الله عليه وآله) هل كان يأتيه في ليالي القدر شئ لم يكن علمه ؟ قال: لا يحل لك أن تسأل عن هذا، أما علم ما كان وما سيكون فليس يموت نبي ولا وصي إلا والوصي الذي بعده يعلمه، أما هذا العلم الذي تسأل عنه فإن الله عزوجل أبى أن يطلع الأوصياء عليه إلا أنفسهم، قال السائل: يا ابن رسول الله كيف أعرف أن ليلة القدر تكون في كل سنة ؟ قال: إذا أتى شهر رمضان فاقرأ سورة الدخان في كل ليلة مائة مرة فإذا أتت ليلة ثلاث وعشرين فإنك ناظر إلى تصديق الذي سألت عنه. * الشرح: قوله: (أرأيت قولك في ليلة القدر) كان الرجل في مقام معارضة ودفع نزول الملائكة إلى علي بأنه (عليه السلام) كان عالما بجميع علم النبي (صلى الله عليه وآله) فإن نزل إليه الملائكة فإما ان تنزل إليه بعلم لم يعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو بعلم يعلمه وكلاهما باطل، لأن الأول يوجب أن يكون علي (عليه السلام) أعلم منه. والثاني يوجب تحصيل الحاصل، ولذلك غضب (عليه السلام) عليه وقال: ما لي ولك ومن أدخلك علي ؟ ثم لما اعتذر السائل بقوله: أدخلني عليك القضاء لطلب الدين وراعى الأدب، أجابه (عليه السلام) وكشف الغطاء بما لا مزيد عليه بقوله: فافهم إلى آخره. قوله (وكان كثير من علمه ذلك جملا يأتي تفسيرها في ليلة القدر) لما كان هذا الكلام مجملا لاحتمال أنه يأتي نفس تفسيرها وتفصيلها في ليلة القدر واحتمال أنه يأتي الأمر بتفاصيلها، حمله السائل على الأول واستفهم على سبيل التقرير بقوله " أو ما كان في الجمل تفسير " يريد أن فيها


[ 19 ]

تفسيرها والنفوس القدسية إذا علمت الجملة فقد علمت تفسيرها أيضا إما بنفس معرفة الجمل أو بأدنى التفات وذلك كما إذا نظرت إلى زيد فقد أبصرت كله إجمالا وأبصرت أجزاءه وتفاصيله جميعا عند إبصار واحد بل إبصار الكل والأجزاء إبصار واحد وإنما يتفاوت بالاعتبار، فأقر به (عليه السلام) بقوله بلى وصدقه، وأشار بقوله " ولكنه إنما يأتي بالأمر إلى آخره " إلى أن المراد به هو الاحتمال الثاني وتوضيحه أن كثيرا من علمه ذلك كان مجملا لا يعلم هل يأمر بامضائه وفعله وتركه أو لا يأمر وهل يثبته أو يمحوه كما في العلم الذي يجري فيه البداء، وإنما يأتي الأمر بتفاصيل هذه الأمور في ليلة القدر، وإنما قال (كان كثير من علمه ذلك جملا) لأن كثيرا من علمه ذلك أيضا كان مثبتا لا يجري فيه البداء وكان الأمر به معلوما لا يحتمل غيره. قوله (قلت فسر لي هذا) أي بين لي بأمثلة جزئية هذا الذي قلت من أن الذي يأتيه في ليالي القدر هو الأمر بما علموا، فأجابه (عليه السلام) بأنه (لم يمت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا حافظا لجملة العلم تلقيا له بغير ما يترقبه للتنبيه على أن الأهم له هو العلم بهذا لا بما ذكر وعلى أن ولي الأمر غير مأذون بإظهاره لمصلحة لا يعلمها إلا هو كما سيصرح به، ثم رجع السائل فسأله بقوله " فالذي كان يأتيه في ليالي القدر علم ما هو " للمبالغة في استعلام ما يأتيه فيها فأجابه (عليه السلام) بنحو ما أجابه سابقا من أن الذي يأتيه هو الأمر واليسر، والمراد باليسر هو التخفيف بالمحو ونحوه، ثم عاد السائل وقال (فما يحدث لهم في ليالي القدر علم سوى ما علموا) إشعارا بأن هذا محال لأنه تحصيل الحاصل ومبالغة في استعلام يحدث لهم فيها من الأوامر المخصوصة فأجابه (عليه السلام) صريحا بأن هذا أي ما يحدث لهم من الأوامر مما أمروا بكتمانه وإظهار خصوصياته ولا يعلم تفسير ما سألت عنه من الأوامر المخصوصة والخصوصيات التي تنزل فيها إلا الله تعالى. والحصر إضافي بالنسبة إلى غير الولاة، لأن عقول غيرهم لا تتحمل ما تنزل فيها، ويحتمل أن يراد أنه لا يعلم ما يصير محتوما في ليلة القدر قبل أن يصير محتوما إلا الله تعالى فيكون الحصر حقيقيا، ولكن الأول أنسب بسياق الكلام فتأمل والله أعلم بحقيقة الحال. قوله (قال السائل فهل يعلم الأوصياء) لما كان القول بأنه ينزل في ليلة القدر أمور السنة إلى ولادة الأمر يشعر ظاهرا بأن الوصي أعلم من النبي والوصي الآخر أعلم من الوصي الأول لأن الملائكة تنزل على الآخر بما لم تنزل به على الأول من الأمور المتعلقة بكل سنة سنة سأل السائل عن هذا التفاضل هل هو ثابت أم لا ؟ فأجاب (عليه السلام): بأنه لا وأن الملائكة تنزل بالحكم الذي يحكم به ولاة الأمر بين العباد، فعاد السائل وقال: أوما كانوا يعني ولاة الأمر علموا ذلك الحكم ؟ قال (عليه السلام): بلى قد علموه ولكن لا يقدرون على إمضاء شئ منه بدون الأمر به في ليلة القدر، والحاصل أنهم


[ 20 ]

علموا المحتوم وغير المحتوم جميعا ولكن لا يجوز لهم العمل في غير المحتوم إلا بعد العلم الحاصل لهم في ليلة القدر بأنه صار محتوما وبعد الإذن لهم في العمل، نظير ذلك أن الوزير إذا نظر إلى البلد العظيم ورأى ما فيه من البيوتات المعمورة والمكسورة والمهدومة والأراضي الخالية القابلة للعمارة والبناء والزرع وغير ذلك من الخصوصيات التي لا تحصى فإنه لا يقدر على إمضاء شئ من ذلك بمقتضى علمه إلا بعد أمر الأمير وإذنه له في العمل. فإن قلت: العلم بأنه صار محتوما علم حاصل له في ليلة القدر ولم يكن حاصلا لمن قبله من الأولياء فيلزم أن يكون هو أعلم ممن قبله فيعود أصل السؤال. قلت: يحصل له العلم بذلك بعد حصول العلم به لمن قبله، ويؤيده ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ليس يخرج شئ من عند الله تعالى حتى يبدأ برسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم بأمير المؤمنين (عليه السلام) ثم بواحد بعد واحد لئلا يكون آخرنا أعلم من أولنا " والحديث مذكور في الباب الثاني من هذا الباب إن قلت: فعلى هذا يجوز أن يحصل له العلم بما سيكون ولا يلزم أن يكون أعلم ممن قبله ؟ قلت: نعم ولكنه خلاف الأمر المحقق الثابت وهو أنهم لم يموتوا حتى علموا ما كان وما سيكون وما هو كائن إلى يوم القيامة. قوله (قال السائل يا أبا جعفر أرأيت) لما كان السائل مشغوفا حريصا بمعرفة خصوصيات ما ينزل عليهم في ليلة القدر وكيفية البداء سأل عنها مرارا مرة بعد أخرى فأجاب (عليه السلام) بأنه لا يحل لك أن تسأل عن خصوص ما ينزل في ليلة القدر لحكمة مقتضية لإخفائه وعدم اطلاع غير الأوصياء عليه وعدم اقتدار عقول الناقصين على تحمله ولذلك لم يجبه (عليه السلام) بمثال مخصوص مع الحاجة في السؤال عنه. قوله (أما هذا العلم الذي تسأل عنه) وهو العلم بخصوصيات ما ينزل في ليلة القدر من الأمر والإذن والحتم فيما لم يكن محتوما. قوله (فإذا أتت ليلة ثلاث وعشرين) هذا صريح في أنها ليلة القدر وللاخريين أيضا قدر عظيم ظهر ذلك لبعض أهل العرفان. * الأصل: 9 - وقال: قال أبو جعفر (عليه السلام): لما ترون من بعثه الله عزوجل للشقاء على أهل الضلالة من أجناد الشياطين وأزواجهم أكثر مما ترون خليفة الله الذي بعثه للعدل والصواب من الملائكة، قيل: يا أبا جعفر وكيف يكون شئ أكثر من الملائكة ؟ قال: كما شاء الله عز وجل، قال السائل: يا أبا جعفر إني لو حدثت بعض الشيعة بهذا الحديث لأنكروه ! قال: كيف ينكرونه ؟ قال: يقولون: إن


[ 21 ]

الملائكة (عليهم السلام) أكثر من الشياطين، قال: صدقت افهم عني ما أقول: إنه ليس من يوم ولا ليلة إلا وجميع الجن والشياطين تزور أئمة الضلالة ويزور إمام الهدى عددهم من الملائكة حتى إذا أتت ليلة القدر فيهبط فيها من الملائكة إلى ولي الأمر، خلق الله - أو قال قيض الله - عز وجل من الشياطين بعددهم ثم زاروا ولي الضلالة فأتوه بالإفك والكذب حتى لعله يصبح فيقول: رأيت كذا وكذا فلو سأل ولي الأمر عن ذلك لقال: رأيت شيطانا أخبرك بكذا وكذا حتى يفسر له تفسيرا ويعلمه الضلالة التي هو عليها، وأيم الله إن من صدق بليلة القدر ليعلم أنها لنا خاصة لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) حين دنا موته: " هذا وليكم من بعدي فإن أطعتموه رشدتم " ولكن من لا يؤمن بما في ليلة القدر منكر ومن آمن بليلة القدر ممن على غير رأينا فإنه لا يسعه في الصدق إلا أن يقول: إنها لنا ومن لم يقل فإنه كاذب، إن الله عزوجل أعظم من أن ينزل الأمر مع الروح والملائكة إلى كافر فاسق، فإن قال: إنه ينزل إلى الخليفة الذي هو عليها فليس قولهم ذلك بشئ، وإن قالوا: إنه ليس ينزل إلى أحد، فلا يكون أن ينزل شئ إلى غير شئ، وإن قالوا - وسيقولون -: ليس هذا بشئ، فقد ضلوا ضلالا بعيدا. * الشرح: قوله (لما ترون) المراد بالرؤية الرؤية القلبية بقرينة تعديته إلى مفعولين وعدم تحقق الرؤية العينية. والمراد ببعث الله الأقدار والتسليط وعدم المنع. قوله (أكثر مما ترون خليفة الله) أي أكثر مما ترون مع خليفة الله من الملائكة، أو أكثر مما ترون من بعثه الله تعالى للهدى إلى خليفة الله من الملائكة. قوله (وكيف يكون شئ أكثر من الملائكة) بناء هذا السؤال والذي يأتي بعده على نزول جميع الملائكة إلى خليفة الله تعالى إلا أن هذا السؤال لما تعلق بأكثرية شئ مطلقا أجاب عنه (عليه السلام) بقوله: كما شاء الله، تنبيها على تحققها لظهور أن الأشياء أكثر من الملائكة بخلاف السؤال الآتي فإنه لما كان صريحا في أن الملائكة أكثر من الشياطين - وهذا عكس ما أفاده (عليه السلام) أولا بحسب الظاهر من أن الشياطين الواردين على أهل الضلالة وأئمة الجور أكثر من الملائكة النازلين على خليفة الله تعالى - أجاب عنه (عليه السلام) توضيحا لمقصوده بقوله: إفهم عني ما أقول إلى آخره وحاصله على ما صرح به الفاضل الأمين الاسترآبادي أن زيارة أجناد الشياطين لأئمة الضلالة أكثر من زيارة الملائكة لخليفة الله تعالى وذلك لأن زيارة الملائكة إنما تكون في ليلة القدر وزيارة الشياطين تكون في ليلة القدر وغيرها من الليالي والأيام وأنت خبير بأن الحصر الذي ادعاه في زيارة الملائكة غير مناسب بسياق الكلام ومناف لما دل من نزول الملائكة إليهم في غير ليلة القدر أيضا، فالأولى أن يقال:


[ 22 ]

المقصود أن عدد الزائرين لأئمة الضلالة أكثر من عدد الزائرين لإمام الهدى لأن النازل إليه بعض الملائكة لا جميعها كما ستعرفه. قوله (ويزور إمام الهدى عددهم من الملائكة) أي يزور إمام الهدى في كل يوم وليلة عدد أئمة الضلالة من الملائكة وإرجاع ضمير الجمع إلى الجن والشياطين يوجب التساوي والمقصود خلافه إذ المقصود التفاوت بين الزيارتين كما قيل، أو التفات بين الزائرين كما قلنا. قوله (حتى إذا أتت ليلة القدر فيهبط فيها من الملائكة خلق الله) لعل المراد بخلق الله بعض الملائكة كما هو الظاهر من هذه العبارة وبهذا القدر يتم المقصود وهو أن الزائرين لأئمة الضلالة أكثر من الزائرين لإمام الهدى سواء زار من الشياطين لأئمة الضلالة في تلك الليلة بقدر عدد الملائكة الزائرين أم لم يزر. قوله (أو قال قيض الله) الشك من الراوي لعدم تيقنه بصدور هذا القول منه (عليه السلام) أي أو قال أيضا هذا القول بعدما ذكر والتقييض تقدير كردن كذا في الصراح. قوله (فأتوه بالإفك والكذب) الإفك الكذب فالعطف للتفسير ولا يبعد أن يقال: إن الخبر الذي لا يطابق الواقع من حيث أنه لا يطابق الواقع يسمى كذبا ومن حيث أنه يصرف المخاطب عن الحق إلى الباطل يسمى إفكا يقال أفكه إذا صرفه عن الشئ ومنه قوله تعالى * (قالوا أجئتنا لتأفكنا عما وجدنا عليه آباءنا) * أي لتصرفنا عنه. قوله (فلو سأل ولي الأمر) أي فلو سأل ولي الضلالة ولي الخلافة عما رآه لقال ولي الأمر: رأيت شيطانا أخبرك بكذا وكذا إلى آخر ما رآه حتى يفسر له تفسيرا يبين به باطله ويعلمه الضلالة التي هو أي ولي الضلالة عليها لعله يرجع عنها أو الغرض منه أن ولي الأمر عالم بكل ما يقع حقا كان أو باطلا إما بالإلهام أو بتوجه نفسه القدسية أو باخبار الملائكة. قوله (لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله)) تعليل ليعلم وحاصله أن من صدق بليلة القدر علم أن الملائكة ينزلون إلى خليفة الله تعالى ووليه وأما العلم بأن هذا الخليفة هو علي (عليه السلام) فلقوله (صلى الله عليه وآله) (لعلي (عليه السلام) حين دنا موته هذا وليكم من بعدي فإن أطعتموه رشدتم) حيث دل على أنه (عليه السلام) خليفته في امته وأولى بالتصرف فيهم وأن الرشد والهداية في متابعته فيعلم أن الذي تنزل إليه الملائكة بعد التصديق بليلة القدر. قوله (ولكن من لا يؤمن بليلة القدر منكر) أي منكر لها أو للرسالة وأصل الشرع فهو خارج عن الدين فيتوجه إليه الذم لهذا لا للخطأ في تعيين موردها. قوله (ممن على غير رأينا) بيان لمن أو حال عن فاعل " آمن ".


[ 23 ]

قوله (ومن لم يقل فإنه كاذب) أي من آمن بها ولم يقل أنها لنا فهو كاذب سواء قال بنزول الأمر مع الملائكة والروح إلى كافر فاسق، أو قال بنزوله إلى خليفة الجور من هذه الامة، أو قال بنزوله لا إلى أحد، أو قال لا نعرف هذا وليس ما قلتم بشئ إذ الكل باطل أما الأول والثاني فلأنه تعالى لا ينزل الأمر مع الملائكة والروح إلى كافر فاسق بالضرورة. والثالث فلأنه لا معنى بالضرورة لنزول شئ لا إلى شئ وأما الرابع فلأنه محض مكابرة. قوله (فإن قال إنه ينزل إلى الخليفة الذي هو عليها) أفرد فاعل قال هنا نظرا إلى لفظ الموصول وجمعه فيما بعد نظرا إلى معناه، والذي مع صلته مفعول ينزل وضمير عليها راجع إلى الخليفة وتأنيثها باعتبار اللفظ والمراد بالذي هو على الخليفة أمور الرئاسة. قوله (وإن قالوا وسيقولون) في بعض النسخ فسيقولون أي إن قالوا بعد هذه المراتب شيئا سيقولون هذا، أي ما قلتم من أن الأمر مع الملائكة ينزل إلى ولي الأمر ليس بشئ يعني إن قالوا بعد تلك المراتب شيئا قالوا هذا إذ لا مفر لهم سواه (1).


(1) قوله " إذ لا مفر لهم سواه " وهنا آخر ما نقله (رحمه الله) في إنا أنزلناه وقد نقلنا في صدر الباب قول علماء الرجال في ذلك وأن جميع ما رواه الحسن بن العباس موضوع لا عبرة به ولا اعتماد عليه ومذهبنا أن ما روى في الإمامة من الأحاديث مما لم يدل عليه ضرورة المذهب ولا متواتر الأخبار ولم يدل العقل على صحته ولا على فساده فالوجه التوقف فيه، وأما هذه الروايات فالعقل يحكم بفسادها لأنه يحكم بعصمة المعصوم من الخطأ ولا ريب أن سورة إنا أنزلناه ونزول الملائكة في ليلة القدر لا يدل بظاهرها مع قطع النظر عن تفسير المعصوم على ان الملائكة تنزل بالأحكام والشرائع فلعلها تنزل بالبركات وإلهام الخيرات للمؤمنين كما ورد، وليس نزول الملائكة بأمثال ذلك مستلزما لوجود إمام تنزل عليه فمع كل قطرة من قطرات الأمطار ملك ولرفع أعمال العباد في الصباح والمساء ملائكة، حتى ورود * (إن قرآن الفجر كان مشهودا) * أي صلاة الصبح لملائكة الليل وملائكة النهار ومثل ذلك كثير. واما تفسير المعصوم فلا يكفي في مقام الاحتجاج على من لا يعترف بوجود المعصوم على ما مر في الخبر السادس لأنه دور ومصادرة، ثم إن الراوي زعم أن غير الشيعة لا يقولون باستمرار ليلة القدر وأن ذلك شعارهم مأخوذ من الخليفتين. (ش) (*)

[ 24 ]

باب في أن الأئمة (عليهم السلام) يزدادون في ليلة الجمعة * الأصل: 1 - حدثني أحمد بن إدريس القمي ومحمد بن يحيى، عن الحسن بن علي الكوفي، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن أيوب، عن أبي يحيى الصنعاني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي: يا أبا يحيى إن لنا في ليالي الجمعة لشأنا من الشأن، قال: قلت: جعلت فداك وما ذاك الشأن ؟ قال: يؤذن لأرواح الأنبياء (عليهم السلام) الموتى وأرواح الأوصياء الموتى وروح الوصي الذي بين ظهرانيكم يعرج بها إلى السماء حتى توافي عرش ربها فتطوف به أسبوعا وتصلي عند كل قائمة من قوائم العرش ركعتين ثم ترد إلى الأبدان التي كانت فيها فتصبح الأنبياء والأوصياء قد ملئوا سرورا ويصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم وقد زيد في علمه مثل جم الغفير. * الشرح: قوله (إن لنا في ليالي الجمعة لشأنا من الشأن) الشأن - بسكون الهمزة - الخطب والأمر والحال والجمع شؤون والتنكير للتعظيم وقوله من الشأن مبالغة فيه. قوله (الموتى) جمع ميت وفيه تصريح بموتهم لئلا يتوهم أنهم أحياء غابوا ولم يموتوا. قوله (بين ظهرانيكم) أي أقاموا بينكم على سبيل الاستظهار والاستناد إليكم وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيدا، ومعناه أن ظهرا منكم قدامه وظهرا وراءه فهو مكنوف أي محاط من جانبيه ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا. قوله (حتى توافي عرش ربها) يقال: وافاه فلان يوافيه إذا أتاه، وقد مر تفسير العرش مشروحا ولا يبعد أن يراد به هنا العرش الجسماني لجواز أن يكون له سبحانه عرش جسماني في السماء هو معبد الملائكة وأرواح القديسين كما أن له بيتا ومسجدا في الأرض هو معبد الناس. وحمله على بيت المعمور أيضا محتمل. قوله (ثم ترد إلى الأبدان التي كانت فيها) لعل المراد بها الأبدان المثالية ويحتمل الأصلية أيضا (1).


(1) قوله " ويحتمل الأصلية " الاحتمالان كلاهما غير معقول، وراوي الحديث موسى بن سعدان من الغلاة، ضعفه علماء الرجال ولا فائدة للتكلف في توجيه ما يستغلق من حديثه، وأما رد أرواح الأئمة الأحياء إلى أبدانهم فمعقول نظير ما ورد في الكتاب الكريم * (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها = (*)

[ 25 ]

قوله (وقد زيد في علمه مثل جم الغفير) أريد بهم الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، وبالعلم العلم بما يصير محتوما في تلك الليلة. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن يوسف الأبزاري، عن المفضل قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) ذات يوم - وكان لا يكنيني قبل ذلك -: يا أبا عبد الله، قال: قلت: لبيك، قال: إن لنا في كل ليلة جمعة سرورا، قلت: زادك الله وما ذاك ؟ قال: إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله (صلى الله عليه وآله) العرش ووافى الأئمة (عليهم السلام) معه ووافينا معهم فلا ترد أرواحنا إلى أبداننا إلا بعلم مستفاد ولولا ذلك لأنفدنا. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن عبد الله بن محمد، عن الحسين بن أحمد المنقري، عن يونس أو المفضل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من ليلة جمعة إلا ولأولياء الله فيها سرور، قلت: كيف ذلك جعلت فداك ؟ قال: إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله (صلى الله عليه وآله) العرش ووافى الأئمة (عليهم السلام) ووافيت معهم فما أرجع إلا بعلم مستفاد ولولا ذلك لنفد ما عندي.


= فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى) * وعروج أرواح الأئمة إلى العرش أمر ممكن وعودها أيضا ممكن. (ش) (*)

[ 26 ]

باب لولا أن الأئمة (عليهم السلام) يزدادون لنفد ما عندهم * الأصل: 1 - علي بن محمد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن صفوان بن يحيى قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: كان جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول: لولا أنا نزداد لأنفدنا. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن صفوان عن أبي الحسن (عليه السلام) مثله. * الشرح: قوله (ولولا ذلك لأنفدنا) يقال: نفد الشئ - بالكسر - نفادا فني وأنفدته أنا وأنفد القوم أي ذهبت أموالهم أو فني زادهم وينبغي أن يعلم أن علمه تعالى ثلاثة أقسام: قسم يختص به سبحانه ولا يطلع عليه أحد من عباده، وقسم محتوم أظهره للأنبياء والأوصياء لا مرد له ولا تبديل، وقسم غير محتوم يجري فيه البداء، وهذا القسم كثير يظهر جل شأنه كلا في وقته لخليفته فإذا أظهره صار محتوما، والمراد بالعلم المستفاد ما أظهره الله تعالى لهم من هذا القسم ولو لم يظهره لهم لانقطع علمهم بهذا القسم، ولا يلزم من ذلك أن يكون الآخر أعلم من الأول لما ذكرناه سابقا ولما سيجئ من رواية سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إن لله تعالى علمين أظهر عليه ملائكته وأنبياءه ورسله فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه، وعلما استأثر به فإذا بدا لله في شئ منه أعلمنا ذلك وعرض على الأئمة الذين كانوا من قبلنا ". * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن ذريح المحاربي قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا ذريح لولا أنا نزداد لأنفدنا. 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، عن ثعلبة. عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لولا أنا نزداد لأنفدنا، قال: قلت: تزدادون شيئا لا يعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: أما إنه إذا كان ذلك عرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم على الأئمة ثم انتهى الأمر إلينا. * الشرح: قوله (قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لولا أنا نزداد لأنفدنا) ينبغي أن يعلم أن كل علم ألقاه


[ 27 ]

تعالى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) كان أوصياؤه (عليهم السلام) عالمين به من غير زيادة ولا نقصان، وأما العلوم المستأثرة المخزونة إذا اقتضت الحكمة الإلهية إظهارها في أوقات متفرقة على ولي العصر والخليفة الموجود في تلك الأوقات أظهرها له ولا يلزم منه أن يكون هو أعلم من النبي (صلى الله عليه وآله) لما ذكره (عليه السلام) من أنه يعرض ذلك أولا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم عليه، ولا ينافي ذلك ما مر من أنه (صلى الله عليه وآله) (1) لم يمت إلا حافظا لجملة العلم وتفسيره، إذ لعل المراد بجملة العلم العلم بالمحتوم وأما غير المحتوم فيحصل له العلم به عند صيرورته محتوما ولو بعد الموت أو المراد به العلم بالمحتوم وغيره على وجه الحتم وعدمه ثم يحصل له بعد الموت العلم بالحتم في غير المحتوم والله أعلم. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس يخرج شئ من عند الله عزوجل حتى يبدأ برسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم بأمير المؤمنين (عليه السلام) ثم بواحد بعد واحد لكيلا يكون آخرنا أعلم من أولنا.


(1) قوله " ما مر من أنه " لا حاجة إلى التكلف لهذا الجمع فإن ما مر في باب شأن إنا أنزلناه ضعيف ولا معنى للقضاء غير المحتوم إلا على البداء بالمعنى الباطل. (ش) (*)

[ 28 ]

باب أن الأئمة (عليهم السلام) يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل (عليهم السلام) 1 - علي بن محمد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن القاسم، عن سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن لله تبارك وتعالى علمين: علما، أظهر عليه ملائكته وأنبياءه ورسله فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه، وعلما استأثر به، فإذا بدا لله في شئ منه أعلمنا ذلك وعرض على الأئمة الذين كانوا من قبلنا. علي بن محمد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن موسى بن القاسم ومحمد بن يحيى، عن العمركي بن علي جميعا، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) مثله. * الشرح: قوله (إن لله تعالى علمين) هذا تقسيم لعلمه باعتبار كونه محتوما وغير محتوم (1) فالأول عبارة عن المحتوم، والثاني عن غير المحتوم، فإذا بدا لله في شئ من غير المحتوم وتعلق الحتم به أعلم الإمام الموجود بين الخلق وعرض على الأئمة الماضين (عليهم السلام) لئلا يكون آخرهم أعلم من أولهم. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن لله عزوجل علمين: علما عنده لم يطلع عليه أحدا من خلقه. وعلما نبذه إلى ملائكته ورسله، فما نبذه إلى ملائكته ورسله فقد انتهى إلينا. * الشرح: قوله (إن لله عزوجل علمين علما عنده لم يطلع) هذا تقسيم لعلمه تعالى باعتبار اختصاصه به وعدمه، فالأول هو القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي ذكرناها سابقا، والثاني هو القسم الثاني منها


(1) قوله " محتوما وغير محتوم " الأصح أن يقال مكتوما وغير مكتوم كما هو مفاد الحديث لأن الله تعالى يعلم علوما لم ير المصلحة في أن يظهرها لأحد من ملائكته ومقربيه وإن كانت محتومة، وعلوما أظهرها لهم وهي محتومة فلا يكون له تعالى علم غير محتوم أصلا سواء كان مكتوما أو لا، وغير المحتوم لا يكون علما له تعالى. (ش) (*)

[ 29 ]

أو الأعم منه ومن الثالث لأن الثالث أيضا منبوذ إلى الرسل كما عرفت. * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن ضريس قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن لله عزوجل علمين: علم مبذول وعلم مكفوف. فأما المبذول فإنه ليس من شئ تعلمه الملائكة والرسل إلا نحن نعلمه وأما المكفوف فهو الذي عند الله عزوجل في أم الكتاب إذا خرج نفذ. * الشرح: قوله (علم مبذول وعلم مكفوف) العلم المبذول العلم بالشئ الذي قضاه وأمضاه وأظهره لخواص خلقه، والعلم المكفوف العلم بالشئ الذي فيه المشيئة فلا يقضيه ولا يمضيه إذا شاء ويقضيه ويمضيه إذا شاء، فإذا قضاه وأمضاه أظهره لهم وإذا أظهره نفذ، ولا يجري فيه البداء. قوله (في أم الكتاب إذا خرج نفذ) أي مضى لتعلق القضاء والإمضاء والإظهار به ومتى كان كذلك كان نافذا ماضيا، ولعل المراد بأم الكتاب اللوح المحفوظ أو التقدير الأزلي فإنه أم لجميع المكتوبات وأصل لجميع الموجودات. * الأصل: 4 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن النعمان، عن سويد القلا عن أبي أيوب، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن لله عزوجل علمين: علم لا يعلمه إلا هو، وعلم علمه ملائكته ورسله، فما علمه ملائكته ورسله (عليهم السلام) فنحن نعلمه. * الشرح: قوله (علم لا يعلمه إلا هو) يحتمل أن يراد به العلم بغير المحتوم فإنه لا يعلمه قبل أن يصير محتوما إلا هو، كما يحتمل أن يراد به العلم المختص به الذي لا يطلع عليه أحد من خلقه في وقت من الأوقات.


[ 30 ]

باب نادر فيه ذكر الغيب * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن معمر بن خلاد قال: سأل أبا الحسن (عليه السلام) رجل من أهل فارس فقال له: أتعلمون الغيب ؟ فقال: قال أبو جعفر (عليه السلام): يبسط لنا العلم فنعلم ويقبض عنا فلا نعلم وقال: سر الله عزوجل أسره إلى جبرئيل (عليه السلام) وأسره جبرئيل إلى محمد (صلى الله عليه وآله) وأسره محمد إلى من شاء الله. * الشرح: قوله (فقال أتعلمون الغيب) المراد بالغيب كل ما لا يتناوله الحواس (1) من الأمور الكاينة في الحال أو الماضي أو الاستقبال. قوله (يبسط لنا العلم فنعلم) لعله إشارة إلى أن العلم بالغيب قسمان: أحدهما حاصل لهم بإعلامه تعالى، والثاني مختص به تعالى كعلمه بخطرات النفوس وعزمات القلوب ونظرات العيون


(1) قوله " كل ما لا يتناوله " والصحيح أن يزاد قيد وهو أن لا يكون طريق إليه للعقل ضرورة أن العلم بالله وملائكته لا يعد من علم الغيب المبحوث عنه في هذا الباب. واعلم ان مسألة علم الأئمة والأنبياء بالغيب معضلة عند العوام واضحة عند الخواص ولا إشكال في أن لكل نفس من النفوس الإنسانية حظا من العلم بما يأتي أو ما بعد عن منال حواسه وثبت ذلك في الحكمة ظ: التي بينها أبو علي ابن سينا في أواخر كتاب الإشارات أوضح بيان، وقد تواتر عن النبي والأئمة (عليهم السلام) أخبار كثيرة بالغيب ولا يستحيل في العقل أن يطلع بعض النفوس الكاملة على كل ما توجه إليه وأراد الاطلاع عليه بإرادة الله تعالى وإلهام الملائكة الملهمة وقد اتفق لفرعون يوسف وهو كافر أن يطلع في المنام على ما سيأتي من سني الخصب والرخاء وهذا باب واسع مفتوح على قلوب أفراد الإنسان من الآخرة ليؤمنوا بوجود عالم غير مادي وراء هذا العالم وهو مشتمل على جميع ما مضى وما يأتي في لمحة واحدة بحيث يمكن أن يرى فرعون فيه ما لا يوجد في الحس إلا بعد أربع عشرة سنة لوجوده في ليلة الرؤيا عند عقل مجرد عالم به، وأما من نفى علم الغيب عن الإنسان أو عن الأئمة والأنبياء فمراده نفي العلم ذاتا بغير تعليم من الله تعالى ومن أثبت فمراده علمهم بالتعليم والإلهام وهذا ثابت لجميع أفراد الإنسان ويختلف بحسب اختلاف النفوس كمالا ونقصا وقلة وكثرة ووضوحا وإبهاما وإجمالا وتفصيلا وصريحا وتمثيلا ويقظة ونوما وغير ذلك والأئمة والأنبياء (عليهم السلام) كانوا يعلمون ما يعلمون بتعليم الله تعالى وإلهامه، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنما هو تعلم من ذي علم، بعد أن سأله رجل عن علمه بالغيب. وقال المفيد (رحمه الله) في المسائل العكبرية: إجماعنا على أن الإمام يعلم الأحكام لا الأعيان ولسنا نمنع أن يعلم أعيان ما يحدث ويكون بإعلام الله تعالى له ذلك. (ش) (*)

[ 31 ]

كما قال تعالى * (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) * أو إشارة إلى أن علم الغيب هو العلم الذي لا يكون مستفادا عن سبب يفيده وذلك إنما يصدق في حقه تعالى إذ كل علم الذي علم سواه فهو مستفاد من بسطه وجوده إما بواسطة أو بلا واسطة، ولا يكون علم غيب بل اطلاعات على أمر غيبي لا يتأهل عليه كل الناس بل يختص بنفوس خصت بعناية إلهية كما قال تعالى شأنه * (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول) * أو إشارة إلى أن لهم بسطا وقبضا فبسطهم عبارة عن حصول الصور الكائنة عند نفوسهم القادسة بالفعل فهم يعلمونها وقبضهم عبارة عن عدم حصولها لها بالفعل وإن كانت في الخزانة بحيث يحصل لهم لمجرد توجه النفس وهم يسمون هذه الحالة عدم العلم ويؤيده ما يجئ في الباب الآتي من أن الإمام إذا شاء أن يعلم علم، والله أعلم. قوله (وقال سر الله) أي البسط والقبض سر أو حصول العلم بالغيب وعدم حصوله بسبب البسط والقبض سر الله أسره أي أظهره. وأراد بقوله " إلى من شاء الله " عليا (عليه السلام) وفيه دلالة على أن الإظهار له (عليه السلام) بمشيئة الله وإرادته. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن سدير الصيرفي قال: سمعت حمران بن أعين يسأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: * (بديع السموات والأرض) * قال أبو جعفر (عليه السلام): إن الله عزوجل ابتدع الأشياء كلها بعلمه على غير مثال كان قبله. فابتدع السماوات والأرضين ولم يكن قبلهن سماوات ولا أرضون أما تسمع لقوله تعالى: * (وكان عرشه على الماء) * ؟ فقال له حمران: أرأيت قوله جل ذكره: * (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا) * فقال أبو جعفر (عليه السلام): " إلا من ارتضى من رسول " وكان والله محمد ممن ارتضاه، وأما قوله " عالم الغيب " فإن الله عزوجل عالم بما غاب عن خلقه فيما يقدر من شئ ويقضيه في علمه قبل أن يخلقه وقبل أن يفضيه إلى الملائكة فذلك يا حمران علم موقوف عنده، إليه فيه المشيئة فيقضيه إذا أراد ويبدو له فيه فلا يمضيه، فأما العلم الذي يقدره الله عزوجل فيقضيه ويمضيه فهو العلم الذي انتهى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم إلينا. * الشرح: قوله (بديع السموات والأرض) البديع فعيل بمعنى الفاعل وهو الذي يفعل فعلا لم يسبق مثله وقد يكون بمعنى المفعول وأما نفس ذلك الفعل أو الفعل الحسن المشتمل على نوع من الغرابة لمشابهته إياه في كونه محل التعجب منه وليس بمراد هنا. قوله (على غير مثال كان قبله) وقد مر شرحه مفصلا وفيه تنزيه له عن صفات الصانعين من


[ 32 ]

البشر فإن صنايعهم تحذو حذوا ومثله سبقت من غيرهم أو حصلت في أذهانهم بإلهام فلا يكون على غير مثال. قوله (أما تسمع لقوله تعالى وكان عرشه على الماء) استشهاد لما تقدم لإفادة أن الماء أول الموجودات الممكنة وأصلها ولا أصل له وإن عرش الواجب يعني علمه المتعلق بالموجودات كان على الماء فقط إذ لم يكن حينئذ شئ من الجسم والجسمانيات موجودا غيره ثم خلق منه السماوات والأرضين، يدل على ذلك ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة: " قال وكان الخالق قبل المخلوق ولو كان أول ما خلق من خلقه الشئ من الشئ إذا لم يكن له انقطاع أبدا ولم يزل الله إذا ومعه شئ ليس هو يتقدمه، ولكنه كان إذ لا شئ غيره وخلق الشئ الذي جميع الأشياء منه وهو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كل شئ إلى الماء ولم يجعل للماء نسبا يضاف إليه، وخلق الريح من الماء ثم سلط الريح على الماء، فشققت الريح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ليس فيها صدع ولا نقب ولا صعود ولا هبوط ولا شجرة، ثم طواها فوضعها فوق الماء ثم خلق الله النار من الماء فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء الله أن يثور فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع ولا نقب وذلك قوله * (أم السماء بناها رفع سمكها وسويها أغطش ليلها وأخرج ضحيها) * قال " ولا شمس ولا قمر ولا نجوم ولا سحاب ثم طواها فوضعها فوق الأرض ثم نسب الخليقتين فرفع السماء قبل الأرض فذلك قوله عز ذكره * (والأرض بعد ذلك دحيها) * يقول بسطها " (1) وقال بعض الأفاضل: مقتضى الروايات أنه خلق الماء قبل الأرض وهذا مما شهد به البرهان العقلي فإن الماء لما كان حاويا لأكثر الأرض كان سطحه الباطن المماس لسطحها الظاهر مكانا وظاهر أن للمكان تقدما باعتبار ما على المتمكن فيه وان كان اللفظ يعطي تقدم خلق الماء على الأرض تقدما زمانيا. قوله (فقال أبو جعفر (عليه السلام) إلا من ارتضى من رسول) لما توهم السائل اختصاص علم الغيب به تعالى نبه (عليه السلام) بذكر الاستثناء على ثبوته لمن ارتضاه. قوله (وأما قوله عالم الغيب فإن الله عزوجل عالم بما غاب عن خلقه فيما يقدر من شئ ويقضيه في علمه قبل أن يخلقه وقبل أن يفضيه إلى الملائكة) فيما يقدر حال عن ما الموصولة وفي علمه متعلق بيقدر وما عطف عليه وفي بمعنى الباء أو حال عن فاعله إذ كأنه في علمه


(1) راجع كتاب الروضة تحت رقم 67. (*)

[ 33 ]

المحيط بجميع الأشياء أو حال عن ذي الحال الأول. وقيل: متعلق بفي علمه أو بعالم، ولعل المراد أنه تعالى عالم بالشئ قبل أن يخلقه ويظهره للملائكة في حال تقديره وقضائه وذلك موقوف عنده لأن ذلك الشئ في محل البداء ولله فيه المشيئة فيمضيه إذا أراد أمضاه ولا يمضيه إذا أراد عدم إمضائه وهذا علم بالغيب مختص به، وأما الذي قدره وقضاه وأمضاه فهو الذي أظهره للملائكة والأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، وبالجملة العلم قسمان: علم موقوف وهو العلم بالأشياء قبل إمضائها في حال المشيئة والإرادة والتقدير والقضاء فإنها في هذه المراتب في محل البداء، فإذا تعلق بهذا الإمضاء بعد القضاء خرجت عن حد البداء ودخلت في الأعيان، وعلم مبذول وهو العلم بالأشياء بعد تعلق الإمضاء. وإن شئت زيادة توضيح لهذا المقام فارجع إلى ما ذكرناه في شرح أحاديث باب البداء. قوله (إليه فيه المشيئة) المشيئة مبتدأ و " فيه " متعلق بها و " إليه " خبر أي المشيئة فيه إلى الله. * الأصل: 3 - أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن عباد بن سليمان، عن محمد بن سليمان عن أبيه، عن سدير قال: كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز وداود بن كثير في مجلس أبي عبد الله (عليه السلام) إذ خرج إلينا وهو مغضب، فلما أخذ مجلسه قال: يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب ما يعلم الغيب إلا الله عزوجل، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة، فهربت مني فما علمت في أي بيوت الدار هي ؟ قال سدير: فلما أن قام من مجلسه وصار في منزله دخلت أنا وأبو بصير وميسر وقلنا له: جعلنا فداك سمعناك وأنت تقول كذا وكذا في أمر جاريتك ونحن نعلم أنك تعلم علما كثيرا ولا ننسبك إلى علم الغيب، قال: فقال: يا سدير ألم تقرأ القرآن ؟ قلت: بلى، قال: فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عزوجل: * (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) * قال: قلت: جعلت فداك قد قرأته، قال: فهل عرفت الرجل ؟ وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب ؟ قال: قلت: أخبرني به، قال: قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر فما يكون ذلك من علم الكتاب ؟ ! قال: قلت: جعلت فداك ما أقل هذا ! فقال: يا سدير ما أكثر هذا أن ينسبه الله عزوجل إلى العلم الذي أخبرك به ياسدير، فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عزوجل أيضا: * (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) * ؟ قال: قلت: قد قرأته جعلت فداك. قال: أفمن عنده علم الكتاب كله أفهم أمن عنده علم الكتاب بعضه ؟ قلت: لا، بل من عنده علم الكتاب كله، قال: فأومأ بيده إلى صدره وقال: علم الكتاب والله كله عندنا، علم الكتاب والله كله عندنا.


[ 34 ]

* الشرح: قوله (وهو مغضب) اسم مفعول من أغضبه شئ ولابد أن يكون ذلك الشئ المغضب لله تعالى لا لمقتضى النفس إذ مقتضاها لا يحركه إلى الغضب فهو إما ما رآه من الجارية من خلاف الآداب، أو ما زعمه بعض الناس من أنه يعلم الغيب مثل الله سبحانه وتعالى ويشاركه في الإلهية. قوله (يا عجبا لأقوام) أي يا صحبي عجبت عجبا والسبب في التعجب عن الشئ هو عدم اطلاع النفس على أسبابه لغموضها مع كونه في نفسه أمرا غريبا وكلما كان الشئ أغرب وأسبابه أخفى كان أعجب وفيه أيضا إظهار بأنه لا يعلم الغيب مثله سبحانه وإلا لم يخف عليه السبب ثم الغرض من هذا التعجب وإظهاره هو أن لا يتخذه الجهال إلها أو يدفع عن وهم بعض الحاضرين المنكر لفضله ما نسبوه إليه من العلم بالغيب حفظا لنفسه وإلا فهو (عليه السلام) كان عالما بما كان وما يكون فكيف يخفى عليه مكان الجارية، فإن قلت: إخباره بذلك على هذا يوجب الكذب، قلت: إنما يوجب الكذب لو لم يقصد التورية (1) وقد قصدها، فإن المعنى: فما علمت علما غير مستفاد منه تعالى بأنها في أي بيوت الدار. وهذا حق فإن علمه بذلك علم مستفاد وهذا العلم في الحقيقة ليس علما بالغيب كما أشرنا إليه. قوله (قال سدير فلما أن قام من مجلسه) هذا يدل على أن ذلك القول كان على سبيل التقية من بعض الحاضرين حيث لم يسألوه عنه في ذلك المجلس. قوله (علما كثيرا) وهو إما مصدر تعلم أو مفعوله. قوله (ولا ننسبك إلى علم الغيب) قالوا ذلك تحرزا عن التعجب المذكور وعن تخاطبه بما يكرهه ثم هذا القول منهم بعد اعترافهم بأنه يعلم كثيرا من الأمور الكائنة بناء على أن علم الغيب علم غير مستفاد كعلم الواجب، وأما علم غيره بالأمور الغائبة عن الحواس فإنما هو اطلاع على أمر غيبي كما أشرنا إليه. قوله (قال فقال: يا سدير ألم تقرأ القرآن) ملخص الجواب أمران: أحدهما أنه (عليه السلام) أعلم من صاحب سليمان الذي أحضر عرش بلقيس في أقل من طرفة عين بعلمه، وثانيهما أنه عالم بجميع الأشياء ولا يخفى عليه شئ وذلك لأن كل شئ في الكتاب وهو عالم بالكتاب كله فهو عالم


(1) قوله " لو لم يقصد التورية " تكلف عجيب من الشارح جوز الكذب على الإمام (عليه السلام) تورية لئلا يلزم كذب الراوي وتضعيف الرواية وإني لا أرى التورية في هذا المقام مناسبة لشأن المعصوم ولا أجوز الكذب عليه (عليه السلام) وإن أوجب تكذيب الراوي وطرح الرواية، كيف وسليمان الديلمي الراوي من الكذابين الضعاف الذين لا يعتمد عليهم وغلوه لم يكن في علمهم بالغيب بل هو في أمور أخر. (ش) (*)

[ 35 ]

بجميع الأشياء وقد دفع بذلك ما خالج قلب السائل من الكلام السابق من أنه لا يعلم بعض الأشياء. قوله (قال الذي عنده علم من الكتاب) التنكير للتعظيم والتكثير والكتاب اللوح المحفوظ فدل ذلك على أنه كان عالما ببعض الكتاب لا بكله. قوله (فهل عرفت الرجل) لم يعينه هنا وفي تعيينه أقوال ذكرناها سابقا. قوله (وهل علمت ما كان عنده) أي شئ وأي قدر عنده من علم الكتاب. قوله (في البحر الأخضر) أي البحر المحيط سمي أخضر لسواد مائه وبعد عمقه والعرب تطلق الخضرة على السواد. قوله (فما يكون ذلك من علم الكتاب) أي: أي قدر يكون ذلك الذي علمه هذا الرجل من علم الكتاب وبالقياس إليه. قوله (ما أقل هذا) تعجب في قلته بالقياس إلى علم الكتاب. قوله (ما أكثر هذا) تعجب من كثرته وعظمته بالنظر إلى ذاته من جهة أنه تعالى ينسبه إلى العلم الذي أخبرك به وهو العلم الذي ترتب عليه الأثر العظيم. قوله (فمن عنده علم الكتاب كله أفهم) أي أعلم أم من عنده علم الكتاب بعضه، دل على أن اسم الجنس المضاف إلى المعرفة من صيغ العموم فهو حجة لمن ذهب إليه. * الأصل: 4 - أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن أحمد بن الحسن بن علي، عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإمام: يعلم الغيب ؟ فقال: لا، ولكن إذا أراد أن يعلم الشئ أعلمه الله ذلك. * الشرح: قوله (قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإمام يعلم الغيب فقال: لا) دل على أن علم الغيب علم غير مستفاد كعلم الله تعالى وعلم الإمام لما كان مستفادا منه تعالى لا يكون علما بالغيب حقيقة وقد يسمى أيضا علما بالغيب نظرا إلى تعلقه بالأمور الغائبة وبه يجمع بين الأخبار التي دل بعضها على أنهم عالمون بالغيب ودل بعضها على أنهم غير عالمين به.


[ 36 ]

باب أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا * الأصل: 1 - علي بن محمد وغيره، عن سهل بن زياد، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن بدر بن الوليد، عن أبي الربيع الشامي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم. * الشرح: قوله (إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم) بفتح العين وكسر اللام أو بضم العين وكسر اللام وشدها من التعليم. وفيه دلالة على أن جهلهم بالشئ عبارة عن عدم حصوله بالفعل ويكفي في حصوله مجرد توجه النفس، والسبب في ذلك هو أن النفس الناطقة إذا قويت حتى صارت نورا إلهيا لم يكن اشتغالها بتدبير البدن عائقا لها عن الاتصال بالحضرة الإلهية، فهي والحالة هذه إذا توجهت إلى الجناب القدس لاستعلام ما كان وما سيكون وما هو كائن أفيضت عليها الصور الكلية والجزئية بمجرد التوجه من غير تجشم كسب وتمهيد مقدمات. * الأصل: 2 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن بدر بن الوليد، عن أبي الربيع، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الإمام إذا شاء أن يعلم أعلم. 3 - محمد بن يحيى، عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر، عن عمرو بن سعيد المدائني، عن أبي عبيدة المدائني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا أراد الإمام أن يعلم شيئا أعلمه الله بذلك (1).


(1) قوله (عليه السلام) في الحديث الرابع من الباب السابق " اعلمه الله ذلك " إذا كان حصول العلم بهذه السهولة صدق أنه عالم بما كان وما يكون وما هو كائن، وأحاديث الباب وإن كان جميعها ضعيفة لكنها لا تخالف أصول المذهب. (ش) (*)

[ 37 ]

باب أن الأئمة (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن سليمان بن سماعة، وعبد الله بن محمد، عن عبد الله بن القاسم البطل، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أي إمام لا يعلم ما يصيبه وإلى ما يصير، فليس ذلك بحجة لله على خلقه. * الشرح: قوله (أي إمام لا يعلم ما يصيبه) الغرض منه أن الإمام لابد أن يكون عالما بكل شئ حتى ما يصيبه وما يصير إليه وإلا فلا يصلح أن يكون حجة الله وخليفته على خلقه لأن خليفته قائم مقامه فيجب أن يكون عالما بكل شئ مثله. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محمد بن بشار. قال: حدثني شيخ من أهل قطيعة الربيع من العامة ببغداد ممن كان ينقل عنه، قال: قال لي: قد رأيت بعض من يقولون بفضله من أهل هذا البيت، فما رأيت مثله قط في فضله ونسكه فقلت له: من ؟ وكيف رأيته ؟ قال: جمعنا أيام السندي بن شاهك ثمانين رجلا من الوجوه المنسوبين إلى الخير، فأدخلنا على موسى بن جعفر (عليهما السلام) فقال لنا السندي: يا هؤلاء انظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدث ؟ فإن الناس يزعمون أنه قد فعل به ويكثرون في ذلك وهذا منزله وفراشه موسع عليه غير مضيق ولم يرد به أمير المؤمنين سوءا وإنما ينظر به أن يقدم فيناظر أمير المؤمنين وهذا هو صحيح موسع عليه في جميع أموره، فسلوه، قال: ونحن ليس لنا هم إلا النظر إلى الرجل وإلى فضله وسمته، فقال موسى بن جعفر (عليهما السلام): أما ما ذكر من التوسعة وما أشبهها فهو على ما ذكر غير أني أخبركم أيها النفر أني قد سقيت السم في سبع تمرات وأنا غدا أخضر وبعد غد أموت، قال: فنظرت إلى السندي بن شاهك يضرب ويرتعد مثل السعفة. * الشرح: قوله (من أهل قطيعة الربيع) القطيعة كشريعة محال ببغداد أقطعها المنصور أناسا من أعيان دولته ليعمروها ويسكنوها.


[ 38 ]

قوله (جمعنا) على صيغة المجهول وقوله " ثمانين " حال عن ضمير المتكلم ويحتمل أن يكون على صيغة المعلوم وثمانين مفعوله. قوله (قد فعل به) يعني قد قتل. قوله (ولم يرد به أمير المؤمنين سوءا) أراد به هارون الرشيد - لعنه الله -. قوله (وإلى فضله وسمته) المراد بالفضل آثاره، وبالسمت الهيئة الحسنة وهي هيئة أهل الخير. قوله (أيها النفر) النفر بالتحريك والتسكين والنفرة والنفير الجماعة من الناس. قوله (إني قد سقيت السم في سبع تمرات) قال الصدوق: سمه هارون الرشيد لعنه الله فقتله. وقال الشهيد الأول: قبض مسموما ببغداد في حبس السندي بن شاهك لعنه الله لست بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة، وقيل: يوم الجمعة لخمس خلون من رجب سنة إحدى وثمانين ومائة. قوله (مثل السعفة) السعفة بالتحريك غصن النخل. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن عبد الله بن أبي جعفر قال: حدثني أخي، عن جعفر، عن أبيه أنه أتى علي بن الحسين (عليهما السلام) ليلة قبض فيها بشراب فقال: يا أبه اشرب هذا فقال: يا بني إن هذه الليلة التي أقبض فيها وهي الليلة التي قبض فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (عن عبد الله بن أبي جعفر) المراد بأبي جعفر الباقر (عليه السلام). قوله (عن جعفر) المراد به الصادق (عليه السلام). قوله (بشراب) المراد به شراب طاهر حلال مثل ما يتداوى به المرضى. قوله (يا أبه) أصله يا أبي قلبت الياء ألفا للتخفيف، ثم حذفت الألف اكتفاء بفتح ما قبلها ثم أدخلت الهاء للوقف. قوله (إن هذه الليلة التي أقبض فيها) قال الصدوق (رحمه الله) سمه الوليد بن عبد الملك لعنه الله فقتله. * الأصل: 4 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عبد الحميد، عن الحسن بن الجهم قال: قلت للرضا (عليه السلام): إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد عرف قاتله والليلة التي يقتل فيها والموضع الذي يقتل فيه وقوله لما سمع صياح الأوز في الدار: " صوائح تتبعها نوائح " وقول أم كلثوم: لو صليت الليلة


[ 39 ]

داخل الدار وأمرت غيرك يصلي بالناس، فأبى عليها وكثر دخوله وخروجه تلك الليلة بلا سلاح وقد عرف (عليه السلام) أن ابن ملجم لعنه الله قاتله بالسيف كان هذا مما لم يجز تعرضه، فقال: ذلك كان ولكنه خير في تلك الليلة لتمضي مقادير الله عز وجل. * الشرح: قوله (الإوز) الإوز والإوزة بكسر الهمزة وفتح الواو والزاء وشدها: البط. قوله (لو صليت الليلة) لو للتمني أو للشرط والجزاء محذوف. قوله (وقد عرف (عليه السلام) ان ابن ملجم لعنه الله قاتله بالسيف) قال الآبي في كتاب إكمال الإكمال: ان عليا (رضي الله عنه) لما استأصل الخوارج بالنهروان وفلت منهم اليسير وكان من جملتهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي من قبيلة بني حمير من حلفاء المراد، والبكر الصيرفي (1) وبكر بن عمر التميمي فاجتمع الثلاثة بمكة فتذاكروا أمر الناس وعابوا أعمالهم وتراحموا على من قتل من قبل من أصحابهم بالنهروان قالوا: ما نصنع بالبقاء بعد إخواننا فلو قتلنا أئمة الضلالة. فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليا، وقال البكر: أنا أكفيكم معاوية وقال بكر بن عمر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، وما أفسد أمر الأمة غيره، فتعاهدوا على ذلك عند البيت وتوثقوا على أن لا يرجع أحد من صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه وتواعدوا أن يفعلوا ذلك صلاة الصبح في السابع عشر من شهر رمضان فسموا سيوفهم وخرجوا آخر رجب فأتى ابن ملجم الكوفة وبها ناس من الخوارج ممن قتل آباؤهم وإخوانهم يوم النهروان فأخبرهم بما جاء له فاستمكنهم وانتدب إلى قتله معه شبيب بن بجرة ووردان بن مجالد، ولما كانت ليلة الميعاد قعدوا مقابلين لباب السدة التي يخرج منها علي وكان يخرج كل غداة لأول الأذان يوقظ الناس لصلاة الصبح فضربه شبيب فوقع سيفه على عضادة الباب وضربه ابن ملجم على عاتقه وهرب وردان فدخل منزله فدخل عليه رجل من بني أمية فقال له: ما هذا السيف فأخبره بالقصة فخرج الرجل فجاء بسيفه وعلا به وردان حتى قتله ودخل شبيب بين الناس فنجا بنفسه، وقال علي (رضي الله عنه) في ابن ملجم: لا يفوتنكم الرجل، فضرب رجل من همدان رجله وضرب مغيرة بن نوفل بن حارث بن عبد المطلب وجهه بقصبة فصرعه وأتى به الحسن ثم قال علي (رضي الله عنه): علي بالرجل، فأدخل عليه مكتوفا فقال: أي عدو الله ألم أحسن إليك ؟ قال: بلى قال: فما حملك على هذا ؟


(1) في مروج الذهب وتاريخ الخلفاء وكتب اخر " برك " مكان البكر. (*)

[ 40 ]

قال: شحذته أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، قال علي (رضي الله عنه): لا أراك إلا مقتولا به، وقال للحسن: النفس بالنفس إن هلكت فاقتلوه ولا تمثلوا، وإن بقيت رأيت فيه رأيي وقبض (رضي الله عنه) ليلة تسعة عشر من رمضان سنة أربعين وخرج به ليلا فدفن بظهر الكوفة خوف أن ينبشه الخوارج، واختلف في سنه فقيل: سبع وخمسون، وقيل: ستون، وقيل: ثلاث وستون وهو الصحيح. وكانت خلافته خمس سنين غير ثلاثة أشهر، وكان علي أوصى الحسن وقال: إن أنا مت فاضربه ضربة كضربة. وأما البكر الصيرفي فقعد لمعاوية في الليلة التي ضرب فيها علي (عليه السلام) فلما خرج ضربه فوقع السيف في اليتيه فأخذ فقال لمعاوية: إن عندي خبرا يسرك فهل ذلك نافعي إن أخبرتك ؟ قال: نعم قال: إن لي أخا قتل في هذه الساعة عليا، قال: لعله لم يقدر على ذلك، قال: إن عليا يخرج وليس معه من يحرسه، فأمر به معاوية فقتل، وقيل: إنه حبسه حتى جاءه خبر علي فقطع يده وخلى سبيله وبعث معاوية إلى الطبيب الساعدي فلما نظر إليه قال: اختر إما أن أحمي حديدة وأضعها في موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرء فإن ضربتك مسمومة، قال: أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد ففي يزيد وعبد الله ما تقر به العين، فسقاه تلك الشربة فبرء ولم يولد له، وأما بكر بن عمر فجلس لعمرو بن العاص فلم يخرج عمرو تلك الليلة لأنه كان اشتكى بطنه وأمر خارجة أن يصلي بالناس وكان خارجة على شرط عمرو وقضائه فخرج ليصلي فشد عليه وهو يرى أنه عمرو فضربه فقتله وأخذه الناس فانطلقوا به إلى عمرو فسلموا عليه بالإمامة فقال: من هذا ؟ فقالوا: عمرو، قال: فمن قتلت إذا ؟ قالوا: خارجة. فقال: أما والله يا فاسق ما أردت غيرك، قال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة، وسأله عمرو عن خبره فأخبره أن عليا ومعاوية قتلا في هذه الليلة فقال: قتلا أو لم يقتلا لابد من قتلك فأمر بقتله فبكى فقيل: أجزعا من الموت بعد الإقدام ؟ قال: لا والله ولكن أبكي على أن يفوز صاحباي ولا أفوز أنا بقتل عمرو. فضربت عنقه وصلب. قوله (هذا مما لم يحل تعرضه) في بعض النسخ " مما لم يجز " وفي بعض النسخ " مما لم يحن " بالحاء المهملة والنون من حان بمعنى قرب والمعنى واحد. قوله (ولكنه خير في تلك الليلة) أي خير فيها بين البقاء واللقاء فاختار اللقاء ليمضي تقدير الله تعالى والوقوع في الهلكة غير جائز إذا لم يكن بأمر الله تعالى ورضائه وإلا فهو جائز بل واجب مثل هذا وفعل الحسين (عليه السلام) وفعلنا في الجهاد مع الاثنين. * الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)


[ 41 ]

قال: إن الله عزوجل غضب على الشيعة فخيرني نفسي أو هم فوقيتهم والله بنفسي. * الشرح: قوله (إن الله عزوجل غضب على الشيعة) لكثرة مخالفتهم وقلة إطاعتهم وعدم نصرتهم للإمام الحق. قوله (فخيرني نفسي أو هم) أي فخيرني بين إرادة موتي أو موتهم ليتحقق المفارقة بيني وبينهم فوقيتهم والله بنفسي للشوق إلى لقاء الله تعالى وللشفقة عليهم ولئلا ينقطع نسل الشيعة بالمرة ولتوقع أن يخرج من أصلابهم رجال صالحون. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، عن مسافر أن أبا الحسن الرضا (عليه السلام) قال له: يا مسافر هذه القناة فيها حيتان ؟ قال: نعم جعلت فداك، فقال: إني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) البارحة وهو يقول: يا علي ما عندنا خير لك. * الشرح: قوله (قال له: يا مسافر هذه القناة فيها حيتان قال: نعم جعلت فداك) لعله (عليه السلام) يخبره بما سيراه في قبره من الماء والحيتان، بيانه ما رواه الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بإسناده عن أبي الصلت الهروي في كلام طويل يأمره (عليه السلام) بكيفية حفر القبر وشق اللحد حتى قال: وإذا فعلوا ذلك يعني الحفر واللحد فإنك ترى عند رأسي نداوة فتكلم بالكلام الذي أعلمك فإنه ينبع الماء حتى يمتلي اللحد وترى فيه حيتانا صغارا ففتت لها الخبز الذي أعطيك فانها تلتقطه فإذا لم يبق منه شئ خرجت منه حوتة كبيرة فالتقطت الحيتان الصغار حتى لا يبقى منها شئ، ثم تغيب فإذا غابت فضع يدك على الماء ثم تكلم بالكلام الذي أعلمك فإنه ينضب الماء ولا يبقى منه شئ ولا تفعل ذلك إلا بحضرة المأمون - إلى أن قال - فلما ظهر من النداوة والحيتان وغير ذلك قال المأمون: لم يزل الرضا (عليه السلام) يرينا عجائبه في حياته حتى أراناها بعد وفاته أيضا فقال له وزير كان معه: أتدري ما أخبرك بها الرضا (عليه السلام) ؟ قال: لا، قال: إنه أخبرك أن ملككم يا بني العباس مع كثرتكم وطول مدتكم مثل هذه الحيتان حتى إذا فنيت آجالكم وانقطعت آثاركم وذهبت دولتكم سلط الله تعالى عليكم رجلا منا فأفناكم عن آخركم، قال له: صدقت، وهذا الذي ذكرنا أحسن مما قيل من أن علمي بما أقول كعلمي بوجود الحيتان في هذه القناة. * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة


[ 42 ]

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كنت عند أبي في اليوم الذي قبض فيه فأوصاني بأشياء في غسله وفي كفنه وفي دخوله قبره، فقلت: يا أبه والله ما رأيتك منذ اشتكيت أحسن منك اليوم، ما رأيت عليك أثر الموت، فقال: يا بني ! أما سمعت علي بن الحسين (عليهما السلام) ينادي من وراء الجدار يا محمد ؟ تعال، عجل. * الشرح: قوله (يا محمد تعال) قال صاحب الكنز: تعال بفتح اللام أمر است از تعالى يتعالى يعنى بيا. * الأصل: 8 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن عبد الملك بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أنزل الله تعالى النصر على الحسين (عليه السلام) حتى كان [ ما ] بين السماء والأرض ثم خير: النصر أو لقاء الله، فاختار لقاء الله تعالى. * الشرح: قوله (فاختار لقاء الله تعالى) إنما اختار لقاء الله دون النصر وبقاء الحياة الدنيوية لأن ميله إلى الثاني ميل طبيعي حيواني وهو في معرض الزوال والفناء وميله إلى الأول ميل عقلي باق أبدا فأين أحدهما عن الآخر ؟ كيف لا وقد قال سيد العارفين أمير المؤمنين (عليه السلام) " والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه " وكذلك اختار سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله) الموت من البقاء في الدنيا حين خيره الله تعالى بينهما في مرض الموت. ويدل على وفور رغبة الأولياء في الموت قوله تعالى * (إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) *.


[ 43 ]

باب أن الأئمة (عليهم السلام) يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشئ صلوات الله عليهم * الأصل: 1 - أحمد بن محمد ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد الله بن حماد، عن سيف التمار قال: كنا مع أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة من الشيعة في الحجر فقال: علينا عين، فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحدا، فقلنا: ليس علينا عين، فقال: ورب الكعبة ورب البنية - ثلاث مرات - لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأن موسى والخضر (عليهما السلام) أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة وقد ورثناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وراثة. * الشرح: قوله (علينا عين) أي رقيب وجاسوس. قوله (ورب البنية) البنية كفعيلة الكعبة. قوله (والخضر) الخضر بالكسر صاحب موسى (عليه السلام) (1) ويقال الخضر مثل كبد وكبد وهو الأفصح. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن يونس بن يعقوب، عن الحارث بن المغيرة، وعدة من أصحابنا منهم عبد الأعلى وأبو عبيدة وعبد الله بن بشر الخثعمي سمعوا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار وأعلم ما كان وما يكون، قال: ثم مكث هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه منه فقال: علمت ذلك من كتاب الله عزوجل، إن الله عزوجل يقول: * (فيه تبيان كل شئ) *. * الشرح: قوله (فيه تبيان كل شئ) أي كشفه وإيضاحه وفيه دفع لاستبعاد السامع إذ تحقق تبيانه يقتضي


(1) قوله " والخضر صاحب موسى " ويشكل على هذه الرواية بأن الخضر كان عالما بما يكون أيضا بما يفضي إليه أمر الغلام الذي قتله والجواب أن الرواية ضعيفة لأن إبراهيم بن إسحاق الأحمر كان ضعيفا غاليا لا يعبأ به ومحمد بن الحسين في الإسناد مصحف والظاهر أنه محمد بن الحسن الصفار. (ش) (*)

[ 44 ]

أن يكون هناك عالم ببيانه والإقرار بالملزوم يقتضي الإقرار باللازم. * الأصل: 3 - علي بن محمد، عن سهل، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن جماعة بن سعد الخثعمي أنه قال: كان المفضل عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له المفضل: جعلت فداك يفرض الله طاعة عبد على العباد ويحجب عنه خبر السماء ؟ قال: لا، الله أكرم وأرحم وأرأف بعباده من أن يفرض طاعة عبد على العباد ثم يحجب عنه خبر السماء صباحا ومساء. * الشرح: قوله (عن جماعة بن سعد الخثعمي) ما رأيته بهذه النسبة في كتب الرجال والذي فيه جماعة ابن سعد الجعفي الصائغ وهو ضعيف يروى عن أبي عبد الله (عليه السلام). قوله (ويحجب عنه خبر السماء) أي خبر السماء وأهلها وخبر أعمالهم أو خبر يأتيه من جهة السماء وهو الذي يأتي به الملائكة ويحدثه. والأخير أنسب بسياق الكلام. والإضافة حينئذ لأدنى ملابسة. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن ضريس الكناسي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول - وعنده أناس من أصحابه -: عجبت من قوم يتولونا ويجعلونا أئمة ويصفون أن طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم يكسرون حجتهم ويخصمون أنفسهم بضعف قلوبهم، فينقصونا حقنا ويعيبون ذلك على من أعطاه الله برهان حق معرفتنا والتسليم لأمرنا، أترون أن الله تبارك وتعالى افترض طاعة أوليائه على عباده، ثم يخفي عنهم أخبار السماوات والأرض ويقطع عنهم مواد العلم فيما يرد عليهم مما فيه قوام دينهم ؟ ! فقال له حمران: جعلت فداك أرأيت ما كان من أمر قيام علي بن أبي طالب والحسن والحسين (عليهم السلام) وخروجهم وقيامهم بدين الله عز ذكره وما أصيبوا من قتل الطواغيت إياهم والظفر بهم حتى قتلوا وغلبوا ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا حمران إن الله تبارك وتعالى قد كان قدر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه على سبيل الاختيار ثم أجراه. فبتقدم علم إليهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام علي والحسن والحسين (عليهم السلام): وبعلم صمت من صمت منا ولو أنهم يا حمران حيث نزل بهم ما نزل من أمر الله عزوجل وإظهار الطواغيت عليهم سألوا الله عزوجل أن يدفع عنهم ذلك وألحوا عليه في طلب إزالة ملك الطواغيت وذهاب ملكهم، إذا لأجابهم ودفع ذلك عنهم، ثم كان انقضاء مدة الطواغيت وذهاب ملكهم أسرع من


[ 45 ]

سلك منظوم انقطع فتبدد، وما كان ذلك الذي أصابهم يا حمران لذنب اقترفوه، لا لعقوبة معصية خالفوا الله فيها، ولكن لمنازل وكرامة من الله أراد أن يبلغوها، فلا تذهبن بك المذاهب فيهم. * الشرح: قوله (ثم يكسرون حجتهم ويخصمون أنفسهم) لأن حجتهم على المخالفين بأن إمامهم أعلم من إمامهم فإذا قالوا بأن إمامهم ليس عالما بجميع الأشياء فقد كسروا حجتهم وخصموا أنفسهم إذ للمخالفين أن يقولوا: لا فرق بيننا وبينكم في أن إمامنا وإمامكم سواء في العلم وعدمه. قوله (بضعف قلوبهم) لعدم قوتها ومعرفتها حق الإمام بنسبة ما لا يليق إليه من الجهل بالمعارف والأحكام. قوله (فينقصونا حقنا) " حقنا " بدل عن الضمير المتكلم مع الغير، والمراد به العلم بجميع الأشياء حيث يعتقدون أن لا علم لنا بجميعها. قوله (ويعيبون ذلك) أي يذمون من عرفنا بالفضل وكمال العلم حق المعرفة وسلم لأمرنا من العلم التام وينكرون ذلك عليه. قوله (ويقطع عنهم مواد العلم) بأن لا يرد عليهم من الله تعالى علم فيما يرد عليهم مما فيه قوام دينهم واحتياجهم في كماله كالخلفاء الجاهلين بأكثر أموره. قوله (فقال له حمران) كأنه قال: إن كان لهم العلم بجميع الأمور لم أقدموا على ما فيه هلاكهم مما ذكر، وحاصل الجواب أنه كان لهم علم بذلك بإخبار الرسول وأقدموا عليه بعد تقدير الله تعالى ذلك وأمره إياهم على سبيل التخيير بينه وبين عدمه وقضائه وإمضائه بعد اختيارهم ليبلغوا درجة الشهادة ومحل الكرامة منه تعالى، ولئلا يبقى للخلق حجة عليه بسكوت الجميع وقعودهم ومن لم يقدم منا كان ذلك أيضا بأمره جل شأنه لمصلحة وبالجملة كل من القيام وعدمه والسكوت وعدمه منا إنما كان بأمر الله تعالى. قوله (ولو أنهم يا حمران) كما هم كانوا مخيرين بين القيام وعدمه واختاروا القيام لأمر الله تعالى على سبيل التخيير كذلك كانوا مخيرين بين الدعاء عليهم بالاستيصال وتركه واختاروا الترك شوقا إلى لقاء الله تعالى ليزداد مثوبتهم واستدراجا للطواغيت ليشتد عقوبتهم، وإيقانا بسرعة انقطاع ملكهم وتفرق جمعهم. قوله (أسرع من سلك منظوم انقطع فتبدد) السلك بالكسر الخيط الذي ينظم فيه اللؤلؤ، والتبدد التفرق، شبه اتصال ابتداء دولتهم بانقطاعها باتصال انقطاع السلك بتفرق ما هو منظوم فيه مبالغة في السرعة.


[ 46 ]

قوله (وما كان ذلك الذي أصابهم) هذا حق لا ريب فيه لأن المصائب والبلايا في الدنيا إنما تتوجهان إلى الخلق باعتبار قربهم من الحق فكلما كان القرب أشد كان لحوق المصائب أقوى وأكثر. قوله (فلا تذهبن بك المذاهب فيهم) بأن تنسب إليهم الجهل والعجز واستحقاق العقوبة ونحوها مما يوجب النقص. * الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) بمنى عن خمسمائة حرف من الكلام فأقبلت أقول: يقولون كذا وكذا، قال: فيقول: قل كذا وكذا، قلت: جعلت فداك هذا الحلال وهذا الحرام أعلم أنك صاحبه وأنك أعلم الناس به وهذا هو الكلام ؟ فقال لي: ويحك يا هشام [ لا ] يحتج الله تبارك وتعالى على خلقه بحجة لا يكون عنده كل ما يحتاجون إليه. * الشرح: قوله (عن خمسمائة حرف من الكلام) أي عن خمسمائة مسألة من علم الكلام وشبهاتهم فيه. قوله (وهذا هو الكلام) أي هذا الذي سألتك هو علم الكلام ومسائله ولم يكن لي علم بأنك عارف به حق المعرفة. قوله (يا هشام يحتج الله تعالى) هذا على سبيل الإنكار أي لا يكون ذلك الاحتجاج أبدا إذ وجب أن يكون حجته تعالى على الخلق عالما بجميع ما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة. وللعامة هنا كلام لا بأس أن نشير إليه فنقول: قال الآبي في كتاب إكمال الإكمال: اشترط غلاة الشيعة أن يكون الإمام صاحب معجزات وعالما بالغيب وبجميع اللغات وبطبائع الأشياء وعجائب الأرض والسماوات وهذا كله باطل للإجماع على صحة عقد الإمامة لأبي بكر وعمر وعثمان مع عرائهم من ذلك انتهى. وفيه أن الشيعة لا يسلمون انعقاد الإجماع على إمامة هؤلاء المذكورين كيف، وكثير من الصحابة المعروفين بالفضل والصلاح عندنا وعندهم لم يبايعوهم منهم سلمان والمقداد وطلحة والزبير وعباس وعمار وأبي ذر وإخراجه من المدينة إلى الشام ثم إلى الربذة مشهور، وقد صرحوا أيضا بجميع ذلك كما نقلنا عنهم سابقا. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن محمد بن فضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا والله لا يكون عالم جاهلا أبدا، عالما بشئ جاهلا بشئ، ثم قال: الله أجل وأعز وأكرم من أن يفرض طاعة عبد يحجب عنه علم سمائه وأرضه، ثم


[ 47 ]

قال: لا يحجب ذلك عنه. * الشرح: قوله (لا والله لا يكون عالم) أي لا يكون إمام عالم بشئ جاهلا بشئ آخر أبدا فإن هذا لا يصلح أن يكون إماما للخلق وخليفة لله. وفيه رد على أصحاب الثلاثة حيث يجيزون أن يكون الإمام جاهلا ببعض الشريعة بل بأكثرها وأن يقتدى فيما جهله برعيته ويقولون: لا يجوز أن يكون جاهلا بجميعها. وأنت خبير بأن هذا باطل بالضرورة وأنه لا فرق بين الجاهل بالبعض والجاهل بالجميع فكما لا يصلح الثاني للإمامة كذلك لا يصلح الأول لها.


[ 48 ]

باب أن الله عزوجل لم يعلم نبيه إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين وأنه كان شريكه في العلم * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن عبد الله بن سليمان، عن حمران بن أعين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن جبرئيل (عليه السلام) أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) برمانتين فأكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إحداهما وكسر الأخرى بنصفين فأكل نصفا وأطعم عليا (عليه السلام) نصفا ثم قال رسول الله: يا أخي هل تدري ما هاتان الرمانتان ؟ قال: لا ؟ قال: أما الاولى فالنبوة، ليس لك فيها نصيب، وأما الأخرى فالعلم أنت شريكي فيه، فقلت: أصلحك الله كيف كان يكون شريكه فيه ؟ قال: لم يعلم الله محمدا (صلى الله عليه وآله) علما إلا وأمره أن يعلمه عليا (عليه السلام). 2 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: نزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) برمانتين من الجنة فأعطاه إياهما فأكل واحدة وكسر الأخرى بنصفين فأعطى عليا (عليه السلام) نصفها فأكلها، فقال: يا علي أما الرمانة الاولى التي أكلتها فالنبوة ليس لك فيها شئ وأما الأخرى فهو العلم فأنت شريكي فيه. 3 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عبد الحميد، عن منصور بن يونس عن ابن أذينة، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: نزل جبرئيل على محمد (صلى الله عليه وآله) برمانتين من الجنة فلقيه علي (عليه السلام) فقال: ما هاتان الرمانتان اللتان في يدك ؟ فقال: أما هذه فالنبوة، ليس لك فيها نصيب، وأما هذه فالعلم، ثم فلقها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنصفين فأعطاه نصفها وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصفها ثم قال: أنت شريكي فيه وأنا شريكك فيه، قال: فلم يعلم - والله - رسول الله (صلى الله عليه وآله) حرفا مما علمه الله عزوجل إلا وقد علمه عليا ثم انتهى العلم إلينا، ثم وضع يده على صدره. * الشرح: قوله (أما الاولى فالنبوة) لما كان إرسال إحداهما لأجل النبوة والأخرى لأجل العلم وكان في العلم شركة دون النبوة وقع الاختصاص بإحداهما والاشتراك في الأخرى وربما يفهم منه أن درجة النبي فوق درجة الوصي بثلاث مراتب. قوله (كيف كان يكون شريكه) لما كان المتبادر من الشركة في أمر اختصاص كل من الشريكين بحصة فيه ليس للآخر فيها نصيب وهو ليس بمراد هنا سأل عن كيفية الشركة هنا فأجاب بأن المراد بها علم كل منهما جميع ما يعلمه الآخر إلا أن لأحدهما حق التعليم على الآخر.


[ 49 ]

باب جهات علوم الأئمة (عليهم السلام) * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن عمه حمزة بن بزيع، عن علي السائي، عن أبي الحسن الأول موسى (عليه السلام) قال: قال: مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث، فأما الماضي فمفسر، وأما الغابر فمزبور، وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا ولا نبي بعد نبينا. * الشرح: قوله (عن علي السائي) هو علي بن السويد السائي من أصحاب الرضا (عليه السلام) ثقة منسوب إلى الساءة بالسين المهملة قرية قريبة من المدينة. قوله (ماض وغابر وحادث) الغابر الباقي والماضي من الأضداد والمراد به هنا الثاني. قوله (فأما الماضي فمفسر) يعني الماضي الذي تعلق علمنا به وهو كل ما كان مفسرا لنا بالتفسير النبوي، والغابر المحتوم الذي تعلق علمنا به وهو كل ما يكون مزبورا مكتوبا عندنا بخط علي (عليه السلام) وإملاء الرسول وإملاء الملائكة كما مر في تفسير الجامعة ومصحف فاطمة (عليها السلام). والحادث الذي يتعلق علمنا به وهو كل ما يتجدد في إرادة الله تعالى ويحتمه بعدما كان في معرض البداء قذف في قلوبنا بإلهام رباني ونقر في أسماعنا بتحديث الملك وهذا القسم الأخير أفضل علمنا لاختصاصه بنا ولحصوله لنا من الله بلا واسطة بشر بخلاف الأولين لحصولهما بالواسطة ولعدم اختصاصهما بنا إذ قد اطلع على بعضها بعض خواص الصحابة مثل سلمان وأبي ذر باخبار النبي وبعض خواص أصحابنا مثل زرارة وغيره بقراءة بعض مواضع كتاب علي (عليه السلام). قوله (ولا نبي بعد نبينا) دفع بذلك توهم من يتوهم أن كل من قذف في قلبه ونقر في سمعه فهو نبي. وهذا التوهم فاسد لأنه محدث والمحدث ليس بنبي كما مر. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن علي بن موسى، عن صفوان بن يحيى، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام): [ قال ] قلت: أخبرني عن علم عالمكم ؟ قال: وراثة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن علي (عليه السلام) قال: قلت: انا نتحدث أنه يقذف في قلوبكم وينكت في آذانكم ؟ قال: أو ذاك.


[ 50 ]

* الشرح: قوله (وراثة) أخبر بالقسمين الأولين وسكت عن الثالث لغرابته، ثم أخبر به بعد السؤال عنه فقد ظهر أن جهات علومهم ثلاثة. * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عمن حدثه، عن المفضل بن عمر قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): روينا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: إن علمنا غابر ومزبور ونكت في القلوب ونقر في الأسماع، فقال: أما الغابر فما تقدم من علمنا، وأما المزبور فما يأتينا، وأما النكت في القلوب، فإلهام، وأما النقر في الأسماع فأمر الملك.


[ 51 ]

باب أن الأئمة (عليهم السلام) لو ستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن أبان بن عثمان، عن عبد الواحد بن المختار قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): لو كان لألسنتكم أوكية لحدثت كل امرئ بما له وعليه. * الشرح: قوله (أوكية) جمع وكاء ككساء وهو رباط القربة وغيرها، شبه الحالة التي تمنع الإنسان عن التكلم بما يضره بالوكاء الذي يشد به رأس القربة للإفصاح والإيضاح. * الأصل: 2 - وبهذا الإسناد، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، عن عبد الله بن مسكان قال: سمعت أبا بصير يقول: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): من أين أصاب أصحاب علي ما أصابهم مع علمهم بمناياهم وبلاياهم ؟ قال: فأجابني - شبه المغضب -: ممن ذلك إلا منهم ؟ ! فقلت: ما يمنعك جعلت فداك ؟ قال: ذلك باب أغلق إلا أن الحسين بن علي صلوات الله عليهما فتح منه شيئا يسيرا، ثم قال: يا أبا محمد ! إن أولئك كانت على أفواههم أوكية. * الشرح: قوله (من أين أصاب أصحاب علي ما أصابهم مع علمهم بمناياهم وبلاياهم) " ما " للتفخيم والتعظيم، والمراد به الأمور الغريبة التي أخبرهم بها (عليه السلام) والظرف أعني " مع " حال عن فاعل أصابهم، والمراد بأصحاب علي خواص أصحابه وهم أصحاب سره لا كلهم يعني من أي سبب أصاب أصحاب علي (عليه السلام) من العلوم الغريبة والرموز السرية حال كونها مقرونة مع ما أصابهم من علمهم بمناياهم وبلاياهم كل ذلك بإخباره (عليه السلام) إياهم. قوله (شبه المغضب) لعل سبب غضبه عدم وجدانه من أصحابه من يصلح أن يكون محلا لأسراره وقابلا لإظهارها عليه. قوله (ممن ذلك إلا منهم) " ذلك " مبتدأ إشارة إلى السبب الذي سأل السائل عنه و " ممن " خبره وضمير " منهم " راجع إلى أصحاب علي (عليه السلام) أي ذلك السبب الذي يوجب إظهار الأمور الغريبة والأسرار العجيبة ممن يكون إلا منهم فإنهم لصلاحهم ورعاية حقوق إمامهم صاروا قابلين لإظهار


[ 52 ]

السر عليهم. قوله (ما يمنعك) مفعوله محذوف بقرينة المقام أي ما يمنعك إظهار السر على أصحابك كما أظهره علي (عليه السلام) على أصحابه. قوله (ذلك باب أغلق) ذلك إشارة إلى إظهار السر المعلوم بحسب المقام وإغلاق بابه كناية عن عدم جواز إظهاره لعدم الوكاء على ألسنة الناس كما يشير إليه آخر الحديث. قوله (إن اولئك كانت على أفواههم أوكية) فلذلك صاروا قابلين لإظهار الأسرار وأما أصحابنا فلما لم تكن على أفواههم أوكية لم يجز لنا إظهارها عليهم لأنه يصير سببا لسفك دمائنا ودمائهم، وأولئك إشارة إلى أصحاب علي وأصحاب الحسين (عليهما السلام).


[ 53 ]

باب التفويض إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلى الأئمة (عليهم السلام) في أمر الدين * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن علي بن إسماعيل، عن صفوان بن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن أبي إسحاق النحوي قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فسمعته يقول: إن الله عزوجل أدب نبيه على محبته فقال: * (وإنك لعلى خلق عظيم) *. ثم فوض إليه فقال عزوجل: * (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * وقال عزوجل: * (من يطع الرسول فقد أطاع الله) *، قال: ثم قال: وإن نبي الله فوض إلى علي وائتمنه فسلمتم وجحد الناس فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا وأن تصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله عزوجل. ما جعل الله لأحد خيرا في خلاف أمرنا. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول - ثم ذكر نحوه -. * الشرح: قوله (عن أبي إسحاق ا لنحوي) هو ثعلبة بن ميمون وكان وجها في أصحابنا قارئا فقيها نحويا لغويا عابدا زاهدا ثقة. قوله (أدب نبيه على محبته) التأديب تعليم الأدب وهو ما يدعو إلى المحامد من الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة. قوله (على محبته) متعلق بأدب على تضمين معنى القيام أو حال عن الضمير المجرور أي كائنا على محبته. ومحبته لله عبارة عن الإتيان بمرضاته والصبر على موجبات قربه والتوجه بالكلية إلى قدس ذاته. ومحبة الله إياه عبارة عن إفاضة الخير عليه وتتابع الإحسان إليه وإجابة ما يتمناه وإعطاء ما يرضاه. قوله (فقال وإنك لعلى خلق عظيم) متفرع على التأديب يعني بعدما أدبه وأكمل له محامده وبلغه إلى غاية كماله خاطبه بذلك القول مؤكدا بأن واللام واسمية الجملة، والتنكير المفيد للتعظيم والتصريح به للدلالة على علو قدره وتفرده بذلك وتقرير حبه في الأذهان إذ ما من أحد ولو كان كافرا إلا وهو يمدح الخلق وصاحبه. قوله (ثم فوض إليه) للتفويض معان بعضها باطل وبعضها صحيح أما الباطل فهو تفويض الخلق والإيجاد والرزق والإحياء والإماتة إليه يدل على ذلك ما روي عن الرضا (عليه السلام) قال " اللهم من زعم أننا


[ 54 ]

أرباب فنحن منه براء ومن زعم أن إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن عنه براء كبراءة عيسى بن مريم من النصارى " وما روي عن زرارة قال: " قلت للصادق (عليه السلام): إن رجلا من ولد عبد المطلب بن سبأ يقول بالتفويض فقال: وما التفويض ؟ فقلت: إن الله عزوجل خلق محمدا (صلى الله عليه وآله) وعليا (عليهما السلام) ثم فوض الأمر إليهما فخلقا ورزقا وأحييا وأماتا، فقال (عليه السلام): كذب عدو الله إذا رجعت إليه فاقرأ عليه الآية التي في سورة الرعد * (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شئ وهو الواحد القهار) * فانصرفت إلى الرجل فأخبرته بما قال الصادق (عليه السلام) فكأنما ألقمته حجرا - أو قال فكأنما خرس " - وأما الثاني فأقسام منها تفويض أمر الخلق إليه بمعنى أنه أوجب عليهم طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه سواء علموا وجه الصحة أم لم يعلموا وإنما الواجب عليهم الانقياد والإذعان بأن طاعته طاعة الله تعالى. ومنها تفويض القول بما هو أصلح له أو للخلق وان كان الحكم الأصلي خلافه كما في صورة التقية وهي أيضا من حكم الله تعالى إلا أنه منوط على عدم إمكان الأول بالإضرار ونحوه. ومنها تفويض الأحكام والأفعال بأن يثبت ما رآه حسنا ويرد ما رآه قبيحا، فيجيز الله تعالى لإثباته إياه. ومنها تفويض الإرادة بأن يريد شيئا لحسنه ولا يريد شيئا لقبحه فيجيز الله تعالى إياه. وهذه الأقسام الثلاثة لا تنافي ما ثبت من أنه لا ينطق إلا بالوحي لأن كل واحد منها ثبت من الوحي إلا أن الوحي تابع لإرادته يعني إرادة ذلك فأوحى إليه كما أنه أراد تغيير القبلة وزيادة الركعتين في الرباعية والركعة في الثلاثية وغير ذلك فأوحى الله تعالى إليه بما أراد، إذا عرفت هذا حصلت لك بصيرة على موارد التفويض في أحاديث هذا الباب فليتأمل. قوله (وما أتاكم الرسول فخذوه) هذا ظاهر في القسم الأول (1). قوله (ونحن فيما بينكم وبين الله عزوجل) نبين لكم ما أراد الله منكم ونحصل لكم ما أردتم منه ونوردكم مورد الكرامة منه. قوله (في خلاف أمرنا) خلافه عبارة عن عدم الاعتقاد بحقيته سواء كان مع الاعتقاد بحقية نقيضه أم لا. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن بكار بن بكر، عن موسى بن أشيم قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فسأله رجل عن آية من كتاب الله عزوجل فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر [ به ] الأول، فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كأن قلبي يشرح بالسكاكين، فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لا


(1) قوله " ظاهر في القسم الأول " لكن الحق أن المراد به التفويض في الأحكام بقرينة سائر الروايات. (ش) (*)

[ 55 ]

يخطئ في الواو وشبهه وجئت إلى هذا، يخطئ هذا الخطأ كله، فبينا أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي، فسكنت نفسي فعلمت أن ذلك منه تقية، قال: ثم التفت إلي فقال لي: يا ابن أشيم إن الله عزوجل فوض إلى سليمان بن داود فقال: * (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) * وفوض إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال: * (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * فما فوض إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد فوضه إلينا. * الشرح: قوله (فسأله رجل عن آية من كتاب الله عزوجل) هذا ظاهر في القسم الثاني. قوله (كأن قلبي يشرح بالسكاكين) الشرح الكشف ومنه تشريح اللحم، والسكاكين بالفتح والتخفيف جمع السكين بالكسر، أي كان قلبي يقطع ويكشف بالسكين. قوله (إن الله فوض إلى سليمان) أراد أنه تعالى كما فوض الإعطاء والمنع والتصرف فيهما إلى سليمان (عليه السلام) غير محاسب عليهما كذلك فوض التصرف في الأمر والنهي إلينا نحن نقول فيهما ما يقتضيه المصلحة غير محاسبين على ذلك. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن ثعلبة، عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله (عليهما السلام) يقولان: إن الله عزوجل فوض إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم، ثم تلا هذه الآية: * (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) *. * الشرح: قوله (لينظر كيف طاعتهم) أي كيف طاعتهم لله أو لنبيه لأن الطاعة للخلق وإن كانت بأمر الله تعالى أشد على النفوس من الطاعة للخالق ولذلك أنكرها جم غفير من الحساد. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إن الله عزوجل أدب نبيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال: " إنك لعلى خلق عظيم "، ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده، فقال عزوجل: * (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان مسددا موفقا مؤيدا بروح القدس، لا يزل ولا يخطئ في شئ مما يسوس به الخلق فتأدب بآداب الله، ثم إن الله عزوجل فرض الصلاة ركعتين ركعتين، عشر ركعات، فأضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الركعتين ركعتين وإلى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهن إلا في سفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر فأجاز الله عزوجل له ذلك كله فصارت


[ 56 ]

الفريضة سبع عشرة ركعة، ثم سن رسول الله (صلى الله عليه وآله) النوافل أربعا وثلاثين ركعة مثلي الفريضة فأجاز الله عزوجل له ذلك والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعد بركعة مكان الوتر، وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان وسن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صوم شعبان وثلاثة أيام في كل شهر مثلي الفريضة فأجاز الله عزوجل له ذلك. وحرم الله عزوجل الخمر بعينها وحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسكر من كل شراب فأجاز الله له ذلك كله، وعاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشياء وكرهها ولم ينه عنها نهي حرام إنما نهى عنها نهي إعافة وكراهة، ثم رخص فيها فصار الأخذ برخصه واجبا على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه ولم يرخص لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما نهاهم عنه نهي حرام ولا فيما أمر به أمر فرض لازم فكثير المسكر من الأشربة نهاهم عنه نهي حرام لم يرخص فيه لأحد ولم يرخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمهما إلى ما فرض الله عزوجل، بل ألزمهم ذلك إلزاما واجبا، لم يرخص لأحد في شئ من ذلك إلا للمسافر وليس لأحد أن يرخص [ شيئا ] ما لم يرخصه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فوافق أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر الله عزوجل، ونهيه نهي الله عزوجل، ووجب على العباد التسليم له كالتسليم لله تبارك وتعالى. * الشرح: قوله (ليسوس عباده) ساس الناس يسوسهم سياسة أمرهم ونهاهم وملك أمورهم. قوله (فأضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الركعتين ركعتين) هذا هو القسم الثالث على الظاهر أو الرابع على الاحتمال. قوله (فصارت عديل الفريضة) أي فصارت الزيادة مثل الفريضة ومساوية لها في عدم جواز الترك كما أشار إليه بقوله: لا يجوز تركهن، لا في العدد لأن الزائد ناقص فيه. قوله (وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة) يعني لما أفرد الركعة في المغرب تركها قائمة في السفر والحضر، وحاصله: لما نقص ركعة لم يقصر فيهما، يدل عليه ما رواه الصدوق في كتاب العلل بإسناده عن محمد بن مسلم قال: " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) لأي علة يصلى المغرب في السفر والحضر ثلاث ركعات وسائر الصلوات ركعتين ؟ قال: لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرض عليه الصلاة مثنى مثنى وأضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ركعتين ثم نقص من المغرب ركعة ثم وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ركعتين في السفر وترك المغرب وقال إني أستحيي أن أنقص فيها مرتين فلتلك العلة يصلى ثلاث ركعات في الحضر والسفر ". قوله (فأجاز الله عزوجل له ذلك كله) أي ذلك المذكور وهو الإضافة وعدم جواز الترك مطلقا


[ 57 ]

في الحضر وجوازه في الرباعيات في السفر وعدم جوازه في المغرب فيه. قوله (ثم سن رسول الله (صلى الله عليه وآله) النوافل أربعا وثلاثين) هذا حجة لمن ذهب إلى أن النوافل هذا المقدار. قوله (تعد بركعة مكان الوتر) ضمير تعد راجع إلى الركعتين باعتبار أنهما ركعة تقوم مقام الوتر لمن يفوته للنوم وغيره ولكون شرعهما باعتبار قيامهما مقام الوتر عند فواته لم يصلهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما يدل على الأمرين ما رواه الصدوق في كتاب العلل بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر، قال: قلت: يعني الركعتين بعد العشاء الآخرة ؟ قال: نعم إنهما بركعة فمن صلاهما ثم حدث له حدث مات على وتر فإن لم يحدث له حدث الموت، يصلي الوتر في آخر الليل، فقلت: هل صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) هاتين الركعتين ؟ قال: لا، قلت: ولم ؟ قال: لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأتيه الوحي وكان يعلم أنه هل يموت في هذه الليلة أولا وغيره لا يعلم فمن أجل ذلك لم يصلهما وأمر بهما. قوله (مثلي الفريضة) شعبان كله وثلاثين يوما لكل شهر من عشرة أشهر ثلاثة أيام. قوله (وعاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشياء وكرهها) عاف الأشياء كرهها فالعطف في وكرهها للتفسير وقوله " لم ينه عنها " نهي حرام للتأكيد أو لدفع توهم حمل الكراهة على التحريم، ويؤيده الحصر في قوله " إنما نهى عنها نهي اعافة وكراهة " ولما كان عاف وأعاف بمعنى، صح إعافة في موضع عيافا بكسر العين وهو مصدر عاف. قوله (فصار الأخذ برخصه واجبا على العباد) دل على أن الأخذ بالمكروه والمندوب من حيث أنه مكروه ومندوب واجب عليهم كما أن الأخذ بالحرام والواجب من حيث أنه حرام وواجب واجب عليهم فلا يجوز لهم الأخذ بالعكس في الموضعين ولا دلالة فيه على اعتبار الكيفية في النية فليتأمل. قوله (فكثير المسكر) لا دلالة فيه على عدم النهي في قليله إلا بمفهوم اللقب وهو ليس بحجة اتفاقا. قوله (وليس لأحد أن يرخص) لأنه يجب على الكل الأخذ بقوله والتسليم لأمره ونهيه. 5 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة أنه سمع أبا جعفر وأبا عبد الله (عليهما السلام) يقولان: إن الله تبارك وتعالى فوض إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم، ثم تلا هذه الآية * (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) *. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة مثله.


[ 58 ]

* الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى أدب نبيه (صلى الله عليه وآله) فلما انتهى به إلى ما أراد، قال له: * (إنك لعلى خلق عظيم) * ففوض إليه دينه فقال: * (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * وإن الله عزوجل فرض الفرائض ولم يقسم للجد شيئا وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أطعمه السدس فأجاز الله جل ذكره له ذلك وذلك قول الله عزوجل: * (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) *. * الشرح: قوله (فلما انتهى به إلى ما أراد) من الكمالات الإنسانية والأخلاق النفسانية حتى صار متصلا بالحق اتصالا معنويا وبلغ غاية القرب منه وشاهد نوره في ذاته وذاته في نوره فرض الفرائض أي أحكام المواريث. قوله (ولم يقسم للجد شيئا) أي لم يقسم لجد الميت مع أبويه شيئا لأن الأبوين يمنعان آباءهم عن الإرث. قوله (أطعمه السدس) أي سدس الأصل استحبابا. قوله (وذلك قول الله عزوجل) أي تفويض أمر دينه إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) كتفويض المن والإمساك إلى سليمان (عليه السلام). * الأصل: 7 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن حماد بن عثمان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) دية العين ودية النفس وحرم النبيذ وكل مسكر، فقال له رجل: وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من غير أن يكون جاء فيه شئ ؟ قال: نعم ليعلم من يطيع الرسول ممن يعصيه. * الشرح: قوله (من غير أن يكون جاء فيه شئ فقال نعم) وهو القسم الثالث فإنه أثبت شيئا وأجازه الله تعالى لإثباته. * الأصل: 8 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن قال: وجدت في نوادر محمد بن سنان عن عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلى الأئمة، قال عزوجل: * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أريك الله) * وهي جارية في الأوصياء (عليهم السلام).


[ 59 ]

* الشرح: قوله (لا والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه) وهو القسم الأول الذي أشرنا إليه. 9 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن زياد، عن محمد بن الحسن الميثمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن الله عزوجل أدب رسوله حتى قومه على ما أراد، ثم فوض إليه عز ذكره: * (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * فما فوض الله إلى رسوله (صلى الله عليه وآله) فقد فوضه إلينا. * الأصل: 10 - علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن الحسين بن عبد الرحمن، عن صندل الخياط، عن زيد الشحام قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) * قال: أعطى سليمان ملكا عظيما ثم جرت هذه الآية في رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكان له أن يعطي ما شاء من شاء ويمنع من شاء، وأعطاه [ الله ] أفضل مما أعطى سليمان لقوله: * (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) *. * الشرح: قوله (ثم جرت هذه الآية) لأنه فوض إليه (صلى الله عليه وآله) المنع والإعطاء المتعلقين بالرئاسة الدنيوية أيضا. قوله (أفضل مما أعطى سليمان (1) حيث فوض إليه أمر الدين المتعلق بالرئاسة الأخروية.


(1) قوله " أفضل مما أعطى سليمان " حاصل أحاديث هذا الباب والمعنى الذي يتفق عليه جميعها أن بعض الأحكام مفوض إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) وبعضها موحى إليه من الله تعالى ويشكل بأن ما يفرضه الرسول (صلى الله عليه وآله) لا يمكن أن يكون إلا بأمر الله تعالى وهو * (لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * والجواب أن جميعها وإن كانت من الله تعالى وبأمر الله لكن الفرق في الطريق الموصل فبعض الأحكام يوحى إليه قرآنا بوسيلة روح القدس وبعضها غير قرآن وبعضها إلهام وإلقاء في الروع وبعضها بعلمه (صلى الله عليه وآله) بالمصلحة الملزمة وليس هذا أمرا غريبا كما يتفق للعلماء وإنهم يستنبطون الحكم تارة من الكتاب الكريم وتارة من نص الرسول (صلى الله عليه وآله) وتارة من فحوى الخطاب كاستفادة حرمة ضرب الأبوين وشتمهما من قوله تعالى * (ولا تقل لهما أف) * وتارة يعرفون الحكم من العقل مجردا من النص المنقول كحرمة الغصب وقتل النفوس وليس معنى تفويض الله تعالى بعض أحكامه إلى رسوله أنه تعالى لا يعلم ولا يقصد ما يفعله الرسول ولا يجعل حكما ولا يريد شيئا إلا تبعا لإرادة الرسول (صلى الله عليه وآله) بل الأمر بالعكس لكن عرف (صلى الله عليه وآله) وجوب الركعتين الأوليين بنص جبرئيل في ليلة الإسراء ووجوب الركعات الأخر بإلهام وقوة قدسية من الله أيضا كما أن جميع ما نعرفه بعقلنا بل بحسنا إنما هو من جانب الله تعالى وإن لم يكن بوحي وإلهام بل بإعداد مقدمات وحصول معدات لا تنفك في سنته تعالى عن إفاضة العلم والإدراك ولما جرت عادة الناس بأن ينسبوا ما استفادوا من غير سبب وواسطة إلى نفس المسبب وما استفادوا بواسطة إلى الواسطة مع اعتقادهم بأنه من ذي الواسطة فيتبادر من قولهم: شربت = (*)

[ 60 ]

باب في أن الأئمة (عليهم السلام) بمن يشبهون ممن مضى، وكراهية القول فيهم بالنبوة 1 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما موضع العلماء ؟ قال: مثل ذي القرنين وصاحب سليمان وصاحب موسى (عليهم السلام). * الشرح: قوله (ما موضع العلماء) (1) عنوان الباب دل على أن المراد بالعلماء الأئمة (عليهم السلام) وحينئذ تشبيههم بمن ذكر يوجب النقص فيهم وانحطاط رتبتهم وكذا إن تركنا التشبيه وحكمنا بالتساوي وهو باطل لدلالة الروايات المتكثرة المعتبرة على أنهم أعلم وأفضل من جميع السابقين ومواضعهم أرفع من مواضعهم، ويمكن الدفع بأن وجه الشبه هو الوصية أو بأن العلم والقرب ورفعة المواضع والمقام هنا وإن كانت في المشبه أقوى وأكمل منها في المشبه به إلا أنها لما كان في المشبه به أشهر في الصدر الأول وكانت مسلمة الثبوت فيه وقع التشبيه من هذه الجهة، ويمكن حمل العلماء على علماء الرعية فيسلم عن هذه الشبهة إلا أنه بعيد في هذا المقام ومثل ما ذكرناه من السؤال والجواب يجري فيما روي من " أن علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ".


= الماء من النهر إنهم شربوا منه بلا واسطة لا من الحياض والحباب والكوز التي في دارهم مع أنها من النهر أيضا جرى في هذه الأخبار على اصطلاحهم كما هو دأب الشرع في التكلم مع الناس بلسانهم فسمى ما أوحى إليه بلفظه من الله تعالى مثلا فرض الله وما ألهم به بقوته القدسية وعلمه بالمصلحة الملزمة مثلا فرض الرسول وإن كانت جميعا فرض الله تعالى ومذهبنا المتفق عليه بيننا أن الأنبياء لا يشرعون حكما باجتهادهم على ما صرح به علماؤنا في كتب التفسير والكلام فراجع ما قالوا في تفسير آية * (ففهمناها سليمان - الآية) * لكنه تعالى أدب رسوله فأحسن أدبه وجعل فيه الخلق العظيم وإذا حصلت فيه القوة القدسية استعد لقبول الإلهام والإلقاء في الروع وأمثالهما كما في هذه الأخبار، وبينه الشيخ الرئيس في الإشارات أحسن بيان. (ش) (1) قوله " ما موضع العلماء " مراد السائل بقرينة الجواب أن الأئمة (عليهم السلام) بمنزلة الأنبياء أو بمنزلة الرعية وآحاد الناس أو غير ذلك وما هي والجواب إنهم ليسوا بأنبياء بل عباد مكرمون مؤيدون بأرواح غيبية ولهم فضل على الرعية بقربهم وعناية خاصة من الله تعالى بهم كما كان صاحب سليمان وصاحب موسى وذو القرنين، ولا ينافي ذلك كونهم أفضل من الأنبياء مع عدم كونهم نبيا واستصعاب الشارح عجيب لأن تشبيه شئ بشئ، يقتضي الاشتراك في وجه الشبه لا في جميع الصفات، والمقصود هنا دفع وهم السائل وإن كل مقرب عند الله ليس نبيا وكل من ذكره الله بخير ليس ممن يوحى إليه وليس الأئمة (عليهم السلام) لعناية الله بهم أنبياء ووجه الشبه عدم نبوتهم كصاحب سليمان وذي القرنين. (ش) (*)

[ 61 ]

* الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أبي العلاء قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنما الوقوف علينا في الحلال والحرام فأما النبوة فلا. * الشرح: قوله (إنما الوقوف علينا) أراد بالوقوف عليهم العكوف على سدتهم والرجوع إليهم والحصر بالنسبة إلى النبوة وإلا فهم المعادن لجميع العلوم والمعارف وقد أخبروا بكثير من الأسرار والغيوب التي يتوهم منها إنهم الأنبياء المخبرون عن الوحي، ولذلك نفى عنهم النبوة دفعا لهذا التوهم. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى الأشعري، عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله عز ذكره ختم بنبيكم النبيين فلا نبي بعده أبدا، وختم بكتابكم الكتب فلا كتاب بعده أبدا وأنزل فيه تبيان كل شئ وخلقكم وخلق السماوات والأرض ونبأ ما قبلكم وفصل ما بينكم وخبر ما بعدكم وأمر الجنة والنار وما أنتم صائرون إليه. * الشرح: قوله (وخلقكم) عطف على التبيان أي فيه كيفية خلقكم وخلق السماوات والأرض، يظهر ذلك لمن تفكر فيه. قوله (ونبأ ما قبلكم) إلى زمان آدم بل إلى أول الإيجاد. قوله (وفصل ما بينكم) من الأحكام والقضايا بالقوانين الدينية والدنيوية. قوله (وخبر ما بعدكم) من الأمور الآتية إلى يوم القيامة. قوله (وما أنتم صائرون إليه) من الخيرات والشرور والأخلاق والأعمال والأحوال والبرزخ والمعاد. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن الحارث بن المغيرة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إن عليا (عليه السلام) كان محدثا. فقلت: فنقول: نبي ؟ قال: فحرك بيده هكذا، ثم قال: أو كصاحب سليمان أو كصاحب موسى أو كذي القرنين أو ما بلغكم أنه (صلى الله عليه وآله) قال: وفيكم مثله.


[ 62 ]

* الشرح: قوله (إن عليا (عليه السلام) كان محدثا) قال أبو جعفر (عليه السلام) في رواية الأحول عنه " المحدث الذي يحدث فيسمع ولا يعاين ولا يرى في منامه " وفي رواية بريد عنه " المحدث الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة " يعني يكلمه الملك وفي رواية محمد بن مسلم المذكورة في الباب الآتي مثله. وقال البخاري المحدث هو الذي يجري الصواب على لسانه، وقال بعض علمائهم: المحدث هو الملهم بالصواب. وقال بعضهم: هو الذي يلقى في قلبه شئ من الملأ الأعلى. وقال بعضهم: هو الذي يحدث في ضميره بأمور صحيحة وهو نوع من الغيب فيظهر على نحو ما وقع له وهي كرامة من الله تعالى يكرم بها من يشاء من صالح عباده ومن هذا النوع الفراسة في قوله (صلى الله عليه وآله): " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " وقال بعضهم: هو الذي من صفاء القلب فيتجلى فيه من اللوح المحفوظ عند المقابلة بينه وبين القلب، وقال بعضهم: هو الذي يخلق الله تعالى في قلبه الصافي الأمور الكائنة بواسطة الملك الموكل به وقد ينتهي الاستعداد إلى أن يسمع الصوت ويرى الملك. قوله (فنقول نبي) أي هو نبي ونقول على صيغة المتكلم مع الغير ويحتمل الخطاب. قوله (هكذا) يعني لا وعدم جواز هذا القول مع أنه نبي لغة لأنه مخبر عن الله تعالى ولو بواسطة ورفيع القدر لوقوع المنع منه شرعا ولاختصاص النبي شرعا بمن يرى الملك ويخبر عن الله تعالى بلا واسطة من البشر. قوله (أو كصاحب سليمان) عطف على محدثا والترديد على سبيل منع الخلو فيمكن الاجتماع كما مر في الحديث الأول وصحة التشبيه على نحو ما عرفت فيه أيضا. قوله (أوما بلغكم أنه) الاستفهام للتقرير وضمير مثله راجع إلى ذي القرنين وضمير أنه راجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) لكونه معلوما أو إلى علي لكونه مذكورا يدل على الأول ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) قال: " إن عليا ذو قرني هذه الأمة " أي مثله فيها، ومثله في النهاية. وعلى الثاني ما ذكر صاحب الكشاف في تفسير قوله * (يسألونك عن ذي القرنين) * قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سأله ابن الكواء: ما ذو القرنين أملك أم نبي ؟ فقال (عليه السلام): ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبدا صالحا ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله " أراد به نفسه. وما ذكره أيضا صاحب النهاية حيث قال: ومنه حديث علي وذكر قصة ذي القرنين ثم قال: وفيكم مثله، وإنما عنى نفسه لأنه ضرب على رأسه ضربتين إحداهما يوم الخندق والأخرى ضربة ابن ملجم وذو القرنين هو الإسكندر سمي به لأنه ملك الشرق والغرب وقيل: لأنه كان في رأسه شبه قرنين وقيل: رأى في النوم أنه أخذ بقرني الشمس. ومن العجائب ما رواه مسلم


[ 63 ]

بإسناده عن عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه كان يقول " قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم " وأنت تعلم بالضرورة إن من كان عاكفا على عبادة الأصنام والزنا بالأحرار كما اعترف هو به في بعض المواضع لا يصلح أن يكون محدثا يتكلم الملائكة معه وإنما المحدث في هذه الأمة مثل علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهم ظلموه ووضعوا حقه في غير موضعه. * الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن بريد بن معاوية، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: ما منزلتكم ومن تشبهون ممن مضى ؟ قال: صاحب موسى وذو القرنين كانا عالمين ولم يكونا نبيين. * الشرح: قوله (قال صاحب موسى) هذا بحسب الظاهر إخبار عن حالهما وفي الواقع إخبار عن المشابهة بينهم وبينهما في العلم وعدم النبوة وهذه حجة على من قال بأن ذا القرنين كان نبيا. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن أبي طالب، عن سدير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن قوما يزعمون أنكم آلهة، يتلون بذلك علينا قرآنا: * (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) * فقال: يا سدير سمعي وبصري وبشري ولحمي ودمي وشعري من هؤلاء براء وبرئ الله منهم، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي والله لا يجمعني الله وإياهم يوم القيامة إلا وهو ساخط عليهم، قال: قلت: وعندنا قوم يزعمون أنكم رسل يقرؤون علينا بذلك قرآنا * (يا أيها الذين آمنوا كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) * فقال: يا سدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براء وبرئ الله منهم ورسوله، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي والله لا يجمعني الله وإياهم يوم القيامة إلا وهو ساخط عليهم، قال: قلت: فما أنتم ؟ قال: نحن خزان علم الله، نحن تراجمة أمر الله، نحن قوم معصومون، أمر الله تبارك وتعالى بطاعتنا ونهى عن معصيتنا، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض. * الشرح: قوله (إن قوما يزعمون أنكم آلهة) هؤلاء لما رأوا منهم (عليهم السلام) أمورا غريبة بعيدة عن قدرة البشر بحسب العادة زعموا أنهم آلهة خلقوا أهل الأرض أو نسبوا إليهم الإحياء والإماتة والرزق واستدلوا على ذلك بقوله تعالى * (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) * زعموا لسوء فهمهم وقلة


[ 64 ]

تدبرهم أن إله الأرض غير إله السماء وأن الآية مسوقة لإثبات تعدد الإله وهذا فاسد، إذ المقصود إثبات وحدة الإله. توضيح ذلك أن الظرف في الموضعين متعلق بإله لكونه بمعنى المعبود وإله خبر مبتدأ محذوف وهو ضمير الموصول والتقدير وهو الذي هو إله في السماء وإله في الأرض أي مستحق لأن يعبد فيهما، ففيه نفي تعدد الإله واختصاصه تعالى بالألوهية. قوله (فقال يا سدير سمعي وبصري) هذا أبلغ وأفيد من قوله أنا منهم برئ لما فيه من الإشارة إلى احتياجه في تحققه وكماله إلى هذه الأمور والمحتاج إلى شئ ليس بإله وأيضا كل واحد من هذه الأمور باعتبار ذاته وتركبه وحدوثه ومحله شاهد صدق على أن له إلها صانعا وعلى أن المفتقر إليه أولى بذلك، مع ما فيه من الإيماء إلى غاية التباغض والبراءة لأن في براءة السمع من سماع أحوالهم وبراءة البصر من رؤية أشخاصهم وبراءة سائر الأعضاء من مخالطتهم ومجالستهم دلالة على كمال العداوة بينه وبينهم فافهم. قوله (من هؤلاء براء) تقديم الظرف لقصد الحصر مبالغة لأن هؤلاء من حيث أنهم نفوا صفة كمالهم (عليهم السلام) وهي غاية العبودية كانوا في حد التفريط من حيث أنهم أثبتوا لهم مالا يليق بهم من صفة الإلوهية كانوا في حد الإفراط فهم كانوا أصحاب الرذيلتين بخلاف من سواهم من الملل الفاسدة فإنهم كانوا من أهل التفريط فقط فسبب البراءة من هؤلاء أشد وأقوى حتى كأنه تحقق فيهم لا في غيرهم فليتأمل. قوله (ما هؤلاء على ديني) لظهور أن دينه هو التوحيد المطلق ودين هؤلاء هو الشرك بالله. قوله (يقرؤون علينا بذلك قرآنا يا أيها الرسل) يعني يستدلون على أنكم رسل بهذه الآية ومناط استدلالهم بها على توهم أن المراد بالرسل محمد (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، وهذا التوهم فاسد لما ذكره المفسرون من أنه نداء وخطاب لجميع الأنبياء لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة بل على معنى أن كلا منهم خوطب به في زمانه، وفيه تنبيه على أن الأمر بأكل الطيبات لم يكن له خاصة، بل كان لجميع الأنبياء، وحجة على من رفض أكلها تقربا إلى الله تعالى، وقيل: النداء له (صلى الله عليه وآله) والجمع للتعظيم، وفي المغرب: الطيبات خلاف الخبائث في المعنيين يقال: شئ طيب أي طاهر نظيف أو مستلذ طعما وريحا وخبيث أي نجس أو كريه الطعم والرائحة، وفي النهاية: الطيب أكثر ما يرد بمعنى الحلال كما أن الخبيث كناية عن الحرام، وقد يرد الطيب بمعنى الطاهر. وقيل: الطيب المباح والحلال أخص من المباح لما ورد " أن الحلال قوت النبيين " بخلاف المباح فإنه قوت غيرهم. * الأصل:


[ 65 ]

7 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن عبد الله بن بحر، عن ابن مسكان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الأئمة بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا أنهم ليسوا بأنبياء ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي (صلى الله عليه وآله) فأما ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (الأئمة بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله)) يعني في العلم والعمل والأخلاق ووجوب طاعة الخلق له. قوله (ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي) فلا تحل لهم تسع نسوة ولا امرأة بمجرد الهبة.


[ 66 ]

باب أن الأئمة (عليهم السلام) محدثون مفهمون * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن القاسم بن محمد، عن عبيد بن زرارة قال: أرسل أبو جعفر (عليه السلام) إلى زرارة أن يعلم الحكم بن عتيبة أن أوصياء محمد عليه وعليهم السلام محدثون. * الشرح: قوله (أن يعلم الحكم بن عتيبة) زيدي بتري مذموم روى الكشي في ذمه روايات كثيرة وكان من فقهاء العامة وفي بعض كتب الرجال أنه كان أستاد زرارة وحمران والطيار قبل أن يروا هذا الأمر. قوله (إن أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) محدثون) الغرض منه أن زيدا ليس بوصي لأنه ليس بمحدث. * الأصل: 2 - محمد، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن زياد بن سوقة، عن الحكم بن عتيبة قال: دخلت على علي بن الحسين (عليهما السلام) يوما فقال: يا حكم هل تدري الآية التي كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) يعرف قاتله بها ويعرف بها الأمور العظام التي كان يحدث بها الناس ؟ قال الحكم: فقلت في نفسي: قد وقعت على علم من علم علي بن الحسين، أعلم بذلك تلك الأمور العظام، قال: فقلت: لا والله لا أعلم، قال: ثم قلت: الآية تخبرني بها يا ابن رسول الله ؟ قال: هو والله قول الله عز ذكره: * (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي (ولا محدث) * وكان علي بن أبي طالب (عليه السلام) محدثا فقال له رجل يقال له: عبد الله بن زيد، كان أخا علي لأمه: سبحان الله: محدثا ؟ ! كأنه ينكر ذلك، فأقبل علينا أبو جعفر (عليه السلام) فقال: أما والله إن ابن أمك بعد قد كان يعرف ذلك. قال: فلما قال ذلك سكت الرجل، فقال: هي التي هلك فيها أبو الخطاب فلم يدر ما تأويل المحدث والنبي. * الشرح: قوله (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي - ولا محدث -) دل على أن قوله ولا محدث كان من تتمة الآية وهم أسقطوها، وإطلاق الرسول على المحدث من باب التغليب أو على أن المراد بالرسول معناه لغة وكل من أرسله إلى أحد فهو رسول أو على أن رسول الرسول أيضا رسول مجازا كما في قوله تعالى * (إذ أرسلنا إليهم اثنين) * مع أن الاثنين لم يكونا رسولين لله تعالى بل لعيسى (عليه السلام).


[ 67 ]

قوله (كان أخا علي لأمه) قيل: كان أخا علي بن الحسين لأمه رضاعا، وقيل: كانت أمه جارية الحسين (عليه السلام)، وكانت مربية لعلي بن الحسين (عليهما السلام) وهو زوجها بعد مراجعته من كربلاء فولدت ابنا فكان بمنزلة أخيه من أمه مجازا. قوله (إن ابن أمك) أراد به أباه (عليه السلام). قوله (فقال هي التي هلك فيها أبو الخطاب) أي هذه القضية أو هذه الحكاية أو هذه المعرفة وفاعل قال أبو جعفر أو علي بن الحسين (عليهما السلام) وأبو الخطاب محمد بن مقلاص (1) لعنه الله. قوله (فلم يدر ما تأويل المحدث والنبي) فزعم أن المحدث نبي وقد مر تأويلهما مرارا. 3 - أحمد بن محمد، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن إسماعيل قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: الأئمة علماء صادقون مفهمون محدثون. 4 - علي إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن رجل، عن محمد بن مسلم قال: ذكر المحدث عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: إنه يسمع الصوت ولا يرى الشخص، فقلت له: جعلت فداك كيف يعلم أنه كلام الملك ؟ قال: إنه يعطى السكينة والوقار حتى يعلم أنه كلام ملك. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى عن الحسين بن المختار، عن الحارث بن المغيرة، عن حمران بن أعين قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) إن عليا (عليه السلام) كان محدثا، فخرجت إلى أصحابي فقلت: جئتكم بعجيبة فقالوا: وما هي ؟ فقلت: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان علي (عليه السلام) محدثا، فقالوا: ما صنعت شيئا، ألا سألته من كان يحدثه، فرجعت إليه فقلت: إني حدثت أصحابي بما حدثتني فقالوا: ما صنعت شيئا ألا سألته من كان يحدثه ؟ فقال لي: يحدثه ملك، قلت: تقول: إنه نبي ؟ قال: فحرك يده - هكذا -: أو كصاحب سليمان، أو كصاحب موسى أو كذي القرنين أوما بلغكم أنه قال: وفيكم مثله. * الشرح: قوله (عن الحارث بن المغيرة عن حمران بن أعين) نقل الحارث في الرابع من الباب السابق مضمون هذا الحديث عن أبي جعفر (عليه السلام) بلا واسطة ولعله سمعه تارة بواسطة وتارة بلا واسطة.


(1) قوله " وأبو الخطاب محمد بن مقلاص " أبو الخطاب قتل في عصر الصادق (عليه السلام) في صدر دولة بني العباس سنة مائة وثمانية وثلاثين أو قبله بقليل وكان غاليا والحكم بن عتيبة مات سنة مائة وخمس عشرة ولم يدرك أبا الخطاب ولا قتله والحديث مع سلامة إسناده إلى الحكم مضطرب المتن جدا. وقال المجلسي (رحمه الله): اشتبه الأمر فيه على نساخ الحديث أو المصنف والله العالم. (ش) (*)

[ 68 ]

قوله (بعجيبة) أي بقصة عجيبة. قوله (فرجعت إليه) في بعض النسخ فرحت إليه بالحاء المهملة وفي بعضها فخرجت إليه بالخاء المعجمة والجيم. قوله (فقالوا ما صنعت شيئا) " ما " للنفي أو الاستفهام والتوبيخ.


[ 69 ]

باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة (عليهم السلام) * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن جابر الجعفي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا جابر إن الله تبارك وتعالى خلق الخلق ثلاثة أصناف وهو قول الله عزوجل: * (وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون أولئك المقربون) * فالسابقون هم رسل الله (عليهم السلام) وخاصة الله من خلقه، جعل فيهم خمسة أرواح أيدهم بروح القدس فبه عرفوا الأشياء، وأيدهم بروح الإيمان فبه خافوا الله عزوجل، وأيدهم بروح القوة فبه قدروا على طاعة الله، وأيدهم بروح الشهوة فبه اشتهوا طاعة الله عزوجل وكرهوا معصيته. وجعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس ويجيئون. وجعل في المؤمنين أصحاب الميمنة روح الإيمان، فبه خافوا الله، وجعل فيهم روح القوة فبه قدروا على طاعة الله، وجعل فيهم روح الشهوة فبه اشتهوا طاعة الله، وجعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس ويجيئون. * الشرح: قوله (وكنتم) أي وكنتم عند الحشر أصنافا ثلاثة لا أكثر ولا أقل كل صنف في مرتبة وإن كانت تحته مراتب متفاوتة. قوله (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة) الاستفهام للتعجب من علو حالهم والتفخيم لرفعة شأنهم وهم الذين كانوا عند أخذ الميثاق من أصحاب اليمين أو الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم أو الذين يكونون على يمين العرش لأن الجنة على يمينه أو الذين يكونون من أهل اليمن والبركة وأصحاب المشئمة على خلاف ذلك كله. قوله (والسابقون السابقون) إلى المقامات العلية والمراتب السنية بالحكمة النظرية والعملية، وإلى الأصناف الثلاثة أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: " ساع سريع نجا وطالب بطئ رجا ومقصر في النار هوى " ووجه الحصر أن الناس إما طالبون له أو تاركون، والطالبون بالسرعة في غاية جدهم ونهاية سعيهم في العلم والعمل واصلون إليه أو بالبط ء والثاني سالكون لطريقه. فالقسم الأول هم الفائزون بقصب السبق، والقسم الثاني ذو جهتين تجذبه يد الرحمن إلى العلو ويد الشيطان إلى السفل والقوة للأولى إن شاء الله، والقسم الثالث معرض عن الرحمن تابع للشيطان يجذبه إلى


[ 70 ]

حيث أراد من موارد الهلاك ومنازل الشقاء. قوله (وخاصة الله من خلقه) هم الذين سبقوا في حيازة الفضل والكمالات وبلغوا أقصى المراتب في العمل والخيرات وأفضلهم علما وأكملهم عملا وأشرفهم أخلاقا علي بن أبي طالب (عليه السلام) باتفاق الأمة. قوله (جعل فيهم) أي جعل الله تعالى بالحكمة البالغة والمصلحة الكاملة في الرسل والخاصة خمسة أرواح لحفظهم من الخطأ والخلل وتكميلهم بالعلم والعمل ليكون قولهم صدقا وبرهانا والاقتداء بهم رشدا وإيقانا كيلا يكون لمن سواهم على الله حجة يوم القيامة، ولعل المراد بالأرواح هنا النفوس، قال الصدوق في كتاب الاعتقاد: " النفوس: الأرواح التي بها الحياة وهي الخلق الأول لقوله (صلى الله عليه وآله) " أول ما أبدع الله سبحانه النفوس المقدسة المطهرة فأنطقها بتوحيده ثم خلق سائر الخلق " وهي خلقت للبقاء لا للفناء لقوله: " ما خلقتم للفناء، بل خلقتم للبقاء وإنما تنقلون من دار إلى دار وأنها في الأرض غريبة وفي الأبدان مسجونة " وروى في كتاب العلل بإسناده عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): لأي علة جعل الله عزوجل الأرواح في الأبدان بعد كونها في ملكوتها الأعلى في أرفع محل ؟ فقال (عليه السلام): " إن الله تبارك وتعالى علم أن الأرواح في شرفها وعلوها متى تركت على حالها نزع أكثرها إلى دعوى الربوبية دونه عزوجل - الحديث ". وقال الشيخ بهاء الملة والدين في الأربعين: المراد بالروح ما يشير إليه الإنسان بقوله: أنا، أعنى النفس الناطقة وهو المعني بالروح في القرآن والحديث، وقد تحير العقلاء في حقيقتها واعترف كثير منهم بالعجز عن معرفتها حتى قال بعض الأعلام: إن قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " من عرف نفسه فقد عرف ربه " معناه أنه كما لا يمكن التوصل إلى معرفة النفس لا يمكن التوصل إلى معرفة الرب وقوله عز وعلا: * (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) * مما يعضد ذلك والذي عليه المحققون أنها غير داخلة في البدن بالجزئية والحلول بل هي بريئة عن صفات الجسمية منزهة عن العوارض المادية متعلقة به تعلق التدبير والتصرف فقط، وهو مختار أعاظم الحكماء الإلهيين وأكابر الصوفية والإشراقيين وعليه استقر رأي أكثر متكلمي الإمامية كالشيخ المفيد وبني نوبخت والمحقق نصير الملة والدين والعلامة الحلي ومن الأشاعرة الراغب الأصفهاني وأبي حامد الغزالي والفخر الرازي وهو المذهب المنصور (1) الذي أشارت إليه الكتب


(1) قوله " وهو المذهب المنصور " بل غير هذا المذهب إما يرجع إلى الإلحاد والزندقة أو إلى الحشو والخرافة ومنكر التجرد إن قال بكون الروح جسما داخلا في البدن لزم منه أن لا يموت أحد أبدا بعدما مات بدنه بحيث = (*)

[ 71 ]

السماوية وانطوت عليه الأنباء النبوية وعضدته الدلائل العقلية وأيدته الأمارات الحسية والمكاشفات الذوقية. انتهى وقال عياض: روي عن علي (عليه السلام) أن الروح في الآية ملك من الملائكة، وقيل: هو القرآن وقيل هو جبرئيل، وقيل: خلق كخلق بني آدم إذا عرفت هذا فنرجع إلى المقصود فنقول والله أعلم: كما أن الروح يعني أن النفس الناطقة تسمى مطمئنة ولوامة وأمارة بالسوء باعتبارات مختلفة كذلك تسمى روح المدرج (1) باعتبار أنها مصدر للذهاب والمجئ وسبب للحركة في الحوائج، وروح الشهوة باعتبار أنها مع القوة الشهوية تشتهي طاعة الله تعالى والإتيان بالحلال من النساء وغير ذلك، وروح القدرة باعتبار أنها تقدر بسبب القدرة المعدة لها على الإتيان بما تشتهيه وروح الايمان باعتبار أن الايمان والعدل والخوف من الله


= لا يمكن أن يخرج منه شئ، وإن قال بكونه عرضا كسائر القوى الجسمانية الحالة في الأعضاء والجوارح كالبصر في الباصرة والسمع في الأذن والجاذبة في المعدة، فإذا مات الحيوان وتلاشى جوارحه وأعضاؤه فني ولم يبق منه شئ وهو مذهب الملاحدة والماديين وأصحاب الطبائع وليس المتدين الذي يفهم ما يقول ويتقيد بالاحتراز عن الجزاف إلا من يقول بتجرد الروح وإن لم يصرح به لعدم أنسه باصطلاح، ونعم ما قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: * (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات الآية) * في سورة البقرة قال: وفيها دلالة على أن الأرواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من البدن، تبقى بعد الموت دراكة وعليه جمهور الصحابة والتابعين وبه نطقت الآيات والسنن انتهى. وقد سبق مفصلا، ومنكر التجرد في التوحيد أيضا إما ملحد أو مجسم. (ش) (1) قوله " كذلك تسمى روح المدرج " المذهب الصحيح أن النفس في وحدته كل القوى كما أشار إليه الشارح فالبصير هو الروح والسميع هو هو إلى غير ذلك ويسمى بكل اعتبار قوة ولا مشاحة في الاصطلاح فما سمي في هذا الحديث روحا سمي في اصطلاح المتأخرين قوة والحاكم المطلق في الكمل من المؤمنين ليس روح الشهوة أي القوة الشهوية ولا روح المدرج أي القوة المحركة، وغير ذلك بل جميع أرواحهم أي قواهم مسخرة لروح الإيمان والقوة والعاقلة ولذلك قال الإمام علي (عليه السلام) في روح القوة: " به قدروا على طاعة الله " وفي روح الشهوة: " فبه اشتهوا طاعة الله " وأما روح القدس التي اختص بها الأولياء والأنبياء فيسمى في اصطلاح المتأخرين القوة القدسية وبينها الشيخ في الاشارات بأبين وجه، وليس مراد الإمام ههنا جبرئيل ولا العقل الفعال إذ قال في الحديث الثالث: إذا قبض النبي (صلى الله عليه وآله) انتقل روح القدس فصار إلى الإمام وليس هذا صفة جبرئيل بل صفة قوة كانت خاصة بالنبي ثم بعده (صلى الله عليه وآله) اتصف بها الإمام بعده وأما روح الإيمان فهو القوة العاقلة باعتبار توجهه إلى عالم الغيب والإلهيات وعالم الآخرة لا باعتبار تصرفه في العلوم الكونية، ثم اعلم أن درجات أفراد الإنسان في الفضائل غير متناهية جدا وبحسبها يختلف درجاتهم في الآخرة إلا أنهم جميعا لا يخرجون عن ثلاثة أقسام: الأول السابقون الذين يليق بهم أعلى العوالم وأكمل درجات الآخرة، والثاني أصحاب الميمنة وهم السعداء غير البالغين إلى رتبة الأولين، والثالث أصحاب المشئمة فإن العوالم الكلية ثلاثة: المادي محضا، والمجرد محضا، والعالم المتوسط بينهما يناسب كل منها طائفة. (ش) (*)

[ 72 ]

تعالى يتحقق بها، وروح القدس باعتبار اتصافها بالقوة القدسية التي تتجلى فيها لوايح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأوصياء وهم بسببها عرفوا الأشياء كلها كما هي وصاروا من أهل التعليم والإرشاد، ويؤيده ما ذكره بعض المحققين من أن الروح جود الله تعالى وفيضه الصادر منه، وإنما كان روحا لأنه مبدء كل فيض وراحة وحياة حقيقة فهو الروح التي بها قوام حقيقة النبوة وكل واحدة من هذه الأرواح فيهم على غاية الكمال والسداد، وأما الموجودة في أصحاب الميمنة وهي ما سوى الأخيرة فالغالب فيها السداد والاستقامة، والموجودة في أصحاب المشئمة وهي ما سوى الأخيرتين ولم يذكرها لكونها معلومة بقرينة المقام بالعكس ولكن لا ينفعهم الاستقامة اتفاقا في الآخرة. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن موسى بن عمر، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن المنخل، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن علم العالم، فقال لي: يا جابر إن في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح: روح القدس وروح الإيمان وروح الحياة وروح القوة وروح الشهوة، فبروح القدس. يا جابر عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى، ثم قال: يا جابر ! إن هذه الأربعة أرواح يصبيها الحدثان إلا روح القدس فإنها لا تلهو ولا تلعب. * الشرح: قوله (وروح الحياة) وهي ما سماه أولا بروح المدرج، وحملها على الروح الحيوانية بعيد. قوله (عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى) أريد بالعرش هنا العرش الجسماني وهو الفلك الأعظم، والمراد أنهم عرفوا بروح القدس جميع الموجودات من المجردات والماديات، وكون تلك المعرفة بسببها لا ينافي أن يكون ذلك بتسديد الروح الذي معهم وهو الملك كما سيجئ لأن قبول التسديد حصل لهم بذلك. * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن المعلى بن محمد، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخى عليه ستره، فقال: يا مفضل إن الله تبارك وتعالى جعل في النبي (صلى الله عليه وآله) خمسة أرواح: روح الحياة فبه دب ودرج، وروح القوة فبه نهض وجاهد، وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الإيمان فبه آمن وعدل، وروح القدس فبه حمل النبوة، فإذا قبض النبي (صلى الله عليه وآله) انتقل روح القدس فصار إلى الإمام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، والأربعة


[ 73 ]

الأرواح تنام وتغفل وتزهو وتلهو، وروح القدس كان يرى به. * الشرح: قوله (وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال) هذا لا ينافي ما مر من أنهم بروح الشهوة اشتهوا طاعة الله تعالى لأن هذا من أفراده، وقوله: من الحلال متعلق بالأفعال الثلاثة على التنازع أو على الأخير على الاحتمال. قوله (وروح الإيمان فبه آمن وعدل) هذا لا ينافي ما سبق من أنهم بروح الإيمان خافوا الله تعالى لأن الخوف من لوازم الإيمان والعدل إذ بهما يتقرب العبد إلى الله تعالى والتقرب سبب للخوف وإنما يخافه المتقربون أو بالعكس لأن الإيمان والعدل من لوازم الخوف وبالجملة بينهما تلازم وتعاكس في السببية إلى أن يبلغا ما شاء الله. قوله (وروح القدس فبه حمل النبوة) وأثقالها ولوازمها من الوحي والتعليم والحكمة النظرية والعملية على وجه الكمال. قوله (انتقل روح القدس فصار إلى الإمام) فبه حمل الإمام الإمامة والخلافة المطلقة والعلم والتعليم دون النبوة، والمراد بانتقالها انتقال مثلها لا نفسها إلا أن تحمل على الملك وهو بعيد هنا. قوله (لا ينام ولا يغفل) أما من غفلت عن الشئ تغفل غفولا إذا لم يكن متذكرا له أو من أغفلته إذا تركته على ذكر منك وتغافلت عنه، والأول ينفي النوم والغفلة الناشئة منه كما قال (صلى الله عليه وآله) " تنام عيني ولا ينام قلبي " والثاني ينفي الغفلة مطلقا. قوله (ولا يلهو ولا يزهو) اللهو واللعب والغفلة بالشئ عن غيره والزهو جاء بمعنى الاستخفاف والتهاون والحرز والتخمين والكبر والفخر والكذب والباطل والكل هنا مناسب. قوله (وروح القدس كان يرى به) رؤية قلبية شبيهة برؤية عينية في الوضوح بل أكمل منها ولذلك لا تحجب منها الحجب والأستار.


[ 74 ]

باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة (عليهم السلام) * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى: * (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) * قال: خلق من خلق الله عزوجل أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده. * الشرح: قوله (وكذلك أوحينا إليك) أي أرسلنا وألقينا إليك روحا. قال بعض المفسرين: المراد بالروح هنا القرآن لأن به حياة القلوب الميتة بالجهل وحياة الدين كما أن بالروح حياة الأبدان، وقال بعضهم: المراد به جبرئيل (عليه السلام) وهذا الحديث دل على أن المراد به غيرهما. قوله (من أمرنا) أي بأمرنا ومن أجله، ويحتمل أن يكون صفة ل‍ " روحا " أو حالا عنه. يعني أنه من عظم الأمر وهو عالم المجردات (1) لا من عالم الخلق وهو عالم الجسمانيات، وقيل: يرشد إليهما قوله تعالى: * (ألا له الخلق والأمر) *. قوله (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) أي ما كنت تعلم قبل إنزال الروح (2) ما الكتاب


(1) قوله " من عالم الأمر وهو عالم المجردات " وإنما يسمى عالم المجردات عالم الأمر مع أن الجسمانيات أيضا بأمر الله تعالى لأن حدوث الجسمانيات إنما هو بعد استعداد المواد بأسباب معدة يظن أنها علل وجودها كالحرارة لذوبان الجسم وتبخير الماء ونزول المطر لبرودة تعرض في البخار ونور الشمس لنمو النبات فينسب في الظاهر إلى تلك الأسباب المعدة وأما عالم المجردات فليس ما فيه لسبب ظاهر يعدله فينسب إلى أمر الله محضا والروح من أمر الرب إذ ليس له سبب جسماني ظاهر، وإلا فالحقيقة أن كل شئ بأمر الله تعالى وكذلك وحي ا لأنبياء ليس له سبب ظاهر كتعلم وقراءة وإسناد وكتابة من الأسباب الظاهرة فهو من أمر الله تعالى. وقد يستشكل في نسبة الوحي إلى الروح لأن الوحي ينسب إلى المعاني والعلوم لا إلى الجواهر والموجودات المستقلة والمناسب فيها الإرسال ولا يقال: أوحى جبرئيل أو الملائكة إلى الأنبياء بل أرسلهم والجواب ان الروح بناء على كونه خلقا من خلق الله وإن كان جوهرا مستقلا تناسبه كلمة الإرسال لكن باعتبار كونه مع النبي (صلى الله عليه وآله) ومبدء علمه وسبب عصمته عن الخطأ فيما يرد في قلبه صح اطلاق الوحي عليه. (ش) (2) قوله " قبل إنزال الروح " لا قبلية زمانية بل ذاتية إذ لم يكن زمان كان فيه نبينا جاهلا بالكتاب وغير عارف بالله = (*)

[ 75 ]

وأي شئ هو ولا التصديق بالشرائع وأحكامها ودعوة الخلق إليها وإن كنت تعلم أصول الإيمان بطريق عقلي، والمقصود أن علمك بذلك من فيض الله وجوده بإنزال الروح إليك. قوله (خلق من خلق الله) هذا الخلق ليس من الملائكة لما سيصرح به ولأنه أعظم من جبرئيل (عليه السلام) وميكائيل بحسب الرتبة والعلم، ولم يثبت أن أحدا من الملائكة أعظم منهما ولأن الملائكة لم يعلموا جميع الأشياء كما اعترفوا به حيث قالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا، وهذا الخلق عالم بجميعها فيحتمل أن يكون نورا إلهيا صرفا مجردا عن العلائق، عارفا بالله وصفاته ومعلولاته إلى آخرها، متعلقا بالنفوس البشرية إذا صفت وتخلصت عن الكدورات كلها واتصفت بالقوة القدسية المذكورة تعلقا تاما يوجب إشراقها وانطباع ما فيه من العلوم الكلية والجزئية فيها، والمراد بإنزاله إليه وهو هذا التعلق وبتسديده هو هذا الإشراق والله أعلم بحقيقة الحال وأنا أستغفر الله مما أقول. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن أسباط، عن أسباط بن سالم قال: سأله رجل من أهل هيت - وأنا حاضر - عن قول الله عزوجل * (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) * فقال: منذ أنزل الله عزوجل ذلك الروح على محمد (صلى الله عليه وآله) ما صعد إلى السماء وإنه لفينا. * الشرح: قوله (وإنه لفينا) إلى قيام القائم (عليه السلام) ثم إذا ارتحل القائم من الدنيا صعد إلى السماء. * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) * قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مع الأئمة وهو من الملكوت.


= وكان نبيا وآدم بين الماء والطين كما ورد في الحديث، ولكن لما كان علمه وإيمانه مأخوذا من الباري تعالى عز اسمه ولم يكن هو بنفسه واجب الوجود بالذات حتى يكون عالما عارفا بذاته كان عدمه الذاتي قبل وجوده الغيري وكان علمه وإيمانه وكماله أيضا حادثا معلولا مأخوذا من الله تعالى بحيث لو لم يكن وحي وتعليم من الله تعالى لم يكن يعرف ما الكتاب ولا الإيمان. وقال بعض الشعراء " يا رب لولا أنت ما اهتدينا " وليس معناه ان الله تعالى لم يكن في زمان بل غرضه توقف الاهتداء على وجوده تعالى وفي قصة يوسف * (وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) * وليس معناه أنه لم يكن برهان من ربه في زمان فهم بالزنا، ثم حصل البرهان فكف بل كان البرهان معه دائما فلم يهم بالمعصية، ومثله: لو لم يكن شمس لم يكن نهار، وهكذا هنا لو لم يوح إلى النبي (صلى الله عليه وآله) روح من أمر ربه لم يكن له إيمان وعلم، ومثله كثير في اللغة والعرف. (ش) (*)

[ 76 ]

* الشرح: قوله (وهو من الملكوت) أي الملكوت الأعلى وهو عالم المجردات الصرفة. * الأصل: 4 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب الخزاز، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: * (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) * قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، لم يكن مع أحد ممن مضى غير محمد (صلى الله عليه وآله) وهو مع الأئمة يسددهم وليس كل ما طلب وجد. * الشرح: قوله (لم يكن مع أحد ممن مضى غير محمد (صلى الله عليه وآله)) لأن كل من كان معه هذا الخلق كان عالما بجميع الأشياء ولم يكن غير محمد (صلى الله عليه وآله) من الأنبياء السابقين عالما بجميعها. قوله (وليس كل ما طلب وجد) كأنه قيل: كون هذا الخلق مع أحد أمر عظيم يوجب رفعة محله ونظر جميع الأنبياء في عروجه إلى المقامات العالية فلم لم يكن معهم ؟ فأجاب بأنه ليس كل ما طلب وجد، لأن وجوده مشروط بشروط وهو بلوغ الطالب غاية الكمالات البشرية التي لا غاية فوقها والبالغ إليها هو محمد (صلى الله عليه وآله) وأوصياؤه الطاهرون (عليهم السلام) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر، عن علي بن أسباط، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العلم أهو علم يتعلمه العالم من أفواه الرجال أم في الكتاب عندكم تقرؤونه فتعلمون منه ؟ قال: الأمر أعظم من ذلك وأوجب، أما سمعت قول الله عزوجل: * (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) * ثم قال: أي شئ يقول أصحابكم في هذه الآية أيقرون أنه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان ؟ فقلت: لا أدري - جعلت فداك - ما يقولون، فقال [ لي ]: بلى قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان حتى بعث الله تعالى الروح التي ذكر في الكتاب، فلما أوحاها إليه علم بها العلم والفهم وهي الروح التي يعطيها الله تعالى من شاء، فإذا أعطاها عبدا علمه الفهم. * الشرح: قوله (عن أبي حمزة) اسمه ثابت بن دينار روى عن علي بن الحسين وأبي جعفر وأبي عبد الله


[ 77 ]

وأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهم السلام) ومات في عصره سنة خمسين ومائة وكان من أخيار أصحابنا وثقاتهم ومعتمديهم في الرواية والحديث، وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: " أبو حمزة في زمانه مثل سلمان في زمانه " وعن الرضا (عليه السلام) أنه يقول: " أبو حمزة الثمالي في زمانه كلقمان في زمانه " وفي بعض النسخ سلمان بدل لقمان. قوله (عن العلم) أي عن علم العالم فاللام عوض عن المضاف إليه. قوله (أهو علم يتعلمه العالم من أفواه الرجال) في بعض النسخ: هو شئ يتعلمه الرجل من أفواه العالم والمراد بالعالم الجنس الشامل الكثير بقرينة الأفواه. قوله (تقرؤونه فتعلمونه) في بعض النسخ: فتتعلمونه بالتائين والواحدة أولى وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب للتعيين والتصريح بالمطلوب. قوله (قال الأمر أعظم من ذلك وأوجب) أي أمر علمنا أعظم وأوجب يعني ألزم وأتم وأحق من أن يكون مأخوذا من أفواه الرجال أو مستخرجا من الكتاب بل هو من الروح الذي معنا، ولعل المراد بالعلم الذي وقع السؤال عنه جميعه على الإيجاب الكلي أو العلم بما يصير محتوما وإلا فكون بعض علومهم مأخوذا على الوجه المذكور مثل العلم بالأحكام الشرعية والمحتومات ظاهر لحصوله باخبار النبي (صلى الله عليه وآله) وبكتاب علي (عليه السلام) كما دلت عليه الروايات منها ما مر من " أن علومهم على ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث. فأما الماضي فمفسر، وأما الغابر فمزبور، وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع " وقد مر شرحه. قوله (أي شئ يقول أصحابكم) (1) خطاب الجمع لأبي حمزة من باب التعظيم أوله ولسائر


(1) " أي شئ يقول أصحابكم " ما ورد في أحاديث هذا الباب بحث فلسفي صرف زائد عن فكر المتكلمين والظاهريين ولم يعهد من علماء سائر فرق المسلمين في عصر الأئمة (عليهم السلام) البحث عن القوى النفسانية التي يتفاضل الناس فيها فضلا عن القوة القدسية وروح الولاية المختصة بأولياء الله تعالى وكان علماء العامة يظنون افراد الإنسان سواء النبي (صلى الله عليه وآله) والأوصياء وسائر الناس في طبقة واحدة لا يعلمون شيئا إلا بالسماع والنقل والحفظ والقراءة في الكتب ولم يكونوا يتعقلون إفاضة روح ومبدء قوة من الله تعالى على أوليائه بها يعرفون ما يجب من غير سماع تفاصيل الأمور واحدا بعد واحد كما تعقله الحكماء وبينوه في كتبهم في علم النفس، فمراد الإمام (عليه السلام) من قوله: أصحابكم هو عامة الناس من مجالسيه ومخالطيه سواء كانوا من المخالفين أو من عوام الشيعة غير العارفين بأحاديث الأئمة (عليهم السلام) وللعاقل المنصف أن يجعل نفس هذه الأحاديث دليلا على إمامة الأئمة (عليهم السلام) وكونهم مؤيدين بروح القدس الذي ذكره في هذه الأحاديث ولولا ذلك كانوا يعتقدون اعتقاد سائر علماء العامة ولم يعرفوا أسرار النفوس ودرجاتها في الفضائل ومراتب ارتقائها إلى قرب رب العالمين كما لم يكن يعرف ذلك سائر منتحلي العلم. (ش) (*)

[ 78 ]

مشاركيه في التشيع على سبيل التغليب. قوله (بلى قد كان) بلى من حروف التصديق وهو إيجاب لما بعد النفي كما إذا قيل: لم يقم زيد ؟ فقلت: بلى، كان المعنى قد قام. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن أسباط، عن الحسين بن أبي العلاء، عن سعد الإسكاف قال: أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) يسأله عن الروح، أليس هو جبرئيل ؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): جبرئيل (عليه السلام) من الملائكة والروح غير جبرئيل، فكرر ذلك على الرجل. فقال له: لقد قلت عظيما من القول، ما أحد يزعم أن الروح غير جبرئيل، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): إنك ضال تروي عن أهل الضلال، يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) * (أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون ينزل الملائكة بالروح) * والروح غير الملائكة صلوات الله عليهم. * الشرح: قوله (يسأله عن الروح أليس هو جبرئيل) لعل السؤال عن الروح في قوله تعالى: * (وكذلك أوحينا إليك روحا - الآية) * والاستفهام للتقرير لاعتقاد السائل أن الروح ليس إلا جبرئيل (عليه السلام) وقد بلغه تفسير هذا الروح بغيره فجاء سائلا مستنكرا فأجاب (عليه السلام) بأن هذا الروح غير ملك وجبرئيل ملك فهذا الروح غير جبرئيل فعلى هذا لا يرد أن إطلاق الروح على جبرئيل (عليه السلام) صحيح شائع فكيف ينفيه (عليه السلام) وأن المستفهم عن الشئ غير عالم به فكيف يتصور منه الرد والمخالفة بعد البيان. قوله (ما أحد يزعم أن الروح غير جبرئيل) (1) يعني اتفقوا على أن الروح ليس إلا جبرئيل، أقول: ما ادعاه هذا السائل دل على كمال جهله فإن أهل العلم اختلفوا في تفسيره قديما وقالوا أقوالا مختلفة متكثرة فقيل: إنه القرآن، وقيل: إنه الحياة الباقية، وقيل: إنه جبرئيل، وقيل: إنه ملك غيره، وقيل: إنه خلق كخلق بني آدم، وقيل غير ذلك.


(1) قوله " إن الروح غير جبرئيل " زعمهم مبني على ما ذكرنا من أن سائر علماء العامة لم يكن لهم معرفة بمراتب النفوس الإنسانية وقواها وتفاضلها في الدرجة بما يمنحها الله تعالى من الأرواح والقوى والروح هنا خلق آخر معه قوة قدسية أفاضها الله تعالى على أوليائه وجعلها معهم وهي مبدء استكشاف العلوم حتى لا يحتاجوا إلى السماع من الشيوخ والقراءة من الكتب وأما جبرئيل فملك يطلق عليه الروح أيضا ولكن ليس ا لمراد من الروح في كل موضع هو جبرئيل ولا ينافي نزول جبرئيل على الأنبياء كونهم مؤيدين بقوة قدسية تطلق عليها الروح أيضا كما يطلق على جبرئيل بل لو لم يكن الأنبياء مؤيدين بتلك القوة القدسية لم يكونوا يرون جبرئيل كما لم يكن يراه سائر الناس. (ش) (*)

[ 79 ]

قوله (تروي عن أهل الضلال) هم الذين يقولون أن الروح ليس إلا جبرئيل (عليه السلام) وإنه لا ينزل على أحد بعد محمد (صلى الله عليه وآله) ولا مستند لهذين القولين، والأول مخالف لروايات الخاصة والعامة وأقوال أكثر علمائهم، والثاني مخالف لما في طريق الخاصة أن جبرئيل (عليه السلام) كان يأتي فاطمة بعد أبيها (عليهما السلام) ويكلمها إلا أنها لا تراه، ومما يدل على فساد الثاني ما ذكره الآبي وهو من أعاظم علماء العامة في كتاب إكمال الإكمال أن رجلا عابدا كان في مسجد أندلس وكان يسمع صوت الملائكة ويعلم نزولهم فإذا جاز ذلك عندهم في واحد من الأمة فلم لم يجز نزول الملائكة وجبرئيل على أهل بيت نبينا صلوات الله عليهم. قوله (أتى أمر الله) قال المفسرون: لما أوعدهم النبي (صلى الله عليه وآله) بإهلاكهم كما فعل يوم بدر أو بقيام الساعة استعملوا ذلك استهزاء وتكذيبا وقالوا: إن صح ذلك يخلصنا أصنامنا عنه، فرد عليهم جل شأنه بقوله * (أتى أمر الله) *، أي أمره بالهلاك أو قيام الساعة، وعبر عنه بالماضي للدلالة على تحقق وقوعه (فلا تستعجلوه) لأنه لاحق بكم ولا مرد له (سبحانه وتعالى عما يشركون) نزهه عن أن يكون له شريك يدفع عنهم ما أراد بهم بنزول الملائكة بالروح أي مصاحبين معه. قوله (والروح غير الملائكة) وهو ظاهر فاندفع بذلك ما توهمه السائل من أن الروح ليس غير جبرئيل (عليه السلام) وفي بعض النسخ " فالروح غير الملائكة " بالفاء وهو الأظهر.


[ 80 ]

باب وقت ما يعلم الإمام جميع علم الإمام الذي كان قبله عليهم جميعا السلام * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن أسباط عن الحكم بن مسكين، عن بعض أصحابنا قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): متى يعرف الأخير ما عند الأول ؟ قال: في آخر دقيقة تبقى من روحه. * الشرح: قوله (في آخر دقيقة تبقى من روحه) (1) لما جرت حكمة الله تعالى أن لا يجتمع إمامان في عصر واحد، وأن لا يخلو العصر عن إمام كان لا محالة وقت انتقال الإمامة وما مع الإمام الأول من العلم الكامل الذي اختص به آخر دقيقة تبقى من روحه وإن كان أحدهما في شرق الأرض والآخر في غربها فإن الله تعالى يحضره في ذلك الوقت، يدل على ذلك ما رواه الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بإسناده عن أبي الصلت الهروي قال: خرج يعني الرضا (عليه السلام) من عند المأمون بعدما سم بالعنب مغطى الرأس فلم أكلمه حتى دخل الدار فأمر أن يغلق الباب، فغلق ثم نام (عليه السلام) على فراشه ومكثت واقفا في صحن الدار مهموما محزونا فبينا أنا كذلك إذ دخل علي شاب حسن الوجه قطط الشعر أشبه الناس بالرضا (عليه السلام) فبادرت إليه فقلت له: من أين دخلت والباب مغلق ؟ فقال: الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار والباب مغلق، فقلت له: ومن


(1) قوله " آخر دقيقة تبقى من روحه " الإمامة ربط مع الله تعالى وارتباط مع الناس ولا يمتنع في زمان واحد أن يرتبط اثنان مع الله تعالى برابطة الولاية ويكون لأحدهما ما يكون للآخر كالحسن والحسين (عليهما السلام) وأما الربط مع الناس فأحدهما صامت لا يتصدى لمناصب الإمامة الظاهرية مع الآخر وإنما يحق له التصدي لها في آخر دقيقة من حياة الأول كما يستفاد من الحديث السادس في هذا الباب وقد ورد أيضا " أنه لا يكون في عصر واحد إمامان إلا وأحدهما صامت " وأما ما يستفاد من انتقال العلم إلى الثاني عند موت الإمام الأول فلعله وهم من الراوي أوله معنى لا نعلمه، وأما رواية أبي الصلت الهروي ففيه إعضال من جهة أخرى وهو أن الإمامة ليست جسما في صورة الزبد ولا طيرا شبيها بالعصفور حتى يخرج من بدن الرضا (عليه السلام) ويدخل في بطن أبي جعفر (عليه السلام) بل هي كمال روحاني كما سبق في الأحاديث المثبتة للأرواح التي مع الأئمة (عليهم السلام) فينبغي على فرض صحة رواية أبي الصلت تفويض علم ذلك إليهم والتوقف فيه أو حمله على تمثل المعاني وتجسمها المثالي. (ش) (*)

[ 81 ]

أنت ؟ فقال لي: أنا حجة الله عليك يا أبا الصلت، أنا محمد بن علي، ثم مضى نحو أبيه (عليهما السلام) فدخل وأمرني بالدخول معه فلما نظر إليه الرضا (عليه السلام) وثب إليه فعانقه وضمه إلى صدره وقبل ما بين عينيه. ثم سحبه سحبا إلى فراشه وأكب عليه محمد بن علي عليهما السلام والصلاة يقبله ويساره بشئ لم أفهمه، ورأيت على شفتي الرضا (عليه السلام) زبدا أشد بياضا من الثلج ورأيت أبا جعفر (عليه السلام) يلحسه بلسانه ثم أدخل يده بين ثوبيه وصدره فاستخرج منه شيئا شبيها بالعصفور فابتلعه أبو جعفر (عليه السلام) ومضى الرضا (عليه السلام) - الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة. 2 - محمد، عن محمد بن الحسين، عن علي بن أسباط، عن الحكم بن مسكين، عن عبيد ابن زرارة وجماعة معه قالوا: سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: يعرف الذي بعد الإمام علم من كان قبله في آخر دقيقة تبقى من روحه. 3 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن يعقوب بن يزيد، عن علي بن أسباط عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له، الإمام متى يعرف إمامته وينتهي الأمر إليه ؟ قال: في آخر دقيقة من حياة الأول.


[ 82 ]

باب في أن الأئمة صلوات الله عليهم في العلم والشجاعة والطاعة سواء * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن الخشاب، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال [ الله تعالى ] * (الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ) * قال: " الذين آمنوا " النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وذريته الأئمة والأوصياء صلوات الله عليهم، ألحقنا بهم ولم ننقص ذريتهم الحجة التي جاء بها محمد (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) وحجتهم واحدة، وطاعتهم واحدة. * الشرح: قوله (قال قال الذين آمنوا) فاعل الفعل الأول ضمير عبد الرحمن بن كثير وفاعل الفعل الثاني ضمير أبي عبد الله (عليه السلام) والفعل الثاني بمعنى قرأ. قوله (واتبعتهم ذريتهم بإيمان) ذرية الرجل أولاده ويكون واحدا وجمعا ومنه * (هب لي من لدنك ذرية طيبة) * وقرئ أيضا " ذرياتهم " على صيغة الجمع و " اتبعناهم " على صيغة المتكلم مع الغير، أي جعلنا ذريتهم تابعين لهم في الإيمان، وقيل: بإيمان حال عن الضمير أو عن الذرية أو عنهما وتنكيره للتعظيم. قوله (ألحقنا بهم ذرياتهم) أي في الرتبة والدرجة وهو خبر قوله * (الذين آمنوا) * وقرئ أيضا ذريتهم بدون الألف. قوله (وما ألتناهم) أي ما نقصناهم، من ألته يلته إذا نقصه. قوله (وذريته الأئمة) أي ذريته التابعون لهم في الإيمان الكامل الأوصياء والأئمة صلوات الله عليهم ألحقناهم بهم في وجوب الطاعة والانقياد والتسليم لهم أو في الحجة والطاعة. قوله (ولم ننقص ذريتهم الحجة) تفسير لقوله تعالى: * (وما ألتناهم من عملهم من شئ) * وفيه إشارة إلى أن ضمير الجمع في علمهم راجع إلى " الذين آمنوا " وفي ألتناهم إلى الذرية وإلى أن العمل عبارة عن الحجة والطاعة يعني أن حجتهم وطاعتهم مثل حجة الذين آمنوا وطاعتهم من غير نقص كما أشار إليه (عليه السلام) بقوله وحجتهم واحدة وطاعتهم واحدة أي سواء. * الأصل: 2 - علي بن محمد بن عبد الله، عن أبيه، عن محمد بن عيسى، عن داود النهدي، عن علي ابن


[ 83 ]

جعفر، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قال لي: نحن في العلم والشجاعة سواء وفي العطايا على قدر ما نؤمر. * الشرح: قوله (نحن في العلم والشجاعة سواء) ا لعلم كيفية نفسانية تابعة للاستقامة في القوة العاقلة والنفس الناطقة، والشجاعة كيفية نفسانية تابعة للاستقامة في القوة الغضبية وإذا تحققت هاتان الكيفيتان تحققت العفة التابعة للاستقامة في القوة الشهوية أيضا، وكمال هذه الكيفيات لا يكون إلا في إنسان كامل بالفعل من جميع الوجوه وهو النبي والوصي، فالمراد بالعلم والشجاعة هنا ما بلغ حد الكمال. قوله (وفي العطايا على قدر ما نؤمر) الظاهر من العطاء صرف المال في وجوه الخير فرضا كان أو نفلا، ويحتمل أن يراد به صرف النعم الظاهرة والباطنة فيشتمل عطاء العلم وتعليمه أيضا لحصول التفاوت فيه بحسب الأزمنة والأمكنة واختلاف أحوال الناس في الرد والقبول وغير ذلك. * الأصل: 3 - أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن علي بن إسماعيل، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نحن في الأمر والفهم والحلال والحرام نجري مجرى واحدا، فأما رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) فلهما فضلهما. * الشرح: قوله (نحن في الأمر والفهم) لعل المراد نحن الأئمة (عليهم السلام) ويحتمل شموله لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أيضا وبالأمر أمر الخلافة والإمامة والطاعة، وبالفهم جودة الذهن المعدة للنفوس المقدسة وهي القوة القدسية، وبالحلال والحرام العلم بجميع الشرائع والأحكام. قوله (فأما رسول الله) الظاهر أنه من كلام أبي عبد الله (عليه السلام) ويحتمل أن يكون من كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) احتمالا بعيدا. قوله (فلهما فضلهما) بالأبوة فإن الأب والابن وإن تساويا في جميع الكمالات كان الفضل للأب أو بالتعليم فإن المعلم والمتعلم مع تساويهما في العلم والعمل كان الفضل للمعلم.


[ 84 ]

باب أن الإمام (عليه السلام) يعرف الإمام الذي يكون من بعده وأن قول الله تعالى * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات) * إلى أهلها، فيهم (عليهم السلام) نزلت * الأصل: 1 - الحسن بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عائذ عن ابن اذينة، عن بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) * قال: إيانا عنى، أن يؤدي الأول إلى الإمام الذي بعده الكتب والعلم والسلاح، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل الذي في أيديكم، ثم قال للناس: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * إيانا عنى خاصة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا، فإن خفتم تنازعا في أمر فردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم كذا نزلت، وكيف يأمرهم الله عزوجل بطاعة ولاة الأمر ويرخص في منازعتهم ؟ ! إنما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) *. * الشرح: قوله (الكتب والعلم والسلاح) أريد بالكتب الكتاب الذي جمعه علي بن أبي طالب (عليه السلام) والجفر الأبيض الذي فيه زبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى وصحف إبراهيم ومصحف فاطمة (عليها السلام) الذي كتبه علي (عليه السلام) عند نزول جبرئيل إليها وإخباره بما يكون إلى يوم القيامة، وفيه جميع ما يحتاج إليه الناس، والجامعة وهي صحيفة كتبها علي (عليه السلام) بخطه من إملاء الرسول (صلى الله عليه والجفر وهو مشتمل على علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذين مضوا. والصحيفة التي جاء بها جبرئيل الأمين في الوصية من عند رب العالمين، وبالعلم العلم الذي اختص به الإمام وهو العلم بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وبالسلاح سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثل المغفر والدرع والراية والقميص والسيف والخاتم وغيرها. قوله (أن تحكموا بالعدل الذي في أيديكم) الحكم بالعدل هو الإنصاف والتسوية بين الغني والفقير والكبير والصغير والقريب والبعيد والشريف والوضيع وهو يتوقف على الكمال في القوة العقلية. واتصافها بغاية العلم ونهاية المعرفة وتميزها بين الحق والباطل، وعلى الاستقامة في القوة الغضبية، وعدم ميلها إلى جهة الإفراط والتفريط لأن جهة التفريط توجب العجز عن إقامة الحدود


[ 85 ]

وإجراء الأحكام، وجهة الإفراط توجب ارتكاب الظلم والجور. وتلك الاستقامة هي الشجاعة المعدودة من الأخلاق الحسنة التي كانت لجميع الأنبياء والأوصياء وعلى اعتدال القوة الشهوية وتوسطها بين الإفراط والتفريط لأن طرف التفريط يوجب العجز عن جلب ما لا بد منه وطرف الإفراط يوجب جلب ما يضر ويجب تركه من المشتهيات النفسانية. فإذا حصلت هذه الأمور حصلت من مجموعها للنفس ملكة العدل التي بها يجوز الحكم بين الناس بل يجب، وإذا فقد كلها أو بعضها كان الحاكم من أهل الجور والطغيان وأهل الظلم والعدوان نعوذ بالله من ذلك. وفي قوله: (الذي في أيديكم) إشارة إلى أنه مكتوب عندهم في كتاب علي (عليه السلام) أو إلى اتصافهم بهذه الصفة وعدم حصولها لهم بالتكلف. قوله (إيانا عنى خاصة) أي أراد بأولي الأمر إيانا خاصة لا إيانا وغيرنا ولا غيرنا خاصة، وفيه رد على من قال: أراد بهم سلاطين الجور، وبطلان هذا القول أظهر من أن يحتاج إلى البيان، وأما من قال: أراد بهم أمراء المسلمين وخلفاءهم وقضاتهم وعلماء الشرع فإن أراد بهم الأئمة الطاهرين من آل الرسول فهو حق وإلا فهو في ظهور البطلان مثل ما مر. قوله (أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا) يفهم عموم المؤمنين وشمول الأوقات من عدم التقييد ببعض ووقت ولصحة الاستثناء وهو معيار العموم ولأن طاعتهم كطاعة الله وطاعة الرسول فكما أن طاعتهما واجبة إلى يوم القيامة كذلك طاعتهم. قوله (فإن خفتم تنازعا في أمر) في القرآن هكذا * (فإن تنازعتم في شئ) * فالمذكور إما تفسير له وبيان لحاصل معناه أو إشعار بوقوع التحريف فيه أيضا كما يشعر به ظاهر قوله " كذا نزلت " وإنما قلنا ظاهر قوله لاحتمال أن يكون كذا إشارة إلى قوله (وإلى أولي الأمر منكم خاصة). قوله (وكيف يأمرهم الله عزوجل بطاعة ولاة الأمر ويرخص في منازعتهم) (1) أي منازعة ولاة الأمر بعضهم بعضا في أمر من أمور الدين وغيرها أو في منازعة الناس إياهم، وفيه رد على من قال: الخطاب في تنازعتم لأولي الأمر على سبيل الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وعلى من قال:


(1) قوله " ويرخص في منازعتهم " إن كان المراد بأولي الأمر في الآية الكريمة أمراء الجنود والولاة وأمثالهم ممن نصبه النبي (صلى الله عليه وآله) في عصره جاز أن يختلف نظر الأمراء والمأمورين في شئ كالحرب والصلح وتقسيم الغنائم فأمرهم الله تعالى بالرد إلى الله والرسول (صلى الله عليه وآله) بقوله * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول) * وهذا ترخيص للتنازع إذ لو لم يكن مرخصا فيه لأمرهم بمتابعة أميرهم وإن خالف رأيهم رأيه فيرتفع التنازع قهرا، وعلى هذا فتقرير استدلال الإمام (عليه السلام) هكذا: أمير الجند مرخص في مخالفته وولي الأمر غير مرخص فيها لأنه تعالى أمر بإطاعة أولي الأمر فينتج من الشكل الثاني أن أمير الجند ليس من أولي الأمر. (ش) (*)

[ 86 ]

الخطاب لهم وللمؤمنين على سبيل التغليب يعني إن تنازعتم يا ولاة الأمر في شئ أو إن تنازعتم أيها المؤمنون وولاة الأمر في شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول أي فارجعوا فيه إلى كتاب الله وإلى الرسول بالسؤال عنه في حياته والأخذ من سنته بعد موته، ووجه الرد أمران: أحدهما أن قوله تعالى * (وإلى أولي الأمر منكم) * كما أشار إليه (عليه السلام) بقوله " كذا نزلت " يدل على فساد هذين القولين وهو ظاهر، وثانيهما أن العقل يحكم بالضرورة بأنه لا معنى لأن يأمر الله تعالى المؤمنين بطاعة ولاة الأمر ثم يرخص ولاة الأمر في منازعة بعضهم بعضا في أمور الدين، أو يرخص المؤمنين في منازعة ولاة الأمر فيها، وهذا من أجلى الضروريات لا ينكره إلا مكابر أو مباهت. قوله (إنما قيل ذلك للمأمورين) أي للمأمورين بطاعة أولي الأمر وفيه إشارة إلى أن الخطاب في قوله " ان تنازعتم " للمؤمنين المأمورين بطاعتهم، وأمرهم بالرجوع إلى ولاة الأمر عند التنازع على تقدير وجود " وإلى أولي الأمر منكم " في القرآن (1) كما أشار إليه (عليه السلام) ظاهر، وإما على تقدير


(1) قوله " على تقدير وجود وإلى أولي الأمر منكم " قد ظهر مما قلنا في الحاشية السابقة إن استدلال الإمام (عليه السلام) لا يتوقف على وجود كلمة أولي الأمر بعد قوله * (فردوه إلى الله وإلى الرسول) * وإن كان الخطاب في تنازعتم متوجها إلى أمراء الجنود والمأمورين معا أي إن تنازعتم أيها الأمراء والمأمورون في شئ فردوه إلى الله وإلى رسوله أي في عصر الرسول وبعده (صلى الله عليه وآله) والدليل إنما هو في ترخيص التنازع لا في مرجع التنازع إذ لا التنازع مع وجوب إطاعة أمراء الجنود فيدل على أن إطاعة أمراء الجنود ليست واجبة مطلقا فليسوا أولي الأمر إذ يجب إطاعة أولي الأمر مطلقا، وأما بعد ترخيص التنازع وأنه هل يرد إلى الله والرسول أو إلى غيرهما أيضا فلا دخل له في استدلال الإمام (عليه السلام) وكأن زيادة كلمة أولي الأمر من سهو النساخ أو بعض الرواة، ويمكن أن يقال: اتفق المسلمون على عدم وجوب إطاعة أحد غير الله ورسوله ممن لم يثبت عصمته لأن المسلمين جميعا نقلوا عن أبي بكر وعمر فتاوى في مسائل وخالفوهما ولم يروا قولهما حجة بل قالوا إنهما كانا مجتهدين يجوز أن يخطآ، يعلم ذلك المتتبع في أقوال الفقهاء وحينئذ فليس أحد ممن يجب إطاعته إلا معصوما باتفاق الفريقين، وهذا الدليل مرجعه إلى قياس استثنائي من شرطية متصلة ينتج من رفع التالي رفع المقدم هكذا لو كان الخلفاء وأمراء الجنود وأمثالهم من أولي الأمر لوجب إطاعتهم وهذه شرطية متصلة والتالي هو قولنا: لوجب طاعتهم فيرفع ويقال: لكن ليس يجب إطاعتهم، فينتج ليسوا من أولي الأمر، ويمكن أن يختلج في ذهن الناشئ إشكالان: الأول انا نقيد وجوب إطاعة أولي الأمر بما إذا أمروا بموافق الشرع لا إذا خالفوا وأمروا بما لا يوافق الشرع، الثاني إنا نقيد وجوب إطاعتهم بما استلزم عصيانهم الفساد ووقوع الفتن والهرج، والجواب عن الأول ان كل أحد أمر بموافق الشرع وجب إطاعته ولا يختص بأولي الأمر والمقصود هنا إطاعة أولي الأمر زائدا على إطاعة آحاد الناس، وعن الثاني إنا لا ننكر السكوت والتقية ومراعاة مصلحة العامة إذا استلزم مخالفة الإمام غير المعصوم الهرج والفتن وقتل المسلمين كما سكت أمير المؤمنين (عليه السلام) مع الخلفاء والحسن بن علي والحسين (عليهم السلام) مع معاوية وكذلك سائر أئمتنا مع خلفاء زمانهم وهذا لا يوجب كون إطاعتهم بعنوان أولي الأمر واجبا من عند الله تعالى، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " أما حقي فقد تركته مخافة أن = (*)

[ 87 ]

عدمه كما في هذا المصحف الذي جمعوه في عهد عثمان فيفهم بقرينة الأمر بطاعتهم أولا، وإنما لم يذكرهم هنا للتنبيه على أن الرجوع إليهم رجوع إلى الله وإلى الرسول، وفيه دلالة بمفهوم الشرط على أن الإجماع حجة. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عمر قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) * قال: هم الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه وآله) أن يؤدي الإمام الأمانة إلى من بعده ولا يخص بها غيره ولا يزويها عنه. * الشرح: قوله (قال هم الأئمة) أي الخطاب في يأمركم للأئمة. قوله (أن يؤدي الإمام) أي أمر أن يؤدي الإمام، فحذف الفعل بقرينة المقام. قوله (ولا يزويها عنه) أي لا يخفيها عنه، يقال: زوى فلان المال عن وارثه أي أخفاه عنهم. 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن فضيل، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في قول الله عزوجل: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) * قال: هم الأئمة يؤدي الإمام إلى الإمام من بعده ولا يخص بها غيره ولا يزويها عنه. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن إسحاق بن عمار، عن ابن أبي يعفور، عن المعلى بن خنيس قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) * قال: أمر الله الإمام الأول أن يدفع إلى الإمام الذي بعده كل شئ عنده. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن العلاء بن زرين، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا يموت الإمام حتى يعلم من يكون من بعده فيوصي [ إليه ]. * الشرح: قوله (لا يموت الإمام حتى يعلم) على صيغة المجهول من الإعلام أو على صيغة المعلوم من العلم والمقصود أن العلم بذلك حاصل له قبل الموت لا أنه يحصل له عند الموت.


= يرتد الناس " وصالح الإمامان مع معاوية حقنا لدماء الشيعة، فتأمل في ذلك وفي وجه استدلال الإمام (عليه السلام) بآية أولي الأمر وهذا يكفيك في إثبات إمامتهم إن شاء الله تعالى ومنه التوفيق. (ش) (*)

[ 88 ]

6 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن [ ابن ] أبي عثمان، عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الإمام يعرف الإمام الذي من بعده فيوصي إليه. 7 - أحمد، عن محمد بن عبد الجبار، عن أبي عبد الله البرقي، عن فضالة بن أيوب عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما مات عالم حتى يعلمه الله عزوجل إلى من يوصي.


[ 89 ]

باب أن الإمامة عهد من الله عزوجل معهود من واحد إلى واحد (عليهم السلام) * الأصل: 1 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، قال: حدثني عمر ابن أبان، عن أبي بصير قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فذكروا الأوصياء وذكرت إسماعيل، فقال لا والله يا أبا محمد ما ذاك إلينا وما هو إلا إلى الله عزوجل ينزل واحدا بعد واحد. * الشرح: قوله (وذكرت إسماعيل) هو إسماعيل بن جعفر بن محمد الباقر (عليهم السلام)، وكان رجلا صالحا فظن أبو بصير وغيره من الشيعة أنه وصي لأبيه بعده فلذلك قال الصادق (عليه السلام) بعد موته " مابدا لله في شئ كما بدا له في إسماعيل ابني " وليس معناه أن الله تعالى رجع عن الحكم بإمامته بعد أبيه وبدا له بداء ندامة، كيف وقد قال (عليه السلام): " من زعم أن الله تعالى بدا له في شئ بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم " ! بل معناه ما أشار إليه الصدوق (رحمه الله) وحاصله: أن الله تعالى ما أظهر شيئا كان مخفيا للخلق مثل ما أظهره من عدم إمامة ابني إسماعيل إذ اخترمه وأماته قبلي ليعلم الناس أنه ليس بإمام بعدي. قوله (ما ذاك إلينا) أي ليس تعيين الوصي موكولا إلينا حتى نختار من نشاء وما هو إلا إلى الله تعالى لأن للإمام صفات باطنة لا يعلمها إلا هو كما في " باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته، وفيه رد على العامة حيث ذهبوا إلى أن عقد الإمامة إما باستخلاف المتولي كما فعل أبو بكر لعمر أو بقول أهل الحل والعقد كما لأبي بكر ويلزم سائر الناس حتى قال بعضهم: لا يلزم مباشرة كل الناس بل لو استخلف واحد واستقر الأمر له وجب على جميع الناس متابعته. قوله (ينزل واحدا بعد واحد) أي نازل في منزله ومحله يعني مرتبة من الإنزال والتنزيل وهو الترتيب وفيه دلالة على أنه لا يجتمع في عصر إمامان وهو متفق عليه بين الخاصة والعامة، أما عندنا فبالنص وهو هذا وأمثاله، وأما عندهم فإنهم لما لم يشترطوا العصمة في الإمام قالوا لم يجز تعدده وإلا لوقع التشاجر والتنازع بينهما ويوجب ذلك الهرج والمرج ويبطل ا لغرض من نصب الإمام وتعيينه وفي رواياتهم أيضا ما يدل على ذلك. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن


[ 90 ]

حماد بن عثمان، عن عمرو بن الأشعث قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أترون الموصي منا يوصي إلى من يريد ؟ ! لا والله ولكن عهد من الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) لرجل فرجل حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه. الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن حماد بن عيسى، عن منهال، عن عمرو بن الأشعث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله. * الشرح: قوله (ولكن عهد) العهد الميثاق والوصية وقد عهدت إليه أي أوصيته ومنه اشتق العهد الذي يكتب للولاة. قوله (حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه) وهو مهدي هذه الأمة الذي وقع الاتفاق على ظهوره بين الخاصة والعامة، إلا أنهم يقولون سيوجد من نسل الحسين (عليه السلام). * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن محمد، عن بكر بن صالح، عن محمد بن سليمان، عن عيثم بن أسلم، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الإمامة عهد من الله عزوجل معهود لرجال مسمين، ليس للإمام أن يزويها عن الذي يكون من بعده، إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى داود (عليه السلام) أن اتخذ وصيا من أهلك فإنه قد سبق في علمي أن لا أبعث نبيا وله وصي من أهله وكان لداود (عليه السلام) أولاد عدة وفيهم غلام كانت أمه عند داود وكان لها محبا فدخل داود (عليه السلام) عليها حين أتاه الوحي فقال لها: إن الله عزوجل أوحى إلي يأمرني أن أتخذ وصيا من أهلي، فقالت له امرأته: فليكن ابني، قال، ذلك أريد، وكان السابق في علم الله المحتوم عنده أنه سليمان، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى داود: أن لا تعجل دون أن يأتيك أمري، فلم يلبث داود أن ورد عليه رجلان يختصمان في الغنم والكرم فأوحى الله عزوجل إلى داود أن اجمع ولدك فمن قضى بهذه القضية فأصاب فهو وصيك من بعدك، فجمع داود (عليه السلام) ولده، فلما أن قص الخصمان قال سليمان (عليه السلام): يا صاحب الكرم ! متى دخلت غنم هذا الرجل كرمك ؟ قال: دخلته ليلا، قال: قد قضيت عليك يا صاحب الغنم بأولاد غنمك وأصوافها في عامك هذا. ثم قال له داود: فكيف لم تقض برقاب الغنم وقد قوم ذلك علماء بني إسرائيل وكان ثمن الكرم قيمة الغنم ؟ فقال سليمان: إن الكرم لم يجتث من أصله، وإنما أكل حمله وهو عائد في قابل، فأوحى الله عزوجل إلى داود: أن القضاء في هذه القضية ما قضى سليمان به، يا داود ! أردت أمرا وأردنا أمرا غيره، فدخل داود على امرأته فقال: أردنا أمرا وأراد الله عزوجل أمرا غيره ولم يكن إلا ما أراد الله


[ 91 ]

عزوجل، فقد رضينا بأمر الله عزوجل وسلمنا. وكذلك الأوصياء (عليهم السلام)، ليس لهم أن يتعدوا بهذا الأمر فيجاوزون صاحبه إلى غيره. قال الكليني: معنى الحديث الأول أن الغنم لو دخلت الكرم نهارا، لم يكن على صاحب الغنم شئ لأن لصاحب الغنم أن يسرح غنمه بالنهار ترعى، وعلى صاحب الكرم حفظه، وعلى صاحب الغنم أن يربط غنمه ليلا، ولصاحب الكرم أن ينام في بيته. * الشرح: قوله (عيثم بن أسلم) لم أره في كتب الرجال. قوله (لا تعجل دون أن يأتيك أمري) إذ أوحى الله تعالى إلى نبيه الكريم بأن يتخذ وصيا ثم نهاه أن يعينه برأيه قبل أن يأتيه أمره بالتعيين، فكيف يجوز لجهلة من الناس أن يعينوا بآرائهم الفاسدة الكاسدة خليفة لرسول رب العالمين !. قوله (لم يجتث) على صيغة المجهول من أجتثه أي اقتلعه. قوله (وإنما أكل حمله) الحمل بالفتح والسكون مصدر حمل الشئ ويطلق أيضا على ما كان في بطن أو على رأس شجرة كذا في المغرب. وذكر ابن دريد: أن حمل الشجر فيه لغتان بالفتح والكسر. قوله (يا داود أردت أمرا وأردنا أمرا غيره) إن قلت: كيف يريد داود نبي الله أمر الخلافة لأحد لا يكون أهلا لها، وما معنى هذه الإرادة ؟ قلت: معناها ميل النفس إلى خلافته لوجدانه أهلا بحسب علمه. ولما كانت الخلافة مبنية على أمور جليلة وخفية يعلم بعضها أهل العلم وبعضها لا يعلمه إلا الله تعالى كارتباط خاص بالله تعالى وكمال علم ونهاية تقدس وهي من فيض الله تعالى أراد جل شأنه خلاف إرادته للتنبيه على أن العلم البشري لا يكون مستقلا في نصب الخليفة. قوله (وسلمنا) التسليم مترتب على الرضى، والرضى على المحبة، إذ المحب يرضى بكل شئ من المحبوب فيسلم له. قوله (بهذا الأمر) أي بأمر الخلافة فليس لهم أن يعينوا خليفة بدون أمر الله تعالى أو ليس لهم أن يعينوا غير من عينه الله تعالى فيجاوزون على التقديرين صاحب أمر الخلافة إلى غيره ويوجب ذلك بطلان ما هو المطلوب منه. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن ابن بكير وجميل، عن عمرو بن مصعب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أترون أن الموصي منا يوصي إلى من يريد ؟ ! لا والله ولكنه عهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى رجل فرجل حتى انتهى إلى نفسه.


[ 92 ]

باب أن الأئمة (عليهم السلام) لم يفعلوا شيئا ولا يفعلون إلا بعهد من الله عزوجل وأمر منه لا يتجاوزونه * الأصل: 1 - محمد بن يحيى والحسين بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن علي بن الحسين بن علي، عن إسماعيل بن مهران، عن أبي جميلة، عن معاذ بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الوصية نزلت من السماء على محمد كتابا، لم ينزل على محمد (صلى الله عليه وآله) كتاب مختوم إلا الوصية فقال جبرئيل (عليه السلام): يا محمد هذه وصيتك في أمتك عند أهل بيتك، فقال رسول ال&