الأمثال‏ والحكم ‏المستخرجة من ‏نهج‏البلاغة

 

محمد الغروي‏

 

 

اسم‏الكتاب: الأمثال‏ والحكم ‏المستخرجة من ‏نهج‏البلاغة

المؤلف: محمد الغروي‏

الموضوع: أمثال وأعلام‏

القطع: وزيري‏

عدد الصفحات: 676

الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي‏

سنةالنشر: 1407

مكان‏الطبع: قم‏

عصرالمؤلف: معاصر

المذهب: شيعي‏

إعداد نسخة الكتروني: متين الأنطاكي – موقع الغدير

www.elgadir.com

تنبيه: موافق للمطبوع

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 5

تمهيد

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على محمّد خاتم النّبيّين، وعلى عليّ أمير المؤمنين وأولاده الخلفاء المعصومين، ولا سيّما بقيّة اللّه في الأرضين الإمام المهديّ المنتظر عجّل اللّه فرجه الشّريف.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 6

في ضمن دراستنا للأمثال والحكم استخرجنا ما يقرب من ألف مثل من كلمات الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في كتاب (نهج البلاغة)، وغيره. سمّيناه (الأمثال والحكم العلويّة) تباعا لكتابنا (الأمثال النّبويّة). وقد رأينا أن نقدّم قسما من الأمثال والحكم المستخرجة من نهج البلاغة، تلبية لطلب بعض الإخوان وليكون بداية خير للأمثال العلويّة.

         وأوّل الغيث رشّ ثم ينسكب.

 

هذا، وقد استخرجنا من روايات سائر أهل البيت المعصومين عليهم السّلام كميّة كبيرة من الامثال لا تقلّ عن هذا العدد في هذه الدّراسة المثليّة لاشتراكها كلّها في تهذيب النّفوس، والأهداف الرّفيعة، والدّعوة إلى دين اللّه جلّ جلاله الخالص.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 7

الأمثال:

تنقسم الأمثال إلى: مثل سائر، ومثل قياسيّ.

و المثل السّائر: ما قاله القائل من العرب، أو غير العرب في واقعة اقتضته، ثمّ جرى على الألسن، وسار به الرّكبان يتمثّل به في الشّي‏ء المنشود المشابه للواقعة بدون تبديل.

و القياسيّ: هو تصوير، يخلقه المصوّر، لتوضيح فكرة عن طريق تشبيه، يسمّيه أرباب البلاغة: (التّمثيل المركّب) أو إبداع، يقصد جمال التّصوير به، ويجمع بينه وبين ما ينشده المتمثّل من أهداف.

و إن شئت قلت عن الأوّل: كلّ حكمة جارية على الألسن، كما قاله العسكريّ وعن الثّاني: كلّ ما يبدعه الممثّل.

و المثل المبحوث في هذا الكتاب ما يشمل الأقسام حتّى الصّالح لأن يكون مثلا، كما يمرّ إن شاء اللّه تعالى.

التّصنيف:

بوسعنا أن نصنّف الأمثال في (نهج البلاغة)، وسائر كلمات الإمام عليه السّلام إلى: قرآنيّة، وأمثال سائرة، وقياسيّة وإلى: نثريّة، وشعريّة وإلى: جاهليّة، وإسلاميّة، ومخضرمة وإلى ما سواها من صنوف.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 8

الفوائد:

قد استوفينا كتابة شي‏ء كثير من فوائد الأمثال، في مقدّمة (الأمثال النّبويّة)، و(الأمثال العلويّة)، مضافة إلى (الأمثال القرآنيّة) وكذلك تعاريف القوم لها، فلا نعيد.

الكتب المؤلّفة:

قد أشار إلى عدّة منها صاحب رسالة الإسلام كما يلي، قال: وأراني قبل أن أدخل البحث مطالبا بالإشادة، بذكر جهود متقدّمين، ساهموا في جمع جملة من أمثال الإمام عليه السّلام وحكمه، ممّا هو ضمن (نهج البلاغة)، وما هو في غيره، وكذلك شاركوا في شرحها بما يوضح معانيها.

و مجموعاتهم حسبما يذكرها كارل برو كلمان-  هي: 1-  100 حكمة ومثل. وقد ترجمت إلى الفارسيّة والتّركيّة والألمانيّة.

و شرحت من قبل: أ-  رشيد الدّين الوطواط.

ب-  المستشرق فلايشر.

ج-  حسين بن معين الدّين الميبديّ.

د-  محمّد العمريّ.

ه-  جمال خلوتي.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 9

2-  غرر الحكم ودرر الكلم-  جمع عبد الواحد الآمديّ التّميميّ.

3-  حكم جمعها ابن دريد.

4-  أمثال ينسب جمعها إلى الجاحظ.

5-  حكم الإمام عليّ-  عليه السّلام-  (مجلّة المشرق-  ج: 5-  بيروت).

6-  شذرات الأدب من كلام العرب، وبعض أمثال عليّ الخليفة ولاية العجم وخطبة للشّيخ الرّئيس.

7-  نثر اللّآلي (المجموعة الثّانية من فلا يشر).

8-  كلمات عليّ بن أبي طالب-  عليه السّلام- ، شرح الشّيخ محمّد عبده.

9-  أقوال أمير المؤمنين-  عليه السّلام- ، عليّ بخاريّ.

10-  صد كلمه مولاى متقيان أمير المؤمنين-  عليه السّلام- ، وقد ترجمه وليم يول إلى الإنكليزيّة.

11-  ألف كلمة من كلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب-  عليه السّلام-  مجرّدة من شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة.

و بغية الوقوف على مخطوطات ومطبوعات هذه المؤلّفات، والمكتبات الّتي توجد فيها، يرجع إلى الجزء الأوّل من (تاريخ الأدب العربيّ) تأليف بروكلمان، ترجمة الدّكتور عبد الحليم النّجّار، تحت عنوان (أمثال سيّدنا عليّ)-  عليه السّلام-

------------------------------------------------------------------- صفحة 10

و لا يخفى أنّ بعض هذه الكتب متداخل في بعضها الآخر، فراجع.

و فيما نقلناه ههنا الكفاية، ومن أحبّ التّوسّع نظر المظانّ فإنّه قد كتب عنه عليه السّلام الشّي‏ء الكثير حتّى عدّ من كلماته بهذا الصّدد ما فوق ثلاثة عشر ألف من مثل وحكمة كما في كتاب: (عيون الحكم والمواعظ): ثلاثة عشر ألفا وستمائة وثمانية وعشرين حكمة...-  للشّيخ عليّ بن محمّد اللّيثيّ الواسطيّ كما في الذّريعة. ومن تلك المظانّ الجزء الأوّل، من أربعة أجزاء كتاب: (مصادر نهج البلاغة وأسانيده)، تأليف السّيّد عبد الزّهراء الحسينيّ الخطيب.

أمثال قرآنيّة:

في كلمات الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام آيات قرآنيّة، تمثّل بها لما رام من أهداف توفّرت فيها الشّروط.

قال صاحب رسالة الإسلام: إنّ جميع ما استشهد به الإمام عليه السّلام من آيات قرآنيّة مثليّة في كلامه هي من نوع ما اصطلح عليه ب (الأمثال المكنيّة)، وهي الّتي (تتجلّى فيها الشّروط الأساسيّة الّتي وضعها أرسطو لتحديد المثل من حيث الإيجاز، والتّشبيه، وإصابة الغرض): 1-  ولتعلمنّ نبأه بعد حين-  88 ص.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 11

2-  ولا ينبّئك مثل خبير-  14 فاطر.

3-  عفا اللّه عمّا سلف-  95 المائدة.

4-  ألا إنّ حزب الشّيطن هم الخاسرون-  19 المجادلة.

5-  إنّ في ذلك لعبرة لمن يخشى-  26 النّازعات.

6-  وما هي من الظّالمين ببعيد-  83 هود.

إنّ الإمام-  عليه السّلام-  يكثر من استعمال آيات القرآن الكريم في كلامه، وبخاصّة الآيات الوعظيّة والمثليّة، وهي شي‏ء طبيعيّ من أديب خرّجته مدرسة القرآن الكريم، وتأثّر به أيّ تأثر. وظاهرة أخرى: هي أنّ الإمام-  عليه السّلام-  غالبا ما يأتي بالآية ختاما لكلامه، فقد رأيته في اثنين وعشرين نصّا ممّا استشهد فيه بالقرآن يختمه بالآية... إنّ الإمام-  عليه السّلام-  يتّبع طريقة المزج في الكثير من الآيات الّتي استعملها، فيخيّل للقارئ-  بادئ الأمر-  وهو يقرأ الآية في سياق كلام الإمام-  عليه السّلام-  أنّها منه، لو لا ما يبدو عليها من أسلوب القرآن المتفرّد فيميّزها.

و من أمثلة ذلك قوله-  عليه السّلام- : «ثم خرج إليّ جنيد متذائب ضعيف، كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون». وقوله-  عليه السّلام- : «و إن تكن الأخرى، فلا تذهب نفسك عليهم حسرت إنّ اللّه عليم بما يصنعون». وقوله-  عليه السّلام- : «و لو أشاء أن أقول‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 5

تمهيد

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على محمّد خاتم النّبيّين، وعلى عليّ أمير المؤمنين وأولاده الخلفاء المعصومين، ولا سيّما بقيّة اللّه في الأرضين الإمام المهديّ المنتظر عجّل اللّه فرجه الشّريف.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 6

في ضمن دراستنا للأمثال والحكم استخرجنا ما يقرب من ألف مثل من كلمات الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في كتاب (نهج البلاغة)، وغيره. سمّيناه (الأمثال والحكم العلويّة) تباعا لكتابنا (الأمثال النّبويّة). وقد رأينا أن نقدّم قسما من الأمثال والحكم المستخرجة من نهج البلاغة، تلبية لطلب بعض الإخوان وليكون بداية خير للأمثال العلويّة.

         وأوّل الغيث رشّ ثم ينسكب.

 

هذا، وقد استخرجنا من روايات سائر أهل البيت المعصومين عليهم السّلام كميّة كبيرة من الامثال لا تقلّ عن هذا العدد في هذه الدّراسة المثليّة لاشتراكها كلّها في تهذيب النّفوس، والأهداف الرّفيعة، والدّعوة إلى دين اللّه جلّ جلاله الخالص.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 7

الأمثال:

تنقسم الأمثال إلى: مثل سائر، ومثل قياسيّ.

و المثل السّائر: ما قاله القائل من العرب، أو غير العرب في واقعة اقتضته، ثمّ جرى على الألسن، وسار به الرّكبان يتمثّل به في الشّي‏ء المنشود المشابه للواقعة بدون تبديل.

و القياسيّ: هو تصوير، يخلقه المصوّر، لتوضيح فكرة عن طريق تشبيه، يسمّيه أرباب البلاغة: (التّمثيل المركّب) أو إبداع، يقصد جمال التّصوير به، ويجمع بينه وبين ما ينشده المتمثّل من أهداف.

و إن شئت قلت عن الأوّل: كلّ حكمة جارية على الألسن، كما قاله العسكريّ وعن الثّاني: كلّ ما يبدعه الممثّل.

و المثل المبحوث في هذا الكتاب ما يشمل الأقسام حتّى الصّالح لأن يكون مثلا، كما يمرّ إن شاء اللّه تعالى.

التّصنيف:

بوسعنا أن نصنّف الأمثال في (نهج البلاغة)، وسائر كلمات الإمام عليه السّلام إلى: قرآنيّة، وأمثال سائرة، وقياسيّة وإلى: نثريّة، وشعريّة وإلى: جاهليّة، وإسلاميّة، ومخضرمة وإلى ما سواها من صنوف.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 8

الفوائد:

قد استوفينا كتابة شي‏ء كثير من فوائد الأمثال، في مقدّمة (الأمثال النّبويّة)، و(الأمثال العلويّة)، مضافة إلى (الأمثال القرآنيّة) وكذلك تعاريف القوم لها، فلا نعيد.

الكتب المؤلّفة:

قد أشار إلى عدّة منها صاحب رسالة الإسلام كما يلي، قال: وأراني قبل أن أدخل البحث مطالبا بالإشادة، بذكر جهود متقدّمين، ساهموا في جمع جملة من أمثال الإمام عليه السّلام وحكمه، ممّا هو ضمن (نهج البلاغة)، وما هو في غيره، وكذلك شاركوا في شرحها بما يوضح معانيها.

و مجموعاتهم حسبما يذكرها كارل برو كلمان-  هي: 1-  100 حكمة ومثل. وقد ترجمت إلى الفارسيّة والتّركيّة والألمانيّة.

و شرحت من قبل: أ-  رشيد الدّين الوطواط.

ب-  المستشرق فلايشر.

ج-  حسين بن معين الدّين الميبديّ.

د-  محمّد العمريّ.

ه-  جمال خلوتي.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 9

2-  غرر الحكم ودرر الكلم-  جمع عبد الواحد الآمديّ التّميميّ.

3-  حكم جمعها ابن دريد.

4-  أمثال ينسب جمعها إلى الجاحظ.

5-  حكم الإمام عليّ-  عليه السّلام-  (مجلّة المشرق-  ج: 5-  بيروت).

6-  شذرات الأدب من كلام العرب، وبعض أمثال عليّ الخليفة ولاية العجم وخطبة للشّيخ الرّئيس.

7-  نثر اللّآلي (المجموعة الثّانية من فلا يشر).

8-  كلمات عليّ بن أبي طالب-  عليه السّلام- ، شرح الشّيخ محمّد عبده.

9-  أقوال أمير المؤمنين-  عليه السّلام- ، عليّ بخاريّ.

10-  صد كلمه مولاى متقيان أمير المؤمنين-  عليه السّلام- ، وقد ترجمه وليم يول إلى الإنكليزيّة.

11-  ألف كلمة من كلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب-  عليه السّلام-  مجرّدة من شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة.

و بغية الوقوف على مخطوطات ومطبوعات هذه المؤلّفات، والمكتبات الّتي توجد فيها، يرجع إلى الجزء الأوّل من (تاريخ الأدب العربيّ) تأليف بروكلمان، ترجمة الدّكتور عبد الحليم النّجّار، تحت عنوان (أمثال سيّدنا عليّ)-  عليه السّلام-

------------------------------------------------------------------- صفحة 10

و لا يخفى أنّ بعض هذه الكتب متداخل في بعضها الآخر، فراجع.

و فيما نقلناه ههنا الكفاية، ومن أحبّ التّوسّع نظر المظانّ فإنّه قد كتب عنه عليه السّلام الشّي‏ء الكثير حتّى عدّ من كلماته بهذا الصّدد ما فوق ثلاثة عشر ألف من مثل وحكمة كما في كتاب: (عيون الحكم والمواعظ): ثلاثة عشر ألفا وستمائة وثمانية وعشرين حكمة...-  للشّيخ عليّ بن محمّد اللّيثيّ الواسطيّ كما في الذّريعة. ومن تلك المظانّ الجزء الأوّل، من أربعة أجزاء كتاب: (مصادر نهج البلاغة وأسانيده)، تأليف السّيّد عبد الزّهراء الحسينيّ الخطيب.

أمثال قرآنيّة:

في كلمات الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام آيات قرآنيّة، تمثّل بها لما رام من أهداف توفّرت فيها الشّروط.

قال صاحب رسالة الإسلام: إنّ جميع ما استشهد به الإمام عليه السّلام من آيات قرآنيّة مثليّة في كلامه هي من نوع ما اصطلح عليه ب (الأمثال المكنيّة)، وهي الّتي (تتجلّى فيها الشّروط الأساسيّة الّتي وضعها أرسطو لتحديد المثل من حيث الإيجاز، والتّشبيه، وإصابة الغرض): 1-  ولتعلمنّ نبأه بعد حين-  88 ص.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 11

2-  ولا ينبّئك مثل خبير-  14 فاطر.

3-  عفا اللّه عمّا سلف-  95 المائدة.

4-  ألا إنّ حزب الشّيطن هم الخاسرون-  19 المجادلة.

5-  إنّ في ذلك لعبرة لمن يخشى-  26 النّازعات.

6-  وما هي من الظّالمين ببعيد-  83 هود.

إنّ الإمام-  عليه السّلام-  يكثر من استعمال آيات القرآن الكريم في كلامه، وبخاصّة الآيات الوعظيّة والمثليّة، وهي شي‏ء طبيعيّ من أديب خرّجته مدرسة القرآن الكريم، وتأثّر به أيّ تأثر. وظاهرة أخرى: هي أنّ الإمام-  عليه السّلام-  غالبا ما يأتي بالآية ختاما لكلامه، فقد رأيته في اثنين وعشرين نصّا ممّا استشهد فيه بالقرآن يختمه بالآية... إنّ الإمام-  عليه السّلام-  يتّبع طريقة المزج في الكثير من الآيات الّتي استعملها، فيخيّل للقارئ-  بادئ الأمر-  وهو يقرأ الآية في سياق كلام الإمام-  عليه السّلام-  أنّها منه، لو لا ما يبدو عليها من أسلوب القرآن المتفرّد فيميّزها.

و من أمثلة ذلك قوله-  عليه السّلام- : «ثم خرج إليّ جنيد متذائب ضعيف، كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون». وقوله-  عليه السّلام- : «و إن تكن الأخرى، فلا تذهب نفسك عليهم حسرت إنّ اللّه عليم بما يصنعون». وقوله-  عليه السّلام- : «و لو أشاء أن أقول‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 12

لقلت: عفا اللّه عمّا سلف».. لم يقصر تمثّله عليه السّلام بالآيات القرآنيّة على العدد المذكور، بل أكثر من أن يحصى، ولسنا بصدد تحريره، وهو ديدن أهل البيت عليهم السّلام، ومن حذا حذوهم.

هذه فاطمة الزّهراء عليها السّلام تقول في خطبتها: «و ما عشت أراك الدّهر عجبا، وإن تعجب فعجب قولهم» «ليت شعري إلى أيّ إسناد استندوا وعلى أيّ عماد اعتمدوا... لبئس المولى ولبئس العشير». و«بئس للّظلمين بدلا».. أقول: كذا في طبعة النّجف الأشرف، وفي طبعة بيروت (سناد) بدل (إسناد).

استعرضناه عند التّكلّم على (الأمثال الفاطميّة)، المستخرجة من كلماتها-  روحي فداها- .

و هكذا الإمام الحسن والحسين إلى المهديّ عليهم السّلام، وعجّل اللّه فرجهم الشّريف وفي ذلك بلاغ مبين، وأداء للرّسالة السّماويّة مهما كان نوع الأداء، واندفاع إلى القرآن الكريم، وأنّه المصدر لكلّ أمر، وشاهد صدق عليه: «و من أصدق من اللّه قيلا». وأحسن الحديث‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 13

كما قال جلّ جلاله: «اللّه نزّل أحسن الحديث كتبا». على أنّه كلام الحبيب يطيب للمحبّين أن يلهجوا به، انّه أحلى من الشّهد، وقد تجلّى اللّه جلّ جلاله في كتابه، كما قال عليه السّلام: «فتجلّى لهم سبحانه في كتابه، من غير أن يكونوا رأوه بما أراهم من قدرته...».

نهج الكتاب:

نهجنا في هذا الكتاب هو نهج (الأمثال النّبويّة)، على طريقة حروف التّهجّي، الحرف الأوّل فالأوّل، وإلغاء حرف التّعريف تسهيلا للاستخراج، ونقصد من المثل فيه، بأنواعه من السّائر والقياسيّ، وما يصلح للتّمثّل به، وإن لم يكن من الأمثال، وهو ديدننا في مؤلّفاتنا المثليّة على الإطلاق مقتصرين على طرف منها. و(خ-  ط) للخطبة، و(ك) للكتاب والكلام، و(ح) للحكمة. واعتمدنا على النّهج: المطبوع 1385، وشرحه للمعتزليّ بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم في عشرين جزءا في (الأمثال العلويّة)، و(الأمثال والحكم المستخرجة)، وهو هذا الكتاب الّذي بين يدي القارئ الكريم. وما توفيقي إلّا باللّه، وللّه الحمد في بداية الأمور ونهايتها، حمدا لا يقدر على إحصائه إلّا هو، بلا نهاية له، ولا أمد. ولنعم ما قال بعض الفضلاء:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 14

 

         الحمد للّه بقدر اللّه                لا قدر وسع العبد ذي التّناهي‏

         والحمد للّه الّذي برهانه          أن ليس شأن ليس فيه شانه‏

         والحمد للّه الّذي من ينكره       فإنّما ينكر من يصوّره

 

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 15

حرف الهمزة

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 16

1-  آخر الدّواء الكيّ

تمثّل به عليه السّلام في كتاب له، جوابا لقوم سألوه، عقاب من أجلب على عثمان بعد ما بويع: «يا إخوتاه إنّي لست أجهل ما تعلمون... وسأمسك الأمر ما استمسك، وإذا لم أجد بدّا، فآخر الدّواء الكيّ».

لأنّه إنّما يقدم عليه بعد أن لا ينفع كلّ دواء: أي إذا أعضل وأبى قبول كلّ دواء حسم بالكيّ. وقيل: (آخر الدّاء الكيّ)، وردّ أنّه من غلط العامّة، إذ الكيّ ليس من الدّاء، ليكون آخره.

قيل: أوّل من قال المثل لقمان بن عاد، في قصّة امرأة غازلت رجلا، زعمته أخاها، حتّى لقي لقمان زوجها، اسمه هانئ، يسوق إبله، ويقول: (الرّجز)

         روحي إلى الحيّ فإنّ نفسي            رهينة فيهم بخير عرس‏

 

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 17

         حسّانة المقلة ذات أنس            لا يشترى اليوم لها بأمس‏

 

فهتف به لقمان، يا هانئ وقال: (الرّجز)

         يا ذا البجاد الحلكه     ولزّوجة المشتركة

         عشّ رويدا إبلكه                لست لمن ليس لكه‏

 

قال هانئ: نور نور للّه أبوك. قال لقمان: عليّ التّنوير، وعليك التّغيير، مررت بها تغازل رجلا، زعمته أخاها، قال: فما الرّأي قال: أن تقلب الظّهر بطنا، حتّى يستبين لك الأمر. قال: أعالجها بكيّة توردها المنيّة، قال: (آخر الدّواء الكيّ).

يضرب فيمن يستعمل في أوّل ما يجب استعماله في آخره، وفي إعمال المخاشنة مع العدوّ، إذا لم يجد معه اللّين والمداراة صدقت القصّة أم لا، فإنّه يساعدها الاعتبار.

يريد عليه السّلام من ضرب المثل النّاس إن استقاموا أصابوا رشدهم وحظّهم، وإن اعوجّوا فلا بدّ من إقامة اعوجاجهم مهما كلّف الأمر. قال البحرانيّ: أي الحرب والقتال لأنّها الغاية الّتي ينتهي‏

 

-------------------------------------------------------------------صفحة 18

أمر العصاة إليها ومداواة أمراض قلوبهم كما تنتهي مداواة المريض إلى أن يكوى.

2-  اتّباع الكلب للضّرغام يلوذ بمخالبه

من كتاب له عليه السّلام إلى عمرو بن العاص: «فإنّك قد جعلت دينك تبعا لدنيا امرئ ظاهر غيّه، مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفّه الحليم بخلطته، فاتّبعت أثره، وطلبت فضله، اتّباع الكلب للضّرغام يلوذ بمخالبه، ينتظر ما يلقى إليه من فضل فريسته، فأذهبت دنياك وآخرتك، ولو بالحقّ أخذت أدركت ما طلبت...».

وجه التّمثيل له بمتابعة الكلب للأسد للحصول على فضل فريسته واضح لقاعدة وهي: إذا دنئت نفس المرء غربت عنها المكارم الإنسانيّة والأخلاق المرضيّة، ورسخت فيها أضدادها، واستحكمت خلال البهائم والسّباع فيها إلى الغاية، فإذا استولى الغضب عليها فأسد

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 19

مفترس لا همّ له سوى الافتراس، وإذا ملكها الطّمع فصاحبها كلب لائذ ينتظر ما يلقى إليه، أو الاحتيال فثعلب.

و هلمّ جرّا في كلّ خصلة تختصلها السّباع والحيوانات تنكشف لذوي البصائر من الناس، فضلا عن أمير المؤمنين الّذي يرى الأشياء كما هي، إذا وصف شيئا منحه نعوته الجديرة به، لأنّه عليه السّلام الحكم العدل الّذي يعطي كلّ ذي حقّ حقّه.

فمن نظر إلى معاوية وابن العاص وجد الخلال الّتي بيّنها الإمام عليه السّلام من الفسق، وشين الكريم، وتسفيه الحليم فيهما وأنّهما يجريان مجرى الكلاب والأسود عند الفريسة تابعة ومتبوعة.

عن ابن مزاحم في كتاب صفّين بلفظ: «أما بعد، فإنّك تركت مروءتك لامرى‏ء فاسق، مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفّه الحليم بخلطته، فصار قلبك لقلبه تبعا، كما قيل: (وافق شنّ طبقة). فسلبك دينك، وأمانتك، ودنياك، وآخرتك... فصرت كالذّئب يتبع الضّرغام، إذا ما اللّيل دجى، أو أتى الصّبح، يلتمس فاضل سؤره، وحوايا فريسته، ولكن لا نجاة من القدر...».

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 20

3-  أحبب حبيبك هونا مّا

قال عليه السّلام: «أحبب حبيبك هونا مّا، عسى أن يكون بغيضك يوما مّا، وأبغض بغيضك هونا مّا، عسى أن يكون حبيبك يوما مّا».

من كلمات الإمام عليه السّلام الحكميّة. عدّه أبو هلال العسكريّ من الأمثال في جمهرته، وقال: المثل لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه-  عليه السّلام-  وهونا: أي قصدا غير إفراط، وهو من قول النّمر بن تولب:

         وأحبب حبيبك حبّا رويدا            لئلّا يعولك أن تصرما

         وأبغض بغيضك رويدا               إذا أنت حاولت أن تحكما

 

و من أجود ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم: (لا تكن مكثرا، ثم تكون مقلّا، فيعرف سرفك في الإكثار، وجفاؤك في الإقلال).

------------------------------------------------------------------- صفحة 21

قال الشّارح: الهون بالفتح: التّأنّي. والبغيض: المبغض. وخلاصة هذه الكلمة: النّهي عن الإسراف في المودّة والبغضة، فربّما انقلب من تودّ فصار عدوّا، وربّما انقلب من تعاديه فصار صديقا.

و قال بعض الحكماء: توقّ الإفراط في المحبّة، فإنّ الإفراط فيها داع إلى التّقصير منها، ولأن تكون الحال بينك وبين حبيبك نامية، أولى من أن تكون متناهية.. وقال الشّاعر:

         وأحبب إذا أحببت حبّا مقاربا            فإنّك لا تدري متى أنت نازع‏

         وأبغض إذا أبغضت غير مباين           فإنك لا تدري متى أنت راجع‏

 

و قال عديّ بن زيد:

         ولا تأمنن من مبغض قرب داره            ولا من محبّ أن يملّ فيبعدا.

 

و قد جاء: «عثرة الاسترسال لا تستقال». إذا كان الحبّ مع اللّه عزّ وجلّ، فأحبب حبّا إلى الغاية بدون تقليل بل إلى حدّ العشق، وهو الحبّ المفرط، وأبغض الشّيطان، والنّفس الأمّارة، وما يصدّك عن اللّه تعالى بغضا إلى الغاية.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 22

4-  اختطاف الذّئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة

من كتاب له عليه السّلام لابن عمّه ابن عبّاس، استنكارا لأخذه من بيت المال، حينما كان واليا من قبله على البصرة، وفيه: «فلمّا أمكنتك الشّدّة في خيانة الأمّة، أسرعت الكرّة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم اختطاف الذّئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة، فحملته إلى الحجاز رحيب الصّدر بحمله غير متأثّم من أخذه.........». الذّئب الأزلّ: الخفيف الوركين، وذلك أشدّ لعدوه، وأسرع لوثبته، وإن اتفق أن تكون شاة من المعزى كسيرة ودامية أيضا، كان الذّئب على اختطافها أقدر. والأزلّ في الأصل: الصّغير العجز، وهو في صفات الذّئب الخفيف.

و قيل: هو من قولهم: (زلّ زليلا) إذا عدا.

------------------------------------------------------------------- صفحة 23

و إنّما خصّ الدّامية دون غيرها، لأنّ في طبع الذّئب محبّة الدّم، فهو يؤثر الدّامية على غيرها، ويبلغ به طبعه في ذلك أنّه يرى الذّئب مثله وقد دمى، فيثب عليه ليأكله.

قال الشاعر: (من الطّويل)

         فكنت كذئب السّوء لمّا رأى دما            بصاحبه يوما أحال على الدّم‏

 

و قال آخر: (من البسيط)

         إني رأيتك كالورقاء يوحشها            قرب الأليف وتغشاه إذا عقرا

 

(: أي الأليف)، والورقاء: ذئبة، يقول: لا تقرب الذّئب وتستوحش منه، فإذا عقر وثبت عليه. والمعز: الشّاة من الغنم خلاف الضّأن، وخصّ الإمام عليه السّلام الكسير منه لخروج الدّم الّذي يختطفه من أجله. وإنّما اختار عليه السّلام كلمة (الاختطاف)، للسّرعة المأخوذة في معناها: أي الأخذ بسرعة، ومنه البرق الخاطف.

يقول عليه السّلام: يابن عبّاس قد أخذت الأموال من غير حلّ، إذ

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 24

هي لليتامى والأرامل، برحب الصّدر منك في استلابها وحملها إلى الحجاز، لصرفها فيما تشتهي بلا احتشام ولا خوف من اللّه ولا منّي ولا من ذويها، وليس اختطافك لها إلّا كاختطاف الذّئب الوثّاب المعز الدّامي الكسير السّهل التّناوش، اعتداء القويّ على الضّعيف، ومنه يعرف حال الأقوياء المعتدين على من دونهم بلا اختصاص بابن عبّاس.

فمن شاء أن يكون ذئبا عاديا فليفعل فعله وليختطف، إلّا أن يتوب ويردّ مظلمة العباد.

5-  اختلف النّجر، وتشتّت الأمر

من خطبة له عليه السّلام بعد الحمد والاستغاثة والشّهادة للّه عزّ وجلّ، قال: «و أشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، أرسله بالدّين المشهور، والعلم المأثور، والكتاب المسطور، والنّور السّاطع، والضّياء اللّامع، والأمر الصّادع إزاحة للشّبهات، واحتجاجا بالبيّنات، وتحذيرا بالآيات، وتخويفا بالمثلات والنّاس في فتن انجذم فيها حبل الدّين، وتزعزعت سواري اليقين، واختلف النّجر، وتشتّت الأمر......». نجر الخشبة ينجرها نجرا، من باب قتل: نحتها، والصّانع النّجّار،

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 25

و النّجارة مثل الصّناعة. ونجران: بلدة من بلاد همدان من اليمن، سمّيت باسم بانيها نجران بن زيدان. وفي النّهاية: موضع معروف بين الحجاز والشّام واليمن.

و في الحديث: «شرّ النّصارى نصارى نجران». للنّجر معان: منها، الأصل، وأسماء عدّة مواضع، والجزاء، ومنه قولهم: «لأنجرنّ نجيرتك»: أي لأجرينّ جزاءك، ونجار كغراب، والأصل، واللّون.

 

 

و في المثل: (كلّ نجار إبل نجارها)، وهذا من قول رجل كان يغير على النّاس، ويطلب إبلهم ثم يأتي بها السّوق، فيعرضها على البيع، فيقول المشتري: من أيّ إبل هذه فيقول البائع: تسألني الباعة: أين دارها لا تسألوني، واسألوا: ما نارها (كلّ نجار إبل نجارها). والباعة ههنا: المشترون، والنّار من سمات الإبل. والنجران كسكران: العتبة قال:

         صببت الماء في النّجران حتّى            تركت الباب ليس له صرير.

 

و كيف كان: يريد عليه السّلام: بيان حال النّاس قبل الإسلام، في فتن تقطع الدّين فيها، لا يقين لهم بالمعاد ولا بالمبدأ، كلّ منهم له طور من الجهالة،

------------------------------------------------------------------- صفحة 26

كأنّهم نحتوا بأنواع شتّى من النّحت، فلكلّ نحت يخصّه، وأصل باطل ترعرع عليه، ولا تجد أمورهم إلّا وهي متشتّة لتشتّت أصولهم، وطباعهم الكدرة، ونفوسهم الشّرّيرة، حتّى جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بدين الإسلام، والقرآن النّور السّاطع والضّياء اللّامع، فأضاء الجزيرة، بل الدّنيا بربوعها بضياء حقائق النّبوّة الأحمديّة، والأحكام السّماويّة المهذّبة للطّبائع والنّفوس الخاضعة للأصنام الحجريّة والأوثان النّحاسيّة، فهداهم الإسلام إلى التّوحيد، والدّين الخالص، وترك الأنداد، فسادوا العالم كلّه ببركة دين اللّه عزّ وجلّ، والإيمان بالرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم.

و الكلام صالح للتّمثّل به للفكر المتشتّت، والفرقة.

6-  أخرج الحقّ من خاصرته

في آخر خطبة له عليه السّلام: «و أيم اللّه لأبقرنّ الباطل، حتّى أخرج الحقّ من خاصرته». وآخر أخرى بلفظ: «فلأنقبن الباطل، حتّى يخرج الحقّ من جنبه». ونظيره ما ذكره الميدانيّ من المثل السّائر: (يخرج الحقّ من‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 27

خاصرة الباطل)، يضرب لمن يفرق بينهما. يراد بذلك: تحقيق الحقّ، وإبطال الباطل، مهما كلّف الأمر.

قال المعتزليّ: كأنّه جعل الباطل كالشّي‏ء المشتمل على الحقّ، غالبا عليه، ومحيطا به، فإذا بقر ظهر الحقّ الكامن فيه. وقال شارحا للأخرى: «فلأنقبنّ الباطل»: كأنّه جعل الباطل كشي‏ء، قد اشتمل على الحقّ، واحتوى عليه، وصار الحقّ في طيّه كالشّي‏ء الكامن المستتر فيه، فأقسم لينقبنّ ذلك الباطل، إلى أن يخرج الحقّ من جنبه. كلا الشّرحين متقارب.

و قد جاء المثل للحقّ والباطل في القرآن الكريم، والسّنّة النّبويّة، وأحاديث أهل البيت عليهم السّلام.

من الأوّل آية: «أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ» في الآية تمثيلان: الأوّل تمثيل الوحي والمعارف بالماء النّازل من السّماء، وهو الحقّ، ويقابله تمثيل الأوهام بالزّبد الذّاهب، وهو الباطل. والثّاني، تمثيل كلّ ما ينفع النّاس، بما يوقد عليه في النّار من الحليّ والفلزّات وآلات الحرب، وما يبقى بعد الطّبخ للأكل وغيره، وهو

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 28

الحقّ، ويقابله ما لا يعتدّ به من الخليط والأزباد والتّافهات: وهي الباطل الّذي لا ينتفع به.

و من السنّة: «الحقّ ثقيل مرّ، والباطل خفيف حلو». ومن الرّوايات: المثل الجاري المبحوث عنه.

و من المثل السّائر: (الحقّ أبلج، والباطل لجج).

و لنعد إلى ما كنّا فيه من التّمثيل العلويّ للباطل بحيوان له خاصرة يخرج منها الحقّ ببقرها أو نقبها والبقر: الشّقّ والفتح، والتّوسّع في الشّي‏ء. وسمّي الإمام الباقر عليه السّلام باقرا لأنّه يبقر العلم بقرا: أي يشقّه ويفتحه. ومن السّعة الحديث: «سيأتي على النّاس فتنة باقرة، تدع الحليم حيران»: أي واسعة عظيمة. والمناسب للمقام الشّق.

و الخاصرة من الخصر، له معنيان: البرد، ووسط الشّي‏ء، من الأوّل قول حسان:

         ربّ خال لي لو أبصرته            سبط المشية في اليوم الخصر

 

-  السّبط: المسترسل.-  والخصر، خصر الإنسان وغيره: وهو

------------------------------------------------------------------- صفحة 29

وسطه المستدقّ فوق الوركين. اذا دريت ذلك تجلّى لك ما أراده عليه السّلام إنّه المحقّق الحقّ، والمبطل الباطل مهما كان، وفيه جاء النّبويّ: «عليّ مع الحقّ، والحقّ مع عليّ، ولن يفترقا، حتّى يردا عليّ الحوض يوم القيامة». و«عليّ مع الحقّ، والحقّ مع عليّ، يدور حيثما دار».

نقله العلّامة الأمينيّ رحمه اللّه بطرق متعدّدة. وهذه الخصيصة لا تفارق الأربعة عشر المعصومين، أوّلهم محمّد خاتم الأنبياء، وآخرهم خاتم الأوصياء، سمّي الرّسول، عجّل اللّه فرجه الشّريف.

7-  إذا تمّ العقل نقص الكلام

قال عليه السّلام: «إذا تمّ العقل نقص الكلام». والوجه في نقص الكلام (: أي قلّته)، إذا تمّ العقل، بيّنه عليه السّلام في بعض حكمه، قال عليه السّلام: «لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه». قال الرّضيّ رحمه اللّه تعالى: وهذا من المعاني العجيبة الشّريفة،

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 30

و المراد به: أنّ العاقل لا يطلق لسانه إلّا بعد مشاورة الرّويّة ومؤامرة الفكر والأحمق تسبق حذفات لسانه، وفلتات كلامه مراجعة فكره وممّا خضة رأيه، فكأنّ لسان العاقل تابع لقلبه، وكأنّ قلب الأحمق تابع للسانه.: أي فلا يتكلّم العاقل، إلّا بعد التّروّي والفكر فيما يريده ممّا له أو عليه في العاجل والآجل، فلا محالة يقلّ كلامه، وهو من المثل السّائر، وقد جاء في (مجمع الأمثال) و(التّمثيل والمحاضرة) في أثناء ذكر نبذة في العقل والعاقل، قال: (العقل عقال النّفس). (عقول كلّ قوم على قدر زمانهم).

(العقل أشرف الأحساب). (العقل جنّة واقية). (العقل الإصابة بالظّن، ومعرفة ما لم يكن بما كان). (أشدّ الفاقة عدم العقل). (لو صوّر العقل لأضاء معه اللّيل، ولو صوّر الجهل لأظلمت معه الشّمس). (كلّ عمل يأذن فيه العقل فهو صواب). (كلّ شي‏ء إذا كثر رخص إلّا العقل، فإنّه إذا كثر غلا). (العقل غريزة، تربّيها التّجارب). (إذا تمّ العقل نقص الكلام). (حسن الصّورة الجمال الظّاهر، وحسن العقل الجمال الباطن). (ليس الإنسان الصّورة، إنّما الإنسان العقل). (ما أبين وجوه الخير والشّرّ في مرآة العقل). (من غلبه الهوى فليس لعقله سلطان).

(العاقل من عقل لسانه، والجاهل من جهل قدره). (العقل صفاء النّفس، والجهل كدرها). (العاقل لا يستقبل النّعمة ببطر، ولا يودّعها بجزع). (لا ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره، وطاعة نفسه عليه‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 31

ممتنعة). (أيدي العقول تمسك أعنّة النّفوس عن الهوى). (اقصر عن شهوة خالفت عقلك). (أعقل النّاس أعذرهم للنّاس). (أحر بمن كان عاقلا أن يكون عمّا لا يعنيه غافلا). وكفى في شرف العقل أنّه إذا جرى حديثه مدحه الكلّ، والحمق أو الجهل ذمّه الكلّ، وجاء القرآن الكريم ممتدحا للعقل في تسعة وأربعين موضعا تصريحا أو تلويحا منها: «وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ». وحول العقل بحوث: منها: تعريفه، سئل الرّضا عليه السّلام: «ما العقل فقال: التّجرّع للغصّة، ومداهنة الأعداء، ومداراة الأصدقاء». ونبويّ: «إنّ العقل عقال من الجهل». وتعريفه بآثاره، إمّا لعدم تعقّل النّاس لكنهه، أو أنّ الغرض يترتّب على الاثار دون معرفة الكنه.

و منها: أين محلّه من البدن، ففي نبويّ: «مثل العقل في القلب كمثل السّراج وسط البيت». وصادقيّ: «و موضع العقل الدّماغ، الأترى أنّ الرّجل إذا كان قليل العقل، قيل له: ما أخفّ دماغك». وقيل: محلّه الدّماغ والقلب معا، فراجع.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 32

8-  إذا لم يكن ما تريد، فلا تبل كيف كنت

قال عليه السّلام: «إذا لم يكن ما تريد، فلا تبل كيف كنت». قال المعتزليّ: قد أعجم تفسير هذه الكلمة على جماعة من النّاس.

و قالوا: المشهور في كلام الحكماء: إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون. ولا معنى لقوله: «فلا تبل كيف كنت». وجهلوا مراده: إذا لم يكن ما تريد، فلا تبل بذلك: أي لا تكثرت بفوت مرادك، ولا تبتئس بالحرمان.

و لو وقف على هذا، لتمّ الكلام، وكمل المعنى، وصار هذا مثل قوله: «فلا تكثر على ما فاتك منها أسفا»، ومثل قول اللّه تعالى: «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ». لكنّه تمّم وأكّد، فقال: «كيف كنت»: أي لا تبل بفوت ما كنت أمّلته، ولا تحمل لذلك همّا، كيف كنت، وعلى‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 33

أيّ حال كنت، من حبس، أو مرض، أو فقر، أو فقد حبيب.

و على الجملة: لا تبال الدّهر، ولا تكترث بما عكس عليك من غرضك، ويحرمك من أملك، وليكن هذا الإهوان به والاحتقار له ممّا تعتمده دائما على أيّ حال أفضى بك الدّهر إليها. في حديث قدسيّ: «يا داود تريد، وأريد، ولا يكون إلّا ما أريد». إذ ليس كلّ ما يريده الإنسان يدركه، لأنّ المراد لا يخلو عن شيئين: إمّا غير مقدّر لا له ولا لغيره، كالبقاء في الدّنيا، وقد قال تعالى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. وَيَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ». أو من وسائل العيش الدّنيويّ، وهو أيضا لا يدرك منه إلّا ما قد قدّر وأوتي من ذلك.

كما دلّ على هذا التّبعيض كلمة (منها) في آية: «وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ». عن الصّادق عليه السّلام: «المال والبنون حرث الدّنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما لأقوام». كما قال الشّاعر:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 34

 

         ما أحسن الدّين والدّنيا إذا اجتمعا            وأقبح الكفر والإفلاس بالرّجل

 

و ما أكثر حواجز الوصول إلى ما يتمنّاه الإنسان وليس يدركه، وإن عاش ما عاش، على حدّ قول القائل:

         ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه            تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن

 

و هنا أمر هامّ: وهو أنّ الإنسان إذا لم يدرك أمنيّته، وكان على نهج الحقّ، فلم يبل كيف كان. ومنه قول الشهيد عليّ بن الحسين الأكبر عليهما السّلام: «لمّا نزل الحسين عليه السّلام الثّعلبيّة، فوضع رأسه، فرقد، ثمّ استيقظ، فقال: قد رأيت هاتفا يقول: أنتم تسرعون، والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة، فقال له ابنه عليّ: يا أبه أفلسنا على الحقّ فقال: بلى يا بنيّ والّذي إليه مرجع العباد، فقال: يا أبه إذن، لا نبالي بالموت، فقال له الحسين: جزاك اللّه يا بنيّ خير ما جزى ولدا عن والد». وهذا قول أهل البيت عليهم السّلام كلّهم، بل كلّ من عرف‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 35

اللّه عزّ وجلّ، وفناء الأشياء إلّا وجهه تعالى.

         ألا كلّ شي‏ء ما خلا اللّه باطل            وكلّ نعيم لا محالة زائل.

 

9-  ارتوى من آجن

من كلماته عليه السّلام الحكمية في صفة بعض القضاة: «بكّر فاستكثر من جمع، ما قلّ منه خير ممّا كثر، حتّى ارتوى من آجن، واكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا لتخليص ما التبس على غيره». هذا جزء من كلامه عليه السّلام، وزّعناه على نبذة أمثال‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 36

مضروبة لقسمين من القضاة، فللأوّل منهم: «حمّال خطايا غيره». وللثّاني: «ما قلّ منه خير ممّا كثر». «حتّى ارتوى من آجن» المبحوث هنا. «هو من الشّبهات في مثل نسج العنكبوت». «خبّاط جهالات». «لم يعضّ بضرس قاطع». «يذري.. إذ راء الرّيح الهشيم». «تعجّ منه المواريث». وكلّه عندنا، من الأمثال السّائرة أو الصّالحة أن يتمثّل بها على ما سلكناه في هذا الكتاب، «بكّر فاستكثر من جمع»، راجع معناه إلى: «ما قلّ منه خير ممّا كثر».

 

قوله عليه السّلام: «حتّى ارتوى من آجن»، قال ابن الأثير في حديث عليّ-  عليه السّلام- : «ارتوى من آجن»: هو الماء المتغيّر الطّعم واللّون. ويقال فيه: أجن وأجن ويأجن أجنا وأجونا، فهو آجن وأجن.

و منه حديث الحسن عليه السّلام: «أنّه كان لا يرى بأسا بالوضوء من الماء الآجن». وقال الطّريحيّ في الحديث: «نهي عن الوضوء في الماء الآجن»: أي المتغيّر لونه وطعمه. أقول: إذا خرج عن صدق الماء عليه بقول مطلق بأن صار مضافا، مثل ماء الورد، لم يجز الوضوء به عند علمائنا الإماميّة، وباقي‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 37

الفروع في الفقه، وفي حديث الصّادق عليه السّلام: «إن تغيّر الماء فلا تتوضّأ منه». ثمّ الإمام عليه السّلام شبّه ما اكتنزه هذا الجالس بين النّاس قاضيا لرفع المخاصمات، من مزعبلاته وأوهامه الفاسدة، بماء تغيّر لونه وطعمه الّذي لا يجوز شربه، ولا الوضوء به، ولا سائر الاستعمالات، وذلك لأجل الحرمان من علوم أهل البيت عليهم السّلام، ومعارفهم المستقاة من نمير القرآن الكريم، والأبحر الّتي مجراها من الرّحمن عزّ وجلّ، قال السّيّد الأمين:

         هم أبحر العلم الّتي ما شانها            كدر ومجراها من الرّحمن

 

10-  أرعدوا، وأبرقوا

من كلام له عليه السّلام: «و قد أرعدوا، وأبرقوا، ومع هذين الأمرين الفشل، ولسنا نرعد حتّى نوقع، ولا نسيل حتّى نمطر». الفقرة: «لسنا نرعد حتّى نوقع...»، تكلّمنا عليها. ونبحث الآن عن المثل الجاري: «أرعدوا وأبرقوا»، وهو المثل السّائر: (يرعد

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 38

و يبرق).

قال الميدانيّ بعد ذكره: يقال: رعد الرّجل وبرق، إذا تهدّد، ويروى: (يبرق ويرعد)، وينشد:

         أبرق وأرعد يا يزي            د فما وعيدك لي بضائر

 

و أنكر الأصمعيّ هذه اللّغة. قال الشّارح المعتزليّ: أرعد الرّجل وأبرق، إذا أوعد وتهدّد، وكان الأصمعيّ ينكره، ويزعم أنّه لا يقال إلّا رعد وبرق، ولمّا احتجّ عليه ببيت الكميت:

         أبرق...

 

 

قال- : أي الأصمعيّ- : الكميت قرويّ لا يحتجّ بقوله. وكلام أمير المؤمنين عليه السّلام حجّة دالّة على بطلان قول الأصمعيّ.

و الفشل: الجبن والخور. وقوله عليه السّلام: «و مع هذين الأمرين الفشل» معنى حسن، لأنّ الغالب من الجبناء كثرة الضّوضاء والجلبة يوم الحرب، كما أن الغالب من الشّجعان الصّمت والسّكون. وذكر الشّارح بعد ما تقدّم مثالا من فريقي الجبناء والشّجعان، موضحا لقول الإمام عليه السّلام: «مع هذين الأمرين الفشل»،

 

-------------------------------------------------------------------صفحة 39

و يتجلّى ما قابل ذلك بالمقايسة. قال: سمع أبو طاهر الجنابيّ-  متولّي القرامطة-  ضوضاء عسكر المقتدر باللّه، ودبادبهم وبوقاتهم، وهو في ذلك ألف وخمسمائة، وعسكر المقتدر في عشرين ألفا، مقدّمهم يوسف بن أبي السّاج، فقال لبعض أصحابه: ما هذا الزّحل قال: فشل قال: أجل.

و يقال: إنّه ما رئي جيش كجيش أبي طاهر، ما كان يسمع لهم صوت، حتّى إنّ الخيل لم تكن لها حمحمة، فرشق عسكر ابن أبي السّاج القرامطة بالسّهام المسمومة، فجرح منهم أكثر من خمسمائة إنسان. وكان أبو طاهر في عمارية له، فنزل وركب فرسا. وحمل بنفسه ومعه أصحابه حملة على عسكر ابن أبي السّاج، فكسروه وفلّوه وخلصوا إلى يوسف فأسروه وتقطّع عسكره بعد أن أتى بالقتل على كثير منهم، وكان ذلك في سنة خمس عشرة وثلاثمائة.

و من أمثالهم: (الصّدق ينبئ عنك لا الوعيد). لسنا نجابه ما ذكره من تطبيق القصّة أو كذبها بعد عدم عزّة التّمثيل وما أجاب به الأصمعيّ من دلالة كلام الإمام عليه السّلام على بطلان زعمه حقّ، ونظيره من وجه قول الباقر عليه السّلام، عند ما سأله زرارة بن أعين: ألا تخبرني، من أين علمت، وقلت: أنّ المسح ببعض الرّأس وبعض الرّجلين فضحك، فقال: «يا زرارة قاله رسول اللّه-  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم- ، ونزل به الكتاب... فقال: فامسحوا

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 40

برءوسكم. فعرفنا حين قال: برءوسكم، أنّ المسح ببعض الرّأس، لمكان الباء» إلى آخر الحديث. فزعم سيبويه أنّ استعمال (الباء) في التّبعيض غلط، فدلّ على بطلان زعمه هذا الخبر الصّحيح الباقريّ. وتفصيل البحث في الفقه، والغرض التّنظير لا أكثر.

ثم الإبراق والإرعاد، كما تقدّم عن الميدانيّ وغيره، يتمثّل به للتّهديد ولعدمه إذا نفاهما المتكلّم، فقال: لسنا نبرق ولا نرعد، ويجوز أن يتمثّل بذلك في غير التّهديد، كما في المنافق، حيث يظهر ما ليس له حقيقة، وهو شأن كلّ مراء يري للنّاس ما ليس فيه، ومن هنا جاء التّشديد في إلاخلاص في العبادة للّه، بل جميع الحالات. ففي علويّ: «الدّنيا كلّها جهل إلّا مواضع العلم، والعلم كلّه حجّة إلّا ما عمل به، والعمل كلّه رياء إلّا ما كان مخلصا، والإخلاص على خطر حتّى ينظر العبد بما يختم له».

------------------------------------------------------------------- صفحة 41

و ليس الإبراق والإرعاد تبرز ظاهرتهما في القول فحسب، بل في العمل أيضا، إذا كان بغير الّذي أضمرته السّريرة، فلا يفارقه الفشل، لا محالة، عند تبيّن الحال.

11-  أعذر بما أنذر

من خطبة مطوّلة له عليه السّلام تسمّى بالغرّاء، وهي من الخطب العجيبة، أوّلها: «الحمد للّه علا بحوله، ودنا بطوله»-  إلى أن قال عليه السّلام:-  «أوصيكم بتقوى اللّه الّذي أعذر بما أنذر، واحتجّ بما نهج......». وهو من الأمثال السّائرة. قال الميدانيّ: (أعذر من أنذر): أي من حذّرك ما يحلّ بك، فقد أعذر إليك: أي صار معذورا عندك. وقال جار اللّه: (أعذر من أنذر): أي من حذّرك ما يحلّ بك، فقد بالغ في العذر. يرميان غرضا واحدا.

و لعلّ إلى ذلك ينظر قوله تعالى: «عُذْراً أَوْ نُذْراً». قيل: معناه: عذرا للمحقّين، ونذرا للمبطلين، وصفان للملائكة الملقيات ذكرا.

و للآية تفسير، يطلب من مظانّه. ومن المحتمل أن تكون (أو) في «عذرا أو نذرا» بمعنى الواو، وعليه يناسب المثل الجاري والحديث المرويّ: «أنا

 

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 42

النّذير العريان». إذ العرى أبين للنّظر، وأدلّ على الحذر، وكان من عادة العرب إذا أرادوا التّحذير من العدو، والمحذّر بعيد، حذّر القوم بالتّعرّي أو النّار في بعض الحالات.

و الإنذار على أقسام يجمعها مطلوبيّة الحذر من المنذر منه، مثلا قوله تعالى: «فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى». للتّحذّر عمّا يسبّب دخولها وقد صرّح لهذا الغرض في آية: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ». جعل غاية الإنذار حذر القوم، وحذف متعلّق الحذر دليل على عموم ما يسبّب العذاب والعقاب على ما بيّن لهم إن تمرّدوا.

و المقام كذلك، حيث صدّر الكلام العلويّ بإيصاء التّقوى، ثمّ وصف اللّه تعالى بأنّه المعذر المنذر.

و أمّا الإعذار المقرون بالإنذار في المثل (أعذر من أنذر)، أو «بما أنذر» كما في كلام الإمام عليه السّلام، وقد تعرّض له الشّيخ الطّريحي أيضا. فيراد به: أنّه صار ذا عذر، فلا يلام إذا أخذ المنذر (بالكسر) المنذر (بالفتح)، وعاقبه على عدم القيام بما يقتضيه المقام.

و نظيره من وجه، قوله الآخر عليه السّلام لابن ملجم:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 43

 

         أريد حياته ويريد قتلي            عذيرك من خليلك من مراد

 

يريد بقوله: (عذيرك) فإن أوقعت به كنت معذورا. وبلفظ آخر: قد تمّت الحجّة عليه.

12-  أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبّته

من كلام له عليه السّلام في ذكر عمرو بن العاص: «عجبا لابن النّابغة يزعم لأهل الشّام: أنّ فيّ دعابة، وأنّي امرؤ تلعابة، أعافس وأمارس لقد قال باطلا، ونطق آثما. أما-  وشرّ القول الكذب-  إنّه ليقول فيكذب، ويعد فيخلف، ويسأل فيبخل، ويسأل فيلحف، ويخون العهد، ويقطع الإلّ فإذا كان عند الحرب فأيّ زاجر وآمر هو ما لم تأخذ السّيوف مآخذها، فإذا كان ذلك كان أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبّته».

------------------------------------------------------------------- صفحة 44

للكلام تتمّة لم نذكرها، والجملة الأخيرة المذكورة صالحة للمثل، وإن لم يرسلها الإمام عليه السّلام مثلا.

و منح الاست القرم المعبّر عنه بالسّبّة المراد به: كشف العورة، عمل شنيع أقدم عليه ابن العاص، لينجو به من القتل، ومن ثمّ قيل له: نجا بعورته عند ما قرب أجله بسيف الإمام عليه السّلام الّذي ما اعتلا امرأ إلّا قدّه، وما اعترضه إلّا قطّه ودخل النّار.

زعم ابن النّابغة الجبان: أنّ في أمير المؤمنين عليه السّلام دعابة ومعافسة وممارسة، وأنّه تلعابة.

الدّعابة: المزاح، كما في حديث صادقيّ: «ما من مؤمن إلّا وفيه دعابة، قلت: وما الدّعابة قال: المزاح». وهو من حسن الخلق، صرّح به في حديث يونس الشّيباني، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «كيف مداعبة بعضكم بعضا قلت: قليل. قال: فلا تفعلوا، فإنّ المداعبة من حسن الخلق، وإنّك لتدخل بها السّرور على أخيك. ولقد كان رسول اللّه-  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم-  يداعب الرّجل، يريد أن يسرّه». يراد ب (فلا تفعلوا): أي القلّة لا تفعلوها.

فالدّعابة سنّة ممدوحة، جعلها عمرو بن العاص، ومن قبل عمرو، عمر ذمّا لا يليق بالخلفاء، بل يحسن فيهم الغلظة والفظاظة. قياسا على‏

 

-------------------------------------------------------------------صفحة 45

أنفسهم، حيث كانوا كذلك وإبطالا لقوله تعالى امتداحا لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ». وردعا له: «وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ». والتّلعابة: الكثير اللّعب. فوا عجبا كيف تسمع أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذلك، ثمّ تغضي طرفها أ ينسب إلى المعصوم عليه السّلام اللّعب، وقد قال: «أما واللّه إنّي ليمنعني من اللّعب ذكر الموت»... والمنع منه متحقّق في المؤمنين، فكيف بأمير المؤمنين عليه السّلام وفي الفائق: العفاس والمراس: ملاعبة النّساء ومصارعتهنّ. والعجب من مؤلّفه رواية الحديث المختلق: (عليّ رضي اللّه تعالى عنه-  عليه السّلام-  كان تلعابة، فإذا فزع فزع إلى ضرس حديد). تصحيحا لقول ابن العاص ومن قبله.

و المعتزليّ أنكر ما نسب إلى الإمام عليه السّلام أشدّ الإنكار، فقال: فأصل ذلك كلمة قالها عمر، فتلقّفها حتّى جعلها أعداؤه عيبا له، وطعنا عليه.

------------------------------------------------------------------- صفحة 46

و قال: فإذا نظرت إلى كتب الحديث والسّير لم تجد أحدا، من خلق اللّه، عدوّا ولا صديقا روى عنه شيئا من هذا الفنّ، لا قولا ولا فعلا.

و لم يكن جدّ أعظم من جدّه، ولا وقار أتمّ من وقاره، وما هزل قطّ، ولا لعب، ولا فارق الحقّ والنّاموس الدينيّ سرّا ولا جهرا وكيف يكون هازلا، ومن كلامه المشهور عنه: «ما مزح امرؤ مزحة إلّا ومجّ معها من عقله مجّة» ولكنّه خلق على سجيّة لطيفة، وأخلاق سهلة، ووجه طلق، وقول حسن، وبشر ظاهر وذلك من فضائله وخصائصه الّتي منحه اللّه بشرفها، واختصّه بمزيّتها... وأنت تجد التّناقض في كلامه، حيث قال: أصل ذلك كلمة قالها عمر، ثمّ يقول: لم نجد، من خلق اللّه، عدوّا ولا صديقا، روى عنه شيئا من هذا الفن. فهل ما قاله عمر فيه عليه السّلام كذب أو صدق وهل هو عدوّ أو صديق.. بلى هي كلمة، تقال حتّى تصرف الوجوه عنه عليه السّلام، كما كانت كلمته عند انتشار موت الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: أنّه لم يمت، ومن قال: إنّه قد مات، ضربته بسيفي، حتّى جاء أبو بكر فقال: من كان يعبد محمّدا فقد مات.. ثمّ تلا قوله تعالى: أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ.... كلمة يقولها المصلحيّون السّياسيّون، يصرفون وجوه النّاس عمّن‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 47

لا يريدونه، وإن أراده اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والحديث ذو شجون. وفي الكلام العلويّ بيان خصائص ابن العاص: إذا قال كذب، وإذا وعد أخلف وإذا يسأل يبخل، وإذا سأل ألحف، خائن قاطع الإلّ: أي العهد، بائع الدّين بدنيا غيره وألف رذيلة أخرى فيه.

و الّذي يروم الاطّلاع على طائفة كبيرة من رذائله، فلينظر المناظرة والمفاخرة بين الإمام الحسن بن عليّ عليهما السّلام وبين جمع اجتمعوا عند معاوية، وهم: 1-  عمرو بن العاص 2-  الوليد بن عقبة بن أبي معيط 3-  عتبة بن أبي سفيان بن حرب 4-  المغيرة بن شعبة. فإنّها فاضحة لهم ورأسهم معاوية. وله عليه السّلام في المغيرة مثل، يجدر النّظر إليه. قوله عليه السّلام: «أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبّته»، هذا بعض الجملة، وهي: «فإذا كان عند الحرب، فأيّ زاجر وآمر هو ما لم تأخذ

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 48

السّيوف مآخذها، فإذا كان ذلك، كان أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبّته».

قال المعتزليّ: أي ما لم تبلغ الحرب إلى أن تخالط الرّؤوس: أي هو بالتّحريض والإغراء قبل أن تلتحم الحرب، فإذا التحمت واشتدّت فلا يمكث، وفعل فعلته الّتي فعل. من كشف سوءته ليسلم من القتل من عمل الجبان الدّني‏ء السّاقط من أمثال عمرو بن العاص.

و هذا الكلام ينطبق على كلّ من هو مثل ابن العاص العاصي، أصل الشّرّ والفساد والرّذيلة، فيشمل الكاذب إذا قال، المخلف إذا وعد، البخيل إذا سئل، الملحف إذا سأل، قاطع العهد الخائن، بائع الدّين بالدّنيا وألف رذيلة موروثة من ابن العاص.

و هكذا شأن جميع كلمات الإمام عليه السّلام التّمثيليّة، الّتي قالها في حقّ غير ابن العاص من المفسدين والمنحرفين، لم تخصّهم خاصّة، وإن جاءت فيهم، لأنّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد، والشّي‏ء يشمله حكم مثله، وهذا معنى قوله عليه السّلام في بعض خطبه: «اعقل ذلك، فإنّ المثل دليل على شبهه، إنّ البهائم همّها بطونها، وإنّ السّباع همّها العدوان على غيرها، وإنّ النّساء همّهنّ زينة الحياة الدّنيا والفساد فيها». وكذا الآيات القرآنيّة النّازلة في الأقوام الماضية، لا تخصّهم خاصّة، بل تعمّ كلّ من كان حاله حالهم، وعلى صفتهم، إذ لو كانت خاصّة بهم‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 49

دون غيرهم، فلو ماتوا كما ماتوا ماتت الآيات.

و إليك التّصريح بذلك في رواية خثيمة عن أبي جعفر عليه السّلام: «و لو أنّ الآية إذا نزلت في قوم، ثمّ مات أولئك، ماتت الآية، لما بقي من القرآن شي‏ء، ولكنّ القرآن يجري أوّله على آخره، ما دامت السّماوات والأرض، ولكلّ قوم آية، يتلونها هم منها من خير أو شرّ». وأبي بصير عن الصّادق عليه السّلام قال: «و لو كانت إذا نزلت آية على رجل، ثمّ مات ذلك الرّجل، ماتت الآية، لمات الكتاب، ولكنّه حيّ يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى». والسّنّة النّبويّة وجميع روايات أهل البيت عليهم السّلام كالكتاب العزيز، تجري مجرى الشّمس والقمر. كما جاء التّمثيل بهما في رواية عبد الرّحيم قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «إنّ القرآن حيّ لم يمت، وأنّه يجري كما يجري اللّيل والنّهار، وكما تجري الشّمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أوّلنا». فما جاء في الخطبة العلويّة من فضائل أو رذائل، غير مختصّة بمورد.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 50

13-  أمحى الظّلم لتذاكير الهمم

مثل من أمثال ثلاثة، أوّل من قالها أمير المؤمنين عليه السّلام، في كلام له يحثّ أصحابه على الجهاد: «و اللّه مستأديكم شكره، ومورثكم أمره، وممهلكم في مضمار ممدود لتتنازعوا سبقه. فشدّوا عقد المآزر، واطووا فضول الخواصر، لا تجتمع عزيمة ووليمة. ما أنقض النوم لعزائم اليوم وأمحى الظّلم لتذاكير الهمم». «لا تجتمع عزيمة ووليمة» و«ما أنقض النّوم لعزائم اليوم»، مثلان تكلّمنا عليهما، وثالثهما: «أمحى الظّلم لتذاكير الهمم»، واستوفينا البحث عمّا قبل الثّلاثة من الخطبة.

قال المعتزليّ في شرح المثل الثّالث: أي الظّلم الّتي ينام فيها لاكلّ الظّلم، ألا ترى أنّه إذا لم ينم في الظّلمة، بل كان عنده من شدّة العزم وقوّة التّصميم ما لا ينام معه، فإنّ الظّلمة لا تمحو تذاكير هممه.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 51

و التّذاكير جمع تذكار.

و المثلان الأوّلان أحسن من الثّالث، وكان الثّالث من تتمّة الثّاني.

و قد قالت العرب في الجاهليّة هذا المعنى. وجاء في القرآن العزيز: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى‏ نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ». وهذا مثل قوله: «لا تجتمع عزيمة ووليمة»: أي لا يجتمع لكم دخول الجنّة والدّعة والقعود عن مشقّة الحرب. أقول: الظّلم جمع الظّلمة، وهي كما تطلق على ظلمة اللّيل، تقال على الكفر والفسق، وما يترك على لوحة النّفس من سواد الذّنوب وظلمتها. وعليه فلعلّ المراد: المعنى الأعمّ من ظلمة اللّيل الّتي ينام فيها، الذّاهبة بأنوار الهمم وتذاكيرها، ومن ظلمة النّفس المتكوّنة عن الذّنوب، وهي أيضا تمحو ضياء الفكرة ونور الهمّة.

 

فهذا المثل الثّالث أحسن من المثلين المتقدّمين، وأدقّ منهما، والّذي دعا المعتزليّ على العكس هو العطف له على الثّاني، ولعلّ النّسخة الأصليّة بلفظ: «و ما أمحى الظّلم لتذاكير الهمم» واللّه العالم.

و كيف كان، إنّ الإمام عليه السّلام يحذّر مغبّة التّساهل في الجهاد الظّاهريّ والباطنيّ، والكلام العلويّ جامع لهما، بل الباطنيّ أهمّ، لأنّه الجهاد الأكبر على ما نطق الخبر:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 52

«إنّ النّبيّ-  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم-  بعث سريّة، فلمّا رجعوا قال: مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر، وبقي عليهم الجهاد الأكبر، فقيل: يا رسول اللّه ما الجهاد الأكبر قال: جهاد النّفس». فيا لها من حرب ما أكثر قتلاها، وأقلّ من نجا منها...

14-  أمرتكم أمري بمنعرج اللوى

في خطبة له عليه السّلام يشكو أصحابه متمثّلا بقوله:

         أمرتكم أمري بمنعرج اللّوى            فلم تستبينوا النّصح إلّا ضحى الغد

 

خطب عليه السّلام بها بعد التّحكيم: «... فأبيتم عليّ إباء المخالفين الجفاة، والمنابذين العصاة، حتّى ارتاب النّاصح بنصحه، وضنّ الزّند بقدحه، فكنت أنا وإيّاكم كما قال أخو هوازن:

         أمرتكم أمري بمنعرج اللّوى            فلم تستبينوا النّصح إلّا ضحى الغد»

 

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 53

و أخو هوازن-  صاحب الشّعر-  هو دريد بن الصّمّة. والأبيات مذكورة في الحماسة، وأوّلها:

         نصحت لعارض وأصحاب عارض         ورهط بني السّوداء والقوم شهّدي‏

         فقلت لهم: ظنّوا بألفي مدجّج            سراتهم في الفارسيّ المسرّد

         أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى             فلم يستبينوا النّصح إلّا ضحى الغد

         فلمّا عصوني كنت منهم وقد أرى       غوايتهم وأنّني غير مهتد

         وما أنا إلّا من غزيّة إن غوت            غويت وإن ترشد غزيّة أرشد.

 

حادثة التّحكيم عند مخالفة أصحابه عليه السّلام يعرف عظمها من كلامه، حيث يقول: «فأبيتم عليّ إباء المخالفين الجفاة...». والكلّ يدري ما يصنع المخالف الجافي والمنابذ العاصي على أميره، وهو ناصحة حتّى ارتاب بنصحه.

و قوله عليه السّلام: «و ضنّ الزّند بقدحه»: أي لم يقدح لي بعد ذلك رأي صالح، لشدّة ما لقيت منكم من الإباء والخلاف والعصيان، لأنّ المشير النّاصح إذا اتّهم واستغشّ عمي قلبه وفسد رأيه. نعم المعصوم عليه السّلام لم يعم قلبه، ولم يفسد رأيه، ويصبر على البلوى، والأمر بطابعه الأوّليّ كذلك.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 54

15-  أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك

قال عليه السّلام لرجل أفرط في الثّناء عليه-  وكان له متّهما: «أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك». وذكره الميدانيّ في مجمع الأمثال، قال: قاله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه-  عليه السّلام-  لرجل مدحه نفاقا. والزّمخشري في المستقصى. قال الشّارح المعتزليّ: قالت الحكماء: إنّه يحدث للممدوح في وجهه أمران مهلكان: أحدهما: الإعجاب بنفسه.

و الثّاني: إذا أثنى عليه بالدّين أو العلم، فتر وقلّ اجتهاده، ورضي عن نفسه، ونقص تشميره وجدّه في طلب العلم والدّين فإنّه إنّما يتشمّر من رأى نفسه مقصّرا، فأمّا من أطلقت الألسن بالثّناء عليه، فإنّه يظنّ أنّه قد وصل وأدرك، فيقلّ اجتهاده، ويتّكل على ما قد حصل له عند النّاس.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 55

و لهذا قال النّبيّ صلّى اللّه عليه-  وآله-  وسلّم لمن مدح إنسانا كاد يسمعه: «ويحك قطعت عنق صاحبك لو سمعها ما أفلح».

فأمّا قوله عليه السّلام: «و فوق ما في نفسك» فإنّه إنّما أراد أن ينبّهه على أنه قد عرف أنه كان يقع فيه وينحرف عنه، وإنّما أراد تعريفه ذلك، لما رآه من المصلحة، إمّا لظنّه أنّه يقلع عمّا كان يذمّه به، أو ليعلمه بتعريفه أنّه قد عرف ذلك، أو ليخوّفه ويزجره، أو لغير ذلك. أقول: لا يدرى بأيّ بيان كان قد مدح الإمام عليه السّلام، إلّا أنّ في ردعه إيّاه، وتفويق نفسه الشّريفة عمّا في نفس المادح درسا للأمّة لترك المدح في الوجه، والكفّ عن القول فيما لم يحط به، وترك النّفاق بإظهار ما لم يصدّقه القلب، كما في قوله تعالى في ردع المنافقين: «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ». فليس ردع المدح عن صفة أنّ الصّفة غير موجودة، بل على نفس المادح نفاقا، أو جهلا، أو طمعا، أو صونا له، أو غير ذلك من الوجوه، ففي النّبويّ: «احثوا في وجوه المادحين التّراب». أو نفس الممدوح.

أمّا الإمام المعصوم فلا يحيط أحد بفضائله، إلّا المعصوم عليه السّلام بعد اللّه عزّ وجلّ، وقد جاء في الحديث: «يا عليّ لا يعرف اللّه إلّا أنا

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 56

و أنت، ولا يعرفني إلّا اللّه وأنت، ولا يعرفك إلّا اللّه وأنا». ما مضمون ذلك، وكفى في تعريف اللّه عزّ وجلّ الإمام عليه السّلام ورسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن سائر النّاس، ولذكره مقام آخر.

16-  انفجرتم عن السّرار

في خطبة له عليه السّلام: «بنا اهتديتم في الظّلماء، وتسنّمتم العلياء، وبنا انفجرتم عن السّرار.

وقر سمع لم يفقه الواعية......». قال المعتزليّ: وأمّا قوله عليه السّلام: «بنا اهتديتم في الظّلماء»، فيعني بالظّلماء: الجهالة. «و تسنّمتم العلياء»: ركبتم سنامها، وهذه استعارة. قوله: «و بنا انفجرتم عن السّرار»: أي دخلتم في الفجر، والسّرار: اللّيلة واللّيلتان يستتر فيهما القمر في آخر الشّهر، فلا يظهر. من معاني السّر: الإخفاء، يقابل الإعلان، ومنه المثل: «سرّك دمك، فلا تجرينّه إلّا في أوداجك». «ما يوم حليمة بسرّ».

------------------------------------------------------------------- صفحة 57

و خطّ الجبهة، ومنه العلويّ في وصف النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «و رونق الجلال يطّرد في أسرّة جبينه». وأوّل الشّهر ووسطه وآخره، ومنه النّبويّ: «صوموا الشّهر وسرّه»: أي أوّله أو وسطه. وسرّ كلّ شي‏ء جوفه، أو آخر ليلة يستتر الهلال بنور الشّمس. والنّكاح، ومنه السرّيّة لأنّه أمر لا يعلن به.

و قيل: هو من الأضداد: أي الإخفاء والإظهار، ومنه قوله تعالى: «وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ». عن أبي عبيدة: أسررت الشّي‏ء: أعلنته، قال في الآية: أظهروها. والمناسب للمقام هو الاستتار المكنّى به عن الجهل وظلمته، وبالانفجار عن نور ولاية أهل البيت عليهم السّلام وهداهم. لولاهم لوقعنا في الشّقاوة الأبديّة، والجهالة الجاهليّة، فبضيائهم عليهم السّلام اهتدينا، وبسببهم وجدنا الطّريق المستقيم، وبولايتهم نجونا، والحمد للّه جلّت نعماؤه.

«و لو أنّ عبدا عبد اللّه بين الرّكن والمقام، وصام دهره، وقام ليله، ولم يأت بولاية أهل البيت عليهم السّلام، لم يقبل اللّه منه شيئا أبدا».

------------------------------------------------------------------- صفحة 58

و لا يجوز العبد يوم القيامة إلّا بجواز منهم وإذن. وهل الإنسان يستطيع الانفجار عن السّرار، والدّخول في الفجر لا... إنّما اللّه عزّ وجلّ يدخل من يشاء في رحمته، «بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ». لعلّ المعنى على بعض التّفاسير: التّخلّص عمّا يلقاه من جرّاء أعماله، والخروج عمّا فيه من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ومن الهلاك إلى النّجاة والآية رادعة له عن الاستطاعة، وعن إرادته إلّا بسبب أهل البيت عليهم السّلام، يوفّق للانفجار عن السّرار: أي الخروج عن الظّلماء إلى الضّياء.

و الكلمة صالحة للمثل، بل هي منه، وقد عدّها كغيرها ابن أبي الحديد من الأمثال المذكورة في هذه الخطبة الشّريفة. فلا بدّ من مزيد تدبّر فيها.

17-  إنّ العطيّة على قدر النّيّة

من وصيّة له عليه السّلام، لابنه الحسن عليه السّلام: «فلا يقنطنّك إبطاء إجابته، فإنّ العطيّة على قدر النّيّة، وربّما أخرّت عنك الإجابة، ليكون ذلك أعظم لأجر السّائل، وأجزل لعطاء الآمل».

------------------------------------------------------------------- صفحة 59

لإبطاء الإجابة أسباب: منها: النيّة، فلعلّها لم تكن خالصة.

و منها: ربّما أخّرت، ليكون أعظم لأجر السّائل بتحمّل المشقّة لأنّ الأجر على قدر المشقّة، ولأنّه أفضل، للنّبويّ: «أفضل الأعمال أحمزها». ومنها: أنّه لو أعطي ما أراد السّائل كان فيه هلاكه، أو فساد دينه.

و منها: أنّ الدّنيا فانية، لا تبقى له، ولا يبقى لها، وإنّما الآخرة باقية له، يفتقر إلى تزويد الزّاد لها، والصّبر على الحرمان ربّما كان منه.

و منها: ما قاله اللّه عزّ وجلّ: «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ» وهذا الوجه يعود لعلّه إلى الوجه المتقدّم، وإن كان بينهما فرق معنويّ.

و منها: أنّ اللّه يحبّ أن يسمع صوت عبده ودعاءه، وأنّ له دويّا في عالم الملكوت، تفرح به الملائكة.

و منها: أنّ ذلك سبب لغفران الذّنوب، ومكفّر لها، وغير ذلك من الوجوه.

و ليس معنى الإبطاء ردّ دعوة الدّاعي، فإنّه استبخال له تعالى، وهو كفر، وقد تظافرت روايات أهل البيت عليهم السّلام بالدّعاء، وكفى قوله تعالى: «وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ».

------------------------------------------------------------------- صفحة 60

فانظر كيف جعل جلّ جلاله نفسه المقدّسة ضمان الإجابة ستّ مرّات كرّرها، وقد اشتملت الآية على التّضمين البالغ غايته، لو تدبّرها متدبّر.

ثمّ المثل السّائر ينطبق عليه تماما ما ذكره أبو هلال العسكريّ: من جعل كلّ حكمة سائرة مثلا. ولا ريب في كونه كلمة حكمة سائرة على الألسن. وللكلمة معنى عال رفيع المستوى، أخذا بما لها من إطلاق شامل، وذلك المعنى هو: أنّ النّاوي إذا جرّد النّيّة عن كلّ أمر فان، وأخلصها للباقي، عظمت عطيّته. ومن الواضح أنّ كلّ شي‏ء فان إلّا وجهه تعالى، كما قال: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. وَيَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ». فمن اختار اللّه عزّ وجلّ ولم ينو سواه، كان اللّه تعالى هو عطيّته الباقية. فاختر من العطايا ما شئت.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 61

18-  إنّ غدا من اليوم قريب

قال عليه السّلام: «فسابقوا رحمكم اللّه إلى منازلكم الّتي أمرتم أن تعمروها، والّتي رغّبتم فيها، ودعيتم إليها، واستتمّوا نعم اللّه عليكم بالصّبر على طاعته، والمجانبة لمعصيته. فإنّ غدا من اليوم قريب. ما أسرع السّاعات في اليوم، وأسرع الأيّام في الشّهر، وأسرع الشّهور في السّنة، وأسرع السّنين في العمر». وفي خطبة أخرى: «و إنّ غدا من اليوم قريب، يذهب اليوم بما فيه، ويجي‏ء الغد لا حقا به». وخطبة أخرى: «و ما أقرب اليوم من تباشير غد». والتّباشير: أوائل كلّ شي‏ء، ومنه تباشير الصّبح: أوائله. ولا

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 62

يكون منه فعل. وبمعنى البشرى: أي تبشّر أوائل الغد بلحوقه اليوم، وحلوله محلّه.

قال المعتزليّ: قوله عليه السّلام: «إنّ غدا من اليوم قريب»، كلام يجري مجرى المثل، والأصل فيه قول اللّه تعالى: «إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ». ومنه قوله:

         فإنّ غدا لناظره قريب‏

 

و قوله:

         غد ما غد ما أقرب اليوم من غد

 

و صدر البيت الأوّل:

         فإن يك صدر هذا اليوم ولّى

 

قال الميدانيّ: أوّل من قال:

         إنّ غدا لناظره قريب‏

 

قراد بن أجدع في قصّة طويلة، ذكرها في المجمع.

------------------------------------------------------------------- صفحة 63

و جاء ذكره في كتاب التّمثيل والمحاضرة، والفاخر. ويماثل المثل المذكور قولهم: (كلّ ما هو آت قريب). وقولهم: (ما فات فات، وما أقرب ما هو آت). (إنّ مع اليوم غدا) وهو قول منصور المصريّ:

         يا من يخاف أن يكو            ن ما يخاف سرمدا

         أما سمعت قولهم:              إنّ مع اليوم غدا

 

و قولهم: (مع اليوم غد). قال أبو هلال العسكريّ: يضرب مثلا للنّظر في العواقب. وقال الرّاجز:

         لا تقلوها وادلوها دلوا            إنّ مع اليوم أخاه غدوا

 

و القلو: السّير الحثيث، والدّلو: السّير الرّفيق. يقول: ارفق بها، ولا تقتلها اليوم بشدّة السّير، فإنّك تحتاج إليها غدا. وقال: غدوا على الأصل، وأصل (غد) غدو. ونحوه قول الشّاعر:

------------------------------------------------------------------- صفحة 64

 

         خفت مأثور الحديث غدا            وغد أدنى لمنتظره‏

 

و قال النّابغة الجعديّ:

         وإنّ مع اليوم الّذي علموا غدا            وإنّ الأمور بالرّجال تقلب‏

 

و قال غيره:

         فإن يك صدر هذا اليوم ولّى              فإنّ غدا لناظره قريب‏

 

و هذا مثل لمن حرم مراده اليوم، فوعده في غد، وفي خلافه.

قول الرّاجز:

         يا عجبا لقولهم غد غد            قولا كشحم الإرة المزهّد

         ولا يجي‏ء دسم على يدي‏

 

و لا تكاد الأعراب تنشده إلّا غد غد بالكسر. ثمّ إنّ المثل الجاري- : أي قول الإمام عليه السّلام: «إنّ غدا من اليوم قريب»-  يضرب للتّرغيب والنّظر في العواقب، ومنه: «فسابقوا رحمكم اللّه إلى منازلكم...». والتّرهيب عمّا فيه ذكر الموت، وما ينبّه الذّاكر المتفكّر، ومنه قوله‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 65

عليه السّلام لزياد بن أبيه: «فدع الإسراف مقتصدا، واذكر في اليوم غدا». وقد ذكرنا شيئا من الموت عند التّكلّم على المثل: «كلّ متوقّع آت، وكلّ آت قريب دان». وجاء ذكر الموت في القرآن الكريم في 165 موضعا، وقد أطلق على النّوم، كما في دعاء الانتباه بعد النوم: «الحمد للّه الّذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النّشور» سمّي النّوم موتا، لأنّه يزول معه العقل والحركة، تمثيلا أو تشبيها لا تحقيقا.

و قيل: الموت في كلام العرب يطلق على السّكون، يقال: ماتت الرّيح، إذا سكنت.

و الموت يقع بحسب أنواع الحياة على ما قال الشّيخ الطّريحيّ: فمنها: ما هو بإزاء القوّة النّامية الموجودة في الحيوان والنّبات، كقوله تعالى: «وَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها» 30 19. ومنها: زوال القوّة الحسّيّة، كقوله تعالى: «يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا» 19 23.

و منها: زوال القوّة العاقلة، وهي الجهالة، كقوله تعالى: «إِنَّ الصَّفا وَ

------------------------------------------------------------------- صفحة 66

 كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ» 6 122، و«إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى‏» 27 80. ومنها: الحزن والخوف المكدّر للحياة، كقوله تعالى: «وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ» 14 17. وقد يستعار الموت للأحوال الشّاقّة، كالفقر والذّلّ والسّؤال والهدم وغير ذلك. أمّا حقيقة الموت فقد تناولها الحكماء بالبحث، بأنّه خلع ولبس، كمن ينزع لباسا على بدنه، ويلبس آخر، ولكنّه كما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام: «فغير موصوف ما نزل بهم، اجتمعت عليهم سكرة الموت، وحسرة الفوت». «و استعدّوا للموت، فقد أظلّكم، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا». وفي الدّيوان المنسوب إلى مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام:

         إلى م تجرّ أذيال التّصابي             وشيبك قد نضابرد الشّباب‏

         بلال الشّيب في فوديك نادى           بأعلى الصّوت حيّ على الذّهاب‏

         خلقت من التّراب وعن قريب         تغيّب تحت أطباق التّراب‏

         طمعت إقامة في دار طعن              ولا تطمع فرجلك في الرّكاب‏

 

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 67

         وأرخيت الحجاب فسوف يأتي        رسول ليس يحجب بالحجاب‏

         أعامر قصرك المرفوع اقصر            فإنّك ساكن القبر الخراب.

 

19-  إنّها خدعة الصّبيّ عن اللّبن في أوّل الفصال

من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية جوابا عن كتابه-  قال عليه السّلام في آخره- : «و أمّا تلك الّتي تريد فإنّها خدعة الصّبيّ عن اللّبن في أوّل الفصال، والسّلام لأهله». ذكر الميدانيّ المثل: (إنّها ليست بخدعة الصّبيّ)، ضدّ المثل العلويّ، وأنّه لمعاوية، فراجع. الحاجة الّتي يريدها معاوية التّلبيس على النّاس، بأنّه صاحب دم عثمان، وبالنّتيجة التّرأّس عليهم من وراء ذلك، وهم لا يعلمون أنّ مطالبته لدم عثمان خدعة، يراد بها الرّئاسة لا الثّأر، كما يخدع الصّبيّ عن اللّبن، لغاية الانفصال عنه.

و خدعة الصّبيّ عن اللّبن: هي تلطيخ الثّدي بشي‏ء مرّ، لينفر عن الالتقام، مقدّمة للفطام، وليس القصد من ذلك إلّا الانفصال فحسب،

 

-------------------------------------------------------------------صفحة 68

عند انقضاء حولين كاملين، كما قال تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ. فيقصد معاوية ومن قبله عائشة-  خالقة حرب الجمل، الطّالبة بدم عثمان-  التّرأّس. أمّا معاوية فلنفسه، والأخرى لطلحة والزّبير، وبالأخير دفع الإمام عليه السّلام عن الخلافة، المنصوصة له بنصّ الغدير وغيره والخادعون-  وإن ظفروا بما خدعوا من أجله في الدّنيا للدّنيا، وربّما لم يظفروا به-  حالهم حال السّاحر في الكيد والخداع، في عدم الفلاح. كما قال جلّ جلاله: «إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى‏». هذا في الدّنيا، وفي الآخرة يرون جزاء خداعهم.

و لا ريب أنّ مخادعة الإمام عليه السّلام المفترض الطّاعة مخادعة الرّسول، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ومخادعته مخادعة اللّه عزّ وجلّ، وقد قال تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ. بافتضاحهم في الدّنيا، وعذابهم في الآخرة.

و في الحقيقة إنّما المخادع يخادع نفسه، شعر بذلك أم لا والغالب عليهم عدم الشّعور، كما قال جلّ جلاله: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ. والخدعة تنشأ من دناءة النّفس وخبثها، وتترفّع عنها النّفوس النّظيفة، والعقول الحصيفة. وقد يقال للمجرّب في الخداع: داهية، ومن‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 69

هنا عدّ معاوية وعمرو بن العاص من الدّهاة، والإمام عليه السّلام قال: «و لو لا كراهية الغدر، لكنت من أدهي النّاس».

20-  أهل الدّنيا كركب، يسار بهم، وهم نيام

قال عليه السّلام: «أهل الدّنيا كركب، يسار بهم، وهم نيام». التّمثيل بالرّكب السّائرة وهم نيام ناظر إلى سرعة تصرّم العمر، في حين غفلة العامر، والإدبار عن الدّنيا، والإقبال إلى الآخرة، حيث إنّ السّائر إلى مكان يبتعد عمّا كان قبل السّير، ويقرب إلى ما يسير إليه، قربا وبعدا قهريّا، علم السّائر به أم لم يعلم، وأنّ الموت نازل بهم لا محالة.

إنّ الدّنيا قنطرة، يعبرون عليها إلى الآخرة، ومنازل يتحوّلون عنها إلى منازل لا زوال لها ولا تحوّل عنها لأنّها دار بقاء لا فناء لها.

سرور الدّنيا غرور، نعيمها زائل، وعيشها باطل، وإنّ أهلها كركب، أناخوا عشيّا في منزل، وفي الصّبح عنه راحلون.

         تزوّد من الدّنيا فإنك راحل            وبادر فإنّ الموت لا شكّ نازل‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 70

         سرورك في الدّنيا غرور وحسرة     وعيشك في الدّنيا محال وباطل‏

         ألا إنّما الدّنيا كمنزل راكب            أناخ عشيّا وهو في الصّبح راحل

         قل للمقيم بغير دار إقامة              حان الرّحيل فودّع الأحبابا

         إنّ الّذين لقيتهم وصحبتهم           صاروا جميعا في القبور ترابا

 

و من حكمه عليه السّلام: «و إنّ أهل الدّنيا كركب، بيناهم حلّوا إذ صاح بهم سائقهم، فارتحلوا»، ويناسبه قول أبي العتاهية:

         إنّ دارا نحن فيها لدار             ليس فيها لمقيم قرار

         كم وكم قد حلّها من أناس         ذهب اللّيل بهم والنّهار

         فهم الرّكب قد أصابوا مناخا       فاستراحوا ساعة ثمّ ساروا

         وكذا الدّنيا على ما رأينا          يذهب النّاس وتخلو الدّيار

 

و له عليه السّلام في خطبة: «فإنّما أنتم كركب وقوف، لا يدرون متى يؤمرون بالمسير».

------------------------------------------------------------------- صفحة 71

و التّمثيل بالرّكب السّائرة مرّة والوقوف أخرى: بلحاظ الفناء التّدريجي، والبقاء الموهوم، والحياة المزعومة، والأعمار المتصرّمة، و(النّاس نيام، إذا ماتوا انتبهوا). وليس الحياة إلّا لحظات، وكما قال القائل:

         دقّات قلب المرء قائلة له            إنّ الحياة دقائق وثوان

 

أنفاس المرء خطاه إلى الموت، فما هذه الطّمأنينة وأنت مزعج وما هذا الولوج وأنت مخرج جمعك إلى تفريق، ورفوك إلى تمزيق، وسعتك إلى ضيق فيا أيّها المفتون، والطّامح بما لا يكون «أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ».

         ستندم عند الموت شرّ ندامة            إذا ضمّ أعضاك الثّرى والمطابق‏

         وعاينت أعلام المنيّة والرّدى        ووافاك ما تبيضّ منه المفارق‏

         وصرت رهينا في ضريحك مفردا      وباعدك الجار القريب الملاصق

 

و قوله عليه السّلام: «فإنّما أنتم سفر حلول، والموت بكم نزول».

------------------------------------------------------------------- صفحة 72

و الآخر: «إنّما أنتم فيها كركب، عرّسوا وارتاحوا، ثمّ استقلّوا، فغدوا وراحوا». نظائر المثل المبحوث عنه.

21-  أورى قبس القابس

هذا من تمثيلاته عليه السّلام، في خطبة له علّم فيها النّاس الصّلاة على النّبيّ، صلّى اللّه عليه وآله-  وسلّم. أوّلها- : «اللّهم داحي المدحوّات... اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك، على محمّد عبدك ورسولك...... قائما بأمرك، مستوفزا في مرضاتك، غير ناكل عن قدم، ولا واه في عزم واعيا لوحيك، حافظا لعهدك، ماضيا على نفاذ أمرك، حتّى أورى قبس القابس، وأضاء الطّريق للخابط......». جئنا على بعض الخطبة عند التّمثيل: «الدّامغ صولات الأضاليل».

------------------------------------------------------------------- صفحة 73

و بعضها الآخر عند قوله عليه السّلام: «أضاء الطّريق للخابط». المستوفز من الوفز: العجلة: أي المستعجل في مرضاة اللّه تعالى، والقدم: الإقدام، ومعناه: غير الجبان، والواهي: الضّعيف، «واعيا لوحيك»: أي فاهمه، والماضي في نفاذ الأمر: المصرّ فيه.

قال ابن الأثير: (ورى الزند يري)، إذا استخرج ناره، والزّند الواري: الّذي تظهر ناره سريعة، ومنه حديث عليّ عليه السّلام: «حتّى أورى قبسا لقابس»: أي أظهر نورا من الحقّ لطالب الهدى والقبس: الشّعلة من النّار، والقابس: طالب النّار. أقول: الإيراء والقبس لغة قرآنيّة.

من الأوّل: «فَالْمُورِياتِ قَدْحاً»،: أي حوافر خيول المجاهدين في سبيل اللّه، إذا صكّت أحجار الأرض أخرجت نار الحباحب بقدحها لها. وآية: «أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ»،: أي تستخرجونها.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 74

و من الثّاني: إِذْ رَأى‏ ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً. أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. كما وفي خطبة الزّهراء عليها السّلام: «و قبسة العجلان». ومن أمثال العرب: (القابس العجلان). جاء فيه لفظ: (القبس).

و معنى خطبة الإمام عليه السّلام: خصّ يا ربّ صلواتك الشّريفة، وبركاتك النّامية، بمحمّد الرّسول القائم بالأمر الرّسالي، المستعجل في طلب المرضاة، الفاهم لوحيك، الحافظ لعهدك، المصرّ في تنفيذ أوامرك، حتّى اهتدى طالب الهدى بنوره، وأبصر المتحيّر طريقه بإضاءة شريعته الغرّاء، والقرآن المنزل عليه، وانمحت ظلمة الجهالة الجاهليّة بنور النّبوّة، والعلم، والهدى وأزيح المانع عن الوصول إلى المعارف الإلهيّة الّتي كانت منطمسة الأعلام، مظلمة السّبل بالأباطيل والأضاليل.

فيا أيّها القابسون اقتبسوا من الأنوار...

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 75

22-  أيادي سبأ

من كلام له عليه السّلام: «... فما آتي على آخر قولي، حتى أراكم متفرّقين أيادي سبأ...». اختلف: أنّ المثل إسلامي، أصله قوله تعالى: «وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ». في قصّة أهل سبأ وتفرّقهم المذكورة في القرآن الكريم، وروايات أهل البيت عليهم السّلام.

أو جاهليّ، كما ذهب إليه الدّكتور صفا خلوصيّ، لأنّ سبأ وجدت قبل الإسلام. أقول: وهل وجود قوم سبأ قبل الإسلام يصيّر المثل مثلا جاهليّا، أو لا بدّ من ضربه لتلك الحالة في ذلك الزّمن... قال ابن أبي الحديد: «أيادي سبأ» مثل، يضرب للمتفرّقين، وأصله قوله تعالى عن أهل سبأ: وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ».

                       

-------------------------------------------------------------------صفحة 76

و سبأ مهموز، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ويقال: (ذهبوا أيدي سبا، وأيادي سبا). الياء ساكنة، وكذلك الألف، وهكذا نقل المثل: أي ذهبوا متفرّقين. وهما اسمان، جعلا واحدا مثل: (معدي كرب). وهو كالصّريح في كونه إسلاميّا.

و كيف ما كان، فيمكن أن يكون لمعنيين: يضرب المثل المذكور، لبيان تفرّق القوم المقصود جمعهم، كما تقدّم، وللّدعاء عليهم: أي لا تفارقهم الفرقة.

و لعلّ الثّاني أولى بكلام الإمام عليه السّلام، ليكون جملة: «أيادي سبأ» دعاء عليهم، ولكن ظهورها في تشبيه تفرّق أصحابه عند خطابه عليه السّلام بتفرّق قوم سبأ يمنع الدّعاء، اللّهمّ إلّا أن يعمّ المعنيين بالاشتراك إن صحّ ذلك.

لقد كان أمير المؤمنين عليه السّلام يعاني من تفرّق أصحابه، المسبّب لإبادتهم بغلبة العدوّ، وقد نهى اللّه عزّ وجلّ عن الفرقة، وأمر باعتصام الحبل الإلهي، في آية: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا. والإمام المعصوم هو الحبل الّذي أمر العباد بتمسّكه، ولا ينافي كونه القرآن أو الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، إذ كلّ ذلك واحد في المعنى، يدعو إلى الواحد الأحد، وهو اللّه تعالى، ويؤول الاعتصام بالآخرة به وإليه تعالى.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 77

23-  إيّاك وما يعتذر منه

جاء المثل في كتاب له عليه السّلام إلى قثم بن عبّاس، وهو عامله على مكّة، أوّله: «أمّا بعد، فإنّ عيني بالمغرب كتب إليّ، يعلمني، أنّه وجّه إلى الموسم أناس... إيّاك وما يعتذر منه...». قال الميدانيّ بعد المثل المذكور: أي لا ترتكب أمرا تحتاج فيه إلى الاعتذار منه. وهو من الأمثال المرسلة، وإن لم يرسله الإمام عليه السّلام. ثمّ الاعتذار ممّا يوجبه، إنّما هو من صنع الجاهل، حيث يقدم على ما لا يدري مغبّته، ولا حسنه من قبحه، أو خيره من شرّه، فإذا انكشف الحال ندم واعتذر. أمّا العاقل فلا يترأّى قبل أن يتروّى، ولا يقدم على عمل إلّا بعد التّثبّت والعلم بمغبّته.

و قد قالوا: المثل: (شرّ الرّأي الدّبريّ)، والدّبريّ: الّذي يجي‏ء بعد ما يفوت الأمر ومن أجله رغّبت المشورة، وأمر الجاهل بالسّؤال من‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 78

أهل الذّكر في الكتاب والسّنّة في أمور الدّين والدّنيا، والمستبدّ برأيه هالك، والتّثبّت في كلّ شي‏ء حتّى لا يقع فيما لا يحمد عقباه، وعدم جواز الأخذ بنبإ الفاسق إلّا بعد التّبيّن، لئلّا يصيب إنسانا بجهالة، فيصبح على ما فعل نادما، كما قال تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ. والمورد لا يخصّص، فيجري فيما ماثله من نوعه، ثمّ المثل يشمل كلّ ما ذكر وما لم يذكر من الموارد الّتي تورث الاعتذار بعدها، سواء أ كان من قول أو عمل، بل مطلق السّكون والحركة الّتي لا يخلو منهما الإنسان.

فلا بدّ من التّفكّر فيه أوّلا، فإن علم أنّ في ذلك رشدا أقدم، أوغيّا أحجم عنه. ويقف عند الشّبهة لئلّا يهلك من حيث لا يعلم، كما جاء ذلك في حديث التّثليث: «الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، وأمر بيّن غيّه فيجتنب، وشبهات بين ذلك فمن أخذ بها هلك من حيث لا يعلم، ومن وقف نجا». ما مضمون الحديث فراجع.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 79

حرف الباء

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 80

24-  باع اليقين بشكّه والعزيمة بوهنه

من بعض خطبة له عليه السّلام يصف آدم عليه السّلام: «ثمّ أسكن آدم دارا، أرغد فيها عيشه، وآمن فيها محلّته، وحذّره إبليس وعداوته، فاغترّه عدوّه نفاسة عليه بدار المقام، ومرافقة الأبرار، فباع اليقين بشكّه، والعزيمة بوهنه، واستبدل بالجذل وجلا، وبالاغترار ندما......». البيع: مبادلة مال بمال، وأخذ شي‏ء بإعطاء شي‏ء مطلقا، ولم يختصّ بتمليك عين بعوض، على ما اصطلح عليه الفقهاء، والدّليل: الكتاب والحديث.

من الأوّل: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ-  إلى قوله تعالى:-  فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ». وتناول الشّراء في خمسة وعشرين موضعا إيجابا وقبولا بدون قصر على التّفسير الفقهيّ.

و من الثّاني: «باع اليقين بشكّه»، والمراد: نسيان العهد الرّبّانيّ من‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 81

النّهي عن اقتراب الشّجرة. ويدلّ على النّسيان قوله تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً. عن الباقر عليه السّلام: «إنّ اللّه تعالى عهد إلى آدم: أن لا يقرب هذه الشّجرة، فلمّا بلغ الوقت كان في علم اللّه أن يأكل منها، فنسي فأكل منها». وعنه عليه السّلام أيضا: «إنّ اللّه قال لآدم وزوجته: لا تقرباها، فقالا: نعم يا ربّنا لا نقربها، ولا نأكل منها. ولم يستثنيا في قولهما: نعم، فوكلهما اللّه في ذلك إلى أنفسهما، وإلى ذكرهما». وصادقيّ: «سمّي الإنسان إنسانا لأنّه ينسى. قال اللّه تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ. والنّسيان مرفوع لا عقاب عليه، لعدم الاختيار، نعم إذا كان السّبب اختياريّا، فلا يمنعه العقل، لأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، وإليه تشير آية: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. فيثبت الإثم على المضطرّ الباغي والعادي.

أمّا إطلاق العصيان والغواية على آدم في آية: وَعَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏. فحقّ إذ كان عليه الاهتمام الأكثر، حتّى لا يقع فيما لا ينبغي الوقوع فيه، وإن كان حال النّسيان لا إثم عليه لعدم توجّه‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 82

الخطاب إلى النّاسي.

فالإطلاق باعتبار المقدّمة الاختياريّة، على أنّ آدم عليه السّلام لم يظنّ بمن يقسم باللّه عزّ وجلّ كاذبا، وقد نسي كلّ ما قال اللّه تعالى له من نهي الشّجرة وغيره، وإليك بعض ما اقتصّه اللّه عزّ وجلّ عنه، حيث قال تعالى: وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ. وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ. إلى آخر الآيات الدّالّة على نهي اللّه عزّ وجلّ، والوعد الإبليسيّ له بالخلود، والقسم على ذلك. وبالنّتيجة وقوع آدم وحوّاء فيما لا يجدر بهما عليهما السّلام. والعقل قاض بلزوم العصمة للأنبياء عليهم السّلام، وعليه لا بدّ من تأويل ما ظاهره المنافاة للبرهان القاطع العقليّ.

قال المعتزليّ: إن قيل: كلام أمير المؤمنين عليه السّلام تصريح بوقوع المعصية من آدم عليه السّلام.

الجواب: أمّا أصحابنا فإنّهم لا يمتنعون من إطلاق العصيان عليه، ويقولون: إنّها كانت صغيرة، وعندهم أنّ الصّغائر جائزة على الأنبياء عليهم السّلام.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 83

و أمّا الإماميّة فيقولون: إنّ النّهي كان نهي تنزيه، لا نهي تحريم، لأنّهم لا يجيزون على الأنبياء الغلط والخطأ، لا كبيرا ولا صغيرا. وظواهر هذه الألفاظ تشهد بخلاف قولهم. نعم لو لا الدّليل العقليّ على العصمة. والبحث مشبع في محلّه.

ثمّ إن قلنا: إنّ البيع مبادلة خاصّة، لا تشمل بيع اليقين بالشّك، لفقد العين المعتبرة فيه، كان تمثيلا. والمختار عندنا الشّمول لأنّ أسماء الأجناس-  ومنها البيع-  موضوعة للطّبائع الكلّيّة المشتركة المطبّقة على أفرادها، كالإنسان المشترك الكلّيّ المطبّق على جزئيّاته، وباقي البحث في الأصول. فيكون مثلا إطلاقا، ونظيره المثل السّائر: (باع كرمه، واشترى معصرة) (باع دينه بدنياه، أو بدنيا غيره). (البيع مرتخص وغال).

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 84

25-  باحتمال المؤن يحب السّؤدد

قال عليه السّلام: «بكثرة الصّمت تكون الهيبة، وبالنّصفة يكثر المواصلون، وبالإفضال تعظّم الأقدار، وبالتّواضع تتمّ النّعمة، وباحتمال المؤن يجب السّؤدد، وبالسّيرة العادلة يقهر المناوئ، وبالحلم عن السّفيه تكثر الأنصار عليه». سبع كلمات حكميّة، لكلّ واحدة منهنّ تفسير يخصّها.

قال المعتزليّ: ولا سؤدد إلّا باحتمال المؤن، كما قال أبو تمّام:

         والحمد شهد لا ترى مشتاره         يجنيه إلّا من نقيع الحنظل‏

         غلّ لحامله ويحسبه الّذي            لم يوه عاتقه خفيف المحمل

 

ليس كلّ نفس تحتمل الصّعاب في سبيل راحة النّاس، ومن ثمّ‏

 

         -------------------------------------------------------------------صفحة 85

جاء في صفات المؤمن: «نفسه في تعب، والنّاس منه في راحة، وخيره مأمول، وشرّه مأمون». وقبل كلّ شي‏ء قوله تعالى: «وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ». فانظر كيف كان عاقبة صبرهم على احتمال الصّعاب والمؤن، أن جعلهم اللّه عزّ وجلّ قدوة للنّاس، يدعونهم إليه تعالى. فالصّبر يوجب السّؤدد والتّقدّم والرّفعة بين النّاس، وأيّ سؤدد أرفع من جعلهم أئمّة، يهدون بأمره عزّ وجلّ ومن هنا تعرف ما للأئمّة المعصومين عليهم السّلام من رفعة وسؤدد ربّانيّ، بين خلق الأوّلين والآخرين.

و لمحتمل المؤن مراتب عاليات ودانيات، وللكلّ فضل، حتّى المتحمّل في دار من أذى الجار، الإحسان إليه بدل المكافأة، فإنّه السّيّد في منطقته، لأجل قوّة احتمال الأذى، وهكذا المحتمل من عشيرته وأصحابه أو أمّته، كما جاء الحديث النّبويّ: «ما أوذي أحد مثل ما أوذيت». فكما أنّ أذاه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا يحتمله غيره، من نبيّ أو غيره، كذلك لا يداني سؤدده سؤدد. فهو سيّد البشر جميعا، ومن بعده وصيّه عليّ بن أبي طالب، وولده الطّاهرون عليهم السّلام.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 86

فالإمام عليه السّلام عند ما يقول: «و باحتمال المؤن يجب السّؤدد»، هو من أجلى مظاهره، وكذا خواصّ أصحابه المحتملون الأذى في سبيل اللّه عزّ وجلّ، لهم السّيادة في الدّنيا والآخرة.

و يماثل المثل المبحوث عنه المثل السّائر: (السّؤدد مع السّواد)،: أي مع احتمال أذاهم.

26-  بعد اللّتيا والّتي

قال عليه السّلام في خطبة له: «.. وإن أقل يقولوا: حرص على الملك، وإن أسكت يقولوا: جزع من الموت. هيهات بعد اللّتيا والّتي، واللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطّفل بثدي أمّه...». وهو من الأمثال الجارية على الألسن، تمثّل به الإمام عليه السّلام حين مني بأصحابه المتمرّدين.

و (اللّتيا): تصغير الّتي، كما أن اللّذيا تصغير الّذي. وفي القاموس: بفتح اللّام المشدّدة وضمّها. وهيهات، لظنّهم فيه الجزع: أي أبعد اللّتيا والّتي أجزع أبعد أن قاسيت الأهوال الكبار والصّغار، ومنيت بكلّ‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 87

داهية عظيمة وصغيرة فاللّتيا للصّغيرة، والّتي للكبيرة. ومن الامثال السّائرة قولهم: (بعد اللّتيا والّتي)، كما جاء ذكره في فهرس أمثال النّهاية. وقال الميدانيّ بعد ذكر المثل: هما الدّاهية الكبيرة والصّغيرة، وكنّى عن الكبيرة بلفظ التّصغير، تشبيها بالحيّة، فإنّها إذا كثر سمّها صغرت، لأن السمّ يأكل جسدها.

و قيل: الأصل فيه أنّ رجلا من جديس تزوّج امرأة قصيرة، فقاسى منها الشّدائد، وكان يعبّر عنها بالتّصغير. فتزوّج امرأة طويلة، فقاسى منها ضعف ما قاسى من الصّغيرة، فطلّقها، وقال: بعد اللّتيا والّتي، لا أتزوّج أبدا، فجرى ذلك على الدّاهية.

و قيل: إنّ العرب تصغّر الشّي‏ء العظيم، كالدّهيم، واللّهيم، وذلك منهم رمز. وهو مثل سائر، يضرب لأمرين داهيتين، إحداهما أدهى من الأخرى.

يريد عليه السّلام بالقول: مطالبة الخلافة من الشّيخين، إذا طالبهما بها، قال النّاس: حرص على الملك الدّنيويّ، أ ترى حين تقمّصاها، لم لا يقولوا لهما: حرصتما على الملك‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 88

و يقولون ذلك لأمير المؤمنين عليه السّلام، وهو على حدّ أن يقولوه لرسول اللَّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأنّ النّبوة والخلافة كلتاهما أمر سماويّ.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 89

حرف التّاء

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 90

27-  ترسل في غير سدد

من كلام له عليه السّلام لبعض أصحابه، وقد سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام، وأنتم أحقّ به فقال عليه السّلام: «يا أخا بني أسد إنّك لقلق الوضين، ترسل في غير سدد، ولك بعد ذمامة الصّهر، وحقّ المسألة، وقد استعلمت فاعلم......». عند التّكلّم على المثل: «ودع عنك نهبا صيح في حجراته» ذكرنا بعض كلام الإمام عليه السّلام. القلق: الانزعاج. والوضين: حزام الرّحل، ومنه البيت الّذي تمثّل به النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عند إفاضته من عرفات، على ما روي:

         إليك تعدو قلقا وضينها            مخالفا دين النّصارى دينها.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 91

و الإرسال في غير سدد: التّكلّم في غير قصد، وغير صواب. والاستداد والسّدد: الاستقامة. وحاصل الكلام العلويّ: إنّك أيّها الأسديّ قلق الخاطر، ومضطرب الحزام. والحزام لا يضطرب إلّا وأنّ صاحبه مضطرب الفكر، فيضطرب بدنه، وحزامه بالتّبع.

و يسبّب الإرسال في غير سدد فقد الاستقامة في الكلام، فيأتي بغير الصّواب والعامل لاضطراب البدن، وخبط الكلام، هو تقلقل الفكر، واضطرابه، فيأتي بما لا يضمن الصّواب، ويكون كالمتهافت في الشّي‏ء، على حدّ المثل السّائر: (يخبط خبط عشواء)، يضرب للمتهافت في الشّي‏ء، كما قاله الميدانيّ. أو: «كحاطب ليل»، يضرب مثلا للرّجل يجمع كلّ شي‏ء، ولا يميّز بين الجيّد من الرّدي‏ء. والحاطب الّذي يجمع الحطب، وإذا حطب باللّيل جمع في حبله الحيّة والعقرب، على ما في جمهرة العسكريّ. وفي المقام ربّما كان الكلام كالحيّة والعقرب، إذا لم يكن صوابا وسدادا. فحال المرسل في الكلام حال الحاطب في اللّيل.

و جملة: «ترسل في غير سدد» صالحة للتمثّل بها، وضربها للمهذار، وللقائل المضطرب. ونظيره أيضا قولهم:

 

                        مثال‏والحكم‏المستخرجةمن‏نهج‏البلاغة، صفحة 92

(أخبط من حاطب ليل)، و(أخبط من عشواء). ثمّ مسألة الخلافة الّتي سأل الأسديّ أمير المؤمنين عليه السّلام عنها هي من أهمّ المسائل المذهبيّة، عند الجعفريّ والسّنّيّ. فتجد الشّارح المعتزليّ حينما يتناول هذا الكلام يجتهد في صرفه إلى ما يوافق مذهبه، مهما كان له من ظهور، أو صراحة على مذهب الإماميّة. فلو حاولت نقل مواضع اجتهاده لخرج بنا عن البحث، وإليك بعض المواضع من نفس الكلام الجاري. قال عليه السّلام: «و قد استعلمت فاعلم، أمّا الاستبداد علينا، ونحن الأعلون نسبا، والأشدّون بالرّسول صلّى اللّه عليه و-  آله-  وسلّم نوطا، فإنّها كانت أثرة، شحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، والحكم اللّه، والمعود إليه يوم القيامة». قال المعتزليّ: ويعني بالنّفوس الّتي سخت: نفسه، وبالنّفوس الّتي شحّت: امّا على قولنا، فإنّه يعني: نفوس أهل الشّورى بعد مقتل عمر، وأمّا على قول الإماميّة: فنفوس أهل السقيفة، وليس في الخبر ما يقتضي صرف ذلك إليهم، فالأولى أن يحمل على ما ظهر عنه من تألّمه من عبد الرّحمن بن عوف، وميله إلى عثمان.

------------------------------------------------------------------- صفحة 93

حكّم عقلك بعد الإحاطة بكلامه عليه السّلام، وبما قاله في آخره: «و الحكم اللّه، والمعود إليه يوم القيامة».

و هل سؤال الأسديّ كان عن إحدى الطّائفتين، حتّى يطابق الجواب السّؤال، أو كان عن أصل الخلافة، فيكون الجواب طبقا له حكّم عقلك، ثمّ اقض بما شئت. والحكم اللّه، والمعود إليه يوم القيامة إن شاء اللّه تعالى.

28-  تزول الجبال ولا تزل

من كلام له عليه السّلام لابنه محمّد بن الحنفيّة لمّا أعطاه الرّاية يوم الجمل: «تزول الجبال، ولا تزل، عضّ على ناجذك، أعر اللّه جمجمتك، تد في الأرض قدمك، ارم ببصرك أقصى القوم، وغضّ بصرك واعلم أنّ النّصر من عند اللّه سبحانه». الخطاب عامّ، وإن كان المخاطب ابن الحنفيّة، إذ هو سبب صدوره، وأنّه من أفراده، كبقيّة الخطابات غير المقصورة على مورد الصّدور.

قد حوى الخطاب العلويّ على مهامّ آداب الحرب. وهي سبعة: الأوّل: الثّبات فيها، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 94

فَاثْبُتُوا. وَلِيَرْبِطَ عَلى‏ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ومن هنا حسن التّمثيل بالجبال الّتي لا تحرّكها القواصف، لثبوتها وعدم زوالها. وزاد الإمام عليه السّلام فرض زوالها بفرض المحال العاديّ في مبالغة الثّبات في ميدان الحرب بقوله: «تزول الجبال، ولا تزل»: أي إن زالت، فلا تزل أنت، واثبت بدون فرار أو تحرّف.

و من شأن الجبال الثّبوت لثقلها، وقد ضربت أمثال سائرة في الجبل. قالت العرب: (أثقل من شمام)، قال الميدانيّ: وهو مبنيّ على الكسر عند الحجازيّين، وهو جبل له رأسان، يسمّيان: (ابني شمام). قال لبيد:

         فهل نبّئت عن أخوين داما            على الأحداث إلّا ابني شمام‏

 

(أثقل من نضاد) هذا أيضا جبل بالعالية:

         لو كان من حضن تضاءل ركنه            أو من نضاد بكى عليه نضاد

 

(أثقل من عماية) هي جبل بالبحرين من جبال هذيل. (أثقل من أحد) هو جبل بيثرب، معروف مشهور. (أثقل من دمخ الدّماخ) هو

 

-------------------------------------------------------------------صفحة 95

جبل من جبال ضخام في حمى ضريّة، والدّماخ: اسم لتلك الجبال.

، وأصرحها دلالة على الثّبوت قوله عليه السّلام: «كالجبل لا تحرّكه القواصف، ولا تزيله العواصف». الثّاني من آداب الحرب: عضّ النّاجذ، وهو أقصى الأضراس، وبه ينبو السّيف عن الدّماغ. كما قال عليه السّلام: «و عضّوا على النّواجذ، فإنّه أنبى للسّيوف عن الهام». الثّالث: إعارة اللّه جلّ جلاله الجمجمة، كناية عن بذلها في طاعته، ليردّها عليه، إمّا في الدّنيا بالنّصر، أو الآخرة ثواب الشّهداء.

الرّابع: وتد القدم في أرض المعركة، ويراد به: الرّسوخ فيها، وهو تأكيد في عدم الزّوال المتقدّم بيانه في الأوّل.

الخامس: رمي البصر إلى أقصى المحاربين.

السّادس: غضّ البصر. قال المعتزليّ: ولا تناقض بين قوله-  عليه السّلام- : (ارم ببصرك) وقوله: (غضّ بصرك) وذلك لأنّه في الأولى أمره أن يفتح عينه، ويرفع طرفه، ويحدّق إلى أقاصي القوم ببصره، فعل الشّجاع المقدام، غير المكترث، ولا المبالي لأنّ الجبان تضعف نفسه، ويخفق قلبه، فيقصر بصره، ويدهش، ويستشر خوفا. فكأنّه-  عليه السّلام-  قال: إذا عزمت على الحملة، وصمّمت، فغضّ حينئذ

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 96

بصرك، واحمل، وكن كالعشواء التي تخبط ما أمامها، ولا تبالي. السّابع: اليقين بأنّ النّصر هو من عند اللّه عزّ وجلّ، لا بساعده وبسالته. فإنّه كم من كميّ باسل صرع في المعركة.

و لئن ذكر عليه السّلام هذه الآداب الحربيّة لغيره، فإنّها قد تجمّعت فيه بأعلى مراتبها، وأقصاها. وهو الّذي يضرب به الأمثال في الحروب وكانت شجعان العرب تفتخر أن ترى مصرعها بيده. هذه أخت عمرو بن ودّ قائلة: كانت منيّته على يد كفو كريم من قومه، ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر ثمّ أنشأت تقول:

         لو كان قاتل عمر غير قاتله‏

 

الأبيات.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 97

29-  تعجّ منه المواريث

من كلامه عليه السّلام في وصف فاقد الأهليّة لمنصب القضاء بين النّاس: «تصرخ من جور قضائه الدّماء، وتعجّ منه المواريث، إلى اللّه أشكو من معشر، يعيشون جهّالا، ويموتون ضلّالا». صرخ يصرخ، من باب (قتل)، صراخا، وهو: الصّياح باستغاثة وجدّ وشدّة، وفي الدّعاء: «يا صريخ المستصرخين». وتعجّ من العجّ: أي رفع الصّوت، وفي حديث جبرئيل: «يا محمّد مر أصحابك بالعجّ والثّجّ»: أي رفع الصّوت في التّلبية. والثّجّ: إسالة الدّماء من الذّبح والنّحر في الأضاحي. وقد جمع الصّراخ والعجّ مع الضّجّ في دعاء النّدبة: «و ليصرخ الصّارخون، ويضجّ الضّاجّون، ويعجّ العاجّون».

------------------------------------------------------------------- صفحة 98

قال ابن فارس: العين والجيم أصل واحد يدلّ على ارتفاع في شي‏ء من صوت، أو غبار، وما أشبه ذلك، من ذلك، العجّ: رفع الصوت، عجّوا بالدّعاء، إذا رفعوا أصواتهم. وفي الحديث: «أفضل الحجّ: العجّ والثّجّ». قال ورقة:

         ولوجا في الذّي كرهت معدّ            ولو عجّت بمكّتها عجيجا

 

أراد: دخولا في الدّين. وعجيح الماء: صوته، ومنه، النّهر العجّاج، ويقولون: عجّت القوس: إذا صوّتت، قال:

         تعجّ بالكفّ إذا الرّامي اعتزم            ترنّم الشّارف في أخرى النّعم‏

 

قال أبو زيد: عجّت الرّيح، وأعجّت، إذا اشتدّت وساقت التّراب. وممّا يجري مجرى المثل والتّشبيه: (فلان يلفّ عجاجته على فلان)، إذا أغار عليه، وكأنّ ذلك من عجاجة الحرب وغيرها قال الشّنفرى:

         وإنّي لأهوى أن ألفّ عجاجتي            على ذي كساء من سلامان أو برد

 

قيل: استعمال الصّراخ والعجّ في كلامه عليه السّلام من باب‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 99

الاستعارة، أو التّمثيل للدّم والميراث بإنسان قد ظلم، وجير عليه، ويستغيث من ظلم ظالمه، وجور جائره. وليس الصّراخ والعجّ فيهما على الحقيقة، إذا لا صراخ للدّم، ولا عجيج للميراث.

و عليه فيكون من باب التّمثيل هذا، إن لم نقل بالاشتراك المعنويّ في مادّة الاشتقاق، بالإضافة إلى جميع مشتقّاتها. فمثلا، الصّراخ والعجّ بمعنى: الصّوت الخاصّ، ورفعه لبثّ الحزن، مختلف حسب المقامات، والمراد منه: أنّ المهراق دمه، أو المأخوذ منه المال، بحكم قضاوة باطلة، يستغيث بطبع الحال، ويطلب القصاص، وإرجاع المال من الظّالم الغاصب.

30-  تقصر دونها الأنوق، ويحاذى بها العيّوق

من كتابه عليه السّلام إلى معاوية: «...... وقد أتاني كتاب منك، ذو أفانين من القول، ضعفت قواها عن السّلم، وأساطير لم يحكها عنك علم ولا حلم، أصبحت منها كالخائض في الدّهاس، والخابط في الدّيماس، وترقّيت إلى مرقبة بعيدة المرام، نازحة الأعلام، تقصر دونها الأنوق، ويحاذى بها العيّوق...». في كلامه عليه السّلام أكثر من تمثيل، يظهر بعد شرح مفرداته:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 100

أفانين القول: أساليبه المتنوّعة. وضعف قوى الأفانين عن السّلم: أي الإسلام،: أي عدم صدورها عن مسلم، حيث طلب تولّيه العهد، وإبقاءه بالشّام رئيسا.

الأساطير جمع أسطورة: الأباطيل. حوكها: نظمها. والدّهاس بالكسر جمع دهس، وبالفتح مفرد، وهو: المكان السّهل، ليس هو بتراب ولا طين. والدّيماس بالكسر: السّرب المظلم تحت الأرض.

و المرقبة: الموضع العالي، يراقب عليه. والأعلام جمع علم: ما يهتدى به في الطّرقات. والأنوق بالفتح: طائر، وهو الرّخمة. وفي المثل: (أعزّ من بيض الأنوق)، لأنّها تحرزه، لا يظفر به أحد. والعيّوق: كوكب فوق زحل في العلوّ: أي أنت بكتابك المشتمل على دعاو باطلة، لا تصدر عن مسلم، ولا يحكى عن علم وحلم كاتبه لست إلّا كالخائض في أرض رخوة، يقوم ويقع، والخابط في نفق مظلم، لا يهتدي الطّريق.

سمت همّتك إلى الخلافة، وهي منك بموضع مرتفع عال، لا سبيل إليه ولا أعلام تهتدي بها، وهي كالرّخمة الّتي لا يظفر ببيضها، والكوكب الّذي فوق الكواكب كلّها وكيف ترومها ضربت هذه الأمثال، لبعد معاوية عن الخلافة الّتي يريدها. يضرب المثل المذكور لقصور طالب الشّي‏ء، وفي معنى المثلين قولهم: (دونه بيض الأنوق) و(دونه العيّوق).

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 101

31-  التّقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها

في خطبة له عليه السّلام: «ألا وإن الخطايا خيل شمس، حمل عليها أهلها، وخلعت لجمها، فتقحّمت بهم في النّار، ألا وإنّ التّقوى مطايا ذلل، حمل عليها أهلها، وأعطوا أزمّتها، فأوردتهم الجنّة». تمثيلان تكلّمنا على أوّلهما الخاصّ بالذّنوب. وأمّا الثّاني فقد جاء في القرآن الكريم، أنّ التّقوى خير الزّاد، وهو قوله عزّ وجلّ: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏. بناء على أنّه تمثيل بزاد المسافر الّذي هو من أهمّ لوازم السّفر.

و قد تناول التّنزيل التّقوى بما لها من مشتقّات في مائتين وستّين موضعا. ولا تجد أجمع تعريف للتّقوى، وأوجزه، كقوله تعالى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لأنّه اشتمل على إيجاز

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 102

بليغ، وتعريف مطّرد، منعكس لها، بحيث لم يجي‏ء الإنسان بالصّدق والتّصديق، إلّا والتّقوى تلازمه، ويلازمها.

و كلمة: (جاء بالصّدق) إشارة إلى عدم قصر الصّدق على القول، وإلّا لقال تعالى: (و الّذي صدق)، فيعمّ الفعل والقصد وكلّ حركة وسكون. فمن كان صادقا قولا، وعملا، ونيّة، بل في كلّ حركة تصدر منه، أو سكون فهو في غاية التّقوى. ومن ثمّ فسّر بالأنبياء عليهم السّلام لأنّه العصمة، لا يستطيع سائر النّاس ذلك. ولكنّ الآية لها إطلاقها المنطبق على كلّ من كان كذلك من البشر، فتدبّر.

فلو لم يكن لبيان التّقوى والمتّقي إلّا قوله تعالى: بأنّها خير الزّاد، وأنّ الجائي بالصّدق، المصّدق بالصّدق، وهو المتّقي، لكفى مقياسا كاملا لمن أراد أن يذكر أو أراد أن يعرف كيف يتّقي ومن هو المتّقي وما هي نتيجة التّقوى في سفر الآخرة، وهو السّفر إلى اللَّه جلّ جلاله.

و لا ينال ما عند اللَّه تعالى، ولا ولاية أهل البيت عليهم السّلام إلّا بالتّقوى. إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ. وإن كان تعليلا لقوله تعالى: وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ،: أي البيت الحرام لأنّه مبنيّ على تقوى، فلا يلي أمره إلّا المتّقون.

إلّا أنّ أهل البيت عليهم السّلام بما أنّهم أمراء المتّقين، لم يكن أولياؤهم إلّا المتّقين، بمناسبة الحكم والموضوع. ويشهد لذلك قول‏

 

-------------------------------------------------------------------صفحة 103

الصّادق عليه السّلام: «يا خيثمة إنّا لا نغني عنهم من اللَّه شيئا، إلّا بالعمل الصّالح، فإنّ ولايتنا لا تنال إلّا بالورع». وَلِباسُ التَّقْوى‏ ذلِكَ خَيْرٌ. ترى المثل الرائع، حيث جعل التّقوى في ملازمتها للإنسان لزوم اللّباس له، سترا للعورة، وحفظا من الحرّ والقرّ، وزينة ز ووقارا.

و أمّا التّمثيل العلويّ بأنّ التّقوى مطايا سهلة الرّكوب يتوصّل بها حاملها إلى مآربه قد ملك زمامها يسير عليها إلى الجنّة بعزّ وافتخار. فهو ما يجده كلّ متّق عيانا لا يفتقر إلى بيان.

32-  تميد بأهلها ميدان السّفينة

من خطبة له عليه السّلام: «بعثه حين لا علم قائم، ولا منار ساطع، ولا منهج واضح أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه، وأحذّركم الدّنيا، فإنّها دار شخوص، ومحلّة التّنغيص ساكنها ظاعن، وقاطنها بائن، تميد بأهلها ميدان السّفينة، تقصفها القواصف في لجج البحار، فمنهم الغرق الوبق، ومنهم النّاجي على بطون الأمواج، تحفزه الرّياح بأذيالها، وتحمله على أهوالها فما غرق منها فليس‏

------------------------------------------------------------------- صفحة 104

بمستدرك، وما نجا منها فإلى مهلك». كم من خطبة لأمير المؤمنين عليه السّلام، يصف فيها الدّنيا ويكشف عن حقيقتها للنّاس، ويضرب لهم الأمثال، ومنها المثل المذكور في هذه الخطبة، حيث ضرب عليه السّلام لأهل الدّنيا مثلا براكبي السّفينة في البحر، وقد مادت بهم. فمنهم الهالك على الفور، ومنهم من لا يتعجّل هلاكه، وتحمله الرّياح ساعة أو ساعات، ثمّ مآله إلى الهلاك أيضا.

قبل أن يشرح الشّارح المثل العلويّ، شرح صدر الكلام يقول: بعث اللَّه سبحانه محمّدا صلّى اللَّه عليه وآله-  وسلّم- ، لمّا لم يبق علم يهتدي به المكلّفون لأنّه كان زمان الفترة، وتبدّل المصلحة، واقتضاء وجوب اللّطف عليه سبحانه تجديدا لبعثته ليعرّف المبعوث المكلّفين الأفعال الّتي تقرّبهم من فعل الواجبات العقليّة، وتبعدهم عن المقبّحات العقليّة.

و المنار السّاطع: المرتفع، سطع الصّبح سطوعا: ارتفع. ودار شخوص: دار رحلة. والظّاعن: المسافر. والقاطن: المقيم. والبائن: البعيد. يقول: ساكن الدّنيا ليس بساكن على الحقيقة، بل هو ظاعن في المعنى، وإن كان في الصّورة ساكنا. والمقيم بها مفارق، وإن ظنّ أنه مقيم.

و تميد بأهلها: تتحرك وتميل. والميدان: حركة واضطراب.

------------------------------------------------------------------- صفحة 105

و إنّما يحذّر العباد عن الدّنيا وغرورها، بما قد أخذ عليه السّلام قبل التّحذير حذره، ويوصيهم بتقوى اللَّه. وهو إمام المتّقين، ورأس الزّهد والتّقوى.

قال الشّارح: وأما الزّهد في الدّنيا، فهو سيّد الزّهّاد، وبدل الأبدال، وإليه تشدّ الرّحال، وعنده تنفضّ الأحلاس ما شبع من طعام قطّ، وكان أخشن النّاس مأكلا وملبسا.

قال عبد اللَّه بن رافع: «دخلت إليه يوم عيد، فقدّم جرابا مختوما، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا، فقدّم، فأكل، فقلت: يا أمير المؤمنين فكيف تختمه قال: خفت هذين الولدين أن يلتّاه بسمن أو زيت». إنّه اقتدى بأخيه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليهما وآلهما وسلّم، ولقد كان نبيّ الزّهّاد، كما أنّ عليّ بن أبي طالب إمامهم، بل وفاطمة الزّهراء والأحد عشر بهما مقتدون عليهم السّلام، بل هو ديدن شيعتهم الصّادقين في تشيّعهم إلى يوم القيامة.

ثمّ تشبيه الدّنيا بالبحر الموبق، لا ينجي راكبه والسّفينة الدّنيويّة، المائدة بأهلها. بل هنا سفينة، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى، وهي أهل بيت الرّسول صلّى اللَّه عليهم وسلّم. كما في النّبويّ المتّفق على نقله الفريقان: «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها زجّ في النّار».

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 106

 

         ولمّا رأيت النّاس قد ذهبت بهم            مذاهبهم في أبحر الغيّ والجهل‏

         ركبت على اسم اللَّه في سفن النّجا         وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرّسل.

 

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 107

حرف الثّاء

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 108

33-  ثكلتك أمّك

قال عليه السّلام لقائل، قال بحضرته: أستغفر اللَّه: «ثكلتك أمّك أ تدري ما الاستغفار إنّ للاستغفار درجة العلّيّين، وهو اسم واقع على ستّة معان: أوّلها: النّدم على ما مضى، الثّاني: العزم على ترك العود إليه أبدا، والثّالث: أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم، حتّى تلقى اللَّه عزّ وجلّ أملس ليس عليك تبعة، والرّابع: أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها، فتؤدّي حقّها، والخامس: أن تعمد إلى اللّحم الّذي نبت على السّحت، فتذيبه بالأحزان حتّى تلصق الجلد بالعظم، وينشأ بينهما لحم جديد، السّادس: أن تذيق الجسم ألم الطّاعة، كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول: أستغفر اللَّه». قوله عليه السّلام: «ثكلتك أمّك» من المثل السّائر قال الميدانيّ: (ثكلتك أمّك أيّ جرد ترقع). الجرد: الثّوب الخلق، يقال: ثوب سحق‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 109

و جرد: أي خلق. ونصب (أيّ) بترقع.

يضرب لمن يطلب ما لا نفع له فيه. وما نحن فيه للدّعاء على الإنسان، ومثله: (ثكلتك الجثل): أي صاحبة الشّعر الكثير من الأمّ، أو غيرها من قومه.

راجع المثل: «يا أمّه اثكليه». ومنه المثل: (ثكلتك الرّعبل): أي الخرقاء، من رعبل الثّوب، إذا خرقه، يعني: أمّه. يضرب في دعاء الشّرّ. وقد أشبعنا البحث عند المثل: «هبلتك الهبول». والمراد منه هنا: الرّدع عن التّلفّظ بكلمة الاستغفار، والغفلة عن حقيقة معناه، وأنّه ليس من مقولة اللّفظ، بل الاستغفار اسم واقع على حقيقة حاصلة من ستّة أمور، لولاها لما كان استغفارا: النّدم على الماضي، والعزم على ترك العود، وأداء حقوق المخلوق والخالق عزّ وجلّ، وإذابة اللّحم النّابت من السّحت بالأحزان، وإذاقة الجسم ألم الطّاعة فإذا فعل ذلك كلّه، ثمّ قال: أستغفر اللَّه، كان صادقا في استغفاره، وإلّا فهو كاذب لاغ.

و الشّرط الأوّل إذا صدق فيه، تحقّق الثّاني، وفرغ للثّالث والرّابع، ويتبع ذلك كلّه الخامس والسّادس. فإنّ هذه الأمور السّتّة يتبع بعضها

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 110

بعضا، لا أنّها أمور متباينة والعلّة في ذلك أنّ العبد إذا خاف مقام ربّه، قام بتلك الأمور، وجاءه الشّوق إلى لقاء اللَّه تعالى. والمشتاق إليه نادم على كلّ ما مضى منه في سبيل غيره، وصرف همّه فيه، وودّع ما سواه بردّ الحقوق. فيشعل الحبّ نار الفراق، فيحترق منه الجسد، ويبقى هزيلا ناحلا، ليس له إلّا اللَّه همّ، وترك العالم وكلّ بني آدم لأجله تعالى.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 111

حرف الجيم

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 112

34-  جاء بأمر لم يعرف بابه

من كلام له عليه السّلام في معنى طلحة بن عبيد اللَّه، أوّله: «قد كنت وما أهدّد بالحرب...،... وواللَّه ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث: لئن كان ابن عفّان ظالما-  كما كان يزعم-  لقد كان ينبغي له أن يوازر قاتليه، وأن ينابذ ناصريه. ولئن كان مظلوما، لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه، والمعذّرين فيه. ولئن كان في شكّ من الخصلتين، لقد كان ينبغي له أن يعتزله، ويركد جانبا، ويدع النّاس معه.

فما فعل واحدة من الثّلاث وجاء بأمر لم يعرف بابه، ولم تسلم معاذيره».

------------------------------------------------------------------- صفحة 113

في شرح قوله عليه السّلام: «قد كنت وما أهدّد بالحرب...» قال المعتزليّ: أي خلقت، ووجدت وأنا بهذه الصّفة، كما تقول: خلقني اللَّه وأنا شجاع كما في المثل: (لقد كنت وما أخشّى بالذّئب). وبقيّة المثل (فاليوم قيل: الذّئب الذّئب). قال الميدانيّ: المثل لقباث بن أشيم الكنانيّ، عمر حتّى أنكروا عقله... ثمّ شرح المعتزليّ حال طلحة، وقال: إنّه تجرّد للطّلب بدم عثمان، مغالطة للنّاس، وإيهاما لهم أنّه بري‏ء من دمه، فيلتبس الأمر، ويقع الشّكّ. وقد كان طلحة أجهد نفسه في أمر عثمان، والإجلاب عليه، والحصر له، والإعزاء به، ومنّته نفسه الخلافة بل تلبّس بها وتسلّم بيوت الأموال، وأخذ مفاتيحها، وقاتل النّاس، وأحدقوا به، ولم يبق إلّا أن يصفق بالخلافة على يده. من شاء تفصيل تلبيس الأمر منه على النّاس، وأنّه مناوى‏ء، أو ناصر، فلينظر الشّرح.

و يماثل المثل من بعض الوجوه المثل: (جاء ثانيا من عنانه)، إذا جاء ولم يقدر على حاجته، قاله ابن رفاعة. و(جاء بإحدى بنات طبق)، بنت طبق: سلحفاة. تزعم العرب أنّها تبيض تسعا وتسعين‏

 

-------------------------------------------------------------------صفحة 114

بيضة، كلّها سلحفاة. يضرب للرّجل يأتي بالأمر العظيم. و(جاء بالتّرّه)، هو واحد التّرّهات. وكذلك (جاء بالتّهاته)، وهي جمع التّهتهة: وهي اللّكنة. قال القطاميّ:

         ولم يكن ما اجتدينا من مواعيدها            إلّا التّهاته والأمنيّة السّقما

 

و (جاء بمطفئة الرّضف): أي جاء بأمر أشدّ ممّا مضى، يضرب في الأمور العظام. و(جاء بالشّقر والبقر)، اسم لما لا يعرف، أي جاء بالكذب الصّريح.

35-  جعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه

روى أبو جحيفة، قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: «إنّ أوّل ما تغلبون عليه من الجهاد، الجهاد بأيديكم، ثمّ بألسنتكم، ثمّ بقلوبكم فمن لم يعرف بقلبه معروفا، ولم ينكر منكرا، قلب فجعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه».

------------------------------------------------------------------- صفحة 115

قال المعتزليّ: إنّما قال ذلك لأنّ الإنكار بالقلب آخر المراتب، وهو الّذي لا بدّ منه على كلّ حال، فأمّا الإنكار باللّسان وباليد فقد يكون منهما بدّ، وعنهما عذر، فمن ترك النّهي عن المنكر بقلبه، والأمر بالمعروف بقلبه، فقد سخط اللَّه عليه بعصيانه، فصار كالمنسوخ الّذي يجعل اللَّه تعالى أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه تشويها لخلقته.

و من يقول بالأنفس الجسمانيّة، وأنّها بعد المفارقة يصعد بعضها إلى العالم العلويّ: وهي نفوس الأبرار، وبعضها ينزل إلى المركز، وهي نفوس الأشرار يتأوّل هذا الكلام على مذهبه، فيقول: إنّ من لا يعرف بقلبه معروفا: أي لا يعرف من نفسه باعثا عليه، ولا متقاضيا بفعله، ولا ينكر بقلبه منكرا: أي لا يأنف منه، ولا يستقبحه، ويمتعض من فعله، يقلب نفسه الّتي قد كان سبيلها أن تصعد إلى عالمها، فتجعل هاوية في حضيض الأرض، وذلك عندهم هو العذاب والعقاب. نقل هذا المذهب من دون ردّ ظاهر من الشّارح يوهم الإيمان به، ولعلّه اكتفى في ردّه بشرحه المذكور قبله.

قال الخطيب: أبو جحيفة وهب بن وهب كان من صغار الصّحابة، حتّى قيل: إنّه لم يبلغ الحلم عند وفاة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله-  وسلّم-  ولكنّه سمع منه وروى عنه. ونزل الكوفة، وشهد مع عليّ عليه السّلام مشاهده كلّها، وكان عليه السّلام يحبّه، ويثق به، ويسمّيه وهب الخير، وجعله على بيت مال الكوفة، وتوفّي سنة 72.

------------------------------------------------------------------- صفحة 116

قوله عليه السّلام: «فجعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه» يصلح ليضرب به مثلا لسوء العاقبة، على حدّ قوله تعالى: جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 117

حرف الحاء

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 118

36-  حدو الزّاجر بشولة

قال عليه السّلام: «... عباد اللَّه إنّ الدّهر يجري بالباقين كجريه بالماضين، لا يعود ما قد ولّى منه، ولا يبقى سرمدا ما فيه، آخر فعاله كأوّله، متشابهة أموره، متظاهرة أعلامه فكأنّهم بالسّاعة تحدوكم حدو الزّاجر بشولة......». قال ابن الأثير في شرح الشائلة واحدة الشوائل: وهي الّتي شال لبنها: أي ارتفع، وتسمّى: الشّول: أي ذات شول لأنّه لم يبق في ضرعها إلّا شول من لبن: أي بقيّة. ويكون ذلك بعد سبعة أشهر من حملها. ومنه حديث عليّ-  عليه السّلام- : «فكأنّكم بالسّاعة تحدوكم حدو الزّاجر بشولة»: أي الّذي يزجر إبله لتسير. وقال الشّيخ الطّريحيّ: والتّاء

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 119

في (شولة) تأنيث أو مصدر: أي ذات شول. والشّائلة واحدة الشّوائل.

و شوّل كركّع جمع شائل: وهي النّاقة الّتي تشول بذنبها للّقاح، ولا لبن لها أصلا، وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية. وشوّلت النّاقة: أي صارت شائلة.

و شوّال: أحد فصول السّنة، سمّي بذلك لشولان الإبل بأذنابها في ذلك الوقت، لشدّة شهوة الضّراب، ولذلك كرهت العرب التّزويج فيه، وعن النبيّ-  صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم-  «سمي شوّالا لأنّ فيه شالت ذنوب المؤمنين»: أي ارتفعت وذهبت. والحدو: سوق الإبل، والحادي: السّائق لها، والحديّ: التّغنّي لجدّ السّير.

و إنّما شبّه عليه السّلام اندفاع النّاس بالسّاعة: أي القيامة، بسائق النّاقة القليلة اللّبن أو عديمته في سرعة سيرها لخفّتها ولزجرها: أي أنّ السّاعة تقهركم على الموقف لمحاسبتكم على أعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ.

و كرّر منه عليه السّلام التّعبير بالحدو، ومنه: «و إنّ وراءكم السّاعة تحدوكم»، «و أنّ السّاعة تحدوكم»، بل بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى‏ وَأَمَرُّ من الزّجر والقتل والأسر، وأفظع من كلّ فظيع، وأدهى من الدّواهي كلّها.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 120

37-  الحسد يأكل الإيمان، كما تأكل النّار الحطب

من تمثيلات صادرة عن الإمام عليه السّلام في إحدى خطبه، قال فيها: «و لا تحاسدوا، فإنّ الحسد يأكل الإيمان، كما تأكل النّار الحطب». من الإيمان أن يعقد المؤمن قلبه على أنّه تعالى يؤتي الملك من يشاء، وينزعه عمّن يشاء، ويؤتي الفضل من رزق وغيره، كما قال تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. فإذا تمنّى زوال ذلك، وانضجر من وجوده، فقد عارض اللَّه في قضائه وعطائه. وهو مناف للإذعان بهما، فكيف يبقى الإيمان بل يفنى، كما تفني النّار الحطب.

ثمّ الحسد جاء الأمر بالتّعوّذ من شرّه، كما قال تعالى: وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ. وفي نبويّ: «... وكاد الحسد أن يغلب القدر».

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 121

و صادقي: «آفة الدّين الحسد والعجب والفخر». ونبويّ: «قال اللَّه عزّ وجلّ لموسى بن عمران: يا ابن عمران لا تحسدنّ النّاس على ما آتيتهم من فضلي، ولا تمدّنّ عينيك إلى ذلك، ولا تتبعه نفسك، فإنّ الحاسد ساخط لنعمي، صادّ لقسمي الّذي قسمت بين عبادي، ومن يك كذلك فلست منه، وليس منّي». وهو من داعية الذّنوب. قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «... الحرص والكبر والحسد دواع إلى التّقحّم في الذّنوب». وكما لا يسلم له إيمان، لم تبق صحّة البدن معه قال عليه السّلام: «العجب لغفلة الحسّاد عن سلامة الأجساد». وقال عليه السّلام: «صحّة الجسد من قلّة الحسد». «و الحسد غلّ في عنق صاحبه»، وقد نفاه عليه السّلام عن الملائكة عند وصفهم: «و لا تولّاهم غلّ التّحاسد». وأيّ فرق بين من على عنقه غلّ ظاهريّ ومن شغل قلبه، وملك عقله الحسد والجامع بينهما سلب الاستطاعة والرّاحة.

و كرّر هذا التّمثيل المذكور في كلامه عليه السّلام في أكل الحسد الإيمان بأكل النّار الحطب في الأحاديث، ومنها النّبويّ.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 122

38-  الحكمة ضالّة المؤمن

من كلمات الإمام عليه السّلام ما رواه السّيّد الرّضيّ طاب ثراه، قال: وقد قال عليّ عليه السّلام في مثل ذلك.

«الحكمة ضالّة المؤمن، فخذ الحكمة، ولو من أهل النّفاق». بعد كلمة حكميّة أخرى بهذا الصّدد، وهي قوله عليه السّلام: «خذ الحكمة أنّى كانت، فإنّ الحكمة تكون في صدر المنافق، فتلجلج في صدره حتّى تخرج، فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن». ونحن أثبتناها في الكتاب بلفظ: «خذ الحكمة أنّى كانت» وإن كان فيه نوع تكرير يندفع بتطوّر البحوث هنا وهناك، قال الميدانيّ: يعني: أنّ المؤمن يحرص على جمع الحكم من أين يجدها يأخذها. ثمّ إنّ المثل على ما رواه السّيّد الرّضيّ: من الأمثال العلويّة. وقد جاء هذا المثل بعينه عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم، كتبناه في‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 123

(الأمثال النّبويّة)، ولا منافاة أنّهما عليهما السّلام تمثّلابه.

عرّفت الحكمة بتعاريف، فقيل: هي فهم المعاني، والعلم بمصالح الدّارين، ومفاسدهما، وإتقان الأمور، أحكم الأمر: أتقنه وأبرمه. وطاعة اللَّه، والنّبوّة، ومعرفة الإمام عليه السّلام وقيل: أجمع تعريف: هي المعرفة بالشّرائع السّماويّة، والعمل بها. وغيرها من أقوال، وكلّ ذلك صحيح محقّق لحقيقتها.

ثمّ الحصول على الحكمة بأمور: منها: إخلاص العمل، وفيه جاء النّصّ: «من أخلص للَّه أربعين صباحا، جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه». ومنها: نوم القيلولة، وهو قبل الزّوال إلى ما بعده بساعة أو أكثر، وهذا مناف لوقت صلاة الظّهر، فالأولى الاختصاص إلى الزّوال.

و منها: صلاة اللّيل، وقراءة القرآن الكريم، وقلّة الأكل والكلام والنّوم، ومجالسة الأتقياء، ومجانبة أهل الغفلة.

و ليست الحكمة الّتي جاءت في القرآن الكريم والأحاديث المرويّة عن أهل البيت عليهم السّلام الحكمة المصطلحة عند الحكماء والفلاسفة اليونانيّين، بل هي أحد ما قدّمناه، أو كلّه، أو غير ذلك ممّا يناسب الكتاب والسّنّة المرويّة. فتدبّر جيّدا حتّى لا يختلط الوحي بغيره.

و معنى قوله عليه السّلام: «الحكمة ضالّة المؤمن» كما تقدّم من‏

 

-------------------------------------------------------------------صفحة 124

الميدانيّ: أي هي منشودته. والاختصاص بالمؤمن لإيمانه المجامع للحكمة، بأيّ تفسير لها الّذي يفقده المنافق.

في حديث علوي: «من زهد في الدّنيا ولم يجزع من ذلّها، ولم ينافس في عزّها، هداه اللَّه بغير هداية من مخلوق، وعلّمه بغير تعليم، وأثبت الحكمة في صدره، وأجراها على لسانه». وهذا الحديث الشّريف، يؤكّد حديث: «من أخلص للَّه...» الآنف الذّكر، فافهم إن شاء اللَّه تعالى.

39-  الحمد للَّه كلّما لاح نجم وخفق

من خطبة له عليه السّلام عند المسير إلى الشّام، أوّلها: «الحمد للَّه كلّما وقب ليل وغسق، والحمد للَّه كلّما لاح نجم وخفق». لم ننه الخطبة لأنّ الفقرتين دون غيرهما مقصودتان بالبحث، في حديث نبويّ: «الحمد رأس الشّكر، ما شكر اللَّه عبد إلّا بحمده». والحمد والشّكر متقاربان، والحمد أعمّهما، لأنّك تحمد الإنسان على‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 125

صفاته الذّاتيّة، وعلى عطائه، ولا تشكره على صفاته. وإنّما كان الحمد رأس الشّكر لأنّ فيه إظهار النّعمة، وإلاشادة بها، ولأنّه أعمّ منه، فهو شكر وزيادة. وإن شئت زيادة الإيضاح نظرت كتاب: (البسملة والحمدلة). والحمد يدلّ على كرم الحامد، وأنّه القائم بما عليه من إظهار ما أسدى إليه المحمود، وممّن يقدّره بما يوجب الزّلفى لديه.

و من ثمّ جاء في المثل السّائر من أمثال العرب قولهم: (حمدا إذا استغنيت كان أكرم)، يعني: إذا سألت إنسانا شيئا، فبذله لك، واستغنيت، فاحمده واشكر له، فإنّ حمدك إيّاه أقرب إلى الدّليل على كرمك. والحمد تعظيم المحمود بما يليق به، قال ابن أبي الحديد: ومن مستحسن ما وقفت عليه من تعظيم الباري عزّ جلاله بلفظ (الحمد للَّه) قول بعض الفضلاء في خطبة أرجوزة علميّة:

         الحمد للَّه بقدر اللَّه             لا قدر وسع العبد ذي التّناهي‏

         والحمد للَّه الّذي برهانه      أن ليس شأن ليس فيه شانه‏

         والحمد للَّه الّذي من ينكره   فإنّما ينكر من يصوّره.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 126

لاح الشّي‏ء: إذا لمح ولمع، والمصدر اللّوح. قال الشّاعر:

         أراقب لوحا من سهيل كأنّه            إذا ما بدا من آخر اللّيل يطرف

 

و خفق من الخفق والخفقان: أي الاضطراب. يقال: خفق القلم، وخفق النّجم، وخفق القلب، يخفق خفقانا. قال:

         كأنّ قطاة علّقت بجناحها            على كبدي من شدّة الخفقان

 

أو من خفق اللّيل، إذا ذهب أكثر، أو خفق النّجم، إذا انحطّ في المغرب، أو من خفق، إذا نعس نعسة، وعلى ذلك كلّه حمل حديث الدّجّال: «يخرج في قلّة من النّاس، وخفقة من الدّين». والمراد هنا: كلّما ظهر النّجم، وخفي. والكلام مسوق للاستمرار، كما أنّ: «الحمد للَّه كلّما وقب ليل وغسق» كذلك. وليس المقصود انتهاء الحمد عند انتهاء المعلّق عليه، نظير آية: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ. المراد بها: الاستمرار لا التّعليق.

و قد كرّر التّعليق في الأدعية والزّيارات وغيرها، ومنها: «السّلام‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 127

عليك يا خليل اللَّه، ما دجى اللّيل وغسق، وأضاء النّهار وأشرق، السّلام عليك ما صمت صامت، ونطق ناطق، وذرّ شارق». ومنه ما ذكره العسكريّ من المثل السّائر: (قولهم: ما ذرّ شارق).

يقال: ما أفعل ذلك ما ذرّ شارق، يعنون: الشّمس. والشّارق: الطّالع.

أشرق إذا طلع أو أضاء وصفا، أو إذا دخل في الشّروق. وكيف كان، فهو من الأمثال السّائرة على الألسن أو صالح، لأن يتمثّل به إن لم يكن منها بالصّميم، ولا يخفى على اللّبيب النّكتة في اختيار المعلّق عليه حسب المقامات، علاوة على الاستمرار.

40-  حمّال خطايا غيره

من تمثيلاته عليه السّلام في كلام له في صفة من يتصدّى للحكم بين الأمّة، وليس لذلك أهل: «إنّ أبغض الخلائق إلى اللَّه رجلان: رجل وكله اللَّه إلى نفسه، فهو جائر عن قصد السّبيل، مشغوف بكلام بدعة، ودعاء ضلالة، فهو فتنة لمن افتتن به، ضالّ عن هدى من كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته، وبعد وفاته، حمّال خطايا غيره، رهن بخطيئته......».

------------------------------------------------------------------- صفحة 128

«حمّال خطايا»، الأصل فيه قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا، وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لفظ قرآني، كالأثقال والأوزار الّتي تحمل على ظهور أصحابها، كما قال تعالى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى‏ ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ. وقال تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ. كما أن قوله عليه السّلام: «رهن بخطيئته»، الأصل فيه كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ. ثمّ الرّجلان منطبقان على كلّ من توفّرت فيه أوصافهما. وقد تصدّينا لبيان وصف الثّاني عند عدّة أمثال، أحدها: «ما قلّ منه خير ممّا كثر». أمّا الرّجل المبحوث، فرجل وكله اللَّه إلى نفسه. والإيكال إليها: الحرمان من رعايته جلّ جلاله، ووضع الحبل على الغارب، وهو الهلاك.

و منه دعاء أبي حمزة الثّماليّ عن السّجّاد عليه السّلام: «يا سيّدي إن وكلتني إلى نفسي هلكت». «فهو جائر عن قصد السّبيل»، إذا لا ينفكّ عن الانحراف عن الصّراط المستقيم، لأنّه خابط لا محالة.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 129

«مشغوف بكلام بدعة»: أي خرق الحبّ شغاف قلبه، حتّى وصل إلى فؤاده، والشّغاف: الحجاب، ومنه قوله تعالى: قَدْ شَغَفَها حُبًّا. والبدعة: إدخال ما ليس من الدّين فيه. «و دعاء ضلالة»، بإغواء غيره.

«فهو فتنة لمن افتتن به»: أي بلاء واختبار له. «ضالّ عن هدى من كان قبله»: أي هدى النّبيّ والأئمّة الطّاهرين والأنبياء عليهم السّلام.

«مضلّ لمن اقتدى به في حياته، وبعد وفاته»، من آثاره وكتبه المضلّة، المكتوبة عليه ب وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ. «حمّال خطايا غيره» مصداق لقوله تعالى: «وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ...» الآنف الذّكر. «رهن بخطيئته» وذلك لآية: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ. طبّق الآية والرّواية على نفسك قبل غيرك يا هذا.

41-  حنّ قدح ليس منها

تمثّل عليه السّلام بهذا المثل في جواب معاوية في كتاب له: «... وما للطّلقاء وأبناء الطّلقاء، والتّمييز بين المهاجرين الأوّلين، وترتيب‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 130

درجاتهم، وتعريف طبقاتهم، هيهات لقد حنّ قدح ليس منها، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها...». (حنّ) فعل ماض من الحنين: وهو نوع صوت، قال الشّارح: و(قدح) أصله من القداح، من عود واحد، يجعل فيها قدح من غير ذلك الخشب، فيصوّت إذا أرادها المفيض، فذلك الصّوت هو حنينه. هذا مثل يضرب لمن يدخل نفسه بين قوم، ليس له أن يدخل بينهم، أو لمن يفتخر بقوم ليس منهم، أو لمن يمتدح بما لا يوجد فيه.

قيل: المثل لعمر بن الخطّاب، أجاب به عقبة بن أبي معيط حينما قال له: (أ أقتل من بين قريش) ولكن يظهر من الزّمخشريّ أنّه ليس لعمر. قال: وقيل في بني الحنان، وهم بطن من بلحارث، أنّ جدّهم ألقى قدحا في قداح قوم يضربون بالمسير، وكان يضرب لهم رجل أعمى، فلمّا وقع قدحه في يده قال: (حنّ قدح ليس منها) فلقّب الحنّان لذلك.

و يؤيّد نفيه عن عمر قول الميدانيّ: أنّ عمر تمثّل به، وظاهر التمثّل أنّه لغيره.

و القدح: السّهم من أقداح الميسر، وعند إجالتها خالف صوت القدح الّذي ليس من مادّة بقيّة القداح صوتها، وبه يعرف أنّه ليس من جملتها.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 131

إن قلت: إنّ كلام الإمام عليه السّلام تصديق للشّيخين، بأنّهما من ذوي الرّتب والدّرجات، ليس لتمييزها إلّا لمن كان في درجتهم، وهو الإمام عليه السّلام.

و الجواب: أنّ الكلام جاء كمقياس كلّيّ لا ينطبق إلّا على موطنه.

42-  حيدي حياد

من خطبة له عليه السّلام: «أيّها النّاس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهن الصّم الصّلاب، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء. تقولون في المجالس: كيت وكيت، فإذا جاء القتال قلتم: حيدي حياد...». في الشّرح: حيدي حياد، كلمة يقولها الهارب الفارّ، وهي نظيرة قولهم: (فيحي فياح)،: أي اتّسعي، و(صمّي صمام) للدّاهية: أي زيدي وأصلها من حاد عن الشّي‏ء: أي انحرف. وحياد، مبنيّة على الكسر، وكذلك ما كان من بابها، نحو قولهم: بدار: أي ليأخذ كلّ واحد

 

-------------------------------------------------------------------صفحة 132

قرنه. وقولهم: خراج في لعبة للصّبيان: أي اخرجوا. وقال غير الشّارح: وفي خطبة عليّ عليه السّلام: «فإذا جاء القتال قلتم: حيدي حياد»، حيدي: أي ميلي، وحياد بوزن قطام. قال الجوهريّ: هو مثل قولهم: فيحي فياح: أي اتّسعي. وفياح اسم للغارة.

 ونظيرها في لزوم الهيئة قولهم في المثل السّائر: (حماداك أن تفعل كذا): أي غايتك وفعلك المحمود، وهو مثل قولهم: (قصاراك)، و(غناماك). «تقولون في المجالس: كيت وكيت»: أي سنفعل وسنفعل.

قال الشّارح: وكيت وكيت، كناية عن الحديث، كما كنّي بفلان عن العلم، ولا تستعمل إلّا مكرّرة، وهما مخفّفان من (كيّة). فإذا جاء القتال فررتم وقلتم: الفرار الفرار. ثم أخذ في الشّكوى، فقال: من دعاكم لم تعزّ دعوته، ومن قاساكم لم يسترح قلبه. دأبكم التّعلّل بالأمور الباطلة، والأمانيّ الكاذبة، وسألتموني الإرجاء وتأخّر الحرب، كمن يمطل بدين لازم له. والضّيم لا يدفعه الذّليل، ولا يدرك الحقّ إلّا بالجدّ فيه والاجتهاد وعدم الانكماش. وقال الشّارح: وهذه الخطبة خطب بها أمير المؤمنين عليه السّلام في‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 133

غارة الضّحّاك بن قيس. قال: كانت غارة الضّحّاك بن قيس بعد الحكمين، وقبل قتال النّهروان، وذلك أنّ معاوية لمّا بلغه أن عليّا عليه السّلام بعد واقعة الحكمين تحمّل إليه مقبلا، هاله ذلك فخرج من دمشق معسكرا، وبعث إلى كور الشّام فصاح بها، إنّ عليّا قد سار إليكم، وكتب إليهم نسخة واحدة، فقرئت على النّاس.

و دعا معاوية الضّحّاك بن قيس، وقال له: سر حتّى تمرّ بناحية الكوفة، وترتفع عنها ما استطعت، فمن وجدته من الأعراب في طاعة عليّ فأغر عليه، وإن وجدت له مسلحة أو خيلا فأغر عليها.

و إذا أصبحت في بلدة فأمس في أخرى، ولا تقيمنّ لخيل بلغك أنّها قد سرّحت إليك لتلقاها فتقاتلها، فسرّحه فيما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف.

فأقبل الضّحّاك، فنهب الأموال، وقتل من لقي من الأعراب، حتّى مرّ بالثّعلبيّة، فأغار على الحاجّ، فأخذ أمتعهم.

ثمّ أقبل، فلقي عمرو بن عميس بن مسعود الهذليّ، وهو أخو عبد اللَّه ابن مسعود، فقتله في طريق الحاجّ عند القطقطانة، وقتل معه ناسا من أصحابه.

و روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ، قال: استصرخ أمير المؤمنين عليه السّلام النّاس عقيب غارة الضّحّاك بن قيس الفهريّ على أطراف أعماله، فتقاعدوا عنه فخطبهم، فقال: «ما عزّت دعوة من دعاكم، ولا

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 134

استراح قلب من قاساكم...». يا ساعد اللَّه قلبك يا أمير المؤمنين من أناس لم يعرفوك، ولم يقدروك، ومن معشر يعيشون جهّالا، ويموتون ضلّالا في دورك، وفي كلّ الأدوار.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 135

حرف الخاء

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 136

43-  خبّاط جهالات

من كلامه عليه السّلام، في صفة من ليس أهلا للقضاء بين النّاس: «جاهل خبّاط جهالات، عاش ركّاب عشوات». وفي رواية: «خبّاط عشوات، ركّاب جهالات». وزّعنا أبعاض الكلام على كلّ مثل مذكور فيه.

قال العسكريّ: (أخبط من عشواء): وهي النّاقة العشواء الّتي لا تبصر باللّيل، فتخبط كلّ شي‏ء تمرّ به. والخبط: أن تطأ برجلها فتكسره. (أخبط من حاطب ليل) لأنّه يجمع ما يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه. وقال الزّمخشريّ: (أخبط من حاطب ليل)، الخبط: الإصابة مرّة والإخطاء أخرى. وحاطب اللّيل كذلك لا يعرف ما يحتطبه... فهو بين الخطأ والصّواب. و(أخبط من عشواء): هي النّاقة الّتي لا تبصر باللّيل، تخبط فتصيب هذا، وتخطى‏ء هذا. قال زهير:

------------------------------------------------------------------- صفحة 137

(من الطّويل)

         رأيت المنايا خبط عشواء من تصب            تمته ومن تخطى‏ء يعمّر فيهرم

 

و قال الميدانيّ بعد المثل: ويقال في مثل آخر: (إنّ أخا الخلاط أعشى باللّيل). قالوا: الخلاط: القتال، وصاحب القتال باللّيل لا يدري من يضرب. قال ابن قتيبة: (خبّاط عشوات): أي خبّاط ظلمات، وخابط العشوة نحو: واطئ العشوة، وهو الّذي يمشي في اللّيل بلا مصباح فيتحيّر ويضلّ، وربّما تردّى في بئر، أو سقط على سبع. ويقال في مثل: (سقط العشاء على سرحان)، وذلك أنّ خارجا خرج يطلب العشاء، فسقط على ذئب فأكله. وبعض أصحاب اللّغة يزعم أن السّرحان في هذا المثل الأسد... وسواء أ كان (خبّاط جهالات) أو (خبّاط عشوات) ينطبق عليه المثل السّائر الّذي قدّمناه لأنّ ظلمة الجهل لا تقصر عن ظلمة اللّيل، ومن لا يبصر إذا مشى باللّيل، بل الجهل أشدّ منهما ظلمة، إذ القاضي إذا

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 138

قضى بين النّاس، وهو جاهل، لا يدري أبحقّ قضى أم بباطل، هلك وهلكت نفوس وأعراض وأموال، ولأجله قال عليه السّلام: «تصرخ من جور قضائه الدّماء، وتعجّ منه المواريث» في نفس الخطبة.

فأيّهما أشد فظاعة، أخابط باللّيل أم خابط في القضاء الّذي من جرّاء ذلك تهراق الدّماء البريئة، وتهتك النّواميس والحرمات، وتؤخذ الأموال غصبا.

و من هنا شدّد في أمر القضاء، واشترط في القاضي أن يكون تقيّا ورعا عادلا فقيها بأحكام الإسلام، لا جاهلا لا يبالي بأمور الدّين ودنيا المسلمين، يقضي ما يشتهي، ويحكم ما يريد، لا كثرّ اللَّه أمثاله.

44-  خذ الحكمة أنّى كانت  من كلماته عليه السّلام الحكميّة المثليّة قوله: «خذ الحكمة أنّى كانت، فإنّ الحكمة تكون في صدر المنافق، فتلجلج في صدره حتّى تخرج، فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن». بحثنا حول المثل: «الحكمة ضالّة المؤمن» عن أشياء تمسّ المثل الجاري، فراجع.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 139

و قد روى المثل المبحوث عنه جمع من الكتّاب، منهم القضاعيّ، وقال: يقال: لجلج اللّقمة في فيه، إذا أدارها ولم يسغها.

و أراد عليه السّلام: أنّ الكلمة قد يعلمها المنافق، فلا تزال تتحرّك في صدره ولا تسكن حتّى يسمعها المؤمن أو العالم، فيثقفها فتسكن في صدره إلى أخواتها من كلم الحكمة. قال المعتزليّ: خطب الحجّاج، فقال: إنّ اللَّه أمرنا بطلب الآخرة، وكفانا مئونة الدّنيا، فليتنا كفينا مئونة الآخرة، وأمرنا بطلب الدّنيا فسمعها الحسن عليه السّلام، فقال: «هذه ضالّة المؤمن، خرجت من قلب المنافق». وفي وصيّة موسى بن جعفر عليه السّلام لهشام بن الحكم: «و اعلموا أنّ الكلمة من الحكمة ضالّة المؤمن، فعليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه غيبة عالمكم بين أظهركم». وفسّرت: بأنّ المؤمن يأخذ الحكمة من كلّ من وجدها عنده، وإن كان كافرا أو فاسقا، كما أنّ صاحب الضّالّة يأخذها حيث وجدها.

و قيل: المراد: أنّ من كان عنده حكمة لا يفهمها ولا يستحقّها، وجب أن يطلب من يأخذها بحقّها، كما يجب تعريف الضّالّة، وإذا وجد من يستحقّها وجب أن لا يبخل في البذل كالضّالّة.

«يا هشام إنّ الزّرع ينبت في السّهل، ولا ينبت في الصّفا. فكذلك‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 140

الحكمة تعمر في قلب المتواضع، ولا تعمر في قلب المتكبّر الجبّار لأنّ اللَّه تعالى جعل التّواضع آلة العقل، وجعل التّكبّر من آلة الجهل. ألم تعلم أنّ من شمخ إلى السّقف برأسه شجّه، ومن خفض رأسه استظلّ تحته وأكنّه فكذلك من لم يتواضع للَّه خفضه اللَّه ومن تواضع للَّه رفعه اللَّه». وقال لقمان في وصاياه لابنه: «يا بنيّ تعلّم الحكمة تشرّف بها فإنّ الحكمة تدلّ على الدّين، وتشرّف العبد على الحرّ، وترفع المسكين على الغنيّ، وتقدّم الصّبيّ على الكبير، وتجلس المسكين مجالس الملوك، تزيد الشّريف شرفا، والسّيّد سؤددا، والغنيّ مجدا. وكيف يظنّ ابن آدم أن يتهيّأله أمر دينه ومعيشته بغير حكمة، ولن يهيّى‏ء اللَّه أمر الدّنيا والآخرة إلّا بالحكمة».

و من حكم عيسى عليه السّلام: «بحقّ أقول لكم: لا تكونوا كالمنخل يجرج الدّقيق الطّيّب، ويمسك النّخالة، كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم، ويتبقّى الغلّ في صدوركم» وقد جمعت الحكمة بأطرافها بعد القرآن وحديث النّبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم كلمات الأئمّة المعصومين عليهم السّلام، ولا سيّما باب مدينة علم الرّسول وحكمته أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب فدتهما أرواح العالمين، ولن تدخل المدينة إلّا من بابها وإنّ حديث المدينة النّبويّ قد رواه الفريقان، حتّى أنّ مؤلّف كتاب (الغدير) أنهاه إلى مائة وثلاثة

 

-------------------------------------------------------------------صفحة 141

و أربعين طريقا عن الجمهور. والشّيخ الطّريحيّ نقل: أنّ سبب الحديث أنّ أعرابيّا أتى النّبيّ-  صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم-  فقال له: طمش طاح، فغادر شبلا، لمن النّشب فقال-  صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم- : «للشّبل مميطا». فدخل عليّ عليه السّلام، فذكر له النّبيّ-  صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم-  لفظ الأعرابيّ، فأجاب بما أجاب به النّبيّ-  صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم-  فقال: «أنا مدينة العلم وعليّ بابها». الحديث. والظّاهر على تقدير صحّة النّقل: أنّ سؤال الأعرابي عن إنسان هلك، وخلّف ابنا ومالا، لمن المال فقال صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم: للابن لا ابن الابن أو غيره مدفوعا عن غير الابن وهو معنى الإماطة. والطّمش: الإنسان يقال: (وحش ولا طمش). و(طاح) من الطّوح أو الطّيح: السّقوط والهلاك كنّى عن الموت. والشّبل: ولد الأسد: أي ابن الميّت. والنّشب: العلق المكنّى به عن المال المتعلّق بالإنسان.

و المغادرة: التّرك. وحاصل السّؤال أنّ إنسانا أو رجلا مسمّى ب (طمش) مات وترك ابنا ومالا، ولأجل ابتعاده عنه بالموت عبّر بالمغادرة. وكان الجواب: أنّ المال للابن حال كونه حاجبا عن غيره، ويدفعه عن الإرث ويزيله وهو المراد بالإماطة في «مميطا» أي مزيلا

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 142

إطلاقا لسواه، فيعطى المال كلّه للشّبل إن كان وحده كما هو مفروض السّؤال-  وإنّما ذكرنا ذلك كلّه لأدنى علقة بالمثل الجاري والتفصيل في محلّه.

45-  الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها

في خطبة له عليه السّلام: «ألا وإنّ الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها، وخلعت لجمها، فتقحّمت بهم في النّار». الشّمس واحدتها شموس، معرّب (چموش).

قال ابن الأثير فيه- : أي في الحديث- : «ما لي أراكم رافعي أيديكم في الصّلاة، كأنّها أذناب خيل شمس». هي جمع شموس: وهو النّفور من الدّوابّ: الّذي لا يستقرّ لشغبه وحدّته.

------------------------------------------------------------------- صفحة 143

تكلّمنا عند المثل: «كأنّها أذناب خيل شمس» من الأمثال النّبويّة على الحديث النّبويّ غير ما ذكره ابن الأثير، كما وأشرنا هنا لك إلى المثل العلويّ في المقام، وأمور ينبغي النّظر إليها، فراجع. شبّه عليه السّلام راكب الذّنوب الّتي تجرّ صاحبها إلى نار جهنّم بمن حمل على خيل نفور شاغبة، تمنع ظهرها عن الرّكوب، وقد خلعت لجمها، فكما تورد هذه راكبها الموت والهلاك، كذلك من يركب المعاصي تفضي براكبها إلى جهنّم والهلاك الأبديّ، وتجرّه إلى تكذيب آيات اللَّه عزّ وجلّ، كما دلّ على ذلك قوله تعالى: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى‏ أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ. إذ المذنب حين يذنب يسلب منه الإيمان، كما جاء به الحديث «لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن». ومستخفّ باللَّه جلّ جلاله وإن كان عن جهل، إذ لو كان معظّما له تعالى لما تمرّد عليه، ولما ركب الخطايا وإنّما أودت به شقوته وعدم خشيته من سوء المغبّة وإِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ. دلّ آخر الآية على أنّ اللَّه عزّ وجلّ غنيّ عن طاعة العلماء وخشيتهم، وأنّهم قاصرون مقصّرون مهما بلغوا من العلم والخشية، فضلا

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 144

عن غيرهم، ولكنّه غفور يغفر الذّنب، وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. «و ما عصيتك إذ عصيتك، وأنا بك جاهل، ولا لعقوبتك متعرّض، ولا لنظرك مستخفّ، ولكن سوّلت لي نفسيّ، وأعانتني شقوتي، وغرّني سترك المرخى عليّ». وهل يعلم العاصي من يعصي ومن يخالف من لو لا رحمته وفضله علينا في أقلّ من طرفة عين لكنّا من الهالكين المعذّبين بالعذاب الأبديّ.

قال تعالى: وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ. لا نجاة منه إلّا بفضله ورحمته الواسعة. فيا إنسان إيّاك والذّنب.

46-  خير دار، وشرّ جيران

من خطبة له عليه السّلام، منها قوله: «أطاعوا الشّيطان، فسلكوا مسالكه، ووردوا مناهله، بهم سارت أعلامه، وقام لواؤه. في فتن داستهم بأخفافها، ووطئتهم بأظلافها، وقامت على سنابكها، فهم فيها تائهون حائرون، جاهلون مفتونون، في‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 145

خير دار وشرّ جيران، نومهم سهود، وكحلهم دموع، بأرض عالمها ملجم، وجاهلها مكرم». نقل المعتزليّ عن الرّاونديّ: خير دار: الكوفة، وقيل: الشّام لأنّها الأرض المقدّسة، وأهلها شرّ جيران، يعني: أصحاب معاوية. وعلى التّفسير الأوّل، يعني: أصحابه عليه السّلام-  قال-  ونحن نقول: إنّه عليه السّلام لم يخرج من صفة أهل الجاهليّة، وقوله: «في خير دار» يعني: مكّة. و«شرّ جيران» يعني: قريشا. وهذا لفظ النّبيّ صلّى اللَّه عليه وآله-  وسلّم-  حين حكى بالمدينة حالة كانت في مبدأ البعثة، فقال: «كنت في خير دار» و«شرّ جيران». ثمّ حكى عليه السّلام ما جرى له مع عقبة بن أبي معيط. والحديث مشهور.

و قوله: «نومهم سهود وكحلهم دموع» مثل أن يقول: جودهم بخل، وأمنهم خوف: أي لو استماحهم محمّد-  صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم-  النّوم لجادوا عليه بالسّهود عوضا عنه، ولو استجداهم الكحل لكان كحلهم الّذي يصلونه به الدّموع.

ثمّ قال: «بأرض عالمها ملجم»: أي من عرف صدق محمّد صلّى اللَّه عليه وآله-  وسلّم- ، وامن به في تقيّة وخوف. «و جاهلها مكرم»: أي من جحد نبوّته وكذّبه في عزّ ومنعة.

------------------------------------------------------------------- صفحة 146

اختلف المفسّرون لقوله عليه السّلام: «خير دار، وشرّ جيران»، قيل في الأوّل: الكوفة، أو الشّام، أو مكّة، أو الدّنيا والثّاني: أهلها على بيان، تعرّض له ابن ميثم البحرانيّ بتفصيل، فراجع وكيف كان، فهو صالح للتّمثّل به، إن لم يكن مثلا سائرا بالصّميم لكلّ دار تلائم ساكنها، ولم يسلم من شرّ جارها.

و ما ذكر من مكّة، أو الكوفة، أو الشّام، أو غيرها إنّما هي مصاديق المثل، من دون قصر عليها، شأن المثل أينما حلّ ونزل.

خصوصا الدّنيا، فقد عبّر عنها وعن الآخرة بالدّار، فيمكن وصف الأولى بالشّرّ والخير باعتبارين: من وقوع العصيان والكفر والتّمرّد على اللَّه بالشّرّ وكونها متجر الأولياء ومطيّة الأنبياء والمؤمنين بالخير. وهكذا أهلها المؤمنون خير جيران، وغيرهم بشرّ جيران. طبّق ولا حرج مع رعاية الحقّ من الجانبين، ولقد كان للمثل الجاري التّطبيق لدور السّكنى وجيرتها ما لا يخفى.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 147

حرف الدّال

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 148

47-  الدّامغ صولات الأضاليل

من خطبة له عليه السّلام، علّم فيها النّاس الصّلاة على النّبيّ صلّى اللَّه عليه وآله-  وسلّم- ، أوّلها: «اللّهم داحي المدحوّات، وداعم المسموكات، وجابل القلوب على فطراتها، شقيّها وسعيدها، اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك على محمّد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق، والفاتح لما انغلق، والمعلن الحقّ بالحقّ، والدّافع جيشات الأباطيل، والدّامغ صولات الأضاليل، كما حمّل، فاصطلع قائما بأمرك......». قوله: «داحي المدحوّات» يعني: باسط الأرضين، وكان عزّ وجلّ خلقها ربوة، ثمّ بسطها. قال جلّ ذكره: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها. ويروى: (بارئ المسموكات): أي خالق السّماوات.

و داعمها: ممسكها.

قال الفرزدق:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 149

 

         إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا            بيتا دعائمه أعزّ وأطول‏

 

و في لفظ: «دامغ جيشات الأباطيل» يريد عليه السّلام: المهلك لما نجم وارتفع من الأباطيل، وأصل الدّمغ من الدّماغ، كأنّه الّذي يضرب وسط الرّأس، فيدمغ: أي يصيب الدّماغ. ومنه قول اللَّه تعالى: «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ»،: أي يبطله. والدّماغ مقتل، فإذا أصيب هلك صاحبه. و(جيشات) مأخوذ من جاش الشّي‏ء، إذا ارتفع. وجاش الماء إذا طما، وجاشت النّفس. والآية تناسب الدّمغ للباطل لا لصولة الإضلال، ولذلك رواه جمع من الكتّاب: أي «الدّامغ جيشات الأباطيل» لا الدّامغ.

ثمّ في الخطبة استعارات وتمثيلات، منها تمثيل الأضاليل أو الأباطيل بإنسان ذي دماغ، يضربه الضّارب ضربا على الدّماغ فيهلك.

و كلّ هذه الأوصاف له صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم حيث أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم قد ختمت به نبوّة الأنبياء، وفتحت به أبواب المعارف والعلوم الّتي كانت مغلقة لم تهتد إليها القلوب، وأنّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم أظهر الحقّ في كلّ شي‏ء، وأوضح طرق الوصول إليه بالحقّ، ودفع الأباطيل عنها: أي عن الطّرق لأنّ الطّريق إلى شي‏ء إذا

 

-------------------------------------------------------------------صفحة 150

كان باطلا كان المقصد مثله بدمغ رءوس الضّلالة، وهم كفّار قريش، وغير قريش، وكلّ ضالّ من فرق النّاس.

و قد حاربهم النّبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم، ليغرس التّوحيد في القلوب، فقام بالرّسالة الملقاة عليه، حتّى أدّاها كما هي، وبلّغها إلى العالم كلّه بدون فتور وهوداة، فترك في اللَّه تعالى أدانيه وأقاربه، وقرّب الأقاصي والأباعد فيه، عند قبولهم الحقّ والتّوحيد والدّين الخالص.

و هكذا أهل بيته الأئمّة الطّاهرين، لا سيّما أمير المؤمنين عليه وعليهم السّلام، وكلّ ذلك وظيفة كلّ مؤمن باللَّه تعالى وبشريعته الغرّاء إلى يوم القيامة، للأسوة الحسنة المحثوثة عليها في القرآن.

48-  دع عنك من مالت به الرّميّة

من كلام له عليه السّلام في جواب لكتاب معاوية الّذي يذكر فيه بعض النّاس. قال عليه السّلام: «... فدع عنك من مالت به الرّميّة، فإنّا صنائع ربّنا، والنّاس بعد صنائع لنا...».

------------------------------------------------------------------- صفحة 151

لقوله عليه السّلام: «فإنّا صنائع ربّنا» إلى آخره تفسير مرهون بوقته.

الرّميّة بمعنى: الرّمي، والباء للإلصاق: أي دع من رمته الدّنيا بسهامها، وصار غرضا لها لإقباله عليها. ويشهد لذلك ما جاء في بعض خطبه عليه السّلام يصف فيه الدّنيا. قال عليه السّلام: «ترميهم بسهامها، وتفنيهم بحمامها». ويصحّ ذلك أيضا رميه بسهام النّفس، وإبليس. إذا استعارة رمي السّهام فيها بجامع التّأثير السّريع على حدّ سواء. وقد جاء: «النّظرة سهم مسموم من سهام الشّيطان». وقيل: الرّميّة: الطّريدة المرميّة. يقال للصيّد: يرمي هذه الرّميّة، وهي (فعلية) بمعنى مفعولة، والأصل في مثلها أن لا تلحقها الهاء نحو: (كفّ خضيب، وعين كحيل) إلّا أنّهم أجروها مجرى الأسماء لا النّعوت كالقصيدة والقطيعة.

و المعنى: دع ذكر من مال إلى الدّنيا، ومالت به: أي أمالته إليها. عن الشيخ محمّد عبده: يضرب لمن اعوجّ غرضه، فمال عن الاستقامة لطلبه. قيل: المراد من الموصول في المثل: هو عثمان لا الشّيخان لأنّه‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 152

عليه السّلام لم يذكرهما بقدح، والمثل يضرب لذلك، فلا بدّ من صرفه إلى غيرهما. يجاب عنه أنّ الكلام مقياس كلّي له اطّراده في جميع النّاس، إذا تحقّقت فيه الرّميّة، مهما كان نوعه. ومعاوية المخاطب به من أجلى مصاديقه، ومن تدبّر صدر الكلام عرف الحقّ.

49-  الدّهر يخلق الأبدان ويجدّد الآمال

قال عليه السّلام: «الدّهر يخلق الأبدان، ويجدّد الآمال، ويقرّب المنيّة، ويباعد الأمنيّة. من ظفر به نصب، ومن فاته تعب». للدّهر أمثال سائرة عند العرب: (الدّهر أبلغ في النّكير) يعني بالنّكير: الإنكار والتغيير، يريد أنّ الدّهر يغيّر ما يأتي عليه. (الدّهر أطرق مستتب): أي مطرق مغض منقاد. قال بشّار بن برد:

         عام لا يغررك يوم من غد           عام إنّ الدّهر يغضي ويهب‏

         صاد ذا الضّغن إلى غرّته           وإذا درّت لبون فاحتلب‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 153

(الدّهر أرود مستبدّ): أي ليّن المعاملة، غالب على أمره. وهذا كقول ابن مقبل:

         إن ينقض الدّهر منّي مرّة لبلى            فالدّهر أرود بالأقوام ذو غير

 

(أرود): أي يعمل عمله في سكون لا يشعر به، ويقال: المستبدّ: الماضي في أمره لا يرجع عنه.

(الدّهر أنكب لا يلبّ)، ويروي: (أنكث لا يلث). أنكب من النّكبة: أي كثير النّكبات. والصّحيح أن يقال: أنكب من النّكب، وهو الميل، يعني: أنه عادل عن الاستقامة، لا يقيم على جهة واحدة.

و أنكث: أي كثير النّكث والنّقض لما أبرم. (دواء الدّهر الصّبر عليه). قال بعض الحكماء: الدّنيا تسرّ لتغرّ، وتفيد لتكيد، كم راقد في ظلّها قد أيقظته، وواثق بها قد خذلته، بهذا الخلق عرفت، وعلى هذا الشّرط صوحبت. قال شاعر فأحسن:

         كأنّك لم تسمع بأخبار من مضى           ولم تر بالباقين ما صنع الدّهر

         فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم            عفاها فحال الرّيح بعدك والقطر

         وهل أبصرت عيناك حيّا بمنزل            على الدّهر إلّا بالعراء له قبر

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 154

         فلا تحسبنّ الوفر مالا جمعته               ولكنّ ما قدّمت من صالح وفر

         مضى جامعوا الأموال لم يتزوّدوا        سوى الفقر يا بؤسى لمن زاده الفقر

         فحتّام لا تصحو وقد قرب المدى        وحتّام لا ينجاب عن قلبك السّكر

         بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا    وتذكر قولي حين لا ينفع الذّكر

         وما بين ميلاد الفتى ووفاته            إذا انتصح الأقوام أنفسهم عمر

         لأنّ الّذي يأتيه شبه الّذي مضى        وما هو إلّا وقتك الضّيّق النّزر

         فصبرا على الأيّام حتّى تجوزها        فعمّا قليل بعدها يحمد الصّبر

 

و المراد بالدّهر هنا: ما في قوله عليه السّلام: «الدّهر يومان: يوم لك، ويوم عليك»، لا ما في قوله: «لا تسبّوا الدّهر فإنّ الدّهر هو اللَّه».

50-  الدّهر يومان: يوم لك ويوم عليك

من كلام الإمام عليه السّلام الجاري مجرى الأمثال: «الدّهر يومان: يوم لك، ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر».

------------------------------------------------------------------- صفحة 155

و يشبهه المثل: (الأيّام عوج رواجع) العوج جمع أعوج، يقال: الدّهر تارة يعوّج عليك، وتارة يرجع إليك. أثبته الميدانيّ. قال الشّارح: قديما قيل هذا المعنى: الدّهر يومان: يوم بلاء، ويوم رخاء. والدّهر ضربان: حبرة وعبرة. والدّهر وقتان: وقت سرور، ووقت ثبور. وقال أبو سفيان يوم احد، يوم بيوم بدر، والدّنيا دول.

و يحمل ذمّ البطر. ههنا على محملين: أحدهما: البطر بمعنى: الأشر وشدّة المرح، بطر الرّجل بالكسر يبطر، وقد أبطره المال، وقالوا: بطر فلان معيشته، كما قالوا: رشد فلان أمره.

و الثّاني: البطر بمعنى: الحيرة والدّهش: أي إذا كان الوقت لك فلا تقطعنّ زمانك بالحيرة والدّهش عن شكر اللَّه، ومكافأة النّعمة بالطّاعة والعبادة، والمحمل الأوّل أوضح. الدّهر هو ما سوى اللَّه جلّ جلاله برمّتة، الممتدّ من البداية إلى النّهاية، وربّما يتخيّل أنّه المنتزع من الحدّين وواقع المنتزع وما تقدّم هو المجزوم، ولامتداده ظنّ قدمه حتّى زعم الدّهريّون أنّه منشأ الحياة والهلاك، كما حكى عنهم اللَّه جلّ جلاله: (وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ). فإن أرادوا به اللَّه تعالى، وجهلوا أنّه هو، أو: أجروا عليه تعالى اسم الدّهر فهذا أهون من الأوّل. والبحث في محلّه.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 156

يريد عليه السّلام: أنّ للدّنيا إقبالا وإدبارا، فانّ أقبلت عليك فلا تغترّ بها فتنسى كلّ شي‏ء وإن أدبرت فاصبر. وقد جاء في الحديث القدسيّ: «يا موسى إن أقبلت الدّنيا فعقوبة عجّلت، وإن أدبرت فقل: مرحبا بشعار الصّالحين». ثمّ المثل السّائر بلفظ: (يوم لنا، ويوم علينا) يضرب في انقلاب الدّول والتّسلّي عنها، قاله الميدانيّ.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 157

حرف الرّاء

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 158

51-  رأي الشّيخ أحبّ إليّ من جلد الغلام

قال عليه السّلام: «رأي الشّيخ أحبّ إليّ من جلد الغلام»، ويروى: «من مشهد الغلام». قال المعتزليّ: إنّما قال كذلك لأنّ الشّيخ كثير التّجربة، فيبلغ من العدوّ برأيه ما لا يبلغ بشجاعة الغلام الحدث غير المجرّب لأنّه قد يغرّر بنفسه، ويهلك أصحابه ولا ريب أنّ الرّأي مقدّم على الشّجاعة، ولذلك قال أبو الطّيّب:

         الرّأي قبل شجاعة الشّجعان            هو أوّل وهي المحلّ الثّاني‏

         فإذا هما اجتمعا لنفس مرّة             بلغت من العلياء كلّ مكان‏

         ولربّما طعن الفتى أقرانه            بالرّأي قبل تطاعن الأقران‏

 

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 159

         لو لا العقول لكان أدنى ضيغم           أدنى إلى شرف من الإنسان‏

         ولما تفاضلت الرّجال ودبّرت            أيدي الكماة عوالي المرّان‏

 

و قال لقيط بن يعمر...:

         وقلّدوا أمركم للَّه درّكم             رحب الذّراع بأمر الحرب مضطلعا

         لا مقرفا إن رخاء العيش ساعده     ولا إذا عضّ مكروه به خشعا

         ما زال يحلب هذا الدّهر أشطره      يكون متّبعا طورا ومتّبعا

         حتّى استمرّ على شزر مريرته        مستحكم الرّأي لا قحما ولا ضرعا

 

في كتاب مصادر النّهج عدّة مصادر للمثل المبحوث عنه. وجاء في كتب الأمثال منسوبا إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، وأغلبها برواية: «من مشهد الغلام». منها: مجمع الميدانيّ، قال: قاله عليّ رضي اللَّه تعالى عنه-  عليه السّلام-  في بعض حروبه. وقال الزّمخشريّ بعد الرّواية: أي لأن يعينك الشّيخ برأيه وهو غائب، خير من أن يعينك الغلام بنفسه حاضرا معك. وكذا

 

-------------------------------------------------------------------صفحة 160

الثّعالبيّ في التّمثيل والمحاضرة. وعلى الرّواية الأولى.

الجلد: هو الشّدّة، والضّرب بالسّيف. فالمراد: أنّ الرّأي الرّاسخ من المجرّب خير من البسالة الفاقدة للخبرة.

و الرّواية الثّانية: «مشهد الغلام»، إمّا من الشّهود: أي الحضور، ومنه: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.: أي من كان حاضرا في البلد، ويقابله الغائب. فالمراد: أنّ رأي الشّيخ وإن كان غائبا خير من حضور الغلام، فضلا عن غيبته. أو من الشّهادة: أي ما يشاهد الرّائي من منظر الغلام، فالمعنى: أنّ رأي الشّيخ الطّاعن في السّنّ خير ممّا يجلب النّظر من جمال منظر الغلام، وطراوته، لاستبدال جمال صورة الشّيخ بجميل فكرته، على عكس الغلام الّذي ليس وراء روائه تجربة كافية في الحروب، ولا غيرها.

إما الطّاعن في السّنّ على مرور الأيّام، فقد حصل على التّجربة، والعقل بقسميه: المطبوع والمسموع ومن هنا جاء في المثل النّبويّ: «الشّباب شعبة من الجنون». وقيل: الشّباب كسكر الشّراب.

و على ذلك قول الشّاعر:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 161

 

         إنّ شرخ الشّباب والشّعر الأس            ود ما لم يعاص كان جنونا

 

و من أمثالهم: (زاحم بعود، أودع)، والعود: المسنّ من الإبل والشّاء. قال الكرمانيّ: أي لا تستعن إلّا بأهل السّنّ، والتّجربة في الأمور. قال الشّاعر:

         حنى الشّيب ظهري فاستمرّت عزيمتي            ولو لا انحناء القوس لم ينفذ السّهم‏

 

و قال ابن المعتز:

         وما ينتقص من شباب الرّجال            يزد في نهاها، وألبابها.

 

و هنا تفسير ثالث للمشهد: أي كلّ عمل مشهود منه يفقد الخبرة الكافية بما يلحقه من قدح، أو مدح يتقدّمه الواجد لها، وبما أنّ الغلام من أجلى مظاهر الفقدان، والشّيخ هو الواجد لها غالبا، جاء ذكرهما في الحديث.

لا يقال: إنّ بعض الأغلمة أعلى خبرة من بعض الشّيوخ. فإنّا نقول: إنّ الموضوع غالبيّ لا كلّي مطّرد فربّ شاب خير من شيخ. ومن ثمّ يراد منهما الجنس: أي بطبعهما، وإلّا فللمثل صور حاصلة بمقايسة بين الشّيخ والغلام، تثنية وجمعا إلى عدد غير مقصود به الكلام والوجه فيه ما

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 162

تقدّم من إرادة الجنس لا العدد. فتدبّر.

إنّ الشّيخوخة والصّبا من الأدوار المارّة على الإنسان، وقد تناول القرآن الكريم أكثرها، من كونه ترابا: وهو أوّلها، ثمّ نباتا، ثمّ نطفة، ثمّ علقة، ثمّ مضغة، ثمّ جنينا، ثمّ رضيعا، ثمّ طفلا، فغلاما، فمراهقا، ويافعا، وباقلا، وفتى، وشارخا، وكهلا، وشيخا، ويفنا، وميّتا، وجنازة، وغيرها من أسماء ذكر بعضها الثّعالبيّ وغيره.

و لو لا ضيق المجال لجئنا عليها، وأثبتناها من الكتاب والسّنّة والكلمات، ولاستدعى ذلك إلى وضع كتاب خاصّ جامع لجميعها بالأسر.

 

و قد عرفت مضرب المثل ممّا سلف من نقل الميدانيّ وغيره وهل المراد به شخص معهود الحقّ هو العموم.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 163

52-  ربّ بعيد أقرب من قريب

في كلام له عليه السّلام: «و ربّ بعيد أقرب من قريب، وقريب أبعد من بعيد». وفي لفظ: «ربّ بعيد هو أقرب من قريب». وهذا المثل موافق للمثل السّائر: (ربّ بعيد لا يفقد برّه، وقريب لا يؤمن شرّه). و(ربّ أخ لك لم تلده أمّك)، يعني به: الصّديق، فإنّه ربّما أربى في الشّفقة على الأخ من الأب والأمّ. و(ربّ ابن عمّ ليس بابن عمّ).

قال الميدانيّ بعد المثل: هذا يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون شكاية من الأقارب: أي ربّ ابن عمّ لا ينصرك ولا ينفعك، فيكون كأنّه ليس بابن عمّ.

و الثّاني: أن يريد: ربّ إنسان من الأجانب يهتمّ بشأنك، ويستحي‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 164

من خذلانك، فهو ابن عمّ معنى، وإن لم يكن ابن عمّ نسبا، ومثله في احتمال المعنيين قولهم: (ربّ أخ لك لم تلده أمّك). أقول: احتمال المعنيين آت في قوله عليه السّلام: «ربّ بعيد أقرب من قريب»، بأن يضرب مثلا للشّكاية عن الأقارب، أخ أو ابن عمّ أو غيرهما إذا لم ينفعوك، وأن يضرب مثلا عن الأجانب المهتمّين بشأن الإنسان، فإنّهم أقرباء في المعنى، وإن لم يكونوا أقرباء نسبا. وهو معنى قوله عليه السّلام الآخر: «الموّدة قرابة مستفادة». و«الموّدة أشبك الأنساب». قال ابن أبي الحديد: وهذا معنى مطروق. قال الشّاعر:

         لعمرك ما يضرّك البعد يوما            إذا دنت القلوب من القلوب

 

جاءت الرّوايات والكلمات في القرب والبعد المعنويّين، والأمر بالأوّل، وإن لم يكن قريبا نسبيّا، والتّجنّب عن الثّاني، وإن كان من الأقربين، وأن لا يوادّ من حادّ اللَّه ورسوله وان كان أبا أو أخا، كما في آية: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ».

------------------------------------------------------------------- صفحة 165

و من الرّوايات: العلويّ: «و الإخوان صنفان: إخوان الثّقة، وإخوان المكاشرة. فأمّا إخوان الثّقة فهم الكفّ والجناح والأهل والمال». ومن الكلمات: الودّ أعطف من الرّحم. عليك بالإخوان، فإنّهم في الرّخاء زينة، وفي البلاء عدّة. النّفس بالصّديق آنس منها بالعشيق، وغزل المودّة أرقّ من غزل الصّبابة. لقاء الإخوان مسلاة للهموم.

و منها الإشارة إلى شروط المودّة:

         إن أخاك الصّدق من لم يخدعك           وإن رآك طالبا سعى معك‏

         ومن إذا ريب الزّمان صدعك              شتّت فيك شمله ليجمعك

 

المودّة الّتي لا أقرب منها هي المودّة في اللَّه عزّ وجلّ، وهي المعبّر عنها في الحديث بالحبّ في اللَّه، وروح اللَّه كما في قول المعصوم عليه السّلام: «إنّ من روح اللَّه ثلاثة: التّهجّد باللّيل، وإفطار الصّائم، ولقاء الإخوان».

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 166

53-  ربّ قول أنفذ من صول

قوله عليه السّلام: «ربّ قول أنفذ من صول». من الكلمات القصار الحكميّة الّتي صارت من الأمثال السّائرة بعد صدورها، وهذا المثل ذكره جمع، منهم المفضّل، والميدانيّ بعد إيراده بلفظ: (ربّ قول أشدّ من صول)، وكذا الزّمخشريّ قال: يضرب عند الكلام، يؤثّر فيمن يواجه به.

قال أبو عبيد: وقد يضرب هذا المثل فيما يتّقى من العار. وقال أبو الهيثم: (أشدّ) في موضوع خفض لأنّه تابع للقول، وما جاء بعد (ربّ) فالنّعت تابع له. قال الشّارح: قد قيل هذا المعنى كثيرا، فمنه قولهم:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 167

 

         والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر

 

و من ذلك: القول لا تملك إذا نما، كالسّهم لا تملكه إذا رمى وقال الشّاعر:

         وقافية مثل حدّ السّنا            ن تبقى ويذهب من قالها

         تخيّرتها ثمّ أرسلتها             ولم يطق النّاس إرسالها

 

و قال محمود الورّاق:

         أتاني منك ما ليس           على مكروهه صبر

         فأغضيت على عمد           وكم يغضي الفتى الحرّ

         وأدّبتك بالهجر              فما أدّبك الهجر

         ولا ردّك عمّا كا              ن منك الصّفح والبرّ

         فلّما اضطرّني المكرو        ه واشتدّ بي الأمر

         تناولتك من شعرى          بما ليس له قدر

         فحرّكت جناح الضّرّ         لمّا مسّك الضّرّ.

 

و قد جاء في العلويّ: «ربّ كلام كالحسام».

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 168

54-  ربّ ملوم لا ذنب له

قال الإمام أمير المؤمنين وإمام الهدى، أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.

في جواب كتاب معاوية: «و ما كنت لأعتذر من أنّي كنت أنقم عليه أحداثا فإن كان الذّنب إليه إرشادي وهدايتي له فربّ ملوم لا ذنب له،

         وقد يستفيد الظّنّة المتنّصح‏

 

و ما أردت إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه عليه توكّلت وإليه أنيب». هذا جزء من كلام له عليه السّلام بهذا الصّدد، حيث اتّهم معاوية الإمام عليه السّلام بالاشتراك في قتل عثمان، فأجاب عنه: بأنّي كنت ناقما عليه لأحداث ارتكبها، وليست هذه النّقمة شركة في قتل عثمان، بل كانت هداية له وإرشادا، فإن كنت يا معاوية تلومني على ذلك، «فرّب ملوم لا ذنب له»، وها أنا ذا ملوم بلا ذنب ركبته.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 169

قال الزّمخشريّ: (ربّ ملوم لا ذنب له) قال الأحنف لرجل ذمّ عنده الكمأة مع السّمن. قال: (المتقارب)

         فلا تلم المرء في شأنه            فرّب ملوم ولم يذنب

 

و (ربّ لائم مليم)، وهو معاوية وأضرابه من قالة الباطل. قيل: قال: (ربّ ملوم لا ذنب له)، هو أكثم بن صيفيّ، يقول: قد ظهر للنّاس منه أمر أنكروه عليه، وهم لا يعرفون حجّته وعذره، فهو يلام عليه، وذكروا: أنّ رجلا في مجلس الأحنف بن قيس قال: ليس شي‏ء أبغض إليّ من التّمر والزّبد. فقال الأحنف: (ربّ ملوم لا ذنب له). تقدّم انتماء المثل إلى الأحنف من صاحب المستقصى.

ثمّ الملامة أشدّ مراتب العتاب وهي تخطئ وتصيب.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 170

55-  رجع الحقّ إلى أهله

«لا يقاس بآل محمّد صلّى اللَّه عليه-  وآله وسلّم-  من هذه الأمّة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا. هم أساس الدّين، وعماد اليقين، إليهم يفي‏ء الغالي، وبهم يلحق التّالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة. الآن إذ رجع الحّق إلى أهله، ونقل إلى منتقله». هذا فصل من فصول خطبة له عليه السّلام بعد انصرافه من صفّين.

و في معنى المثل المذكور ما جاء من أمثال العرب: (عاد السّهم إلى النّزعة): أي رجع الحقّ إلى أهله، والنّزعة: الرّماة من (نزع في قوسه): أي رمى، فإذا قالوا: (عاد الرّمي على النّزعة) كان المعنى: عاد عاقبة الظّلم على الظّالم، ويكنّى بها عن الهزيمة تقع على القوم. ومنها: (عاد الأمر إلى نصابه)، يضرب في الأمر يتولّاه أربابه.

                       

-------------------------------------------------------------------صفحة 171

يريد عليه السّلام بذلك: رجوع الخلافة بعد اغتصابها إليه أيّام خلافته. وتأوّل الكلام المعتزليّ بما يأباه العقل والنّقل، قال: وهذا يقتضي أن يكون فيما قبل في غير أهله. ونحن نتأوّل ذلك على غير ما تذكره الإماميّة.

و نقول: إنّه عليه السّلام كان أولى بالأمر وأحقّ، لا على وجه النّصّ على الخلافة، بل على وجه الأفضليّة... لكنّه ترك حقّه لما علمه من المصلحة... ليتني دريت ما حمل المعتزليّ على سحق عقله، حتّى يتناقض في القول إن كان عليه السّلام كما يقول: إنّه أحقّ بالخلافة من جميع المسلمين بحكم العقل، وإنّه أفضل البشر، فكيف يهمل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم النّصّ عليه حتّى يختاروا من هو أدنى وهل هذا إلّا تغريرا منفيّا عنه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم وهل يشكّ عربيّ في معنى «رجع الحقّ إلى أهله»: أنّ من قبله غير أهل له والكلام المتقدّم ينصّ على انحصار الوصاية والوراثة، وهي الخلافة المنصوصة.

قال المعتزليّ: ولسنا نعني بالوصيّة: النّصّ على الخلافة، ولكن أمور أخرى. نعم أمور أخرى حملتك على ذلك والحديث ذو شجون.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 172

56-  ردّوا الحجر من حيث جاء

قال عليه السّلام: «ردّوا الحجر من حيث جاء، فإنّ الشّرّ لا يدفعه إلّا الشّرّ». قال الشّارح: هذا مثل قولهم في المثل: (إنّ الحديد بالحديد يفلح). وقال عمرو بن كلثوم:

         ألا لا يجهلن أحد علينا            فنجهل فوق جهل الجاهلينا

 

و قال الفند الزّمانيّ:

         فلمّا صرّح الشّرّ                 فأمسى وهو عريان‏

         ولم يبق سوى العدوا       ن دنّاهم كما دانوا

         وبعض الحلم عند            الجهل للذّلّة إذعان‏

         وفي الشّرّ نجاة حين         لا ينجيك إحسان‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 173

و قال الأحنف:

         وذي ضغن أمّت القول عنه            بحلمي فاستمرّ على المقال‏

         ومن يحلم وليس له سفيه            يلاق المعضلات من الرّجال

 

قال الميدانيّ: (ردّ الحجر من حيث جاءك): أي لا تقبل الضّيم، وارم من رماك. ومن أمثال متناسبة: (الشّرّ بالشّرّ ملحق)، (و الشّرّ للشّرّ خلق) وقد جاء في صادقيّ: «إنّ اللّعنة إذا خرجت من في صاحبها تردّدت، فإن وجدت مساغا وإلّا رجعت على صاحبها». والغرض من ردّ الحجر منع تجاوز الظّالم الغاشم، بردّ ظلمه إليه فإنّ الظّلم شرّ، وشرّ منه صاحبه: أي الظّالم، وانظر نظير المثل. فاذا لم يردّ على المتجاوز تجاوزه ازداد تجاوزا، وإذا عومل بمثل ما صنع ارتدع، فصبر المظلوم زيادة في ظلم الظّالم، ولا ينافيه ما جاء في الصّبر، فإنّ ذلك فيما لم يمكن ردّ الظّلم. وحمل الحجر على معناه الظّاهريّ لا يمنع من معناه المثليّ من ردّ ظلم الظّالم إليه.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 174

57-  ركب الجهل مراكبه

كلمة تمثيليّة من تمثيلات الإمام عليه السّلام من خطبة في الملاحم: «... فعند ذلك أخذ الباطل مآخذه، وركب الجهل مراكبه...». بحثنا عن عدّة تمثيلات في الخطبة، منها: «صال الدّهر صيال السّبع العقور»، و«ليصدق الرّائد أهله»، و«خلق لكم الأمر خلق الخرزة». وغيرها المذكور منها في هذه الخطبة.

(ركب ومراكب) من الرّكب: الرّاء والكاف والباء. أصل منقاس، وهو علوّ شي‏ء شيئا. يقال: ركب ركوبا يركب، والرّكاب: المطي واحدتها راحلة. (ماله ركوبة ولا حمولة): أي ما يركبه، ويحمل‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 175

عليه. والمراكب جمع المركب البحريّ والبريّ والجويّ، يختلف المراد منه حسب المقام.

و الجهل يقابله العلم تارة، والعقل أخرى. وجاء في القرآن الكريم، من الأوّل قوله تعالى: قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ. ومن الثّاني يشير قوله عزّ وجلّ: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ. أمّا الرّوايات فحدّث ولا حرج: «من قال: أنا عالم فهو جاهل» و«لا فقر أشدّ من الجهل، ولا عدم أشدّ من عدم العقل»: ويكفيك ما جاء من حديث جنود العقل والجهل. وما سئل عليه السّلام عن وصف العاقل، قال: «الّذي يضع الشّي‏ء مواضعه، وسئل عن الجاهل، فقال عليه السّلام: أجبت». والشّعر المنسوب إليه:

         والجاهلون لأهل العلم أعداء.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 176

و غير ذلك والسّرّ فيه أنّ الإنسان مهما بلغ من العلم ما لم يتعقّله، ولم يعمل على طبقه فهو جاهل لأنّ العلم سلّم العمل، فلو لم يكن عمل، كان السّلّم عبثا، لا يصنعه إلّا الجاهل.

ثمّ قوله عليه السّلام: «ركب الجهل مراكبه» إشارة إلى انغمار النّاس في ذلك الزّمان في الجهل، وأنّ أعمالهم وأقوالهم وما يزاولونه-  مهما كان نوعها-  بعيدة عن الصّواب، وفاقدة الحقيقة والحقّ المنشود، وليس فيها من نور، وكيف لا والعلم مخزون عند أهله، وهم الأنبياء وأوصياؤهم عليهم السّلام، ولم يحصل إلّا بالسّؤال عنهم والتّعلّم منهم.

قال أبو جعفر عليه السّلام لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: «شّرّقا وغرّبا، فلا تجدان علما صحيحا إلّا شيئا خرج من عندنا أهل البيت». فإذا لم يبق من القرآن إلّا رسمه، ولا من الإسلام في ذلك الزّمان إلّا اسمه، فمن أين يكون العلم فلا محالة يركب الجهل مراكبه بشتّى أنواع الرّكوب، وفي كلّ مكان تجده حاضرا، إذا غار العلم وفاض الجهل إلى اللَّه تعالى المشتكى.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 177

58-  ركبنا أعجاز الإبل

و الأصل فيه قوله عليه السّلام: «لنا حقّ، فإن أعطيناه وإلّا ركبنا أعجاز الإبل، وإن طال السّرى».

قال الرّضيّ رحمه اللَّه تعالى: وهذا القول من لطيف الكلام وفصيحه، ومعناه: أنّا إن لم نعط حقّنا كنّا أذلاء، وذلك أنّ الرّديف يركب عجز البعير، كالعبد والأسير، ومن يجري مجراهما. قال بعض الشّرّاح: له تفسيران: أحدهما: أنّ راكب عجز البعير يلحقه مشقّة وضرر. فأراد: أنّا إذا منعنا حقّنا صبرنا على المشقّة والمضرّة، كما يصبر راكب عجز البعير. وهذا التّفسير قريب ممّا فسّره الرّضيّ.

و الوجه الثّاني: أنّ راكب عجز البعير إنّما يكون إذا كان غيره قد ركب على ظهر البعير، وراكب ظهر البعير متقدّم على راكب عجز البعير.

فأراد: أنّا إذا منعنا حقّنا تأخّرنا وتقدّم غيرنا علينا، فكنّا كالرّاكب‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 178

رديفا لغيره.

و أكّد المعنى على كلا التّفسيرين بقوله: «و إن طال السّرى» لأنّه إذا طال السّرى كانت المشقّة على راكب البعير أعظم، وكان الصّبر على تأخّر راكب عجز البعير عن الرّاكب على ظهره أشدّ وأصعب... قاله يوم الشّورى. وقال آخر: عليّ رضي اللَّه تعالى عنه-  عليه السّلام-  قال يوم الشّورى: لنا حقّ إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السّرى. هذا مثل لركوبه الذّلّ والمشقّة وصبره عليه وإن تطاول ذلك، وأصله أنّ الرّاكب إذا اعرورى البعير ركب عجزه من أصل السّنام، فلا يطمئنّ ويحتمل المشقّة. وأراد بركوب أعجاز الإبل: كونه ردفا تابعا، وأنّه يصبر على ذلك وإن تطاول به. ويجوز أن يريد: وإن نمنعه نبذل الجهد في طلبه، فعل من يضرب في ابتغاء طلبته أكباد الإبل، ولا يبالي باحتمال طول السّرى. وهكذا غيرهما من الجمهور قد خصّصوا كلامه عليه السّلام بيوم الشّورى بعد وفاة عمر واجتماع الجماعة لاختيار واحد من السّتّة.

و ليت شعري لم خصّصوه بذلك وهل كان منع القوم الإمام عليه السّلام من حقّ الخلافة من بعد عمر وكان له ولصاحبه الحقّ ما ليس له عليه السّلام منه نصيب أو خصّهما اللَّه ورسوله به دونه أو أنّه خاصّ به، تقمصّه القوم اختر ما شئت.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 179

59-  رمى بأفوق ناصل

مثل سائر ضربه عليه السّلام في خطبة له، منها: «أيّ دار بعد داركم تمنعون ومع أيّ إمام بعدي تقاتلون المغرور واللَّه من غررتموه، ومن فاز بكم فقد واللَّه بالسّهم الأخيب، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل». ورواه الشّيخ المجلسيّ، وجمع من الجمهور، منهم ابن الأثير قال: ومنه حديث عليّ-  عليه السّلام- : «و من رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل»: أي رمى بسهم منكسر الفوق، لا نصل فيه. والميدانيّ في مجمع الأمثال بلفظ: (رجع بأفوق ناصل)، وقال: النّاصل: السّهم سقط نصله، والأفوق: الّذي انكسر فوقه. يضرب لمن رجع عن مقصده بالخيبة، أو بما لا غناء عنده.

------------------------------------------------------------------- صفحة 180

و في هامش البحار، الأفوق من السّهام: المكسور الفوق. والفوق: موضع الوتر من السّهم. والنّاصل: العاري عن النّصل. ولا يخفى طيش السّهم الّذي لا فوق له ولا نصل فإنّه لا يكاد يتجاوز عن القوس: أي من رمى بهم فكأنّما رمى بسهم لا يثبت في الوتر حتّى يرمي، وإنّ من رمى به لم يصب مقتلا إذ لا نصل له. قوله عليه السّلام: «أيّ دار بعد داركم تمنعون» لقد كتبت الذّلّة والعار على قوم غزوا في عقر دارهم. وكذلك قومه عليه السّلام حيث أنّ قصّة الضّحّاك، دعت الإمام عليه السّلام على أن يخطب هذه الخطبة المليئة بالشّكوى، وكانت غارة الضّحّاك بعد الحكمين وقبل قتال النّهروان، حيث حثّ عليه السّلام الجيش على قتال معاوية، ولمّا بلغه ذلك هاله، فصاح إنّ عليّا قد سار إليكم، ودعا معاوية الضّحّاك، وقال له: سر حتّى تمرّ به بناحية الكوفة، فمن وجدته من الأعراب في طاعة عليّ، فأغر عليه، وإن وجدت له مسلحة أو خيلا فأغر عليها، فأقبل الضّحّاك، فنهب الأموال، وقتل من لقي من الأعراب-  إلى آخره- .

و قال الشّيخ الكلينيّ رحمه اللَّه: استصرخ أمير المؤمنين عليه السّلام الناس عقيب غارة الضّحّاك على أطراف أعماله، فتقاعدوا عنه فخطبهم فقال: «ما عزّت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم».

                       

الأمثال‏ والحكم ‏المستخرجة من ‏نهج‏ البلاغة، صفحة 181

من فقرات الخطبة المذكورة فيها الكلمة التّمثيليّة، ومن ذلك تعرف الشّكوى العلويّة بادية الملامح عليها، وهي كلمة لا يقولها إلّا من ابتلى بقوم لا يستطيع وفاقهم ولا فراقهم، فإن وافقهم ضلّ، وإن فارقهم زلّ، ولعمر الحقّ أنّه المصيبة من مثل أمير المؤمنين الحجّة البالغة الرّبانيّة أن يبتلي بأصحاب لا يليقون به.

قوله عليه السّلام: «و مع أيّ إمام بعدي تقاتلون» نظير قوله تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ. يقال ذلك: لغير المؤمن بالحقّ الجاحد له قلبا.

و قوله عليه السّلام: «المغرور واللَّه من غررتموه»، القسم فيه لتهويل ما يزاولونه من التّمرّد على إمامهم وعصيانهم، والكلام مسوق للشّكوى، كما ذكرنا ذلك عند المثل: «فاز... بالسّهم الأخيب».

من سائر خطبه الدّالّة على بلوغ انضجاره عليه السّلام الغاية من صنع أصحابه، ومن ذلك قوله عليه السّلام في ذمّهم: «لوددت واللَّه أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدّينار بالدّرهم، فأخذ منّي عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم يا أهل الكوفة منيت منكم بثلاث واثنتين: صم ذوو أسماع، وبكم ذو وكلام، وعمي ذو وأبصار، لا أحرار صدق عند اللّقاء، ولا إخوان ثقة عند البلاء».

------------------------------------------------------------------- صفحة 182

يدلّ على حقيقة الأمر، علمه بالحقائق وجهلهم بها.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 183

حرف الزّاي

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 184

60-  زرعوا الفجور... وحصدوا الثّبور

من خطبة مطوّلة له عليه السّلام، ومنها في المنافقين: «زرعوا الفجور وسقوه الغرور، وحصدوا الثّبور». قال المعتزليّ: جعل ما فعلوه من القبيح بمنزلة زرع زرعوه ثمّ سقوه، فالّذي زرعوه الفجور، ثمّ سقوه بالغرور، والاستعارة واقعة موقعها لأنّ تمادّيهم وما سكنت إليه نفوسهم من الإمهال، هو الّذي أوجب استمرارهم على القبائح الّتي واقعوها، فكان ذلك كما يسقى الزّرع ويربّى بالماء ويستحفظ.

ثمّ قال: «و حصدوا الثّبور»: أي كانت نتيجة ذلك الزّرع والسّقي حصاد ما هو الهلاك والعطب. وإشارته هذه ليست إلى المنافقين، كما ذكره الرّضيّ رحمه اللَّه، وإنّما هي إشارة إلى من تغلّب عليه، وجحد حقّه كمعاوية وغيره. ولعلّ الرّضيّ رحمه اللَّه تعالى عرف ذلك وكنّى عنه.

------------------------------------------------------------------- صفحة 185

نعم إنّما معاوية رأس المنافقين، فكلمة المنافقين شاملة له ولغيره من الرّؤساء، والملاك عموم لفظ الإمام عليه السّلام، المنطبق على كلّ من كانت صفته ذلك، ثمّ الكلام صالح للمثل إن لم يكن نفسه.

و نظيره المثل النّبويّ السّائر: «من يزرع خيرا يحصد رغبة، ومن يزرع شرّا يحصد ندامة». ذكرناه في كتاب (الأمثال النّبويّة) وقلنا: يصحّحه صحيح أبي بصير، قال: «دخل رجلان على أبي عبد اللَّه عليه السّلام في مداراة بينهما ومعاملة، فلمّا أن سمع كلامهما قال: أما أنّه ما ظفر أحد بخير من ظفر بظلم، أما أنّ المظلوم يأخذ من دين الظّالم أكثر ممّا يأخذ الظّالم من مال المظلوم. ثمّ قال: من يفعل الشّرّ بالنّاس فلا ينكر الشّرّ إذا فعل به، أما أنّه إنّما يحصد ابن آدم ما يزرع، وليس يحصد أحد من المرّ حلوا، ولا من الحلو مرّا، فاصطلح الرّجلان قبل أن يقوما». مثل الصّادق عليه السّلام قد حوى طرفي المثل السّائر: الخير والشّرّ.

و من أمثال العرب: (أعجز من جاني العنب من الشّوك) هذا أيضا من قول الشّاعر:

         إذا وترت امرأ فاحذر عداوته            من يزرع الشّوك لا يحصد به عنبا

 

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 186

قال حمزة: وهذا الشّاعر أخذ هذا المثل من حكيم من حكماء العرب من قوله: (من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرّا يحصد ندامة، ولن يجتني من شوكة عنبة). المثل هو المثل النّبويّ، ولعلّ الحكيم يريد به النّبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم. وكيف كان، أنّ زارع الفجور المستقى بماء الغرور لا يحصد سوى الثّبور والويل والهلاك.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 187

حرف السّين

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 188

61-  سروح عاهة بواد وعث

أحد الأمثال الّتي ضربها في وصيّته لابنه الحسن عليهما السّلام، قال فيها: «و إيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد أهل الدّنيا إليها، وتكالبهم عليها، فقد نبّأك اللَّه عنها، ونعتت لك نفسها، وتكشّفت لك عن مساويها فإنّما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية، يهرّ بعضها على بعض، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها. نعم معقّلة، وأخرى مهملة، قد أضلّت عقولها، وركبت مجهولها. سروح عاهة بواد وعث، ليس لها راع يقيمها، ولا مسيم يسيمها......». وهي وصيّة مطوّلة، أخذنا منها ما يربط المثل الجاري.

قال الشّارح: ثلاثة أمثال محرّكة لمن عنده استعداد. استقرأني أبو الفرج محمّد بن عبّاد رحمه اللَّه-  وأنا يومئذ حدث-  هذه الوصيّة، فقرأتها عليه من حفظي، فلمّا وصلت إلى هذا الموضع صاح صيحة شديدة وسقط، وكان جبّارا قاسي القلب.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 189

(سروح عاهة) السّروح، جمع سرح: وهو المال السّارح. والعاهة: الآفة. و(واد وعث): لا يثبت الحافر والخفّ فيه، بل يغيب فيه ويشقّ على من يمشي فيه. أو السّروح: الأغنام.

يقول عليه السّلام: أهل الدّنيا كلاب عاوية، وسباع جائعة، يتناهشن على جيف، أو أغنام سائمة ترعى، ومعقّلة متحيرّة في أودية لا يثبت فيها خفّ ولا حافر، لا راعي يرعاها، وقد اعتورتها الآفات من كلّ جوانبها. برزت في كلامه عليه السّلام حقائق أهل الدّنيا وبوائق ما زالت الأيّام تخفيها، وسوف يحشر النّاس على ما هم فيه من صفات الحيوانات، كما جاء في تفسير «وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ». يأتون يوم القيامة على صور ما كانوا يزاولون من صفات الكلاب والسّباع وغيرها.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 190

62-  السّعيد من وعظ بغيره

من خطبة له عليه السّلام، قال فيها: «السّعيد من وعظ بغيره، والشّقيّ من انخدع لهواه وغروره». قال ابن أبي الحديد: قوله: «السّعيد...» مثل من الأمثال النّبويّة. ونحن ذكرناه في كتابنا (الأمثال النّبويّة) ولكن لم يمنع كونه مثلا علويّا أيضا، وفي الحكم المنسوبة إليه عليه السّلام بلفظ: «السّعيد من وعظ بغيره، والشّقيّ من اتّعظ به غيره». وذكره الشّيخ المحموديّ في باب كتبه وخطبه. وهو من المثل السّائر.

قال الميدانيّ: «السّعيد من وعظ بغيره»: أي ذو الجدّ من اعتبر بما لحق غيره من المكروه، فيجتنب الوقوع في مثله.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 191

قيل: إنّ أوّل من قال ذلك مرثد بن سعد، وفد عاد الّذين بعثوا إلى مكّة يستسقون لهم فلمّا رأى ما في السّحابة الّتي رفعت لهم البحر من العذاب أسلم مرثد، وكتم أصحابه إسلامه، ثم أقبل عليهم، فقال: مالكم حيارى كأنّكم سكارى إنّ السّعيد من وعظ بغيره، ومن لم يعتبر الّذي بنفسه يلقى نكال غيره. فذهبت من قوله أمثالا. وقال العسكريّ: (قولهم: السّعيد من وعظ بغيره) من قول الحرث ابن كلدة:

         إنّ اختيارك لا عن خبرة سلفت           إلّا الرّجاء وقد ما يخطى‏ء البصر

         كالمستغيث ببطن السّيل يحسبه          حرزا يبادره إذ بلّه المطر

         فقد رأيت بعبد اللَّه واعظة                تنهى الحليم فما أنساني الغرر

         إنّ السّعيد له في غيره عظة               وفي الحوادث تحكيم ومعتبر

         لا أعرفنّك إن أرسلت قافية               تلقى المعاذير إن لم تنفع العذر

 

لم يأت اسم السّعيد والشّقي في القرآن الكريم إلّا في موضوع جامع، وهو قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ. وموضع تفريق: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ‏

------------------------------------------------------------------- صفحة 192

 خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ. وقوع الاستثناء في الأشقياء المعلّق على المشيئة المشترك مفهوم من قوله تعالى: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ، وأمّا السّعداء فلم يخرجهم الاستثناء لقوله تعالى: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ الدّال على عدم انقطاع النّعيم عنهم، وإنّما التّعليق على المشيئة لبيان القدرة فقط لا الوقوع، فافهم، والخارج من الأشقياء طائفة مذنبون من أهل التّوحيد من النّار بالشّفاعة. والشّقيّ: المخالف لآل محمّد عليهم السّلام، والمطيع: هو السّعيد لأنّ الخلاف عليهم الخلاف على اللَّه والرّسول، وإطاعتهم إطاعتهما، كما جاء ذلك في زيارة المهديّ عجّل اللَّه فرجه الشّريف المبدوءة ب «سلام على آل يس»، «شقي من خالفكم، وسعد من أطاعكم». وفي السّعادة والشّقاوة أبحاث كلاميّة، تأتي في محلّها إن شاء اللَّه تعالى والغرض هنا الإشارة.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 193

63-  سل عن الرّفيق قبل الطّريق، وعن الجار قبل الدّار

في الوصيّة لابنه الحسن عليهما السّلام: «سل عن الرّفيق قبل الطّريق، وعن الجار قبل الدّار». قال المعتزليّ: وقد روي هذا الكلام مرفوعا، وفي المثل: (جار السّوء كلب هارش، وأفعى ناهش). وفي المثل: (الرّفيق: إمّا رحيق أو حريق). يريد بالرّواية: النّبويّ: «الجار ثمّ الدّار، الرّفيق ثمّ الطّريق». فهو مثل سائر نبويّ وعلويّ. قال الميدانيّ: وكلاهما يروى عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه-  وآله-  وسلّم.

قال أبو عبيد: كان بعض فقهاء أهل الشّام يحدّث بهذا الحديث، ويقول: معناه: إذا أردت شراء دار فسل عن جوارها قبل شرائها.

------------------------------------------------------------------- صفحة 194

 

و يحتمل الإيصاء بالجار بأن لا يجوع وتشبع، وتشرب ويظمأ، وتكسى ويعرى، وكلّ ما أنت فيه من سرور وحبور يفقده ففي نبويّ: «من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم جاره». وآخر: «و الّذي نفسي بيده لا يسلم العبد حّتى يسلم قلبه ولسانه، ويأمن جاره بوائقه قالوا: وما بوائقه قال: غشمه، وظلمه». وقال لقمان: «يا بنيّ حملت الحجارة والحديد، فلم أر شيئا أثقل من جار السّوء». وأنشدوا:

         ألا من يشتري دارا برخص            كراهة بعض جيرتها تباع

 

و عند المثل النّبويّ بعد قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى‏ وَالْيَتامى‏ وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ. قسّمنا الجار إلى قريب الدّار أو بعيدها، وهما: إمّا قريب، أو أجنبيّ، فالجار الرّحم قريبا أو بعيدا داخل في «وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ»، والأجنبيّ القريب والبعيد في «وَ الْجارِ الْجُنُبِ»، «وَ الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ» هو الّذي يصحبك في السّفر جنبا إلى جنب.

------------------------------------------------------------------- صفحة 195

و في وصيّته عليه السّلام لمّا ضربه ابن ملجم: «... واللَّه اللَّه في جيرانكم فإنّهم وصيّة نبيّكم ما زال يوصي بهم حتّى ظننّا أنّه سيورّثهم». قال المعتزليّ: وكان يقال: الجيران خمسة: الجار الضّار السّيّى‏ء الجوار، والجار الدّمس الحسن الجوار، والجار اليربوعيّ المنافق، والجار البراقشيّ المتلوّن في أفعاله، والجار الحسد ليّ الّذي عينه تراك، وقلبه يرعاك. الدّمس (بالسّين): الشّدّة وفي بعض النّسخ: (و الجار الدّمث): أي ليّن الخلق، وسهله. وهو أنسب.

و من أدب الجوار الصّبر على الأذى فضلا عن الأذى: ليس حسن الجوار كفّ الأذى، ولكنّ حسن الجوار الصّبر على الأذى.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 196

64-  سيرعف بهم الزّمان

من كلام له عليه السّلام لمّا أظفره اللَّه بأصحاب الجمل، وقد قال له بعض أصحابه: وددت أنّ أخي فلانا كان شاهدا ليرى ما نصرك اللَّه به على أعدائك، فقال عليه السّلام: «أهوى أخيك معنا فقال: نعم، قال: فقد شهدنا، ولقد شهدنا في عسكرنا هذا قوم في أصلاب الرّجال، وأرحام النّساء، سيرعف بهم الزّمان، ويقوى بهم الإيمان». إن لم يكن الكلام من المثل في شي‏ء، فإنّه من باب التّمثيل بالصّميم لما ستعرفه بعد قليل.

رعف الرّجل، من بابي (قتل، ونفع): إذا خرج الدّم من أنفه. ويدّل على سبق وتقدّم، فرس راعف: سابق متقدّم. قال الأعشى:

         به ترعف الألف إذ أرسلت            غداة الصّباح إذا النّقع ثارا.

 

قال المعتزليّ: يرعف بهم الزّمان: يوجدهم ويخرجهم، كما يرعف‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 197

الإنسان بالدّم الّذي يخرجه من أنفه، قال الشّاعر:

         وما رعف الزّمان بمثل عمرو            ولا تلد النّساء له ضريبا.

 

تمثيل بما يأتي الدّم من الأنف من غير انتظار وحسبان، وهو المعبّر بالرّعاف، وكرّر في الحديث، ففي علويّ: «لا يقطع الصّلاة الرّعاف ولا القي‏ء ولا الأزّ». وصحيح الحلبيّ عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام، قال: «سألته عن رجل رعف، فلم يرق رعافه، حتّى دخل وقت الصّلاة، قال: يحشو أنفه بشي‏ء ثمّ يصلّي». قال الخطيب، نقلا عن البرقيّ: «لمّا قتل أمير المؤمنين عليه السّلام الخوارج يوم النّهروان، قام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين طوبى لنا إذ شهدنا معك هذا الموقف، وقتلنا معك هؤلاء الخوارج، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة لقد شهدنا في هذا الموقف أناس لم يخلق آباؤهم ولا أجدادهم بعد، فقال الرّجل: وكيف شهدنا قوم لم يخلقوا قال: بلى، قوم يكونون في آخر الزّمان، يشركوننا فيما نحن فيه، وهم يسلّمون لنا، فأولئك شركاؤنا فيما نحن فيه حقّا حقّا». ومصدر الشّريف غير هذه الرّواية، وتعدّد القضيّة ممكن، واتّحادها ممكن... «فلكلّ أمرئ ما نوى» و«الأعمال بالنّبيّات» و«من أحبّ‏

------------------------------------------------------------------- صفحة 198

عمل قوم أشرك في عملهم» و«إنّما يجمع النّاس الرّضا والسّخط». روى المحدّث القمّيّ رحمه اللَّه عن عطيّة العوفيّ، قال: خرجت مع جابر بن عبد اللَّه الأنصاري رحمه اللَّه زائرين قبر الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السّلام، فلمّا وردنا كربلاء، دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل، ثمّ ائتزر بإزار، وارتدى بآخر، ثمّ فتح صرّة فيها سعد فنثرها على بدنه، ثمّ لم يخط خطوة إلّا ذكر اللَّه حتّى دنا من القبر، قال: ألمسنيه، فألمسته، فخرّ على القبر مغشيّا، فرششت عليه شيئا من الماء فأفاق، ثمّ قال: يا حسين ثلاثا، ثمّ قال: حبيب لا يجيب حبيبا، ثمّ قال: وأنّى لك بالجواب، وقد شحطت أوداجك على أثباجك، وفرّق بين بدنك ورأسك... ثمّ قال: والّذي بعث محمّدا صلّى اللَّه عليه وآله-  وسلّم-  بالحقّ لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.

قال عطيّة: فقلت لجابر: وكيف ولم نهبط واديا، ولم نعل جبلا، ولم نضرب بسيف، والقوم قد فرّق بين رؤوسهم وأبدانهم، وأوتمت أولادهم، وأرملت الأزواج فقال: يا عطيّة سمعت حبيبى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله-  وسلّم-  يقول: من أحبّ قوما حشر معهم، ومن أحبّ عمل قوم أشرك في عملهم، والّذي بعث محمّدا صلّى اللَّه عليه وآله-  وسلّم-  بالحقّ إنّ نيّتي ونيّة أصحابي على ما مضى عليه الحسين عليه السّلام وأصحابه. ذكرناه لمناسبة البحث الجاري.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 199

حرف الشّين

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 200

65-

         شتّان ما يومي على كورها            ويوم حيّان أخي جابر

 

 

 من الأبيات المعدودة من الأمثال:

         شتّان ما يومي على كورها...

 

تمثّل عليه السّلام بالبيت في خطبته المعروفة ب (الشّقشقيّة).

قال المعتزليّ: إنّ البيت للأعشى الكبير، أعشى قيس، وهو أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل. من القصيدة الّتي قالها في منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطّفيل. وأوّلها:

         شاقتك من قتلة أطلاها           بالشّط فالوتر إلى حاجر

         فركن مهراس إلى مارد         فقاع منفوحة ذي الحائر

         دار لها غيّر آياتها              كلّ ملثّ صوبه زاخر

 

و الضّمير في (كورها) في البيت المتمثّل به يعود على النّاقة في بيت‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 201

متقدّم عليه، وهو قوله:

         وقد أسلى الهمّ حين اعترى            بجسرة دوسرة عاقر

 

 

و حيّان: اسم رجل من بني حنيفة، كان سيّدا مطاعا، وذا نعمة وافرة، وكان الأعشى ينادمه. وجابر: أخو حيّان، أصغر منه، وذكره الشّاعر للقافية.

و معنى البيت: فرق كبير ما بين سفري على ناقتي وبين يوم حيّان في نعمته الوافرة. يشير عليه السّلام به إلى أنّ هناك فرقا بين يومه في الخلافة مع ما انتقض عليه من الأمر، ومع يوم عمر، حيث وليها على قاعدة ممهّدة.

------------------------------------------------------------------- صفحة 202

و حصيلة ذلك، أنّ الفرق بين راكب النّاقة الرّاقلة به، وحيّان المتنعّم بنعمة ناعمة وراحة، هو الفرق بيني في خلافتي الّتي انتقض عليّ أمرها، وبين عمر الّذي مهّدت له الأمور، كما أراد وأرادها الأوّل، وهذا من دلالات مظلوميّته عليه السّلام واغتصاب حقّه الثّابت، فلو كان الأمر على ضوء وصاية النّبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم سائرا، لما اغتصب حقّ الخلافة منه، ولا حقّ إلى يوم القيامة.

66-  شحذ القين النّصل

من خطبة له عليه السّلام يقول فيها: «يا قوم هذا إبّان ورود كلّ موعود، ودنوّ من طلعة ما لا تعرفون، ألا وإنّ من أدركها منّا يسري بسراج منير، ويحذو فيها على مثال الصّالحين، ليحلّ فيها ربقا، ويعتق فيها رقّا، ويصدع شعبا، ويشعب صدعا في سترة عن النّاس، لا يبصر القائف أثره ثمّ ليشحذنّ فيها قوم شحذ القين النّصل...». في الدّعاء: «أعوذ بك من عدوّ شحذ لي ظبة مديته»: أي حدّ لي، من قولهم: شحذت السّكين، أشحذه شحذا، من باب منع: إذا حددته.

------------------------------------------------------------------- صفحة 203

و القين: الحدّاد، والجمع أقيان، ويقال للعبد: القين بالفتح، وجمعه القيان. والأوّل المراد هنا إذ الإمام عليه السّلام يريد بقوله: «و دنوّ من طلعة ما لا تعرفون» إلى آخره: الإخبار بمجي‏ء الإمام المهديّ عجّل اللَّه فرجه الشّريف، ونقبائه المعبّر عنهم بقوله عليه السّلام: «ثمّ ليشحذنّ فيها- : أي في الطّلعة غير المعروفة-  قوم شحذ القين النّصل» تمثيل لأذهانهم المتجلّية بأنوار القرآن، كأنّها شحّذت: أي حدّدت حتّى أصبحت تدرك كلّ شي‏ء.

كيف لا ولأبصارهم البرق الرّبّانيّ، ولأسماعهم الاتّصال بالوحي يقذف فيها الحقائق قذفا لها مباشرة، فيشربون من كؤوس الحكمة القرآنيّة في الصّبوح والغبوق، وهذا ما أشار إليه عليه السّلام بقوله: «تجلّى بالتّنزيل- : أي القرآن-  أبصارهم، ويرمى بالتّفسير في مسامعهم، ويغبقون كأس الحكمة بعد الصّبوح». كما أنّ الشّحّاذ المجلي عن السّيوف الزّنجار وخبث الحديد، كذلك القرآن الكريم مجل لأذهانهم كلّ كدر الطّبيعة، فتستنير بأنواره، ويخبرون عن الحقائق، أولئك أولياء الحجّة عليه السّلام، وشأن كلّ عالم ربّاني مهما كان، وأين ما كان يتلقّون الوحي، وتلقى في مسامعهم معانيه وأسراره.

ثمّ المثل يماثله من بعض الوجوه المثلان النّبويّان: «إنّ هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد» و«إنّ للقلوب صدأ كصدأ الحديد، وجلاؤها

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 204

الاستغفار وتلاوة القرآن». وأمّا المثل في القين وإن لم يرتبط بالمراد فهو المثل: (إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنّه مصبح). وهو سعد القين، صار مثلا في الكذب والباطل. وقال العسكريّ: قولهم: (إذا سمعت بسرى القين فأصبح) يضرب مثلا للرّجل يعرف بالكذب، حتّى يردّ صدقه، وأصله أنّ القين، وهو الحدّاد، إذا كسد عمله أشاع بارتحاله، وهو يريد الإقامة، وإنّما يذكر الرّحيل ليستعمله أهل الماء، ثمّ إذا صدق لم يصدّق لأنّ من عرف بالصّدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه. ثمّ إنّ الإمام عليه السّلام يشير في خطبته إلى زمان ظهور الحجّة المهديّ عجّل اللَّه فرجه، ونقبائه المشحذة أذهانهم بالحكمة والمعرفة.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 205

67-  شدّوا عقد المآزر

مثل من الأمثال المذكورة في كلام له عليه السّلام، يحثّ أصحابه على الجهاد، أوردناه عند التّكلّم على المثل: «لا تجتمع عزيمة ووليمة»، والمثلين الآخرين، أوّله: أي أوّل كلامه عليه السّلام: «و اللَّه مستأديكم شكره، ومورّثكم أمره، وممهلكم في مضمار ممدود، لتتنازعوا سبقه. فشدّوا عقد المآزر، واطووا فضول الخواصر». ونقلنا ما شرحه المعتزليّ للأمثال، قال: أي شمّروا عن ساق الاجتهاد. ويقال لمن يوصى بالجدّ والتّشمير: (اشدد عقد إزارك) لأنّه إذا شدّها كان أبعد عن العثار، وأسرع للمشي. ومنه المثل السّائر: (شدّ للأمر حزيمه)، ويروى: حيزومه، والفرق بينهما، أنّ الحزيم موضع الحزام من الصّدر والظّهر، كلّه مستدير، والحيزوم ملتقى رأس الجوانح، ومن وسط الصّدر. قال وكيع بن أبي سويد:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 206

 

         شيخ إذا حمّل مكروهة            شدّ الحيازيم لها والحزام‏

 

و قال عليّ-  عليه السّلام- :

         اشدد حيازيمك للموت            فإنّ الموت لاقيك‏

         ولا تجزع من الموت           إذا حلّ بواديك

 

و قد سبق المثل: «أشدد حيازيمك للموت»، المرويّ من طريقنا ومن الجمهور، فراجع. والمقاصد الّتي يشدّ من أجلها الحزام، إمّا دنيويّة أو دينيّة، ولكلّ أهل، والّذي يحمل الإنسان على العمل وشدّ الحزام إنّما هو إلارادة. وأمّا الأهداف فربّما تتحقّق.

و ممّا يعجبني ما جاء من دعاء يوم المبعث النّبويّ السّابع والعشرين من رجب المرجّب منه: «و قد علمت أنّ أفضل زاد الرّاحل إليك عزم إرادة يختارك بها، وقد ناجاك بعزم الإرادة قلبي». ولا قيمة للأمر الدّنيويّ إذا لم ينته إلى الدّين، لا إرادة، ولا عملا،

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 207

و لا شدّ عقدة الإزار لفنائه ونفاده، كما قال تعالى: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ. وأمّا أمره عليه السّلام بشدّ عقد المآزر، فناظر إلى الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، ويحتمل النّظر إلى المعنى الشّامل، واللَّه العالم.

68-  الشّرّ بالشّرّ ملحق

قاله عليه السّلام في كتاب له كتبه إلى الحارث الهمدانيّ: «...،...،...، وإيّاك ومصاحبة الفسّاق فإنّ الشّرّ بالشّرّ ملحق...». قال الشّارح: يقول: إنّ الطّباع ينزع بعضها إلى بعض، فلا تصحبنّ الفسّاق، فإنّه ينزع بك ما فيك من طبع الشّرّ إلى مساعدتهم على الفسوق والمعصية، وما هو إلّا كالنّار تقوى بالنّار، فإذا لم تجاورها وتمازجها نار كانت إلى الانطفاء والخمود أقرب.

و روي: (ملحق) بكسر الحاء، وقد جاء في الخبر النّبويّ: «عذابك بالكفّار ملحق» بالكسر. قوله عليه السّلام: «الشّرّ بالشّرّ ملحق» معدود من الأمثال نظير قولهم: (الشّرّ للشّرّ خلق)، و(الحديد بالحديد يفلح).

------------------------------------------------------------------- صفحة 208

و الإنسان المغفّل إذا صاحب الفاسق، أثّر فسقه فيه، وزاد هو في فسقه إن لم يكن على حذر منه لا محالة، جاء التّأثير وزيادة الفسق بزيادة أفراد الفسّاق، وهو المصاحب، إذ المصاحبة مؤثّرة، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ.

و جاء في حديث الإمام السّجّاد عليه السّلام النّهي عن مصاحبة خمسة، ومحادثتهم ومرافقتهم في طريق، وهم: الكذّاب، والفاسق، والبخيل، والأحمق، والقاطع لرحمه. ونسب إلى أمير المؤمنين عليه السّلام ما يلي:

         عاشر أخا ثقة تحظى بصحبته            فالمرء مكتسب من كلّ مصحوب‏

         كالرّيح آخذة حين تمرّ به               نتن من النّتن أو طيب من الطّيب

 

و من آثار سوء مصاحبة الفاسق أنّه مظنّة سخط اللَّه عزّ وجلّ وعذابه، إذا نزل عمّ من معه، كما كان عكس ذلك مصاحبة المتّقي الّذي هو عرضة رحمة اللَّه تعالى فإنّها إن نزلت عمّت.

و الفسق: هو الخروج عن طاعة اللَّه تعالى، الّذي هو منشأ الشّرور، إذ لا يأمن معه ركوب المعاصي كلّها، من الاجتماعيّة وغيرها الّتي تجلب الشّرور.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 209

و من الأمثال السّائرة قولهم: (إنّ الشّقيّ ينتحي له الشّقيّ): أي أحدهما يقيّض لصاحبه، فيتعارفان ويأتلفان.

69-  الشّفيع جناح الطّالب

قال عليه السّلام: «الشّفيع جناح الطّالب». قيل: الشّفاعة: توسّط من له جاه عند المشفّع في إنجاح حاجة المشفوع له، فكأنّ المشفوع له يطير نحو ما قصده بوسيلة الشّفيع، فشبّهه بجناح الطّائر. إذا حقّقنا النّظر وجدنا الشّفاعة: هي الوساطة في حصول الشّي‏ء، والوسيلة والسّبب المؤثّر فيه من أيّ شي‏ء لأيّ شي‏ء عند أيّ شي‏ء من عالم الأسباب الّتي جاء فيها الحديث: روى الشّيخ الكلينيّ بسنده عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام، أنّه قال: «أبى اللَّه أن يجري الأشياء إلّا بالأسباب، فجعل لكلّ شي‏ء سببا،

------------------------------------------------------------------- صفحة 210

و جعل لكلّ سبب شرحا، وجعل لكلّ شرح علما، وجعل لكلّ علم بابا ناطقا، عرفه من عرفه، وجهله من جهله ذلك رسول اللَّه-  صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم-  ونحن». فأهل البيت عليهم السّلام من أشرف الأسباب، وأهمّ الوسائل المبتغاة المعنيّة بها الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ. ممّن له جاه وكلّ حرمات اللَّه من رسل وكتب وغيرها.

فأهل البيت عليهم السّلام من أقرب ما يتوسّل به المتوسّلون إلى اللَّه تعالى، وهم شفعاؤنا إليه جلّ جلاله، كما جاء في زيارة الجامعة الكبيرة: «اللّهمّ إنّي لو وجدت شفعاء أقرب إليك من محمّد وأهل بيته الأخيار الأئمّة الأبرار، لجعلتهم شفعائي». وأسباب الشّفاعة كثيرة، منها: القرآن الكريم «إنّه شافع مشفّع». ومنها: اعتراف المذنب بذنبه وخضوعه، كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «شفيع المذنب خضوعه». ويلزم الخضوع الاعتراف لا محالة.

ثمّ الشّفاعة لها شروط، أهمّها رضاء اللَّه تعالى، ومن بعد إذنه، على‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 211

ما نطق القرآن الكريم: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏. ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ. وقد تناولها في ستة وعشرين موضعا، منه مصرّحا بهذا الشّرط أو ملوّحا وذلك لاعتبار القابليّة العقليّة. ففي النّبويّ: «رجلان لا تنالهما شفاعتي: سلطان عسوف غشوم، وغال في الدين مارق». وممّن يفقد القابليّة المستخفّ بالصّلاة في الباقريّ: «قال: قال رسول اللَّه-  صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم- : لا ينال شفاعتي من استخفّ بصلاته». وصحيح أبي بصير قال: «دخلت على أمّ حميدة أعزّيها بأبي عبد اللَّه عليه السّلام، فبكت وبكيت لبكائها، ثمّ قالت: يا أبا محمّد لو رأيت أبا عبد اللَّه عند الموت لرأيت عجيبا، فتح عينيه ثمّ قال: اجمعوا لي كلّ من بيني وبينه قرابة، قالت: فما تركنا أحدا إلّا جمعناه، فنظر إليهم، ثمّ قال: إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفّا بالصّلاة». وإذا تدبّرت عرفت صنوفا آخرين من النّاس لا تليق بهم الشّفاعة لأسباب مذكورة في الكتاب والسّنّة وعند العقول الحصيفة.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 212

ثمّ كلام الإمام عليه السّلام: (الشّفيع جناح الطّالب) بيان لطبع المطلب مع قطع النّظر إلى شروط الشّفاعة والمشفوع له والشّفيع. بل المراد: أنّ كلّ من يقصر عن الوصول إلى المطلوب لأجل الموانع يرفعها الشّفيع ويساعده، كأنّه جناحه الّذي يطير به إلى مطلوبه، أو يعيره على حدّ قول القائل:

         أسرب القطاهل من يعير جناحه            لعلّي إلى من قد هويت أطير

 

70-  شقشقة هدرت ثمّ قرّت

من الكلمات المعدودة من الأمثال قوله عليه السّلام: «شقشقة هدرت ثمّ قرّت». وهو مثل سائر تمثّل به الإمام عليه السّلام لابن عبّاس، عند ما سأله اطّراده في خطبته المعروفة بالشّقشقيّة، سمّيت بها لاشتمالها على كلمة الشّقشقة، وقد ناوله رجل من أهل العراق كتابا لينظر فيه، فقطع خطبته لذلك، ولم يعد إليها، فتأسّف ابن عبّاس عمّا فاته من إكمالها عن‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 213

آخرها لأنّها تكشف عن مواقف الخلفاء الثّلاثة، والخلال الّتي لا تليق بمنصب الخلافة والإمامة على الأمّة المرحومة.

و قد أوّل الجمهور كلمات الخطبة بما لا تنطبق عليه اللّغة العربيّة ولا يشكّ في مراد الإمام عليه السّلام منها من له أدنى إلمام بها: أي باللّغة العربيّة من منطوق الخطبة ومفهومها ومن ثمّ أنكرها بعضهم أن تكون من خطبة عليه السّلام رأسا لئلّا يواجه مشكلة التّأويل.

و لم يذكر الزّمخشريّ المثل في (المستقصى في أمثال العرب)، ولا ريب في كونه منها-  فرارا-  من الإسناد إلى الخطبة العلويّة، وإلفات النّظر إليها.

و ذكره النّيسابوريّ في كتابه مجمع الأمثال مسندا الخطبة إليه عليه السّلام، مع تفسير المثل، قال: الشّقشقة: شي‏ء كالرّئة يخرجها البعير من فيه إذا هاج. وإذا قالوا للخطيب: (ذو شقشقة) فإنّما يشبّه بالفحل.

و لأمير المؤمنين عليّ رضي اللَّه عنه-  عليه السّلام-  خطبة تعرف بالشّقشقيّة لأنّ ابن عبّاس رضي اللَّه عنهما قال له حين قطع كلامه: يا أمير المؤمنين لو اطّردت مقالتك من حيث أفضيت. فقال: هيهات يا ابن عبّاس تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت. ولا ينقضي العجب من ابن أبي الحديد القائل بصدورها عن الإمام عليه السّلام، وتأويله لكلمات الخطبة والإصرار عليه.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 214

قال: إن قيل: بيّنوا لنا ما عندكم في هذا الكلام، أليس صريحه دالّا على تظليم القوم ونسبتهم إلى اغتصاب الأمر فما قولكم في ذلك إن حكمتم عليهم بذلك فقد طعنتم فيهم، وإن لم تحكموا عليهم بذلك فقد طعنتم في المتظلّم المتكلّم عليهم.

قيل: أمّا الإماميّة من الشّيعة، فتجري هذه الألفاظ على ظواهرها، وتذهب إلى أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه وآله-  وسلّم-  نصّ على أمير المؤمنين عليه السّلام، وأنّه غصب حقّه. وأمّا أصحابنا رحمهم اللَّه، فلهم أن يقولوا...-  أقول: وراح يلقّنهم ما يلفّقونه لصرف ظواهر ألفاظ الخطبة- : إنّه لمّا كان أمير المؤمنين عليه السّلام هو الأفضل والأحقّ، وعدل عنه إلى من لا يساويه في فضل، ولا يوازيه في جهاد وعلم، ولا يماثله في سؤدد وشرف-  ساغ إطلاق هذه الألفاظ، وإن كان من وسم بالخلافة قبله عدلا تقيّا، وكانت بيعته بيعة صحيحة ألا ترى أنّ البلد قد يكون فيه فقيهان، أحدهما أعلم من الآخر بطبقات كثيرة، فيجعل السّلطان الأنقض علما منهما قاضيا، فيتوجّد الأعلم ويتألّم، وينفث أحيانا بالشّكوى، ولا يكون ذلك طعنا في القاضي، ولا تفسيقا له، ولا حكما منه بأنّه غير صالح، بل للعدول عن الأحقّ والأولى وهذا أمر مركوز في طباع البشر، ومجبول في أصل الغريزة والفطرة.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 215

فأصحابنا رحمهم اللَّه لمّا أحسنوا الظّنّ بالصّحابة، حملوا ما وقع منهم على وجه الصّواب، وأنّهم نظروا إلى مصلحة الإسلام، وخافوا فتنة لا تقتصر على ذهاب الخلافة فقط، بل وتفضي إلى ذهاب النّبوّة والملّة.

فعدلوا عن الأفضل الأشرف الأحقّ إلى فاضل آخر دونه، فعقدوا له-  احتاجوا إلى تأويل هذه الألفاظ الصّادرة عمّن يعتقدونه في الجلالة والرّفعة قريبا من منزلة النّبوّة، فتأوّلوها بهذا التّأويل، وحملوها على التّألّم للعدول عن الأولى. ذكرت كلامه لتكون أنت الحكم فيه، وهل يسوغ البناء على أصل باطل في العقول من تأخير الفاضل عن المفضول، ثمّ التّفريع عليه أو هل للأمّة الخيرة في نصب الخليفة بعد نصّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم يوم الغدير له عليه السّلام أو يجوز حمل الخطبة على التّألّم للعدول عن الأولى، وما هو بمنزلة النّبوّة، كما اعترف بها أو من الممكن أن نصحّح عمل المفضول بتأويل القول الصّادر صريحا من الفاضل في قدحه.

فاختر ما تحبّ. والحديث ذو شجون.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 216

71-  الشّقيّ من انخدع لهواه وغروره

من خطبة له عليه السّلام، قال فيها: «السّعيد من وعظ بغيره، والشّقيّ من انخدع لهواه وغروره». تكلّمنا على الفقرة الأولى بما يغني البحث في المقام عن زيادة توضيح لأنّه كما قيل تعرف الأشياء بأضدادها. فإذا عرفت السّعيد عرفت ضدّه وهو الشّقّي. وقد حان الوفاء بما وعدناه هناك من بعض أبحاث كلاميّة: روى الشّيخ الكليني طاب ثراه بسنده الصّحيح، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام، قال: «إنّ اللَّه خلق السّعادة والشّقاوة قبل أن يخلق خلقه، فمن خلقه اللَّه سعيدا لم يبغضه أبدا، وإن عمل شرّا أبغض عمله ولم يبغضه، وإن كان شقيّا لم يحبّه أبدا، وإن عمل صالحا أحبّ عمله وأبغضه لما يصير إليه، فإذا أحبّ اللَّه شيئا

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 217

لم يبغضه أبدا، وإذا أبغض شيئا لم يحبّه أبدا». تناول العلماء هذا الحديث وأشباهه الدّالّة على أنّ السّعادة والشّقاوة ليس للعباد فيهما صنع، وأنّهما مخلوقتان للَّه عزّ وجلّ، وهكذا الخير والشّرّ، والقضاء والقدر، الّتي نتيجة ذلك كلّه الجبر الباطل، وظاهر طائفة من آيات القرآن الكريم ممّا فيه الإضلال والقضاء والقدر وغيرها، وأحاديث الطّينة تولّد أصعب المسائل الكلاميّة، وهكذا من أحاديث القضاء والقدر الّتي استند القائل بالجبر بها.

و أمّا الجواب: فتارة يكون بالرّوايات المجيبة عن الإشكالات وهي كثيرة، وأخرى بكلمات العلماء، والاستدلالات العقليّة المذكورة في كتب الكلام، ونذكر هنا من النّوعين نبذا إذ الإنهاء مستدع لوضع كتاب على حده.

فمن الرّوايات الّتي بهذا الصّدد: 1-  صحيح الحلبيّ: عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام في قول اللَّه عزّ وجلّ: وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ. قال: «و هم مستطيعون، يستطيعون الأخذ بما أمروا به، والتّرك لما نهوا عنه، وبذلك ابتلوا». 2-  وحديثه الآخر: قال عليه السّلام: «لا يكون العبد فاعلا ولا متحرّكا

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 218

إلّا والاستطاعة معه من اللَّه عزّ وجلّ، وإنّما وقع التّكليف من اللَّه تبارك وتعالى بعد الاستطاعة، ولا يكون مكلّفا للفعل إلّا مستطيعا». 3-  وصحيحه الآخر: قال عليه السّلام: «ما أمر العباد إلّا بدون سعتهم، فكلّ شي‏ء أمر النّاس بأخذه، فهم متّسعون له، وما لا يتّسعون له فهو موضوع عنهم، ولكنّ النّاس لا خير فيهم». 4-  والرّضويّ: «يستطيع العبد بعد أربع خصال: أن يكون مخلّى السّرب، صحيح الجسم، سليم الجوارح، يريد أن يزني، فلا يجد امرأة، ثمّ يجدها، فأمّا أن يعصم فيمتنع، كما امتنع يوسف عليه السّلام، أو يخلّى بينه وبين إرادته فيزني، فيسمّى زانيا، ولم يطع اللَّه بإكراه، ولم يعص بغلبة». 5-  والصّادقيّ: في قول اللَّه عزّ وجلّ: وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. قال: أكذبهم اللَّه عزّ وجلّ في قولهم: «لو استطعنا لخرجنا معكم»، وقد كانوا مستطيعين للخروج. 6-  والصّادقيّ الآخر: «لا يكون من العبد قبض ولا بسط إلّا باستطاعة متقدّمة للقبض والبسط». 7-  والموسويّ: قال: «مرّ أمير المؤمنين عليه السّلام بجماعة بالكوفة، وهم‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 219

يختصمون في القدر، فقال لمتكلّمهم: أبا للَّه تستطيع، أم مع اللَّه، أم من دون اللَّه فلم يدر ما يردّ عليه، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: إنّك إن زعمت أنّك باللَّه تستطيع فليس لك من الأمر شي‏ء.

 وإن زعمت أنّك مع اللَّه تستطيع، فقد زعمت أنّك شريك معه في ملكه، وإن زعمت أنّك من دون اللَّه تستطيع فقد ادّعيت الرّبوبيّة من دون اللَّه عزّ وجلّ فقال: يا أمير المؤمنين لابل باللَّه أستطيع، فقال عليه السّلام: أما إنّك لو قلت غير هذا لضربت عنقك». 8-  وصحيح ابن أبي عمير: قال: «سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام عن معنى قول رسول اللَّه-  صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم- : «الشّقيّ من شقي في بطن أمّه، والسّعيد من سعد في بطن أمّه». فقال: الشّقيّ من علم اللَّه وهو في بطن أمّه أنّه يستعمل أعمال الأشقياء، والسّعيد من علم اللَّه وهو في بطن أمّه أنّه سيعمل أعمال السّعداء، قلت له: فما معنى قوله-  صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم- : 9-  «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له» فقال: إنّ اللَّه عزّ وجلّ خلق الجنّ والإنس ليعبدوه، ولم يخلقهم ليعصوه، وذلك قوله عزّ وجلّ: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. فيسّر كلّا لما خلق له، فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى».

------------------------------------------------------------------- صفحة 220

إذا كان العبد مجبورا في عمله، فلم يكن للسّعادة والشّقاوة معنى لأنّ السّعيد: الموفّق للعمل الصّالح باختياره. والشّقيّ: المخذول باختياره.

و هذه الرّوايات التّسع. أثبتت الاختيار، وعليه يكون للسّعادة والشّقاوة معنى معقول، إلّا الحديث الأوّل فإنّه لا بدّ من تأويله.

فنقول: ومن الكلمات وهي النّوع الثّاني في مقام الجواب عمّا يوهم الجبر الباطل، ما قاله المحقّق المازندرانيّ: (الإنسان عبارة عن مجموع الجوهرين: النّفس والبدن. ولكلّ واحد منهما طريقان: طريق الخير، وطريق الشّر. فطريق الخير للأوّل: العقائد الصّحيحة، والأخلاق المرضيّة، وللثّاني: هي الأعمال الحسنة، وطريق الشّرّ للأوّل، هي: العقائد الباطلة، والأخلاق الرّذيلة، وللثّاني، هي: الأعمال القبيحة.

فإن استقام هذان الجوهران في شخص دائما، كما في الأنبياء والأوصياء كان سعيدا مطلقا محبوبا للَّه تعالى دائما غير مبغوض أبدا، وإن لم يستقم شي‏ء منهما أبدا كان شقيّا مطلقا مبغوضا أبدا غير محبوب أصلا، وإن استقام الأوّل دائما دون الثّاني كان هو محبوبا دائما غير مبغوض أبدا لأنّ الجوهر الأوّل أولى بالحقيقة الإنسانيّة، بل هو الإنسان حقيقة، وكان عمله مبغوضا، وإن استقام الثّاني دائما دون الأوّل كان هو مبغوضا وعمله محبوبا. وإن استقام كلّ واحد منهما في وقت دون آخر، يعتبر حاله في الخاتمة، فإن استقاما أو استقام الأوّل وحده كان هو عند اللَّه محبوبا، وكان عمله مبغوضا، وإن استقام الثّاني، أو لم يستقم شي‏ء منهما كان هو عند اللَّه مبغوضا، وكان عمله محبوبا، وكلّما كان العمل وحده مبغوضا، أمكن أن تتداركه التّوبة أو المصيبة أو البرزخيّة أو الشّفاعة أو العفو.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 221

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ الكافر الّذي يؤمن محبوب له تعالى في علم الغيب، والمؤمن الّذي يكفر مبغوض أبدا، لا يقال: هذا ينافي قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. فإنّ هؤلاء كانوا محبوبين، ثمّ صار بعضهم مبغوضا بالنّفاق لأنّا نقول: الرّضا متعلّق بالمؤمنين، وكون هؤلاء من المؤمنين عند المبايعة ممنوع، وعلى تقدير التّسليم كان الرّضا مشروطا بالوفاء وعدم النّكث). وقال السّيّد شبّر: تطبيق هذا الحديث على قواعد العدليّة وأصول الإماميّة يقتضي أن يحمل الخلق في خلق السّعادة والشّقاوة على الخلق التّقديريّ لا التّكوينيّ، والخلق الثّاني في قوله: «قبل أن يخلق خلقه» على الخلق التّكوينيّ الموجود في الخارج، إلى آخر كلامه رحمه اللَّه. والتّأويل للظّواهر إذا لم يوافقها العقل واجب، ومنها المقام، فافهم.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 222

72-  الشّكر زينة الغنى

قال عليه السّلام: «العفاف زينة الفقر، والشّكر زينة الغنى». تكلّمنا على الفقرة الأولى. والشّكر: صرف العبد جميع ما أنعم اللَّه عليه فيما خلق من أجله، وعرّف بتعاريف، ذكرناها بالمناسبة في كتابنا (الاسم الأعظم، أو معارف البسملة والحمدلة). ويكون باللّسان والأركان والجنان: أي القلب، وهو أصل الأوّلين.

من الحكم المنسوبة إليه عليه السّلام: «ما أنعم اللَّه على عبد نعمة فشكرها بقلبه إلّا استوجب المزيد عليها، قبل ظهورها على لسانه». في ثلاثة وسبعين موضعا من القرآن الكريم تناول الشّكر ومشتقّاته الدّالّة على تعظيم المنعم منها: ما اقتصّ اللَّه عزّ وجلّ عن قول سليمان‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 223

عليه السّلام: «فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ». وقبل ارتداد الطّرف، عند ما رأى عرش بلقيس مستقرّا لديه: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ». والشّكر سبب الزّيادة، كما قال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ». ولغيرها على ما أشير اليه في الأمثال السّائرة كما يلي: (النّعمة وحشيّة، إن شكرت قرّت، وإن كفرت فرّت). (الشّكر قيد النّعمة، ومفتاح الزّيادة، وثمن الجنّة). (من كنت طليق برّه، فلتكن أسير شكره). (النّعمة كالرّوضة، والشّكر كالزّهرة). (شكر المولى هو الأولى). (الشّكر صوان النّعمة، ومادّة الزّيادة). (الشّكر ترجمان النّيّة، ولسان الطّويّة). (الشّكر هو السّبب إلى الزّيادة، والطّريق إلى السّعادة). (اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك). (من شكر قليلا استحقّ جزيلا). (النّعمة عروس مهرها الشّكر). (إذا نزلت بك ضيفا فاجعل قراها الشّكر). (كلّ من أولي نعمة فهو عبدها حتّى يعتقد شكرها، ومن شكرها فقد استوجب مزيدها). (الشّكر أزكى مقال، ولشوارد النّعمة أوثق عقال). (الشّكر تميمة لتمام النّعمة). (إن‏

 

-------------------------------------------------------------------صفحة 224

قصّرت يدك عن المكافأة فليطل لسانك بالشّكر). ولو عرف العبد ربّه لم يطلب سواه بشكره، وقد روي عن أهل البيت عليهم السّلام، ففي علويّ: «إنّ قوما عبدوا اللَّه رغبة، فتلك عبادة التّجّار، وإنّ قوما عبدوا اللَّه رهبة، فتلك عبادة العبيد، وإنّ قوما عبدوا اللَّه شكرا، فتلك عبادة الأحرار». ثمّ إنّما صار الشّكر زينة الغنى، بأيّ تفسير فسّر الغنى لأنّه جماله، كما أنّ الصّبر زينة العبادة، والحفظ زينة الرّواية، وخفض الجناح زينة العلم، وحسن الأدب زينة العقل، وبسط الوجه زينة الحلم، والإيثار زينة الزّهد، وبذل المجهود زينة المعروف، والخشوع زينة الصّلاة.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 225

حرف الصّاد

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 226

73-  صاحب السّلطان كراكب الأسد

من تمثيلات الإمام عليه السّلام: «صاحب السّلطان كراكب الأسد، يغبط بموقعه وهو أعلم بموضعه». قال بعض الشّرّاح: قد جاء في صحبة السّلطان أمثال حكميّة مستحسنة تناسب هذا المعنى، أو تجري مجراه، نحو قولهم: (صاحب السّلطان كراكب الأسد، يهابه النّاس، وهو لمركوبه أهيب).

(إذا صحبت السّلطان فلتكن مداراتك له مداراة المرأة القبيحة لبعلها المبغض لها فإنّها لا تدع التّصنّع له على حال). (العاقل من طلب السّلامة من عمل السّلطان) لأنّه إن عفّ جنى عليه العفاف عداوة الخاصّة، وإن بسط يده جنى عليه البسط ألسنة الرّعيّة.

------------------------------------------------------------------- صفحة 227

جاء التّحذير البالغ في أحاديثهم عليهم السّلام من الدّخول إلى دواوين الظّلمة والسّلاطين، وإعانتهم ولو بقطّ القلم، في نبويّ: «إذا كان يوم القيامة، نادى مناد: أين أعوان الظّلمة، ومن لاق لهم دواة، أو ربط كيسا، أو مدّ لهم مدّة قلم فاحشروهم معهم». إذ لا يأمن معهم من المعاصي، وقتل النّفس المحترمة، واغتصاب أموال النّاس، بل وترك جميع ما أوجبه اللَّه عزّ وجلّ، وركوب ما نهاه، ولا فرق بين العامل بالظّلم، والمعين، والرّاضي به كما في الحديث. نعم إذا قصد قضاء حوائج المؤمنين، ونجاتهم من الهلكة، جاز إلّا أن يغلب عليه، فلا يستطيع دفعا عن نفسه، فضلا عن غيره من نفوس.

و عليّ بن يقطين من النّوع الجائز.

ثمّ الإمام عليه السّلام أراد من التّمثيل براكب الأسد: خطورة الأمر، حيث لا يأمن راكبه من الهلاك، ولعلّه يعمّ كلّ متسلّط لم يقيّده الإيمان، ومقتدر وإن لم يكن بسلطان.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 228

74-  صاحبها كراكب الصّعبة

فقرة تمثيليّة أخرى من الخطبة الشّقشقيّة، قال عليه السّلام: «فصاحبها كراكب الصّعبة، إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحّم». قال المعتزليّ: والصّعبة من النّوق: ما لم تركب ولم ترض، إن أشنق لها راكبها بالزّمام خرم أنفها، وإن أسلس زمامها تقحّم في المهالك، فألقته في مهواة أو ماء أو نار، أو ندّت فلم تقف حتّى ترديه عنها فهلك. وأشنق الرّجل ناقته، إذا كفّها بالزّمام وهو راكبها. واللّغة المشهورة (شنق) ثلاثيّة. وأشنق البعير نفسه، إذا رفع رأسه.. وأصله من الشّناق: وهو خيط يشدّ به فم القربة.

و قال الرّضيّ أبو الحسن رحمه اللَّه تعالى: إنّما قال عليه السّلام: «أشنق لها»، ولم يقل: (أشنقها) لأنّه جعل ذلك في مقابلة قوله: «أسلس لها»، وهذا حسن فإنّهم إذا قصدوا الازدواج في الخطابة فعلوا مثل هذا، قالوا: الغدايا والعشايا، والأصل الغدوات جمع غدوة.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 229

و قال صلّى اللَّه عليه وآله-  وسلّم- : «ارجعن مأزورات غير مأجورات»، وأصله (موزورات) بالواو لأنّه من الوزر... وقال الرّضيّ رحمه اللَّه تعالى أيضا: ويروى أنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله-  وسلّم-  خطب النّاس، وهو على ناقة قد شنق لها، وهي تقصع بجرّتها... الجرّة: ما يعلو من الجوف وتجرّه الإبل. قد طمع في الخلافة من لا يصلح لها، وإنّما هي لأهلها، وليس إلّا أمير المؤمنين عليه السّلام، وحيث عدلت عنه، أصبح موقفه منها حرجا، فإن أخذها قسرا، قالوا: إنّه عليه السّلام دنياويّ، مضافا إلى إراقة الدّماء، وإن صبر عنها، قالوا: إنّه عاجز، علاوة على تهمة الوفاق والرّضا بمن عدلت إليه. فحاله كما مثّل عليه السّلام براكب الصّعبة، إن كفّها شقّ أنفها، وإن أرخى زمامها هلكت وأهلكت، وكما قال عليه السّلام: «فمني النّاس لعمر اللَّه بخبط وشماس، وتلوّن واعتراض، فصبرت على طول المدّة، وشدّة المحنة». وقال قبل هذه الفقرات ما يكشف عن صعوبة الأمر، وهو عليه السّلام قد اختار الصبر فيها: «فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصّغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه، فرأيت أنّ الصّبر على‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 230

هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا...». ولن تجد من يكشف عن حقيقة الأمر الّذي كان فيه كنفسه الشّريفة، فهو أدرى بحاله من غيره، فلو كان بيان أجلى للكشف، لذكره.

و اللَّه جلّ جلاله ورسوله صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم يعلم عظم ما هو فيه، وهو «أوّل مظلوم، وأوّل من غصب حقّه». على وجه الأرض.

75-  صال الدّهر صيال السّبع العقور

كلمة تمثيليّة من خطبة الإمام عليه السّلام في الملاحم المشتملة على الحوادث الواقعة بعده، روحي فداه: «... فعند ذلك أخذ الباطل مآخذه، وركب الجهل مراكبه، وعظمت الطّاغية، وقلّت الدّاعية، وصال الدّهر صيال السّبع العقور......». «ركب الجهل مراكبه» عدّدناه من الأمثال فراجع.

------------------------------------------------------------------- صفحة 231

وصال، أصله الصّاد والواو واللّام، يدلّ على قهر وعلوّ. يقال: صال عليه يصول صولة، إذا استطال. وسطو وحمل ووثوب، ومنه: «ربّ قول أنفذ من صول». والدّعاء: «اللّهمّ بك أحول، وبك أصول». والصّيال: المصاولة من باب المفاعلة، التّصاول التّفاعل، ومنه الحديث: «إنّ هذين الحيّين من الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم تصاول الفحلين»: أي لا يفعل أحدهما معه شيئا إلّا فعل الآخر معه شيئا مثله. والسّبع والسّباع: الأسد والذّئاب والكلاب والنّمور وغيرها، والسّبع بمعنى: العدد وغيره. والعقور جاء في الحديث: «خمس يقتلن في الحلّ والحرم، وعدّمنها الكلب العقور»، وهو كلّ سبع يعقر: أي يجرح ويقتل ويفترس، كالأسد والنّمر والذّئب، سمّاها كلبا لاشتراكها في السّبعيّة.

و العقور من أبنية المبالغة. ومنه قوله عليه السّلام نقلا عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم: «إيّاكم والمثلة، ولو بالكلب العقور». ثمّ الكلام متّصل بما قبله الّذي لم نذكره هنا، وهو قوله عليه السّلام: «راية ضلال قد قامت على قطبها وتفرّقت بشعبها...» إلى أن يتّصل إلى المذكور هنا، وفي ارتباطه بحث لا يليق بالمقام.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 232

و المراد من صول الدّهر: أهل ذلك الزّمان من السّلاطين والحكّام الجائرة، بل أكثر أفراد النّاس يكونون سباعا ضاربة، يهرّ بعضها على بعض، والمؤمن فيهم كالشّاة الّتي احتوشتها الذّئاب والسّباع، فهل تسلم منها ولعلّ المثل النّبويّ: «من لم يكن ذئبا أكلته الذّئاب»، بعد قوله صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم: «يأتي على النّاس زمان، يكون النّاس فيه ذئابا» ناظر إليه.

و الإمام عليه السّلام علمه مستقى من عين النّبوّة الصّافية، وكذلك علوم أهل البيت عليهم السّلام، والكلّ مجراه من علم الرّحمن. قال السّيّد الأمين:

         هم أبحر العلم الّتي ما شانها            كدر ومجراها من الرّحمن.

 

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 233

76-  صنائع المعروف تقي مصارع الهوان

إحدى فقرات خطبة له عليه السّلام، أوّلها: «إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى اللَّه سبحانه وتعالى، الإيمان به وبرسوله-  إلى أن قال عليه السّلام:-  وصنائع المعروف، فإنّها تقي مصارع الهوان». وهذا منطبق تماما على المثل المعروف: (اصطناع المعروف يقي مصارع السّوء).

قال الميدانيّ بعد المثل السّائر: يقال: صنع معروفا واصطنع كذلك في المعنى: أي فعل المعروف في أهله، يقي فاعله الوقوع في السّوء.

 ورواه غيره بلفظ: (صنائع المعروف تقي مصارع الحتوف). والكلّ متواطئ المعنى. وفسّر: كأسر الرّوم للمسلم، أو كأخذ الظّلمة لغير المستحقّ للأخذ.

------------------------------------------------------------------- صفحة 234

و قيل في المعروف والصّنيعة: المعروف حصن النّعم من صروف الزّمن. المعروف رقّ، والمكافأة عنه عتق. المعروف كنز لا تأكله النّار.

زكاة النّعم اتّخاذ الصّنائع. الصنائع ودائع الأيادي قروض. إنّما سمّي المعروف معروفا لأنّ الكرام عرفت فضله فأتته. في كلّ شي‏ء سرف إلّا في المعروف. نعم العدّة عند الحاجة إسلاف الصّنيعة. أهنأ المعروف أعجله.

أهنأ المعروف ما لا تبتذل فيه الوجوه. خير المعروف ما لا يتقدّمه مطل، ولم يتبعه منّ. للجواد الحازم كنز في الآخرة من عمله، وكنز في الدّنيا من معروفه. جود المقلّ من القليل. الجواد من يفيض من غيض. إنّ جود المقلّ غير قليل. لا تستحي من القليل، فإنّ الحرمان أقلّ منه. والمعروف: اسم جامع لكلّ ما عرف من طاعة اللَّه، والتّقرّب إليه، والإحسان إلى النّاس، وكلّ ما ندب إليه الشّرع، ونهى عنه، من المحسّنات والمقبّحات. وهو من الصّفات الغالبة: أي أمر معروف بين النّاس، إذا رأوه لا ينكرونه. والمعروف: النّصفة وحسن الصّحبة مع الأهل وغيرهم من النّاس. والمنكر: ضدّ ذلك جميعه. ومنه الحديث: «أهل المعروف في الدّنيا هم أهل المعروف في الآخرة»: أي من بذل معروفه للنّاس في الدّنيا آتاه اللَّه جزاء معروفه في الآخرة. وقد تناول القرآن الكريم المعروف في تسعة وثلاثين موضعا، نادبا إليه صراحة وفحوى. وفي زيارة الإمام المنتظر عجّل اللَّه فرجه‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 235

الشّريف: «المعروف ما أمرتم به، والمنكر ما نهيتم عنه»: أي الأئمّة عليهم السّلام.

و المعروف كاسمه معروف، كما تقدّم بيانه، يعرفه الكلّ. والصّنائع واحدها الصّنيعة، لا ينبغي تركها لقلّتها أو حياء أو غيرها، كما قال القائل:

         افعل الخير ما استطعت وإن            كان قليلا فلن تحيط بكلّه‏

         ومتى تفعل الكثير من الخير            إذا كنت تاركا لأقلّه‏

         ليس جود الجواد من فضل مال          إنّما الجود للمقلّ المواسي‏

         بثّ النّوال ولا تمنعك قلّته              فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود

 

و في نبويّ: «إنّ للجنّة بابا، يقال له: باب المعروف، لا يدخله إلّا أهل المعروف». وروي: «اصطنع المعروف إلى أهله، وإلى غير أهله، فإن لم يكن من أهله فكن أنت من أهله». و

 

روي: «لا يتمّ المعروف إلّا بثلاث خصال: تعجيله، وتصغيره، وستره فإذا عجّلته هنأته، وإذا صغّرته عظّمته، وإذا سترته أتممته». وعن الباقر عليه السّلام: «صنائع المعروف تقي مصارع السّوء، وكلّ‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 236

معروف صدقة، وأهل المعروف في الدّنيا أهل المعروف في الآخرة». قاله عليه السّلام تفسيرا لقوله تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ.

77-  الصّورة صورة إنسان، والقلب قلب حيوان

كلمة جارية على الألسن، قالها أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة له، يصف طوائف، منها: «و آخر قد تسمّى عالما، ليس به، فاقتبس جهائل من جهّال، وأضاليل من ضلّال، ونصب للنّاس أشراكا من حبائل غرور، وقول زور، وقد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحقّ على أهوائه، يؤمّن النّاس من العظائم، ويهوّن كبير الجرائم، يقول: أقف عند الشّبهات-  وفيها وقع، ويقول: اعتزل البدع وبينها اضطجع-  فالصّورة صورة إنسان، والقلب قلب حيوان......». قال المعتزليّ: وقوله: «فالصّورة صورة إنسان...»، فمراده بالحيوان ههنا: الحيوان الأخرس، الحمار والثّور، وليس يريد العموم لأنّ الإنسان داخل في الحيوان، وهذا مثل قوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 237

بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا. وقال الشّاعر:

         وكائن ترى من صامت لك معجب          زيادته أو نقصه في التّكلّم‏

         لسان الفتى نصف ونصف فؤاده            فلم يبق إلّا صورة اللّحم والدّم

 

و لعلّ قوله عزّ وجلّ: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، يشمل مجي‏ء طائفة من النّاس يوم القيامة على صورة الوحوش والسّباع لما كانوا يزاولون من صفاتها وغرائزها الحيوانيّة الّتي كانت في الدّنيا مختفية عن الأنظار، فكشف عنها الغطاء، وأبليت سرائرهم على حدّ تعبير القرآن الكريم: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ. فالسّلاطين سباع في الحقيقة يوم يقوم الأشهاد، وإن كانوا اليوم بصورة الأناسيّ، والكفّار بهائم، والفسّاق أحمرة والمنافقون يرابيع، والملحدون دوابّ، والجاحدون خنازير، وأهل الدّنيا كلاب، كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «فإنّما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية». فكلّ من اختصل بخصلة تخصّ حيوانا، مهما كان شكله واسمه، فهو هو، وإن لم يسمّ باسمه، فالحريص نمل، يأتي يوم الحشر الأكبر على صورته، والشّهويّ خنزير، والغضوب سبع، وهكذا من بقيّة الخصال غير الإنسانيّة.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 238

كما إذا انعكس انعكس، مثل من بلغ في العفّة عن الشّهوات الغاية من التّعفّف، كاد أن يكون ملكا كريما. قال تعالى فيما اقتصّ عن امرأة عزيز مصر: ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ.: أي يوسف عليه السّلام بلغ من عفّته مبلغ الملائكة. وقد قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «كاد العفيف أن يكون ملكا من الملائكة». حتّى أنّ العادة قاضية من أكثر من شي‏ء تجسّد فيه ذلك الشّي‏ء، حتّى كأنّه هو، والّذي يعدل في كلّ شي‏ء يقال له: العدل وأنّه عينه.

فالخصال سواء فيها الفضائل والرّذائل، تجعل أصحابها إذا استحكمت فيهم، وصدرت آثارها بكثرة، كأنّهم هي، توسّعا أو حقيقة، وتجري عليهم أسماؤها اليوم، وحقائقها في المحشر.

و إنّ من عباد اللَّه قوما استنارت أبصارهم وبصائرهم بأنوار اللَّه ومعرفته، يعرفونهم بسيماهم وفي لحن القول وإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ. وتفسير المتوسّم بالمعصوم عليه السّلام تفسير بأجلى مظاهره، وإلّا فقد جاء: «اتّقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور اللَّه». وهم الأقلّون عددا.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 239

حرف الضّاد

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 240

78-  ضاق المخرج، وعمي المصدر

من خطبة سبق التّكلّم عليها حول المثل: «اختلف النّجر، وتشتّت الأمر»، أوّلها: «أحمده استتماما لنعمه، واستسلاما لعزّته، واستعصاما من معصيته... وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، أرسله بالدّين المشهور... والنّاس في فتن، انجذم فيها حبل الدّين، وتزعزعت سواري اليقين، واختلف النّجر، وتشتّت الأمر، وضاق المخرج، وعمي المصدر...». مثل من أمثال سائرة، يضرب للشّدّة، أو هو صالح لذلك. بيان منه عليه السّلام لما عليه النّاس قبل ظهور الدّين، ومجي‏ء الرّسول الأمين، والقرآن النّور السّاطع، والضّياء اللّامع، أضاء العالم بنوره، وأزاح الفتن الدّامسة، وظلمة الجهالة الجاهليّة، ظلّلتهم الضّلالات.

قالت فاطمة الزّهراء عليها السّلام في خطبتها: وَكُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ. مذقة الشّارب، ونهزة

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 241

الطّامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام. تشربون الطّرق، وتقتاتون القدّ، تخافون أن يتخطّفكم النّاس من حولكم، فأنقذكم اللَّه تبارك وتعالى بمحمّد-  صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم-  بعد اللّتيا والّتي، وبعد أن مني ببهم الرّجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ. أو نجم قرن الشّيطان، أو فغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها. فلا ينكفئ حتّى يطأ جناحها بأخمصه، ويخمد لهيبها بسيفه، مكدودا في ذات اللَّه، مجتهدا في أمر اللَّه، قريبا من رسول اللَّه...». ونظير المثل المثل القرآني: حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 242

رَحُبَتْ، وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ. قال الفيض الكاشانيّ عند صدر الآية: أي مع سعتها، وهو مثل لحيرتهم في أمرهم، كأنّهم لا يجدون في الأرض موضع قرار. وعند بعضها الآخر: أي قلوبهم من فرط الوحشة والغمّ. وتخصّ الآية، الثّلاثة الّذين خلّفوا في الأرض، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الرّبيع، وهلال بن أميّة تخلّفوا عن غزوة تبوك عن أمر الرّسول صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم، حتّى هجرهم المسلمون، حتّى أزواجهم، فتابوا، فتاب اللَّه عليهم.

و الحاصل أنّ كلام الإمام عليه السّلام يتبع المثل القرآنيّ في ضربه للشّدّة والحيرة.

و المراد بقوله عليه السّلام: (عمي المصدر)، يتجلّى بما بعده: «فالهدى خامل، والعمى شامل، عصي الرّحمن، ونصر الشّيطان، وخذل الإيمان، فانهارت دعائمه، وتنكّرت معالمه».

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 243

79-  ضحّ رويدا

من أمثال سائرة يستعمل للرّفق، وترك العجلة، جاء في كلام له عليه السّلام لابن عبّاس: «... وأقسم باللَّه ربّ العالمين، ما يسرّني أنّ ما أخذته من أموالهم حلال لي، أتركه ميراثا لمن بعدي، فضحّ رويدا، فكأنك قد بلغت المدى، ودفنت تحت الثّرى، وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الّذي ينادي الظّالم فيه بالحسرة...». قال الشّارح: (فضحّ رويدا) كلمة تقال لمن يؤمر بالتّؤدة والأناة والسّكون. وأصلها، الرّجل يطعم إبله ضحى، ويسيّرها مسرعا ليسير، فلا يشبعها، فيقال له: (ضحّ رويدا). قال الزّمخشريّ: (ضحّ رويدا): أي ترفّق ولا تعجل، وأصله أنّ الأعراب في باديتها تسير بالظّعن، فإذا عثرت على لمع من العشب قالت ذلك، وغرضها أن يرعى الإبل الضّحى قليلا قليلا، وهي سائرة حتّى‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 244

إذا بلغت مقصدها شبعت. فلمّا كان من التّرفّق في هذا توسّعوا، فقالوا: في كلّ موضع (ضحّ)، بمعنى: ارفق، والأصل ذاك. قال زيد الخيل:

         فلو أنّ نصرا أصلحت ذات بينها            لضحّت رويدا عن مطالبها عمرو

 

و غرض الإمام عليه السّلام من الأمر بالتّرفّق، أن ينبّه ابن عبّاس مغبّة الخيانة، ولا بدّ من الدّخول في القبر، والحشر والعرض على اللَّه بالأعمال، يوم ينادي الظّالم بالحسرة، ويعضّ على يده، وينادي بالويل والثّبور. والأمر أفظع من ذلك فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 245

حرف الطّاء

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 246

80-  الطّريق الوسطى هي الجادّة

في خطبة خطبها أمير المؤمنين عليه السّلام بالمدينة، لمّا بويع بالخلافة: «اليمين والشّمال مضلّة، والطّريق الوسطى هي الجادّة». قد تكلّمنا على «اليمين والشّمال مضلّة» المثل السّائر، أو صالح لأن يكون مثلا سائرا، ومنه يعلم قوله عليه السّلام: «الطّريق الوسطى هي الجادّة» بالمقابلة معه.

و قد كرّر التّرغيب على الأخذ بالوسط، ومنه الحديث النّبويّ: «خير الأمور أوسطها». الأمور جمع الأمر بمعنى: الشّي‏ء وأمّا بمعنى الطّلب فجمعه الأوامر.

و قبل كلّ شي‏ء القرآن الكريم، قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.

------------------------------------------------------------------- صفحة 247

قيل: أي خيارا، وقيل للخيار: وسط لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخلل، والأعوار والأوساط محميّة محوّطة. ومنه قول الطّائي:

         كانت هي الوسط المحمّي فاكتنفت            بها الحوادث حتّى أصبحت طرفا

 

 

 

عن الصّادق عليه السّلام قال: «ظننت أنّ اللَّه-  تعالى-  عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين أفترى انّ من لا تجوز شهادته في الدّنيا على صاع من تمر، يطلب اللَّه شهادته يوم القيامة، ويقبلها منه بحضرة جميع الأمم الماضية كلّا لم يعن اللَّه مثل هذا من خلقه، يعني الأمّة الّتي وجبت لها دعوة إبراهيم عليه السّلام: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. وهم الأمّة الوسطى، وهم خير أمّة أخرجت للنّاس. والأخبار كثيرة أنّها نزلت في الأئمّة عليهم السّلام، والجمهور فسّروها بغير ذلك. ففي الكشّاف: أنّ الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب اللَّه الأنبياء بالبيّنة على أنّهم قد بلّغوا، وهو أعلم، فيؤتى بأمّة محمّد-  صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم-  فيشهدون، فتقول الأمم: من أين عرفتم فيقولون: علمنا

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 248

ذلك بإخبار اللَّه في كتابه النّاطق على نبيّه الصّادق، فيؤتى بمحمّد-  صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم-  فيسأل عن حال أمّته، فيزكّيهم ويشهد بعد التهم وذلك قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً. أقول: كيف يشهد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم بعدالة أمّة قتلت ابن بنته الحسين بن عليّ عليهم السّلام مع ولده وأصحابه في أرض كربلاء، وقد صنعت ما صنعت قبل حادثة كربلاء وبعدها. وعليه فالحديث كما ترى لا يصلح لتفسير الآية به، ولا بغيره لمطلق الأمّة، بل المراد بها: الأئمّة المعصومون-  عليهم السّلام-  الجائزة شهادتهم على الإطلاق، لا الأمّة الّتي يقع منها الخطأ.

و عن الباقر عليه السّلام: «نحن الأمّة الوسط، ونحن شهداء اللَّه على خلقه، وحججه في أرضه وسمائه». وعبّر عنهم عليهم السّلام في أحاديثهم بالنّمرقة الوسطى، ونمط الحجاز، فمن الحكم العلويّة: «نحن النّمرقة الوسطى الّتي يلحق بها التّالي، وإليها يرجع الغالي». وعن الباقر عليه السّلام: «نحن نمط الحجاز. قيل: وما نمط الحجاز

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 249

قال: أوسط الأنماط، إنّ اللَّه يقول: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً. قال: «إِلينا يرجع الغالي، وبنا يلحق المُقصّر». إنّ كلّ فضيلة مجنّحة بطرفين معدودين من الرّذائل، قاله المعتزليّ في كلام له: النّمرق والنّمرقة بالضّم فيهما: وسادة صغيرة ويجوز النّمرقة بالكسر فيهما ويقال للطّنفسة فوق الرّحل: نمرقة. والمعنى: أنّ كلّ فضيلة فإنّها مجنّحة بطرفين معدودين من الرّذائل، كما أوضحناه آنفا.

و المراد أنّ آل محمّد عليه وعليهم السّلام هم الأمر المتوسّط بين الطّرفين المذمومين، فكلّ من جاوزهم فالواجب أن يرجع إليهم، وكلّ من قصّر عنهم فالواجب أن يلحق بهم. وللوسطى مصاديق أخر ومنها: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى‏. وهي الظّهر. وقيل: غيره.

------------------------------------------------------------------- صفحة 250

و الوسط محبوب، وسواه ضلال، ومنه: «اليمين والشّمال مضلّة».

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 251

حرف الظّاء

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 252

81-  ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه

من حكمه عليه السّلام: «ما أضمر أحد شيئا إلّا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه». قال الشّارح المعتزليّ: قال زهير بن أبي سلمى:

         ومهما تكن عند امرئ من خليقة            وإن خالها تخفى على النّاس تعلم‏

 

و قال آخر:

         وفي عينيك ترجمة أراها          تدلّ على الضّغائن والحقود

         وأخلاق عهدت اللّين فيها         غدت وكأنّها زبر الحديد

         وقد عاهد تني بخلاف هذا        وقال اللَّه: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

 

و كان يقال: العين والوجه واللّسان أصحاب أخبار على القلب.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 253

و قالوا: القلوب كالمرايا المتقابلة، إذا ارتسمت في إحداهنّ صورة ظهرت في الأخرى، إشارة إلى أوّل آية من سورة المائدة.

و من المثل السّائر المولّد: (غشّ القلوب يظهر في فلتات الألسن وصفحات الوجوه). إنّ الّذين يتفرّسون الحقائق من صفحات الوجوه وفلتات الألسن، على قسمين: الأوّل: هم المؤمنون ينظرون بنور الإيمان يشير إليه الحديث النّبويّ: «اتّقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور اللَّه». وفي مقدّمتهم الأئمّة المعصومون عليهم السّلام.

فسّرت الآية: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ بهم كما في صحيح محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «هم الأئمّة، قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله-  وسلّم- : اتقوا...». إلى آخر الحديث المتقدّم.

تطبيق المؤمن عليهم عليهم السّلام من باب أظهر أفراد المؤمنين، بل‏

------------------------------------------------------------------- صفحة 254

هم أئمّتهم، وعلومهم مشتقّة من علم النّبيّ الأعظم صلّى اللَّه عليهم وسلّم، وهو من اللَّه عزّ وجلّ، كما أنشده السّيّد الأمين طاب ثراه:

         هم أبحر العلم الّتي ما شانها            كدر ومجراها من الرّحمن

 

و القسم الثّاني: هو فنّ حاصل عند أرباب التّجارب والذّكاء، يستدلّون على أمور تخفى بما في الوجوه والأعضاء. ربّ طرف أفصح من لسان.

         إن كاتمونا القلى نمّت عيونهم            والعين تظهر ما في القلب أو تصف‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 255

حرف العين

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 256

82-  العالم من عرف قدره

في خطبة له عليه السّلام: «العالم من عرف قدره، وكفى بالمرء جهلا ألّا يعرف قدره......». تقدّم البحث المشبع حول المثل: «كفى بالمرء جهلا ألّا يعرف قدره». قال المعتزليّ: قوله عليه السّلام: «العالم من عرف قدره»، من الأمثال المشهورة عنه عليه السّلام، وقد قال النّاس بعده في ذلك، فأكثروا، نحو قولهم: إذا جهلت قدر نفسك، فأنت لقدر غيرك أجهل. ونحو قولهم: من لم يعرف قدر نفسه، فالنّاس أعذر منه إذا لم يعرفوه، ونحو قول الشّاعر أبي الطّيّب:

         ومن جهلت نفسه قدره            رأى غيره منه ما لا يرى‏

 

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 257

ثمّ عبّر عن هذا المعنى بعبارة أخرى، فصارت مثلا أيضا: وهي قوله-  عليه السّلام- : «كفى بالمرء جهلا ألّا يعرف قدره». ومن الكلام المرويّ عن أبي عبد اللَّه الصّادق عليه السّلام مرفوعا: «ما هلك امروء عرف قدره». رواه أبو العبّاس المبرّد في الكامل، قال: ثمّ قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام: «و ما أخال رجلا يرفع نفسه فوق قدرها إلّا من خلل في عقله». قد عرفت أنّ عامر الشّعبيّ عدّ المثل: «ما هلك امروء عرف قدره». من كلمات أمير المؤمنين عليه السّلام التّسع.

قال الشّارح إثر ما تقدّم: وروى صاحب الكامل أيضا عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام قال: «لمّا حضرت الوفاة عليّ بن الحسين-  عليهما السّلام-  أبي، ضمّني إلى صدره، ثمّ قال: يا بنيّ أوصيك بما أوصاني به أبي يوم قتل، وبما ذكر لي: أنّ أباه عليّا عليه السّلام أوصاه يا بنيّ: عليك ببذل نفسك فإنّه لا يسرّ أباك بذلّ نفسه حمر النّعم. وكان يقال: من عرف قدره استراح». وفي الحديث المرفوع: «ما رفع أمروء نفسه في الدّنيا درجة، إلّا حطّه اللَّه تعالى في الآخرة درجات». وكان يقال: من رضي عن نفسه كثر السّاخطون عليه

------------------------------------------------------------------- صفحة 258

و نحن قلنا في تفسير معرفة قدر المرء بالقياس إلى الفراغ الموجود في وجوده الّذي لا يسدّه شي‏ء إلّا اللَّه عزّ وجلّ، وهذه منزلة رفيعة لا أرفع منها. نعم إذا أخذنا بالاعتبار الاجتماعي جاء التّفسير المنقول والأولى القول بكلا التّفسيرين.

83-  عالمها ملجم وجاهلها مكرم

قوله عليه السّلام: «عالمها ملجم وجاهلها مكرم» من خطبة أوّلها: «أحمد استتماما لنعمته» مترسّلة إلى قوله عليه السّلام: «أطاعوا الشّيطان فسلكوا مسالكه، ووردوا مناهله، بهم سادت أعلامه وقام لواؤه. في فتن داستهم بأخفافها، ووطئتهم بأظلافها، وقامت على سنابكها، فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون، في خير دار، وشرّ جيران، نومهم سهود وكحلهم دموع، بأرض عالمها ملجم، وجاهلها مكرم». إنّما كرّرناه هنا وقد ذكرناه مرّة عند المثل: «خير دار وشرّ جيران»، وأخرى عند أمثال مأخوذة من نفس الخطبة، فراجع.

 لتربط آخر قوله عليه السّلام المبحوث في المقام بأوّله.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 259

اللّجام: ما يوضع في فم الفرس، يقال: ألجمت الفرس إلجاما: أي جعلت اللّجام في فمه، قيل: هو عربيّ، وقيل: معرّب، والجمع لجم. «من سئل عمّا يعلمه فكتمه، ألجمه اللَّه بلجام من نار يوم القيامة». والممسك عن الكلام ممثّل بمن ألجم نفسه بلجام. والمراد بالعلم: ما يلزمه تعليمه، ويتعيّن عليه إظهاره، كمن يرى رجلا حديث عهد بالإسلام، ولا يحسن الصّلاة وقد حضر وقتها، فيقول: علّموني كيف أصلّي، وكمن جاء مستفتيا في حلال أو حرام فإنّه يلزم في هذا وأمثاله تعريف الجواب، ومن منعه استحقّ الوعيد. وأمّا المراد من قول الإمام عليه السّلام: «بأرض عالمها ملجم، وجاهلها مكرم»، فحالة التّقيّة والخوف من إظهار الحقّ، وهذا بخلاف الحديث المتقدّم، حيث المانع من قبل الكاتم مع وجود القابل لو أظهر الحقّ، فلو لم يظهره ألجم بلجام من النّار. نعم إنّ المؤمن ملجم لا يستطيع إظهار كلّ شي‏ء، بل الأحكام الخمسة جارية فيه من وجوب الإظهار وحرامه ومكروهه وندبه وإباحته، وهي في كلّ أمر قابل للقسمة إليها.

و أمّا قوله عليه السّلام: «و جاهلها مكرم»، فهذا إذا ضاع العالم بين النّاس، وقد تغلّب الجهل عليهم وساد، فلا يقيمون للعلم وزنا ومن ثمّ يموت العلم بموت حامله كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام في كلام له: «كذلك يموت العلم بموت حامليه...». وتظهر البدع فوجب على‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 260

العالم إظهار علمه على ما نصّ في النّبويّ: «إذا ظهرت البدع في أمّتي، فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة اللَّه». إلّا أن يلجمه صاحبه، كما في فرض كلام الإمام عليه السّلام.

 

ثمّ الكلام العلويّ صالح للتّمثّل به فيما يناسبه، وإن لم يكن مثلا.

84-  العفاف زينة الفقر

قال عليه السّلام: «العفاف زينة الفقر، والشّكر زينة الغنى». العفاف هنا: التّعفّف عن السّؤال بإظهار الغنى.

و آية: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، وإن نزلت في أصحاب الصّفة، وهم نحو أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، إلّا أنّها تعمّ غيرهم أيضا.

قال بعضهم: وقفت على كنيف، وفي أسفله كنّاف، وهو ينشد:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 261

 

         وأكرم نفسي عن أمور كثيرة            ألا إنّ إكرام النّفوس من العقل‏

         وأبخل بالفضل المبين على الألى       رأيتهم لا يكرمون ذوي الفضل‏

         وما شانني كنس الكنيف وإنّما          يشين الفتى أن يجتدي نائل النّذل‏

         وأقبح ممّا بي وقوفي مؤمّلا             نوال فتى مثلي وأيّ فتى مثلي

 

و من أمثالهم المشهورة: (تجوع الحرّة، ولا تأكل بثدييها): أي لا تكون ظئرا، وإن آذاها الجوع. عن الصّادق عليه السّلام قال: «شيعتنا من لا يسأل النّاس، ولو مات جوعا». وعنه عليه السّلام أيضا: «لو يعلم السّائل ما عليه من الوزر ما سأل أحد أحدا، ولو يعلم المسئول ما عليه إذا منع ما منع أحد أحدا». وحديث باقريّ: «اليأس ممّا في أيدي النّاس عزّ للمؤمن في دينه. أو ما سمعت قول حاتم:

         إذا ما عزمت اليأس ألفيته الغنى            إذا عرفته النّفس والطّمع الفقر».

 

و صادقيّ: «ثلاثة هنّ فخر المؤمن، وزينة في الدّنيا والآخرة: الصّلاة

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 262

في آخر اللّيل، ويأسه ممّا في أيدي النّاس، وولاية الإمام من آل محمّد-  صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم- ». ونبويّ: «ازهد في الدّنيا يحبّك اللَّه، وازهد فيما أيدي النّاس يحبّك النّاس». وأنشد الأصمعيّ لبعضهم:

         أقسم باللَّه لمصّ النّوى           وشرب ماء القلب المالحه‏

         أحسن بالإنسان من ذلّه           ومن سؤال الأوجه الكالحه‏

         فاستغن باللَّه تكن ذا غنى         مغتبطا بالصّفقة الرّابحه‏

         طوبى لمن تصبح ميزانه         يوم يلاقي ربّه راجحه

 

العفاف سبب القناعة بالقليل، وتعويد النّفس به، وقد قيل: أبرع بيت قالته العرب بيت أبي ذؤيب الهذليّ:

         والنّفس راغبة إذا رغّبتها            وإذا تردّ إلى قليل تقنع‏

 

و كان يقال: أنت أخو العزّ ما التحفت القناعة، ويقال: اليأس حرّ، والرّجاء عبد. وقال بعض المفسّرين في قول اللَّه عزّ وجلّ: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً. قال: بالقناعة. وقال أبو العتاهية:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 263

 

         إن كان لا يغنيك ما يكفيكا            فكلّ ما في الأرض لا يغنيكا.

 

85-  على أثر الماضي ما يمضي الباقي

من خطبة له عليه السّلام: «... أو لم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون، وإلى الخلف الباقين لا يبقون أولستم ترون أهل الدّنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتّى: فميّت يبكى، وآخر يعزّى، وصريع مبتلى، وعائد يعود، وآخر بنفسه يجود، وطالب للدّنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه وعلى أثر الماضي ما يمضي الباقي». كالقطار يتبع بعضه بعضا في السّير.

قيل: (ما) في (ما يمضي الباقي) زائدة: أي على أثر الماضي يمضي الباقي وهو صالح للمثل، إن لم يكن مثلا.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 264

قسّم عليه السّلام النّاس إلى سبعة أقسام: ميّت يبكي عليه أهله، ومعزّى يسلّيه أصحابه، ومريض يعالج مرضه، وعائد المرضى، ومحتضر يجود بنفسه، وفي حين ما يطلبون الدّنيا ولذّاتها، الموت في طلبهم، واللَّه عزّ وجلّ يرقب الغافل وهو له بالمرصاد. طبّق ولا حرج على نفسك، إنّهم لا يخلون منك وأنت منهم لا محالة.

و ربّما مات ميّت ولا باك له، إمّا لانقراض ذويه، أو مات في دار غربة إذ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ. أو لا أحد له فيعزّى بموته.

و أمّا سكرة الموت فالكلّ لها ذائقون، كائنا من كان لا يحيدون عنها: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ. ومن استطاع أن يفرّ من الموت فليفرّ: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا. واقع في قبضته كغيره، كما قال عزّ وجلّ مخاطبا لنبيّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ. وماض على أثر الماضين: «سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا.

------------------------------------------------------------------- صفحة 265

 

         وهنّ المنايا أيّ واد سلكته           عليها طريقي أو عليّ طريقها

         فقد آذنتني بانقطاع وفرقة           وأو مض لي من كلّ أفق بروقها

         وترمي قساوات القلوب بأسهم       وجمر فراق لا يبوخ حريقها

 

ثمّ قال السّجاد عليه السّلام: «فانظر بعين قلبك إلى مصارع أهل البذخ، وتأمّل معاقل الملوك ومصانع الجبّارين، وكيف عركتهم الدّنيا بكلا كل الفناء». (النّاس نقائع الموت). النّقيعة من الإبل: ما يجزر من النّهب قبل القسم. يعني أنّ الموت يجزر الخلق. وفي أبيات الإمام الهادي عليه السّلام في مجلس المتوكّل العباسيّ من العظة البالغة للمؤمنين وغيرهم، ممّن كان له قلب، أو من رام التّجافي عن دار الغرور.

«... كان المتوكّل جالسا في مجلس الشّرب، فدخل-  الإمام عليه السّلام-  عليه، والكأس في يد المتوكّل، فلمّا رآه هابه وعظّمه، وأجلسه إلى جانبه، وناوله الكأس التّي كانت في يده، فقال: واللَّه ما يخامر لحمي ودمي قطّ، فاعفني، فأعفاه، فقال: أنشدني شعرا، فقال‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 266

عليه السّلام: إنّي قليل الرّواية للشّعر، فقال: لا بدّ، فأنشده عليه السّلام وهو جالس عنده:

         باتوا على قلل الأجبال تحرسهم         غلب الرّجال فلم تنفعهم القلل‏

         واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم          وأسكنوا حفرا يا بئسما نزلوا

         ناداهم صارخ من بعد دفنهم            أين الأساور والتّيجان والحلل‏

         أين الوجوه الّتي كانت منعّمة           من دونها تضرب الأستار والكلل‏

         فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم         تلك الوجوه عليها الدّود تقتتل‏

         قد طال ما أكلوا دهرا وقد شربوا      وأصبحوا اليوم بعد الأكل قد أكلوا

 

».86-  على ذلك نسلت القرون

كلمة مقولة لاستدامة الشّي‏ء واستمراره، وقد طبّقها الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام على تواتر الرّسل، وإنزال الكتب والشّرائع السّماويّة لهداية الخلق، منذ البدء إلى أن اتّصلت بشريعة المصطفى صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم. حيث قال عليه السّلام: «و اصطفى سبحانه من ولده أنبياء، أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرّسالة أمانتهم...-  إلى أن قال عليه السّلام:-  لى ذلك نسلت‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 267

القرون، ومضت الدّهور، وسلفت الآباء، وخلفت الأبناء، إلى أن بعث اللَّه سبحانه محمّدا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله-  وسلّم-  لإنجاز عدته، وتمام نبوّته، مأخوذا على النّبيّين ميثاقه، مشهورة سماته، كريما ميلاده......». قال ابن فارس: النّسل: الولد لأنّه ينسل من والدته، ومنه النّسلان: مشية الذّئب إذا أعنق وأسرع. والماشي ينسل إذا أسرع. قال اللَّه عزّ وعلا: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وقد أنسلت الإبل، حان لها أن تنسل وبرها. ونسل الثّوب عن الرّجل: سقط. أقول: من معنى الإسراع قوله تعالى: إِلى‏ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ. قال الشّيخ الطّريحيّ: قوله عزّ وجلّ: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى‏ [20 51]: أي ما حال الأمم الماضية وشأنهم في السّعادة والشّقاوة والقرن: أهل زمان واحد. قال شاعرهم:

         إذا ذهب القرن الّذي أنت فيهم            وخلّفت في قرن فأنت غريب‏

 

و قيل: هو مدّة أغلب أعمار النّاس، وهو سبعون سنة.

------------------------------------------------------------------- صفحة 268

و قال ابن الأثير: القرن: أهل كلّ زمان، وهو مقدار التّوسّط في أعمار أهل كلّ زمان، مأخوذ من الاقتران، وكأنّه المقدار الّذي يقترن فيه أهل ذلك الزّمان في أعمارهم وأحوالهم.

و قيل: القرن: أربعون سنة، وقيل: ثمانون، وقيل: مائة، ومنه الحديث: «أنه-  صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم-  مسح على رأس غلام، وقال: عش قرنا»، فعاش مائة سنة. إن صحّ الحديث، فالقرن مائة سنة.

و كيف كان، فمراد الإمام عليه السّلام من «على ذلك نسلت القرون»: أنّهم توالدوا وتناسلوا على ذلك المنوال، من مجي‏ء كلّ نبيّ إلى أمّته، إلى أن انتهى الأمر إلى عصر النّبوّة المحمّديّة البيضاء وأمّته، فأدّى ما حمّل صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم من تبليغ الرّسالة، مبشّرا ونذيرا، ولكنّ الأمّة افترقت بعده إلى ثلاث وسبعين فرقة، واحدة منها ناجية، والبقيّة الباقيّة في النّار. وقد كثر التّمثيل للدّهر والزمان، ومنه قولهم: (أباد الأمم والقرون تعاقب الحركة والسّكون).

         الدّهر لا يبقى على حالة            لكنّه يقبل أو يدبر

         فإن تلقّاك بمكروهه                 فاصبر فإنّ الدّهر لا يصبر

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 269

87-  على وضر من ذا الإناء قليل

تمثّل به عليه السّلام، وهو شطر بيت أوّله:

         لعمر أبيك الخير يا عمرو إنّني‏

 

كما في خطبة له عليه السّلام، وقد تواتر عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد، وقدم عليه عاملاه على اليمن، وهما: عبيد اللَّه بن عبّاس، وسعيد بن نمران، لمّا غلب عليهما بسر بن أرطاة، فقام على المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد، ومخالفتهم له في الرّأي، فقال عليه السّلام: «ما هي إلّا الكوفة، أقبضها وأبسطها، إن لم يكن إلّا أنت تهبّ أعاصيرك، فقبّحك اللَّه، وتمثّل بقول الشّاعر:

         لعمر أبيك الخير يا عمرو إنّني            على وضر من ذا الإناء قليل‏

 

»

------------------------------------------------------------------- صفحة 270

و البيت من-  الطّويل- .

و الغرض من التّمثّل به يعرف من كلامه عليه السّلام قبله،: أي قبل البيت: «ما هي إلّا الكوفة...». إنّها لديه عليه السّلام كالوضر القليل في الإناء، وهو غسالة الشّي‏ء، وبقيّة الدّسم: أي لم يبق من البلاد والعباد له سوى الكوفة، وهي مهدّدة بجيش الشّام، لخذلان أصحابه بنهو ضهم للجهاد مع العدوّ، واستيلاء ابن أرطاة من قبل معاوية على اليمن، وقتل أهلها، وهي من الحوادث الممضّة. وهكذا كان-  أرواحنا فداه-  أيّام خلافته ممتحنا بالفتن، وخذلان صحبه، وأهل الكوفة أهل الغدر والتّخذيل، وكثيرا ما كان يستنهضهم لجهاد العدوّ، فلم ينهضوا. بالحرّ والقّرّ كانوا يقولون: حتّى تنقضي حمارّة الحرّ، أو قرص البرد. وهو يخوّفهم نار جهنّم وغيرها من ألوان عذاب اللَّه الأكبر، فلم يتخوّفوا.

فهو عليه السّلام أوّل مظلوم في العالم، قبل خلافته، وبعدها، وقبل وفاة النّبيّ الكريم صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم، وبعدها، وفي كلّ حالاته صلوات اللَّه وسلامه عليه.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 271

88-  عند الصّباح يحمد القوم السّرى

من خطبة آخرها: «و اللَّه لقد رقّعت مدرعتي هذه، حتّى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها عنك فقلت: اعزب عنّي فعند الصّباح يحمد القوم السّرى». قال المفضّل: أوّل من قال ذلك خالد بن الوليد...:

         للَّه درّ رافع أنّى اهتدى            فوّز من قراقر إلى سوى‏

         عند الصّباح يحمد القوم السّرى    وتنجلي عنهم غيابات الكرى

 

قال الزّمخشريّ: أي إذا أصبح الّذين قاسوا كدّ السّرى وقد خلّفوا، تبجّحوا بذلك، وحمدوا ما فعلوا. يضرب في الحثّ على مزاولة الأمر بالصبّر، وتوطين النّفس حتّى تحمد عاقبته، قال الجليح:

         إنّى إذا الجبس على الكور انثنى          لو سئل الماء فداء لافتدى‏

         وقال: كم أتعبت قلت: قد أرى           عند الصّباح يحمد القوم السّرى‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 272

         وتنجلي عنه عمايات الكرى‏

 

 يضرب للرّجل يحتمل المشقّة رجاء الرّاحة. مثل يضرب لمحتمل المشقّة العاجلة رجاء الرّاحة الآجلة. اختلف في قائله، قد عرفت نسبته إلى خالد، وقيل: هو للجليح، وقيل: للأغلب العجليّ، أو غيرهم. وكيف كان، فقد بان معنى المثل في مورده الأوّل.

و أمّا تمثّل الإمام عليه السّلام به عند ترقيع مدرعته الّتي تعدل جبب السّلاطين، وألبستهم المزيّفة، بل لا قياس بينها وبين جميع ما في الدّنيا والعالم، فلو هن المادّة، وصغرها في عينه، ولاقتداء الفقراء به. قيل له: لم ترقّع قميصك قال عليه السّلام: ليخشع القلب، ويقتدي بي المؤمنون. قيل: كان راقعها ابنه الحسن عليه السّلام، أو أهله، ومن هنا قال عليه السّلام: «حتّى استحييت من رافعها». لا يستطيع واصف أن يصف زهده عليه السّلام، فعلى شيعته الاقتداء به، والاستضاءة بنور علمه، وتقوى اللَّه عزّ وجلّ، كما كان هو كذلك، روحي فداه. وكيف وهو إمام المتّقين.

و يضاهي المقام المثل السّائر: (التّمر في البئر، وعلى ظهر الجمل): أي من سقى وجد عاقبة سقيه.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 273

حرف الغين

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 274

89-  غرض لنابل، وأكلة لآكل، وفريسة لصائل

من كلام له عليه السّلام: «أرضكم قريبة من الماء، بعيدة من السّماء، خفّت عقولكم، وسفهت حلومكم فأنتم غرض لنابل، وأكلة لآكل، وفريسة لصائل». قال البحرانيّ: قرب أرضهم- : أي أهل البصرة-  إشارة إلى أنّها- : أي البصرة-  موضع هابط مستفل من الأرض، وقريب من البحر، فهو- : أي البحر-  بصدد أن يعلوها بملاقاة دجلة، وذلك مشاهد في دخول الماء حدائقهم، وسقيه بساتينهم، في كلّ يوم مرّة أو مرّتين.

أمّا كونها بعيدة من السّماء، فبحسب استفالها عن غيرها من الأرض وقيل: إنّ من أبعد موضع في الأرض عن السّماء الأبلّة، وأنّ ذلك ممّا دلّت عليه الأرصاد، وبرهن عليه أصحاب علم الهيئة.

و قال بعضهم: إنّ كون ذلك في معرض الذّم يصرفه عن مظاهره، وإنّما الإشارة إلى أنّهم لمّا كانوا بالأوصاف المذمومة الّتي عدّدها فيهم،

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 275

كانوا بعداء عن نزول الرّحمة عليهم من سماء الجود الإلهيّ، مستعدّين لنزول العذاب. ويصدق في العرف أن يقال: فلان بعيد من السّماء، إذا كان كما ذكرناه.

قوله: «خفّت عقولكم» إشارة إلى قلّة استعدادهم لدرك وجوه المصالح، وضعف عقولهم عن تدبير أحوالهم، وتسرّعهم إلى ما لا ينبغي لغفلتهم عمّا ينبغي، وهو وصف لهم برذيلة الغباوة.

قوله: «سفهت حلومكم» إشارة إلى وصفهم برذيلة السّفه، والخفّة المقابلة للحلم.

قوله: «فأنتم غرض لنابل، وأكلة لآكل، وفريسة لصائل»، هذه الأوصاف الثّلاثة لازمة عن خفّة عقولهم، وسفه حلومهم ولذلك عقّبها بها لأنّ طمع القاصد لهم بأنواع الأذى إنّما ينشأ من العلم بقلّة عقليّتهم لوجوه المصالح، وسفههم، فيقصدهم بحسن تدبيره.

و الأوّل من هذه الأوصاف كناية عن كونهم مقصدا لمن يريد أذاهم.

و الثّاني كناية عن كونهم في معرض أن يطمع في أموالهم ونعمتهم، ويأكلها من يقصد أكلها.

و الثّالث عن كونهم بصدد أن يفترسهم من يقصد قتلهم وإهلاكهم.

و استعار لفظ الغرض- : أي المرمى-  والأكلة والفريسة لهم، ووجوه المشابهة فيها ظاهرة. وقد راعى في القرائن السّجع، ففي الأوّلين السّجع‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 276

المطرّف، وفي الآخرين بعدهما والثّلاث السّجع المتوازي. جئنا عن آخر كلامه-  رحمه اللَّه-  لكونه وافيا بالمقصود، ولكن ما نقله عن البغض من صرف ظاهر كلام الإمام عليه السّلام إلى المراد من بعد أرضهم من السّماء، بعدهم عن نزول الرّحمة، وقربهم إلى العذاب، يردّه التّعليل والتّرتّب بين قرب الأرض من الماء، وبعدها عن السّماء، وخفّة عقولهم، وسفه حلومهم. فالأولى الإبقاء على ظاهر الكلام، ولا وجه لتأويل ما كان فيه للحقيقة سبيل.

ثمّ الأمثال الثّلاثة لها نظائر من المثل السّائر، ومنه الدّعاء: «لا تجعلني للبلاء غرضا». و(أكلة الشّيطان). ولا يقال الفريسة إلّا في الأسد: وهو كسر العظم للأكل، وكذا الصّول.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 277

90-  الغريب من لم يكن له حبيب

في كلام له عليه السّلام: «الغريب من لم يكن له حبيب». قال ابن أبي الحديد: يريد بالحبيب ههنا: المحبّ، لا المحبوب.

قال الشّاعر:

         أسرة المرء والداه وفيما            بين جنبيهما الحياة تطيب‏

         وإذا ولّيا عن المرء يوما            فهو في النّاس أجنبيّ غريب

 

و يماثله من وجه المثل السّائر: (إنّ الذّليل الّذي ليس له عضد). أقول: قد يكون الحبيب بمعنى المحبوب إذا كان الحبّ حبّا حقيقيّا، متبادلا بين الجانبين. والأصل في الحبّ حبّ اللَّه عزّ وجلّ‏

------------------------------------------------------------------- صفحة 278

لولاه لما كان حبّ والدّليل عليه قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ حيث قدّم حبّه تعالى على حبّهم في الذّكر وفقا لتقديم العلّة على المعلول، وهو تعالى على الإطلاق محبوب محبّ. وكذا رسوله، وأهل بيته عليهم السّلام.

و من هنا جاء في زيارة الإمام المهديّ عجّل اللَّه فرجه الشّريف المبدوءة ب: «سلام على آل يس»، «و أنّ محمّدا عبده ورسوله، لا حبيب إلّا هو وأهله» بعد حبّ اللَّه عزّ وجلّ.

فالمؤمن وإن كان بحسب بعض الأحاديث غريبا، ليس بغريب لأنّ اللَّه ورسوله والأئمّة الهادين أحبّاؤه، وكذا بالقياس إلى مؤمن مثله والكافر غريب، وإن كان له حبيب، أو المؤمن الكائن في دار الشّرك، أو غيره، كما يشهد لذلك ما عن الصّادق عليه السّلام، قال: «يقول أحدكم: إنّي غريب، إنّما الغريب الّذي يكون في دار الشّرك». ومنه الحديث النّبويّ: «الإسلام بدأ غريبا، وسيعود كما بدأ، وطوبى للغرباء».

------------------------------------------------------------------- صفحة 279

و الوجه فيه أنّ الغربة والأنس أمران إضافيّان، فالغربة في شي‏ء بالقياس إلى شخص، أنس بالقياس إلى آخر، أو حالة بالإضافة إلى حالة ثانية، وهكذا، ولا بدّ من لحاظ الواجد لمن يأنس به والفاقد له.

و امّا كلام الإمام عليه السّلام، فربّما يزعم أنّه يريد معنى متعارفا هو أضيق دائرة من المعنى المتقدّم الذّكر، إلّا أنّه زعم لا دليل عليه بعد إطلاق الكلام الشّامل للمعنى الأوسع، فاختر ما تحبّ.

حبيب الإنسان: الّذي هو موضع سرّه الصّادق في حبّه، وألف خصلة أخرى تحقّق أخوّته وخلّته (إنّ الصّديق من صدقك لا من صدّقك)، (أخوك من صدقك النّصيحة)، يعني: النّصيحة في أمر الدّين والدّنيا. (لا يكون الصّديق صديقا حتّى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته، وغيبته، ووفاته.) وصادقيّ: «إنّ الّذين تراهم لك أصدقاء، إذا بلوتهم وجدتهم على طبقات شتّى: فمنهم كالأسد في عظم الأكل، وشدّة الصّولة، ومنهم كالذّئب في المضرّة، ومنهم كالكلب في البصبصة، ومنهم كالثّعلب في الرّوغان والسّرقة صورهم مختلفة، والحرفة واحدة. ما تصنع غدا إذا تركت فدا وحيدا لا أهل لك ولا ولد، إلّا اللَّه ربّ العالمين». وعن الصّادق عليه السّلام:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 280

 

         أخوك الّذي لو جئت بالسّيف عامدا         لتضربه لم يستغشّك في الودّ

         ولو جئته تدعوه للموت لم يكن            يردّك إبقاء عليك من الرّدّ...

 

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 281

حرف الفاء

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 282

91-  فاز... بالسّهم الأخيب

في خطبة له عليه السّلام، أوّلها: «أيّها النّاس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم-  إلى فقرة:-  ومن فاز بكم فقد فاز واللَّه بالسّهم الأخيب...». ونقلها الشّيخ المجلسيّ مع تفاوت الألفاظ منها: «إنّ من فاز بكم فقد فاز بالخيبة». والشّيخ المحموديّ في باب الخطب: «من فاز بكم فاز بالسّهم الأخيب». وهو من الأمثال السّائرة، ذكره الميدانيّ، قال: (من فاز بفلان فقد فاز بالسّهم الأخيب). وفي كلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه-  عليه السّلام-  أنّه قال: «من فاز بكم فقد فاز بالسّهم الأخيب»، يضرب في خيبة الرّجل في مطلوبه.

------------------------------------------------------------------- صفحة 283

و الزّمخشريّ قال: قاله عليّ رضي اللَّه عنه-  عليه السّلام-  في بعض من استبطأ من أصحابه. يضرب في ذمّ الرّجل النّكد. النّكد بكسر النّون: قليل الخير العسر، وجمعه أنكاد.

و قال ابن الأثير: في حديث عليّ-  عليه السّلام- : «من فاز بكم فقد فاز بالقدح الأخيب»: أي بالسّهم الخائب الّذي لا نصيب له من قداح الميسر، وهي ثلاثة: المنيح، والسّفيح، والوغد. والخيبة: الحرمان والخسران، وقد خاب يخيب ويخوب. وقال: السّهم في الأصل واحد السّهام الّتي يضرب بها في الميسر، وهي القداح، ثمّ سمّي به ما يفوز به الفالج سهمه، ثمّ كثر حتّى سمّي كلّ نصيب سهما. ويجمع السّهم على أسهم وسهام وسهمان. ومنه قوله تعالى: فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ. قال الباقر عليه السّلام: «لمّا ركب- : أي يونس-  مع القوم، فوقفت السّفينة في اللّجّة، واستهموا، فوقع السّهم على يونس ثلاث مرّات، فمضى يونس الى صدر السّفينة، فإذا الحوت فاتح فاه، فرمى بنفسه».

------------------------------------------------------------------- صفحة 284

سمّيت القرعة بالمساهمة لكتابة الاسم على السّهم. ومنه الصّادقيّ: «إنّ اللَّه عزّ وجلّ وضع الإيمان على سبعة أسهم: على البرّ، والصّدق، واليقين، والرّضا، والوفاء، والعلم، والحلم ثمّ قسّم ذلك بين النّاس. فمن جعل فيه هذه السّبعة الأسهم فهو كامل محتمل، وقسّم لبعض السّهم، ولبعض السّهمين، ولبعض الثّلاثة، حتّى انتهوا إلى السّبعة، ثمّ قال: لا تحملوا على صاحب السّهم سهمين، ولا على صاحب السّهمين ثلاثة، فتبهضوهم...». وليس أمير المؤمنين عليه السّلام لأوّل مرّة يشكو من أصحابه المتمرّدين، لقد جاء في كلماته: «إن كانت الرّعايا قبلي لتشكو حيف رعاتها، فإنّني اليوم لأشكو حيف رعيّتى، كأنّني المقود وهم القادة، أو الموزوع وهم الوزعة». «قاتلكم اللَّه، لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظا، وجرعتموني نغب التّهمام أنفاسا، وأفسدتم عليّ رأبي بالعصيان والخذلان». النّغب جمع نغبة: وهي الجرعة. والتّهمام بفتح التّاء: الهمّ: أي في كلّ نفس أتجرّع الهمّ منكم. ساعد اللَّه قلبك يا أمير المؤمنين.

و منها قوله عليه السّلام: «اللّهمّ إنّي قد مللتهم وملّوني، وسئمتهم‏

  

-------------------------------------------------------------------صفحة 285

و سئموني، فأبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرّا منّي اللّهمّ مث قلوبهم، كما يماث الملح في الماء، أما واللَّه لوددت أنّ لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم:

         هنالك لو دعوت أتاك منهم            فواس مثل أرمية الحميم‏

 

ثمّ نزل عليه السّلام من المنبر». وما أقلّ أهل الوفاء من أصحابه، يشار بهم بالبنان، كعمّار بن ياسر، والأشتر، وذي الشّهادتين وأضرابهم.

9-  فاعل الخير خير منه، وفاعل الشّرّ شرّ منه

من الكلمات المعدودة من الأمثال، قوله عليه السّلام: «فاعل الخير خير منه، وفاعل الشّرّ شرّ منه». ويماثل المثل الّذي ضربه عليه السّلام، أو هو هو بتغيير مّا، ما ذكره الميدانيّ: (إنّ خيرا من الخير فاعله، وإنّ شرّا من الشّرّ فاعله). وقال: هذا المثل لأخ للنّعمان بن المنذر، يقال له: علقمة، قاله لعمرو بن هند في‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 286

مواعظ كثيرة، كذا ذكره أبو عبيد في كتابه. وللشّارح شرح وبيان قال: قد نظمت أنا هذا اللّفظ والمعنى، فقلت في جملة أبيات لي:

         خير البضائع للإنسان مكرمة            تنمي وتزكو إذا بارت بضائعه‏

         فالخير خير وخير منه فاعله             والشّرّ شرّ وشرّ منه صانعه‏

 

فإن قلت: كيف يكون فاعل الخير خيرا من الخير، وفاعل الشّرّ شرّا من الشّرّ، مع أنّ فاعل الخير إنّما كان ممدوحا لأجل الخير، وفاعل الشّرّ إنّما كان مذموما لأجل الشّرّ، فإذا كان الخير والشّرّهما سببا المدح والذّم، وهما الأصل في ذلك، فكيف يكون فاعلاهما خيرا وشرّا منهما.

قلت: لأنّ الخير والشّرّ ليسا عبارة عن ذات حيّة قادرة، وإنّما هما فعلان، أو فعل وعدم فعل، أو عدمان، فلو قطع النّظر عن الذّات الحيّة القادرة الّتي يصدران عنها لما انتفع أحد بهما، ولا استضرّ، فالنّفع والضّرّ إنّما حصلا من الحيّ الموصوف بهما لا منهما على انفرادهما، فلذلك كان فاعل الخير خيرا من الخير، وفاعل الشّرّ شرّا من الشّرّ. ويؤيّده من بعض الوجوه أنّ العلم إنّما يقوم بأهله، وكذا الجهل لا يكون إلّا بالجاهل، فالعلم والجهل بما هما لا وجود لهما، وهكذا الصّدق‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 287

و الكذب. وقد جاء: «أحسن من الصّدق قائله، وخير من الخير فاعله». وهل الخير قبل الشّرّ كما في الخبر وفيهما بحوث لا تسع المقام.

93-  الفضل للبادي

قال عليه السّلام: «إذا حيّيت بتحيّة فحيّ بأحسن منها، وإذا أسديت إليك يد فكافئها بما يربي عليها، والفضل مع ذلك للبادي». دلّ على ردّ التّحيّة بالأحسن قوله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها. ولعلّ السّرّ فيه هو مكافأة البادي الّذي له الفضل بابتدائه بالتّحيّة ومن أجله قدّم الرّدّ بالأحسن على ردّها بالمثل في الآية الكريمة لأنّ الرّدّ بالمثل إنّما هو جزاء أصل التّحيّة دون الفضل المسبّب عن ابتدائها.

و التّحيّة تعمّ التّحيّة القوليّة وغيرها، ومنه إسداء اليد ومكافأتها المذكور في كلام الإمام عليه السّلام في الفقرة الثّانية.

و في أحاديث أهل البيت عليهم السّلام دلالة على هذا التّعميم:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 288

«جاءت جارية للحسن عليه السّلام بطاق ريحان فقال لها: أنت حرّة لوجه اللَّه، فقيل له في ذلك، فقال عليه السّلام: أدّبنا اللَّه تعالى، فقال: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها، وكان أحسن منها إعتاقها». كما وإنّ من تمام التّحيّة المصافحة والمعانقة، عن الصّادق عليه السّلام: «إنّ من تمام التّحيّة للمقيم المصافحة، وتمام التّسّليم للمسافر المعانقة». والتّحيّة القوليّة: هي السّلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، على اختلاف الصّيغ الّتي يقتضيها المقام.

جاء القرآن الكريم بسلام من اللَّه تعالى ورسله وملائكته: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ. فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ. الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ. تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ. وهو تحيّة الإسلام، وإن كان لكلّ ملّة تحيّة تخصّهم هي دونها، لدلالة السّلام على سلامة نفس المسلّم مع أخيه المسلم وعدم حربه، وهو اسم من اسماء اللَّه الحسنى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 289

السَّلامُ. «اللّهم أنت السّلام، ومنك السّلام، وإليك يعود السّلام، ودارك دار السّلام، حيّنا ربّنا منك بالسّلام». ثمّ البادي بالتّحيّة الّذي له الفضل لا يخصّها فحسب، بل له ذلك إطلاقا في كلّ خير، ومن هنا امتدح السّابقون إلى الخيرات، المسارعون إلى المغفرة في آية الاستباق والمسارعة، وأنّهم المقرّبون في آية: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. ومن قياس الضّدّ يعلم حال البادي بالشّرّ والظّلم، وأنّ له زيادة العذاب. قال عليه السّلام: «للظّالم البادي غدا بكفّه عضّة». «لا تدعونّ إلى مبارزة، وإن دعيت إليها فأجب، فإنّ الدّاعي باغ، والباغي مصروع». فالبادي بالحرب الّتي هي من أجلى مظاهر الشّرور باغ هالك، جئنا بذلك لأدنى صلة تمسّ الموضوع.

ثمّ المثل الجاري يماثله ما عن المولّدين: (الفضل للمبتدي، وإن أحسن المقتدي). فيكون مثلنا من الأمثال السّائرة بالذّات، يقال للحثّ على فعل الخير المقدم عليه قبل كلّ أحد.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 290

94-  فعل فعل السّادة، وفرّ فرار العبيد

من كلام له عليه السّلام لمّا هرب مصقلة بن هبيرة الشّيبانيّ إلى معاوية، وكان قد ابتاع سبي بني ناجية من عامل أمير المؤمنين عليه السّلام وأعتقه، فلمّا طالبه بالمال خاس به، وهرب إلى الشّام، فقال عليه السّلام: «قبّح اللَّه مصقلة، فعل فعل السّادة، وفرّ فرار العبيد فما أنطق مادحه حتّى أسكته، ولا صدق واصفه حتّى بكّته، ولو أقام لأخذنا ميسوره، وانتظرنا بماله وفوره». قال المعتزليّ: خاس به يخيس ويخوس: أي غدر به، خاس فلان بالعهد: أي نكث. وقبّح اللَّه فلانا: أي نحّاه عن الخير، فهو مقبوح.

و التّبكيت: كالتّقريع والتّعنيف. والوفور مصدر وفر المال: أي تمّ. من هو مصقلة وكيف كان ابتياع سبي بني ناجية من عامل الإمام عليه السّلام ومن بنو ناجية وناجية نفسها

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 291

فهنا أمور أربعة: الأوّل، قال السّيّد الخوئي: عدّه الشّيخ في رجاله من أصحاب عليّ عليه السّلام. ومثله الأردبيليّ. وكلّ من ترجمه عرّفه بهربه من عليّ عليه السّلام إلى معاوية، وهو عامله عليه السّلام على (أرد شير خرّة)، كورة من بلاد فارس. مكنّى بأبي الفضل.

الأمر الثّاني، لا بدّ أوّلا من بيان جهة سبي بني ناجية، ثمّ كيفيّة ابتياعهم: لمّا بايع أهل البصرة عليّا عليه السّلام بعد الهزيمة، دخلوا في الطّاعة غير بني ناجية، فإنّهم عسكروا، فبعث عليّ عليه السّلام رجلا من أصحابه في خيل ليقاتلهم، فأتاهم، فقال: ما بالكم عسكرتم، وقد دخل النّاس في الطّاعة غيركم فافترقوا ثلاث فرق: فرقة قالوا: كنّا نصارى، فأسلمنا، ودخلنا فيما دخل فيه النّاس من الفتنة، ونحن نبايع كما بايع النّاس، فأمرهم، فاعتزلوا.

و فرقة قالوا: كنّا نصارى، ولم نسلم، فخرجنا مع القوم الّذين كانوا

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 292

خرجوا، قهرونا، فأخرجونا كرها، فخرجنا معهم، فهزموا فنحن ندخل فيما دخل فيه النّاس، ونعطيكم الجزية، كما أعطيناهم. فقال لهم: اعتزلوا.

و فرقة قالوا: إنّا نصارى، فأسلمنا، فلم يعجبنا الإسلام، فرجعنا.

فنعطيكم الجزية كالنّصارى، فقال لهم: توبوا وارجعوا إلى الإسلام، فأبوا. فقاتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، فقدم بهم على أمير المؤمنين عليه السّلام.

و قيل: إنّ الأمير من قبل عليّ عليه السّلام كان معقل بن قيس، ولمّا انقضى أمر الحرب لم يقتل من المرتدّين من بني ناجيه إلّا رجلا واحدا، ورجع الباقون إلى الإسلام، واسترقّ من النّصارى منهم الّذين ساعدوا في الحرب، وشهروا السّيف على جيش الإمام عليه السّلام.

ثمّ أقبل بالأسارى حتّى مرّ على مصقلة بن هبيرة الشّيبانيّ، وهو عامل عليّ عليه السّلام على أردشير خرّة وهم خمسمائة إنسان، فبكت إليه النّساء والصّبيان، وتصايح الرّجال، وسألوه أن يشتريهم ويعتقهم، فابتاعهم بخمسمائة ألف درهم، فأرسل إليه أمير المؤمنين أبا حرّة الحنفيّ، ليأخذ منه المال، فادّى إليه مائتي ألف درهم، وعجز عن الباقي، فهرب إلى معاوية. قال السّيّد الأستاذ الخوئي: وروى الشّيخ بإسناده عن الحسين بن‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 293

سعيد عن حمّاد وصفوان عن معاوية بن عمّار عن أبيه عن أبي الطّفيل: أنّ بني ناجية قوم كانوا يسكنون الأسياف، وكانوا قوما يدعون في قريش نسبا، وكانوا نصارى، فأسلموا، ثمّ رجعوا عن الإسلام، فبعث أمير المؤمنين عليه السّلام معقل بن قيس التّميميّ، فخرجنا معه (...).

فدعاهم إلى الإسلام ثلاث مرّات، فأبوا. فوضع يده على رأسه.

قال: فقتل مقاتليهم، وسبى ذراريهم. قال: فأتي بهم عليّا عليه السّلام، فاشتراهم مصقلة بن هبيرة بمائة ألف درهم، فأعتقهم، وحمل إلى أمير المؤمنين خمسين ألفا، فأبى أن يقبلها. قال: فخرج بها فدفنها في داره، وأجاز عتقهم. ونقلها العسكريّ في جمهرة الأمثال تحت عنوان: (و أهل الكوفة يقولون: حتّى يرجع مصقلة من طبرستان). وهو نقل يخالف الرّواية الأولى. قال: وهو مصقلة بن هبيرة، وكان سبب هربه من الكوفة أنّه كان على أردشير خرّة من قبل عليّ عليه السّلام، فجاء معقل بن قيس بسبي بني ناجية، وكانوا قد ارتدّوا عن الإسلام، فصاحوا إلى مصقلة يا أبا الفضل امنن علينا، فاشتراهم بثلاثمائة ألف درهم، فأعتقهم، وخرج إلى عليّ عليه السّلام، فدفع إليه مائة درهم، وهرب إلى معاوية.

فقال عليّ عليه السّلام: «قبّح اللَّه مصقلة، فعل فعل السّيّد، وفرّ فرار العبد، ولو أقام ورأيناه قد عجز لم نأخذه بشي‏ء». وأجاز عتق من أعتق ففتّش عليّ-  عليه السّلام-  دار مصقلة، فوجد فيها سلاحا، فقال:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 294

 

         أرى حربا مفرّقة وسلما            وعهدا ليس بالعهد الوثيق‏

 

ثمّ هدمها، فقال يحيى بن منصور:

         قضى وطرا منها عليّ فأصبحت            إمارته فيها أحاديث كاذب‏

 

فبناها له معاوية بعد. وقال مصقلة حين لحق بمعاوية:

         تركت نساء الحيّ بكر بن وائل            وأعتقت سبيا من لؤيّ بن غالب‏

         وفارقت خير النّاس بعد محمّد             لمال قليل لا محالة ذاهب

 

الأمر الثّالث والرّابع من بنو ناجية، وناجية نفسها قال الشّارح المعتزليّ: فأمّا القول في نسب بني ناجية، فإنّهم ينسبون أنفسهم إلى سامة بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان.

و قريش تدفعهم عن هذا النّسب، ويسمّونهم بني ناجية-  وهي أمّهم-  وهي امرأة سامة بن لؤيّ بن غالب. ويقولون: إنّ سامة خرج إلى ناحية البحرين مغاضبا لأخيه كعب بن لؤيّ بن غالب في مماظّة كانت بينهما، فطأطأت ناقته رأسها لتأخذ العشب، فعلق بمشفرها

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 295

أفعى، عطفت على قتبها، فحكّته به، فدبّ الأفعى على القتب حتّى نهش ساق سامة فقتله، فقال أخوه كعب بن لؤيّ يرثيه:

         عين جودي لسامة بن لؤيّ            علقت ساق سامة العلاقه‏

         ربّ كأس هرقتها ابن لؤيّ           حذر الموت لم تكن مهراقه‏

 

قالوا: وكانت معه امرأته ناجية، فلمّا مات، تزوّجت رجلا في البحرين، فولدت منه الحارث، ومات أبوه وهو صغير، فلمّا ترعرع طمعت أمّه أن تلحقه بقريش، فأخبرته أنّه ابن سامة بن لؤيّ بن غالب، فرحل من البحرين إلى مكّة، ومعه أمّه.

فأخبر كعب بن لؤيّ أنّه ابن أخيه سامة، فعرف كعب أمّه ناجية، فظنّ أنّه صادق في دعواه، فقبله، ومكث عنده مدّة حتّى قدم مكّة ركب من البحرين، فرأوا الحارث، فسلّموا عليه، وحادثوه، فسألهم كعب بن لؤيّ: من أين يعرفونه فقالوا: هذا ابن رجل من بلدنا، يعرف بفلان، وشرحوا له خبره، فنفاه كعب عن مكّة، ونفى أمّه، فرجعا إلى البحرين، فكانا هناك، وتزوّج الحارث، فأعقب هذا العقب. قوله عليه السّلام: «فعل فعل السّادة، وفرّ فرار العبيد»، يقال لمن له حالة حسنة، وأخرى سيّئة، فهو مثل بالصّميم، وإن لم يرسله عليه السّلام مثلا، على أنّه (حتّى يرجع مصقلة من طبرستان) مثل سائر.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 296

95-  فقد الأحبّة غربة

قال عليه السّلام: «فقد الأحبّة غربة». هذا من المثل السّائر ذكره أرباب كتب الأمثال، منها المستقصى، وفيه: فقد الأحبّة غربة. ومجمع الأمثال بلفظ: فقد الإخوان غربة.

(قال مؤلّفه): قريب من هذا قول الشّيخ أبي سليمان:

         وإنّي غريب بين بست وأهلها            وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي‏

         وما غربة الإنسان في غربة النّوى         ولكنّها واللّه في عدم الشّكل

 

و قال زيادة بن زيد:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 297

 

         هل الدّهر والأيّام إلّا كما ترى            رزيّة مال أو فراق حبيب

 

و قال الشّارح المعتزليّ: ومثله قوله عليه السّلام: «الغريب من لم يكن له حبيب» وقال الشّاعر:

         أسرة المرء والداه وفيما            بين حضنيهما الحياة تطيب‏

         وإذا ولّيا عن المرء يوما            فهو في النّاس أجنبيّ غريب‏

 

و قال آخر:

         إذا ما مضى القرن الّذي كنت فيهم            وخلّقت في قرن فأنت غريب

 

الأحبّة والأحبّاء جمع الحبيب، مصدرها المحبّة: وهي المودّة. و«المودّة قرابة مستفادة». وعند فقد الأحبّة يحسّ الإنسان بالاغتراب، حتّى يرى الرّاحة في الموت، ويتمنّاه من هنا تجد الإمام عليه السّلام عند فقد عمّار بن ياسر حبيبه تمنّاه قائلا:

         ألا أيّها الموت الّذي ليس تاركي            أرحني فقد أفنيت كلّ خليل‏

        

------------------------------------------------------------------- صفحة 298

         أراك بصيرا بالّذين أحبّهم            كأنّك تسعى نحوهم بدليل

 

و الفرقة بين الخليلين كغيرهما بالهجران أو الموت، لا بدّ ولا مناص عنها، حتّى الأنبياء والأئمّة الهداة عليهم السّلام الّذين هم من أصدق الأحبّة وأعزّهم لا بدّ من فقدهم بالموت، كما قال تعالى لأشرف خلقه محمّد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ». والإمام عليه السّلام عند موت سيّدة نساء العالمين فاطمة عليها السّلام يتمثّل بأبيات تدلّ على فرقة الموت والغربة:

         لكلّ اجتماع من خليلين فرقة            وكلّ الّذي دون الوفاة قليل‏

         وإنّ افتقادي واحدا بعد واحد          دليل على أن لا يدوم خليل

 

و في بعض النّسخ:

         وإنّ افتقادي فاطما بعد أحمد

 

على ما ببالي. وإنّ الإنسان كثير بحبيبه، يسكن إليه، ويرفع وحدته، لا سيّما إذا كان الحبّ في اللَّه.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 299

عن السّجّاد عليه السّلام: «إذا جمع اللَّه الأوّلين والآخرين، قام مناد فنادى يسمع النّاس، فيقول: أين المتحابّون في اللَّه قال: فيقوم عنق من النّاس، فيقال: اذهبوا إلى الجنّة بغير حساب». وباقريّ: «ودّ المؤمن في اللَّه من أعظم شعب الإيمان». ونبويّ: «يا عليّ من أوثق عرى الإيمان الحبّ في اللَّه، والبغض في اللَّه». وصادقيّ: «طوبى للمتحابّين في اللَّه».

96-  فلق لكم الأمر فلْق الخرزة

كلمة تمثيليّة من خطبة له عليه السّلام، منها: «... فاستمعوا من ربّانيّكم، وأحضروه قلوبكم، واستيقظوا إن هتف بكم، وليصدق رائد أهله، وليجمع شمله، وليحضر ذهنه، فلقد فلق لكم الأمر فلق الخرزة، وقرفه قرف الصّمغة...».

------------------------------------------------------------------- صفحة 300

قوله عليه السّلام: «ليصدق رائد أهله» من أمثال سائرة أثبتناه. و(الفلق) بالتّحريك: الصّبح وضوؤه، ومنه: «كان صلّى اللَّه عليه وآله-  وسلّم-  يرى الرّؤيا، فتأتي مثل فلق الصّبح». وبالسّكون: الشّقّ ومنه: «يا فالق الحبّ والنّوى»، وحديثه عليه السّلام: «و الّذي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة»، وكثيرا ما كان يقسم بها. الخرزة: أصلها الخاء والرّاء والزّاي، يدلّ على جمع الشّي‏ء إلى الشّي‏ء وضمّه إليه، فمنه خرز الخلد، ومنه الخرز، وهو معروف لأنّه ينظم، وينضد بعضه إلى بعض، وفقار الظّهر خرز لانتظامه، وخرزات الملك، كان الملك منهم كلّما ملك عاما زيدت في تاجه خرزة ليعلم بذلك عدد سنّي ملكه، قال:

         رعى خرزات الملك عشرين حجّة            وعشرين حتّى فاد والشّيب شامل

 

و لنعد إلى كلام الإمام عليه السّلام، قال شارحه: الرّبّانيّ الّذي أمرهم الاستماع منه، إنّما يعني به نفسه عليه السّلام. ويقال: رجل ربّانيّ: أي متألّه عارف بالرّبّ سبحانه، وفي وصف الحسن لأمير المؤمنين عليه السّلام: «كان واللَّه ربّانيّ هذه الأمّة، وذا فضلها،

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 301

و ذا قرابتها، وذا سابقتها». ثمّ قال: «و أحضروه قلوبكم»: أي اجعلوا قلوبكم حاضرة عنده: أي لا تقنعوا لأنفسكم بحضور الأجساد وغيبة القلوب فإنّكم لا تنتفعون بذلك.

و الرّائد: الّذي يتقدّم المنتجعين، لينظر لهم الماء والكلأ، وفي المثل «الرّائد لا يكذب أهله». «و ليجمع شمله»: أي وليجمع عزائمه وأفكاره لينظر. فقد فلق هذا الرّبّانيّ لكم الأمر: أي شقّ ما كان مبهما، وفتح ما كان مغلقا، كما تفلق الخرزة، فيعرف باطنها، وكما تقشّر الصّمغة عن عود الشّجرة وتقلع لأنّ قوله عليه السّلام: «قرفه قرف الصّمغة» من القرف بمعنى القشر.

و الكلمة تصلح مثلا لوضوح الشّي‏ء وظهوره. وكلمته هذه متّجهة كبقيّة كلماته عليه السّلام إلى كلّ من بلغته، سواء في ذلك من حضر عند إلقائها، أو لم يحضر، وإلى شيعته خاصّة إلى يوم القيامة.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 302

97-  فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها

قال عليه السّلام: «فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها». هذا من أمثال المولّدين، أثبته الميدانيّ. وفي كتاب التّمثيل والمحاضرة بلفظ: «أشدّ من فوت الحاجة طلبها من غير أهلها». يقال: لا تطلبوا الحوائج إلى ثلاثة: إلى عبد يقول: الأمر إلى غيري، وإلى رجل حديث الغنى، وإلى تاجر همّته أن يستربح في كلّ عشرين دينارا حبّة واحدة، ففي نبويّ: «يا عليّ لأن أدخل يدي في فم التّنّين إلى المرفق أحبّ إليّ من أن أسأل من لم يكن ثمّ كان». وباقريّ: «مثل الحاجة إلى‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 303

من أصاب ماله حديثا كمثل الدّرهم في فم الأفعى، أنت إليه محوج، وأنت منها على خطر». تكلّمنا على الحديثين في كتابنا (الأمثال النّبويّة). وعن إعلام الدّين، عن أمير المؤمنين عليه السّلام، أنّه قال لولده الحسن عليه السّلام: «يا بنيّ إذا نزل بك كلب الزّمان، وقحط الدّهر، فعليك بذوي الأصول الثّابتة، والفروع النّابتة، من أهل الرّحمة والإيثار والشّفقة فإنّهم أقضى للحاجات، وأمضى لدفع الملمّات، وإيّاك وطلب الفضل، واكتساب الطّسايج والقراريط من ذوي الأكفّ اليابسة، والوجوه العابسة فإنّهم إن أعطوا منّوا، وإن منعوا كدّوا، ثمّ أنشأ يقول:

         واسأل العرف إن سألت كريما     لم يزل يعرف الغنى واليسارا

         فسؤال الكريم يورث عزّا            وسؤال اللّئيم يورث عارا

         وإذا لم تجد من الذّلّ بدّا           فالق بالذّلّ إن لقيت كبارا

         ليس إجلالك الكبير بعار            إنّما العار أن تجلّ الصّغارا

 

» كلام أهل البيت عليهم السّلام نور في درب الحياة المادّيّة والرّوحيّة، ولربّما يوجّهون الخطاب إلى أنفسهم عليهم السّلام، وإن لم يبتلوا به تعليما

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 304

لمن ابتلى، على حدّ قول القائل: (إيّاك أعني واسمعي يا جاره). كما جاء ذلك في كثير من خطابات القرآن الكريم، على ما نصّ به الحديث الصّادقيّ: «نزل القرآن بإيّاك أعني واسمعى يا جاره». ثمّ السّؤال ذلّ، لا يرضى الحرّ ذلك، خاصّة ممّن وصف بصفات دنيئة. في صادقيّ: «إنّما شيعتنا من لا يهرّ هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل النّاس بكفّه، وإن مات جوعا، واتّخذ اللَّه عزّ وجلّ إبراهيم خليلا لأنّه لم يردّ أحدا، ولم يسأل أحدا غير اللَّه عزّ وجلّ». قال عليّ عليه السّلام: «المنيّة ولا الدّنيّة، والتّقلّل ولا التّوسّل». قال الشّاعر:

         أقسم باللَّه لمصّ النّوى            وشرب ماء القلب المالحه‏

         أحسن بالإنسان من ذلّه            ومن سؤال الأوجه الكالحه‏

         واستغن باللَّه تكن ذا غنى        مغتبطا بالصّفقة الرّابحه

 

و من النّاس طوائف لا يسوغ عرض الحاجة عليهم، منهم المذكور في حديثنا الجاري، ومنهم من لا يخفون على العارف الحرّ اللّبيب.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 305

حرف القاف

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 306

98-  قد أضاء الصّبح لذي عينين

من كلماته عليه السّلام الحكميّة قوله: «قد أضاء الصّبح لذي عينين». قال المعتزليّ: هذا الكلام جار مجرى المثل، ومثله:

         والشّمس لا تخفى عن الأبصار

 

و مثله:

         إنّ الغزالة لا تخفى عن البصر

 

و قال ابن هانئ يمدح المعتزّ:

         فاستيقظوا من رقدة وتنبّهوا            ما بالصّباح عن العيون خفاء

         ليست سماء اللَّه ما تروّنها              لكنّ أرضا تحتويه سماء

 

قال الميدانيّ: (قد بيّن الصّبح لذي عينين)، بيّن بمعنى: تبيّن،

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 307

يضرب للأمر يظهر كلّ الظهور، وذكره العسكريّ أيضا، وقال: يضرب مثلا للأمر ينكشف ويظهر. فالمثل الجاري الّذي ضربه الإمام عليه السّلام متّحد مع المثل السّائر مع تغيير مّا في لفظه.

و هل المقصود من الانكشاف للجميع خلافته الكبرى المنصوص عليها بنصّ الغدير حيث جمع الرّسول صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم النّاس عند الوصول إلى هدا المكان، وقد نزل عليه جبرائيل عليه السّلام بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا. وهكذا ولده الأحد عشر الأوصياء المعصومون، نصّت على وصايتهم النّصوص المعتبرة، كما ذكرها علماؤنا في مجامعهم، والجمهور: «أنّ الأئمّة من قريش يملكها اثنا عشر منهم». وحديث الثّقلين الدّالّ على أنّ من لم يتمسّك بالكتاب وعترته-  أهل بيته-  ضالّ، والمتمسّك غير ضالّ ذلك بأنّ أهل البيت عليهم السّلام معهم الشّرائع من الحلال والحرام، بل وجميع أحكام الإسلام، وبعد ذلك على الأمّة الرّجوع إليهم، والأخذ عنهم عليهم السّلام في كلّ شي‏ء.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 308

99-  قدّم للوثبة يدا، وأخّر للنّكوص رجلا

 

من كلام له عليه السّلام، كان يقوله لأصحابه في بعض أيّام صفّين: «......... وعليكم بهذا السّواد الأعظم، والرّواق المطنّب، فاضربوا ثبجه فإنّ الشّيطان كامن في كسره، وقد قدّم للوثبة يدا، وأخّر للنّكوص رجلا». هذا بعض خطبته عليه السّلام في يوم صفّين، يحرّض جيوشه فيها على قتال أهل الشّام، جيش معاوية عموما، ورأس الفتنة معاوية بالخصوص.

قال المعتزليّ: «و الرّواق المطنّب»، يريد به: مضرب معاوية، ذا الأطناب، وكان معاوية في مضرب عليه قبّة عالية، وحوله صناديد أهل الشّام. و(ثبجه): وسطه، وثبج الإنسان: ما بين كاهله إلى ظهره.

و (الكسر): جانب الخباء.

و قوله-  عليه السّلام- : «فإنّ الشّيطان كامن في كسره» يحتمل وجهين: أحدهما: أن يعني به الشّيطان الحقيقيّ: وهو إبليس.

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 309

و الثّاني: أن يعني به: معاوية.

و الثّاني هو الأظهر للقرينة الّتي تؤيّده وهي قوله: «قدّم للوثبة يدا، وأخّر للّنكوص رجلا»: أي إن جبنتم وثب، وإن شجعتم نكص: أي تأخّر.

و من حمله على الوجه الأوّل جعله من باب المجاز: أي أنّ إبليس كالإنسان الّذي يعتوره دواع مختلفة بحسب التّجدّدات، فإن أنتم صدقتم عدوّكم القتال فرّ عنكم بفرار عدوّكم، وإن تخاذلتم وتواكلتم طمع فيكم بطمعه، وأقدم عليكم بإقدامه. قال ابن الأثير: وفي حديث عليّ عليه السّلام يوم صفّين: «قدّم للوثبة يدا، وأخّر للنّكوص رجلا»: أي إن أصاب فرصة نهض إليها، وإلّا رجع وترك. ليس الكلام المذكور: أي «قدّم للوثبة يدا، وأخّر للنّكوص رجلا» مقصورا على معاوية، بل هو مثل بالصّميم، يقال على كلّ من شاكله في الجبن. إن جاء الجدّ والإقبال على الدّنيا ما وجد إليها سبيلا، وهو من صفات الأنذال، يصفرون إذا خلا لهم الجوّ، ويفرّون عند الهيجاء حرصا على البقاء.

و من أجله: أي الحرص على البقاء في الدّنيا يثيرون الفتن،

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 310

و يحرّضون الآخرين على القتال، حتّى يستقرّ لهم الملك والسّلطة، ولا يرعون جانب الحقّ.

و ذلك لم يخل منه كلّ إنسان على وجه البسيطة من معتركه الدّاخليّ بين العقل والشّهوة ومشتهياتهما، فهو دائما بين الوثبة والنّكوص، فإمّا ينخرط في جيش علويّ، أو ملحق بمعاوية.

100-  قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة ودونها مانع

من خطبة له عليه السّلام: «إنّ الوفا توأم الصّدق، ولا أعلم جنّة أوقى منه، وما يغدر من علم كيف المرجع. ولقد أصبحنا في زمان قد اتّخذ أكثر أهله الغدر كيسا، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة. ما لهم قاتلهم اللَّه قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر اللَّه ونهيه، فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدّين». علّل توأميّة الوفاء للصّدق بأنّ الوفاء صدق في الحقيقة ألا ترى أنّه قد عاهد على أمر، وصدق فيه ولم يخلف وكأنّهما أعمّ وأخصّ، وكلّ وفاء صدق، وليس كلّ صدق وفاء. فإن امتنع من حيث الاصطلاح تسمية الوفاء صدقا، فلأمر آخر، وهو أنّ الوفاء قد يكون بالفعل دون‏

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 311

القول، ولا يكون الصّدق إلّا في القول لأنّه نوع من أنواع الخبر، والخبر قول. ثمّ قال-  عليه السّلام- : «و لا أعلم جنّة»: أي درعا. «أوقى منه»: أي أشدّ وقاية وحفظا لأنّ الوفيّ محفوظ من اللَّه، مشكور بين النّاس.

ثمّ قال-  عليه السّلام- : «و ما يغدر من علم كيف المرجع»: أي من علم الآخرة، وطوى عليها عقيدته، منعه ذلك أن يغدر، لأنّ الغدر يحبط الإيمان.

ثمّ ذكر-  عليه السّلام- : أنّ النّاس في هذا الزّمان ينسبون أصحاب الغدر إلى الكيس: وهو الفطنة والذّكاء، فيقولون لمن يخدع ويغدر ولأرباب الجريرة والمكر: هؤلاء أذكياء أكياس، كما كانوا يقولون في عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، وينسبون أرباب ذلك إلى حسن الحيلة وصحّة التّدبير.

ثمّ قال-  عليه السّلام- : «ما لهم قاتلهم اللَّه»، دعاء عليهم.

ثمّ قال-  عليه السّلام- : «قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة»، ويمنعه عنها نهي اللَّه تعالى عنها وتحريمه بعد أن قدر عليها وأمكنه. والحوّل القلّب: الّذي قد تحوّل وتقلّب في الأمور وجرّب، وحنّكته الخطوب والحوادث.

ثمّ قال-  عليه السّلام- : «و ينتهز فرصتها»: أي يبادر إلى افتراصها ويغتنمها «من لا حريجة له في الدّين»: أي ليس بذي حرج، والتّحرّج:

 

------------------------------------------------------------------- صفحة 312

التّاثّم، والحريجة: التّقوى.

و هذه كانت سجيّته عليه السّلام وشيمته، ملك أهل الشّام الماء عليه والشّريعة بصفّين، وأرادوا قتله وقتل أهل العراق عطشا فضاربهم على الشّريعة حتّى ملكها عليهم، وطردهم عنها فقال له أهل العراق: اقتلهم بسيوف العطش، وامنعهم الماء، وخذهم قبضا بالأيدي. فقال-  عليه السّلام- : إنّ في حدّ السّيف لغنى عن ذلك، وإنّي لا أستحلّ منعهم الماء. فأفرج لهم عن الماء فوردوه، ثمّ قاسمهم الشّريعة شطرين بينهم وبينه. وكان الأشتر يستأذنه أن يبيّت معاوية، فيقول: إنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه-  وآله وسلّم-  نهى أن يبيّت المشركون. وتوارث بنوه عليه السّلام هذا الخلق الأبيّ. قد جاءت الكلمة العلويّة التّمثيليّة في زيارة الغدير: «ثمّ لحزمك المشهور، وبصيرتك في الأمور، أمّرك في المواطن، ولم يكن عليك أمير وكم من أمر صدّك عن إمضاء عزمك فيه التّقى، واتّبع غيرك في مثله الهوى، فظنّ الجاهلون أنّك عجزت عمّا إليه انتهى، ضلّ واللَّه الظّانّ لذلك وما اهتدى، ولقد أوضحت ما أشكل من ذلك لمن توهّم وامترى بقولك صلّى اللَّه عليك: قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة ودونها حاجز من تقوى، فيدعها رأي العين، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في ال