61

     فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن أبا سفيان رجل يحبّ الفخر ، فاجعل له شيئا يكون في قومه .
     فقال النبي : « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن » .
     وهلل أبو سفيان لهذه البادرة ، ووقف الى جنب الوادي ، وأرعبته خيول الله ، وكتائب رسول الله ، فكلما مرت عليه كتيبة قال ما لي ولفلان ، وكلما استقبلته قبيلة قال ما لي ولها ، حتى مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكتيبته الخضراء ولها زَجَلٌ ، فطفح الاناء بما فيه ، وقال العباس : « لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما » .
     فقال له العباس : ويحك انها النبوة . فقال : نعم إذن . ثم انطلق الى مكة يستبق جيش الفتح ، واستقبلته قريش بلهفة ، وإذا به يصرخ : يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به .
     قالوا : فمه ؟ قال : من دخل داري فهو آمن ، قالوا وما تغني دارك ؟ قال : ومن دخل المسجد فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن . فأقبلت زوجته هند بنت عتبة وأخذت بلحيته وهي تصيح : يا آل غالب : اقتلوا هذا الشيخ الأحمق . قال : ويحك : أسلمي وادخلي بيتك .
     وإلتفت الى قريش وقال : لا تغرنكم هذه من أنفسكم ألا وإني لكم نذير . فتسابقوا الهزيمة ، ينعمون بالسلامة من القتل ويلوذون بالفرار من النازلة ، ورسول الله يأمر سعد بن عبادة بدخول مكة بالراية ، فيهزها هزا عنيفا ، ويغلظ للقوم قائلا :
اليــوم يــوم الملحمــة اليــوم تسبــى الحرمـة

     فسمعها العباس فقال للنبي : أما تسمع يا رسول الله ما يقول


62
سعد ، وإني لا آمن أن يكون له في قريش صولة ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : أدرك سعدا فخذ الراية منه ، وكن أنت الذي تدخل بها مكة ، فأدركه عليّ فاخذها منه ، ولم يمتنع سعد من دفعها إليه ، وسار عليّ بالراية حتى دخل مكة رفيقا ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ناحية كداء ، واصعا رأسه الشريف على الرحل تواضعا لله تعالى ، واتجه نحو الحرم فطاف ولبى وسعى وصلى ، وهو في عدته وأهبته وعزته ، وقريش على رؤوسها الطير ، وقد أقبل فلّها ، وتلائم بين يديه جمعها ، وقد زاغت الأبصار ، وخشعت الأصوات ، وانحنت الرؤوس ، فمنهم العفو والرحمة ، وقال كلمته الشهيرة : « أذهبوا فأنتم الطلقاء » وأقبل الناس يدخلون في دين الله أفواجا ، هنالك من أسلم ، وهناك من استسلم ، وللنبي ظاهر الحال ، ولكنه أهدر دماء أحد عشر نفرا ، سبعة من الرجال ، وأربع من النساء ، وكان بلاء علي عظيما ، في طلب هؤلاء ، ففروا منه هنا وهناك ، حتى التجأ من التجأ الى بيت أخته أم هاني بنت أبي طالب ، فأجارت من أجارت ، أو استجار بها من استجار ، وفجأها علي عليه السلام ، فحالت بينه وبينهم ، ودافعها ، فقالت أنت أخي وتصنع معي ذلك ، إن أردت قتلهم فأقتلني معهم ، وسأشكوك الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ وذهبت الى رسول الله فرحّب بها وأجلسها الى جنبه . فقالت يا رسول الله : ماذا لقيت من علي ، فقد أجرت حموين لي من المشركين ، فتفلّت عليهما ليقتلهما ، فقال ما كان ذلك له ، قد أجرنا من أجرت ، وآمنا من آمنت . وشكر لعلي سعيه ، وشفّع أخته .
     وطاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبيت ، وعلي معه ، وأومأ بمخصرته الى الأصنام فتهاوت ، وإلى الأوثان فتحطمت ، وبقي صنم لخزاعة من قوارير ، فقال لعلي أرم بها ، ورفعه إليه حتى صعد سطح الكعبة ، فرمى به من عليها ، فتكسر قطعا وتطاير شظايا ، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا .


63
(8)
أنباءٌ تكدّر صفو الفتح ... وعليٌّ يذود الكتائب

     وبينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينعم بأنباء الفتح ، ويتهلل وجهه فرحاً لمسارعة النفوس إلى الإسلام ، ويمتلىء قلبه رحمةً و إشفاقاً ، وكيانه خشوعاً وتسبيحاً ، وتنطلق شفتاه حمداً واستغفاراً ، إذ يصله نبئان يكدّران عليه صفو الفتح ، ويعكرّان مناخ النصر. النبأ الأول من بني جذيمة ، والنبأ الثاني من هوازن وثقيف. فيرى نفسه وقيادته من الذين معه ، لا يريح من جانب ، إلا ليفجأ بعناء من جانب آخر ، فقد كتبت عليه ملحمة لا بد أن تتم فصولها ، وتتلاحق متاعبها وأدوارها ، فهو بين كدح ونضال ، وجدّ وتضحية ، يتبع أولها آخرها ، ويستظل بمبتداها منتهاها ، وما عليه إلا أن يتصرف تصرف الحكيم بأناة ، ويستبسل استبسال المستميت بإصرار ، حتى يرّد على الأعقاب تلك النكسات ، ويواجه بالصبر وحسن التأني تلك الأحداث.
     أما نبأ بني جذيمة ، فقد كان من أمرهم ، أن أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد في سرية من المسلمين تتجاوز ثلاثمائة مقاتل من المهاجرين والأنصار وفيهم عبد الرحمن بن عوف إلى بني جذيمة بن عامر من كنانة يدعوهم إلى الإسلام؛ ولم يبعثه مقاتلاً؛ فلما انتهى إلى ماء لبني حذيمة نزل به ، وكان بنو جذيمة قد أصابوا في الجاهلية نسوةً من بني المغيرة ، وقتلوا أبا عبد الرحمن بن عوف والفاکه بن المغيرة ،


64
وكان مع عوف ابنه عبد الرحمن فقتل قاتل أبيه ، وبقي دم الفاكه بن المغيرة عم خالد بن الوليد هدراً ، وفي خالد بقية من جاهلية ، وعصبية من حميّة ، وشجاعة في غلظة ، لم يقيّده الإسلام من الفتك ، ولا هذبّته القيادة من الغدر ، والقوم في أسلحتهم؛ فقال : ضعوا السلاح ، فقال أحد زعمائهم : إنه خالد ، والله ما بعد وضع السلاح إلا الأسار ، وما بعد الأسار إلا ضرب الأعناق ، وجادلوا في وضع السلاح أو حمله ، واستجابوا أخيراً فوضعوا السلاح ، فأمر بهم خالد فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتلوا ، و انتهى خبرهم إلى النبي ، فرفع يديه وقال : « اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ».
     ثم دعا علياً عليه السلام وقال له : يا علي أخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم ، وأجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. وخرج عليٌ ومعه الأموال الوفيرة لرأب الصدع ، ومساواة الأمر ، ووصل الإمام فأنكر على خالد همجيته ، ودفع دية القتلى ، وودى الدماء ، وعوّض ما أصيب من الأموال ، حتى أرضاهم ، وقال لهم : هل بقي لكم دم أو مال لم يؤد إليكم ، قالوا : لا ، قال : فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجع إلى النبي فأخبره بصنيعه ، فقال النبي أصبت وأحسنت ، ثم قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستقبل القبلة ، شاهراً يديه ، وهو يقول :
     « اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد » وكرر ذلك ثلاث مرات.
     وانتهت المأساة الغادرة ، بما طيّب به عليٌّ نفوس القوم ، وبما جبر به الخواطر.
     وأما نبأ هوازن وثقيف؛ فكانوا عتاة مردة لا يزدادون إلا طيشاً ، وطغاة جفاة لا يرجون لله وقاراً ، فلما تناهى إلى أسماعهم نبأ فتح مكة ،


65
هالهم هذا النصر المبين ، واجتمعوا إلى رئيسهم مالك بن عوف ، وكان شاباً نزقاً جباراً ، فاستقر رأيه على الحرب ، فأعلن الحرب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابتداءً ، ونزل ( حنين ) في ثلاثين ألفاً ، وبلغ خبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتهيأ في عدة حسنة ولكنها لا تصل إلى عداد القوم ، فقد خرج باثني عشر ألفاً ، وأعطى لواء المهاجرين لعلي بن أبي طالب ، ووزع الرايات بين الأنصار ، وانجدر إلى وادي حنين؛ وكانت هوازن قد كمنت لهم في شعاب الوادي ومنعطفاته ، وأمسكت بمنعرجاته ، وباغتوهم بياتاً من كل صوب وحدب ، وأحدقوا بالمسلمين إحداقاً، وما راع المسلمين إلا القوم يأخذونهم على حين غرّة فيشدون عليهم شدّة رجل واحد ، ويمعنون بالقتل والطعن والمجالدة إمعاناً ، وبلغ الذعر مبلغه بالمسلمين فتنادوا بالويل والثبور ، وانهزموا هزيمة منكرة ، ولم يثبت معه إلا أربعة أو ستة أو عشرة ، وفي طليعتهم - بإجماع المؤرخين - عليٌ عليه السلام ، وانهزم الباقون ، والنبي ينادي :
     أيها الناس أنا رسول الله محمد بن عبد الله ، والمسلمون لا يلوون على شيء. وكان أبو بكر (رض) متفائلاً فقال : لا نغلب اليوم عن قلة ، وكان معجباً بكثرة جيش المسلمين فنزلت الآية : ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثمّ ولّيتم مّدبرين * ثمّ أنزل الله سكينة على رسوله وعلى المؤمنين ) (1).
     قال الشيخ المفيد : والآية تعني بالمؤمنين علياً ومن ثبت معه من بني هشام.
     وصاح العباس بالمنهزمين بأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان العباس
(1) سورة التوبة ، الآيتان : 25 ، 26.
66
جهوري الصوت : يا أهل بيعة الشجرة ، يا أصحاب سورة البقرة ، إلى أين تفروّن؟ اذكروا العهد الذي عاهدتم عليه رسول الله. والقوم يغروّن على وجوههم ، والمشركون في شعاب الوادي يصلونهم حمماً لاهبة ، فقال أبو سفيان - وهو قد أسلم فيما يزعم - لا تنتهي هزيمتهم دون البحر؛ أي المسلمين.
     ونظر الني صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس ببعض وجهه ثم نادى : أينما عاهدتم الله عليه؟ فأسمع أولهم آخرهم ، فتراجعوا إليه في لفتة من مخائل إعجازه ، بعد أن انتشروا في الصحراء ، والتفوا حوله في مائة رجل ، ودارت معركة كبرى ابتدأت بإقبال فارس هوازن ( أبو جرول ) وهو على جمل أحمر ، وبيده راية سوداء ، وهوازن وثقيف تتبعه ، وهو يرتجز :
أنا أبو جرول لا براح حتى نبيح القوم أو نباح

     فصمد له علي عليه السلام فقتله وهو يرتجز :
قد علم القوم لدى الصباح أني في الهيجاء ذو نطاح

     وكان في قتله النصر ، فقد انهزم المشركون شر هزيمة ، وانتعش المسلمون فهجموا هجمة رجل واحد ، بقيادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يباشر القتال بنفسه إلى جنب أركان حربه ، وهو يقول :
أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلّب

     والتحمت المعركة التحاماً مروّعاً ، ندرت فيها الرؤوس ، وهوت الفوارس ، وطاحت الأيدي ، فقال النبي : الآن حمي الوطيس ، وهي من كلماته القصار الجامعة لفنون المجاز والإيجاز ، وعليٌّ بين يديه يذود الكتائب ، ويزلزل الفرسان حتى قتل أربعين فارساً من القوم ، فشلت حركتهم ، وأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حفنة من التراب أعطاها إياه علي بن أبي


67
طالب ، وقذف بها وجوه المشركين قائلاً : شاهت الوجوه ، فكانت الهزيمة الكبرى ، وولى المشركون الدبر ، وجيء بالاسراى مكتفين بين يديه ، وسيقت إليه الغنائم ، وأفواج هوازن في هرب وفرار ، فما طلع الصباح على المسلمين حتى تم لهم النصر المبين ، وانتهت الهزيمة بالأعداء إلى البحر.



68
(9)
عليٌّ رفيق النبي في حربه وسلمه

     بلى تخلف عليٌّ عليه السلام مرة واحدة عن غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنه لم يتخلف بالمعنى الدقيق ، وإنما استخلف ، وذلك في غزوة تبوك.
     فقد بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الروم قد جمعت له ، فأوحى الله تعالى إليه أن يسير إليهم ويستنفر لذلك الناس ، وأعلمه أنه لا حرب ولا قتال في هذه الغزوة ، وإنما ينتدب الناس للاختبار والإمتحان ، وكان القيظ شديداً ، والثمار قد أينعت ، فنهعض من نهض معه ، وتخلف عنه الكثيرون بقيادة عبد الله بن أبي ابن سلول ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سار بثلاثين ألفاً في أهبة وإعداد ، على أن عسكر ابن أبي ابن سلول في ثنية الوداع لم يكن بأقل العسكرين كما يقول ابن سعد في الطبقات وابن هشام في المغازي.
     واستخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام على المدينة ، إذ لا حاجة ملّحة إليه بعد إنبائه بأنه لا يمنى بقتال ، وكان هذا الاستخلاف له ما يبرره سياسياً وقيادياً ، فقد كانت المدينة يرجف بها المنافقون ، ويغدو عليها سراً هؤلاء اليهود ، وكان بنو غنم بن عوف قد بنوا مسجد ضرار ، وطلبوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي فيه ، وكانوا يظهرون الإيمان ويسرّون النفاق ، فقد بني هذا المسجد في قبال مسجد قبا ، وقد بني أيضاً إرصاداً


69
لأبي عامر الفاسق الذي أمرهم ببنائه لأنه ذاهب إلى قيصر ليأتي بجنود يخرج بها محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة ، وكان هؤلاء المنافقون يتوقعون وعده ، فمات قبل أن يبلغ ملك الروم ، وانصرف النبي من تبوك ، فنزل قوله تعالى :
( والّذين اتّخذوا مسجداً ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصاداً لّمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكذبون * لا تقم فيه أبدا لّمسجد أسّس على التقوى من أوّل يوم أحقّ أن تقوم فيه فيه رجالٌ يحبّون أن يتطهّروا والله يحبّ المطّهّرين ) (1).
     فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أحرق هذا المسجد وهدمه.
     وهذا السيل الجارف من النفاق كما تراه يسلك سبلاً شتى بازاء تحقيق مآربه الضالّة ، ولا بدّ للنبيّ من الحذر منه؛ فاستخلف علياً عليه السلام ليحمي المدينة من هؤلاء ، وليمنعها من غارات الأعراب ، وليقيم سنن الدين الحنيف من ينابيعه كما يريد الرسول ، وليؤكد صلاحية الإمام علي للقيادة والمرجعية.
     ومع هذا الحذر وهذه اليقظة ، وصدق الدوافع في استخلاف عليّ على المدينة ، فقد دبّت حسيكة النفاق ، وأشاع المنافقون ما أرادوا ، وقالوا : ما خلّفه إلا استثقالاً له وتخففاً منه ، ومتى كان علي ثقيل الظل على رسول الله؟ ويقال : أن علياً عليه السلام أخذ سلاحه وتبع الرسول وهو معسكر في الجرف ، فقال : يا نبي الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني لأنك استثقلتني ، وتخففت مني ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم كذبوا ، ولكن خلفتك لما تركت ورائي ، فارجع واخلفني في أهلي وأهلك ، « أفلا ترضى يا علي
(1) سورة التوبة ، الآيتان : 107 ، 108.
70
أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ».
     فرجع عليٌّ إلى المدينة ظافراً بهذا الوسام ، فعظم في عين من أعظمه ، وأبتلي بالحقد والحسد مرة أخرى على هذه المنزلة ، فكان حارساً أميناً فيما استودع ، وساهراً يقظاً على ما استخلف بالمعنى العلمي الدقيق للإستخلاف ، فيما عبر عنه النبي بالحرف الواحد : « فأنت خليفتي في أهل بيتي ، ودار هجرتي وقومي ».
     ولما انتهى النبي إلى تبوك توافد عليه رؤساء الروم وزعماؤهم وحكامهم ، فأعطوه الجزية عن يدوهم صاغرون ، فحقن دماءهم وأموالهم وكرّ راجعاً إلى المدينة بعد إقامة عشرين ليلة في تبوك.
     ولا تسل عما جرى له في طريق العودة ، حينما مكر به المنافقون وبرفقته حذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر ، فقد مكروا وأرادوا طرحه من العقبة ، وطلب إليه بعض المسلمين ضرب أعناقهم ، وقد علمهم جميعاً ، وقال : أكره أن تتحدث الناس أن محمداً قد وضع يده في أصحابه ، وسماهم لعمّار وحذيفة وقال اكتماهم. وكانوا أربعة وعشرين رجلاً ، وعرفهم حذيفة بأعيانهم فكان أعرف الناس برؤوس المنافقين ، وكذلك كان عمّار ، واتصل النبأ بعلي عليه السلام فعرف ذلك ، واستوى بين يدي النبي ، وقد حمل الرسالة ، وأدى الأمانة ، وأحسن الإستخلاف.
* * * 

     ولم يكن عليٌّ عليه السلام رفيق محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حربه وسلمه ، وأخاه في الشدة والرخاء فحسب ، بل كان قائد جملة من سراياه التي أمر بها ، وأعطاه نيابته فيها ، فيرجع بالظفر ، وفي طليعتها سرية « ذات السلسلة » فقد أعطى النبي الراية علياً عليه السلام بعد أن رجع بها اثنان من أصحابه لا يلويان على شيء.