معارج ‏نهج ‏البلاغة

 

علي بن زيد البيهقي فريد خراسان‏

 

 

اسم‏الكتاب: معارج ‏نهج ‏البلاغة

المؤلف: علي بن زيد البيهقي فريد خراسان‏

الموضوع: شروح نهج البلاغة ‏وتعليقات‏

القطع: وزيري‏

عدد الصفحات: 539

الناشر: مكتبة آيةالله المرعشي ‏النجفي ‏العامة

سنة النشر: 1409

الطبعة: الأولى‏

مكان‏الطبع: قم‏

الناشر: علي بن زيد البيهقي فريد خراسان‏

عصرالمولف: السادس‏

المذهب: شيعي‏

المصحح: محمد تقي ‏دانش‏پژوه‏

إعداد نسخة الكتروني: متين الأنطاكي – موقع الغدير

www.elgadir.com

تنبيه: موافق للمطبوع

---

الفهرس الاجمالي

مقدمة المؤلف – 1

شرح خطبة الكتاب - 20

باب المختار من الخطب - 32

رسائل أمير المؤمنين عليه السلام - 367

باب المختار من حكمه  - 397

فصل في تتمة الكتاب - 467

 

---------------------------------------------------------------

صفحة 1

مقدمة المؤلف

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ثقتى باللّه تعالى (1) الحمد للّه الّذى حمده يفيض شعاب العرفان ومسايله، ويجمع شعوب الاجر الجزيل وقبايله، ونعمه عمّت الامم، وكشفت الهموم ورفعت الهمم، ولطفه مشرق الجوّ مغدق النوّ، ومواهبه تردّ طرف الشكر حسيرا كليلا، وتكثر حتّى صار كلّ كثير بالنسبة اليها قليلا. وكفى به هاديا ووكيلا، ورحمته توالت كتوالى القطار، واتّسعت كاتّساع البحار.

(2) احمده حمدا يفيق اناه من جانبيه طفاحا، وينشل بلسان الحال للحامد: «الا انعم صباحا»: واذا كفحت وجوه الاحرار جمرات مكايد الاشرار، هبّ من مشارق الطافه نسيم يصحبه روح وريحان ونعيم مقيم. ومن استشاط حمام خاطره، وحمل على غبر إظهر بيان ما فى ضمايره، صيّر فضل اللّه تعالى عيون الصّروف عنده مخفوضة، وايدى النوايب عنه مقبوضة.

(3) ثم اشكر نعمه الظاهرة والباطنة شكرا تشاربت اشجاره من عصير غدران اليقين، وتبرّجت وهاده فى اثواب الدين المتين، لا بل شكرا يفترش الشاكر فى بيانه لسانا تهاميّا، ويقول قولا حذاميّا. واعالج بشكره وحمده اذا بدا في اراضى الأمانى زلزالها، خماشات ذحل لا يرجى اندامالها. واذا نوّر قلبى من مشارق توحيده شعاع الكسف، القيت دلوى في عليم من العيالم الخسف. واذا صرت علقة فى ارحام النجايع مضغة فى لهوات القطايع، سرت حميّا عرفانه فى عروقى واعصابى، وزالت عنّى بذكره قوارص آلامى واوصابى، وافتح فى رياض صنايعه طرفا هو بعود الاعتبار مكحول، واتلبّس بردا هو برشاش الاستكانة والتعبّد مبلول.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 2

(4) ثمّ اصلىّ على محمد المصطفى الّذى رهيأت سحائب نبوّته فى مشارق الارض (3 ر) ومغاربها، وتلألات انوار شريعته تلالو النجوم فى رحائب النجوم، الذى من تبعه فقد فاز قدحه، وحضر نجحه وساعته فى دينه ودنياه، وارتفع شأنه فى الدارين لعقر الهاجرىّ اذا بناه، مورد نبوّته للعالمين مصفوف، وله، عليه السلام، على حقايق الاشياء بالوحى الالهىّ وقوف، وصارت ظلال شريعته على قمم الايّام مبسوطة، وآمال طلّاب النجاة بساحته منوطة. فعليه من اللّه صلوة تتردّد تردّد خطرات الافكار، وتكرّر تكرّر لحظات الابصار، مدّ الازمان والاعصار.

(5) وعلى اصحابه الصّدّيق، والفاروق، وذى النّورين، والمرتضى، تحيّات لا تزجى على شرفها سجوف، ولا يعترض لشموسها وبدورها كسوف وخسوف، ما سافر مسافر فى السهول والجبال، مسافرة شوارد الامثال.

(6) قال الشّيخ الامام السيّد حجة الدين فريد خراسان ابو الحسن بن الامام ابى القاسم بن الامام محمد بن الامام ابى على بن الامام ابى سليمن بن الامام ايّوب بن الامام الحسن، والامام الحسن، كان مقيما بسيوارى فى ناحية بالشتان من نواحى بست، وهو الامام الحسن بن احمد بن عبد الرحمن بن عبيد اللّه بن عمر بن الحسن بن عثمان بن ايوب بن خزيمة بن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت ذى الشهادتين، صاحب رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وآله، ويعرف بأبي الحسن بن بي القسم البيهقى المقيم بنيشابور، حماها اللّه، قرأت كتاب نهج البلاغة على الامام الزاهد الحسن بن يعقوب بن احمد القارى، وهو وابوه فى ملك الادب قمران، وفى حدايق الورع ثمران، فى شهور سنة ست عشرة وخمسمائة، وخطّه شاهد لى بذلك، والكتاب سماع له عن الشيخ جعفر الدّوريستّى المحدّث (3 پ) الفقيه، والكتاب باسره سماع لى عن والدى الامام ابى القاسم زيد بن محمد البيهقّى، وله اجازة عن الشيخ جعفر الدّوريستّى، وخطّ الشّيخ جعفر شاهد عدل بذلك، وبعض الكتاب ايضا

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 3

سماع لى عن رجال لى، رحمة اللّه عليهم، والرّواية الصحيحة فى هذا الكتاب رواية الى الاغرّ محمد بن همام البغدادىّ تلميذ الرّضىّ، وكان عالما باخبار امير المؤمنين، عليه السّلم.

(7) فصل وها انا ذا اقول هذا الكتاب النّفيس مملوّ من الفاظ يتهذّب بها المتكلّم، ويتدرّب بها المتكلّم فيه من القول احسنه ومن المعانى ارصنه، كلام احلى من نغم القيان، وابهى من نعم الجنان، كلام مطلعه كسنة البدر، ومشرعه مورد اهل الفضل والقدر، وكلمات وشيها خبر، ومعانيها فقر، وخطب مقاطعها غرر، ومباديها درر، استعاراتها تحكى غمرات الالحاظ المراض، ومواعظها تعبّر عن زهرات الرّياض، جمع قايل هذا الكلام بين تصريع بديع، وتحنيس انيس، وتطبيق انيق.

(8) فلله درّ خاطر عن مخايل الرّشد ماطر، وعين اللّه على كلام امام ورث الفضايل كابرا عن كابر، ولا غر وللروض الناضر اذا انهلّت فيه عزالى الانواء ان يخضرّ رباه ويفوح ريّاه، ولا للسّارى فى مسالك نهج البلاغة ان يحمد عند الصبّاح سراه، ولا لجميل قداح الطهارة اذا صدّقه رايد التوفيق والالهام، ان يفوز بقدحى المعلّى والرّقيب، ويمتطى غوارب كلّ حظّ ونصيب.

(9) ولا شكّ انّ امير المؤمنين علىّ ابن ابى طالب، عليه السّلم، كان باب مدينة العلوم، فما نقول فى سقط انفضّ من زند خاطره الوادى، وغيض بدا من فيض نهره الجارى، لا بل فى شعلة من سراجه الوهّاج، وغرفة من بحره الموّاج، وقطرة من سحاب علمه الغزير، ولا نبّئك (4 ر) مثل خبير.

(10) والسيّد الامام الرّضىّ، رحمه اللّه، ناظم تلك العقود وقاطف هذا العنقود، خلف أقرّ اللّه بفضله عيون جدّه، عليه السّلام، ووالده، وفاز بطارف المجد وتالده، والعوان لا تعلّم الخمرة، ومن غذّاه لبان الامارة احسن الامرة، ومن اقتدى بجدّه وابيه مكدت ركايا معاليه، وما ضعفت‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 4

روايا مساعيه، وكان علم العلم به خافقا، ونهى النّهى دافقا، وقصّ اعناق الجهالة، وطمس ما تبّدى من آثار الضّلالة، واجتنى جنى النخل رطيبا، واستنشق من العنبر الشّحرىّ النيّة والمسك الدارىّ والعود القمارىّ طيبا، وكفى باللّه حسيبا. ومن كان النبىّ، صلّى اللّه عليه وآله، له جدّا، يظهر بحر فضايله مدّا، ويتّخذ عند الرحمن عهدا. وركب مركبا، الفضل عنانه، والورع ميدانه، والحسب سرجه، والشّرف لجامه، والمجد لببه، والكرم حزامه، وكان جنابه مشرق النّجم، مورق الغصن، ناضر النّجم. وكان فيما مضى ناجتنى السنة اللّيالى بالاعتذار من ذنوبها، وبيّضت سود خطوبها، فالان رزقي مثل رزق الاخانة، وسماء سوادى ترسل علّى صفيع الاهانة.

(11) وانا اقول اللّهمّ اجعل مانا بنى تهذيبا لا تعذيبا، وتمحيصا لا تنقيصا. فقد بلغ السيل الرّبى، وتابّى تحمّل تلك الاعباء بنات لببى.

و السلام على من اتّبع الهدى، ما هبّ نسيم الصبا، وذكر عهد الصبى.

(12) فصل. ولم يشرح قبلى من الفضلاء السابقين هذا الكتاب بسبب موانع منها: من كان متبحّرا فى علم الاصول، كان قاصرا فى علم اللغة والامثال، ومن كان كاملا فيهما، كان غافلا عن اصول الطّب والحكمة وعلوم الاخلاق، ومن كان كاملا فى جميع هذه العلوم والآداب، كان قاصرا فى التواريخ وايام (4 پ) العرب، ومن كان كاملا فى جميع ذلك، كان غير معتقد لنسبة هذا الكلام الى امير المؤمنين، عليه السّلام. ومن حصلت لديه هذه الاسباب، لم يفز بذخاير كنز[ه‏] الدقيق. فانّ التوفيق كنز من كنوز اللّه يختصّ به من يشاء من عباده.

(13) وانا المتقدّم فى شرح هذا الكتاب، فمن اراد الزيادة على ذلك، فليزد، ان استطاع، مثل مخرنبق لينباع.

(14) واعلم انّ المتقدّم يستخرج الخفىّ، والمتأخّر يستنهج‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 5

الجلىّ. ومستخرج الخفىّ لا يكون كمستنهج الجلىّ، بل المتقدّم كالبانى والمتأخّر كالجصّاص. والمتقدّم كما قال الشاعر:

         قد كنت خراجا ولوجا صيرفا   ***   لم تلتحصنى حيص بيص لحاص‏

 

(15) وقد دعائى بعض الافاضل من اصدقائى الى شرح الفاظ نهج البلاغة، فقلت: لى خاطر كليل، جلده لا يصلح للدّباغة، واين برة القنفذ من الرّبيط، والدّارى من الّذى القى ساعة بصحراء الغبيط، واين ابو تمرة من مالك الحزين، وسورة الاخلاص من سورة يس. وفى دهرى من هو اولى منّى بذلك التّصنيف. فقد انتهى فصل ربيعى الى منتهى الخريف، باىّ آلة احارب، وقد قسمت الغنايم، وباىّ عذر اتمكّن وقد اسبل من تحت العروش لدّعايم. امّا الشّيب فقد تفحّم واديه، وامّا الامل فله جواد يعتقد ارضه بسمائه هاديه، واسواق الحرص مغتّصّة بالهواجس، مختصّة بالوساوس، ودون عليّان خرط القتاد، واللّه تعالى لكلّ واحد منّا بالمرصاد. وما بيننا وبين انقضاء المدّة الا ثلث مآرب، وعن قريب يفارق الاديم الشّواطب، والمكّواة لا يرحم مفاصل كلّ غير، والصيداوّىّ لا يردابل زهير.

(16) ومن قبل التمس منّى الامام السعيد جمال المحقّقين ابو القسم على بن الحسن الحونقىّ النيسابورىّ، رحمه اللّه ان اشرح كتاب نهج البلاغة شرحا، واصرح اقداء الالتباس عن شربه صرحا، فصدّنى (5 ر) الزمان عن اتمامه صدّا، وبنى بينى وبين مقصودى سدّا. وانتقل ذلك الامام الزّاهد الورع من لجّة بحر الحياة الى الساحل، وطوى من الحسن جميع المراحل، وودّع افراس المقام فى دار الدنيا مع الرّواحل. وكلّ انسان، وان طال عمره فان، وكان ذلك الامام قارعا باب العفاف، قانعا من دنياه بالكفاف، رحمة اللّه عليه.

(17) وبعده فاضل من افاضل الزّمان، الّذى خيّم الالهام فى لبّه، والصّواب فى قلبه، وله فى الفضل والزّهد عرق، ومن الحسن والاحسان خلق و

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 6

خلق، يبتهج بالسّعى المشكور والعمل المبرور، وذلك من عزم الامور، فى اثناء المحاورة حرّك بسبب اتمام هذا الكتاب حوار خاطرى ليحنّ، وانا انشد لطبعى باكر واناصك فاكنان فتبرّكت بانفاسه، واقبلت على اتمام هذا الشرح اقبال الدّهقان على غراسه.

(18) واقول: لكلّ قوم رسوم، ولكلّ امّة كتاب مرقوم، وما منّا الا له مقام معلوم. وكيف اتحمّل اعباء هذا الشرح، وانتهى يومى الى وقت العصر، ووقعت لي كما للنّملة عقده على الخصر. ومع ذلك فانا اطلب من الزّاد الاعلاث، واقول قف بالطّلول الدّراسات علاث، وامعزت شاة الانصاف والسبب عيسى بالاسياف، وليس الرّىّ من التّشّاف.

(19) وبعض الافاضل من بيهق ظنّ بسبب اعراض الفضلاء عن شرح هذا الكلام [انّه‏]، غير مقدور لواحد من الانام، واذا تطرّق التفسير والتّأويل الى كلام اللّه تعالى، فما ظنّك بكلام مخلوق. قال اللّه تعالى فيه: وخلق الانسان ضعيفا. ومن لا يقدر على شى‏ء، ظنّ غيره مثله. والانصاف هو الحكم العدل.

(20) وانا الضّامن شرح كلّ مشكل فى هذا الكتاب من طريق المنقول والمعقول على المذهبين، ولا يخفى نور النّهار على ذى عينين، وجهد المقلّ خير من عذر المخلّ.

(21) وخدمت (5 پ) بهذا الكتاب خزانة كتب الصدّر الاجلّ السّيد العالم عماد الدولة والدّين جلال الاسلام والمسلمين، ملك النّقباء فى العالمين، ابى الحسن على بن محمّد بن يحيى بن هبة اللّه الحسينيّ، فانّه جمع فى الشّرق بين النّسب والحسب، وفى المجد بين الموروث والمكتسب، اذا اجتمعت السادة فهو نقيبهم وامامهم، واذا ذكرت الأئمّة والعلماء فهو سيّدهم وهمامهم. وإذا اشير الى اصحاب المناصب، فهو صدرهم، واذا عدّ ارباب المراتب، فهو فخرهم. فابقاه اللّه تعالى للسّادات والعلماء صدرا، ما

 

---------------------------------------------------------------

صفحة 7

صار الهلال بدرا. وهذا كأنّ المتنّبى عناه بقوله.

         اذا ما العالمون اتوك قالوا   ***   افدنا ايّها الصدر الامام‏

         اذا [ما] المعلمون راوك قالوا   ***   بهذا يهزم الجيش اللّهام‏

         لقد حسنت بك الاوقات حتّى   ***   كأنّك فى فم الزّمن ابتسام‏

         واعطيت الّذى لم يعط خلق‏   ***   عليك صلوة ربّك والسّلام‏

 

(22) فصل وانشدنى الامام الحسن بن يعقوب لوالده الاستاد الامام يعقوب فى وصف كتاب نهج البلاغة.

         نهج البلاغة نهج مهيع جدد   ***   لمن يريد علوما ماله امد

         يا عادلا عنه تبغى بالهوى رشدا   ***   اعدل اليه ففيه الخير والرّشد

         واللّه واللّه ان التّاركيه عموا   ***   عن شافيات عظات كلّها سدد

         كأنّها العقد منظوما جواهرها   ***   صلّى على ناظميها ربّنا الصّمد

         ما حالهم دونها ان كنت تنصفنى   ***   الّا العنود والّا البغى والحسد

 

 

(23) وانشدنى الامام الحسن بن يعقوب لنفسه مقتديا بوالده، رحمهما اللّه:

         نهج البلاغة درج ضمنه درر   ***   نهج البلاغة روض جاده درر

         نهج البلاغة وشى حاكه صنع‏   ***   من دون موشيّه الدّيباح والحبر

         وجونه ملئت عطرا اذا فتحت   ***   خيشومنا فغمت ريح لها ذفر

         صدقتكم سادتى والصّدق عادتنا   ***   وانّه خصلة ما عابها بشر

         صلّى اللاه (6 ر) على بحر غواربه   ***   رمت به نحونا ما لألأ القمر

 

(24) واقتدى بهما الشيخ الامام على بن احمد الفنجكردىّ شيخ الافاضل ومقدّمهم، وقال:

         نهج البلاغة من كلام المرتضى   ***   جمع الرضىّ الموسوىّ السيّد

         بهر العقود بحسنه وبهائه‏   ***   كالدّر فصّل نظمه بزبرجد

         الفاظه علوّية لكنّها   ***   علويّة حلّت محلّ الفرقد

 

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 8

         فيه لارباب البلاغة مقنع   ***   من يعن باستظهاره يستسعد

         نعم المعين على الخطابة للفتى‏   ***   فيه الى طرق الكتابة تهتدى‏

         واجلّ يعقوب بن احمد ذكره   ***   بعلوّ همّته وطيب المحتد

         ودعا اليه مخلصا اصحابه‏   ***   فعل الحنيفىّ الكريم المرشد

         ثم ابنه الحسن الموفّق بعده   ***   فيه لسنّته المرضيّة مقتدى‏

         كم نسخة مقروّة حصلت به‏   ***   مسموعة لاولى النّهى والسؤدد

         يا ربّ قرّبّه وبيّض وجهه   ***   واحشره فى رهط النبىّ محمّد

 

(25) وقال السيد الامام كمال الدين اوحد العترة ابو الحسن على بن محمد العلوّى الزيارة فى هذا الكتاب والمصنف.

         يا من تجاوز قمّة الجوزاء   ***   باب مجيد للعدى ابّاء

         زوج البتول اخ الرّسول منابذ   ***   الكفار دامغ صولة الاعداء

         متشبّث بعرى التّقى معروفة يمناه   ***   بالاعطاب والاعطآء

         ذى عزّة قمرّية وعزيمة رضو   ***   يّة وسجيّة ميثآء

         قد طلّق الدّنيا بلا كره   ***   ولم تغترّ بالصّفراء والبيضاء

         لو لم يكن فى صورة بشريّة   ***   ما كان يدعى من بنى حوّاء

         نهج البلاغة من مقالته الّتى   ***   فيها تضلّ قرايح البلغاء

         كم فيه من خطب تفوح عظاتها   ***   كالروض غبّ الديمة الوطفاء

         اهلا بشارحها الامام المرتجى   ***   صدر الافاضل كعبة العلماء

         فهو الفتى كلّ الفتى بل لا فتى‏   ***   الّاه اطباقا من الفضلاء

         هيهات لست اقيس ذا فضل به   ***   او هل يقاس النّهر بالداماء

         من هزّه لملمّة فكانّما هزّ   ***   الحسام العضب فى الهيجاء

         قد نال بالقصب [6 پ‏] المعلّف حدّه   ***   ما لم ينل بالصعدة السّمراء

         لم يبق فى قوس الفصاحة منزعا   ***   الّا وانبضه بلا ابطاء

         فاذا ترقّى المنبر اهتزّت به   ***   اعواده وكساه برد بهاء

 

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 9

         يجلوا كما تجلوا القنور سيوفها   ***   صدأ القلوب بحكمة غرّاء

         ويهزّ عذب لسانه كالحيّة   ***   النّضاض تشكوا حدّة البيداء

         حتى اذا حمى الوطيس ترقرقت   ***   عبراتنا وانعطّ كلّ رداء

         كم من فواد تستلين بوعظه‏   ***   ولو انّه كالصخرة الصّماء

         يا حجة الدين الّذى اوفى على قمم   ***   العلى والسنّ فى الفلواء

         يا نور وض بلاغة يا نور عين‏   ***   فصاحة يا جمر نار دهاء

         لولاك لم يشرح كلام المرتضى   ***   احد من البلغاء والفصحاء

         فسّرته ولنعم ما فسّرته‏   ***   فجزاك عند اللّه خير جزاء

         لمّا عثرت على فصوص فصوله   ***   ايقنت انّ المرء نار ذكاء

         كم فيه من نكت يسّر بهائنا   ***   وتسلّ عنّا بزّة الغمّاء

         فلتبق فى دست الامامة ساحبا   ***   بردين برد غنى وبرد غناء

         اقسمت بالبيت العتيق وبالصّفا   ***   والركن والاستار والبطحاء

         انى امرؤ رحب الذّراع علاة   ***   لا يرضى بان يدعى من الشعراء

         لكن دعاه نحو مدحك فضلك‏   ***   السّارى مسير الشمس فى الارجاء

         انت الذى شهد العداة بانّه   ***   فى الفضل منفرد عن الاكفاء

         او دعت قلبك حبّ آل المصطفى‏   ***   وعصمت ساحتهم من الآسواء

         انّى لاعضل عن سواك عقايلى   ***   والفضل والعلياء من شهداء

         خذها اليك نفاثة من مغرم بالفضل‏   ***   ازهر من بنى الزهراء

         وافخر به فلطال ما افتخرت به   ***   صيد الملوك وسادة النقباء

         وبقيت لى ما دام ينشد منشد   ***   رغم الغراب منبى الانباء

 

منشى‏ء هذه الابيات تلميذه ابو الحسن على بن محمد العلوى الزّبارة.

(26) فصل وقد حكى عن بعض الفضلاء انه قال: لا فرق فى الفصاحة والبلاغة بين خطبة الكتاب التى هى من انشاء الرضى وبين متن الكتاب الذى هو منسوب الى امير المؤمنين على بن [7 ر] ابى طالب،

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 10

(27) وقال بعض الرواية: انا اصحّح بالاسانيد بعض هذه الخطب واقرّر انّها من كلام الصحابة لا من كلام امير المؤمنين، عليه السلام، ولا منازعة معه فى ذلك، بعد ما صحّح دعواه ببراهين الاسانيد الصحيحة.

(28) وقال بعض البلغاء ان الخطبة التى هى من انشاء الرضى نثر كالبحر او ادقّ، ولفظ اصفى بين المآء او ارقّ، فهى خطبة كالروضة الانيقة، والمجدّرة الرشيقة، لا بل كحديقة تفتّحت احداق وردها، وخريدة تورّدت اشجار خدّها واذا كان الامر كذلك، فلا وثوق بان الكلامات الفصيحة التى فى هذا الكتاب غير منسوبة الى نسايج خواطر الرضى، ونتايج ضمايره، والبليغ ربما يضيف كلامه الى غيره، ليفوز بالقبول والاقبال والاشتهار فى المدن والامصار، والنواحى والاقطار.

(29) وانا اقول ما ظنّك بكلام علىّ بن ابى طالب امير المؤمنين عليه السّلام، وهو كلام اذا لحظه الطّرف، رأى حقايق العلم المكنون، واذا تصفّحه الخاطر جنى ثمرات السرّ المخزون.

(30) حتّى قال عمر بن بحر الجاحظ: وددت انى اعطيت جميع مصنّفاتى، وقطعت انسابها عنّى، واخذت بدلها ثلث كلمات منسوبة الى على ابى طالب، عليه السّلم وصارت منسوبة الىّ.

(31) ومن عجب الجاحظ بتصانيفه انّه قيل له: هل لك ضيعة بالبصرة: فقال: وما حاجتى الى الضيّعة، وقد خرجت من البصرة ومعى غلام وحمار، فحسب. فاهديت كتاب البيان والتبيين الى ابن ابى داود، فاعطانى خمسة الف دينار، واهديت كتاب النخل والزرع الى محمّد بن عبد الملك الزيّات، فاعطانى خمسة الف دينار، واهديت كتاب طبايع الحيوان الى ابراهيم بن العباس الصولى، فاعطانى (7 پ) الف دينار، فانصرفت الى البصرة ومعى ضيعة لاخراج عليها ولا سروله.

فمن كان حظّه من تصانيفه هذا الحظّ اذا اعترف بانّ ثلث كلمات‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 11

لامير المؤمنين، عليه السلام، يزيد على جيع مصنفاته، فهل يعترض ريب لمن دونه فى الرّتبة فى كلماته وخطبه واشاراته.

(32) واقول: دلايل جودة الكلام المنثور عند العرب الترصيع، مثاله عاد تمريضك تصحيحا، وتعريضك تصريحا. والتضريس ضد الترصيع، وهو دليل ردّات الكلام وهو كلام لا يتشابه مقاطعه ومباديه لكلام العّامة.

(32) واوّل من راعى شرايط النثر فى كلامه من العرب ابن مروة الابيارىّ، وهو اوّل من استعمل الترصيع فى كلامه، ولم يوجد فى كلامه من الترصيع غير ما وجد فى كلام امير المؤمنين، عليه السّلام.

(33) ومن دلايل جودة الكلام الاشتقاق، وهو فى النثر كالمجانسة فى الشعر. مثال ذلك: طبع غير طبع وقريحة غير قريحة وجارحة غير جريحة.

(34) ومنها المضارعة مثال ذلك خصصتنى بل خسستنى.

(35) والتبديل وهو فى كلام امير المؤمنين، عليه السّلم، اكثر من ان يحصى. مثال ذلك اغنني بالفقر اليك، ولا تفقرنى بالاستغناء عنك.

(36) والمكافات وهو فى النثر شبه المطابقة فى النّظم.

(37) والاستعارة مثل قول العرب خمدت نار الفتنة، ووضعت الحرب اوزارها.

(38) والتتميم وهو ذكر جميع المعانى التى بها تتمّ جودة الكلام.

مثاله: شدّة فى غير عنف، لين من غير ضعف.

(39) والمقابلات وهى مراعاة الاضداد والاشكال، كالأب والابن، والابيض والاسود، والليل والنهار، والاعداد والجهات.

(40) والفساد [فى‏] المقابلات، خلط هذه الاشيآء بعضها ببعض.

(41) والتقسيم وهو استيفاء الاقسام كلّها. مثاله: اما حىّ فيوحى واما ميّت فينسى.

(42) وفساد التقسيم اما الاخلال بقسمة من الاقسام، (8 ر) كقول‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 12

القايل فلان امّا بصرى وامّا كوفى، وهذا تقسيم فاسد، لانه ربما كان بغداديّا غير كوفّي وبصرىّ.

و اما التكرار، كقول القائل فكّرت تارة فى صرفك، وتارة فى عزلك، وتارة فى تقليد غيرك.

(43) والارداف وهو ان يدلّ على معنى يلزمه معنى آخر. كقول القايل: فلان لا يخمد ناره، وفلان كثير الرّماد، لمطعم الناس، وفلان لا يطير الذّباب فى مطبخه، للبخيل الّذى لا يطعم احدا.

(44) ومن عيوب الكلام التكرار، وهو اعادة الكلام لفظا ومعنى، وذكر حروف الصلات والادوات من غير احتياج اليها.

(45) ومن عيوب الكلام الانتقال، وهو أن تذكر لفظا يقتضى جوابا فتعدل عن الجواب الى لفظ آخر. مثال ذلك: من اقترف ذنبا، لزمه ما جناه.

و الأولى ان يقول: لزمه ما اقترف.

(46) ومن دلايل البلاغة المساواة. وهى ان يكون الالفاظ كالقوالب للمعانى، لا يزيد عليها ولا ينقص عنها.

(47) ومن دلايل البلاغة الاشارة، وهى ان يدل بلفظ وجيز على معنى كثيرة، كما قال الشاعر فى مدح بليغ فيوجز، لكنه لا يخلّ، ويطنب لكنّه لا يملّ.

(48) ومن دلايل البلاغة الاشباع، وهو ان يدل على معنى واحد بالفاظ مترادفة.

(49) ومن دلايل البلاغة الموازنة، وهى ان يكون اواخر الالفاظ يوازن بعضها بعضا.

(50) وهذه الوجوه مذكورة فى كلام امير المؤمنين، عليه السلام.

(51) ومادّة البلاغة اللغة والاشعار والامثال والحكايات وآداب النفس، وصورتها القراين والالفاظ المفيدة للمطلوب.

 

---------------------------------------------------------------

 صفحة 13

(52) فكيف تقابل كلام الرضى، رحمه الله، الذى هو خليج من بحره، وشعاع من بدره، ومن اين للسّراب صفو الشّراب، وللضّباب قطار السحاب، وللسّراج نور البدر، وللنهر حباب البحر، وللعصافير طيران العنقاء، وللهدهد محاكاة الببّغآء. والّذين قالوا انّ (8 پ) البدر الّذي، يقتبس نوره من الشمس جاوز الشمس علوّا ونورا، فقد جاؤا ظلما وزورا.

(53) وما ذكره السيد الرضى ذو الحسبين محمد بن موسى، رحمه اللّه، من ملح كلام امير المؤمنين، عليه السلام، مذكور فى خطب امير المؤمنين فى نسخ قديمة، نسجت عليه العنكبوت بسبب طول الزمان، ورواها الفتيان عن الفتيان، اللهمّ الا الفاظا قلايل ورموزا ورسايل، لم يذكرها الا السيّد الرضى، رحمه اللّه. ومن سيرة السيد الرضى انّ جاريته [قالت‏] ما رايت ساقه مكشوفة الا بعد وفاته. فما ظنّك بعلوىّ زاهد ارتقى من الصيانة مرقاة لا يرقاها الا ذو حظّ عظيم، ونال من الزهد والعلم مزية لا ينالها الا ذو خيم كريم، هل يجوز مثله من ديانته ان يزيد فى كلام ابيه على حسب ما يشتهيه، وينسب اليه ما لم يكن اليه منسوبا ويحتقب بذلك اثما كبيرا وحوبا، هيهات هيهات. قال اللّه تعالى انّما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون، الا به. وحاشا لمثله ان يكون بالافتراء موصوفا منعوتا، وان يحشره الله تعالى يوم القيمة، ويكون عند جدّه وابيه بسبب الافتراء ممقوتا. هذا.

(54) وان وقعت الشبهة فى نقل بعض هذا الكتاب، فان صحّت كان الخلل عايدا الى من نقله الى السيّد، لا اليه. والغالب على السيّد الرضىّ الشعر والادب، مع بصيرته باسرار العلوم التى هى من علوم الاولياء والحكماء والاطبّاء. ومن علامة المؤمن ان لا يخون فى الامانة، ولا يكذب على الله والانبياء والاولياء متعمّدا، ولا خيانة وراء الخيانة فى الكلام والرواية. وفقنا الله لمرضاته، وهدانا الى جنانه، فانه ولىّ التوفيق والهداية.

(55) شرح اسم الكتاب.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 14

امّا معنى الكتاب، يقال كتبت كتبا وكتابة وكتابا، والكتب الجمع.

يقال كتبت البغلة اذا جمعت بين شفرتيها بحلقة (9 ر) اوسير، فسمّى الكتاب كتابا، لانه يجمع الفوايد. وقد يسمّى المكتوب كتابا، كما يسمى المخلوق خلقا، والمصيد صيدا. ويقال: كتبت الكتاب، اى جمعت الحروف بعضها الى بعض. قال الشاعر: بالف نكتب او مقنّب، اى: يجمع. ويقال للقدر: الكتاب.

قال الجعدى:

         يا ابنة عمّى كتاب اللّه اخرجني   ***   عنكم وهل امنعنّ اللّه ما فعلا

 

يعنى قدر اللّه. قال اللّه تعالى لن يصيبنا ما كتب اللّه لنا، اى قدّر. ويقال للفريضة الكتاب، ويقال: الصلوة المكتوبة، اى المفروضة. ويقال: الكتاب الامر، قال اللّه تعالى: ادخلوا الارض المقدّسة التى كتب اللّه لكم، اى: امركم ان تدخلوها.

(56) الشرح الكشف، يقال: شرحت الغامض، اذا فسّرته او اوّلته، ومنه التشريح للحم. النهج والنهيج والمنهاج الطريق الواضح، وجمع النهج نهوج. والنهج الطريق استبان وصار نهجا واضحا بيّنا. يقال: طريق نهج وناهجة اى واضحة بيّنة. ويقال ايضا: طريق نهجة.

(57) وسمّى الكتاب نهج البلاغة لوجهين، دون منهج البلاغة ومنهاج البلاغة.

(58) لان الاصل هو النهج، والنهج طريق واضح يسلكه سالك يؤدّى الى الخير، يقال: نهج الرّشاد ونهج النّجاة. والمنهج اعمّ من النهج.

(59) والوجه الثانى ان النهج ما لا ينقطع وضوحه، مأخوذ من النهج، وهو تتابع النفس. يقال: فلان ينهج فى النفس.

(60) البلاغة الوصول الى الشى‏ء، وسمّيت الفصاحة بلاغة، لأنّ بها يبلغ صاحبها الى ما يريد. ويجوز ان [يكون‏] البلاغة بمعنى ان هذا الكلام بلغ‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 15

مبلغا فى الكلام كبلوغ الانسان وغيره. ويقال للداهية البلغين، لانّها بلغت كلّ مبلغ من الانسان. ومعنى الكتاب، اى نهج البلاغة، انّه طريق واضح، لا ينقطع وضوحه، ويبلغ سالكه به ما يريد من الفصاحة.

(61) قوله: من كلام امير المؤمنين، عليه السّلام، الكلام عند اللغويين نطق (9 پ) مفهوم. وفى اصول اللغة الكلم يدل على القوة والشدة. وفرق عند النحويين بين الكلام والقول. فيقول بعض الناس: القرآن كلام اللّه، ولا يقول: القرآن قول اللّه. و

الكلام عند اكثر النحاة اعمّ من القول. وحدّ الكلام كلّ لفظ مستقل بنفسه مفيد لمعناه. كذا ذكره صاحب الخصايص.

و القول قد يكون اصواتا غير مفيدة وآراء معتقدة. يقال: قول الكوفيين، وما قولك فى مثله كذا، اى ما رأيك وما اعتقادك. الا انّ الناس يقولون: قول اللّه تعالى، وقال اللّه، لانّ كلّ واحد منهما يقع موقع صاحبه. وقول القائل: قال اللّه كذا، وقول اللّه كذا، يفصّل ويبيّن بعد القول ما هو مستقلّ بنفسه، مفيد لمعناه، فيفصّل من القول الموضع بالاصطلاح. (62) الامير ذو الامر، ويحتمل امرين: بمعنى الموامر، كالجليس بمعنى المجالس. والاخر الّذى يراد به ذو الرّعية. وجاء على لفظ فعيل دون فاعل، لان فعيلا يقع على الكثرة كفعول، ويدلّ على ارادة الكثرة فيه، قولهم فيه الامارة، وهذا البناء للكثرة. وكلّ من فرغت الى علمه ومشاورته فهو اميرك، وكل من يفرغ المؤمنون الى علمه ورأيه فهو امير المؤمنين. وامير المرأة.

بعلها، وامير الاعمى قايده.

(63) المؤمن اسم مشترك. يقال للّه تعالى: المؤمن، وللعبد: المؤمن.

فيقال للّه: المؤمن، لانّه آمن عباده ان يظلمهم. ويقال للعبد المصدّق باللّه المقرّ به: المؤمن: لانّ اعتقاده آمنه من استحلال دمه وماله فى الدنيا، وآمنه من المفزع الا كبر يوم القيمة. و

قيل: يسمّى العبد مؤمنا، لانّه يؤمن من شرّه من كان على مثل اعتقاده.

كما قال النّبى، عليه السلم: المؤمن من آمن جاره‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 16

بوايقه. و

قيل: يقال للّه تعالى: المؤمن، لانه يصدّق ما وعد واوعد، ويؤمن المؤمنين عذابه، ولا يعاقبهم.

(64) المؤمن والمصدّق الذى سكن قلبه بمعرفة (10 ر) اللّه تعالى.

و اختلف النّاس فى التصديق، ولا يحتمل الموضع بيانه.

(65) المختار من الاختيار والتخيّر والاصطفاء. يقال: اخترت الشى‏ء، واخترت من الشى‏ء. (66) قوله: علىّ، العلىّ الرفيع، وعالاه اللّه، واعلاه رفعه. و

قال ابن دريد: العلىّ الصّلب الشّديد يقال: فرس علىّ، ومنه سمّى الرجل عليّا.

يقال: على فى المكان يعلو علوّا وعلى فى المكارم يعلى عطاء، كذا ذكره ابن فارس.

و النسبة الى «على ابن ابى طالب» عليه السلام، علوىّ والى «علىّ، قبيلة من كنانة»، عليّون. (67) قوله: «ابن ابى طالب»، ابو طالب كنية الفرس، ووضعت هذه الكنية للفرس، كانّ بالفرس يطلب الطالب مطلوبه. كذا ذكره الاهوازىّ.

و الطلب محاولة ابتغاء الشى‏ء، يقال: طلبت الشى‏ء واطلبه، ومنه المطلب وطالب وطلب وطلّاب من الاسماء. (68) والعرب يتشرّفون بالكنى. وبسبب ذلك لا يكتب الكنى من دار الخلافة. لانّ العرب يعظّم الكنية تعظيما يزيد على تعظيم كتّابنا الالقاب.

و من رسوم العرب ان يكون لواحد اسم مشهور حتّى يرزقه اللّه تعالى ولدا، فيعظّمونه بعد ذلك بالكنية، ويقولون ابو فلان وابو فلانة. ويقال ايضا ذلك للتفأل ليعيش المكنّى حتى يرزقه اللّه، تعالى، ولدا. اجرى اللّه العادة بانّ اكثر الناس اذا ولد لهم يّبدّل اخلاقهم، ويحصل فيهم من التجربة والرّأفة والرحمة والحزم والاحتياط ما لم يكن فيهم قبل ذلك. وفى الاثار: من لا ولد له لا مرّوة له، ولا عقل. ولسبب ذلك يذمّون العقيم الابتر، لانّه يبقى على سيرته وقساوة قلبه.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 17

(69) ولا ولد طالب، وهو اسنّ اولاد أبى طالب، قيل له «ابو طالب». ولما ولد الحسن لعلى، قيل لعلى: ابو الحسن «كما روى فى آلاثار»: هذه معضلة، ليس لها الا ابو الحسن». ولما ولد القسم للنّبى، صلّى اللّه عليه وآله، قيل له «ابو القسم» كما قال، عليه السلام: من صام يوم الشك فقد عصى (10 پ) ابا القسم». (70) وربما كانت الكنية فى العرب بسبب هيئة او فعل، كما قيل: «ابو لهب»، ولم يكن له ابن اسمه «لهب»، لكن كانت شية وجهه مثل اللّهب، فقيل له: «ابو لهب». وكذلك ابو هريرة، لان النّبى، صلّى اللّه عليه وآله، رآه وفى كمّه هرّة، فقال له رسول اللّه: «أنت أبو هريرة»، ومثل هذه الكنى لا يكون تعظيما وانما هى القاب وسمات.

(71) ويقال فى العرب الكنية، والكنية بضمّ الكاف وكسرها لواحدة الكنى. والكنى على ثلثة اوجه: (72) الاول ان يكنّى عن شى‏ء يستفحش ذكره، كقولهم «ابو دراس» لفرج المراة، و«امّ سويد» للدّبر.

(73) والثانى ان يكنّى عن الرجل من طريق التعظيم والتفأل كما ذكرناه.

(74) والثالث أن يقوم الكنية مقام اللقب كما ذكرناه.

(75) وربّما ذكر الشى‏ء بالكنية، وليس له اسم كابى رياح للتمثال الذى وضعه المشبّهة بفارس.

(76) وسميّت الكنية كنية لانّها تورية عن الاسم، يقال: فلان يكنّى بابى عبد اللّه، ولا يقال: يكنّى بعبد اللّه.

(77) قوله: السيّد الرضّى ذى الحسبين، يقال: ساد قومه سيادة وسؤددا وسيدودة فهو سائد، وفى المبالغة، سيّد ويسمّى السيّد سيّدا، لانّ النّاس يلتجئون الى سواده، اى الى شخصه. والسيّد من المعز المسّنّ. وسمى سيّدا،

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 18

لانّ نوعه من المعزى يلتجى‏ء اليه عند الرّعى وظهور الذيب. والسيّد المالك لإن المملوك يلتجى‏ء اليه. والسيّد الرئيس لان المرؤوس يلتجى‏ء اليه والسيّد العليم، لانّ من لا رأى له ولا حلم يلتجى‏ء اليه. والسيّد السّخىّ، لان المستميح يلتجى اليه، والسيّد الزوج لانّ الزوجة تلتجى‏ء اليه. وسيّد فيعل من السودد، والاصل سيود. وعند قوم كان: سيدا، وقيل: سويدا. (78) يقال: رضيته وارتضيته، فهو مرضيّ او هو رضيّ، كما يقال: حميد ونعيم. والرّضىّ والمرضىّ فعيل بمعنى مفعول. والرضيّ منسوب (11 ر) الى الرضى وكثرت القاب الرضىّ والمرتضى فى السادة، لقول النّبى، عليه السلم. لفاطمة، عليه السّلم: افاطم ان اللّه ارتضى لك عليّا، فهل رضيت بعلا فقالت فاطمة، عليها السّلم: رضيت بما رضى اللّه ورسوله لى. فجرى لقب المرتضى على علىّ بن ابى طالب، عليه السّلم، بسبب ذلك. يقال: رضيت عليه، فى معنى رضيت به وعنه، رضيت منك بكذا، اى قنعت.

(79) وامّا ذو الحسبين، فالحسب ما يعدّه الانسان من مفاخر آبائه. و

قيل الحسب الخلق والدين. ويقال: رجل حسيب، وقوم حسباء.

قال ابن السّكيّت: الحسب والكرم يكونان فى الرّجل، وان لم يكن له آباء لهم شرف.

و الشرف والمجد لا يكونان الّا بالآباء.

و اما ذو الحسبين، فيحتمل ان يكون الحسب الاوّل مفاخر آبايه، والحسب الثانى دينه وخلقه. والحسب القدر يقال: ما حسب حديثك اى ما قدره. ويحتمل ان يكون الحسب الاول كرم آبائه وقدرهم، والثانى حسبه المكتسب.

(80) قوله: محمد بن الحسين بن موسى الموسوىّ النّقيب. ونسبه محمد بن الحسين بن على بن محمد بن المحسن بن موسى بن محمد بن موسى بن ابراهيم الاصغر بن موسى الكاظم بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن ابى طالب، عليهم السلام. ومولده ببغداد فى سنة تسع وخمسين وثلثمائة.

محمّد معناه من كثرت خصاله المحمود: والحسين مأخوذ من الحسن. و

قيل: الحسن‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 19

و الحسين جبلان فى بلاد طىّ.

و قيل الحسن من الذراع النصف الذى يلى الكوع. سمّى حسنا لكثرة لحمه، فسمّى كلّ من كثر لحمه من الناس حسنا.

و ابو الحسن كنية نهر بحلب، واسمه فريق. (81) الموس حلق الرأس. يقال: «اوسى رأسه» اى حلق.

و الموسى ما يحلق به، اسم صريح كالمطرف، وليس بصفة ولو كانت صفة، لكانت موساة كمعطاة، والاسم مفعول، وقيل: هى (11 پ) فعلى من الموس.

فعلى هذا لم يكن من الباب، ويؤنّث. وقيل هو مذكّر لا غير. وقيل هو مفعل من «اوسيت رأسه، حلقته بالموسى». والنسبة اليها موسىّ. وموسى اسم رجل. وهو مركب عبرىّ، ذكرته فى كتاب الازاهير من تصنيفى. وفى السريانيّة هو المستخرج من الماء و«مو» عند العبرّيين «الماء» و«شى» الشّجر، يعنى: وجد تابوت موسى حين القته امّه فى نيل مصر بين الماء والشجر. وقيل: اخذ من «ماس يميس» يتبختر، فقلّبت الياء واوا، لانضمام الميم. هذا قول من قال: وزنه فعلى. والنسبة الى موسى موسى. و

قال ابن فارس فى مجمل اللّغة: النسبة الى موسى موسىّ لانّ الياء فيه زايدة، وكذا قال الكسائى.

(82) ذو المناقب، المنقبة الفعلة الكريمة، وهى ضد المثلبة، لانها شى‏ء حسن، قد شهر حتّى كأنّه قد نقب عنه، والطريق الضيّق بين الدارين.

و النقيبة النّفس، ومنه قولهم هو ميمون النّقيبة. وقيل هو ميمون الامر ينجح فيما يحاول ويظفر، وقيل: ميمون المشورة. (83) والنقيب شاهد القوم وضمينهم. والجمع النقباء. يقال: نقب على قومه ينقب نقابة فهو نقيب ككتب يكتب كتابة.

قال الفرّاء: اذا اردت انّه لم يكن نقيبا، فصار، نقب بضمّ القاف نقابة.

قال سيبويه: النّقابة بالكسر الاسم، وبالفتح المصدر كالولاية والولاية. وسمىّ رئيس السّادة النّقيب، لانّه شاهدهم وضمينهم.

(84) واول من سنّ النقابة، وعيّن رئيسا للسادة والاشراف، وسمّاه‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 20

النقيب، المعتضد باللّه بسبب رؤيا رآها.

(85) وقيل: النقيب الامين والنّقباء الأمناء والكفلاء.

قال اللّه تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي، اى امينا كافلا على سبطه. وقال ابو ذرّ حين حضرته الوفاة لمن حضر. اندشكم باللّه، ان يكفّنني منكم رجل كان اميرا او بريدا او نقيبا، كانه كره ان يكون كفنه من كسب من تولّى الامارة والنقابة.

(86) ويقال: رجل نقيب (12 ر) ونقّاب يدرك غاية الامور واسرارها بنظره وفكرته.

قال اوس: نقّاب يحدّث بالغائب. ويقال: النّقيب المفتّش.

و قيل ذلك مأخوذ من المقنب المنقّب، وهو الذى يخرج الفأر من الجحر، يعنى يخرج الامور الخفيّة من مكامنها فالنّكيب دون النّقيب، والرّقيب دون النّكيب.

(87) شرح خطبة الكتاب

قال: اما بعد حمد اللّه، بعد مقابل قبل، ويكون فى اضافته الى ما بعده خلاف كونه على الانفراد. وذلك انّك اذا اضفته وادخلت عليه حرف جر جررته، وان عريته منه نصبته، لانّه مفعول فيه، تقول جئت بعد زيد ومن بعده. فان افردته، ضممته فقلت: جئت من بعد وقمت قبلا وبعدا. واجاز بعضهم رفعها بتنوين. (88) «و اما بعد» فصل الخطاب تقديره: امّا بعد الكلام المتقدّم، وبعد ما بلغنى من الخبر. ثمّ حذفوا هذا، وضمّوا على اصل ما ذكرناه.

(89) وقيل: اوّل من قال ذلك قسّ بن ساعدة الايادّى، وقيل: اكثم بن الصّيفى.

و «بعد» بمعنى «مع» يقال فلان شاعر، وهو بعد ذلك فقيه، اى مع ذلك. قال اللّه تعالى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها، اى مع ذلك.

(90) و«امّا» المفتوحة الالف كقول اللّه، تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ. وقول العرب: امّا زيد: فقايم، وامّا عمر فقاعد فحرف التّخيير وهو الاخبار عن الشى‏ء. و«امّا»

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 21

بالكسر للتخيير، وهو الخيار كقول اللّه سبحانه: امّا العذاب وامّا الساعة. ويجب ان تعلم موضعها اوّلا، ثم استعمالها، ثم حكمها فى انّها هل تحتاج الى الجواب اولا، ثمّ حكم جوابها فى انّه كيف يجب ان يكون، ثمّ حكم ما يجي‏ء بعدها فيما يلزمه من الاعراب، ثم ما حالها فى نفسها، وهل تحتاج الى تكرار ام لا. والسّيد رحمه اللّه، يقول: اما بعد كنت فى عنفوان شبابى. فان قال قايل: قد حكم انّ جواب «أمّا» بالفاء. (12 پ) فما قولكم فى قول اللّه، تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ قيل فيه اضمار، وهو «فيقال اكفرتم بعد ايمانكم.

(91) وقوله: جعل الحمد ثمنا لنعمائه، الثّمن عوض المبيع، هذه استعارة لطيفة. والحمد نقيض الذمّ، يقال حمدته حمدا، ونحمده، فهو حميد ومحمود. والحمد أعمّ من الشّكر، لانّه يقوم مقام المدح، وان لم يكن من المحمود فعل واختيار. وقيل: هما بمعنى واحد. فمن ذهب الى ان الحمد والشّكر بمعنى واحد، كان الحمد عنده بازآء النعماء. ومن ذهب الى انّ الحمد اعمّ من الشكر، فقد اخذ الاعمّ بمعنى الاخصّ. كما قال اللّه تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. والمراد به بعض بنى آدم، الّذى يقال له: الانسان.

و قال اللّه تعالى: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا، والمراد بعض الملائكة. (92) وحمد اللّه الثّنآء عليه بصفاته الحسنى، والشكر هو الثناء عليه باحسانه ونعمه. هذا هو الفرق بين الحمد والشكر. يقال: حمدت الرجل اذا اثينت عليه بصفاته الحميدة، وشكرت له اذا اثينت عليه بمعروف اسداه اليك. وقد يوضع الحمد موضع الشّكر، ولا يوضع الشّكر موضع الحمد.

قال الشاعر وانشده ابو زايد: يا عجبا مما يقول صعودة

         يريد ان يحرمنى واحمده   ***   الا ترى ما بيننا ما ابعده‏

 

صعودة اسم رجل.

قال الشاعر: وترتاد فيها العين منتجعا حمدا.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 22

(93) النعمة اليد والصّنعة والمنّة وما انعم عليك. وهى فى اصل اللّغة منفعة غرض النافع ايصالها الى من انعم عليه، وكذلك النّعمى وهى ضدّ البؤسى. فاذا فتحت النّون من النّعمى، مددت، قلت النّعماء ضدّ الباساء.

(94) قوله: ومعاذا من بلائه، عوذ اصل يدلّ على معنى واحد، وهو الالتجاء الى الشى‏ء ثم يحمل عليه كلّ شى‏ء لصق بشى‏ء او لزمه. يقال: عذت به عوذا وعياذا ومعاذا ومعاذة. ومعنى المعاذ من يعاذبه. (95) البلاء والبلوى الاختيار. وقال ابو الهيثم: (13 ر) البلاء قد يكون حسنا، وقد يكون سيّئا. واصله المحنة.

قال بعض المفسّرين فى قوله، تعالى: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ: اى نعمة. وقال اللّه تعالى فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ.

وقال الخاردنجىّ: اللّه تعالى يبلو عبده بالصّنع الجميل ليمتحن شكره، ويبلوه بالبلوى ليمتحن صبره. قال اللّه تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. فجعل الفتنة مصدرا من البلاء وهما متقاربان. الّا انّ الفتنة لا يكون الا فى الشرّ.

والبليّة هى الناقة الّتى يعقل فى الجاهليّة عند قبر صاحبها فلا تعلف ولا تسقى، حتّى تموت ويحفر لها ويترك فيها الى ان يتفرّق اجزاءها، لانّهم يقولون: انّ النّاس يحشرون ركبانا. واطلق لفظ البلاء على كلّ مشقّة وعناء وعذاب فى الدّنيا. فالمراد حمد اللّه قول يعاذبه من عذاب اللّه فى الدّنيا والآخرة. (96) وفى بعض النّسخ وسيلا الى جنانه، وفى البعض وسبيلا والوسيلة ما يتقرّب به الى الغير، والجمع الوسايل والوسيل. ويقال توسّل اليه بوسيلة، اى تقرّب اليه بعمل. (97) والجنّة البستان، ولا يسمّى جنّة حتى يجنّها الشجر، والجنّ الستر. ويقال جنّات عدن، لانّها مستورة عن الاعين. والعرب يسمى النخل جنّة. فسمّى اللّه دار الثواب جنّة.

(98) قيل لمحمد، عليه السّلام، نبىّ الرحمة، لقول اللّه تعالى: وَ

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 23

ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً. وقيل له نبىّ الرحمة لوجوه: (99) احدها انّ اللّه تعالى يرحم عصاة امّته بشفاعته. (100) وثانيها انّه رحم بعض اعدائه من اليهود والنصارى والمجوس ببذل الامان لهم، واخذ الجزية عنهم، ولم يأخذ احد من الانبياء الجزية سواه.

ثم قال، عليه السلم: من آذى ذمّيّا، فقد آذانى. (101) وثالثها انّه، عليه السلام، سأل اللّه تعالى ان يرفع عن عباده بعده عذاب الاستيصال. ودفع العذاب رحمة. (102) ورابعها انّ اللّه تعالى، وضع فى شرعه الرّخص تخفيفا (13 پ) لامّته.

(103) قوله: وامام الائمة ماخوذ من قول اللّه، تعالى، حيث قال: وَإِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ. رَبُّهُ: بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي: جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ. ولقوله، عليه السلام: آدم ومن دونه تحت لوائى يوم القيمة. وكل ما يجعله الانسان امامه، فيتبعه فى خيره او شرّه، فهو امامه. ومنه سمّى الامام الّذى يتولّى امر جميع الامّة لأنّهم يأتمّون به. والامام الخيط الذى يمدّ على البناء ليقوم عليه، سمّي بذلك لانّه يؤتم به، وسمّى اللّوح المحفوظ اماما. قال اللّه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى‏ وَنَكْتُبُ ما. وقوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ، اى بما كانو يتّبعونه ويأتمّون به. والامام الطريق الواضح. قال اللّه، تعالى: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ، اى طريق واضح و

قيل: سمّى الامام اماما، لانّه الطريق الواضح، الى سدّ الثغور، واقامة الحدود، وحفظ البيضة، وحلّ المشكلات،

و الامام بمعنى الماموم، لانه مؤتمّ به، فعال بمعنى مفعول، كالالاه بمعنى مألوه، والاميم والماموم بمعنى، كالحميد والمحمود، والقتيل والمقتول. (104) قوله: سراج الامّة، مأخوذ من قول اللّه، تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ. السّراج اصل يدلّ على الحسن والزينة والجمال. وسمّى السّرج سراجا لانّه يزيّن الدّوابّ. وسمىّ‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 24

السراج سراجا لضيائه. وسمّيت الشّمس السّراج، لحسنها وضيائها، ثمّ اطلق لفظ السّراج على كلّ نور وجمال.

(105) والأمّة هاهنا الجماعة، واصلها الجماعة من الناس والدوّاب والطّير. والأمم القرن بعد القرن. قال اللّه تعالى: وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى‏ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ، اى الى سنين معدودة. و

قال مجاهد فى قوله: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، عنى به آدم وحده.

و الأمّة الدين. قال اللّه تعالى: بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا، اى على دين. قال الشاعر: وهل يأثمن ذو أمّة وهو طايع. أى ذودين. (106) والامّة (14 ر) الامام والقدوة. قال اللّه تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً، اى اماما وقدوة. ويقال: فلان امّة واحدة، اى ليس له ثان. ومنه قول رسول اللّه [صلّى اللّه‏] عليه وآله فى زيد بن عمرو بن نفيل: انّه يبعث امّة. والامّة من طريق الاصطلاح هى الّتى يتبع قيّما وواليا وصاحب دعوة الى دين.

و كانها جمع امة، نحو صاحب وصحبة والأمّة بالكسر النّعمة. قال عدىّ: ثمّ بعد الفلاح والملك والأمة وارتهم هناك القبور.

قال الاخفش: الامّة فى اللفظ واحد، وفى المعنى جمع. والأمة بكسر الالف لغة فى الأمة. كذا ذكر فى الصّحاح. قال الشاعر: وهل يستوى ذو أمة وكفور.

(107) الطّينة اخصّ من الطّين، وهى قطعة منه يختم به الصّكّ.

و الطّينة الخلقة والجبلّة. الكرم شرف الشى‏ء فى نفسه، او شرف فى خلق من الاخلاق. السليل الولد، لانّه خلق من السّلالة. ويقال: سلالة الرّجل وولده، وسلالة الشى‏ء خالصه.

قوله وعصم الامم. يقال للبدرقة العصمة، للاعتصام، بها. والجمع العصم والمراد ما ذكرته. والعصمة ايضا الحفظ. (108) قوله: تكون ازاءا لفضلهم. يقال: هو ازاؤه أي قيمته. وهو بازائه،

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 25

اى بحذائه. وفى الحديث وفرقة آزت الملوك اى قاتلتهم وقابلتهم وقاومتهم فقوله ازاء لفضلهم، إى مقابلة لفضلهم. (109) وقوله: وكفاء لطيب فرعهم، يقال كافيته مكافاة وكفآء، اى جازيته، ويقال: لا كفاء له، اى لا نظير. (110) وقوله: واهل بيته،

قال ابو عبيدة: آل فرعون اهل بيته وقومه واهل دينه وملّته، كذلك آل يعقوب. والدليل على ذلك انّك اذا صغّرت الآل، قلت: اهيل.

قيل: آل الرّجل ولده ونسله.

قال النابغة:

         قعودا على آل الوجيه ولاحق   ***   يقيمون حوليّاتها بالمقارع‏

 

و قال الجعدىّ: نحل قياض من آل سيل. فهذا يدلّ على انّ الآل هو الولد والنسل.

قال اللّه، تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها، يعنى: اهل دينه. وسئل جعفر بن محمد  (14 پ) عليهما السّلام، عن الآل. فقال: آل محمّد اهل بيته خاصّة دون النّاس. واحتج بقول اللّه، تعالى: وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين. والآل الخشبة المنصوبة يحمل عليها من السعائف.

قال الشاعر:

         غير آل وعنّه وعريبش   ***   عبرتها الارواح والامطار

 

و آل ناقة قوايمها وسمّى اهل البيت آلا، لانّ الرّجل عليهم يعوّل فى اموره، فهم له بمنزلة اعواد الخيمة التى يبنى عليها البيت. و

قيل: آل الرّجل اتباعه.

قال الاعشى:

         فكذّبوها بما قالت، فصبحهم   ***   ذو آل حسّان يزجى السّم والسّلما

 

يعنى جديس تبع، وهو حسّان. والآل الشخص. وقيل: آل الرجل مأخوذ من ذلك، لانّ آله بمنزلة شخصه.

و قيل: الآل جمع الآلة، وهى الاداة، يعنى اهل‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 26

الرجل أداته فى تحصيل مقاصده.

(111) وقوله: من طينة الكرم، كان رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وآله، من اولاد ابراهيم واسمعيل، وكرمهما مشهور، وكرم الضيافة منسوب الى ابراهيم، عليه السّلم.

و كان عليه السلم، حافد قصىّ بن كلاب، الذى قال:

         انا ابن العاصمين بنى لؤىّ   ***   بمكة مولدى وبهار بيت‏

         الى البطحاء قد علمت معدّ   ***   ومروتها رضيت بها رضيت‏

         رزاح ناصرى وبه اسامى   ***   فلست اخاف ضيماما حييت‏

 

و سمّى قصىّ المجمّع. وفيه قال الشاعر:

         ابوهم قصىّ لعمرى كان يدعى مجمّعا   ***   به جمع اللّه القبائل من فهر

         هم نزولها والمناة قليلة   ***   وليس بها الا كهول بنى عمر

 

و امّا عبد مناف فكما قيل:

         ما ولدت والدة من ولد   ***   اكرم من عبد مناف حسبا

 

و امّا هاشم فكما قيل فيه:

         عمرو الّذى هشم الثريد لقومه   ***   ورجال مكّة مسنتون عجاف‏

 

و امّا عبد المطلّب فقيل له شيبة الحمد، ولقّب بمطعم الناس والوحوش.

و قال الشّاعر:

         انّما عبد مناف جوهر   ***   زين الجوهر عبد المطلب‏

 

(112) فهذا معنى قوله: مغرس الفخار المعرق، وفرع العلاء المثمر المورق. اقول المعرق رواية وهو الّذى له (15 ر) عرق فى الشرف والكرم.

و المعرق بفتح الراء، يعنى اعرق فى الشرف والكرم. وكفاء [مثل‏] قولهم: ازاء ويروى: وحوى نجم طالع. (113) قال: فى عنفوان شبابى، عنفوان الشباب والنبات اوّلهما، وهو من الابدال، ويجوز ان يكون النون زيادة من «عفا» اذا صفا وطاب.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 27

(114) قوله: خصايص الائمة، الخصّ يدلّ على الفرجة والثّلمة، يقال خصّص فلانا، افرده من بينهم، اى اوقع فرجه بينه وبين غيره، وخصاص النّاس الخواصّ منهم. محاجزات اى ممانعات. (115) وقوله: معجبين ببدايعه، من قولهم: «كل فتاة بابيها معجبة» وهاهنا ثلاث روايات: بنصب الجيم وكسرها وتشديد الجيم. (116) قوله متعجّبين من نواصعه، الناصع الخالص من كل شى‏ء، ويروى يواقيت الكلام بدل نواصع الكلام. رواية ابى الاغرّ: لا يساحل، بالحاء، الجمّ الّذى لا يحافل اى لا يدافع ولا يجامع. (117) قوله: أخذت قوانينها. القانون الاصل، وليس بلفظ عربى، بل هو لفظ سريانى، و

قيل: القانون من القّن، لانه ثابت لا يمكن ان يزاد فيه او ينقص منه، كالعبد القنّ، ثبت عبوديّته من جهتين.

(118) وقوله: مسحة من الكلام الالهيّ، يقال: على فلان مسحة من جمال. وعبقة اى علامة. ولا يقال ذلك، الّا فى المدح. يقال على وجه فلان مسحة من الجمال، اى اثر. قال رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وآله، فى جدير بن عبد اللّه البجلّىّ: عليه مسحة ملك، اى اثر.

قال ذو الرّمة:

         على وجه مىّ مسحة من ملاحة   ***   وتحت الثّياب الشّين لو كان باديا

 

(119) وقوله: يدور على اقطاب ثلثة، يقال لقطب الرّحى قطب وقطب وقطب، باختلاف حركات القاف. والجمع اقطاب. وسمّى القطب قطبا، كانه مجمع الرّحى ودورها عليه. والقطب يدلّ على الجمع. يقال: قطب القوم سيّدهم، لانّه قد يجمع (15 پ) مقاصدهم، ويدور عليه امورهم. وقطب الفلك كوكب ابيض صغير بين الجدى والفرقدين لا يبرح مكانه ابدا،

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 28

و يدور عليه الفلك وهو القطب السمائىّ.

(120) قال الازهرىّ: قول الليث: خطب على المنبر خطبة، انّ الخطبة مصدر الخطيب، ليس بصحيح، انّما الخطبة الرسالة التى لها اوّل وآخر.

و سمّيت الخطوب خطوبا، لان النّاس يتخاطب فيها لغظمها. وقيل: الخطب كلام بين اثنين، فسمّيت الخطبة خطبة لانّها كلمات يجرى عند المستمعين من قايلها. ثم خصّ هذا الاسم بكلمات فيها ذكر اللّه، تعالى، ورسوله، واعلام النّاس، وتارة يخبرهم بامر وتارة يجمع بينهما. (121) وقوله واشدّها ملامحة، الملامحة المشابهة، من قولهم: فيه ملامح من ابيه، اى مشابه.

و قيل الملامح جمع اللّمحة، جمعوا على غير اللفظ، وهو من النوادر

و يروى ملاحمة، والملاحمة المضامّة. والملامحة من لمح، اى رمق وابصر يروى منتظمة بنصب الظاء وكسرها و«انتظم» يكون لازما ومتعديا. (122) قوله اورد النّكت واللّمع، النّكت يدل على تأثير يسير فى الشى‏ء. والنكتة النقطة من ذلك. ونكت العلم من ذلك، كأنّها تلوح وتليق من غيرها.

يقال: اللمعة جماعة كرام من الناس، فسمّيت الكلمات الفصيحة لمعا بذلك.

و قيل: اللمعة قطعة من البيت، اذا اخذت فى البيتين عند الكمال، فسمّيت الكلمات الكاملة لمعا.

و قيل: اللمعة موضع لا يصيبه الماء فى الغسل والوضوء

و هذه استعارة بعيدة، كانّ المستعير يقول هذه كلمات لا يصيبها الاعراض والنّقصان والخطاء، كما لا يصيب الماء فى الغسل والوضوء ذلك الموضع. (123) قوله: قبع فى كسر بيت،... يقال: قبع القنفذ يقبع قبعا وقبوعا وقباعا، ادخل رأسه فى قميصه، وذلك من علامات الزّهاد المنقطعين (16 ر) عن الدنيا.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 29

ينطف يمطر. (124) قوله يقطّ الرّقاب، يقال: قططت الشى‏ء اقطّه، قطعته عرضا بسرعة، ومنه قطّ القلم. (125) قوله زاهد الزّهاد، وبدل الابدال، الابدال خيارهم، ابدال من خيار، وقيل هم العبّاد. الواحد بديل عن ابن دريد، وقيل: بدل وبدل ايضا.

و قيل: اذا مات منهم واحد، وهم سبعون رجلا، أبدل اللّه مكانه آخر. منهم اربعون فى الشام، وثلثون فى ساير الدنيا. فى حديث امير المؤمنين، عليه السلم: الأبدال بالشام، والنجباء بمصر، والعصائب بالعراق، تجتمعون فيكون بينهم حرب. والزاهد قليل الرغبة فى الدّنيا قليل الحظّ منها. وقيل الزّهادة فى الدنيا، والزهد في الدين. والزّهاد جمع الزاهد، وزاهد الزّهاد من هو زاهد بالنسبة الى الزهّاد، لا الى الفسّاق، كامام الأيمة، فانّه امام بالنسبة الى العلماء، لا بالنسبة الى الجهّال. (126) قوله: ومن عجائبه التى انفرد بها، الى آخر الفصل، اقول: ان الاخلاق توابع الامزجة. والشّجاعة والزهادة خلقان لا يجتمعان الا فى النادر، وفيمن كان مؤيّدا من عند اللّه. والسبب فى ذلك انّ الزاهد من وقف تفكّره على العواقب، والشّجاع من صرف عنان تفكّره عن العواقب. لذلك قال امير المؤمنين، عليه السّلام: من كثر تفكّره فى العواقب، لم يشجع. وانا اقول: شجاعته كانت من جملة زهادته، فانه كان قليل الرغبة فى الدّنيا والبقاء فيها. وذلك دأب اولياء اللّه. والعارف زاهد شجاع. ومن عرف اللّه حقّ معرفته لم يخل من شجاعة وزهد.

لذلك

قال بعض الحكماء: «العارف شجاع، وكيف لا وهو بمعزل عن تقية الموت، وجواد وكيف لا وهو بمعزل عن محبّة الباطل». و[هو] الزاهد لانّه ينزّه سرّه عمّا يشغله عن الحقّ، ويتكبّر على كل شى‏ء غير الحق.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 30

(127) واقول من الاخلاق الجميلة الّتى (16 پ) هى الفضايل العفة والقناعة والتصوّن والوقار ومحبّة اهل الخير والرحمة على اهلها والوفاء واداء الامانة وكتمان السّرّ والتواضع والبشر والبشاشة وصدق الحديث وسلامة النية والسخاوة والصّبر على الشدايد وعلوّ الهمة والعدل والانصاف والحلم.

(128) والشجاعة، وهى الاقدام على المكاره فى وقت الحاجة، واهانة الموت. وهذا الخلق محمود من جميع النّاس، وهو من الخلفاء والملوك احسن، لانّه لا صنف من اصناف النّاس اقرب الى المهالك والمكاره والمخاوف من الخلفاء والملوك. واذا لم يكن لهم قوّة الاقدام على دفع المخاوف والمكاره لم يكن لهم استعداد الخلافة والملك. وضدّ الشّجاعة الجبن لا الزهد والعفّة. فان الزّهد ضدّ الفجور لا ضدّ الشّجاعة، كما ذكر فى كتاب الاخلاق.

(129) وعلم الاخلاق علم قلّما يوجد من يخوض بحارها، فانّه علم عزيز مشكل، يحتاج الى معرفة مقدّمات.

(130) فلا يجب ان يتعجّب النّاس من انسان اجتمع فيه الشّجاعة والزهد، فانّهما ليسا من الاضداد. بل يجب لكلّ عارف موحدّ ان يكون شجاعا زاهدا، خصوصا اذا كان امير المؤمنين.

(131) ولكن قد جرت عادات النّاس بانّ من كمل فى فنّ من العلوم او الاخلاق، لم يكمل فيما سواه، والانسان الكامل فى العلوم الانسانيّة والاخلاق الجميلة نادر.

(132) وقد يتمثّل النّاس بصفات ابى الاسود الدّئلى، وهو ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان الدّئلىّ بن كنانة، وهو مذكور فى طبقات الشعراء، ثمّ فى طبقات التّابعين، ثمّ فى طبقات النحوّيين، ثمّ فى طبقات الولاة والامراء، ثم فى طبقات المعمّرين.

(133) واذا جاز هذا فى واحد من العرب، فكيف يقضى التعجّب‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 31

من كمال امير المؤمنين، عليه السّلام، فى الزهد والشّجاعة، وهما خلقان لازمان للعارف الموحّد، خصوصا (18 ر) للخليفة والملك.

(134) والعرب ينسب كلّ امر كل الى واحد قد كمل فيه، وان كان كاملا فى الاداب الاخر، فيقولون غزل ابن ابى ربيعة، وان كان شعره فيما دون الغزل امتن من شعره فى الغزل. وكذلك تشبيب العصامّى وعتاب حجظة، ونسيب ابى وجرة، ووعظ ابن جذاق، وغير ذلك. فكذلك نسبت العرب الشّجاعة والزهد [الى‏] امير المؤمنين، عليه السّلام، وان كان فى ساير الكمالات الانسانية من الفضائل اللايقة به حاز خصل الرّهان. (135) واما قوله: روايات كلامه تختلف اختلافا شديدا، ربما كان الاختلاف بسبب انّه ذكر معنى واحدا غير مرّة بالفاظ مختلفة، كما يفعله البلغاء والفصحاء، او لانّ بعض من سمع كلامه على المنبر او فى المحاورة، لم يقدر على حفظ كلامه ومراعات ترتيبه.

(136) وحفظ كلام خطيب او محاور على الولاء صورة ومعنى من غير تكرار، امر متعذّر. وقد يوجد من اعطى اللّه له قوة حافظة يضبط ويحرز ما سمع.

(137) وكان فى زماننا الامير العالم على بن منتجب الملك محمد بن ارسلان، رحمه اللّه، يحفظ ما يسمع من الفضايل والحكايات المنثورة.

حتّى انّ الحكيم ابن التلميذ النصرانىّ قرأ عليه بين يدى الوزير محمد بن ابى توبة سفرا من الانجيل مرة، فحفظه الامير علىّ، وعاده.

(138) وكان فى الزمن الماضى واحد يحفظ ما يسمع مرة، وابنه يحفظ ما يسمع مرّتين، وغلامه يحفظ ما يسمع ثلث مرات. فانشد واحد قصيدة، فقال ذلك الحافظ للحاضرين: هذه القصيدة لى، وانا احفظها، وابنى وغلامى. فقرأها فسمع ابنه هذه القصيدة مرّتين، فانشدها. فسمع غلامه هذه القصيدة ثلث مرات، فانشدها.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 32

(139) وكنت فى عنفوان الشباب احفظ قطعة من اشعار (18 پ) الجاهلين اذا سمعتها مرّتين.

(140) وكان فى زماننا بنيسابور حكيم استعار كتابا فى اصفهان، وتأمّله عشر مرّات، وحفظه، وعاد الى نيسابور، وكتبه من املاء قوّته الحافظة.

ثم قوبلت النسختان، فما وجد بينهما كثير تفاوت.

(141) فمن ادّى كلام امير المؤمنين، عليه السلم، كما قاله بلا تفاوت من طريق اللفظ والمعنى، كان ممّن ايّده اللّه بهذه القوّة الّتى ذكرناها. (142) وقوله: على عقائل الكلام، سمّيت كريمة الحيّ عقيلة، لانّها عقلت فى خدرها، اى حبست، فكذلك عقائل الكلام، كما عقلت اخواتها من الكلمات ان يبلغن درجتها فى الفصاحة. (143) قوله لا يشذّ عنّى منه شادّ ولا يندّ نادّ، شذّ عنه يشذّ ويشذّ شذوذا، انفرد عن الجهود وندر، فهو شاذ. ويقال: ندّ البعير يندّ ندّا وندادا وندودا، نفر وذهب على وجهه شاردا. ومنه قراءة بعضهم يوم التّناد. (144) وقوله: بغية البليغ والزاهد، البغية والبغية بكسر الباء وضمها الحاجة، والزاهد الذى هو بازاء البليغ هاهنا قليل الكلام. (145) قوله: بلال كلّ غلّة، كلّ ما يبلّ به الحلق من الماء واللّبن، فهو بلال جمع بلل، كجبال وجبل، ومنه سمّى ملك عدن البلال. يقال: بلال عدن ملكها، لانّ ما يبلّ به الحلق من المآء او اللبن دفع لا ذى الظمأ، وكذلك الملك دفع و[ا]ذى الظلمة وسبب لبقاء العمارة وامن الشّرب. (146) قوله: واتنجّز السّديد، نجز كمل، وانجز اكمل، وتنجّز استوفى ويروى من زلّة العلم. (147) قوله من خطأ الجنان، الخطأ نقيض الصّواب، سواء كان فى الاقوال او العقايد او الاعمال، واللّه، تعالى، ولىّ التوفيق.

باب المختار من الخطب

الخطبة 1

شرح الخطبة الاولى من الكتاب.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 33

(148) قوله: المقامات المحصورة، المقام والمقامة بفتح الميم المجلس، والمقامات المجالس، والمقامة ايضا الجماعة من الناس، والمقام من قام يقوم مقاما وقياما، والمقام من اقام يقيم اقامة (19 ر) ومقاما. (149) قوله: لا يدركه غوص الفطن، الغوص اصل يدلّ على هجوم على امر مستقبل، فالفطنة كالفهم، وقد فطن بكسر الطّاء فطنة وفطانة، ومن ذلك قول الحكماء: «الجهالة ادنى الى الخلاص من الفطانة البتراء» معناه انّ من لا يعتقد الحقّ، وكان قلبه خاليا عن اعتقاد الحقّ والباطل، فهو اقرب الى النظر وتحصيل المعتقد الحقّ من الّذى اعتنق الباطل واكّده بشبهات، وذبّ عنه. وايضا الخالى من اعتقاد الحقّ والباطل اقرب الى النظر من المقلّد للحقّ الّذى له فطانة بتراء، فاعتقد من طريق التقليد مالا وثوق له به. (150) ومعنى قوله: لا يدركه غوص الفطن، اى لا يدركه هجوم الافهام على امر مستقبل، بل انّما يعرف، تبارك وتعالى، بالدلايل المحسوسة من افعاله، او بنفس الوجود واعتباره وانقسامه، كما قال اللّه، تعالى فى محكم كتابه.

(151) امّا التّوصل فى معرفته من الاشياء المحسوسة اعني الاجسام، فكما بيّنه المتكلّمون فى مقدّمات تصانيفهم.

(152) وامّا اعتبار نفس الوجود فكقول القايل: الوجود ينقسم الى واجب وممكن، ووجود البارى، تعالى، واجب، فليس بممكن، وتصحيح ذلك بالبراهين. وكذلك قال اللّه، تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ، هذا طريق يسلكه المتكلّمون. ثم قال: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ، هو طريق اعتبار الوجود.

(153) قال بعض الحكماء: لك ان تلحظ عالم الخلق فترى فيه امارات الصنعة، ولك ان تلحظ عالم الوجود المحض، وتعلم انّه لا بدّ من وجوب بالذات. فان اعتبرت عالم الخلق، فانت صاعد، وان اعتبرت عالم‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 34

الوجود المحض، فانت نازل، تعرف بالنزول انّ ما ليس بممكن الوجود هو البارى، وتعرف بالصعود انّ هذا هذا.

(154) ويحتمل ان يكون معنى قوله لا يدركه غوص الفطن على عادة العرب، (19 پ) وهو انّهم يقولون: لو سقانا نوء كذا، لآمنّا باللّه وعرفنا وحدانيّته، ولو رزقنا اللّه انّنا نحيا، لعرفنا انّه اللّه الّذى لا آله الّا هو، ففى ذلك الطّريق يقال: لا يدركه هجوم الافهام على امر مستقبل متوقّع.

و الغوص الدخول تحت الماء، ومنه الغوّاص. والهاجم على شى‏ء غائص.

قيل: يعنى لا يدركه غوص الفطن فى الشبهات.

(155) قوله: لا يحصى نعماءه العادّون، يحصى اى يطبق قال اللّه، تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ اى لن تطيقوه. (156) وقال بعض المحققين معنى قوله: «لا يدركه غوص الفطن» انّ العقل عاجز عن ادراك عجزه، كما انّ الوهم بالضرورة عاجز عن ادراك المعقولات، وادراك العقل عاجز عن ادراك عجزه الحقيقّى. فكيف يتعجّب المتعجّبون انّه عاجز عن ادراك حقيقة الحق، وحقيقة علمه، وتفاصيل معلوماته ومقدوراته، والتقدير الالهىّ الّذى هو ينبوع الوجود الحادث.

(157) قوله: فقد قرنه، القرن ها هنا يدلّ على جمع شى‏ء الى شى‏ء. الصفة فى اللغة الامارة للشى‏ء، كالزّنة. وقد يكون بمعنى الوصف، والوصف، تحلية الشى‏ء، يقال: صف علىّ ما ذكرت، وصفه لى و

عند المتكلمين للصفة وضع آخر. فقال بعض المتقدّمين من المتكلّمين: حدّ الصفة قول يفيد الموصوف معنى او حالا. وصفة الذات صفة يطلق على الموصوف لتخصيصه، ويشارك فيها جنسه. وصفة العلّة صفة تحت الموصوف فى حال يجوز ان يكون ضدّ هاله.

(158) وفرق عند المتكلّمين بين الصّفات والاحكام. فصحّة احتمال الاعراض، حكم من احكام الجوهر، وليست بصفة. وصحة الفعل حكم من‏

 

---------------------------------------------------------------

 صفحة 35

احكام القادر. والحسن والقبح من أحكام الافعال. واختصاص العرض بالمحلّ من حكم العرض.

(159) لا يتصوّر من صفات اللّه، تبارك وتعالى، كثرة فى ذاته، ولذلك عند بعض القايلين مثال، وهو (20 ر) انّ العشرة لها فى ذاتها معنى مفهوم، وذلك المعنى واحد لا ينقسم، ويدلّ عليه لفظ العشرة فامّا اذا اعتبر منها نسبة الى الخمسة، دلّ عليها بلفظ الضّعف. واذا اعتبر نسبتها الى العشرين، دلّ عليها بلفظ النصف. واذا اعتبر نسبتها الى الثلثين، دلّ عليها بلفظ الثّلث. وهكذا يمكن ان يدلّ عليها بالفاظ آخر عند اختلاف، نسبتها الى اعداد اخر. واذا اعتبرت الوجه الّذى يلى بمعنى العشرة وذاتها، لم يوجد فيها تعدّد.

(160) فكذلك ذات اللّه، تعالى، يلزمها الوحدة والاحدّية الّتى اخصّ من الوحدة، ولكن لكثرة نسب الذات، الّتى وجب وجودها الى الموجودات الاخر، الّتى استحقّت الوجود من تلك الذّات عنها، حتى ينادى حقائق تلك النّسب بواسطتها الى افهام الضعفاء، فاذا نسبت تلك الذّات الى صدور الموجودات المرتّبة عنها، وعلم انّها ممكنات، وانّ الممكن لا بدّ له من واجب يوجده، سمّيت هذا الاعتبار قادرا والاوهام تظنّ هاهنا مغايرة، وليس الامر كذلك. هذا.

(161) وقد لقيت فى زمانى من المتكلّمين من له السّنان الاضخم والمقام الاكرم، يتصرّف فى الادّلة والحجج تصرّف الرّياح فى اللّجج، كالنّجم المضى‏ء للسّارى والثّواب القشيب للعارى.

(162) منهم والدى الامام ابو القسم، قدّس اللّه روحه. ومن تأمّل تصنيفه المعنون بلباب الالباب، وحدايق الحقائق، ومفتاح باب الاصول، عرف انّه فى هذا الفنّ سبّاق غايات، وصاحب آيات.

(163) ومنهم الامام الزّاهد ابراهيم بن محمد الخزّاز، الّذى فرغ باب‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 36

العفاف، وقنع من دنياه بالكفاف، وكان سريع الاجابة بديع الاصابة.

(164) ومنهم العالم الامام على بن الهيصم النيسابورىّ، وهو امام لسانه فصيح، بيانه صريح، وبرهانه صحيح، لفظه لؤلؤ منثور، ورسايله واشعاره ومحاوراته روض ممطور، امتطى غوارب (20 پ) كلّ ادب، وفاق سحبان وائل ويزيد بن جندب.

(165) فهولاء المتكلّمون الّذين اختلفت اليهم وحشوت استفادة بين يديهم.

(166) واما الّذين عاشرتهم، فمنهم الفقيه اسمعيل المقيم بمرو، وجدته وقد اناف على السبعين، وهو شرح كتاب المستوعب بلا نظر فى اصل كتاب او طريان شك وارتياب.

(167) ومنهم الامام رشيد الدّين عبد الجليل الرازىّ، الّذى هو متكلّم بيانه سحر حلال، وطبعه مآء زلال، ابو الكلام وابن بجدته، ومن نشأ فى حجره، ودبّ ودرج فى وكره. ومن اراد ان يعرف كماله فى صناعته، تأمّل تصانيفه. فان الشّعاع يدلّ على البدر المنير، والخليج يهدى الى البحر الغزير.

(168) وقد احيا رسمه، وخلّد اسمه، الامام الكامل سديد الدّين محمود بن ميرك الرازىّ. وهو وان كان فى ابتداء امره وعنفوان عمره، اختلف الى الرشيد، فقد جمع الآن بين الميرة والنشيد، وزاد الشرف على القصر المشيد. ولو انّه يكره هذا التعظيم، لقلت انّه استقل الرّزاذ، وفاق الاستاذ، لكنّ الفضل للمتقدّم. وقد قال بعض الحكاء: عظّم استاذك، وان جاوزت درجته، فانّه عرف اللّه قبلك. والامام سديد الدين عالم افعاله كاخلاقه واخلاقه كاعراقه. وبينى وبينه اخاء نسيمه رخا، حرّس اللّه قدره وشرح صدره. فان آدابه وشمايله تلألأت تلالؤ النجوم فى رحائب التّخوم.

(169) ومنهم الامام محمود الملاحمىّ الخوارزمىّ، وله خاطر يلفظ المشكلات كما يلفظ السمع حروف الكلمات.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 37

(170) وممن سمعت خبره وعاينت اثره ولم اره، الامام احمد بن محمد الوبرىّ الخوارزمى الملقّب بالشيخ الجليل، وقد شرح من طريق الكلام مشكلات نهج البلاغة شرحا انا اورده، وانسبه اليه، واثنى عليه، واللّه تعالى ولىّ التوفيق ومعين اهل التحقيق. (171) قال لا يبلغ مدحته القائلون. القائل اعمّ من المادح، فاخذ اللفظ اعمّ على (21 ر) معنى انّه لو كان كلّ قايل مادحا، لما بلغ كنه مدحه. وهذا اللفظ مقتبس من قول اللّه، تعالى: وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ.

و ممّا روى عن النبيّ، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، انّه قال: انا لا احصى ثناء عليك، انت كما اثنيت على نفسك. وقد عبرّ المتنبىّ، عن هذا المعنى، وان كان مراده غير مرادنا، فى قوله:

         يفنى الكلام ولا يحيط بوصفكم   ***   ايحيط ما يفنى بما لا ينفد

 

و قيل المراد بذلك انّهم لا يأتونه بالبلاغة فى مدحته.

(172) قال الامام الجليل الوبرىّ، رحمه اللّه، هذا الكلام يحتمل وجهين: احدهما انّ من كانت له حالة رفيعة يستحقّ بها التعظيم، فلا وقت ينتهى اليه مدحه ويقف عليه، بل ما من وقت فى المستقبل الّا وحقّه ثابت فيه الى ما لا نهاية له. وهذا مستمرّ شاهدا وغايبا.

و الثانى انّ الممدوح يستحقّ التعظيم والمدح بكلّ خصلة من خصال الخير يفعلها. فلمّا كانت افعال اللّه تعالى كلّها مختصّة بالحسن والاحسان، ولا يمكن عدّها واحصاءها على التفصيل، كما قال: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها، فلا يمكن للخلايق، وان بذلوا مجهودهم، ان يبلغوا تعظيمه ومدحه على التفصيل. وانّما يمدحونه جملة.

(173) وقال ايضا بعض المتكلّمين لا يبلغ المادحون مدحته على‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 38

التفصيل حتّى يمدحوه عالما قادرا على كلّ مقدور وبكل معلوم، وانما يمدح على الاجمال بكونه عالما قادرا.

(174) امّا الكلام فى المدح والمدحة، فالمدح والمديح والأمدوحة الثنآء الحسن، والمدحة اخصّ من المدح: قال الشاعر:

         لو كان مدحة حيّ منشرا احدا   ***   احيا ابا كنّ يا ليلى الاماديح‏

 

(175) وقال بعض المحققين: العقل انما خلق فى الاصل لادراك الاوّليّات التى لا يحتاج فيها الى المقدّمات. فامّا ادراكه بحقايق الاشياء، فكانّه خارج عن طبعه الاصليّ. كما انّ حاسة اللّمس خلقت فى الاصل لادراك (21 پ) الملموسات من حيث انّها ملموسات. فاذا استعملها الاكمه للاستدلال على وجود ما يدرك بالقوة الباصرة، كان ذلك خارجا عن طبعها.

فكذلك العقل خلق لادراك بعض المخلوقات، كما قال، عليه السّلام: تفكّروا فى المخلوق، ولا تتفكّروا فى الخالق. فكذلك قال: لا يبلغ مدحته القايلون، لان العقل لا يحيط بكنه معرفته.

(176) قوله: ولا يحصى نعماءه العادّون، ويروى «نُعماه»، وقد تقدم شرحه.

قال بعض المتكلّمين: يعنى لو قدّرنا اوقاتا مع اللّه، تعالى، لم يكن لها نهاية، فنفى الاحصاء واثباته كلاهما يرجع الى مقدّر محذوف. لانّ البقاء ليس باشياء فيعدّ، ولا يجوز ان يحصى الواحد. فلا بدّ من صرفه الى المحذوف، وهو الاوقات.

و قيل: الحصاة العقل، قال الشاعر:

         وانّ لسان المرء، ما لم يكن له   ***   حصاة، على عوراته لدليل‏

 

اى عقل، ويحصى يعقل.

و انشد ابو عمرو: قول سكران لا يحصى ولا يبين،

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 39

اى لا يفهم ولا يفهم ولا يعقل. والمراد انّ بقاءه بقاء لا مثال له فى الشّاهد. فلا يعقل من طريق الاستدلال بالشاهد على الغايب.

العادّون، اى الّذين يعدّون الدلايل الشواهد. (177) واللّه، تعالى، ما لا نظير له فيك، فلا سبيل لك الى فهمه، وهو ذاته، تبارك وتعالى. فاذا قلت: كيف وجوده تعالى فلا يمكنك ان تضرب له مثالا من نفسك، فلا يمكنك فهم حقيقة ذات الاوّل وكماله. فاذن لا يعرف اللّه الّا اللّه. والعلم بأنّه موجود علم بامر عامّ. والعلم بانّه لا اله الّا هو، علم بنفى المماثلة، لا بالحقيقة المنزّهة عن المماثلة. كعلمك بانّ زيدا ليس بفرس ولا طاير. فانه علم بنفى شى‏ء عنه لا بحقيقته.

و السبيل الى معرفته ما عبرّ عنه الصّدّيق، رضى اللّه عنه، حيث قال: سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا الى معرفته الا بالعجز عن معرفته.

و قال زين العابدين، عليه السّلام: غاية السبيل اليه، تعالى. ان يعرف ان لا سبيل اليه. والناس كلّهم عاجزون عن (22 ر) ادراكه. ولكنّ الذى يعلم بالبرهان المحقّق، استحالة ادراكه، فهو عارف بدركه بغاية ما يمكن للبشر ان يدركه.

فهذا معنى قوله: ولا يبلغ مدحته القايلون، ولا يحصى نعماءه العادّون. ويحتمل ان يكون معناه انّ بقاءه ليس ببقاء زمانّى، بل هو، تعالى، خالق الزمان. واذا لم يكن البقاء بقاء زمانيا فلا يحصيه العادّون بمرور الدّهور وكرور العصور، كما يحصى بقاء المحدثات بالسنين والشهور والايّام والسّاعات. فهذا ما عندى، واللّه اعلم.

(178) وقال الامام الجليل الوبرىّ، رحمه اللّه: العادّون الّذين يستفرعون وسعهم فى حصر الاعداد والاحاطة بالافراد، فليس فى وسعهم ان يعرفوا اعداد الاوقات المقدّرة فى حقّه تعالى. فالاحصاء يختصّ بالجنس، والعدّ يختصّ بالافراد. قال اللّه، تعالى: لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا.

 

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 40

(179) قوله ولا يؤدىّ حقّه المجتهدون،

قال بعض المتكلمين: شكر المنعم لا ينتهى الى حالة يقتصر عليها، حتّى لا يتعدّاها، بل هو ثابت ما لم يفسد الاحسان اساءة اعظم منه.

فحقّ اللّه تعالى لا ينتهى، حتّى لو دام البقاء بالخلق الى ما لا نهاية له، لكان حقّه لازما لهم. لهذا يمدحه اهل الآخرة ويشكرونه ويعظّمونه الى ما لا نهاية له من الاوقات، وان كان التكليف ينقطع. وقد جعل اللّه تعالى شواتهم فى مدائحه، تعالى، وتعظيمه والثناء عليه، كما قالوا: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي، وقال: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ، وقال: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ.

(180) قوله: ولا يؤدّى حقّه المجتهدون، الحقّ نقيض الباطل والحقّ واحد الحقوق، والحقّ الواجب، قال اللّه تعالى: أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ، اى وجبت.

و يقال للّه تعالى: الحقّ، لانّه واجب الوجود. قال اللّه تعالى ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ. ويقال: حقّ (22 پ) للقول المطابق للخبر ويقال: حقّ للمخبر عنه، اذا طابق قولا ويقال: حقّ للّذى لا سبيل للبطلان اليه. فاللّه تعالى حق من جهة صدق الخبر عن وجوده، وحقّ من طريق انّه لا سبيل للبطلان والزّوال اليه والى وجوده، وحقّ من جهة وجوب وجوده.

قال الشاعر: الا كلّ شى‏ء ما خلا اللّه باطل. والحقّ المال. قال اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا، اى المال. والحقّ التوحيد، قال اللّه، تعالى: وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ، اى التوحيد. والحقّ الصدق، قال اللّه تعالى: قَوْلُهُ الْحَقُّ اى الصّدق. والحقّ العدل، قال اللّه تعالى رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ، اى بالعدل. والحقّ القرآن. قال اللّه تعالى: حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ، وقال: بل كذّبوا

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 41

بالحقّ. (181)

فقال قوم: معنى قوله: لا يؤدّى حقّه المجتهدون، اى لا يعرف بالضرورة توحيده المجتهدون، وضعوا الحقّ بمعنى التّوحيد.

(182) و

قال قوم: لا يؤدى حقّه، الحقّ بمعنى القرآن، اى لا يعارض قرآنه المجتهدون. كما قال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ.

(183) و

قال قوم: كمال معرفة الحقايق امر مشكل. ومن اراد ان يعرف حقيقة النار المحسوسة، تعذّر ذلك عليه، ولا يخبر عن خواصّها وآثارها وجسميّتها، ولذلك يصعب بيان الحدود. فكيف يدرى المجتهد حقّ من ينال به كلّ حقيقة وجودها.

(184) قوله لا يدركه بعد الهمم. من اراد من المكلّفين ان يبلغ عند معرفة اللّه الى حيث لا مجال فى علمه به الشكّ والشبهة فيه فى دار التكليف، فقد رام امرا لا يحصل له، لانّ العلم باللّه تعالى مكتسب، ولا بدّ من جواز طريان الشّبهة عليه، ولا يدفع تلك الشبهة الّا بالمواظبة على النظر فى الادلة، ومراقبة طرق المعرفة.

(185) فالمراد بقوله: لا يدركه بعد الهمم اى لا يعرفه المكلّف مع بقاء التكليف بالضّرورة.

و قال قوم: العرب يقول فلان بعيد الهمّة بكسر الهاء وفتحها اذا كان بعيد القصد. (23 ر) والقصد اتيان الشى‏ء.

و

فى مجمل اللغة: الهمّ والهمّة ما هممت به، أى ما به قصدت.

فقوله: ولا يدركه بعد الهمم اى بعد ما قصدته وقصدت اليه. لانّ هذا الادراك لا يتناول الا الشى‏ء المكانيّ، واللّه، تعالى، منزّه عن المكان. (186) قوله: ليس لصفته حد محدود،

قال الامام الجليل الوبرىّ: معناه لا نهاية لكونه مختصّا بالوجود، لأنّه قديم، وليس لعالميّته حدّ، على معنى انّه لا ينتهى الى معلوم لا يعلمه.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 42

و

قال قوم: ليس لصفته حدّ، يعنى حدّ، مركب من الجنس [و الفصل‏] يكون للموصوفات الّذى لا وحدة له.

(187) وقال قوم: لو كان للصفة حدّ، لكانت للصّفة حقيقة منفردة هى بحقيقتها المنفردة معلومة بنفسها بلا اعتبار الذات، ولا اعتبار لحقيقة الصّفة على الانفراد ولا وجود كما لا اعتبار للذات، الّا بكونها على صفة. فلذلك قال: ولا نعت موجود، يعنى ليس للصفة اعتبار على الانفراد مع وجوده، [و] كلّ محدود مركّب فى المعنى.

(188) وقال الامام الوبرىّ: يريد به ولا منعوت، لانّ النعت قولنا: «و هو موجود»، فلا بدّ من صرفه الى منعوت او ذى نعت على تقدير حذف المضاف. فمعناه «لا مثل له» فيما يختصّ به من القدم، فهو معنى قوله، تعالى: فاطِرُ السَّماواتِ وَ.

(189) قوله ولا وقت معدود، لان الاوقات توابع حركات الافلاك، والافلاك وحركاتها محدثة، والحوادث لا يصحب القديم.

(190) وقال بعض الحكماء المراد بقوله: ليس لصفته حدّ محدود، اى لصفة وجوده. فانّ الوجود لفظ لا حدّ له، وانّما يشرح اسمه. فانّ كلّ حدّ يقال للفظ الوجود، فلفظ الوجود ابين منه. فليس لوجوده حدّ محدود. ولوجود غيره وجود الجواهر والاعراض، وللجواهر والاعراض حدود ورسوم.

و لا نعت موجود، اى ليس لوجوده سبب موجود وموجد. (23 پ) والنعت الصفة، والنعت السبب.

و قال الرّاعى: لكل امور فى الزّمان نعوت، اى اسباب

و قال كلاب بن مرّة: يصف الكعبة فى قصيدة منها:

         بيت ابينا سيّد البيوت   ***   شرفّه مسبّب النّعوت‏

 

اى مسبّب الاسباب.

و من المعقولات ما لا حدود له كالاجناس العالية، فانّها متصوّرة، وليست‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 43

بمحدودة، اذ لا اجناس لها، بل هى اجناس الاجناس.

(191) وقال قوم: الحدّ قول دالّ على ماهيّة الشّى‏ء.

و قال قوم: الحدّ ما يدلّ على الشى‏ء دلالة مفصّلة متصلة بما به قوامه، وفيه احتراز من الرسم وشرح الاسم.

(192) وقال بعض المتكلمين: الحدّ قول وجيز يعرّف المحدود.

(193) قوله معدود، دلالة على استحالة القدم على الاوقات، واستحالة حدوث حادث قبل حادث لا الى اوّل، لانّ المعدود صفة الوقت، وكلّ وقت معدود. كما انّ كلّ جسم متحيّز وكاين. وكلّ معدود فله اوّل ومبدأ، وما لم يكن له مبدأ، يبتدأ منه فلا يعدّ ولا يمسح. (194) قوله ولا اجل ممدود، يتناول المستقبل، اى لا نهاية له فى الاستقبال ولا غاية ينتهى اليها فيعدم، او يجوز عليه الفناء والعدم. فكما لم يجز ان يقارنه فى المستقبل، استحال عدمه، ووجب وجوده. وهذا يفارق ساير الاشياء فى صفة الوجود. فما من موجود باق سواه، الّا ويجوز عليه الفناء والعدم فى كل وقت، وان دام بقاءه، ولانه يقارنه الاوقات. وليس كذلك القديم تعالى، لانّه لا يجوز مقارنة الاوقات له، فيجب وجوده فيما لا يزال، ولا يجوز عدمه.

(195) وسئل 1 جعفر بن محمد الصادق، عليهما السّلام، عن الاوّل والآخر، فقال: لم يزل قبل كلّ شى‏ء، فاحدث الاشياء بعد ان لم يكن، واذا كان قبلها لم يزل، فلمّا دلّ على انّه لم يزل، دلّ على انّه لا يزال، لانّ الّذى لا اوّل له لا آخر له، وان الّذى لم يزل ولا يزال، فهو الاوّل الذى كان الاشياء، ازليّا، والآخر الّذى يكون بعدها ابديّا. (196)

و قال قوم هو، تبارك وتعالى، (24 ر) اوّل من حيث انّه موجد كلّ موجود سواه ومحدثه، وهو اوّل من جهة انّه اولى بالوجود من غيره، لانّ وجوده واجب، ووجود غيره ممكن. قال اللّه، تعالى: وَلا تَدْعُ مَعَ‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 44

اللَّهِ. وهو اوّل من جهة انّ كلّ محدث مخلوق اذا اعتبر، كان فيه اولا اثره، يعنى ايجاده واحداثه. وهو آخر، لانّه المنتهى، لقوله، تعالى، وَأَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏. وآخر بمعنى انّ الاشياء اذا نسبت الى اسبابها ومباديها، وقف عنده المنسوب. وهو الآخر، لانّه الغاية الحقيقيّة فى كلّ طلب.

(197) مثال ذلك اذا قلت للمريض: لم شربت الدواء، فقال لتغيّر المزاج، [فقلت لم تتغيّر المزاج‏] فقال: للصحّة، فقيل: ولم طلبت الصّحة، فقال للسعادة والخير. ثمّ لا تسال عنه بعد ذلك، لانّ السعادة والخير مطلوبان لذاتيهما لا لغيرهما.

و اللّه، تعالى، مطلوب كلّ طالب، ومعبود كلّ عابد، لا لغيره، بل لانّه يحقّ ان يعبد ويطلب رضاه، لعظمته وجلاله وكبريائه، وهو آخر تبارك وتعالى، من جهة انّه، تعالى ليس بزمانىّ، بل هو خالق الزمان. وكلّ زمانىّ فقد يمكن ان يوجد زمان وزمانىّ متأخّر عنه. واعتبر ذلك بنعيم اهل الجنة، واللّه، تعالى، منزّه عن ذلك. فهو آخر بذلك المعنى.

(198) وقيل: انّ الاول والآخر من الاسماء الّتى يتعلّق معانيها بالاضافات، فصلح ان يكون الاول نفسه آخرا، والآخر اوّلا، على اعتبار الاضافات المختلفة. واذا كان اللّه، تعالى، يفنى كلّ حىّ مخلوق، ولم يبق سواه موجود، فقد حصل معنى الاول والآخر. ولا يلزمنا انّا اذا قلنا: زيد ابو عمر ان يكون زيد ابا من كل وجوه الأبّوة. بل اذا حصلت الابوّة من وجه، فهو اب لا محالة.

(199) وقال قوم: معناه ولا اجل ممدود، اى لا ضد له، تعالى، به يفنى، لانّ الضدّ عند قوم ما هو مساو للشى‏ء فى قوة ممانع، والحدث لا يكون مساويا للقديم (24 پ) ممانعا ايّاه.

(200) وعند قوم: الضّد يقال لمشارك فى الموضوع معاقب غير مجامع، اذا كان فى غاية البعد طباعا. واللّه تعالى، ليس بعرض ولا بامر

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 45

جسمانىّ، فلا يفنى، وليس له اجل ممدود.

(201) قوله: فطر الخلايق بقدرته، اراد به المحدثات، والفطر الابتداء والاختراع.

قال ابن عباس، رضى اللّه عنه: لا ادرى ما فاطر السّموات والارض، حتّى اتانى اعرابيّان يختصمان فى بئر، فقال احدهما: انا فطرتها، اى انا ابتدأتها. والفطرة الخلقة. يقال: فطرناب البعير، طلع، وبعير فاطر. وتفاصيل المحدثات الملائكة والافلاك وما فيها والاثار العلويّة والعناصر والانسان والحيوانات العجم والنّبات والجماد. فتبارك اللّه، احسن الخالقين.

(202) وقال قوم: فطرو احدث، تبارك وتعالى، الاشرف فالاشرف نازلا الى الاخسّ، حتّى بلغ فى الايجاد والاحداث الى انقص الموجودات، وهو طينة الكائنات الفاسدات. ثمّ ابتدأ منها الى الاشرف فالاشرف، حتّى انتهى الى الانسان المكرّم فى هذا العالم. كما قال اللّه، تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ.

(203) واقول: اخطأ من تكلّم فى تفاصيل مخلوقات اللّه، تعالى، وكيفيّاتها، لانّ من ركّب معجونا من المفردات لا يدرى كيفيّة هذا التركيب واوزان المفردات سواء، وان كان المركّب صيد لانيّا هو اهله. لكنّ الحذّاق والحكماء يعجزون عن معرفة تفاصيل ذلك التركيب، فكيف يحيط علومنا الناقصة الّتى قال اللّه، تعالى، فيها: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ بتفاصيل افعال اللّه، تعالى، وكيفيّاتها. وقد اخبر اللّه تعالى عن ذلك حيث قال: ما اشهدتّهم خلق السموات والارض ولا خلق انفسهم. ولم يبق هاهنا كلام للمهندس والحكيم الذى يتكلّم فى الافلاك وحركاتها واعدادها واوضاعها، ولا للطّبيب الّذى يتكلّم فى التشريح وغير ذلك الّا موجب الحسبان، والظنّ (25 ر) لا يغنى من الحقّ شيئا.

 

معارج‏نهج‏البلاغة، متن    ، صفحة 46

(204) قوله: ونشر الريّاح، برحمته، ووتّد بالصخور ميدان ارضه، من روى ميدان بجزم الياء فروايته ضعيفة، لانّ اللفظ من «ماد يميد» اذا تحرّك، ومصدره الميدان بفتح الياء كالنّزوان، وقول الشاعر وهو ابن احمر: وميدانا من العيش اخضرا. هو واحد الميادين. وريح نشر منتشرة، من نشرت الكتاب ونشر اللّه الميّت.

(205) وقال قوم انّ اسباب الرياح بتقدير اللّه، تعالى، دخان يصعد من الأشياء اليابسة. وليس الموضع موضع كشف ذلك.

(206) واما نشر الرياح، فيعرف من اصول الرياح، وهى الصّبا، والدبور، والشّمال، والجنوب، فالصباريح تهبّ من جانب القطب الشمالي، والجنوب ريح تهبّ من جانب القطب الجنوبى.

(207) وقال قوم فى حدّ الريح: انّها حركة الهواء. وقال قوم انّها الهواء المتحرّك. وهذا الحدّ الاخير غير مقبول عند ارباب هذه الصناعة.

(208) وينقسم الصّبا الى اقسام: فانّ اوّل الحمل مشرق الربيع، واوّل السرطان مشرق الصّيف، واوّل الميزان مشرق الخريف، واول الجدى مشرق الشّتاء. ولكلّ يوم مشرق. واذا كثرت المشارق والمغارب، كما قال اللّه تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ، فلا بّد من الطرفين والوسايط.

و كذلك من جانب الشّمال نقسط كلما هبّت الريح من نقطة، قيل لها ريح الشّمال. فينقسم الصّبا الى ثلثة اقسام، والشّمال ايضا الى ثلثة اقسام، والدّبور والجنوب كذلك. فيكون اقسام الرياح. [اثنى عشر].

(209) والعرب يقول للرياح التى يهبّ لا من نقطة الاعتدال ونقطة المغرب والشّمال والجنوب النّكباء. والريح الشمالى انفع الرياح وابردها، لانّ فى الجانب الشّمالى الثلوج الكبيرة. وريح الجنوب آخر الرياح. والصّبا والدّبور مملك لسان، لذلك يقال نسيم الصّبا. فهذا شرح نشر الرياح عند قوم، واللّه اعلم.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 47

(210) فائدة الرياح انّها تروّح الاجسام وتزجى السّحاب من موضع الى موضع، ليعمّ نفعه، وتلقح (25 پ) الاشجار وتنشر السّفن وتذرى الاطعمة وتبرّد الماء وتشبّ النار وتجفّف الاشياء النديّة. ولولا الريح لذوى النّبات وفسدت الاشياء ألا ترى انّ الريح اذا ركدت، كيف يحدث الكرب والمرض للاصحّاء، وينهك المرضى، ونقص الثّمار والبقول، ويحصل الوباء. (211) قوله: ووتّد بالصخور ميدان ارضه، مأخوذ من قول اللّه تعالى: وَالْجِبالَ أَوْتاداً. وعند قوم اصحاب الحجارة.

و الجبال مذكورة فى الاثار العلويّة ولا حاجة الى ذكرها، ونحتاج الآن الى فوايد الجبال ومنافعها. اعلم انّ الجبال مأوى بعض الحيوانات، ومعاقل الانسان عند المخاوف والشّدايد، وخزائن الثّلوج. وفى سفاحها منابع العيون الّتى هى اسباب العمارة، وهى اسباب الاطلاع على السّهول والبرارى ومنابت الاودية الجبليّة والمعادن. (212) قول: عليه السّلام: اوّل الدين معرفته، معناه اوّل امور الدين المقصودة فى نفسها معرفة اللّه، تعالى. ولم يرد انّ المعرفة يبتدأ به فى الدين، ولكن هذه هى المقصودة، ولا يتوصّل اليها الا بالنّظر. فعدّه العلماء اوّل الواجبات، من حيث انّه لا طريق الى المقصود الا به. (213) قوله: وكمال معرفته التصديق به، الدّلالة الشرعيّة قامت على انّ الاقرار باللّه واجب كمعرفته اذا امكن، ولم يمنع منه. فلذلك عدّ الاقرار والتصديق كمال المعرفة.

(214) ويحتمل التصديق بالفعل، فانّه يقال فيمن عمل بعلمه انّه صدّق علمه بفعله ومن لم يعمل بموجب علمه، يقال فى عرف الدين: انّه كذّب علمه وما صدّقه. هذا قول بعض القائلين.

(215) وقال قوم: التصديق هو حكم الذهن بين معنيين متصوّرين بانّ احدهما الآخر او ليس، واعتقاده طابق ذلك الحكم وصدّقه. كقولنا:

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 48

الاثنان نصف الاربعة. وليس عند هؤلاء فى معرفة اللّه، تعالى معنيان يحكم باحدهما على الاخر او يسلب، لانّ اللّه، تعالى، واحد لا كثرة ولا تثنية فيه، تعالى عن (26 ر) ذلك. فالمراد عندهم بقوله: «التصديق به» انّ تصوّر هويّته وتصور معنى اسمه، تعالى، تصور بحسب الذات، فيتقدّمه التصديق. فكمال معرفته هذا، التصديق به على وجه لا يؤدّي الى الكثرة والانقسام.

(216) قوله: وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الاخلاص له، لانّ العلم باللّه تعالى على صفاته لا يتمّ الّا بالعلم بانّه واحد فى هذه الصفات، فلا شى‏ء يستحقّ ما يستحقّه اللّه، تعالى، من صفات ذاته. فما من شى‏ء سواه، الا واللّه، تعالى، يخالفه ويفارقه فيها يختصّ به بما هو اصل لكونه الها. فلهذا هو فى الالهيّة واحد. ومعناه لا يجوز ان يستحقّ غيره من الصفات ما يستحقّه على وجه استحقاقه. فلهذا لم يكن اللّه، تعالى، الّا واحدا.

فهو واحد فى الاهيّته. فحقيقة هذه الصفة ترجع الى نفى هذه الصفات عن غيره، فاستحالتها عليه بعد استحقاقه، سبحانه وتعالى، لها. فلهذا قال: وكمال التصديق به توحيده. (217)

و قال قوم: كمال التصديق به توحيده كما ذكرناه من تصور بحسب الذات، ويتقدّمه تصديق لا يؤدّى الى كثرة وانقسام. وانّ واجب الوجود واحد بحسب تعيّن ذاته. وواجب الوجود لا يقال على كثرة بوجه، ولا ينقسم بأجزاء القوام مقداريّا او معنويّا. والا لكان كلّ جزء من اجزائه، امّا واجب الوجوب، فيكثر واجب الوجوب، وامّا غير واجب الوجوب، فهى اقدم بالذّات من الجملة. فيكون الجملة ابعد من الوجوب به فهو واحد لا ينقسم تقديرا ولا عدّا، واحد لا يقارن نظيرا ولا ضدا، واحد ذاتا ونعتا وكلمة وحدّا. فهذا معنى قوله: كمال التصديق به توحيده، عند هؤلاء.

(218) وامّا قوله كمال توحيده الاخلاص له، قال الامام الوبرىّ الملقّب بالجليل، رحمه اللّه: يدخل فى الاخلاص العلم والاقرار (26 پ)

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 49

باللسان والعمل بالاركان، كما ذكر، تعالى، فى قوله: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.

(219) وقال قوم: الاخلاص له معناه انّه، يعنى المخلص، يغيب عن نفسه، فيلحظ جناب القدس فقط، وان لحظ نفسه، فمن حيث هى لاحظه.

(220) قوله: وكمال الاخلاص له نفى الصفات عنه. هذا الكلام لا يدلّ على نفى الصفات مطلقا، لانّه، رضى اللّه عنه، قال قبل ذلك: «ليس لصفته» فاثبت الصفّة. ولا تناقض فى كلامه. فمن وصف اللّه، فقد قرنه، فهذه الصفة المراد بها ما يكون غير اللّه، تعالى، وشيئا آخر، حتّى يكون قرينا له.

(221) وقال قوم: الصّفة ليست بشى‏ء سوى الموصوف، وانّما المعلوم هو الموصوف، والشّى‏ء هو الموصوف. وليس يصحّ ان تكون الصفة امرا زايدا على الموصوف.

(222) وقال قوم: المراد بذلك بالصفات المنفيّة هاهنا، ما هى غير اللّه، كما زعم قوم، لشهادة كلّ صفة انّها غير الموصوف وشهادة كلّ موصوف انّه غير الصّفة.

(223) وقال قوم: المراد بذلك انّ الجنس صفة للنوع، والفصل ايضا صفة له، وللجنس مفهوم غير مفهوم الفصل، وكذا للفصل، والنوع مركب من الجنس والفصل. فنفى الصّفات يجرى مجرى الجنس والفصل من اللّه، تعالى.

و الدليل على ذلك قوله: لشهادة كلّ صفة انّها غير الموصوف. انّ مفهوم الجنس ومفهوم الفصل غير مفهوم النّوع، ومفهوم النّوع الّذى يقّومه الجنس والفصل، [غير مفهوم كلّ واحد منهما على الانفراد، لانّ الجنس والفصل‏] هما الحدّ، والنوع هو المحدود. وفرق بين المحدود والحدّ. لذلك قال: وشهادة كلّ موصوف انّه غير الصّفة.

(224) قوله: فمن وصف اللّه، فقد قرنه. القران هاهنا يدلّ على جمع شى‏ء الى شى‏ء. ومن وصف اللّه، تعالى، كما يوصف النوع بالجنس‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 50

و الفصل والخواصّ، فقد جمع شيئا الى شى‏ء. ومن قرنه فقد ثنّاه، غير مهموز.

فلا شكّ انّ من جمع بين الجنس وركّب منهما نوعا فى ذهنه، فقد ثنّى. قال (27 ر) ومن ثنّاه فقد جزّأه. الجنس جزء النوع، والفصل جزء آخر. وهما من اجزاء القوام. ومن جزّأه، فقد جهله وما عرفه. فواجب الوجود، تعالى، لا فصل له، ولا جنس له، ولا حدّ له، ولا نوع له، ولا ندّ له. فكمال الاخلاص نفى الصفات عنه. (225) «و من اشار اليه، فقد حدّه»، معناه انّ الاشارة لا يصحّ الّا بالآلة. فانّ اصل الاشارة الايماء باليد. والآلة لا يصحّ توجيهها الّا الى متحيّز. والمتحيّز لا يصحّ الّا أن يكون فى جهة. وما كان فى جهة لا بدّ من كونه محدودا. لانّ مالا حدّ له ولا نهاية وكان ذا اجزاء، استحال وجوده.

فالموجود فى جهة يجب كونه متناهى القدر والمساحة. والمتناهى فى المساحة والقدر هو المحدود. فقوله: من اشار اليه، فقد حدّه، ومن جوّز الاشارة الحسّيّة الى اللّه، تعالى، فقد اعتقد جسما ذا حدود واقطار.

و قال قوم: من اشار اليه، فقد حدّه، اراد به الاشارة الوهميّة. لانّ الوهم لا يثبت موجودا الّا وهو مشار الى جهته، والحدّ هاهنا حدّ الجهة والمكان.

(226) قوله: ومن حدّه فقد عدّه، لانّ الابعاد والاعداد واقعان تحت جنس. وقيل: اللفظ المفرد لا يكون حدّا. اذ القول هو المركّب. وكذلك يعلم انّ ما لا تركيب فى حقيقته وماهيّته فلا حدّ له. وقوله: عدّه، يعنى عدّ مقوّماته. (227) وقوله: من قال: فيم، فقد ضمّنه. وذلك لانّ التضمين والمداخلة فى الشى‏ء لا يصحّ حتّى يكون المداخل عرضا خاصّا يحلّ فى الجسم، او يكون جسما يحتوى عليه جسم آخر، كالسّاكن فى الدّار. وكلاهما لا يصحّان على القديم، تعالى. لانّه ليس بجسم، فيكون الجسم الآخر حاويا له، ويكون مضمّنا فيه، وليس بعرض، حتّى يحلّ فى جسم، فيكون الجسم محلا

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 51

له فلا يصحّ تضمينه، تعالى، على هذين الوجهين، ولا يصحّ فى التضمين وجه ثالث حتّى (27 پ) ينفى عنه، تعالى. (228) وقوله: ومن قال: علام، فقد اخلى منه مكانا دون مكان، وذلك لانّ العلوّ والتمّكن يقتضيان ان يخلو عنه غير ذلك الشى‏ء من مكان خلا أو ملاء. فلو جاز تمكّنه على شى‏ء، وشغله له، لوجب خلوّ ساير الاماكن عنه. فكان يجب ان لا يقدر على اختراع الاجسام، بل اختراع الافعال الّا بحيث [يكون مباشرا له‏] او قريبا منه، لانّ الجسم لا يفعل الّا مباشرا او قريبا منه.

و قد علمنا صحّة وجود افعاله داخل العالم فى السّموات والارضين، فوجب ان لا يجوز تمكنّه على مكان، وشغله مكانا امّا بمجاورة او حلول.

و قال قوم: نفى عنه المقولات، وهى الجوهر، والكمّ المتّصل والكمّ المنفصل والوضع والاين ومتى والجدة والمضاف وان ينفعل.

(229) قوله: كائن لا عن حدث، لانّ وصفنا للشى‏ء بانّه كائن يستعمل على وجهين بالحدوث عن العدم، وتارة بمعنى انّه موجود على صفة.

و قال قوم: مطلب «هل» البسيط، اى هل كان الشى‏ء موجودا، ومطلب «هل» المركّب، اى هل [كان‏] الشى‏ء موجودا على صفة كذا، مطلبان فى هذا الباب واذا اريد بالكون الحدوث عن العدم، افرد عن القران، فيقال: كان كذا، واطلق اطلاقا من غير تقييد. واذا اريد التحيّز فى الموصوف، ذكر الاسم دون الفعل، فيقال: كائن، فيراد به متحيّز شاغل للجهة.

و لا يستعمل لفظة الكائن فى حقّ اللّه، تعالى، الّا بمعنى الوجود. فقوله: كائن لا عن حدث اى موجود لم يزل.

(230) وقال قوم: وجود البارى، تعالى، وجود لا يسبقه عدم، لانّ كلّ وجود سبقه عدم، حدث بعد ما لم يكن. وكلّ ما حدث بعد ما لم يكن، فله سبب فى الحدوث. وكلّ ماله سبب فى الوجود فهو ممكن الوجود، وقد فرضنا القديم، تعالى، واجب الوجود، تبارك وتعالى. وكلّ ما هو ممكن الوجود، فلا بدّ من ان ينتهى الى واجب الوجود. وذلك ما اردنا ان نبيّن.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 52

(231) وقوله: موجود لا عن عدم، هو تاكيد للمعنى الاوّل. و

قال قوم: (28 ر) قوله: كائن لا عن حدث، يعنى: موجود لا كوجود الانسان من النطفة المحدثة، والسيف من الحديد المحدث، والنبات من البذر المحدث، والمتولّدات عن الاسباب المحدثة، وموجود لا عن عدم، اى لم يسبقه عدم اصلا وراسا كالعالم المحدث. فانّ اللّه احدثه لا عن مادّة واصل ومثال.

(232) وقوله: مع كلّ شى‏ء لا بمقارنة، روى بالباء والنون. قيل: لمّا استحال الحلول والمجاورة عليه، لم يبق فى الجواز عليه الّا كونه عالما بكلّ شى‏ء، قادرا على انواع المقدورات على ابلغ ما يعقل من الوجود. ويقال: الامير معى، يعنى: انّ مثال الامير او تشريفه او نصرته معى. (233) وقوله: وغير كلّ شى‏ء لا بمزايلة، ويروى: ويباين عن كلّ شى‏ء، معناه: اذا كان غير كلّ شى‏ء، فلا بدّ من كونه مخالفا لكلّ شى‏ء، لانّ الغيريّة الّتى هى انفراد الذّات عن ذات اخرى هى صفة ثابتة لكلّ شى‏ء، فلا يجوز ان يقع لها المباينة بين القديم وبين كلّ محدث، فيجب ان يراد بها مباينة القديم لكلّ شى‏ء، ولذلك قيّده وقال: لا بمزايلة. والغيريّة بين الاشياء تعقل بالمزايله. فاذا كانت غيرية لا بمزايلة، فلم يعقل منها الا المخالفة والمباينة فى الصفات.

(234) وقال قوم: معنى قوله: غير كلّ شى‏ء لا بمزايلة انّ اللّه، لا يشارك شيئا من الاشياء فى ماهية ذلك الشى‏ء، لانّ كلّ ماهيّة لما سواه مقتضية لامكان الوجود، ولا يدخل الوجود فى مفهومها، بل تطرأ عليها من موجودها. فواجب الوجود لا يشارك شيئا من الاشياء فى معنى جنسى ولا نوعى، (28 پ) فلا يحتاج اذن ان ينفصل عنها بمعنى فصلىّ او عرضىّ، بل هو منفصل باين بذاته عن كلّ شى‏ء لا بمزايلة كمزايلة الانسان الفرس بالفصل الذاتىّ.

(235) قوله: فاعل لا بمعنى الحركات، والآلة، لانّ الجسم لا يعقل‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 53

كونه فاعلا الّا باحداث فعل فيه او فى غيره بالمماسّة. وذلك لا يصحّ الا باحداث حركة فى نفسه فى الاكثر، او باستعمال آلة فى الاكثر، اذا اراد احداثه فى الغير. وانّما احترز بالاكثر عن الارادة والكراهة والنظر فى المباشر وعن الاعتقاد فى المتولّد، لانّ الارادة والكراهة تفعلان على وجه المباشرة لا بحركة، وكذلك النظر بفعل الاعتقاد متولدا لا بآلة سوى القلب.

(236) وقال قوم: البارى، سبحانه وتعالى، مبدع. ومعنى الابداع ان يكون للفعل وجود من المبدع متعلّق به فقط، دون متوسّط من مادة او آلة او زمان او غير ذلك. فذلك معنى قوله: فاعل لا بمعنى الحركات والآلات.

(237) قوله: بصير اذ لا منظور اليه من خلقه، المراد به انّه حىّ لا آفة به فى ما لم يزل. وقول العلماء: انّ اللّه تعالى، لم يزل سميعا بصيرا، انّه على حال لو كان مدرك لادركه. فاذا اوجد المدرك، وجب ان يدركه. ولذلك قيّده بكنيته، وقال: اذ لا منظور اليه من خلقه. والمنظور اليه هو المدرك. فكنّى عن المدرك بالمنظور اليه. فكانّه قال: هو، تعالى، على حال لو كان مدرك لادركه.

(238) وقال قوم معنى قوله: بصير اذ لا منظور اليه فى خلقه انّه بصير لا بالآلة والحاسّة والمقابلة والمحاذاة، لانّ النظر اذا قرن بالبصير يقتضى ذلك.

و اللّه، تعالى، منزّه عن الحاسّة والآلة.

(239) وقال قوم: انّ اللّه تعالى، وصف نفسه بصفات متعدّدة، فقال، انّ اللّه، تعالى، على كلّ شى‏ء قدير، واللّه بكلّ شى‏ء عليم، وهو السميع البصير. وهذه الصفات تتعدّد بسبب نسب المخلوقات الى (29 ر) ذاته، تعالى، فاتّحدت من الوجه، الذى يلى الذّات.

(240) قوله: متوحّد اذ لا سكن يستأنس به، اشارة الى انّ وحدانيّته ليست على معنى الانفراد عن الامثال والاشباه، لانّها فى الحقيقة وحدة غير حقيقيّة. فمن له مثل، يعتزل عنه مثله او جاره، فذلك ذلّ وعار ونقص.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 54

و معنى الوحدانيّة فى حقّ اللّه، تعالى، ما يخالف ذلك.

(241) وذلك ينقسم الى ثلثة اقسام: احدها انّه واحد فى الالهيّة، لقولنا: لا إله الّا اللّه.

و الثانى انّه واحد لا يجوز عليه الاجزاء والابعاض، فهو واحد فى ما لم يزل ولا يزال كذلك، فهذا معنى قوله: اذ لا سكن يستأنس به.

و الثالث انّ وحدانيّته نفى الكثرة والعدد عنه، ونفى التجزية والتبعيض، ونفى التنقيص والتقلّب، ونفى كونه علة وكونه معلولا، ونفى الشريك والنّظير والمثل. فهو، تعالى، واحد، لانّ احد وجوه الواحد ان يكون تامّا.

(242) والبارى، تعالى، تامّ الوجود، لانّ نوعه له، فليس من نوعه شى‏ء خارج عنه. والكثير والزايد غير واحدين، والبارى، تعالى واحد من جهة انّ حقيقته له، وواحد من جهة انّه لا ينقسم بالكمّ، ولا بالمبادى المقوّمة له، ولا باجزاء الحدّ، وواحد من جهة انّ لكلّ شى‏ء وحدة تخصّه، وبها كمال حقيقته الذاتيّة، وواحد من جهة انّ مرتبته من الوجود، وهو وجوب الوجود، ليس الّا له.

و قد اكّد السمع ذلك، حيث قال اللّه، تعالى، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.

(243) وفرق بين الواحد والاحد. والاحد وضع لنفى ما يذكر معه فى العدد، والواحد اسم مفتتح 1 العدد، فيقال: واحد، اثنان، ثلثة، وقد فرّق بينه فى الاثبات وبينه فى النفى، فقيل فى النفى ليس [احد. و] اصله الواو. ويجي‏ء الأحد بمعنى الواحد، فيقال: يوم الاحد، كانّه مبدأ ايّام الاسبوع. والواحد ذكر (29 پ) لانقطاع المثل والنظير. قال اللّه، تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.

(244) قول اللّه، تعالى: «واحِدٍ» نفى الكثرة والعدد. وقوله: «اللَّهُ الصَّمَدُ» نفى التنقيص والتقلّب. وقوله: «لَمْ يَلِدْ» نفى كونه علة، وقوله: «لَمْ يُولَدْ» نفى كونه معلولا. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ نفى الشريك والنظير عنه.

(245) وكانت بنت خالد بن سنان النبىّ، عليه السلام، حاضرة عند رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وآله، فقال رسول اللّه: انّ اباها كان نبيّا شريفا ضيّعه‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 55

قومه. فلمّا سمعت هذه المرأة سورة الاخلاص، قالت: يا رسول اللّه انزل اللّه على ابى، عليه السّلام، معانى هذه السّورة، وقال: هى التوحيد. فقال رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، لها: ما انزل اللّه على ابيك الهى واحد احد ليس له والد ولا ولد لا مثل له ولا نظير. فهو الغنىّ الحقّ القيّوم، لا اله الّا هو ربّ الدنيا والاخرة. (246) قوله: انشأ الخلق انشاء وابتدأه ابتداء بلا رويّة اجالها ولا تجربة استفادها، من فعل بالرويّة والفكر، فله قوة تخرج الى الفعل. واللّه، تعالى، منزّه عن ذلك. واجالة الرويّة واستفادة التجربة لازمتان للحواسّ، لانّ المحدثات قضايا واحكام تتبع مشاهدات منّا تكرّر فتفيد اذكارا بتكرّرها منّا، فيتاكّد عقد قوىّ لا يشكّ فيه، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا. (247) قوله: ولا حركة احدثها، اى اخذها فى ذاته، لانّه يحدث الحركات فى الاجسام، ولذلك يوصف بأنّه يحرّك الاشياء، ولا يوصف بانّه متحرّك. لانّ المتحرّك ما حلّته الحركة، سواء كانت باختياره او باختيار غيره.

و المحرّك فاعل الحركة، احدثها فيه او فى غيره. (248) قوله: ولا همامة نفس اضطرب فيها، ويروى: ولا همّة نفس اضطرب، ويروى، ولا هماهمة. ذلك آثار الانسان وخواصّه، تعالى اللّه عن ذلك. لانّ همامة النّفس هاهنا قواها، كالحسّ (30 ر) المشترك والخيال والوهم والقوّة المفكّرة بنسبة مّا والمتخيلة بنسبة اخرى والقوّة الذاكرة.

و الهماهمة ترديد الفكر، مأخوذ من الهمهمة. (249) قوله: اجال الاشياء لاوقاتها، اى غيّر، ويروى، اجلّ.

قيل: معناه انّ الصّلاح فى الفعل قد يقف على وقت مخصوص، فتقديمه وتأخيره يخرجه عن الصّلاح، فيجب ان يكون عالما بالاوقات المستقبلة، حتّى يجرى التدبير على قضيّة الحكمة.

(250) وقيل: معناه لو قدّرنا قبل خلق العالم اوقاتا، لكان الصّلاح‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 56

فى انشاء العالم فى ذلك الوقت، حتّى لو قدّم او اخرّ تحريك الشّمس وما فى الفلك، او قدّم عليه، لخرج ما يتعلّق من الصّلاح بحدوث العالم عن انتظامه، ولصار كلّ صلاح فسادا. فلذلك قدّره على الاوقات المعروفة، ليقع كلّ جزؤ من افعاله فى الوقت الّذى وقف صلاحه عليه.

(251) وقال قوم: المراد بقوله: اجال الاشياء لاوقاتها، انّ اللّه، تعالى، قد اعطى كلّ شى‏ء ما ينبغى له، ان كان منفعلا فعلا انفعاله الّذى ينبغى، وان كان مكانيّا، ففى مكانه الّذى ينبغى. وان كان الخبر فيه ان يكون منفعلا قابلا للاضداد، فمدّته مقسومة بين الضدّين على العدل، اذا كان احدهما بالفعل، فذلك الآخر، بالقوّة، والذى بالقوّة حقّ ان يصير بالفعل مرّة. ولذلك اسباب معدّة مقدّرة بتقدير اللّه، تعالى، وحكمة اللّه هيّأت لكلّ شى‏ء اسبابه.

لذلك قال اللّه، تعالى. احدث كلّ شى‏ء خلقه.

(252) وقال قوم من الموحدّين: انشأ الخلق انشاء، الى تمام الكلام، يعنى: اوجد العالم لا من شى‏ء. انّ البنّاء اذا بنى قايما، الّف تأليفا وركّب تركيبا. فقال قوم، التّاليف عرض يحلّ محلّين. وقال من نفى الاعراض: انّه صفة. وعندهما صفة، وعندهما لا مادّة للعرض يوجد منه العرض. ولو كان الحديد مادّة السيف والسكّين، لم يكن التّاليف مادّة، ولا ما يجرى مجرى المادّة. والاعراض مخترعة. واذا جاز اختراع الاعراض، (30 پ) فلا تتعجّب من ان يخترع اللّه، تعالى، العالم لا من شى‏ء.

(253) قوله: احال الاشياء لاوقاتها ولأم 1 بين مختلفاتها، من البيّن الواضح انّ الفعل اذا كان حكمة وحسنا، صحّ ان يفعله الحكيم لحسنه لا علة اخرى، مثل الاحسان الى الغير والانصاف والعدل.

(254) وقال قوم من البغداديين: انّ احداث العالم فى الوقت الّذى احدثه اللّه: تعالى، كان اصلح، لانّ وجود شى‏ء فى وقت دون غيره لا يمتنع ان يكون الاصلح، فيكون الحكمة مقتضية له. وعندهم انّ اللّه، تعالى، لا بدّ

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 57

ان يختار الاصلح.

(255) وروى انّ داود النّبىّ، عليه السّلام، قال: يا ربّ لم خلقت العالم والخلق فقال: يا داود كنت كنزا مخفيّا اردت ان اعرف. وهذا رمز لا يعلمه الّا العارفون.

(256) وقال واحد من العلماء لا لميّة هاهنا. فكما لا يجوز ان يقال: لم كان اللّه قديما واجب الوجود، فكذلك لا يجوز ان يقال: لم خلق العالم، والّا سيأتى وقت مقدّر دون وقت.

(257) وقوله: لأم بين مختلفاتها، انّ اللّه، تعالى، جعل العناصر قابلة للقسر، حتّى يمكن منها المزاج. وعلم، تعالى، انّ المخلوق فى دار الدّنيا لا يتمّ الا بجامع ومبدّد وذى انقياد واستقصاء فخلق، تعالى، الحرارة مبدّدّة بذاتها، والبرودة جمّاعة، والرطوبة لينقاد بها الاجسام للتخليق والتشكيل، واليبوسة ليتماسك بها على ما افيدت من التقويم. (258) وقوله: عارفا بقرائنها وأحنائها، القرينة الصّاحبة، الجمع القراين، ويقال: دور قرائن يستقبل بعضها بعضا. الاحناء الجوانب. يقال: حنو الحبل اى ناحيته، واحناء الامور ما فيها من الاشتباه والاعوعاج. ويروى: الزمها اسناخها، اى اصولها. وان روى: اشباحها، فاراد به المركّب. ويروى: واحنائها. ويروى واختانها، اى امثالها. (259) قوله: ثم انشأ، سبحانه، تعالى، فتق الاجواء وشقّ الارجاء. ويروى: ونتق الارجاء، الى قوله: والماء من فوقها (31 ر) دفيق. ماء متلاطم، اى مرتفع. التيّار موج البحر. الاجواء جمع الجوّ، والماء من فوقها دفيق، اى مدفوق، يقال جاؤا دفقة، اى مرّة واحدة. (260)

و قال قوم: اذا تصعّدت البخار، وكان قليلا، فكان الهواء حارّا، حلّل الهواء الحارّ البخار، كما تكون فى الصيف، فيصير البخار هواء.

و اذا كان البخار كثيرا، ويكون حرارة الهواء قليلا، يبقى البخار على حالته، و

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 58

يتصعّد الى ان يصل الى الطبقة الّتى فيها الهواء البارد، فيبرد بسبب ذلك الهواء البارد. فاذا كانت البرودة فى تلك الطّبقة معتدلة، كثّف ذلك الهواء البخار وجعدّه وقبضه وقطّره. فيكون البخار الكثيف المنجعد سحابا، والذى يقطر مطرا. فهذا معنى قوله: فاجرى 1 فيها ماء متلاطما تيّارة متراكما زخّارة (حمله) على متن الريح العاصفة. واذا قرب ذلك البخار من الارض، يقال له الضّباب، واذا بعد، يقال له السّحاب.

(261) وفائدة الهواء سبب بقاء الابدان البشريّة وفيه يطرّد الاصوات، فيدرك من البعد، وهو الحامل للروايح. وقال جعفر بن محمّد الصادق، عليه السلام، سبحان من جعل الهواء قرطاسا خفيّا يحمل كلامنا ريثما نبلغ حاجتنا ثم ينمحى فيعود جديدا نقيّا. (262) وفائدة السحاب والمطر الّتى يطبق الارض وبه يزرع البرارى الواسعة وسفوح الجبال وذراها، وبه يسقط فى كثير من البلاد مؤنة السقّى، وينحدر انحدارا ليعلو الاراضى المشرفة، ويأتى قطارا لانّه لو انسكب انسكابا، لكان يزل عن وجه الارض، فلا يفور فيها، ويحطم الزروع القائمة اذا ادفق عليها، فصار ينزل نزولا رقيقا، وينبت الحبّ المزروع. والمطر يجلو كدورة الهواء، ويزيل الوباء والعفونة وما يقلّ 2 على الاشجار. قال اللّه، تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا، الآية. (263) وقوله: ثم انشأ سبحانه، ريحا اعتقم. اعتقم وأعقم واحد.

و هما روايتان. (31 پ) وادام مربّها، اربّت السّحابة دامت.

و قيل: مرّبها مجمعها. يقال: مكان مربّ، اى مجمع، ومربّ الابل حيث لزمته.

و الاعتقام اللّىّ. وعصفت الرّيح اشتدّت، واعصفت لغة فى بنى اسد، وسمّيت عاصفا، لانّها يستخفّ الاشياء، فيعصف بها، ريح قاصف ورعد قاصف شديد الصّوت، مأخوذ من القصف وهو الكسر. ويروى بالدّال. والتصفيق ضرب الشى‏ء بعضه على بعض. والزّخار المرتفع. فمخضته حركته. حتّى عبّ عبابه اى‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 59

ماج. وجوّ منفهق اى واسع، بغير عمد يدعمها ويدّعمها روايتان. ولا دسار ينظمها، الدّسار واحد الدّسر وهى خيوط يشدّ بها الواح السفينة، ويقال هى المسامير. وقيل سمّيت لانّها يدسر الماء، ويروى: يطمّها، من قولهم: طمّ البئر الرّقيم لوح فيه كتابة، ومائر متردّد فى شى‏ء. (264)

قال الامام الوبرّى: معناه فى الفلك دائر. الصحيح فى الفلك انّه ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، انما هو السّمت الّذى يتحرّك الشمس والقمر والنجوم، فهو كالجهة لسائر الاشياء، وهو خلا لانّ الجسم لا يصحّ الّا ان يكون فى الخلأ فى كلتى حاليه فى سكونه وحركته. فاراد بقوله فى فلك دائر، اى فى سمت يسار فيه ويدور فيه الدوائر، كما يقال: ليل قائم ونهار صائم.

و قال فى الرقيم: هو حقّة محيطة باذيال السّماء المحتوية على الارض.

(265) وقال قوم: الفلك جسم كرىّ شفّاف يتحرّك على الوسط مشتمل عليه. والكوكب جسم كرىّ مكانه نفس الفلك 1 من شأنه ان ينير، متحرّك على الوسط غير مشتمل عليه.

(266) وقالت الاوائل: الفلك ليس بكونه من اجسام اخرى على سبيل التركيب والمزاج، ولا ضدّ لصورته المختّصة بمادّته، فلا يجوز ان يكون من جسم آخر، كما يتكوّن الماء من الهواء. بل وجود جوهر الفلك من فعل البارى، تعالى، على سبيل الابداع والاحداث والاختراع. ويدلّ على (32 ر) بطلان هذا الكلام كلام امير المؤمنين، عليه السّلام.

(267) وذكروا انّ الاجرام السماويّة لم يكن كلّها مضيئة بجميع اجزائها، والّا لتشابه اثرها فى الامكنة والازمنة، ولا بجميع اجرامها مشفّة والّا لما نفذ عنها الشعاع. بل خلق اللّه، تعالى، الكواكب، ولم يتركها ساكنة، والّا لا فرط اثرها فى موضع بعينه، ففسد ذلك الموضع، ولم يؤثّر فى موضع آخر، ففسد ذلك الموضع ايضا بل جعلها واحدثها متحرّكة لينقل التّاثير

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 60

من موضع الى موضع.

(268) ولو كانت الحركة الّتى للفلك الاعلى غير سريعة، لفعل من الافراط والتقصير ما يفعله السكون. ولو كانت حركة الشمس الحقيّقية، تلك السريعة بعينها، للزمه دائرة واحدة، فافرط اثرها هناك، ولم يبلغ اثرها سائر النواحى. بل هذه 1 خلق هذه الحركة منها تابعة لحركة مشتملة على الكلّ. ولها فى نفسها حركة بطيئة يميل بها الى نواحى العالم جنوبا وشمالا.

(269) ولولا انّ للشمس مثل هذه الحركة، لم يكن ربيع ولا خريف ولا شتاء ولا صيف، فخولف بين منطقتى الحركتين السريعة والبطيئة، وجعلت الاولى سريعة والاخرى بطيئة. والشمس تميل [الى‏] الجنوب شتاء، ليستولى على الارض الشمالية البرد، ويحتقن الرطوبات فى باطن الارض، وتميل الى الشمال صيفا، ليستولى على ظواهر تلك الاراضى الحرارة، ويستعمل الرّطوبات فى تغذية الحيوان والنّبات. فاذا جفّ باطن الأرض، جاء البرد ومالت الشّمسّ، فتارة تمتلى الارض غذاء، وتارة تغذّوا.

(270) ولما كان القمر شبيها بالشّمس، جعل اللّه، تعالى، مجراه فى تبدّره مخالفا لمجرى الشّمس.

(271) والشّمس تكون فى الشّتاء جنوبية والبدر شماليا، لئلّا يعدم المسخّنان معا، وفى الصّيف يكون الشّمس شماليّة والبدر جنوبيّا، لئلّا يجتمع المسخّنان معا. ولما كانت فى الصّيف على رؤس سكّان الربع المعمور، جعل اللّه، تعالى، اوجها هنالك، لئلّا يجتمع قرب الميل وقرب المسافة. فانّهما وان قربت ميلا، فقد بعدت مسافة. ولو قربت (32 پ) من جهتها، لاشتدّ التاثير والتسخين. ولما كانت الشّمس فى [الشتاء] بعيدة من سمت الرؤس، جعل اللّه حضيضها هناك، لئلّا يجتمع بعد الميل وبعد المسافة، فينقطع التأثير.

و لو كانت الشّمس دون هذا القرب او فوق هذا البعد، لما استوى تأثيرها الّذى يكون عنها الآن.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 61

(272) وكذلك فى كلّ كوكب. فقالوا: هذا معنى قوله: ثمّ زيّنها بزينة الكواكب وضياء الثّواقب، واجرى فيها سراجا مستطيرا وقمرا منيرا فى فلك دائر وسقف سائر ورقيم مائر. (274) قوله فى وصف الملائكة، عليه وعليهم السّلام: اطوارا من ملائكته، اى اصنافا فى الوانهم ومراتبهم، كما قال اللّه، تعالى: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً: والناس اطوارا، اى اصنافا على حالات شتىّ. (275) قوله: ناكسة دونه ابصارهم، تقديره ابصارهم ناكسة، والهاآن فى قوله: دونه وتحته عائدتان الى العرش، ومتلفّعون، اى ملتحفون. رواية: «و لا يسيرون اليه بالمواطن». (276)

قال الامام الجليل الوبرىّ فى قوله: مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزّة واستار القدرة، اراد به افعاله، تعالى، وبدايعه التى يحدثها بمرأى العين من الملائكة الّتى تدلّهم على اللّه، تعالى، وحكمته، فيدلّهم على انّه لا يجوز عليه التمكّن فى الاماكن، يسمّى هذه الافعال حجب العزّة. وانّما صحّ منه، تعالى، احداثها لانّه عزيز، وهو القادر الّذى لا يمانع. فيستدلّ الملائكة هذه الدلايل على انّه لا يجوز عليه، تعالى، ما يجوز على الاجسام، والحوادث من علامات الصنعة. فلذلك اضاف الحجب الى العزّة، ولذلك عقّبه بقوله: لا يتوهّمون ربّهم بالتّصوير بعد استدلالهم بهذه الادلّة، فيعلمون انّه لا يجوز عليه التصوير والتوهّم.

(277) وقال بعض العلماء: حجب العزّة عبارة عن ان يعلم العاقل يقينا انّه لا يتصوّر له ادراك الحقيقة الالهيّة. وانما يدرك ذلك بعد اتقان مقدّمات (33 ر) كثيرة. ومن عرف اللّه، كلّ لسانه، اى لا يجد عبارة يؤدّى حقّ المعنى الّذى فهمه، وكذلك حقيقة الملئكة المقرّبين.

(278) قوله: ولا يشيرون اليه بالنظائر، معناه لا يعتقدون له مثلا، ولا يشيرون اليه، ولا يعرفونه بمثله، وانما يعرفونه بالادلّة انّه لا مثل له، وانّما

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 62

يعرف الشى‏ء بدليله لا بعديله. و

قيل: معناه لا يشيرون اليه بالنظائر، اى بالامثلة له، فانّه لا يوجد فى الشاهد مثال لذات الواجب وجودها، لم يزل ولا يزال، وانما يعرف ذلك بالدليل والبرهان.

(279) وقال واحد من الحكماء 1 في صفة الملائكة: «و هم حملة العرش والكرسى، لقد أبدّوا تابيدا، ويستنسقون جليّة الحقّ من وراء الكرّوبيّين، وانّهم لبين الواصلين. فمن الكرّوبيين وجه القدس ويمن القدس وملك القدس وشرف القدس وبأس 2 القدس وروح القدس وسناء القدس.

و لكل منهم حزب من الملائكة لا ينحصرون. اصطفاهم اللّه، تعالى، وانعم عليهم، فنعم العبادهم، لا يلتفتون عن عبادة اللّه وذكره الى وطر لهم. وانّهم له الركّع السّاجدون والخشّع الحامدون». وتمام الكلام فى رسالة الملائكة، كانّ ذلك الحكيم شرح ما قاله امير المؤمنين، عليه السلام.

(280) قوله فى صفة آدم، عليه السلام: سنّ صبّ ومرج، ويروى: حتّى خضلت، ويروى ناطها، ولاط الصق، حتّى لزبت، اى ثبتت. قال اللّه، تعالى: مِنْ طِينٍ لازِبٍ. يقال: صار الشى‏ء ضربة لأرب، وهو افصح من لازق.

قال النابغة:

         ولا تحسبون الخير لا شرّ بعده   ***   ولا تحسبون الشّرّ ضربة لازب‏

 

(281) قوله: فمثلت انسانا، «مثل» هاهنا «انتصب قائما». وفى موضع آخر: لزق بالارض. وهو من الاضداد. و

قيل فى قوله: جوارح يختدمها، يامرها بان يخدمه. معجونا، يعنى: طينة آدم.

(282) وقوله: من الحرّ والبرد (33 پ) والبلّة والجمود والمساءة والسّرور، معناه جسد ركّبه تركيبا يصلح للمساءة والسّرور مهيّئا لذلك معرضا له. خلق فيه القدرة والعقل والشّهوة والنّفار. فبها يتمكّن من ذلك، وبالشهوة والنّفار يبادر الى اللذة وينفر عن الالم وما يؤدّى اليه. وهو قريب من قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى‏.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 63

(283) و

قالت الاطبّاء: معنى قوله: اجمدها حتّى استمسكت، الى آخر الفصل، اشارة الى الاعضاء المشابهة الاخرى كالعظم، فقد خلقه اللّه، تعالى، صلبا، لانّه اساس البدن ودعامة الحركات. والغضروف فهو الين من العظم، فينعطف، واصلب من سائر الاعضاء، ثمّ العصب وهو جسم دماغىّ المنبت او نخاعىّ المنبت، لدن ليّن فى الانعطاف، صلب فى الانفصال، ثمّ الوتر، ثمّ الشّريان، ثم الاغشية، ثم الجسم.

(284) وقوله: ومعرفة يفرق بها بين الحقّ والباطل، يعنى هو ذو معرفة. وذلك لا يكون الّا بالعقل، ويفرق بها بين الاذواق والمشامّ والالوان.

فمعنى ذلك انّ القوّة المدركة الّتى فى الظاهر ويقال لها الحسّيّة كالجنس لقوى هى خمس عند قوم وثمان عند قوم. واذا اعتبرنا الخمسة كانت قوّة الابصار وقوّة السّمع وقوّة الشّمّ وقوّة الذوق. واذا اعتبرنا الثانية، فعند قوم انّ اللّمس ينقسم الى قوى كثيرة. ومفصّل ذلك فى كتب الطّب. (285) وقوله من الاضداد المتعادية والاخلاط المتباينة،

فقد قيل: انّ الاركان اجسام ما هى اجزاء اوّليّة لبدن الانسان وغيره، وهى اربعة. والمزاج كيفيّة تحدث من تفاعل كيفيّات متضادّة موجودة فى عناصر متصغّرة الاجزاء ليماسّ 1 اكثر كلّ واحد منها اكثر الآخر. اذا تفاعلت بقواها بعضها فى بعض، حدث عن جملتها كيفية متشابهة فى جميعها، هى المزاج. والخلط جسم سيّال يستحيل اليه (34 ر) الغذاء اوّلا، فمنه خلط محمود، ومنه خلط ردىّ.

(286) قوله: وجوارح، الجوارح الاعضاء. والاعضاء مفردة ومركبّة. ومن القوى قوى مخدومة وقوى خادمة. والمخدومة جنسان: جنس يتصرّف فى الغذاء لبقاء الشخص، وينقسم الى نوعين: الغاذية والنّامية، وجنس يتصرّف فى الغذاء لبقاء النّوع، وهى تنقسم الى نوعين: الى المولّدة والمصوّرة: وامّا الخادمة الصّرفة فهى خوادم القوّة الغاذية، وهى قوى اربع: الغاذية

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 64

و الماسكة والهاضمة والدافعة. وخلق اللّه المعدة تحت آلات النّفس، اعنى الحجاب والرئة والقلب، لئلّا يزحم آلات النّفس عند امتلائها وازدياد مقدارها، فتمنعها عن التنفّس على النّحو الواجب. وجعل اللّه، تعالى، شكل المعدة مستديرا، ليسع غذاء اكثر، وليكون ابعد عن قبول الآفات. وذلك أنّ الشكل المستدير اوسع استدارة من اعلاها، لانّ قامة بدن الانسان منتصبة، فقعر المعدة منه الى جهة السّفل. وجميع ما يتناوله من الطّعام والشّراب يقبل بحركة جملته الى جهة قعر المعدة، فوجب ان يكون اوسع لنفسه. (287) ثم نفخ فيها من روحه، الهاء عائدة الى الصورة. وهذه الاضافة اضافة تشريف، لا ما ذهب من يعتقد مذهب الاتّحاد. ومن الاشياء ما يضاف الى اللّه، تعالى، من طريق انّه فعله وملكه، كما يقال: ارض اللّه وسماء اللّه وخلق اللّه وبيت اللّه، فاضافة الارض والسّماء الى اللّه، تعالى، لا يدلّ على نوع الاتحاد، كذلك اضافة الروح. وقد يضاف الشى‏ء الى شى‏ء بمعنى الملك، كما يقال: غلام زيد، ولا يدلّ اضافة الغلام الى زيد على الاتّحاد. وقد يضاف الشى‏ء الى شى‏ء بمعنى التشريف، كما يقال: بيت اللّه. وقال اللّه، تعالى: وَعِبادُ الرَّحْمنِ، وانّه لمّا قال عبد اللّه ورسول اللّه، فاضافة الرّوح، يعنى روح آدم، عليه السلام، (34 پ) اضافة تشريف وملك وايجاد واحداث، لا اضافة اتّحاد. (288) و

قال قوم: المراد بقوله: نفخ فيها من روحه، عنى بالروح هاهنا القوة الّتى اذ حصلت فى الاعضاء هيّأتها لقبول قوّة الحسّ والحركة وافعال الحياة، ويضيفون اليها حركات الخوف والغضب، ثمّ يجدون فى ذلك من الانبساط والانقباض العارضين للروح المنسوب الى هذه القوّة، لذلك قال: فمثلت لى انسانا، الى قوله: والمساءة والسرور.

(289) قوله: واستادى اللّه، تعالى سبحانه، اعلم انّ النّاس اختلفوا

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 65

فى تفضيل الانبياء عليهم السّلام، على الملائكة والملائكة على الانبياء.

و تمسّك من فضّل الانبياء على الملائكة بآيات من كتاب اللّه، احدها قوله: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ: اسْجُدُوا لِآدَمَ. و«سجد» فى اصل اللّغة خضع. قال الشاعر: ترى الأكم فيها سجّدا للحوافر. وقال: من فضلّ الملائكة على الانبياء، ذلك كرامة، كما يكرم الامير الوزير بالدخول.

و قال قوم: للانبياء فضل على بعض من الملائكة دون بعض.

(290) قال بعض المحققين: السجود ليس بسجود عبادة لآدم، بل هو عبادة اللّه وتعظيم لامر اللّه. وابليس مأمور 1 مع الملائكة بالسجود، فاستثنى اللّه، تعالى، ابليس على معنى الاستثناء من الساجدين.

(291) وقال قوم: يجوز ان ينقلب الملك شيطانا. وقال قوم: لا يجوز لانّ نوع الشياطين غير نوع الملك.

(292) والرواية الصحيحة: اعترته الحميّة بالعين غير معجمة. (293) وقبيله، ويروى قبله. وفى ذلك نظر، لان القبيل فى اللغة جماعة من قوم 1 شى‏ء مثل الروم والعرب والعجم، ولا يقال القبيل الّا لجماعة فيهم رهط من الروم والعرب والعجم، ولم يخلق اللّه، تعالى، مع آدم هؤلاء حتّى وافقوا ابليس فى ترك السجود، فالاولى «و قبله». (294) ابليس لفظ ليس بعربى. فمن قال: انّه من ابلس اى بلس، فقد ردّ كلاما سريانيّا الى كلام عربى.

(295) وها هنا أصل (35 ر) يجب أن يبحث عنه، وهو انّ الاستثناء امّا ان يكون متّصلا كقول القائل، قام القوم الا زيدا، او منقطعا كقول القائل: ما فى الدار احد الا حمارا. ومعنى المنقطع ان يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه. وقولهم: ما فى الدار احد الّا حمارا، فالحمار ليس من جنس احد. لانّ احدا لما يعقل. وقالوا: فى هذا الاستثناء الذى كلامنا فيه «ما فى‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 66

الدار احد الّا حمار وحمارا.

(296) والبصريّون يقدّرون هذا الاستثناء بلكن، وقالوا انّ فيه معنى كقولك: ما فى الدار احد لكن فيها حمار. والفرّاء يقدّر بسوى. وعند البصريين لا يجوز ان يبدل الثّانى من الاوّل، فنقول: ما بها احد الاحمار، كما نقول ما بها احد الا زيد.

(297) وقد يجى‏ء الشى‏ء من ذلك مبدلا على ضرب من التأويل، كقول الشّاعر: وبلدة ليس بها انيس، الا اليعافير والّا العيس، وابدل «اليعافير» من «الانيس»، لانّها جعلها من انيس ذلك المكان. وقال آخر:

         حلفت يمينا غير ذى مسوبه   ***   ولا علم الّا حسن ظنّ بصاحب‏

 

ابدل حسن الظنّ من العلم، وان لم يكن من جنسه، لما كان الظّانّ يقول: هذا علمى فى فلان، يريد انّ ذلك تقديره فيه، فالذى يلوح له من امره، ويظهر ذلك فى المعنى «سلامك الخصومة وعتابك السيف»، يريدون انّه يضع الخصومة موضع السّلام والسيف موضع العتاب، ويستعملهما مكانهما. ويقال على هذه الطريقة: ليس فيه عيب الّا جوده، يريد انّه لا يمكن ان يعاب بشى‏ء. فان كنت ترى انّ الجود عيب، فليس فيه عيب سوى ما تراه.

(298) و«الّا» يكون ايجابا، كقولك: ما رأيت الا زيدا، وما قام الا زيد، الّا هاهنا ايجاب لا استثناء جنس. لانّه ليس قبل هذا الكلام ما يستثنى منه. وقد يكون بمعنى الواو عند ابى 1 عبيدة. وذلك فى قول اللّه، تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ. وردّ ذلك الزجّاج وغيره وقالوا: هو استثناء من غير (35 پ) الجنس.

(299) وذهب قوم ايضا انّ المراد من قوله: فسجد الملائكة كلّهم اجمعين الّا ابليس، استثناء من غير الجنس. والاستثناء من غير الجنس نوع من الاستثناء، ويقال له الاستثناء المنقطع. والدليل على انّ هذا الاستثناء من غير الجنس عند من يذهب الى هذا المذهب، قول امير المؤمنين، عليه السّلام،

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 67

فسجدوا الّا ابليس وقبيله. اعترتهم الحميّة، وغلبت عليهم الشقوة، وتعزّزوا بخلقة النار. وقد تعزّز انّ الجانّ هو المخلوق من النار الّا الملائكة.

(300) واستدلّ قوم على انّ ابليس كان من الجنّ بقول اللّه حاكيا عنه: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ. وقال اللّه، تعالى: فى موضع آخر: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ.

(301) قال ابو عبيدة: «ابليس» اسم اعجمّى، لذلك لم يصرفه، وهو «افعيل» من «ابلس»، اى انقطع ولم يكن له حجة.

(302) ويقال: هو من «ابلس» اى يئس. قال اللّه، تعالى: فَلَمَّا نَسُوا ما، اى آيسون. ويقال: «ابليس» اذا سكت ولم يحر جوابا. قال الشاعر: قال: نعم أعرفه وابلسا، اى ولم يحر جوابا. وقيل: المبلس الحزين البائس النادم. قال الشاعر: وفى الوجوه صفرة وابلاس. والابلاس الفضيحة. وسمّى «ابليس» لانّه افتضح بعصيانه.

و قيل: ذلك مأخوذ من «ابلست الناقة» اذا لم ترغ من شدّة الضّبعة.

(303) قوله: اعطاه اللّه النظرة، بكسر الظاء، التأخير. قال اللّه تعالى: وَإِنْ كانَ، وقولهم: نظار، مثل «قطام» اى انتظر. اعلم انّ الشيطان لا يقدر الاعلى وسوسة خفيفة ودعاء ضعيف، والمكلّف يقدر على دفعه.

و اللّه، تعالى، يمدّه بخواطر الخير من عنده، ويكتب له الاجر العظيم على دفعه، فيصير مثله كمثل عبد لسلطان يلقاه عدوّ له، فوقف يجاهد ويقول: لا تطع صاحبك واستهن بامره. ويقول السيّد لعبده: انّ هذا عدوّ لى ولك، فلا تطعه، فانّه لا يتمكّن الا من دعاء، (36 ر) لو تصاممت عنه، لذهب هنا، واعطيك الف دينار اجرا لك على اعراضك عن دعائه. فصار هذا الفعل نعمة على هذا العبد. وهذا مهثل الشيطان مع بنى آدم، الّا من اساء الاختيار لنفسه. (304)

قال الامام الجليل الوبرىّ، رحمه اللّه فى قوله: فاعطاه اللّه النظرة استحقاقا للسّخطة: لمّا كان المعلوم من حاله ازدياد المعصية بازدياد

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 68

المهلة، جعل ابقاءه فى كلّ وقت لمكان زيادة عقابه. ومع العلم بوصل العقاب اليه، كان نفس الابقاء عقوبة، لمكان العافية. وهذا كقوله، تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا: أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ، إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً، ونظاير ذلك كثيرة.

(305) قوله: باع اليقين بشكّه،

قيل: انّ الواجب على آدم، عليه السّلام، ان يستدلّ بنهى اللّه، تعالى، فيعلم شمول النّهى لجنس الشجرة.

فلمّا لم يستدلّ هذا الاستدلال المخصوص، جعل كانّه باع اليقين الّذى كان واجبا عليه، بظنّه على اقتصار النّهى على الشجرة.

و

قيل: انّ اللّه، تعالى، اخبر بعد اوة ابليس له، كما قال: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ. فكان الواجب عليه ان يتذكّر عداوته فى كلّ حال، ولا يركن الى ظنّه عند المقاسمة، وهو قوله، تعالى: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فلمّا لم يفعل ذلك، صاد كانّه ترك اليقين بعد اوة ابليس بسبب ظنّه.

(306) وقيل: معنى قوله: باع اليقين بشكّه، مثل قديم للعرب، وتمثّل به امير المؤمنين، عليه السلام، ولم يرد انّ آدم، عليه السلام، شكّ فى امر اللّه ودينه، كما تمثّل امير المؤمنين، عليه السّلام، يقول الشاعر: «اوردها سعد وسعد مشتمل» يضرب هذا المثل، اعنى: «باع اليقين بشكّه» لمن عمل عملا فى غير وقته، فلا يفيده ذلك العمل.

و الدليل على انّ هذا الكلام استعارة على طريق الامثال انّه لا بيع هاهنا ولا شراء. (307) قوله: (36 پ) ثمّ بسط اللّه له فى توبته، لمّا اوجب اللّه، تعالى، على آدم بعد تناول الشجرة، التوبة اصلاحا لما فاته، صار آدم محتاجا الى التوبة، وإن لم يصدر منه كبيرة موبقة. وتوبة الانبياء، عليهم السّلام، لا يجرى مجرى توبة اصحاب الجرائم والذّنوب، فانّ توبتهم انابة الى العزائم من الرخص.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 69

(308) وقال من لم يجز الصغيرة على الانبياء: الصغيرة مكفرة بشرط الاجتناب عن الكبائر، لقول اللّه، تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ، نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، من غير احتياج صاحب الصغيرة الى توبة مفردة.

(309) وقال قوم: هذه التوبة من زلّة اجترحها.

(310) وقال قوم: ذلك ترك الاجود والاولى. والتوبة طاعة يصلح بها تارك الاجود ما فاته.

و مثال ترك الاولى والاجود انّ انسانا له رأس مال لو سافر به الى الصّين.

لربح مائة دينار. فسافر الى خجند او كاجغر، وربح ستين دينارا، فاولى له ان يربح مائة دينار، لكن ذلك الرجل غير ملوم، بل هو تارك لما هو اولى له وانفع.

(311) وقال قوم: الكبائر الّتى لا ينفّر النّاس عن قبول قول النّبى، عليه السّلام، جائزة عليه. واجمعون على انّ الكذب لا يجوز على الانبياء عليه السلام.

(312) واقول: احوال الانبياء، عليهم السلام، لا يشابه احوالنا. اذ الايمان بالنّبوة ايمان بالغيب عند العقل. فان شبّه العقل هذا الغيب بشى‏ء ممّا هو حاضر لادراكه، فهو بعيد جدّا عمّا هو الحقّ. ومن لا ذوق له فى الشعر ربّما يصدّق بوجود هذه القوّة فى غيره. ولكن يصرّف فمن لا ذوق له فى الشعر فى بحور الشعر واركانه وزحافه واوتاده واسبابه وفواصله تصرّف فاسد.

(313) وقد يكون الامر والنّهى حقّا مقرونا بالوعد، وقد يكون كلّ واحد منهما محمولا على الترغيب والاستحباب على وجه خصّ فيه (37 ر) المأمور والمنهىّ بوجوه من التأويل. والنهى فى قوله، تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ. (314) قوله: واصطفى، سبحانه من ولده انبياء،

قال ابو عبيدة: اصل النّبىّ مهموز من نبات او نبّات. ولكن العرب تركت همزته. وكذلك‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 70

فى البريّة والرزيّة.

و يقال: انّ اصل النّبىّ الطريق، وسمّى الطريق نبيّا، لأنّه ظاهر مستنير.

و قيل: النّبيّ من النّبوة وهو المكان المرتفع. فالنّبىّ فوق الناس فى الرتبة كما انّ النّبوة فوق الارض.

و قال عدّى: ولا يحل نبى البشر فيه. البشر موضع.

و قيل: النبىّ اسم عام يعمّ من انبأ عن اللّه، تعالى: والرسول اسم خاص يخصّ صاحب الشرع، اشارة الى حكمة اللّه فى بعث الانبياء، عليهم السّلام.

(315) وفى العقل مجوّزات لا طريق اليها الّا السمع. ولا بدّ من نبىّ ينبّه الخلق على ما غفلوه عنه من طريق السّمع، ولا طريق للعقل اليه. وقد ثبت فى العقول انّ فى الافعال ما يدعوا الى الخيرات، فيكون مصالح، وفيها ما يدعوا الى السيّئات، فيكون مفاسد. واذا كان كذلك، وكان اللّه، تعالى، عالما بالخفيّات، لم يستحل ان يعلم اللّه من مصالح العباد ما يخفى على العباد، من اعداد ركعات الصّلوة والصّوم فى الوقت المفروض، والحجّ الى مكان معيّن.

لذلك قال اللّه، تعالى: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَ. وقال عقيب كفّارة الظّهار: ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.

(316) ونظير ذلك ما يتناوله من الادوية، فانّه يختصّ بقدر دون قدر وبوزن دون وزن، حتّى لو زيد عليه، او نقص منه صار مفسدة. واذا كان فى مصالح الابدان مثله، لم يمتنع ان يكون فى مصالح الاديان مثله. ولا يجب على الطّبيب اذا عالج مريضا بادوية مخصوصة موزونة ان يبيّن لهم وجه الحكمة فى (37 پ) القدر المعلوم والوزن المعلوم، كذلك لا يجب على صاحب الشّريعة ذلك. وكيف، وقد ثبت لنا بالدلائل والمعجزات صدق النّبى، عليه السّلام، وما ثبت لنا صدق الطّبيب.

(317) ومثال ما يتكلّم فيه، مثال مريض يعلم انّ اللّه، تعالى، خلق لدائه دواء، ولا يعلم كنه ذلك الدواء وكيفيّته وتفصيله ومقداره، فيحتاج الى‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 71

الطّبيب يعيّن ذلك. كذلك يعلم العاقل انّ فى الافعال ما يكون في نجاة المكلّفين، فيحتاج الى نبىّ مبعوث يهديه ويرشده الى هذه الافعال.

(318) فان قال قائل: ذكر امير المؤمنين، عليه السّلام، فى هذه الخطبة اصول الطبّ وعلوم الهيئة والتشريح وغير ذلك، وليست هذه من علوم الدين، قيل له: نرى اقواما عقولهم ضعيفة وهممهم نحيفة يرون التعمّق فى التحقيق بدعة والعدول عن الظواهر ضلالة، فليس لأمثالهم النظر فى امثال هذا الكتاب: بل نقول لهم: قال اللّه، تعالى: وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. والطبّ معرفة المرض وعلاماته ومعرفة الشفاء واسبابه. وقال اللّه، تعالى: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ. ذلك علم التشريح الّذى اشار اليه امير المؤمنين، عليه السلام. وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً، اشار الى معرفة الآثار العلويّة، وقوله، تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ. وقوله، تعالى: وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ، وقوله: وَخَسَفَ الْقَمَرُ، وقوله، أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها، وذلك علم الهيئة. فما أشار امير المؤمنين، عليه السلام، فى هذه الخطبة الى ما هو خارج عن تفسير القرآن ومعرفة افعال اللّه، تعالى، الدّالة على انبائه، تعالى. وقد ذكرنا: انّ نظرك الى الانبياء والاولياء بالقياس الى نفسك نظر الاكمه الى الكواكب. (319) قوله: اجتالتهم (38 ر) الشياطين، اى اغريهم، و

قيل: استخفّهم حتّى جالوا معها.

(320) قوله: واوصاب تهرمهم، عنى بالاوصاب الامراض. ومن الامراض ما هو سبب الهموم. والامراض منها مفردة ومركبة. واجناس الامراض المفردة ثلثة: جنس الامراض المنسوبة الى الاعضاء المتشابهة الاجزاء، وجنس الامراض المنسوبة الى الاعضاء الآليّة، وجنس الامراض المشتركة الّتى تعرض للمتشابهة الاجزاء وتعرض للآليّة بما هى آليّة، ويقال له تفرّق الاتصال، وانحلال المفرد.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 72

و امراض التركيب ينقسم الى امراض الخلقة. وامراض المقدار وامراض العدد وامراض الموضع. والعوارض النفسانيّة كالغضب والرّوع والفرح والحزن اسباب للهرم.

و اشدّ العوارض النفسانيّة الهمّ، لانّ الروح عند الهمّ يتحرّك الى جهتين فى وقت واحد. فانّه قد يعرض من الهمّ غضب وحزن. لذلك قال النّبى، عليه السلام: الهمّ نصف الهرم. (321) قوله: ليستأدوهم ميثاق فطرته، يقال: استادوا، اى خطبوا لى ميثاق دعوته ودعوا. (322) قوله: رسل، تقديره رسله رسل، سمّى، يعنى اللّه، سبحانه، من بعده، من هاهنا مفعول. او غابر اى باق عرّفه من قبله. ما هاهنا فاعل من سابق من نبىّ سابق. خلفت الابناء، خلفت لازم ومتعد، وهاهنا لازم. (323) قوله: اهل الارض يومئذ ملل متفرّقة واهواء منتشرة، كان اهل الملل فى عهد رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وآله وسلم، اليهود والنّصارى والمجوس وفرقة من الصابئين. والدهريّة وعبدة الاوثان والسمئيّة واهل مكة ومن حولهم لا يدينون بدين. كان قسّ بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وغيرهما، كما ذكر فى مجامع الامثال من الموحّدين المبشّرين (38 پ) بنبوّة محمّد، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم. وقوم عبدوا الاوثان، وبقى فيهم آثار حسان من ملّة ابراهيم، عليه السلام. وقوم منهم سافروا وساروا فى البلاد وأخذوا مذهب الدهريّة. منهم عقبة بن ابى معيط، كما حكى اللّه، تعالى، عنه حيث قال: وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا. (324) قوله: من مشبّه للّه بخلقه هم النّصارى والصابئون، او ملحد فى اسمه هم الدّهريّة، او مشير الى [غيره‏] عبدة الاوثان وعبدة الكواكب من الصابئين. (325) قوله: رخصه وعزائمه، الرّخصة فى الامر خلاف التشديد،

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 73

و العزائم الفرائض المضيّقة لا الموسّعة. المرسل فى الاخبار ما يرويه احد التابعين، وفى القرآن ما يحتاج الى بيان صاحب الوحى، مأخوذ من قولهم: غنم مرسل الى المراعى. (326) قوله: بين مأخوذ ميثاق [فى‏] علمه وموسّع على العباد فى جهله، اشار الى فرض الكفايات وفرض الاعيان. لانّ فرض العين لا يسع جهله لكلّ عاقل، فهو الّذى اخذ على كلّ العباد ميثاق علمه. وفرض الكفاية ما يسع لبعضهم جهله. واراد بقوله: وموسّع على العباد، اى بعضهم، جهله، واراد ان لا يعلموه، وهو الجهل اللغوىّ، وليس بجهل اصطلاحىّ. (327) قوله: وبين مثبت فى الكتاب فرضه [و] معلوم فى السّنّة نسخه، وواجب فى السّنّة اخذه، ومرخّص فى الكتاب تركه، هاهنا مسائل فى اصول الفقه.

(328) المسالة الاولى جواز نسخ الكتاب بالسّنّة، فمن النّاس من رأى ذلك عقلا، ومنهم من جوّز ذلك من طريق العقل، وقال: انّ السّمع منع منه. وقال قوم: ليس فى القرآن ما نسخ بالسّنّة وما تعرّضوا لجواز ذلك فى العقل. وكلّ يتمسّك بحجّة او دليل.

و من نفى ذلك، احتجّ بقول اللّه، تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ، وقوله، تعالى: وَإِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ، قالَ: الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا، (39 ر) قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ، الى قوله، تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها. ومن جوّز ذلك تمسّك بقول اللّه، تعالى: حتّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا. فهذه الآية منسوخة بقول النّبى، صلّى اللّه عليه وآله: الآن جعل اللّه لهنّ سبيلا. وليس هذا من اخبار الآحاد، فانّ الكتاب لا ينسخ باخبار الآحاد.

فان قال: انما ينسخ الآية قوله، تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي، قلنا: ظاهر الآية منسوخ ايضا بخبر الرجم. وتمسّك ايضا بقول اللّه، تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 74

حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ، ونسخ هذه الاية قوله، عليه السلام: انّ اللّه قد اعطى كلّ ذى حقّ حقّه، فلا وصية لوارث. (329) ثم اختلفوا فى جواز نسخ السنّة بالقرآن،

فقال قوم: لا يجوز، وتمسّكوا بقول اللّه، تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ، فبيّن انّ الاية لا يكون بدلا الّا عن آية. ومن جوّز ذلك، قال: انّ النّبى، صلّى اللّه عليه وآله، توجّه تلقاء بيت المقدّس من طريق السنّة، فنسخ اللّه ذلك بالكتاب، حيث قال: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وتأكيد ذلك «وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ».

و

قال قوم: نسخ صوم عاشوراء، وهو سنّة، بالكتاب، وهو «شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ».

و فى هاتين المسألتين كلام مذكور فى اصول الفقه، ولا نحتاج هاهنا الّا الى تلويح. ومن جوّز نسخ الكتاب بالسنّة ونسخ السنّة بالكتاب، احتّج بقول امير المؤمنين ايضا هذا. (340) قوله: واجب بوقته وزائل فى مستقبله، هذه مسائل فى الفقه واصوله. ويروى: واجب بوقته صوم رمضان، واجب بوقته يعنى فى رمضان، زائل فى مستقبله، اى فى العيد. وواجب فى نهار رمضان، زائل فى لياليه، وصلوة الفجر واجبة (39 پ) عند طلوع الشمس زائلة عند الضّحى. والحجّ فى العشر الاوّل من ذى الحجة زائل فى المحرّم وصفر. وامثال ذلك كثيرة. (341) قوله: من كبير اوعد عليه نيرانه: عنى به الكبائر الّتى اوعد اللّه عليه النار، مثل الزّنا، حيث قال اللّه، تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ، اى يضاعف له العذاب يوم القيامة. (342) قوله: او صغير ارصد له غفرانه، مأخوذ من قول اللّه، تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ، إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ. (343) بين مقبول فى ادناه موسّع فى اقصاه، هذا نحو وجوب القراءة فى الصلوة، وانّ الصلوة جايزة عند قوم بثلث آيات قصار او آية طويلة. فاذا اتى بها على وجهها تلقّاه القبول من اللّه، تعالى، وعند قوم بسورة قصيرة تامّة. وان‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 75

اراد فى ذلك من الآيات عند قوم، او من السورة الطّويلة الى ما شاء، حتّى لو ختم القرآن فى ركعة، ما لم يخرج القارى عند وقت الصلوة، فله ذلك.

و كذلك فى التصدّق مقبول منه ان يتصدّق من عشرين بنصف دينار. وان تصدّق بدينارين وازيد من ذلك، فله ذلك، وهو الموسّع فى اقصاه. وكذلك الصّوم، ان صام بثلاثة ايّام من كلّ شهر، تلقّاه القبول من اللّه، تعالى، وان صام اكثر من ذلك، فهو الموسّع فى اقصاه. (344) قوله: وفرض اللّه عليكم حجّ بيته، ويروى «عليهم» الى آخر هذا الكلام. يألهون اليه، اى يفزعون. المطيف هاهنا بمعنى الطّائف، والمطيف ايضا الملمّ النّازل بقوم. اعلم انّ اللّه، تعالى، جعل اختلاف القبلة سمات اهل الاديان، واعلاما يوقف بها على انتحال المصلّى الى نحلة لزمها من النّحل الخمس، ولذلك قال: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها.

(345) وجعل اللّه قبلة المسلمين (40 ر) فى واد محدث لا نفع فيه ولا جدوى، فيعلم الفطن بامر النظر انّ المقصود بذلك البعد لا غير. والحجّ مستجمع لعبادة النفس وعبادة المال وعبادة البدن، وهو الطّهور الاكبر والنّسك الاعظم، وبه يفارق المسلم اهل الملل. ولذلك قال عليه السلام: من مات ولم يحجّ حجّة الاسلام، فليمت على اىّ حال ان شاء يهوديّا او نصرانيّا. (346) والفريضة اذا كانت موقّتة، دلّ اختصاصها بوقت لها على فضلها وشرفها ونباهة حالها، يستدعى من الموظّف عليها فضل جهد فى اقامتها.

و من لابس عملا لا يلائم صورة التكبّر، وينافى اعمال الجبابرة من الاقبال على حجر اصمّ بالتقبيل، وعلى مواطن خالية من حوادث الاطماع بالاجلال، صار ذلك الفعل اتمّ رياضة على طرح الأنفة. فانّ من اطاعته نفسه لوجه اللّه، تعالى، فى توقير شى‏ء لا ينفع ولا يوذى ولا يعلم ولا يشكر، فهو الى توقير من هو اعلى منه درجة من الانبياء والملائكة، اسرع، والى هجران ما يستشعره من‏

 

معارج‏نهج‏البلاغة، متن    ، صفحة 76

الخيريّة اقرب.

(347) والخلائق مهما تعوّدوا ذلك، ومرّنوا عليه، توفّر كلّ منهم على صاحبه بحسب ما يستأهله. ومتى فعلوا ذلك فى من جلّ وصغر من البشر، تولّدت بينهم المحبّة، وشمل دهماءهم الوداد والمصلحة. ولا يقف على حقيقة هذا الامر، الا من وفّق لتأمّل الحقائق، وسهّل سبيله الى تتبّع الحكم.

و لذلك قال اللّه، تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ، لا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ، وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ.

(348) وقد بيّن اللّه، تعالى، وجه الحكمة فى اكثر الطاعات، فقال فى الصلوة، اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَ. اشار الى وجه الحكمة فى التعبّد بالصّلوة.

و قال فى الزّكوة: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها. (40 پ) اشار ايضا الى وجه الحكمة فى ايجاب الزّكوة.

و قال فى الصّوم: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. بيّن ان لا عمل أدلّ على التّقوى من الصّوم.

و قال فى الحجّ: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ، اخبر انّها لزمت لمنفعة يدر عليهم فى العاجل والآجل. واخبر عن سوالف الامم بقوله: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ. وقال فى الجهاد: لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ. واخبر عن لزوم الجهاد [فى‏] سوالف الأمم بقوله، تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ. (349) وقوله: وقفوا مواقف انبيائه، يحتمل ان يكون معناه ما اشار اللّه، تعالى، اليه فى قوله: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ. ويحتمل ان يكون معناه ما ذكر فى كتاب مكّة: انّ مصاص بن عمر والجرهمىّ جدّ ثابت‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 77

بن ابراهيم، عليهما السّلام من قبل أمّه ذكر انّى رأيت فى يوم واحد سبعين نبيّا من الشّام قد طافوا بالبيت، وسعوا بين الصّفا والمروة، وعادوا. وقد روى انّ موسى، عليه السّلام، كان يطوف بذلك البيت وعليه شملة، وداود ايضا فى عهده. ويحتمل ان يكون «معنا[ه‏] وقفوا مواقف انبيائه» فهى مواقف ابراهيم واسمعيل ومحمّد، صلّى اللّه عليهم، وقيل بالمازمين من منادوحة، قال ابن عمر: سرّ تحتها سبعون نبيّا، اى قطعت سررهم.

قال الشاعر:

         بين الحجون وبين السّرر

 

(350) وقوله: وتشبّهوا بالملائكة، التشبّه بالملائكة من طريق الافعال الّتى هى عبادة اللّه، تعالى، والتنزّه عن الرّفث والفسوق والجدال وقضاء الشهوات فى الاحرام. ومن اعرض عن قضاء الشّهوات وهو مقبل على عبادة اللّه، تشبّه بالملائكة. فانّ الملائكة يسبّحون اللّيل والنّهار لا يفترون ولا يقضون شهوة. ويحتمل ان يكون (41 ر) التشبّه بالملائكة من حيث قال: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ، وكذلك الحجّاج حول الكعبة. ويحتمل ان يكون التشبّه بالملائكة انّهم يطوفون بالبيت المعمور، فتشبّه الحجّاج بهم، لانّهم يطوفون بالكعبة من طريق التعبّد والتعظيم.

(351) وسمّيت الكعبة قبلة، لانّ المصلّى يقابلها وتقابله. وقيل لانّ اللّه، تعالى، تقبل صلوة من توجّه اليها.

الخطبة 2

(352)شرح الخطبة الأخرى، هذه خطبة خطبها عند انصرافه من صفّين، وصفّين موضع على عشرين فرسخا من الكوفة.

اللغة:

(353) قوله: استسلاما، اى انقيادا. (354) قوله: فاقة الى كفايته، الفاقة الحاجة، لا فعل لها. والكفى اصل صحيح يدلّ على الحسب الذى لا يستزاد فيه. وكفاية اللّه لطفه، تبارك وتعالى.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 78

(355) لا يئل لا ينجو. وفى الحديث: فلا وألت اى لا نجوت. فانّه ارجح ما وزن، اى انّ حمده [...]. (356) قوله: معتقدا مصاصها، المصاص خالص كلّ شى‏ء. يقال: فلان مصاص قومه، اذا كان اخلصهم نسبا، يستوى فيه الواحد والجمع والاثنان والمؤنّث. (357) قوله: لأهاويل ما يلقانا، الهول المخافة والامر المخيف.

يقال: هول واهوال واهاويل كقول واقوال واقاويل. (358) ومدحرة الشيطان اى مبعده. (359) قوله: الامر الصّادع، يجوز ان يكون بمعنى القاطع من قولهم: صدعت الفلاة اى قطعتها. ويجوز ان يكون بمعنى الدّين الظّاهر من قولهم: صدعت الشى‏ء، اى بيّنته واظهرته. ويقال: صدع بالقول، تكلّم.

(360) المثلة بفتح الميم وضمّ الثّاء جميعا، والسّحالة الذى يسرى ليلا. (361) واختلف النجّر، النّجر والنّجار الاصل والحسب والطّبع، انهارت دعائمه انهدمت، وانهور اصل صحيح يدلّ على تسافط شى‏ء وزواله، يقال: هو ربّه فانهار وتهوّر، اى انهدم. (362) قوله: عفت شركه، الشّراك الطرايق الدّقاق تنشعب عن جادّة، (41 پ).

و يقال: الكلام فى بنى فلان شرك اى طرايق، وقيل: نعم الطّريق شراكه اى واضحه. والطريق يذكّر ويؤنّث، كالسبيل. (363) فى خير دار، يعنى فى دار الدّنيا، لانّها دار العمل، ويحتمل ان يكون المراد بها مكّة، يعنى انّها خير دار. (364) قوله: نومهم شهود وكحلهم دموع بلاغة بلغت مداها، يعنى كأنّهم لا ينامون، ويكون ان نام غيرهم، فهم شهود، وان اكتحل غيرهم‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 79

بالاثمد، فكحلهم الدّموع، يعنى انّ اعينهم لا يخلو من الدموع. (365) ولجأ أمره، التجأ امره، التجأ [الى‏] المكان يلتجأ اليه. (366) موئل حكمه، الحكم هاهنا الحكمة والولاية.

(367) قال ذلك فى آل النّبى واهل بيته. اقول: آل فرعون اهل بيته وقومه واهل دينه وملّته. ولا يقال: فلان من آل الكوفة وآل البصرة. و

قيل: الآل ولد الرجل ونسله. قال النابغة: يحل فياض من ال سيل 

و قيل آل الرجل اقاربه قال اللّه، تعالى: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ [مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ‏]

و

قيل: كلّ مسلم آل محمّد، لقول اللّه، تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا.

فالال عند المحققين والاهل واهل البيت بمعنى واحد. و

يقال: الاهل ليس بمعنى الآل، لقول النّبى، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: اهل القرآن اهل اللّه، واهل مكّة آل اللّه، وهما معنيين مختلفين. وآل الناقة قوائمها. الآل اعمدة الخيمة. كلّ من يكون قوام الرجل به فهو آله.

و

يقال: ذلك اللفظ فى الاشراف دون غيرهم.

(368) قوله: زرعوا الفجور، يعنى الخوارج. وهذا كلام جمع فيه من اقسام البلاغة التّتميم والمكافاة وقسم من المقابلة. ولا يساعد امثال هذه الفصاحة الّا لمثل امير المؤمنين، عليه السّلام. نقل الى منتقله، يعنى موضع الانتقال. (369) قوله: احمده استتماما لنعمته، معناه انّ الحمد والشّكر على نعمة اللّه فى دار التكليف يوجبان استحقاق الثواب على اللّه، تعالى، والجنّة هى تمام النعمة. وهكذا فى قوله، (42 ر) تعالى: ووَإِذْ تَأَذَّنَ، انّ هذه الزيادة هى الجنّة، لانّها مضمونة لا محالة مقطوعة عليها. وزيادة نعمة الدّنيا لا تجب لا محالة بعد الشكر، وانّما الواجب من الزّيادة على الاطلاق هو الثّواب. (370) قوله: اليهم يفى‏ء العالى، وبهم يلحق التّالى، معناه انّهم اصحاب الحقّ معهم الحقّ وهم مع الحقّ. والنّاس ثلث طبقات: متوسّط وغال ومقصّر فى الحقّ. والواجب على المقصّر ان يزيد فى الاجتهاد، حتّى يلحق‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 80

بصاحب الحقّ. ومن حقّ الغالى ان يقصر عن علوّه، حتّى يفى‏ء الى الحقّ، فانّ الحقّ بين المقصّر والغالى.

الخطبة 3

(371)شرح الخطبة المعروفة بالشّقشقيّة،

و فى هذا الخطبة، كما قال بعض الشعراء:

         كلام الامام امام الكلام   ***   كنشر الخزامى وصوب الغمام‏

 

و يقال لها المقمصة ايضا، من قول العرب: قمّصة تقميصا فتقمّصه، اى لبسه، كما يشتمل القميص على لابسه. والشقشقة لمنسوبة الى قوله: هذه شقشقة.

و الشقشقة بالكسر شى‏ء تخرجه البعير من فيه اذا هاج. ويقال للخطيب.

ذو شقشقة، يشبّه بالفحل. ثمّ اطلق لفظة الشّقشقة على الكلام الذى يتكلّم به، والفم آلته. وبالزّرّيتمّ القميص ويتزيّن، لذلك قال: مكان الزرّ من القميص. (372) قوله: محل القطب من الرّحى، قطب الرّحى فيه ثلاث لغات: بفتح القاف وكسرها وضمّها. وسمّى لانّ القطب مجمع امر الرّحى ودور الرّحى عليه. وقطب الرّحى مأخوذ من قطب الفلك، وهو جزء من اجزاء الفلك عند كوكب صغير ابيض بين الجدى والفرقدين، يدور عليه الفلك. ويقال هو قطبهم اى سيّدهم. ويقال لصاحب الجيش قطب رحى الحرب. والمعنى يدور علىّ كما يدور الرّحى على القطب. ولولا القطب لما انتظمت حركة الرّحى.

فالمعنى انّ (42 پ) امرها بى يقوم. ويروى ينحدر، يريد انّها ممتنعة على غيرى ولا يجارينى مجار، وهو كلام مستأنف غير موصول. المعنى: اراد انّه عالى المكان والمحلّ، لانّ السيّل لا ينحدر الّا عن الاماكن العالية. (373) قوله: ولا يرقى اليه الطّير، هذا وصف يقتضى بلوغ الغاية فى العلوّ والارتفاع، لانّه ليس كلّ مكان ينحدر عنه السّيل لا يرقى اليه الطير من العلوّ. سدلت، اى ارخيت بينى وبينها حجابا. ويقال: طويت عنها كشحا، اى اعرضت عنها، والكاشح الّذى يوليّك كشحه اى جنبه. ومن اعرض عن شى‏ء فقد طوى عنه كشحه، وطفقت، اخذت، واقبلت ارنأى على مثال‏

 

معارج‏نهج‏البلاغة، متن    ، صفحة 81

افتعل من الرأى اى ادبرّ وافكّر. بيد جذّاء بالجيم والحاء، اى مقطوعة. ويقال يد جذّاء، اذا لم توصل، والمراد ما وصلنى من استعين به. يشير الى قلّة النّاصر. وهى استعاره مليحة. (374) قوله: طخية عمياء، الطّخى يدلّ على ظلمة وغشاء. والطّخية بضمّ الطاء وفتحها الظلمة وشى‏ء من سحاب، وكلمة طخياء غير مفهومة. وذلك اللفظ ماخوذ من قولهم: وجدت على قلبى طخاء اى شبيه كرب. والطّخية السّحابة الرقيقة يشبّه بها ما يشمل الانسان من الهمّ والكرب. وهذه استعارة.

و يحتمل ان يكون الطّخية هاهنا مجمع الظّلمة والغيم والحزن. (375) قوله: عمياء، الاعمى والعمياء فى مثل ذلك استعارتان، يقال للسّيل والجمل الصّؤل الاعميان، لانّهما لا يميّزان، فيقال: للكروب الّتى لا يختصّ بوقت دون وقت عمياء. وربما اخذت العمياء هاهنا من العمى وهو رمى الامواج القذى، يعنى طخية يرمى النّاس الى الهلاك كما يرمى الموج القذاة. ومن ذلك قولهم: عمى البعير الزبد.

و قيل المراد بالطّخية العمياء يعنى الواقع فيها يعمى عن طريق النجاة منها لشدّتها وصعوبتها، كما قال اللّه، تعالى: «بَلَداً آمِناً» لمعنى بلدنا من الامان . (43 ر)

(376) قوله: يهرم فيها الكبير،

فى كتاب سر الادب: ما دام الرجل من الثلثين والاربعين فهو شابّ، ثم هو كحل الى ان يستوفى السّتين عند العرب بخلاف اقاويل الاطّبّاء، ثمّ بعد ذلك الوخط، ثمّ الشيب، ثم يقال بعد ذلك: شمط، ثم يقال بعد ذلك: شاخ، ثمّ يقال بعد ذلك: كبر، ثمّ يقال بعد ذلك هرم، ثم يقال: خرف، ثم يقال بعد ذلك: اهتر،

فقوله: يهرم الكبير، يعنى ينتهى من الكبر الى الهرم. (377) قوله: ويكدح فيها مؤمن، اى يسعى ويكسب لنفسه ويدأب ولا يعطى حقّه حتّى يلقى ربّه، اى يموت. وفى رواية: ويدرج مؤمن. ثمّ تمثّل بقول الاعشى.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 82

 

         شتّان ما يومى على كورها   ***   ويوم حيّان اخى جابر

 

قال واحد بين يدى الاصمعّى: شتّان ما بينهما. فقال الاصمعيّ: اخطأت، وتمثّل بقول الاعشى هذا. فقيل له: ما تقول فى قول الشاعر: لشتّان ما بين اليزيدين فى العلى قال: هذا الشعر مولّد لا يحتجّ به. والفرّاء يخفض النون من «شتّان» يعمل عمل الفعل، وان كان اسما. ومعناه «بعد». وفى البيت صلة، و«يومى» فاعل «شتّان» و«يوم حيّان» برفع الميم معطوف على «يومى».

(378) كانت بين علقمة بن علاثة بن عوف بن الاحوص وعامر بن الظّفيل منافرة. ووفد الاعشى ميمون بن جندل من بنى قيس على علقمة عند انصرافه من قيس بن معدى كرب، فقال لعلقمة اجرنى فقال له علقمة اجيرك من غير قومى. فغضب الاعشى، واتى عامر بن الطفيل، وقال له: آجرنى فقال له عامر: أجيرك من الجنّ والانس ومن طعامك وشرابك، وان قتلك انسان، قتلته بك، وان اصابك حقّك، حملت دينك الى اهلك.

فلما تنافر علقمة وعامر وقصد الحرب بن وعلة الكاهن يحكم بينهما، لقيهما الاعشى، وقال هذه القصيدة. وقيل: انّ هذه القصيدة اهجى (43 پ) قصايد العرب، واوّل القصيدة:

         شاقتك من قتلة اطلالها   ***   بالشطّ فالوتر الى حاجر

         دار لها غيّر آياتها   ***   كل ملثّ صوبه زاخر

         دعها فقد اعذرت فى ذكره   ***   واذكر خنا علقمة الفاجر

         اقول لما جاءنى فجره‏   ***   سبحان من علقمة الفاخر

         زيّافة كالفحل خطّارة   ***   تلوى بشرخى ميسة قاتر

         وقد اسلّى الهمّ اذ يعترى‏   ***   بحسرة دوسرة عاقر

         شتّان ما يومى على كورها   ***   ويوم حيّان اخى جابر

 

و حيّان وجابر ابناء السميرين عمرو. وكان حيّان صاحب الحضن باليمامة. وكان‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 83

حيّان سيّدا مطاعا مرفّها منعّما يصله كلّ سنة كسرى، فكان فى نعمة ورفاهية، ولا يسافر ابدا، وكان مصونا من وعثاء السّفر. فيقول الاعشى: حيّان فى حصن حصين ونعمة وانا فى سفر ومشقّة. وغضب حيّان على الاعشى بهذا البيت، وقال: جعلتنى اعرف باخى وانا اكبر منه واشرف. فاعتذر اليه الاعشى، وقال: ذلك للقافية، فلم يقبل عذره. ثمّ استولى علقمة على الاعشى، فقال للاعشى: وقد وهبت لك دينك ولك علىّ الخفارة حتّى تخرج من ارض بنى عامر، فاكفف عنّى لسانك بخيرك وشرّك. فانجز علقمة ما وعد الاعشى. فقال الاعشى يمدحه:

         علقم يا خير بنى عامر   ***   للضّيف والسّايل والزّاير

 

(379) فيشتمل بهذا البيت، يعنى: «شتّان ما يومى على كورها» كلّ من كان فى مشقة وعناء وتعب، وغيره فى راحة وخفض عيش. وقال ابن جنّى: معنى البيت: «ما ابعد ما بين يومين مرّا علىّ: احدهما يوم ركبت ناقتى وقاسيت مشاقّ الاسفار، ويوم استقرّنى المكان عند حيّان فى خفض ودعة وكرامة وجايزة، يمدحه ويشكر معروفه عنده. (380) قوله: لشدّ ما تشطّرا، ويروى: تشاطرا، يعنى: تناصفا ما فى ضرعها. الحوزة الناحية. قال الشّاعر: واحمى حوزة الغائب. (44 ر). (381) قوله: كواكب الصّعبة، اى كواكب الناقة الصّعبة، الصّعب نقيض الذّلول، والانثى صعبة. والمراد من ركب ناقة صعبة غير مروضة، فقد قرع باب المخاوف. هذا مثل للعرب، يضرب لمن خاض فى امر له خطر. (382) قوله: ان اشنق لها خرم،

قال السيد الرضىّ يريد بذلك انّه اذا شدّد عليها فى جذب الزّمام وهى تنازعه خرم انفها. وقال: انما قال: واشنق لها، لانّه جعلها فى مقابلة قوله: اسلس لها.

و اقول:

انّى وجدت فى اصول اللغة فى كتاب ينابيع اللغة وغيرها: شنق لها واشنق لها. يقال: اشنق البعير برأسه، وبنفسه، اى رفع راسه، يتعدّى ولا يتعدّى، وشنق لها واشنق لها،

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 84

اى لناقته، اى عاجها

و خرم قطع، وخرم عدل عن الطّريق. اى ان ارخى لها الزّمام، توجّهت به حيث شاءت فعسف به، وان ضيّق عليها الشّناق خرق انفها، لانّ الزّمام متصل بالانف. قحم وتقحّم، رمى بنفسه فى امر من غير دربة. يقال: تقحمت به دابّته، اى مررت به وهو عليها، فلم يضبطها. (383) قوله: فمنى النّاس، لعمر اللّه، بخبط وشماس وتلوّن واعتراض، بالضاد والصاد معا. يقال: خبط عشواء وهى الناقة الّتى فى بصرها ضعف تخبط اذا مشت لا تتوقّى شيئا. وخبط الرّجل طرح نفسه حيث كان.

الاعتراض بالصاد الغير المعجمة النشاط. (384) الشّورى، القوم يتشاورون، مصدر سمّى به القوم كالنّجوى. فيا للّه وللشّورى، بفتح اللام فى يا للّه، لانّها لام الاستغاثة، وللشورى بكسر اللام، لانّها لام التعجّب. والشّورى اختيار شى‏ء من غير امر معيّن.

الاسفاف شدّة النّظر وحدّته ودنوّ الطائر فى الطّيران من الارض، والسحابة ايضا، اسففت اى قاربت. فصغى رجل منهم لضغنه، ويروى لضلعه، وهما قريبان، وهو ان يميل بهواه ونفسه الى رجل بعينه.

(385) اراد المائل الى صهره عبد الرحمن بن عوف الزهرىّ (44 پ) والذى مال بضغنه فهو سعد بن ابى وقّاص. فانّه كان بينه وبين علىّ بن ابى طالب، عليه السّلام، ادنى وحشة، وهو لم يبايع عليّا فى وقت خلافته، وانتقل الى البادية مع اغنام له، مع هن وهن. ويروى: هن وهنىّ. و«هنّى» تصغير «هن اى مع هذا او ذاك».

و قيل المراد مع انسان وانسان.

و هنى‏ء بكسر الهاء والهمز، العطاء. وهن‏ء بفتح الهاء والهمز، يعنى طايفة. فالمعنى عند هؤلاء مع عطاء وطائفة.

و فى رواية اخرى مع هن وهن، اى مع شى‏ء حقير وامر لا ثبات له، وقيل، امر عظيم شديد. وقيل «هن» على وزن «اخ» وقد تشدّد فى الشعر، وهى كلمة كناية ومعناه شى‏ء، واصله «هنو» ويقول العرب: هذا هنك، اى‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 85

شيئك. ومنهم من يجريه مجرى «يد» و«دم» تقول: جاءنى هنك، ورايت هنك، ومررت بهنك، وتقول فى النداء: يا هن اقبل، ويا هنان اقبلا، ويا هنون اقبلوا. (386) قوله: نافجا حضنيه، النّفج اصل يدلّ على ثؤور شى‏ء وارتفاعه. يقال: نفج ثدى المرأة قميصها، اى رفعه، وانتفج جنب البعير ارتفع. يقال فى الطعام والشراب انتفج بطنه بالجيم، ويقال فى كلّ داء يعترى الانسان قد انتفج بطنه والحضن ما دون الابط الى الكشح. (387) قوله: بين نثيله ومعتلفه، اى بين مطعمه ومنكحه، رواية: بين ثلّة ومعتلفه، النثيل نصيب الحمار، والنثيل ضرب من النبات، وهو علف الدّواب ويأكله الانسان ايضا. والمعتلف الموضع الّتى يعتلف فيه، اى من الموضع الذى يروث ويأكل منه. والنثيل الرّوث، فعيلة بمعنى مفعول. يضرب ذلك المثل لمن يبدأ بامر لا يتمّ له. (388) قوله: يختضمون، ويروى: يخضمون، اى يكسرون وينقصون.

و الخضم اكل الرّطب، والقضم اكل اليابس، فاختاروا الحاء للرطّب لرخاوتها، والقاف لليابس لصلابتها. و

قيل: الخضم الاكل بجميع الفم.

(389) كبت به بطنته، وروى مطيّته، فما راعنى (35 ر) [........]

الخطبة 4

(390) الجأش وربط الجأش، اى شديد القلب، كانّه يربط نفسه عن الفرار. وهذا دعامته. عواقب القدر الخزى والفضيحة. سترنى عنكم جلباب الدّين، هو معنى قول اللّه، تعالى: أوليائى فى قبابى لا يعرفهم غيرى. وانطق العجماء ذات البيان، عنى به لسان الحال والقرائن الشاهدة. ويحتمل ان يكون المراد بالعجماء الادلة والبراهين. (391) قوله فى جوادّ المضلّة، بفتح الضاد وكسرها الفتّان، يقال: ارض مضلّة بفتح الضّاد، اى يضلّ فيها الطّريق. ومضلّة يضل فيها السالك‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 86

لكثرة الطّرق. العجماء البهيمة. وسمّيت عجماء لا يتكلّم. وفى الحديث: العجماء جبار، وروى: الرّجل جبار، اراد: جرح العجماء جبار، اى هدر.

(392) والبيان الفصل بين الحقّ والباطل فى قوله، تعالى، هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ، وقوله: عَلَّمَهُ الْبَيانَ. وذات البيان حقيقة البيان، مأخوذ من قول اللّه، تعالى: ذاتَ بَيْنِكُمْ، يعنى حقيقة فصلكم. و

فى مجمل اللغة: البيان الكشف عن الشى‏ء.

فيحتمل ان يكون معناه: انطق العجماء ذات البيان، اى انطق لكم الّتى لا يتكلّم بحرف حقيقة البيان، يعنى الفصل بين الشّيئين والكشف عنه.

و قيل معناه: انطق لكم الّذى لا يتكلّم بالحرف، وهى ذات البيان [و هى لسان‏] الحال.

و قيل: البيان ما يبيّن به الشى‏ء من الدلالة غيرها. وصلوة النهار عجماء، لانّه لا يجهر فيها القراءة.

(393) قوله: اشفق، الالف الف التفضيل. غلبة الجهّال، قوم موسى حيث حكى اللّه عنهم ووَ: جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ. ودو[ل‏] الضّلال فرعون وقومه، حيث قال اللّه، تعالى: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى‏. اليوم توافقنا، بتقديم القاف. «من وثق بماء لم يظمأ» يجرى مجرى المثل، والمراد بذلك انّ من تخيّل وجود الماء عنده، ما حرّكه تخيّله على طلب الماء، وما خاف فقد ان الماء، فيكون ظمأه عند الحاجة فحسب، وما دعاه تخيّله (45 پ) وتوّهمه الى الحذر من فقدان الماء، فلا يكون ظمأه مضاعفا. ويحتمل ان يكون المراد بذلك انّه لا يظمأ، لانّه يشرب قبل الظمأ فلا يظمأ. وفى ذلك سرّ يعرفه المحقّقون. (394) قوله: ما شككت فى الحقّ مذ اريته، اخبر عن محافظته، على عمره ومواظبته على صيانة ظاهره وباطنه.

الخطبة 5

شرح الخطبة الاخرى،

(395) افلح من نهض بجناح، يعنى: خاض فى امر هو مستعدّ له، وان لم يكن مستعدّا، سلّم الامر الى غيره لينجو من تعب الطلب. ماء آجن، استعارة عن امر غير ملائم. ولقمة يغضّ بها آكلها، استعارة

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 87

عمّن يخوض فى امر لا ينتفع به. واشار فى باقى كلامه الى استعداد القائل وينهاز الفرصة. ومن زرع ارض، غيره، فلغيره ان يمنعه عن سقي زرعه وعن حصاده وعن التصرّف فيه. فلا بدّ من التفكّر فى العواقب فى كلّ الامور ونفى عن نفسه خوف الموت وحرص الدنيا، وهما من الاخلاق الذّميمة. (396) بعد اللتيّا والّتى، هو رجل من جديس تزوّج امرأة قصيرة فقاسى منها الشّدائد، وكان يعبّر عنها بالتصغير، فتزوّج امرأة طويلة، فقاسى منها ضعف ما قاسى من القصيرة، فطلّقها، فقال: بعد اللّتيّا والّتى لا اتزوّج ابدا.

فجرى هذان اللفظان على الدّواهى والشدائد.

و قيل: انّ العرب تصغّر الشى‏ء العظيم كالدّهيم واللّهيم، فاشاروا الى الداهية العظيمة باللتّيّا والى الداهية الّتى دونها بالّتى، وذلك منهم رمز وقال الشاعر من جديس، بيت:

         بعد اللّتيّا والّتى   ***   طلّقت جهلا طلّتى‏

 

(397) قوله: آنس بالموت من الطّفل بثدى أمّه، هذه علامة انّه من اولياء اللّه، تعالى. اوّله: واللّه انّ ابن ابى طالب، عليه السلام، صحابه، فانّ الموت للسعيد مفتاح باب السعادة، كما انّ الطفل لا يصل الى لذّته الّا بثدى امّه، فكذلك السعيد لا يصل الى السعادة الّا بالموت. (398) قوله: اندمجت، روى بالخاء والجيم، فمن رواه بالخاء فهو من الدّموخ وهو الارتفاع (46 ر) والاستيلاء، ومنه «دمخ» اسم جبل، وهو معرفة لا يدخله الالف واللام، يقال: اندمخت ودمخت، اى استولت. ومن قال بالجيم، يقال دمج الشّى‏ء دموجا، دخل فى الشى‏ء واستحكم فيه، وكذلك «اندمج وادّمج» بتشديد الدّال. كلّ هذا اذا دخل فى الشى واستتر فيه، فاندمجت يعنى انطويت. اى بئر مطوّية. الّا انّهم جمعوه على الاطواء، فاجرى مجرى شريف واشراف. وهذا اللفظ يدلّ على انّهم لو سمعوا منه هذه الاسرار الّتى اشار اليها، لانفعلت انفسهم عن سماعها انفعالا لايقا بهذه النار.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 88

يقال: باح بسرّه يبوح بوحا وبواحا، اظهر ما فى بوحه اى نفسه.

قال امير المؤمنين، عليه السلام: اندمجت على مكنون علم، رمز لا يعرفه الّا من بلغ فى معرفة اللّه غاية.

قوله: لالفيتم دنياكم هذه اهون عندى من عفطة عنز. كلام لا يقف على معناه من طريق الذوّق، الّا انّ هذا الزهاد، وهذين الكلامين، جمع بين العلم والزّهد، وهما من خواصّ العارفين.

امّا الاندماج فقد عبّروا عنه، و

قالوا: لا يفهمه الحديث، ولا يشرحه العبارة، ولا يكشف المقال منه، ولا شى‏ء الطف من المعرفة، فكيف يعبّر عنها.

و

قال آخر: لا يقع على العرفان عبارة، لانّ العرفان سوى اللّه عند المؤمنين الموحّدين.

و

قال آخر: الالفاظ وضعت على ما فى النّفس، ولم يوضع الفاظ يدّلّ على المعرفة.

الخطبة 6

(399)شرح الكلام الآخر:

لا يرصد لهما القتال، يقال: ارصد له كذا اى هيّأ له، ويقال: رصد به اى يرقبه، وارصدته اعددته. قال ابو عبيد فى حديث امير المؤمنين عليه السلام، حين اقبل يريد العراق، فاشار عليه الحسن بن على، عليه السلام، ان يرجع، فقال: واللّه لا اكون مثل الضّبع يسمع اللّدم فيخرج فيصاد. رواه طارق بن شهاب. اللّدم صوت الحجر او الشى‏ء يقع بالارض، وليس بالصّوت الشديد. يقال منه: لزمت الدم لدما.

قال الشاعر:

         وللفؤاد وجيب تحت أبهره (46 پ)   ***   لدم الغلام وراء الغيب بالحجر

 

و انما قيل للضبع: انّها يسمع اللّدم، لانّهم اذا ارادوا ان يصيدوها، رموا فى جحرها بحجر، او ضربوا بايديهم باب الجحر، فيحسبه شيئا قصده، فيخرج ليأخذه، فيصاد عند ذلك. وزعموا انّها من احمق الحيوانات العجم. ويبلغ من حمقها ان يدخل عليها، فيقال: ليست هذه امّ عامر، فيسكت حتّى يصاد.

فاراد امير المؤمنين، عليه السلام، انّى لا اخدع كما يخدع الضّبع باللّدم‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 89

و يقال: فى «التدام»، النّساء انّما هو مأخوذ من اللّدم، انما هو افتعال منه.

قال الاصمعىّ: ويقال فى غير هذا: لدمت الثوب وردمته، اذا رقعته. اضرب بالمقتل الى الحقّ المدبر عنه، اجازت  بمن تبعنى من خالفني، واراد بالحقّ متابعته وبيعة الناس عليه، حتّى يأتى علىّ يومى اى يوم موتى.

(400) قوله: منذ قبض رسول اللّه، منذ يكون اسما وحرفا. فاذا كان اسما، ارتفع ما بعدها على نحو ما ارتفع بعد مذ، واذا انجرّ، ما بعدها كانت حرفا، وحكمه حكم مذ، الّا انّ الاختيار ان يجرّ بهما على كلّ حال ما مضى وما انت فيه. يقول: ما رأيت منذ يومين، ومنذ يومنا ومنذ اليوم. وان جعلتها اسما، قلت: ما رأيته منذ يومان، اى بينى وبين لقائه يومان، او مدّة فراقه يومان.

و زعم بعض الكوفيّين انّها مركّب من «من» و«اذ»، وانّ اصلها «من اذ» الّا انّ الهمزة حذفت، ووصلت «من» بالذّال، وضمّت الميم للفرق بين «من» مفردة وبينهما مركبة. فاذا جررت ما بعدها، غلب حكم «من»، واذا رفعت ما بعدها، غلب حكم «اذ». وحركة الذّال من منذ لالتقاء الساكنين، وضمّت ليتبع الضمّ الضمّ. هذا مذهب البصريّين. وللفّراء قول آخر لا يحتمل الموضع بيانه.

(401) وفى حتّى ثلثة اوجه: احدهما ان يكون جارّة. والثانى ان يكون عاطفة. والثالث ان يكون حرفا يبتدأ ما بعده. وتجتمع هذه الوجوه كلّها فى قولهم: اكلت السّمكة حتّى رأسها.

(402) اليوم عبارة عن زمان طلوع الشمس الى زمان غروبها. وعند (47 ر) بعض الفقهاء من انفجار الصّبح الى غروب الشّمس. واليوم الكون الحادث، واليوم مراتب المخلوقات والمحدثات. وانّما عبّروا عن الشدّة باليوم، فيقال فى الامر العظيم: اليوم اليوم. ويقال للمتهجّد هو طويل اليوم، لانّه يصل سهر ليله بيومه، فيطول بذلك يومه. ويقال لمن جدّ فى العمل ايضا، هو طويل اليوم. ويوم ذو ايّام، اى شديد. وحتّى يوم النّاس، هذا مقتبس من قول‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 90

اللّه، تعالى: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ. ويروى «يوم» بفتح الميم.

الخطبة 7

(403)شرح الخطبة الاخرى،

ملاك الامر، الامر بفتح الميم وكسرها ما يقوم به ويعتمد عليه، ويقال: ما له ملاك بفتح الميم اى تماسك. (404) قوله: دبّ ودرج، استعارة عن الحىّ والميّت. ويقال: كلّ من دبّ ودرج، اى الاحياء والاموات. وهاهنا «دبّ ودرج» بمعنى آخر، وهو انّ قولنا: «دبّ» يدل على حركة على الارض اخفّ من المشى. ويقال لكلّ ماش على الارض «دابة».

و فى بعض الكتب: يدبّ الصّبى ويدرج الشابّ. وقيل: الصبىّ يدرج والعقرب يدبّ

و يقال: «درج» مضى لسبيله. ودرج الرّجل، اذا لم يخلف نسلا.

و قد ذكرت فى مجامع الامثال من تصنيفى قول العرب «اكذب من دبّ ودرج»

الخطل المنطق الفاسد. يقال: خطل فى كلامه واخطل، اى اتى بفساد. وباض وفرّخ، استعارتان عن التمكّن.

الخطبة 8

(405)شرح الكلام الاخرى،

قوله: ادّعى الوليجة، الوليجة الرّجل يكون فى القوم وليس منهم بقلبه، يعنى انّه اقرّ بالبيعة وادّعى انّه ليس من الّذين بايعوا بالقلوب.

هذا كلام فى غاية الكمال، لانّ من قال قولا، واقرّ بشى‏ء، اخذ بقوله واقراره.

و ان ادّعى بعد ذلك انّه ما اقرّ عن نيّة صادقة، فلا طريق لنا الى صدقه فى القول الثانى، فلا بدّ من ان يحكم عليه بالقول الاوّل. (406) وقوله: فليدخل فيما خرج منه، يعنى عقد البيعة. و

قيل: ادّعى الوليجة، اى امرا خفيّا. وهو الخوف. قال: بايعت نكرها خائفا.

فيقول (47 پ) امير المؤمنين، عليه السّلام: نحن نأخذ بظاهر حاله، فانّ العبد يحكم بالظواهر، ونطالبه باثبات ما ادّعى بالخفيّ. فان اثبته، والّا، اخذناه بظاهر فعله. والوليجة البطانة والدخيلة، وهم خواصه الذين يلحّون معه. قال الله، تعالى: وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً.

 

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 91

الخطبة 9

(407)شرح كلام آخر،

قوله: قد ارعدوا وابرقوا، رعدت المرأة، وبرقت، تحسّنت وتزيّنت، ورعد الرّجل وبرق تهدّد واوعد، قال ابن احمر:

         يا جلّ ما بعدت عليك بلادنا   ***   وطلابنا، فابرق بارضك وارعد

 

و ارعد الرّجل وابرق، اذا تهدّد واوعد. وانكره الاصمعىّ فاحتجّ عليه بقول الكميت.

         ابرق وابرق يايز   ***   يدفما وعيدك لى بضائر

 

فقال: ليس قول الكميت بحجة، فاحتجّ عليه بقول امير المؤمنين، عليه السلام، فقبل وسلّم. الفشل الجبن، يعنى تهدّدوا وارعدوا واجبنوا، ونحن ممّن لا يقول ما لا يفعل، بل نحن ممّن يوافق فعله قوله وقوله فعله. وهذا فى غاية الوفاء والصدق.

الخطبة 10

(408)شرح الخطبة الاخرى،

قوله: ما لبّست على نفسى، دلالة على نقاء سريرته وصفاء باطنه وخلوص طويّته وطهارة ذاته. (409) قوله: ولا لبّس علىّ، يدلّ على كمال عقله وعلمه وكثرة تجاربه. وهذان اللفظان مجامع مكارم الاخلاق. وقال بعض السّلف. العاقل ان لا يخدعه احد، والمسلم ان لا يخدع احدا. (410) قوله: ايم اللّه، اسم وضع للقسم.

قيل: انّه جمع يمين القسم، وقيل: انّه ليس بجمع.

هكذا بضمّ الميم والنون، والفه الف وصل عند اكثر النحويّين، ولم يجى‏ء فى الاسماء الف الوصل مفتوحة غيرها. وقد تدخل عليه لتأكيد الابتداء اللّام تقول ليمن اللّه، فتذهب الف الوصل وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، والتقدير ليمن [اللّه‏] قسمى. واذا خاطبت قلت: ليمنك وانّما حذفوا منه النّون، فقالوا: ايم اللّه وبكسر الهمزة ايضا. وربما حذفوا منه الياء ايضا، فقالوا: ام اللّه: وربما ابقوا الميم وحدها مضمومة ومكسورة، وروى مفتوحة. وربما قالوا: من اللّه (48 ر) بضمّ الميم والنّون وفتحهما وكسرهما. كانوا يحلفون باليمين. ثم يجمع اليمين على ايمن، ثم‏

 

   ***      ***   ارج‏نهج‏البلاغة، متن    ، صفحة 92

حلفوا به، فقالوا: ايمن اللّه لافعلنّ كذا. هذا هو الاصل فى ايمن اللّه، ثم كثر فى كلامهم وخفّ على السنتهم حتّى حذفوا منه النون، كما حذفوا من «لم يكن». فعلى هذا الفه الف قطع، وهو جمع يمين، وخفّفت همزتها وطرحت فى الوصل لكثرة استعمالهم لها. (411) قوله: لا افرطنّ، فرطتهم وافرطهم فرطا وفروطا، سبقتهم الى الماء، فانا فارط، والجمع فرّاط. ولافرطنّ لاسبقنّ ولافرطنّ لاملأنّ، وكلاهما يحتمل هاهنا. وسمّى الحوض حوضا، لانّه من حضت الماء، اى جمعته. الماتح والمتوح المستقى. لا يصدرون عنه ولا يعودون اليه اى يهلكون.

قيل: كانّه يومى الى من عرف شجاعتى ومقامى للقتال وثباتى عند المبارزة لا يبارزنى حتّى ييأس من الحيوة. وذلك ليتمكّن هيبته فى قلوب الناس، وانّ من يعاديه يخاف لا محالة سوء العاقبة.

و أمير المؤمنين، عليه السّلام، لا يهاب النّاس. والعارف شجاع كما تقدّم. و

قيل: انّه كان واثقا بحسن عاقبته فى الاخرة عند اللّه، تعالى.

و المراد به حوض الكوثر، اى انا مستقيه.

الخطبة 11

(412)شرح كلام له خاطب به ابنه محمد بن علىّ،

جمع فى هذه الكلمات جميع آداب الحروب، اوّلها الاعراض عن الادبار تشبيها بالجبال، فانّها لا يزول عن مكانها. والعضّ عن الناجذ يدفع ضرر كلّ ضرب يوافي الرأس، وثبات القدم سبب لانهزام العدوّ. وقال الشاعر:

         لا تزكين احد الى احجام   ***    يوم الوغى متخوّفا لحمام‏

         فلقد ارانى للرّماح دربه‏   ***   من غير يمينى مرة وامامى

         حتى خضبت بما تحدّر من دمى   ***   اكناف سرجى او غبار لجامى‏

 

و قال آخر:

         واقدامى على المكروه نفسى   ***   وضربى هامة البطل المشيح‏

         وقولى كلّما جشأت وجاشت‏   ***   مكانك تحمدى او تستريحى‏

 

و غضّ البصر يزيل الجبن، ورمى البصر اقصى القوم يشجّع الفوأد.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 93

(413) ومع ذلك (48 پ) الحقّ ما قال اللّه، تعالى: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى‏ لَكُمْ. وتتّبع هذا الكلام كلام مقدّم الاطباء، وهو لا بدّ فى المعالجة من طبيب عالم حاذق امين، ومريض صادق مطيع، وخادم يخدم المريض مشفق مستبصر، ومع ذلك كلّه الشافى هو اللّه، تعالى.

الخطبة 12

(414) قوله: اهوى اخيك معنا، الهوى مقصورة هوى النفس اخذ من المعنيين، وهما الخلوّ والسّقوط. اما الخلوّ، فلخلّو الهوى من كل خير، واما السقوط، فلانّه يهوى بصاحبه فيما لا ينبغى. و«هوى» بكسر الواو، هوى «احبّ». وهاهنا المراد بالهوى الحبّ والولاء قال من كانت محبّته ونيّته معنا، كانت غيبته تنوب عن حضوره. لانّ النّبيّ، صلّى اللّه عليه وآله، قال: الاعمال بالنيّات. (415) وقوله: ولقد شهدنا فى عسكرنا، دليل على انّ اللاحق، اذا كان موافقا للسابق فى النيّة والاعتقاد، كان شريكا له، وكان حكمه كحكمه.

الا ترى انّ اللّه، تعالى خاطب يهود يثرب وقال: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً، وانّهم ما قتلوه، لكن حكمهم كحكم اسلافهم فى هذا الفعل بسبب ان عقائدهم ونيّاتهم موافقة ومطابقة لبيانهم وعقائدهم. وكذلك قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى‏، وامثال ذلك. ومن عادة العرب ان يذكروا القبيلة الواحدة، فنسبوا الى جميعها ما فعله بعضها، ويمدح ويذمّ الاولاد بما فعل الاسلاف. قال جرير:

         فيا حوض الحجيج وساقياه   ***   ومن ورث النبوة والكتابا

 

و قال ايضا:

         تطولكم جبال بنى نمير   ***   ويحمى زأرها اجما وغابا

 

اى تطول اسلافكم. (416) قوله: سيرعف بهم الزّمان، يقال: رعف الفرس، اذا سبق وتقدّم. اى تقدّمهم الزّمان. ويقال رفع به الباب، اى دخل، وسيرعف بهم الزّمان. ومن ذلك يعنى يدخل فى الوجود، وينخرط فى سلك الزمان. وهذا

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 94

المعنى اقتباس عن قول النّبى، عليه السّلام: المرء مع من احبّه.

الخطبة 13

(417) امّا قوله: كنتم اتباع البهيمة، البهيمة معناها البهيمة عن العقل. (49 ر) وجمعها البهائم، وهى كلّ ذى اربع من دوّابّ البرّ والبحر. والبصرة بصرة لانّ ارضها حجارة رخوة الى البياض ما هى، وبها سميت البصرة بصرة، لانّ ارضها التى بين العقيق والمربد كذلك. وقد بناها عتبة بن عزوان، رضى اللّه عنه. واكثر سكّانها رعاة الدوابّ. وفى هذا الكلام فائدة عظيمة، وهى انّ الوحشىّ من الناس الذى يرعى الدوابّ دون سكّان البلدان فى الرويّة. (418) قوله: رغا، يعنى الجمل، والرّغّاء صوت ذوات الخفّ، ولذلك قيل فى المثل: كفى رغائها مناديا، اى رغاء بعيره يقوم مقام ندائه فى التعرّض للضيافة والقرى. ثمّ وصفهم بسوء الاخلاق، وقال: اخلاقكم دقاق.

ماخوذ من قولهم: رجل دقيق اى قليل. وقيل: الدقّ اصل واحد يدلّ على الصغر والحقارة، ومعناه: اخلاقكم رذائل، لا فضائل. واصناف الرّذائل من الاخلاق الفجور والشّره والهتك والخرق والفسق والفساد والغدر والجناية وافشاء السّرّ والكبر والعبوس والكذب والخبث والتّيه والبخل والجبن والحسد والجزع وخساسة الهمّة والظّلم والسّفه. (419) قوله: وعهدكم شقاق، العهد الامان واليمين والموثق والضّمان فى الذمة والحفاظ والوصيّة. ومنه يقال: ولىّ العهد، اى ولىّ الميثاق، وعلىّ عهد اللّه لافعلنّ كذا. والشقاق الخلاف والعداوة. (420) قوله: ودينكم نفاق، والنّفاق بكسر النّون فعل المنافق، وجمع النّفقة. والمنافق هو الّذى يخفى اعتقاده الردىّ، و

قيل: المنافق من قولهم: فرس نفق الجرى، اى سريع انقطاع الجرى. يعنى انّ المنافق سريع انقطاع الا[تصال‏] والوفاق.

ويقال هو مأخوذ من قولهم: نفق الزّاد ينفق نفقا، اى نفد، يعنى نفد خيره وفضله.

و قيل: مأخوذ من النّفقة والنافقاء وهما جحر اليربوع يكتمه ويظهر فى غيره. فالمنافق يكتم معتقده ويظهر خلاف معتقده.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 95

ويقال: ذلك مأخوذ من قولهم: نفق اليربوع، اى خرج من نافقاءه واخرج رأسه دون سائر جسده، لانّ المنافق يخرج من الكفر باللسان دون القلب.

ماءكم زعاق، ماء زعاق ملح، وطعام مزعوق أكثر ملحه، والماء الزّعاق فعل اللّه، تعالى. (421) الّا انّ فيما ذكره امير المؤمنين فائدة عظيمة. وهى انّ الماء جسم يتناوله اكثر الحيوانات خصوصا الانسان. و

قيل: انّ بعض الحيوانات كالضّأن والارانب وغيرها لا يحتاج الى تناوله.

امّا لا شكّ انّ الانسان محتاج الى تناوله. و

قال بعض الاطبّاء: انّه لا يغذو، بل ينفذ الغذاء.

و المياه مختلفة لا بسبب المائية، لكن بحسب ما يخالطها. وافضل المياه مياه العيون الّتى لا يغلب على تربتها شى‏ء من الكيفيات الغريبة. ويجب ان تكون جارية مكشوفة للشّمس والرّياح. وما كان اخفّ فى الوزن كان افضل. وكلّ ما بعد منبعه، وطاب مسلكه، وكان جريه عن الجنوب الى الشمال، وهو ملطّف لما يدخله من المياه، وكان غمرا، فانّه ماء صالح ملائم. ومن المياه الفاضلة مياه المطر خصوصا اذا كان المطر صيفيّا وعن سحاب يرعد. والماء الزّعاق وهو المالح مهزل ويقشف ويفسد الدّم. فيتولّد معه الحكّة والجرب. وان كان هذا الماء راكدا مكشوفا كماء البصرة، فيغلب على من شربه شهوة الاكل والعطش واحتباس بطنه، وربما وقع فى الاستسقاء، وربما وقع فى ذات الرّيّة وزلق الامعاء، ويضمر رجله بسبب الطحال، ويعروه الجنون والبواسير والدّوالى والاورام الرّخوة، ويعسر على النساء الولادة والحبل، ويلدن اجنّة متورّمين، ويكثر فيهن الرّجاء وهو الحبل الكاذب، ويكثر للصبيّان الا دره  وللكبار الدّوالى وقروح السّاق ولا يبرأ (50 ر) قروحهم، ويكثر فيم الرّبع.

و من اختار هذا الموضع مسكنا ومواطنا مع انّ ارض اللّه واسعة، فهذا الاخبار يدلّ على دناة همته وقلّة تمييزه.

(422) فقول امير المؤمنين ماءكم زعاق، [هو] للارداف الذى ذكرته‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 96

فى اوّل الكتاب فى فصل اقسام البلاغة. والارداف ان يدلّ لفظ على معنى يلزمه معنى آخر، كقول القائل للمضياف المطعام: فلان لا يخمد ناهر، اى ناره ابدا موقودة بسبب طبخ اطعمة الضيافة. فلذلك قول امير المؤمنين: ماءكم زعاق، ارداف لطيف يدلّ على سوء اختيارهم. و

قيل: قوله: ماءكم زعاق استعارة، لانّ بعض الناس يقول ذهب ماءه، اى زال جاهه. فالمراد جاهكم كدر ناقص.

(423) وقوله. المقيم بين اظهركم، الى تمام الكلام، يدلّ على انّ الاحتراز من قرناء السّوء مفيد، والاخلاق الرديّة ضارّة لجلساء اربابها. (424) وقوله: كانّى بمسجدكم، هذه اشارة الى ما اخبره النّبىّ، صلى اللّه عليه وآله وسلّم، من الغيب فى سبب هلاك سكّان البصرة وخرابها، فصار ذلك صلاحا عند عصيان اهلها.

الخطبة 14

(425) قوله: خفّت عقولكم وسفهت حلومكم، ويروى: احلامكم، يدلّ على ما ذكرته من البرق والطّيش والحرص والاخلاق الردّية. (426) قوله: فانتم غرض لنابل، وأكلة لآكل، [و فريسة] لصائل، كلمات تجرى مجرى الامثال فى من هو سلس الانقياد فى الشرّ عسر الانقياد فى الخير، ويطمع فى الاستيلاء عليه كلّ طامع. الاكلة هاهنا بضمّ الالف اللّقمة والطّعمة ايضا، يقال: هذا اكلة لك.

الخطبة 15

شرح الخطبة الاخرى

(427)، قوله: ذمّتى، الذّمامة بفتح الذّال المذمّة، والذمّة الامان فى قول النّبى، صلّى اللّه عليه وآله، يسعى بذمّتهم لاناهم.

و اهل الذّمّة اهل العقد. رهينة اى مرهونة وانابه زعيم، اى بما اقول. والزّعيم هاهنا الكفيل، اى ليس فى قولى كذب ولا فى وعدى خلف. صرح يقع [على‏] اللازم (50 پ) والمتعدّى جميعا. المثلات العقوبات، حجزه منعه. قحم وتقحّم واقتحم فى المكروه وقع فيه، يعنى: عرفان الامور الدّنياويّة يمنع عن الوقوع فى الشبهات.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 97

(428) وقوله: انّ بليّتكم قد عادت، يجرى مجرى قول النّبى، عليه السّلام: انّ الزّمان قد استدار كهيئته. يعنى اقاسى من بليّتكم مثل ما قاسى النّبىّ، عليه السّلام، فى ابتداء بيعة من قومه. البلبلة الاختلاف والتفرّق، من ذلك بلبلة الالسن، اى اختلافها وتفرّقها. والبلبلة وسواس الصّدر. الغربلة التقطيع، وغربله قطّعه، المغربل المقتول المنتفخ. السّوط اصل يدلّ على مخالطة الشى‏ء للشى‏ء. ويقال للّذى يضرب به السوط، لانّه يخالط الجلد او يسوط اللّحم بالدّم. وقد سمّى المسواط لما يحرّك به ما فى القدر، ليخلط بسبب انّه مأخوذ من السّوط وهو خلط الشى‏ء بعضه ببعض. (429) وقوله: سوط القدر، يعنى تغيّر اموركم حتّى يعود الوضيع رفيعا والتّبع متبوعا. الوسمة الكلمة، والوشمة القطر. يقال: ما غضبته واسمة، اى كلمة. وايضا ما كتمته وسمة. وما اصابتنا العام وشمة اى قطرة من مطر.

و الوشيمة العداوة والشّرّ. (430) قوله: فلئن امر الباطل، اى كثروا اشتدّ قديما، من قولهم: امر مّا، اى كثر. وامر امره اشتدّ. «ربّ» فى التقليل نظير «كم» فى التكثير، وقد غلب على «ربّ» الاستعمال بمعنى الكثرة، تقول: ربّ بلد قطر. وعلّ ولعلّ معناهما الترجّى، ويختصّان ما يجوز ان يكون وفيهما لغتان: «لعلّ ولعنّ» و«علّ وعنّ». ومن العرب من يكسر اللام الاخيرة، فيقول: «لعلّ»، ومن العرب من يجرّ بها، فيقول: لعلّ زيد. (431) وقوله: «لقلّ ما ادبر شى‏ء فاقبل» كلام رصين فيه من الفوائد حصن حصين، لانّ الشريعة المنسوخة لا يصير ناسخة، والدولة المدبرة لا يصير مقبلة، الّا فى الأقلّ، وكذلك المنهزم لا يهزم العدوّ الّا فى الاقلّ، والغايب لا يستدرك. (432) قوله: ساع سريع نجا، عبارة عن (51 ر) معنى قول اللّه، تعالى: جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، وَقَولُه: تعالى: وَسارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 98

رَبِّكُمْ. وطالب بطى‏ء رجا، عبارة عن قول اللّه، تعالى: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً، وقوله: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ. والبطى‏ء والسريع فى الطلب، امّا السّريع فهو سابق بالخيرات باذن اللّه، واما الطالب البطى‏ء فهو المقتصد، وامّا المقصّر فهو ظالم لنفسه. (433) شرح الخطبة الاخرى، قوله: اليمين والشّمال مضلّة، شرحنا معنى المضلّة، ومعنى ذلك الكلام انّ [ا]لانحاء نحو اليمين والشمال عدول عن النهج المسلوك. وشرح ذلك انّ التّعطيل والتشبيه ضلالتان، والتوحيد هو الجادّة، والغلوّ والتقصير ضلالتان، والانصاف والوسط هما الجادّة. وكذلك فى الاخلاق من كان خامد الشهوة، فهو عنّين. ومن استولى عليه الشهوة، فهو بهيمة، ومن سلك فى استعمالها الطريق المستقيم، كان اصلح له. وكذلك الغضب، من استولى عليه الغضب، فهو شيطان، ومن كان غضبه ضعيفا، كان ممّن لا حميّة له، ومن لا حميّة له لا دين له، ومن سلك الطريق الاوسط كان ممّن يجاهدون فى سبيل اللّه ولا يخافون لومة لائم.

الطريق السبيل يذكّر ويونّث، سمّى لانّه شى‏ء يعلو الارض فكأنّها قد طورقت به وحصفت. و

قيل سمّى لانّ الاقدام لبنته بالطروق فيه، فيقال: الطريق الاوسط والطريق الوسطى، والجمع «اطرقة» اذا ذكّر و«طرق» اذا أنّث.

و الطريق الوسطى الصراط المستقيم، وهو صراط اللّه.

(434) قوله: باقى الكتاب، اى الكتاب الباقى الذى لا ينسخ. هذا عند الكوفيّين. والعرب تقول مثل ذلك. وعند البصريين «باقى من الكتاب»، كقولهم: زلال المآء. لبنته (435) قوله: واصلحوا ذات (51 پ) بينكم، اى حقيقة وصلكم،

كذا ذكر فى كتاب الغريبين.

(436) قوله: لا يهلك على التّقوى سنخ اصل، التقوى ها هنا التوحيد فى قول اللّه، فى سورة النساء: وَلِلَّهِ ما، اى وحّدوا اللّه، وَلِلَّهِ ما فِي‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 99

السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا. وكقوله فى الحجرات: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ، للتّوحيد. والتقوى الاخلاص فى قول اللّه، تعالى: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ، اى من اخلاص القلوب. هلك من ادّعى، اى ادّعى ما ليس له. و

قيل: ادّعى مطلقا، لانّ الدّعوى عجيب.

(437) وقوله: كفى بالمرء جهلا ان لا يعرف قدره، يعنى اذا عرف قدره، لا ينكر فضل من هو فوق قدره. وهلك، ليس المراد به مات، بل المراد به سقط قدره عند جهلة الناس، والهلاك السقوط، من قولهم: اهتلكت القطاة خوف البازى، اى رمت بنفسها. و

يقال: هلك خاف، كذا ذكر فى مجمل اللغة.

و لذلك فسّر بعض العلماء قوله، تعالى: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ، اى خائف، وذاته، تعالى، منزّهة عن الخوف. (437) سنخ اصل، اى رسوخ اصل، من قولهم: سنخ فى العلم سنوخا، رسخ فيه. والتوبة من ورائكم، ورائكم اى امامكم. قال اللّه، تعالى: وكان وراءهم ملك. (438) وقوله: لا يظمأ عليها زرع قوم، اى على التّقوى، مأخوذ من قول اللّه، تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.

و من اتّقى اللّه حقّ تقاته، كان فى حفظ اللّه. (439) قوله: ولا يحمد حامد الّا ربّه، ولا يلم لائم الّا نفسه، مأخوذ من قول اللّه، تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ، فَمِنَ اللَّهِ، وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ. واقول فى وصف هذا الكلام: هذا كلام يجرى مجرى السّحر الحلال ويرتفع درجته عن نعوت الكمال، كانّه اليواقيت فى النظام، او مواقيت الاعياد فى الايّام. لفظ احسن من عطفة الاصداغ، وبلاغة (52 ر) كالامل اذن بالبلاغ، وامثال كانّها حديقة الاحداق، وبضاعة الحذّاق. يضحك معانى تلك الالفاظ شعور الاداب ضحك الازاهير غبّ بكاء السّحاب. كانّها لئالى السّمط، او اشعّة السّقط، وكانّ الصّبح يتنفّس عن نسيمها، والدّر يبسم عن نظمها.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 100

و لا غرو، فانّ قائلها استقى من منابع المصطفى، عليه السّلام، وجذب العلم بضبعه، وشقّ الالهام عن بصره وسمعه، وختمت آداب الدين فى عراص طبعه، بذكره ينشرح الصدور، وفلك الفصاحة [على‏] قطب قلبه وخاطره يدور.

الخطبة 16

شرح الخطبة الأخرى،

(440) قوله: جائر عن قصد السّبيل، الجور الميل، ويقال: جار عن الطّريق، اى مال. البدعة الحدث فى الدين بعد الكمال، والجمع بدع. وبدّعه نسبه الى البدعة، وبدع جاء ببدعة. و

قيل: البدعة مأخوذ من قول العرب: ابدعت الرّاحلة، كلّت. وسمّيت البدعة بدعة لكلالة مركب صاحبها عند المحاجّة والمباحثة.

(441) قوله: حمّال خطايا غيره، مأخوذ من قول النّبى، صلّى اللّه عليه وآله: من سنّ سنّة [سيّئة] فله وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة، ومن قول العرب: اذا زلّ العالم، زلّت بزلّته العالم. قمش اى جمع. عاد فى اغطاش الفتنة، ويروى: فى اغباش الفتنة، اى ظلم الفتنة. قال اللّه، تعالى: وَأَغْطَشَ لَيْلَها. ويروى: عاد فى اغباش الفتنة. المهادنة المصالحة، والاسم منه الهدنة. وعقد الهدنة من قولهم هدن يهدن هدونا، سكن. وفى الامثال هدنة على دخن، اى سكون على غلّ. من آجن، اى من ماء آجن. اشباه النّاس اقوام صورهم صور الانسان واخلاقهم اخلاق البهائم والسّباع. وهذه استعارة عن الّذى افتخر بما فيه من العار. بكّر يعنى ابتدأ وحصل شيئا قليلا، مأخوذ من البكر وهو اوّل الشى‏ء وبدأه. من غير طائل، اى من غير فضل. (442) قوله: مثل نسج العنكبوت، العنكبوت وزنها فعللوت، و(52 پ) الغالب عليها التّأنيث. ومن الناس من يجعله ثلاثىّ الاصل، وقال: اصله من العكوب وهو الغبار، لانّ نسجها شبه الغبار. ومن الناس من قال: اصله من العكبّ وهو القصير الضّخيم على مثال هجفّ. ونسج العنكبوت مثل لكلّ شى‏ء واه. كما قال اللّه، تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياء

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 101

كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ. (443) قوله: خبّاط جهلات، اصل الخبط يدلّ على وطأ وضرب.

و هذا الفصل مأخوذ من قول النّبى، صلّى اللّه عليه وآله: انّ من العلم جهلا، والمراد بذلك ان يتعلّم مالا يحتاج اليه، ويذر ما يحتاج اليه لدينه وسعادة عاقبته. (444) وقوله: ركّاب عشوات. العشوة ان تركب امرا على غير بيان.

يقال: اوطأتنى عشوة وعشوة، عشوة اى امرا ملتبسا، وذلك اذا اخبرته بما اوقعته به فى حيرة او بليّة. وهو من قولهم: مضى من اللّيل عشوة بالفتح، وهو ما بين اوّله الى ربعه. ومنه الحديث: فاخذ عليهم بالعشوة اى بالسّواد من الليل. (445) قوله: لم يعضّ على العلم بضرس قاطع، استعارة مليحة عن نفى الاستعداد والآلة. الهشيم من النّبات اليابس المنكسر والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف شاء. ومنه يقال: رجل هشيم، اذا كان ضعيف البدن. ذرت الريح التّراب سفتّه. وقال ابن الاعرابّى: و«اذرت» لغة فيه، واذريته القيته. (446) وقوله: يذرى الرّوايات، اى يفترى الاكاذيب ويروى بلا رويّة وتفكّر فى العواقب. لاملى‏ء، اى هو ملى‏ء لا يحسب العلم، من الحساب. تعجّ منه المواريث، العجّ رفع الصّوت بالتّلبية، ثمّ استعير فى شكاية. يعجّ اليه، اى يرفع صوته بالشكاية، يعنى يقضى فى الدماء والمواريث بخلاف حكم اللّه.

و فى رواية اخرى رواها السلامىّ صاحب التاريخ: الا وانّ ابغض خلق اللّه (53 ر) الى اللّه رجل قمش علما، عاد باغباش الفتنة، عم بما فى عقد الهدنة، سمّاه اشباهه من النّاس عالما، ولم يغن فى العلم يوما سالما، بكّر واستكبر، ما قلّ منه خير ممّا كثر، حتّى بلغ ما ارتوى من آجن واكتنز من غير طائل.

قعد بين الناس قاضيا لتلخيص ما اشتبه على غيره. ان نزلت به احدى المهمّات، تهيّأ حشوا رثّا من رأيه. فهو من قطع الشّبهات فى مثل نسج‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 102

العنكبوت، لا يعلم انّه اذا اخطأ، لانّه لا يعلم انّه اخطأ أم اصاب. خبّاط عشوات ركّاب جهلات، لا يعتذر ممّا لا يعلم فيسلّم، ولا يعضّ على العلم بضرس قاطع، يذرو الرواية ذرو الهشيم. يبكى منه الدماء ويصرخ منه المواريث. ويستحلّ بقضائه الفرج الحرام. لا ملى‏ء واللّه باصدار ما ورد عليه، ولا أهل لما فرّط به. (447) شرح الكلمات الّتى فى هذه الرواية، اغباش اللّيل بقايا ظلمته، وفى الحديث: متلفّعات بمروطهنّ ما يعرفن من الغلس. والهدنة السّكون، يقال: هدن اذا سكن، والمهادنة الاصطلاح، سمّى بذلك، لانّ السكون يكون به، واراد انّه لا يعرف فى الفتنة الا الخير من الشرّ.

(449) وقوله: ولم يغن فى العلم يوما سالما، يريد انّ الجهّال يسمّونه عالما، ولم يلبث فى العلم يوما تامّا. وهو من قولك: غنيت بالمكان اذا اقمت به، ومنه قيل للمنزل مغنى وللمنازل مغانى، لانّها يقام بها.

(450) وقوله: حتّى بلغ ما ارتوى من آجن. الآجن الماء المتغيّر، والآسن نحوه، شبّه علمه به.

(451) قوله: قعد لتلخيص ما التبس على غيره، يريد لبسه، وهو والتلخيص متقاربان، ولعلّهما شى‏ء واحد من المقلوب. وصاحب والخصب .

(452) قوله: وان نزلت به احدى المبهمات، يريد مسالة معضلة مشكلة. وانّما قيل لها مبهمة لانّها ابهمت عن البيان. ومن هذا قيل لما لا ينطق من الحيوان: البهائم.

(453) وقوله: خبّاط عشوات، اى تخبّط ظلمات، وخابط العشوة، وواطى‏ء العشوة هو الذى يمشى (53 پ) فى الليل بلا مصباح، فيتحيّر ويضلّ وربّما تردّى فى بئر او يسقط على مبلع. ويقال فى المثل: سقط العشاء به على سرحان.

(454) قوله: ولا يعضّ على العلم بضرس قاطع، يريد انه لم يتقن‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 103

و لم يحكم، فيكون من يعضّ بناجذ، والناجذ آخر الاضراس، وانما يقطع اذا استحكم ناب الرّجل. ومن هذا المعنى قول الشاعر:

         اخو خمسين مجتمع اشدّى   ***   ونجّذنى مداورة الشّؤون‏

 

(455) وقوله: يذرو الرّواية ذرو الريح الهشيم، اى نسف الرواية، كما ينسف الريح هشيم النّبت، وهو ما يبس منه وبقيت، ومنه قوله، تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ.

(456) وقوله: لاملى‏ء بأصدار ما ورد، يقول: ليس هو بكامل الردّ عمّا سئل عنه، ولا هو اهل لما فرّط به. والتفريط المدح. (457) قوله: من معشر، تقديره الى اللّه اشكوه من معشر.

الخطبة 17

(458) ذكرت فى كتاب الازاهير من تصنيفى معنى الفتوى والفتيا ومأخذهما. الفتيا والفتوى يحتملان الواو والياء كالبقيا والتّقوى. والفتوى الحكم بالشى‏ء فكانّ المفتى يقوّى ببيانه ما اشكل، وهو كالشيخ الضعيف فيشّب ويصير فتيّا قوّيا.

(459) قوله: ظاهره انيق، شى‏ء انيق اى حسن معجب. وآنقنى الشّى‏ء اى اعجبنى. وباطنه عميق اى لا يعرف تاويله الا اللّه والراسخون فى العلم.

الخطبة 18

شرح الخطبة الاخرى،

(460) قوله: اعترضه الاشعث، يعنى حال دونه ودون كلامه ووقع فيه. وهو الاشعث بن قيس الكندىّ، من كندة وهم ملوك. ونسبه الاشعث بن قيس بن معدى كرب بن معوية بن جبلة بن عدىّ بن ربيعة بن معوية بن الحرث بن معوية بن ثور بن مرتّع بن معوية بن كندة. يقال: اعترض الشى‏ء دون الشى‏ء اى حال دونه، واعترض الفرس فى رسنه اى لم يستقم لقائده، واعترض البعير ركبه وهو صعب، واعترض الشّهر ابتدأه من غير اوّله، واعترض فلانا وقع فيه. (461) قوله: فخفض اليه بصره، يعنى مدّ من قولهم: خفض، اى‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 104

مدّ راس البعير الى الارض، (54 ر) ويقال: خفض بصره ضدّ رفع البصر. (462) قوله: والاسلام اخرى، يعنى ارتدّ الاشعث بعد الاسلام، حتى اسره خالد بن الوليد وبعثه الى المدينة، فاطلق. وارتدّ مرّة اخرى ونحر كلّ ابل رآه. فقيل: او لم من الاشعث. وسبب ذلك انّ الاشعث تزوّج بامّ فروة بنت ابى قحافة، فخرج الاشعث من مجلس العقد، ودخل سوق [المدينة] واخترط السّيف، ونحو كلّ ابل رآه، وذبح كلّ غنم استقبله، ودخل دارا من دور الانصار. فصاح الناس وقالوا: ارتدّ الاشعث ثالثا. فاشرف الاشعث على السطح، وقال: يا اهل المدينة انّى غريب ببلدكم، واو لمت بما نحر[ت‏] وذبحت، فليأكل كلّ انسان ما وجد. وليعد الىّ من كان له علىّ حق، حتّى ارضيه. وفعل ذلك، فلم يبق دار من دور المدينة الا واوقد فيها بسبب تلك اللحوم. فضرب اهل المدينة به المثل، وقالوا: او لم من الاشعث.

و قال فيه الشاعر:

         لقد اولم الكندىّ يوم ملاكه   ***   وليمة حمّال لنقل العظائم‏

 

(463) قوله: حائك بن حائك، ويروى حائكُ بن حائك، اى يا حائك بن حائك. وما يدريك «ما» استفهام، «ما علىّ» بمعنى الّذى علىّ، و«ما» الثانية موضعها نصب، لانّها مفعول يدريك. يقال: حاك يحيك حياكا وحيكا وحياكة، حرّك منكبيه وفحج بين رجليه فى المشى، يقال منه: رجل حائك وامرأة حائكة. والحيّاك المتبختر، والحياكة المتبخترة. وقال القمقام الاسدىّ:

         جارية من شعب ذى رعين   ***   حيّاكة تمشى بعلطتين‏

 

(464) وقيل: كان الاشعث من ابناء ملوك كندة، ولم يكن حائكا بمعنى ناسج الثوب، بل انّما وصفه امير المؤمنين، عليه السّلام، بهذا المشى والهيئة، وهذا مشى المخانيث.

و يدلّ على حسبه ووجاهته فى قومه قول امير المؤمنين: فما فداك فى واحدة منهما مالك ولا حسبك. وامير المؤمنين‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 105

انّما عيّره بالتخنث، فعبّر عن هذا الفعل الشنيع باستعارة مليحة دالة على هيئة المخانيث. وقيل: لا بل كان الاشعث ينسج برد اليمن، (54 پ) وابوه كان ناسجا.

(465) ولو صحّ ما ذكروه، لكان امير المؤمنين انّما عيّره باخلاق خسيسة تتبع هذه الحرفة، لا هذه الحرفة التى يجوّزها الشرع والدين، وكانت منسوبة الى شيث بن آدم، عليهما السّلام، ويحتاج الحىّ والميّت الى المنسوج.

(466) ومن ذهب الى هذا المعنى، قال: هو مأخوذ من «الحوك» وهو ضمّ الشى‏ء، يقال: حاك الثوب حوكا وحياكة، نسجه، فهو حائك وقوم حاكة وحوكة جائت على الاصل. ومن اخلاق الحوكة الكذب.

(467) وقد روى فى كتاب شمائل النّبى، عليه السّلام، دفع غزلا الى حائك من بنى النّجّار لينسج له صوفا. وكان رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وآله، يطلبه ويأتيه متقاضيا ويقف على بابه، ويقول: ردّوا علينا ثوبنا حتّى نتجمّل به فى النّاس. والحائك يكذب ويعده مواعيد عرقوب، حتّى توفّى رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ولم يتمّ له هذا النسج.

(468) وقيل: الحائك هاهنا مأخوذ من حاك الشّعر، فالحائك الشّاعر الّذى يكتسب بالشعر مالا، وهذا كسب خبيث.

(469) وقال بعض المحققين: الحياكة حرفة خسيسة. والحائك والغزّال والقطّان والمعلّم ضعفاء العقول. لان معا ملتهم ومخالطتهم مع النساء والصّبيان. وعقول النساء ضعيفة، والصبيان لا عقول لهم. ومن كان اختلاطه مع ضعفاء العقول، كان ضعيف العقل.

(470) وقال الامام الجليل الوبرىّ: هذه اشارة الى دناءة حرفته وحرفة ابيه. وانّما يعيّر الانسان بدناءه الحرفة وذمامة الخلقة وخسّة الهمّة. ولكن هذه المذمّة تبع لكفره ونفاقه. فامّا فى حقّ المؤمن النقىّ ومن لا يستحقّ الذمّ فلا يجوز تعييره بهذه الامور. وعلى هذا قال اللّه، تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ،

 

---------------------------------------------------------------

 صفحة 106

الى قوله: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ

(471) وقوله: وان امرأ دلّ على قومه السّيف، وساق اليهم الحتف، لحرىّ ان يمقته الاقرب، ولا يأمنه الابعد.

قال السيّد: اراد به حديثا كان للاشعث مع خالد بن الوليد باليمامة غرّ فيه قومه (55 ر) ومكر بهم، حتّى اوقع بهم خالد، وكان قومه بعد ذلك يسمّونه «عرف النّار».

و هذه القصّة لم يوجد في التواريخ وايّام العرب. وقد تصفّحت اكثر التواريخ، وذكرت مشاهير ايّام العرب فى كتابى المعنون بمجامع الامثال. ولم اقرء فى تاريخ انّ الاشعث كان مع خالد فى محاربة مسيلمة باليمامة. (472) امّا حديث الاشعث واسره فى الكفر مرّة وفى الاسلام مرّة اخرى وغدره ودلالته على قومه السيف ما اذكره منقولا عن التواريخ ومشاهير ايّام العرب.

(473) كان الاشعث بن قيس ملك حضرموت، وقد منع اهل حضرموت الصدقات، فاتاهم مهاجرين ابى اميّة، وحارب الاشعث، واظهر الارتداد، فطرد مهاجر الاشعث وبنى كندة من حضرموت، فالتجأ الاشعث مع قومه الى حصن حصين فى البادية. فقصد مهاجرين ابى اميّة وعكرمة بن ابى جهل الاشعث، وقتلا من وجدا من قوم الاشعث. فطلب الاشعث الامان فى نفر من قومه، وكتب اساميهم، وما كتب اسمه. وآمنه المهاجرين الوليد فخرج الاشعث من الحصن. وسلّم قومه الى المهاجر، حتّى قتلهم جميعا، وما ابقى منهم نافح ضرام، ولا قائد زمام. وقال المهاجر للاشعث: هات كتاب الامان، فعرض عليه الاشعث كتاب الامان. فقال المهاجر: ليس فيه اسمك وانّك مقتول. فتكلّم فى حقّه عكرمة بن ابى جهل حتّى حمله المهاجر مقيّدا الى المدينة. فهذا معنى قوله: دلّ على قومه السّيف. فانّه سلّم قومه الى المهاجر وما طلب الامان الّا لثلّة من قومه.

(474) واما اسره فى الاسلام، فهو الّذى بعثه المهاجر بن [ابى‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 107

اميّة] والوليد بعد فتح حضرموت مقيّدا الى المدينة.

(475) هذا ما وجدته فى التواريخ ومشاهير ايّام العرب. وربما كان عند غيرى ما اشار اليه السيّد، فانّه لم (45 پ) يخبر الّا عن دراية واتقان. (476) وقوله: عرف النّار،

قيل: هو مأخوذ من عرف الفرس، لانّ عرف الفرس يستر عنق الفرس، كذلك الغادر يستر نار مكره.

و

قيل: العرف والعرفة الرّمل المرتفع شبه الجبل، والجمع اعرف واعراف. قال الشاعر: اابكاك بالعرف المنزل.

فكما انّ الرّمل المرتفع يستر ما وراءه، كذلك الغادر يستر ما وراءه من نار المكر، والعرف يدلّ على تتابع المشى متّصلا بعضه ببعض، ومنه عرف الفرس.

(477) قوله: لحرىّ ان يمقته الاقرب ولا يامنه الابعد، من غدر بقومه يمقته اقاربه ولا يأمنه اباعده، لانّ الغدر بالاقرب اهون من الغدر بالابعد. ومن لا يامن قريبه غدره مع الرّحم الماسّة والنسب المشتبكة، كيف يامن غدره الابعد. وامير المؤمنين علىّ، عليه السّلام، اشار فى هذا الكلام الى مجامع عيوبه: اوّلا لعنه وقال: عليك لعنة اللّه، ويستحقّ اللّعنة من استكبر وابى. واللعن يدلّ على ابعاد واطراد من الخير. ثمّ استعمل بمعنى الدعاء على الملعون. واللعنة الاسم، والرجل لعين وملعون. والمراة ايضا لعين. وقوله ولعنة اللاعنين يدلّ على جواز اللّعن، وهو الدعاء على من بعّده اللّه من رحمته.

و اللعين فعيل بمعنى مفعول كمطرود وطريد. وانّما سمّى ملعونا، لانّ اللّه، تعالى، طرده عن الجنّة وابعده عنها، ولعنهم اللّه بكفرهم (و) طردهم وابعدهم. وقيل: الملعون المتروك. قال الشاعر:

         عورته يحدثه بصعيده   ***   بصونيه مسانه ملعون‏

 

 

يصف الطريق بانّه متروك لا يسلك. فالشيطان ملعون، لانّه طرد وابعد وترك، فصار بمنزلة الطريق الّذى عمى هداه فلا يهتدى له.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 108

ثم وصفه امير المؤمنين بدناءة الهمّة وركاكة الرّأى وخبث الكسب والنّفاق والانتساب الى كافر. وهذا دليل على انّ الاصل مؤثّر فى الخير والشر.

ثم وصفه بالشكّ والتقليد، لانّ الارتداد (56 ر) من الدلائل [على‏] الشّك والتقليد. ثم وصفه بالعجز والفشل. فانّ من اسر يكون عاجزا احيانا. ثمّ وصفه بالبخل وترك الحزم، حيث قال: فما فداك مالك ولا حسبك. ثم وصفه بالغدر والطمع الّذى يدنى الى الطبع. ووصفه بانّه لا يثق به بعيد ولا يحبّه قريب. وهذه مجامع الرذائل.

الخطبة 19

شرح الكلام الآخر،

(479) تكلّم امير المؤمنين فى الامور التى بعد الموت، قوله: ووهلتم، الوهل بالتحريك الفزع. يقال: وهل بالكسر فهو مستوهل، ووهل فى الشى‏ء وعن الشى‏ء غلط فيه وسها. وسمعتم قول الواعظ: وقريب ما يطرح الحجاب، هو مأخوذ من قول اللّه، عزّ وجلّ، فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ. وما يبلّغ عن اللّه بعد رسل السّماء، يعنى الملائكة، الّا البشر، اى الرّسل والانبياء. (480) وقوله: وزجرتم بما فيه مزدجر، القلب الصافى يحرّكه ادنى مخافة، والقلب الجامد القاسى ينبوعه كلّ المواعظ.

الخطبة 20

(481) ثم قال: تخفّفوا تلحقوا، هذه اشارة الى سلوك السّبل الغبيطة العليا والانقطاع عن علائق الدنيا والانفكاك والتخلّص عنها والانغماس فى اللّذة العليا والخروج الى عالم السعادة والانتقاش بالكمال.

ثمّ مدح السيّدّ هذا الكلام بالفاظ يشفى القرايح القريحة والجوارح الجريحة. وانا اقول: هذه الفاظ علويّة يحكى، تورّد الاشجار، وتنفّس الاسحار، ودرر السّحاب ودرر السّخاب. فيها ملح كيواقيت السّحر، وفقر كالغنى بعد الفقر، ومواعظ يقود المستعمين الى الطاعة والانقياد والاذعان، يجرى فى القلوب جرى المياه فى عروق الاغصان. لو تليت على الحجارة لانفجرت منها عيون الماء، او على الكواكب لانتشرت من آفاق السماء.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 109

(482) وقوله: تخفّفوا تلحقوا. من وقعت سفينته فى لجّة البحر، وهبّت الرّياح العواصف، (56 پ) واضطربت الامواج، فلا بدّ له من التخفيف، والقاء الا متعة فى الماء، حتّى ينجوا، لانّ النجاة فى تلك الحال ابعد من الهلاك. وقلب المؤمن اشدّ اضطرابا من السفينة. وامواج التخيّلات والتوهّمات اعظم التطاما من امواج البحر. والتخفيف الحقيقىّ خلوّ القلب من حبّ الدّنيا والاهل والمال والولد وجميع الشهوات. وضدّ هذا التخفيف، ما قال اللّه، تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

الخطبة 21

شرح الخطبة الاخرى،

(483) قوله: انّ الشيطان ذمر حزبه، «ذمر» من قولهم: ذمر به واذ مره اذا حثّه. الجلب والاجلاب الذين يجلبون الابل والاغنام للبيع. النّصف اصله الاعتدال، مأخوذ من النّصف بتحريك الصّاد، والمرأة التى بين الشّابة والمسنّة. (484) قوله: فان كنت شريكهم فيه، فانّ لهم لنصيبهم منه. كلام يفيد انّ من شارك انسانا فى امر مّا، لا يجوز له الانكار عليه. (485) وقوله: يرتضعون أمّا قد فطمت، يعنى قد فطمتهم، ومثله قول العرب كدمت غير مكدم، وتسألنى برامتين شلجما. (486) قوله: يحيون بدعة قد اميتت، ابان به عن عادة الجاهليّة فى اخذ البرىّ بجرم المذنب واخذ الشريف بجناية الوضيع وقتل الحرّ بقصاص العبد. هذه كانت عادتهم. (487) قوله: يا خيبة الداعى من دعا والام اجيب ويروى: يجيب. «من دعا» استفهام. هذا تعجّب من دعاء اهل الشام الى محاربته ونسبتهم اليه دم عثمان، وهو برى‏ء الساحة عنه. (488) قوله: هبلتهم الهبول، «الهبل» بالتحريك مصدر «هبلته‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 110

امّه»، اى ثكلته. ويذكّر، والمراد به المدح او التحريص. وهذا مصدر قياسه الثّكول، لانّه متعد، ومثله الزّكن. و

قيل: اصله اذا مات الولد فى المهبل، اى فى اقصى (57 ر) الرّحم. والاصل محبل. والهبول من النساء الثّكول.

(489) قوله: لقد كنت وما اهدّد بالحرب ولا اهدّد بالضّرب، نظير قول العرب: لقد كنت وما يقادنى البعير، وقولهم: لقد كنت وما اخشّى بالذئب. وانّى على يقين من ربّى وغير شبهة من دينى، دليل على انّ العزّ فى طاعة اللّه، ومن يثق باللّه، فانّه لا يخاف احدا من المخلوقين، والقتل الم ساعة، وبعده للشهداء ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال اللّه تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا، الآية.

الخطبة 22

شرح الخطبة الأخرى،

(490) قوله: ان الامر ينزل من السّماء الى الارض، مأخوذ من قول اللّه يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ. وقد تكلّم قوم فى تفصيل عالم الخلق والامر، وقالوا: ينحطّ عن افق عالم الربوبيّة عالم الامر ويجرى به العلم على اللوح، فيتكثّر حيث يغشى السّدرة ما يغشى ويلقى الروح والكلم، وهناك افق عالم الامر يليه العرش والكرسىّ والسموات وما فيها، كلّ يسبّح بحمده، ثمّ يدور على المبتدأ. وهناك عالم الخلق، يلتفت منه الى عالم الامر، ويأتونه كلّ فردا. (491) غفيرة، الغفيرة الشى‏ء الهيّن الّذى يعتفر فى جنب غيره، اى يحتقر وليست فيهم غفيرة، اى لا يغفرون ذنبا.

قال السيّد: الغفيرة هاهنا الكثرة والزيادة، من قولهم الجمّ الغفير

و كلاهما يحتملان. الفالج الفائز والياسر المقامر.

قال ابو عبيد: من يعترف تفصيل الميسر عند العرب ولا يدرى انّهم كيف ييسرون، قال ابو عبيد الياسرون هم الّذين يتقامرون على الجزور.

و انّما كان هذا فى اهل الشرف منهم، وكانوا يفتخرون به، قال الاعشى:

         المطعموا الضّيف اذا ما شتوا   ***   والجاعلوا القوت على الياسر

 

اى يجعلون اقوات الفقراء على المقامر، يصفهم بالسّخاء والكرم. فانّ القمار

 

---------------------------------------------------------------

صفحة 111

عند العرب شعار الاغنياء، فمعنى قول أمير المؤمنين كالمياسر الفالج ينتظر فوزه من قداحه، يقول هو بين خيرتين امّا المصير (57 پ) الى ما يحبّ (من) الدّنيا، فهو بمنزلة المعلّى وغيرها من القداح الّتى لها حظوظ، او بمنزلة الّتى لا حظوظ لها، يعنى الموت، فيحرم ذلك فى الدّنيا، وما عند اللّه خير له. والفالج المقامر. يقال: فلجهم وفلج عليهم. قال الراجز: لمّا رايت فالجا قد فلجا.

و ممّا يبيّن انّه اراد بالحرمان فى الدّنيا المنيح ما يروى عن جابر بن عبد اللّه انّه قال: كنت منيح اصحابى يوم بدر، يعنى لم اجد من الغنيمة شيئا لصغر سنّى.

التّعذير التقصير. يقال:

         عذّر فى الار اذا لم يبالغ فيه   ***   والمعنى خشية ليس فيها تقصير

 

(492) قوله: رياء وسمعة، اى يراه النّاس ويسمّعوا به. والاصل فى السّمعة ان يسمّع الرّجل عمله النّاس تسميعا، وهو منها عنه . من يعمل، «من» شرط. الحيطة الحياطة. يقال: حاطه حوطا وحيطة وحياطة، والاسم الحيطة، ولا تقل الحيطة. ومع فلان حيطة لك، ولا تقل: عليك، اى تحنّن وتعطّف وشفقة، يجعله اللّه اى يخلفه. هذا اشارة الى انّ الانسان لعجز البشريّة يحتاج الى انصار واعوان، سواء كان محقّا او مبطلا. (493) قوله: ولسان الصّدق، لسان الصّدق الثناء والذّكر الجميل، وهو خير من المال، لانّ الذكر الجميل الّذى يبقى بعد الانسان يلزمه ويبقى بعده ويورثه دعاء ورحمة. والمال ينتقل الى غيره بسبب الارث. و

قيل فى التفسير: لسان صدق اى قبول فى الامم.

و

قال القتيبىّ: وضع اللسان موضع القول على الاستعارة. لانّ القول يكون بها. والعرب يسمّى اللغة لسانا. قال الاعشى:

         انّى اتتنى لسان لا. اسرّبها   ***   من علو لا عجب فيها ولا سخر

 

و لين الحاشية، استعارة عن حسن المواساة.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 112

الخطبة 23

شرح الكلام الآخر،

(494) قوله: خابط الغىّ، وطئه ولازمه من غير معرفة منه. وما علىّ، ما لنا فية . (495) قوله: من اذهان و[لا] ايهان، الكريم يهادن ولا يداهن. (496) قوله: ضامن لفلجكم اى لظفركم وفوزكم (58 ر)، الآجل والآجلة ضدّ العاجلة، لانّها الى اجل. وهذا الكلام صادر عن يقين كامل. قوله: عصبه بكم، اى ربطه. (497) قوله: ضامن، ضمنت الشى‏ء ضمانا كفلت به، فانا ضامن وضمين. ومعنى الضّمان فى كلام العرب الرعاية للشى‏ء والمحافظة عليه. وجمع الضّمين ضمناء.

الخطبة 24

شرح الكلام الآخر،

(498) قوله: نمران ونمارة ونمر ونمير من الاسماء. البسر الماء الحديث العهد بالمطر، ومن كلّ شى‏ء الغضّ، وبه سمّى الرجل بسرا. الارطى شجر من اشجار الرّمل، وهو فعلى، والفه للالحاق لانّ الواحدة ارطاة. (499) قوله: ما هى، يجوز ان يكون ضمير الخلافة والولاية، ويجوز ان يكون ضمير الكوفة. (500) قوله: اعاصيرك، الاعصار ريح يثير الغبار ويرتفع الى السّماء كانّه عمود، و

قيل: هى ريح يثير سحابا ذات رعد وبرق.

و من الامثال «ان كنت ريحا فقد لاقيت اعصارا».

قال الامام الزمخشرىّ: الاعصار السّحاب، كانّها بمعنى ذات الاعصار، من اعصرت السحاب، اذا كانت تعتصر بالمطر.

و لو كان هذا المعنى كما ذهب اليه هاهنا، لكان منافيا لقول امير المؤمنين.

لانّه لا يقال: تهبّ الاعاصير، اى السّحب، ومعنى قول الشاعر: على وضر من ذا الاناء قليل. اى على وضر قليل من هذا. الألاء شجر. قال الشاعر: «كما امتدح الآلاء» والوضر ما يشمّه الانسان من ريح يجده من طعام. ويقال لبقيّة الهناء» الوضر، اى انا على بقيّة قليلة من هذا الشجر. ويحتمل ان يكون: انا

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 113

على عرق فاسد قليل من ذا الألاء. ويحتمل الكلام انّه ان لم يبق لى من الولاية فى زمن الخلافة الا الكوفة، فلم يبق لى الا عرق من شجر الألاء قليل، او بقيّة قليلة من هذه الشجرة التى يقال لها الألاء. (501) قوله: لا ظنّ انّ هولاء القوم، موضع هؤلاء نصب والقوم عطف البيان. سيد الون منكم، اى يكسبون الدّولة منكم بسبب اجتماعهم (58 پ) على باطلهم وتفرّقكم عن حقّكم. (502) قوله: القعب قدح من الخشب مقعر يكون غليظا، علاقة القوس والقزح والسّوط بكسر العين، وعلاقة الخصومة والحسب بفتح العين.

(503) قوله: ابدلهم بى شرّا منّى،

قيل: لمّا دعا امير المؤمنين عليه السّلام، بهذا الدعاء، فعل الحجّاج باهل الكوفة ما يليق بجزائهم، وكان الحجّاج عقوبة لهم

و فى قوله: «شرّا منّى» دقيقة، فانّ العامّ يفهم من قول القائل: زيد شر من عمر وانّ الشرّ اكثر فى زيد من شرّ عمرو. ولم يكن فى امير المؤمنين شرّ قليل حتّى يفهم من كلامه هذا المعنى. فان المفهوم نسبة الشّر الى المخاطب، يعنى: ابدلهم فى من هو عندهم وعلى زعمهم ورأيهم شرّ منّى. وقول الشاعر: «و فى الشرّ منجاة حين لا ينجيه احسان» هو الشرّ بالنسبة الى الهالك لا الى من نجا (504) قوله: اللّهمّ مث قلوبهم كما يماث الملح فى الماء، يقال: مثت الشى‏ء اميثه اذا اذبته فى الماء. وانماث الشّى‏ء اذا ذاب. وقيل لاعرابى من بنى عذرة: ما قال قلوبكم كانّها قلوب الطير ينماث، اى يذوب. قال الشاعر:

         ولقد نصحت ببلبلتى فتميّثت   ***   عن آل عتّاب بماء بارد

 

يعنى سكت عطشى فسكن بماء بارد وعنى بالعطش الشّوق والنّزاع. وقد روى انّ امير المؤمنين قال فى هذه الخطبة: اللّهم سلّط عليهم غلام ثقيف. (505) قوله: من بنى فراس بن غنم، بنصب الغين وجزم النّون. وغنم ابو حىّ من تغلب وهو غنم بن تغلب بن بكر بن وائل بن فاسط بن هيت بن اقصى بن دعىّ‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 114

بن خويلد بن اسد بن ربيعة بن نزار، وهم رماة شجعان نصارى. ولا نصارى فى العرب الّا بنو تغلب وبنو نمر، وهم قد نصروا المسلمين فى عهد سعد بن وقّاص وفتح العجم، ويوم بوئب مع المثنّى الحارثة. وكان نصرة المثنّى يوم بؤيب من نصارى بنى تغلب، كما ذكره محمد بن جرير، رحمه اللّه، فى تاريخه، وذكر انّ شابّا من بنى تغلب رمى مهران صاحب جيوش العجم بسهم وقتله وانهزم العجم (59 ر) بسبب رمية هذا الغلام. وصاح الغلام، وقال:

         انا الغلام الهبرزىّ التغلبىّ   ***   قاتل مهران عظيم المنصب‏

 

و ان نصارى بنى غنم ما طمعوا فى درهم من الغنائم مع انّهم هزموا جيش العجم.

فكذلك قال امير المؤمنين لودد[ت انّ‏] لى بكم، اى يبدلكم. وهذا القضية مذكورة فى تاريخ محمد بن جرير.

الخطبة 25

(506) قوله من فاز بكم فقد فاز بالسّهم الاخيب، ويروى بالقدح الاخيب.

اعظم القداح عندهم المعلىّ وفيه سبعة فروض، ثمّ المسبل وفيه ستّة فروض. ثم الحلس وفيه خمسة، ثم النافس وفيه اربعة، ثم الضّريب وفيه ثلثة، ثم التّوأم، وفيه، فرضان، ثم الفذّ، وفيه فرض، وهو ادناها. قال عروة بن الورد، وذكر القداح:

         هو السيد المعلوم لايمه جوت   ***   محير المنايا والمجير على الحرم‏

         ثابت بالمعلىّ وهو اوّل فوزه‏   ***   وبالمسيل الثانى وبالحلس والتوأم‏

         وجاءت بفذّ والضريب ثلثة   ***   وفى النافس المعلوم بالكفّ والقدم‏

 

و قد يسمّى الضريب الرقيب ايضا. وهذا مثل ضربه علىّ عليه السلام، لاصحابه لمّا رأى من استعصائهم عليه وقلة مواتاتهم له، فيقول: لا حظّ لى فى صحبتكم، كما لا حظّ لصاحب الميسر فى القدح الخائب من القداح.

الخطبة 26

(507) قوله: مثل ارمية الحميم، الرّمىّ السحابة العظيمة القطر الشّديد الوقع من سحائب الصيّف والخريف، والجمع ارمية. والحميم المطر فى الصيف. يضرب المثل بذلك لسرعة اجابة قومه الى الحقّ والباطل وقلّة ثباتهم، فان العرب يقول مثل ذلك.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 115

 

الخطبة 27

شرح الكلام الآخر،

(508) انتم فى شرّ دين وفى شرّ دار، ما عنى بالدار هاهنا مكّة والمدينة. و

قال قوم: اى انتم فى دار يعنى فى بلاد لانبات فيها ولا فاكهة ولا طعام ولا لباس.

و قال قوم: الدار القبيلة فى قول النّبى، عليه السّلام: الا اخبركم بخير دور الانصار ودارات العرب ستّ عشر دارة.

(509) وقوله: معشر العرب، اى يا معشر العرب،

قيل: اراد به اهل الكوفة وهم من خثعم وطىّ. وخثعم وطى كانوا لا يعظّمون فى الجاهلية الكعبة والحرم والاشهر الحرم.

و قوله: وشرّ دين، يعنى عبادة الاصنام، فانّ كلّ دين فيه كتاب ونبىّ، احسن من عبادة الاوثان. (510) قوله: تاكلون الجشب، هذا تفصيل قلّة منافع بلادهم، وكونهم فى مفاوز بلا ماء جار ولا نبات ولا زرع.

يقال: طعام جشب ومجشوب غليظ خشن لا ادم معه.

(511) قوله وتسفكون دماءكم وتقطّعون ارحامكم، يعنى تغير بعضكم على بعض، وان كانوا اقارب. وفى حرب داحس والغبرآء، ووقايع البسوس الّتى ذكرتها فى مجامع الامثال من تصنيفى دلائل على ذلك. قوله: فضننت بهم عن الموت، هاهنا سرّ لطيف، وهو انّه لو ساعده قوم لهم اهبة وعدّة، لما طمع فيه وفى اقاربه واهل بيته خصمه، واذا قصدهم قاصد، يهول عليهم دفعه. واذا قلّ انصاره، ولم يبق عنده الا اهل بيته، طمع فيه كلّ من عاداه، فهو لا يخاصم احدا عند ذلة انصاره، حتّى لا يكون اهل بيته على خطر عظيم. (512) قوله: على اخذ الكظم، الكظم مخرج النفس، ومنه «اخذت بكظمه» اى منعت نفسه ان يخرج. (513) قوله: علىّ امرّ من طعم العلقم، فى اصول اللغة اصول الحنظل، ومن الحنظل ما هو ذكر وما هو انثى. و

فى القرابادين الكبير: العلقم قثّاء الحمار، وله مرارة لذاّعة. وانّما خصّصه من بين ساير المرارات، لانّه مفجّر، للجراحات ويقىّ‏ء

 

---------------------------------------------------------------

 صفحة 116

و يسهّل ويهلك الجنين.

(514) شرح الكلام الاخر.

قوله: ولم يبايع حتّى شرط ان يؤتيه على البيعة، المراد بذلك انّ عمر بن العاص شرط على معوية ان يفوّض اليه ولاية مصر حتّى يبايعه، وقال له: اقطعنى المصر، فوقع بينهما تدافع حتّى ضمن له ذلك.

الخطبة 28

(515) قوله: الجهاد باب من ابواب الجنة، لانّه لا مجاهد الّا (60 ر) من انقطعت علايقه من الدّنيا، وسلّم نفسه الى اللّه. فتحه لخاصّة اوليائه، اشارة الى قول اللّه، تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا، الآية. (516) قوله: البسه اللّه ثوب الذلّ لانّه مال الى الدّنيا واطمأنّ بها، فسلّمه [الى‏] بلاء الدّنيا. قوله وديّث بالصّغار والقمآء، يقال للبعير اذا ذلّلته الرياضة: بعير مديّث، اى مذلّل بالرياضة. ومنه الدّيّوث الّذى لا غيرة له وذلّلته محارمه، حتّى يتغافل عن فجورهنّ. القماء الصّغار والذلّ. ويروى: والعماء. (517) قوله: على قلبه بالاسهاب، ويروى بالاسداد. الاسهاب ذهاب العقل، يقال: رجل مسهب، اى ذاهب العقل. السدّ الحاجز، والاسداد الجمع. (518) قوله: وسيم الخسف، ويروى وسيماء الخسف، و

قيل: تأويله علامة الخسف.

قال اللّه، تعالى: بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، اى معلّمين والسيماء يمدّ ويقصر. ومعنى كلامه علامة الخسف، يقال سمته خسفا اوليته ايّاه. والنّصف الانصاف. و

قيل: وسيم الخسف، اى كلّف الذلّ.

(519) قوله: فى عقر دارهم، عقر الدار اصلها، وهو محلّة القوم واهل المدينة، يضمّونها. (520) شنّت عليكم الغارات صبّت. تواكلتم مشتق من «وكلت الامر اليك ووكلته الىّ، اذا لم يبق له احد دون صاحبه، ولكن احال به كل واحد على الاخر. قال الحطيئة: امور اذا واكلتها

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 117

لا تواكل. (521) قوله: هذا اخو غامد، رجل من اليمن من بنى غامد بن نصر من الازد، وسمّى غامدا لا[نّه‏] تعمّد امرا كان بينه وبين عشيرته. و

قيل: سمّى غامدا من قولهم: غمدت البئراى كثر مآؤها وقلّ ايضا.

(522) قوله: قد وردت خيله الانبار، الانبار على فراسخ من الكوفة، وهى بلدة ينسب اليها الذرّبات، قال الشاعر:

         كانّها من بدن وايقار   ***   دبّت عليها ذربات الانبار

 

و ازال خيلكم عن مسالحها، اى مواضع الاسلحة. والمسلحة قوم ذوو سلاح وهى كالثّغر والمرقّب. وفى الحديث كان ادنى مسالح فارس الى العرب، العذيب. (60 پ) ثمّ اطلق المسالح على مواضع الخوف. وقوله: المعاهدة والمعاهدة الّتى لها مع المسلمين عهد. و

فى الكامل المعاهدة (الذمّية).

قوله: حجلها اى خلخالها.

(523) قوله: الرّعاث، القرطة واحدتها رعثة. يقال: قبحا وقبحا، اى بعدا وترحا، اى حزنا. وقد يكون الاسف الغضب، قال اللّه تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا حمارّة الغيظ، بتشديد الراء، شدّة حرّه وربما خفّف الرّاء للضرورة فى الشعر. والجمع حمارّ. (524) يسبخّ عنّا الحرّ، يروى بفتح الباء وكسرها، يقال سبّخ الحرّ خفّ وفتر. ومنه: «اللّهم سبّخ عنا الحمّى، اى خفّف. (525) وقوله: صبّارة القرّ، بتشديد الراء شدة البرد، ويروى قرّ بفتح القاف. (526) يا اشباه الرجال ولا رجال، يعنى صوركم صور الرجال واخلاقكم اخلاق النساء، يا عقول ربّات الحجال، اى عقول النساء. قال الشاعر: ورائد ربّات الحجال يريحنى‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 118

يعنى: ربّات الخلاخيل. فان الحجل والخلخال بمعنى واحد. وعقول النساء عقول استولى عليها الحرص والشّهوة والخوف. (527) السّدم تغيّر يحصل من النّدم. (528) و«قاتلكم اللّه» لفظ ذمّ ودعاء عليهم، كما قال اللّه تعالى: وَ، إِذا رَأَيْتَهُمْ، تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ. وقد يكون غير ذمّ. النّغبة الجرعة، والجمع النغب، والنغبة فى غير هذا الموضع الفعلة القبيحة. (529) التّهمام تفعال من الهمّ، انفاسا نصب على الحال اى متوالية نفسا نفسا. (530) قوله: للّه ابوك وللّه درّك وللّه انت، كلمات يراد به مدح المخاطب وتفضيله وتخصيصه بالاضافة الى اللّه بفضله، كما قيل بيت اللّه وناقة اللّه. ابوهم، يعنى: اسمعيل الّذى هو اب قريش. وللّه درّك، قيل هو خطاب ناقة فى الاصل، ثم اطلق على الناس. و

قيل معناه ما يدرّ منك من الخير كان للّه خاصّة لا يشوبه رياء ولا سمعة.

الخطبة 29

(531) قوله: الا وانّ اليوم المضمار، وغدا السّباق، بنصب الرّاء من المضمار والقاف من السّباق، و

سئل عن ذلك استاذنا الامام ابو جعفر (61 ر) المقرى، رحمه اللّه، وقال: اليوم والغد يعتبران للظّرف ويعتبران لغير الظرف بمعنى آخر. فان اعتبرا بالظّرف، فالمضمار والسباق، منصوبتان باسم انّ، وان اعتبرا بغير الظرف، فالمضمار الخبر فكذا السباق.

و بيان ذلك، انّ المضمار عبارة عن مدة زمان التضمير، فيكون خبرا لانّ، وقيل تقديره المضمار اليوم والسباق غدا. ويروى: الا انّ. المضمار اليوم والسباق غدا. ويروى السّبقة والغاية برفع التائين ونصبهما. وفى تقييد السّبقة بالجنّة والغاية بالنار سرّ لطيف، لانّ السّبق يكون باختيار ورغبة صادقة، والغاية قد يكون على غفلة وكره. وذلك سرّ.

(532) يجرّ به، من قولهم جارّ عن الطّريق، اى عدل عنه، وكذلك‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 119

عن الحقّ وبعد منه بالباء. (533) قوله: تزوّدوا فى الدّنيا من الدّنيا، اى الاسباب الّتى يحصل للمكلف بها النّجاة بدنيّة دنياوية .

الخطبة 30

(534) قوله: كلامكم يوهى الصّمّ الصّلاب، اى يضعف.

(535) كيت وكيت بفتح التاء وكسرها، والتاء فيهما هاء فى الاصل، فصارت تاء فى الوصل. (536) قوله حيدى حياد، كقول العرب فى الامثال: فيحى فياح.

و فياح كقطام اسم للغارة. كان اهل الجاهليّة يقولون: فيحى فياح. فيكون تكريرا كقولهم وادن دونك فاصطل. ويجوز ان يكون فياح مرفوعة بفحيى، على قول عيسى بن عمر. نحو قولهم: ادخلوا الاوّل فالاوّل.

قال الاقصرىّ: معنى فيحى، اى انتشرى ايّتها الخيل المغيرة. وسمّاها فياح، لانّها جماعة مؤنّثة كقطام وحذام. حيدى ايّتها الخيل. وامر الخيل بالحيدودة. وحياد مثل فياح.

(537) اعاليل جمع اعلولة، وهى التعلّل اى التسلّى. واضاليل جمع اضلولة من الضلال، دفاع يعنى تدافعون.

(538) قوله من فاز بكم، فقد فاز بالقدح الاخيب، تقدّم ذكره. قوله: ومن رمى بكم فقد رمى بافوق ناصل، اى بسهم منكسر لا نصل فيه.

و تقديره: بسهم افوق ناصل. وغفلة من غير ورع، اصحّ الرّوايتين: القوم امثالكم، كما قال الشاعر:

         «القوم امثالكم هم شعر   ***   فى الرأس (61 پ) لا ينشرون ان قتلوا»

 

الخطبة 31

(539) قوله: غير انّ من نصره لا يستطيع ان يقول خذله من انا خير منه، ومن خذله لا يستطيع ان يقول نصره من هو خير منّى، اى ليس لمن خذله ان يتلّهّف على خذلانه، ولا لمن نصره فخر بنصرته، يعنى بقوله: من انا خير منه. والمراد بذلك انّ من نصره مثل مروان ليس له ان يقول خذله طلحة والزّبير، وانا خير منهما. لان النّبيّ، عليه السّلام، قال لطلحة: وجبت لك‏

--------------------------------------------------------------- صفحة 120

الجنّة، وقد طرد مروان بن الحكم. فما حصلت فضيلة لمروان بسبب نصرته، وليس لطلحة ان يفضّل مروان على نفسه بسبب انّه نصر عثمان وانّ طلحة خذله.

(540) قال الامام الجليل الوبرىّ، رحمه اللّه: معناه من انتصب لانتصار عثمان بعد قتله، لا يمكنه ان يقول ان عليا خذل عثمان، فلم ينصره ونحن نصرناه، فنحن خير من على. وذلك انّ عليّا ما خذل عثمان، ورمى الى داره منديله، ونادى بصوته، قال ذلك ليعلم: انّى لم اخنه بالغيب، وعرض علىّ على عثمان نصرته ودفاعه، فابى عثمان القتال بسبب الدفاع عنه. وقال عثمان: لان اقتل قبل سفك الدماء احبّ الىّ من ان اقتل بعد سفك الدماء، وقال لغلمانه: من وضع سلاحه منكم، ولم يقاتل، فهو حرّ لوجه اللّه.

(541) و«من خذله» معناه عند الامام الوبرىّ انّ من يخذل عثمان، ولم يهتمّ بشأنه، لا يمكنه ان يقول نصره علىّ، فلكونه ناصرا هو خير من خاذله، لان عليّا لم يسلّ السيف بسبب الدّفاع، لانّ عثمان لم يستنصره، ولم يقبل نصرته. (542) قوله: استأثر فأساء الأثرة،

قال الامام الوبرىّ، يعني فوّض الاعمال الى بعض قرابته صلة للرّحم، وانّ بعض اقاربه ما دعى حقّ هذا العمل، ولم ينصف.

(543) وقوله: وجزعتم فاسأتم الجزع، لان الغاغة استدركوا ذلك وغيره من الامور، وخاطبوا بها عثمان، واعتذر عثمان بعذر ظاهر، فقتلوه بسبب ذلك. وهذا جزع اخبر عنه بقوله: وجزعتم فأسأتم الجزع. وقد اجتمعت الامّة بأسرها على انّه ليس للرّعية قتل من هو امام وخليفة (62 ر) عندهم.

الخطبة 32

(544) قوله: عاقصا قرنه، العقص يدلّ على لتواء فى شى‏ء، يقال لمن له اضطراب وعقد وتردّد فى رأيه: هو عاقص قرنه.

 

معارج‏نهج‏البلاغة، متن    ، صفحة 121

(545) قوله: الين عريكة، اى طبيعة. (546) قوله فما عدا ممّا بدا،

قيل معناه ما عداك ممّا بداك.

وقيل معناه ما بدا لك منّى، فصرفك، عنّى.

وقيل: معناه ما صرفك عمّا كان بعدا لنا من نصرتك.

و قيل: ما الّذى ظهر منك من التّخلف بعد ما ظهر منك فى الطاعة.

الخطبة 33

(547) قوله: ونضيض وفره، اى قلّة ماله. مأخوذ من النضيض، وهو الماء القليل، و

قيل: النضيض الرايج الحاضر.

(547) قوله: قد اشرط نفسه، يقال: اشرط فلان نفسه لامر كذا، اى اعدّها له. وسمّى الشّرط لأنّهم جعلوا لانفسهم عدّة وعلامة يعرفون‏بها] وليس المتجر ان ترى الدّنيا لنفسك ثمنا، لانّ اللّه قد اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بانّ لهم الجنّة. فمن باعها بالدّنيا، فذلك البيع غبن. (548) قوله: يطلب الدنيا بعمل الاخرة، يعنى بالعلم والعادات الظاهرة يطلب الدنيا، ولا يطلب الآخرة بعمل الدّنيا. وهو كلّ عمل يعمل فى الدّنيا ممّا يحسّنه العقل والشرع. والغرض منه ابتغاء وجه اللّه لا طلب الدنيا. (549) قوله: قد طامن من ظهره، ويروى: من شخصه، قول العرب. طمأن وطأ من ظهره، يعنى على القلب، بدلالة «اطمأنّ»، لانّه لم يعمل فيه «اطمأنّ» ، والصحيح

انّ «طأمن» هو الاصل، ووزنه فعلل، و«اطمأنّ» مقلوب عنه، ووزنه «افلعلّ». هذا قول سيبويه.

وقال الحرمىّ: طأمن على وزن فعلل، واطمأنّ افعللّ على الظاهر.

و هذا قول ضعيف، لانّ المتجرّد من الزيادة اولى ان يكون اصلا. (550) قوله: واتّخذ ستر اللّه ذريعة الى المعصية، فى كتاب المضاف والمنسوب: ستر اللّه الاسلام والشيب والكعبة وضماير صدور النّاس، يعنى جعل ظاهر الاسلام وما يكنّه صدره بحيث لا يطّلع عليه مخلوق وسيلة وطريقا الى معصية اللّه.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 122

(551) قوله: ضؤولة نفسه، اى ضعف نفسه (62 پ) وانقطاع سببه وماله وعونه، فقصرته اى حبسته. (552) قوله: فى مراح ولا مغدى، المراح بفتح الميم الموضع الّذى يروح فيه النّاس. والمغدى على عكسه من الغداة. اى ليس له من ذلك نصيب. قوله: فهم بين شريد نادّ، اى نافر. (553) قوله: بحر اجاج، يعنى لا يتلذّون بالدنيا، كما لا تلتذّ الصدف الذى هو ساكن البحر الاجاج بمائه. (554) قوله: افواههم ضامرة اى ساترة خليّة من الضمير ويروى صافزة بالزاء، اى مشدودة بالسّكوت. (555) قوله: وعظوا النّاس حتى ملوّهم، وقهروا حتّى ذلّوا، يعنى لا ينتقمون. وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ، يَمْشُونَ: عَلَى. حتى صاروا فريسة لكلّ لبئه. (556) قوله من حثالة القرظ: الحثارة والحثالة الردىّ من كل شى‏ء وحثالة القرظ ما يسقط من القرظ، وهو نبات يدبغ به الاديم. (557) قوله: وقراضة الجلم، جلمة الجزور لحمها وجلمة الشاة مسلوختها بلا حشو ولا قوايم. والقراضة ما سقط بالقرض، والجلم واحد الجلمين. وجميع ذلك يفيد المعنى فى كلامه. (558) وارفضوها دميمة، غير معجمة من دممت الثوب اى طليته اىّ صبغ كان، يعنى فار فضولها واتركوها على ايّة طريقة مرّت من النعمة والبؤس.

و الخرّيت الدليل الهادى العظيم.

الخطبة 34

شرح الكلام الآخر.

(559) ذى قار موضع فيه بئر يقال: لمائه ذو قار، لأنّه اسود شبه القير، وكانت فيه محاربة مع بنى شيبان بسبب بودايع النّعمن‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 123

بن المنذر ملك العرب وبين اياس بن قبيصة نايب كسرى ابرويز. وقال رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وآله، حين انهزمت الفرس وغلب العرب: هنا اوّل يوم فيه انتصف العرب من العجم، وباسمى نصروا. (560) وقوله: ليس احد من العرب يقرأ كتابا ولا يدّعى نبوّة. كان اكثر العرب لا دين لهم، الا انّهم كانوا يتمسّكون باشيآء بعضها شرايع اسمعيل، وبعضها رسوم لهم. قوله: بحذافيرها، حذافير الشى‏ء اعاليه ونواحيه، يقال (63 ر) اعطاه الدّنيا بحذافيرها، اى باسرها. الواحد حذفار.

الخطبة 35

(561) قوله: فى استنفار النّاس اى فى استنصارهم. (562) قوله: افّ لكم يقال أفا له، وافة له واف له، اى قذرا له، قال اللّه تعالى: وَقَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا. قوله: كانّكم من الموت فى غمرة، ومن الذّهول فى سكرة، دلايل على من يرغب فى الدّنيا ويخاف من الموت، لانّ دوران الاعين على تلك الهيئة من امارات الرّعب والحيرة. (563) قوله: حوارى، اى كلامى فى محاورتى، ويقال: حوارى من قولهم: كلّمته فما ردّ على حوارى أى جوابا. (564) قوله: كانّ قلوبكم مالوسة، الالس الخيانة، والالس ايضا اختلاط العقل، وقد الس الرجل فهو مألوس، اى مجنون. قال الراجز:

         يتبعن مثل العلّج الملسوس   ***   اهوج يمشى مشية المألوس‏

 

(565) قوله: سجيس اللّيالى، يقول العرب لا آتيك سجيس عجيس وسجيس الّا وجس وسجيس الليالى ابدا: قال الشنفرىّ من قصيدة اوّلها، فلا تقبرونى انّ قبرى محرّم:

         عليكم، ولكنّ ابشرى امّ عامر   ***   هنالك لا ارجو حيوة تسّرنى‏

         سجيس الليّالى مبسلا بالجرائر

 

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 124

(566) قوله: الزافرة اعوان الرجل، والجمع الزوافر. لا تمتعضون اى لا تغضبون. حمس الوغا، اشتدّ الحرب واستحرّ اشتدّ. (567) قوله: انفرجتم عن ابن ابى طالب انفراج الرأس، ذلك مثل مذكور فى امثال بن دريد.

قال ابن دريد: معناه انّ الرأس اذا انفرج عن البدن لا يعود اليه، وصار البدن جيفة لا يتهيّأ لامر مّا، ولا يكون بين الرأس والبدن بعد ذلك اتّصال. يعنى: انفرجتم عنّى انفراجا لا اتّصال بعده.

و قال المفضّل: معناه انّ الرأس اسم لرجل ينسب اليه قرية من قرى الشام يقال لها: بيت الرأس وفيها يباع الخمور. قال حسّان.

         كانّه سبيئة من بيت راس   ***   يكون مزاجها عسل ومآء

 

و نصب مزاجها على انّه خبر كان، فيجعل الاسم. نكرة والخبر معرفة. وانما حاز ذلك من حيث كان اسم جنس. ولو كان الخبر معرفة مختصة، لقدّم.

(568) ومن حيث هذا الرجل انّه انفرج عن قومه ومكانه، فلم يعد، وخلّى قومه.

و الرأس القوم الاعزّاء والرّجل العزيز، قال عمرو بن كلثوم: برأس من بنى جشم بن بكر. ويحتمل ان يكون معناه انفرجتم عنّى انفراج الاعزّ الّذين لا يبالون بمفارقة احد. واوّل من قال ذلك اكثم بن صيفىّ فى وصية له: يا بنىّ لا تنفرجوا عند الشدائد انفراج الرأس، فانّكم بعد ذلك تجتمعون على عزّ.

و

الرأس اسم مكة، ذكر ذلك فى حواشى كتاب الصّحاح.

(569) قوله: تطيح السواعد، طاح يطوح ويطيح، هلك وسقط. (570) قوله: تطير منه فراش الهام.

قال الجوهرىّ: فراش الرأس عظام رقاق يلى القحف. والفراشة الّتى تطير وتتهافت فى السّراج، وفى المثل: اطيش من فراشة، والجمع فراش.

و زعم العرب انّ القتيل الّذى لا يدرك بثاره يصير هامّة فتزقو فتقول: اسقونى اسقونى. فيعبّر عن ذلك بفراش الهام. و

قال‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 125

قوم: آلة العقل الدماغ، وفيها من القوى الحسّ المشترك والخيال والوهم والمفكّرة والحافظة وغيرها. يعبّر عن تلك القوى بالفراش.

الخطبة 36

شرح الخطبة الاخرى.

(571) قوله: واتى الدّهر بالخطب الفادح، اى الامر الصّعب، يعنى به امر التحكيم. وفحوى الكلام انا احمد اللّه مع انّى مبتلى شدة وكآبة ومصائب ولا اجزع ولا اغفل من ذكر اللّه. (572) قوله لو كان يطاع لقصير امر، هذا مثل قديم للعرب،

ذكرت تفاصيله فى الكتاب المعنون بمجامع الامثال من تصنيفى. (573) منها انّ جذيمة الابرش ملك العرب خطب الزبّاء، وهى ملكة الجزيرة، فامر به الزبّاء بالقدوم عليها، فزيّن فصحآء جذيمة له ذلك الامر، تابعوه. فخرج جذيمة فى الف فارس، وخلّف سائر جنوده مع ابن اخته عمرو بن عدىّ. وكان لجذيمة مولى يقال له قصير بن سعد اللخمىّ، وكان مخالفا لراى جذيمة فى الاقدام على الزبّاء. فلمّا وصل جذيمة الملك الى منزل قريب (64 ر) الى الجزيرة استقبلته جنود الزّباء مع الاسلحة والعدّة، وما ترجّلوا لجذيمة، وما عظّموه. فقال قصير لجذيمة انصرف، فانّها امرأة، ومن عادة النّساء الغدر والمكر. فما قبل جذيمة قوله، فقال قصير: لا يطاع لقصير امر. فصار مثلا. واخذت الزّباء جذيمة وقتله.

و هذه القصّة مشهورة، يضرب فيمن رايه صايب، ولكن لا يقبل قوله.

(574) قوله: وضنّ الزّند بقدحه، ويروى. وظنّ بالظاء اى اتّهم.

و ضنّ الزّند بقدحه استعارة عمن يضنّ بفوايده، اذا لم يجد لها قابلا عارفا بحقّها. 575) امّا الشعر فى قوله: امرتهم امرى بمنعرج الّلوى، البيت. يوم منعرج الّلوى، غزا ابو عبد اللّه بن الصّمة اخو دريد بن الصّمة بن بكر بن هوازن غطفان فلم يصدّه عن وجهه شى‏ء، حتّى غنم وساق الابل. فلما كان بمنعرج اللّوى، اقام وقال: لا واللّه، لا ارجع حتّى أنتقع واجيل السهام. فقال له دريد

 

---------------------------------------------------------------

 صفحة 126

اخوه وكان معه: لا تفعل، فان القوم فى طلبك. فابى ولجّ واقام، ونح النّقيعة، وقد اقعد له رجلا ربيأ، فقال عبد اللّه لربيئته انظرى ما ترى قال: ارى خيلا عليها رجال كانّهم صبيان رماحهم بين آذان خيولهم. فقال: هذه فزارة.

فالتقى القوم. وكان دريد نهاه ان يقيم، وقال: انّ القوم سيطلبونك، ويتّبعونك ولن يفوتك النقيعة. فطعن عبد اللّه بن الصّمة، فاستغاث باخيه، فاقبل عليه اخوه دريد، فنهيه عنه القوم، حتى طعن دريد، وصرع وقتل عبد اللّه، واذا كان آخر النّهار مرّ بدريد الزهرمان العبسيّان، فعرفه احدهما، فطعنه. قال دريد: وقد اصابتنى جراحة فاحتقن الدم. فلما طعننى زهرم، خرج الدم واسترحت. فاذا جنّ اللّيل، مشيت وانا ضعيف، قد نزفنى الدّم، فوقعت بين عرقوبى جمل الظعينة، فنفر الجمل، فعرفتنى الظعينة، واعلمت الحىّ بمكانى، فغسل عنى الدّم، وزوّدت سقاء وزادا، فنجوت. وكانت الظعينة (64 پ) فى سيّارة من هوازن. فقال دريد فى ذلك:

         امرتهم امرى بمنعرج اللّوى   ***   فلم يستبينوا الرّشد الّا ضحى الغد

         فلمّا عصونى كنت منهم وقد ارى   ***   غوايتهم وانّنى غير مهتدى‏

         وهل انا الّا من غزيّة ان غوت   ***   غويت وان يرشد غزيّة ارشد

         فان يك عند اللّه خلّى مكانه‏   ***   فما كان وقافا ولا طائش اليد

 

(576) ويقال فى المثل: اعصى من ابى ذفافة. وهو عبد اللّه بن الصّمّة، لانه عصا اخاه دريد بن الصّمّة. فشبّه امير المؤمنين، عليه السلام نصيحته بنصيحة دريد، وغفلة قومه، وعصيانهم بغفلة عبد اللّه بن الصمّة وعصيانه. (577) وقال: اخو هوازن، لانّ دريد بن الصّمّة من نى جشم بن معوية بن بكر بن هوازن، ونسبه دريد بن الصمة بن عمر بن علقمة بن خداعة بن عديّة بن جشم بن معوية بن بكر بن هوازن بن منصور. وقال اللّه تعالى: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ. وهود كان بالنسبة الى عاد كما كان دريد بالنسبة الى هوازن. يقال فلان اخو فلان اى منسوب اليه. (578) قوله: فابيتم اباء المخالفين، كان من دأب على، عليه السّلام،

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 127

مقاتلة اهل الشام. فاطّلع الخوارح على رايه، فابوا عليه، وكان ذلك ميلا منهم الى الحكومة. ثم انّه لما حكم من رآه اهلا لذلك، وهو عبد اللّه بن عباس: اعتزل الخوارج، وانكروا ذلك، فكانوا مخالفين لعلى بن ابى طالب فى كلى الامرين.

الخطبة 37

شرح الكلام الآخر.

(579) قوله: فانا نذير لكم ان تصبحوا صرعى، يعنى: باصباحكم. وان مع الفعل المستقبل فى تقدير المصدر. اهضام جمع هضم. وفى المثل: اللّيل واهضام الوادى 1. الاهضام بطون الاودية، وهى ما انخفض عنه، واحدها هضم. الغائط المطمئنّ من الارض. (580) على غير بيّنة من ربّكم، اى على التقليد لا على التحقيق. قال صرفت رأيى الى هويكم، سمّى ما عنده رأيا، لانّه صادر عن الدّين والعقل، وما عندهم هوى، لانّه نتيجة الجهل والشهوة. (581) طوّحت اى رمت بكم الدّار (65 ر) وبعدت، احتبلكم، اى صادكم بالحبالة. اخفّاء الهام، يقال فى الكنايات خفيف الهامة اذا كان نزقا طيّاشا. وسفهاء الاحلام، يعنى سفهاء [العقول‏]. والسّفه ضدّ الحلم. والعرب يضيف الشى‏ء الى ضدّه اثباتا للمضاف ونفيا للمضاف اليه. والسّفه القلّة والحقارة. يقال تسفّهته اى استحقرته. (582) قوله لا ابا لكم، يذكر فى المدح والذم: امّا الذم، فلا امّ لك معروفة، يعنى: انّك لقيط، لا يعرف لك ام ولا اب بهذين المعنيين. او انّك من سفاح لا من نكاح. وقد يورد استدفاعا للمعاتبة، كقولهم: قاتلك اللّه.

و اما فى المدح، فلا امّ لك، يعنى: انّك منفرد فى هذا الامر، لا نظير لك، كانّك لم تلدك امّ، وهذا لا يكون.

و من قبيل المدح لا امّ لك ينسبك، ولا اب لك يورثك خزيا وعارا.

و يقال: لا اب لك ولا ابا لك، اى لا اب يكفيك ولا كافى لك، الا انت.

و يقال ايضا: لا اباك.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 128

(583) قوله: البجر، الامر العظيم والشرّ. قال الراجز: ارقى عليها وهى شى‏ء بجر اى داهية. ويروى نكرا وهجرا وعرى، اى عيبا.

و معنى الكلام اى رايت فى الابتداء القتال معهم بشرط موافقتكم ايّاى. فلما كلّفتمونى الحكومة، وقلتم لا نرضى الّا بذلك: سكنت. ولا عجب ان يفعل العاقل فى كل وقت ما يقتضيه الوقت. كما قال الشاعر:

         البس لكلّ حالة لبوسها   ***   امّا نعيمها وامّا بوسها

 

و لا اردت بكم ضرّا، لانّ مرادى فى الدّنيا ظفركم وفوزكم، وفى الاخرة شهادتكم.

الخطبة 38

شرح الكلام الآخر،

(584) قوله: تقبّعته، يقال تقبّع اى ردّد. ويقال تقبّع، اى عجز عن الكلام. (585) قوله طاعتى سبقت بيعتى، يعنى: طاعتى للّه ولرسوله سبقت بيعتى.

و قال الامام الجليل الوبرىّ، اى طاعتى للخلفآء الّذين كانوا قبلى سبقت بيعتى، وقيل طاعتى لرعيّتى بسبب حقوقهم وما يجب لهم علىّ سبقت بيعتى.

(586) قوله واذا الميثاق فى عنقى لغيرى،

قيل: اى ميثاق [اللّه‏]، حيث قال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ.

و تقدّم (65 پ) معنى الميثاق،

و قيل: الميثاق العهد والامر، يعنى صرت تحت امر غيرى، قيل اذا [....] 1.

الخطبة 39

شرح الخطبة الاخرى،

(587) قوله: الشّبهة ما يشبه الحقّ من وجه، والباطل من وجه آخر. (588) قوله عليه السلام: امّا اولياء اللّه فضياؤهم فيها اليقين، لان العالم بالحقّ اذا وردت عليه شبهة يصرفه علمه بالحقّ عن حسن ظنّه بالشبهة، فيقف عندها، ولا يعتقد فيها الحقّ. فان كان من اهل الجملة، كفاه ذلك ان لم يعلم حلّها، وان كان من اهل التفصيل فانّه يهتدى الى حلّها عن قريب‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 129

لشكه فيها. واوّل مراتب العلم الشكّ. فامّا الضالّ المبطل، فجهله يدعوه الى حسن الظنّ بالشبهة. فاوّل ما يتخيّل له الشبهة يعتقدها دلالة وحقا، ويزداد بعدا عن الحق، كلّما ازداد نظرا فى الشبهة لجهله فى ابتداء الحقّ.

(589) وقال قوم ضيائهم فيها اليقين، اى يعنّ لاولياء اللّه خلسات من اطلاع نور اليقين عليهم، لذيذة كانّها بروق تتّفق.

(590) قوله: ما ينجو من الموت من خافه، يعنى الامور لست بتمنّى الانسان ولا بتشهيّه ولا بنفاره، [و] الموت نازل، ولا يخاف العاقل من امر لا بدّ من نزوله، والبقآء فى الدنيا مستحيل والعاقل لا يعتقد المحال ممكنا.

الخطبة 40

شرح الكلام الآخر،

(591) قوله: منيت، اى ابتليت. (592) قوله: لا حميّة تحمشكم اى تغضبكم وتحمشكم اى تعرّضكم. (593) قوله: تكشّف الامور عن عواقب المساءة، بلاغة فيها حكم. (594) قوله: جرجرتم جرجرة الجمل الأسرّ. الجرجرة ما يردّده البعير فى حنجرته. قال الاغلب: جرجر فى حنجرة كالحبّ، فهو بعير جرجار، كما تقول ثرثر الرجل، فهو ثرثار. وفى المثل: جرجر لمّا عضّه الكلّوب.

و الاسرّ جمل بكركرته دبرة بين السّرر. قال الشاعر:

         انّ جنبى عن الفراش لنابى   ***   كتجا فى الاسرّ فوق الظّراب‏

 

2 قال ذلك الكلام حين دعا قوما الى القتال، فلم يات منهم الّا ثلثة. (595) قوله: (66 ر) متذايب، اى مختلف فى القول والرأى. يقال تذايبت الرّيح اى اختلفت وجاءت مرّة كذا ومرّة كذا. اخذه من فعل الذئب لانّه يأتى كذلك.

الخطبة 41

(596) قوله لا بد من امير برّ او فاجر.

قال الامام الجليل الوبرىّ: الامير لا يحسن نصبه حتّى يكون برّا، وامّا لفاجر فلا يحسن. فامّا انتصابه بنفسه وتولية الامور واستيلاءه كلّه محظور. ولكنّ‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 130

الناس فى ولايته قد يكفّون عن المظالم وتعادى بعضهم لبعض، واستيلاء بعضهم على بعض، ففى ذلك سدّ لابواب الفساد عن الرعيّة. وهذا كقول النبىّ، عليه السلام: انّ اللّه تعالى يؤيّد هذا الدّين بقوم لا خلاق لهم فى الاخرة.

و قال قوم: لا تمتّع بالوجود للانسان الا عند المشاركة. فالواحد لا يكفى صنعة ماكوله ومشروبه وملبوسه، بل يحتاج ان يعمل كلّ لكلّ يتكافؤون فيه. وذلك بتمدّن واجتماع على اخذ واعطاء، يفترض لاجله العدل الذى لا ينفكّ عن الاصطلاح والتواطوء. فان كلّا يرى ماله على غيره عدلا وما لغيره عليه غير عدل، بل يحتاج الى متميّز عن النّاس والاتباع كلّهم بخواصّ يذعنون له بها.

فذلك معنى قول امير المؤمنين، عليه السّلام: لا بدّ للنّاس من امير برّ او فاجر. وهذا من مقتضى طبيعة الانسان.

الخطبة 42

(597) وقال لجرير: صن نفسك عن خداعه. فان سلّم اليك الامر وتوجه بلقائى فاقم انت بالشام، وان تعلل ومنّى، فارجع. فلما عرض جرير الكتاب على معوية، قال معوية: حتّى اشاور اهل الشام، وافعل كذا وكذا وتعلّل، واراد مخادعة جرير، فانصرف عنه. فكتب معوية بعد انصراف جرير، على ظهر كتاب علىّ: من ولّاك حتّى تعزلنى والسلم. وبعث الكتاب الى علّى، عليه السلام.

(598) قوله: فلم ار لى الّا القتال او الكفر

قال الامام الجليل الوبرىّ: يجوز ان يكون المراد بذلك انّ النبىّ، صلّى اللّه عليه وآله، امرنى بقتال هؤلاء واضطررت الان (66 پ) الى ذلك. فان قاتلت، فهو الواجب، وان لم اقاتل، اكون كالرّاد على رسول اللّه مع التمكين.

(599) وقيل: انّ المراد بذلك انّ النّبىّ، صلّى اللّه عليه وآله، عن الغيب اخبر معجزة له.

فقال: انّ عليّا يقاتل الناكثين. فان لم يقاتل علىّ، او اراد ان لا يقاتل، كان، حاشاه، قاصدا الى تكذيب رسول اللّه، والقصد والميل الى تكذيب رسول اللّه‏

 

---------------------------------------------------------------

 صفحة 131

كفر.

(600) وقيل: الكفر جحود النعمة، والخلافة عند قوم نعمة. يقول علىّ: الّا القتال او جحود النعمة، يعنى: تضييع شرايط الخلافة وجحود نعمتها.

الخطبة 43

شرح كلامه،

(601) قيل: ان مصقلة بن هبيرة اشترى سبيا من بنى ناجية بالف الف درهم، وبنو ناجية النّصارى. وقد ارتدّوا، ثمّ اعتق النّبّى.

فطالبه امير المؤمنين بالثّمن، فلم يف مال مصقلة بذلك. وكان مصقلة يدّعى الحرّية والكرم، وظنّ انّ امير المؤمنين لا يطالبه بالمال، فطالبه امير المؤمنين بالمال. فهرب مصقلة الى الشّام. (602) قوله: خاس به، يعنى: غدر به، يقال: فلان خاس بالعهد اذ نكث، فقال: فعل فعل السّادة، يعنى اعتق السّبى، وفرّ فرار العبيد، قبح اللّه، اى ابعد، وبالتشديد سمّج. قال: ولو اقام، لقبلنا ما قال اللّه، تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى‏ مَيْسَرَةٍ. وهو مصقلة بن هبيرة بن شبل بن يثربّى بن امرء القيس بن ربيعة بن مالك بن ثعلبة بن شيبان، وكان عاملا عن جهة امير المؤمنين على المداين ثمّ على الانبار، وكان صاحب النّبىّ معقل بن قيس عن جهة امير المؤمنين، فدخل مصقلة على امير المؤمنين، وقال: ما ضرّك لو كانت هذه التكرمة عنك. وانّ مالى لا يفى بذلك. وانّ عثمان بن عفّان كان يهب الاشعث بن قيس كلّ سنة من مال اذربيجان مائة الف درهم، وانا اشرف من الاشعث، واجود منه. فقال امير المؤمنين، عليه السّلام: لا حظّ لى فى هذا المال، والمال للمسلمين، فلا بدّ من ادائه. فقال مصقلة امهلنى فامهله امير المؤمنين عشرة ايّام. ففرّ مصقلة الى الشام. فامر (67 ر) امير المؤمنين، عليه السّلام، بتخريب داره. بالمدينة، فبنا له معوية له دارا بدمشق، واكرمه، وانعم عليه.

الخطبة 44

شرح الخطبة الاخرى،

(603) قوله: غير مقنوط من رحمته، مأخوذ من قول اللّه تعالى لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 132

قوله: ولا يخلو من نعمة. مأخوذ من قول اللّه تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها. قوله: ولا مأيوس من مغفرته، مأخوذ من قول اللّه تعالى لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ. (604) قوله: ولا مستنكف عن عبادته، مأخوذ من قول اللّه: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ، وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ. (605) قوله: لا تبرح منه، ويروى: له منه رحمة، يبرح بالضمّ والفتح، والضمّ اولى. يقال برح الرّجل اذا جاء بالبرح، وهو العجب فهو مبرح.

و هو الّذى يأتى بالعجب. قال الاعشى:

         اقول لها حين جدّ الرحيل   ***   ابرحت ربّا وابرحت جارا

 

اى اعجبت وبالغت. منى لها الفضاء، اى قدّر. حلوة خضرة. الحلاوة طعم ملايم للذّوق، والخضرة لون ملائم للنّظر. يعنى فيها متمتّع من طريق الظاهر والباطن. وقوله عجلت للطالب. والتبست بقلب الناظر، اشارتان الى معايب الدّنيا.

الخطبة 45

(606) قوله: المستخلف لا يكون مستصحبا، اشارة الى انّ اللّه، تعالى، منزّه عن المكان ويحيطه [حفظه‏] وكلاءته لعباده فى السّفر والحضر اذا توكّلوا عليه.

الخطبة 46

شرح الكلام الآخر،

(607) قوله: كانّى بك بالكوفة، اخبار عن الغيب، وقد سمعه عن رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، عند قوم. وعند من جوّز كرامات الاولياء عدّ ذلك من [ا] فضل الكرامات. (608) قوله: اديم عكاظ، عكاظ سوق للعرب بناحية مكّة، كانوا يجتمعون بها فى كلّ سنة، فيقيمون شهرا، ويتبايعون ويتناشدون شعرا، ويتفاخرون. قال ابو ذؤيب:

         اذا بنى القباب على عكاظ   ***   وقام البيع واجتمع الالوف‏

 

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 133

اى بعكاظ، فلما جاء الاسلام هدم ذلك. ومنه يومى عكاظ. وقد ذكرتهما فى مجامع الامثال. واديم عكاظىّ، منسوب اليها. (609) قوله: مدّ الاديم العكاظىّ، يعنى تجزّز الكوفة ثمّ تخرب، كما يمدّ الاديم للجزّ والقدّ والقطع. وتعركين بالنوازل. اكثر البلاء الّذى وقع فى الاسلام كان مبداه من الكوفة. (610) قوله ما اراد بك جبّار سواء الّا ابتلاه اللّه بشاغل ورماه بقاتل. هذا من جملة الغيوب الّتى اخبر النّبىّ امير المؤمنين بذلك. وعند قوم ذلك اعجاز النبّى، عليه السّلام. وعند من جوّز كرامات الاولياء من كرامات امير المؤمنين.

(611) امّا الجبّار الاوّل الّذى ابتلاه اللّه بشاغل فهو زياد. وقد جمع الناس فى المسجد ليلعن عليّا، عليه السّلام، فخرج الحاجب، وقال انصرفوا، فان الامير مشغول. وقد اصابه الفلج فى هذه الساعة. وابنه عبيد اللّه بن زياد، وقد اصابه الجذام، وعبد اللّه بن مطيع، وقد اهتر، والحجّاج بن يوسف وقد تولّدت الحيّات فى بطنه، حتّى هلك. واما عمر بن هبيرة وابنه يوسف، فقد اصابهما البرص. وخالد القسرىّ، وقد حبس وطولب، حتّى مات جوعا. واما الجبار الاوّل الذى رماه اللّه بقاتل فعبيد اللّه بن زياد قتل، ومصعب بن الزّبير قتل، والمختار الثّقفى قتل، ويزيد بن المهلّب قتل على اسؤحال، وابو السّرايا، وغيرهم.

الخطبة 47

شرح الكلام الاخر،

(612) قوله: وقب ليل وغسق، وقب اللّيل دخل على النّاس، والغسق اوّل ظلمة اللّيل بعد غروب الشّفق. كلّما لاح نجم وخفق، خفقت النّجوم خفوقا غابت، واخفقت اذا توّلت للمغيب. (613) قوله: اقطع هذه النّطفة، النطفة الماء الصّافى قلّ او كثر، والجمع النّطاف وجمع النّطفة للرّجل النّطف.

الحكمة 48

شرح الكلام الآخر،

(614) قوله: [بطن‏] يروى فطن خفّيّات الامور،

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 134

اى علم، والمعنى علم سرايرها وحقايقها. (615) قوله: ودلّت عليه اعلام الظّهور، يعنى دلّت عليه الدلالات الظاهرة. قوله: فلا عين من لم يره، يعنى لا يحصل معرفة اللّه ضرورة،

قال قوم: لا يخيّله ولا يمثّله (68 ر).

(616) قوله: سبق فى العلوّ فلا شى‏ء اعلى منه.

قال قوم: هو واحد لا مثل له.

و قال قوم سبق فى الوجود، فليس له جنس عال اعلى منه.

(617) قوله وقرب فى الدنوّ فلا شى‏ء اقرب منه.

قال قوم: اى قربت باحسانه وانعامه والطافه وافعاله، وكونه عالما بكل شى‏ء.

(618) قوله: استعلاؤه باعده عن خلقه، اى انّه ليس بعال من جهة المكان والجهة، لانّه ليس بجسم ولا فى جسم، فلم يكن علوّه بعدا من جهة المكان. (619) قوله: ولا قربه ساواهم فى المكان به، لانّ قربه ليس بقرب مكانىّ. (620) قوله: لم يطلع العقول على تحديد صفته،

قيل: على تحديد صفة وجوده، فانّه لا حدّ من طريق الجنس والفصل للوجود.

و

قيل لا حدّ لوجوده من طريق الابتداء والانتهاء.

(621) قوله: ولم يحجبها عن واجب معرفته، معناه ما من عاقل الّا ويعرف انّ ممكن الوجود يحتاج الى موجد هو واجب الوجود يوجده، ومحدث يحدثه. (622) قوله: فهو الّذى يشهد له اعلام الوجود على اقرار قلب ذى الجحود.

قال الامام الوبرىّ: يحتمل انّ الادلة تدلّ على انّ اللّه، تعالى، موجود، وتقرّر فى عقل كل عاقل انّه لا بدّ للصّنع من صانع. فهذا القدر من العلم عند

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 135

كلّ عاقل انّ هذا العالم لا بدّ له من محدث. لظهور اعلام الحدث. فهذا علم جملة عند كلّ عاقل. ويحتمل انّ الكافر وان كان منكرا بلسانه الصانع، فقلبه يشهد على الصّانع، لانّه فعل محكم متقن، والدلالة تشبه بالمقرّ النّاطق مجازا.

(623) وقال قوم: شهادة اعلام الوجود ما ذكرناه من انّ ثبوت البارى تعالى وبراءته عن الصّمات لم يحتج الى تأمّل لغير نفس الوجود. وقد سبق ذلك.

الخطبة 49

شرح الكلام الآخر،

(624) امّا قوله: لو خلص الحقّ من الباطل،

قال الامام الوبرىّ: لو انّ الحقّ كان يعلم ضرورة، لخلص الحقّ من مزاج الباطل، لكن ما دام العلم نظريا، فلا بدّ من جواز الشّبهة فى ثانى الحال من العلم. فان دفعها العالم بتجديد النظر الصايب فى الادلة، استمرّ كونه عالما.

(68 پ) وان لم يفعل ذلك، زال علمه. فهذا هو لبس الباطل بالحق، وكذا لبس الحقّ بالباطل من هذا الوجه. فانّ المبطل الجاهل وان جهل الحقّ، واعتقد فى الباطل انّه حقّ، فانّه لا يجد بدّا من الدّواعى الى الحقّ لانّ اصول الحقّ مقرّرة فى العقل، فما دام عاقلا يعترض له نوازع الحقّ ودواعيه، فلا يستمرّ فى كلّ احواله خلوّا عن الحقّ، حتّى يخلص عنده الباطل والخطاء عن كلّ حق وصواب. فهذا لبس الحقّ بالباطل.

(625) وقال قوم: ما يكسب معرفته انّما يكسب بان يكون معلومات متّفقة معلومة، وان يسلك من هذا المتقدّم الى هذا المتأخّر طريق موصل اليه، فربّما يسلك طريق لا يوصل اليه، وربّما يسلك طريق موصل، فما خلص الحقّ من لبس الباطل.

و

قيل القوة الوهميّة لا يمكنها ان تتوهّم شيئا الّا بان يغيّرها الى صورة محسوسة بالمعقول الّذى ليس بمحسوس بوجه من الوجوه. فاحكام القوة الوهميّة فيه كاذبة، واحكام بديهة الوهم فى المحسوسات صحيحة، لانّ الوهم آلة العقل الى المحسوسات.

و قيل: القوة التعارفيّة الّتى احكامها الامور

 

---------------------------------------------------------------

 صفحة 136

المشهورة تبلغ من الانسان مبلغا يمنعه عن التشكّك فيها فيقوم مقام العقائد الضّروريّة. وان لم يكن كذلك، بل كان بعضها كذبا، وبعضها صدقا، فهذا معنى قوله: لو خلص الحقّ من ليس الباطل، ومعنى قوله: لو خلص الباطل من الحقّ ما بيّنّا من القوة الوهميّة فى انّ حكمها فى المحسوسات صحيحة، وفى المعقولات غير صحيحة. فبداية الوهم بعضها مقبولة.

الخطبة 50

شرح الكلام الآخر،

(626) قوله: فالموت فى حيوتكم مقهورين، يعنى: ان كنتم مقهورين، فانتم بالمعنى اموات غير احياء، كما قال اللّه تعالى: أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ، وان كنتم فى الصورة احياء، والحيوة فى موتكم قاهرين، يعنى حياتكم الطبيعيّة فى موتكم، حين انتم قاهرون. كما قال اللّه، تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ. (627) قاد لمّة، جماعة. وعمس عليهم الخبر، اى لبس بمعنى علم انّى على الحقّ، لكنّه يلبس على اتباعه. والخبر بجزم الباء، الروايه الصحيحة.

و بنصب الباء (69 ر)، الرواية الضعيفة. والخبر ليس فى الرّوايات.

(628) وقيل لعمرو بن العاص: لم قتلتم عمّارا، وقال النّبى، عليه السلام: يقتل عمّارا الفئة الباغية. فقال عمرو قتله علىّ حين امره بقتالنا.

فقال [له‏] معوية: لو كان الامر كذلك، لكان قاتل حمزة وجعفر هو النبىّ، عليه السّلام، حين امرهما بالقتال. ولكن يلتبس على اهل الشام. فلمّا قرع سمع امير المؤمنين هذا الكلام، قال عمس عليهم الخبر.

الخطبة 51

(629) قوله: لم يبق منها الاسملة كسملة الادواة، السّملة الماء القليل يبقى فى اسفل الاناء وغيره مثل السّميلة، والجمع سمل. قال ابن احمرّ: مثل الوقايع فى انصافها السّمل، ويقال سمول. قال الشاعر:

         [على‏] حميريّات كانّ عيونها   ***   قلات الصّفا لم يبق الاسمولها

 

و يقال: اسمال.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 137

قال الشاعر:

         يترك اسمال الحياض يبّسا

 

و السّملة بالضمّ مثل السّملة امر يكون لازما ويكون متعديا، وهاهنا لازم. (630) قوله: او جرعة [كجرعة] المقلة، المقلة حصاة القسم التى تلقى فى الماء، ليعرف قدر ما يسقى كلّ واحد منهم، وذلك عند قلّة الماء فى المفاوز. قال الشاعر:

         قذفوا سيّدهم فى ورطة   ***   قذفك المقلة وسط المعترك‏

 

(631) قوله: لو تمزّزها الصّديان، اى لو ذاقها. (632) قوله: حنين الولّه العجال، العجول من الابل الواله الّتى فقدت ولدها. (632) قوله ودعوتهم بهديل الحمام، الهديل الذّكر من الحمام. قال جران العود:

         كانّ الهديل الظّالع الرّجل وسطها   ***   من البغى شرّيب يغرّد منزف‏

 

و الهديل صوت الحمام قال ذو الرّمة:

         اذا اناقتى عند المحصّب ساقها   ***   رواح اليمانى، والهديل المرجّع‏

 

و هديل الحمام مشوّق لذلك. قال: ودعوتم بهديل الحمام. والهديل فرخ كان على عهد نوح، عليه السلام فصاد جارح من جوارح الطير. قالوا: فليس من حمامة الا يبكى عليه. قال الشاعر:

         وما من تهتفين به لنصر   ***   باسرع جابة لك من هديل‏

 

(633) قوله: جأرتم جوأر متبتّل الرّهبان، جأرتم فزعتم وتضرّعتم. وللرهبان (69 پ) قيام يقرأون فيه الزّبور، وكذلك سجود مع خشية وخضوع. (634) قوله: خرجتم الى اللّه من الاموال والاولاد، اى من احبّ الاموال والاولاد. لو انماثت، اى لو ذابت. (635) قوله: ما الدنيا باقية ما جزت، نافية، و«انعمه» مفعول‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 138

جزت، وهذا تفسير قول اللّه، تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها. والنعمة يقتضى فى كل وقت مجدّد شكرا ابدا. فلهذا لا يقضى حق المنعم ابدا، وكلما تجدّد وقت، فللّه فيه نعم مجددة يجب عليها شكر مجدّد. فان شكرت نعمه فى وقت، تجدّد وقت آخر له، تعالى، فيه نعمة، ويجب عليها شكر.

الخطبة 52

شرح الكلام الاخر،

(636) قوله: فتداكّوا، اى اجتمعوا. خلعت مثانيها، المثناة الحبل، وجمعها المثانى. (637) قوله. قلّبت هذا الامر ظهره وبطنه، هذا مثل للعرب يقول: قلّبت الا [مر] ظهرا لبطن.

قال الهروىّ: معناه رجع اليه الامر مرّة بعد اخرى واللّام فى «لبطن» بمعنى «على»، ومعناه قلّب ظهر الامر على بطنه حتّى علم حقايقه.

الخطبة 53

(638) قوله: على اللّقم، لقم الطريق سواء السّبيل. (639) قوله: ملقيا جرانه، جران البعير مقدّم عنقه من مذبحه الى منحره، وكذلك من الفرس. والقاء الجران كناية عن النزول والمقام. يقال القى جرانه.

الخطبة 54

شرح الكلام الآخر،

(640) قوله: سيظهر عليكم بعدى رجل رحب البلعوم، يخاطب اهل الكوفة. وهذا الخبر من الاخبار الّتى تدلّ على معجزة النّبى، عليه السّلام، كما تقدّم. البلعوم مجرى الطّعام والشّراب. مندحق البطن، اى عظيم البطن. عنى به زيادا، وكان عامل امير المؤمنين حتّى قتل امير المؤمنين، وفى يديه مال الاهواز، فالتجأ الى الشّام. فلما استولى على الكوفة، جمع النّاس فى المسجد، ليأمرهم بلعن علّى، عليه السلام، فخرج حاجبه: وقال: انصرفوا فانصرف النّاس، وقد اصابه الفلج حين خرج الحاجب وامر النّاس بالانصراف. (641) قوله: امّا السبّ فسبّونى، انما رخّص فى سبّه من (70 ر) طريق التأويل والتعريض دفعا للضّرر عن المسلمين، وقد رخّص النبىّ،

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 139

عليه السّلام، مثل ذلك لسليك واصحابه، حين بعثهم الى كعب بن الاشرف اليهودىّ، ليقتلوه. فقال سليك: يا اخى يا كعب انزل فقد اصابنا الضرّ والقحط بسبب هذا الرّجل. وهذه صورة الشكاية، وليست فيها شكاية وذمّ على التحقيق.

فرخّص امير المؤمنين مثل ذلك. وامّا التّبّرى فهو توطين النفس على المعادات والانسلاخ من الموالات. وذلك حرام لا يجوز، لانّ معاداة من هو من اولياء اللّه معاداة اللّه ورسوله. (642) قوله: فانّى ولدت على الفطرة، اى من اوّل حال تكليفى الى يومنا، هذا، انا على الدّين والهدى. فلا مدخل للتاويل فى التبرّى منّى، ولا سبيل اليه بحال.

و قيل: معنى قوله: انّى ولدت على الفطرة، اى كان نشوى وولادتى عند رسول اللّه مع رسول اللّه. فان رسول اللّه ربّاه والعباس بن عبد المطلب ربّى اخاه، بسبب كثرة عيال ابى طالب.

و

فى الحديث كلّ مولود يولد على الفطرة، قيل اى على التوحيد. وقال محمد بن الحسن الشيبانىّ هى الخلوّ من العقائد فى حال الصّبى. وقال قوم هى الميثاق الاول.

الخطبة 55

شرح الكلام الآخر،

(643) قوله: اصابكم حاصب، دعا عليهم، ولا بقى منكم آبر. الكوفيون يكثرون عمارة النّخيل. يقال ابر فلان النخل، اى لقّحه واصلحه. قال طرفة.

         ولى الاصل الّذى فى مثله   ***   يصلح الآبر زرع المؤتبر

 

(644) قوله: اشهد على نفسى بالكفر،

قيل: يحتمل ان يكون معناه انّ الخوارج قدحوه بالكذب على رسول اللّه فى حروبه واجراء احكامه فى الطوايف المختلفة

و كان يقول امير المؤمنين لا احدث امرا فى الدين، الا بامر رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم. فقال: لو افتريت على رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وآله، فى حكم من الاحكام، ونسبت اليه قولا لم يقله، لكان ذلك تلبيسا فى الاسلام. والمعنى الثانى ظاهر. وذلك انّ الخوارج زعموا انّ عليّا،

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 140

حاشاه، كفر بسبب التحكيم، وقيل له: اشهد على نفسك بالكفر واسلم، حتى نبايعك ونوافقك ونتحوّط فى سلك حشمك وجنودك. فقال مجيبا لهم. وذلك مذكور فى التواريخ.

الخطبة 56

(645) قوله: خوّف من الغيلة، الغيلة بالكسر الاغتيال يقال قتله غيلة، وهو ان يخدعه فيذهب به الى موضع، فاذا وصل اليه قتله.

الخطبة 57

(646) قوله: دار لا يسلم منها الا فيها،

قيل معناه من استحقّ العقاب لا يمكنه تخلّص نفسه منه، اذا خرج عن دار التكليف. انّما الخلاص موقوف على دار التكليف، فعبّر عن زمان التكليف بالدّنيا.

(647) قوله: ولا ينجى بشى‏ء كان لها،

قيل معناه كل فعل مقدور للعبد منتفع به فى الدنيا يتعجّل نفعه، اذا قصد فاعله ان ينتفع به عاجلا، فبذلك الفعل لا يجوز ان يستحق ثوابا او يدفع به عقابا. ويستوى فى هذا القسم الفعل الراجع الى الدّنيا والراجع الى الدّين. لانّ الفعل الدّينىّ اذا قصد فاعله نفعه العاجل، صار ذلك الفعل كالّذى يرجع الى الدّنيا. فهذا معنى قوله: ولا ينجى بشى‏ء كان لها.

و قال قوم النفوس المغموسة فى عالم الشهوات المنحوسة الّتى لا مفاصل لرقابها المنكوسة لا يسلم من تلك الهيئات الا بالرياضة فى دار الدّنيا. فإنّها اذا فارقت الدّنيا، بقيت تلك الهيئات الانقياديّة معها، ويكون تلك الهيئات اسبابا لعقوبتها فى دار الاخرة.

الخطبة 58

(648) قوله: جدّ بكم، اى اخذتم بالجدّ، ويروى جدّ بكم السير. (649) قوله: وتهدمها الساعة، يعنى ساعة الموت. سمّيت القيامة ساعة، لانّه تفجأ الناس فى ساعة، فيموت الخلق بصيحة واحدة.

و قيل هى من ساع الماء والشراب يسيع سيعا وسيوعا، اى اضطربت على وجه الارض، والناس يضطربون عند الحشر والخروج من الاجداث.

و

قيل اخذت من قولهم ناقة مسياع يذهب فى المرعى، فسمّيت القيامة ساعة، لانّ النّاس يذهبون الى مأويهم: امّا الى الجنّة و(71 ر) وامّا الى النار.

و اصل الساعة الوقت [الحاضر]

---------------------------------------------------------------

 صفحة 141

فى الدّنيا، والجمع السّاعات والسّاع. فسمّى كلّ وقت حاضر ساعة. الوقت الحاضر فى الدّنيا لقوم احيآء دون قوم اموات، وفى القيامة يحشر الخلايق كلّهم، فيكون الوقت الحاضر. (650) قوله: فتزوّدوا فى الدّنيا من الدّنيا. صرف المال والجسد فى سبيل اللّه من الدّنيا، فالمال من زينة الحيوة الدّنيا. (651) قوله ويمنّيه التوبة ليسوّفها.

فى بعض الكتب: انّ الشيطان يوسوس فى صدور الرّجل، ويقول: ان تبت ثمّ رجعت الى الذّنوب، كانت توبتك مردودة، فاخّر توبتك، حتّى تتوب توبة نصوحا، لا تعود بعدها الى ذنب.

فيموت الرّجل على غير توبة، نعوذ باللّه من تلك الحالة.

(652) قوله: ان يكون عمره عليه حجة، مأخوذ من قول اللّه، تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ، وحاكم التّدبير.

الخطبة 59

شرح الخطبة الاخرى،

(653) قوله: الّذى لم يسبق له حال حالا، الى آخر الخطبة،

قال الامام الوبرىّ: المراد بقولنا: اوّلا، اى قديم لا اوّل لوجوده، وكونه آخرا، معناه انّه موجود حين يعدم ساير الاشياء. وانما يكون موجودا حينئذ لكونه قديما. فكونه اوّلا وآخرا فايدته واحدة، وهو انّه قديم يجب وجوده فى كل حال. ووجوده فى كل حال وجود واحد، الّا انّ اللّفظ يتغيّر بالاوّل والاخر. واللفظ منسوب الى غيره، والتّبدّل مضاف الى غيره، لا الى ذاته. وهو انّه موجود قبل وجود الاشيآء، وموجود فى حال عدمها بعد وجودها، ولذلك لم يتغيّر له حالة فى حالتى وصفنا ايّاه بالاوّل والاخر. فلم يكن كونه اوّلا، قبل كونه اخرا، لانّ ما هو عليه فى كونه اوّلا هو بعينه فى كونه آخرا.

(654) قوله: ويكون ظاهرا قبل ان يكون باطنا،

قال الامام الوبرىّ: الظاهر له معنيان، احدهما معلوم بكثرة الادلّة كالمعلوم مشاهدة، فشبّه بالظاهر للحواسّ.

(71 پ).

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 142

و الثانى انّه قادر على كل شى‏ء، لقوله تعالى: يا أَيُّهَا.

و امّا الباطن فى صفاته فيفيد فايدتين: احدهما انّه لا يعرف بالحواسّ، وانما يعرف بالعقل.

و الثانّى انّه عالم بخفيّات الامور وسرايرها.

فعلى كلى القولين كونه ظاهرا وباطنا فى حالة واحدة، لانّه فى حال كونه عالما ببواطن الامور، قادر على كل شى‏ء قاهر له.

(655) قوله كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل، لانّ معنى الوحدة فى المخلوقات انّه منفرد عن جنسه، كالجوهر الواحد، والرجل الواحد. ومعنى الوحدة فى صفات اللّه، تعالى، انّه يستحيل ان يكون غيره الها، وتوحّده بالقدم. (656) قوله: وكلّ عزيز غيره ذليل. لانّ العزيز هو الّذى لا يمنع عن مراده، والعبد ممنوع عن اكثر مطالبه ومراده. ويستحيل المنع على اللّه، تعالى، والذلّة المنع عن المراد. (657) قوله: وكلّ قوىّ غيره ضعيف، كلّ قوىّ فى المخلوقات يلحقه العجز والضّعف عن قريب. (658) قوله: كلّ مالك غيره مملوك، لانّ المالك هو القادر على التصرّف الحسّىّ. وقدرة العباد واستطاعتهم من اللّه، تعالى، فيكون كلّ مالك من العباد مملوكا. (659) قوله: كلّ عالم غيره متعلّم، لانّ غيره يستفيد علمه بعد ما لم يكن. واللّه، تعالى، فيما لم يزل ولا يزال. (660) قوله: كلّ سميع، لانّ الموانع والآفات مقصور جوازها على الحواسّ، وكلّ من ادرك بحاسة، جاز ان يلحقه النقايص، فيؤثّر فيه المدرك اذا كثر وغلب، ولا يقصر عنه اذا قلّ. واللّه، تعالى، منزّه عن الحاسّة، فيستوى فى ادراكه القليل والكثير، فلا يفوته القليل ويضرّه الكثير.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 143

(661) قوله: وكلّ ظاهر غيره غير باطن، لانّ المحسوس اذا لم يكن دونه مانع، والحىّ المدرك على السلامة، فهو ظاهر، ومع ظهوره لا يصحّ ان لا يدرك فى هذه الحالة. (662) وهكذا قوله: وكلّ باطن غيره غير ظاهر. (663) قوله: لم يحلل فى الاشيآء،

قيل (72 ر) الحلول فى الاشياء من امارات الاعراض، ويقال ذلك بالمجاز فى حق الاجسام. واذا كان اللّه تعالى قديما، استحال حدوثه، والحلول تبع الحدوث، فيستحيل حلوله. ويستحيل عليه المجاورة، لانّ المجاورة من لوازم الاجسام. وما استحال عليه القرب، استحال عليه البعد، لانّهما موقوفان على الجسم والعرض توسّعا. فاذا كان كذلك، فكما لم يجز ان يكون اللّه، تعالى، فى الاشياء من طريق الحلول، ولا مع الاشياء من طريق المجاورة والمصاحبة، لم يجز ان يكون خارج الآشياء باينا عنها، لانّه يقتضى كونه شاغلا للجهات. فاذا استحالت الجسميّة عليه، استحال مقتضاها.

(664) قوله: لم يؤدّه خلق ما ابتدأ ولا تدبير ما ذرأ، لانّ احداثه للافعال من غير احتياج الى آلة. والتعب والاعياء من حكم الآلات والجوارح. (665) قوله: ولا ولجت عليه شبهة فيما قضى وقدّر، لانّه عالم بكل معلوم، وعامل ما هو كاين وما يكون وما لا يكون. وانّما يتردّد فى الفعل من لا علم له به قبل ايجاده. (666) قوله: المامول مع النّقم المرهوب مع النعم، لانّ اليأس انّما يقع من المنتقم اذا كان ينتقم عن حقد وضغن، لا عن حكمة وعدل، فلا يجوز ان يطمع فى غيره ما دام منتقما. فكذا انعامه واحسانه، اذا فعله لشهوة ولذة فى ذلك وطلب كمال. فامّا اللّه، تعالى، فانّ عقابه يصدر عن علم وحكمة وصلاح يعلمه للعباد. والمصالح تختلف فى الدّنيا بحسب الاوقات. فقد يقتضى الحكمة والعدل تشديدا على عبده فى هذا الوقت، و

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 144

يقتضى تسهيلا عليه فى الثّانى، ويقتضى تسهيلا عليه وترفيها له فى هذا الوقت، وتشديدا عليه فى الثانى. واذا كانت افعاله مقصورة على الحكمة والعدل والرحمة، وجب ان يكون مامولا مع النّقم مرهوبا مع النعم.

(667) وقال قوم فى معانى (72 پ) هذه الالفاظ: هو باطن باعتبارنا لا من جهته، وظاهر باعتباره ومن جهته. واذا تامّلت صفة قطعك ذلك عن صفات البشريّة، وقلع عرقك عن مغرس الامور الجسمانيّة، فوصلت الى معرفة الذات من حيث لا يدرك، فالتذذت بان تعرف ما لا يدرك، فذلك الظاهر فى الافق الاعلى وعالم الرّببيّة، الباطن عن الافق الاسفل وعالم البشريّة. فهو اوّل من جهة انّه يصدر عنه كلّ وجود لغيره اما بواسطة او بغير واسطة، وهو اوّل من جهة انّه اولى بالوجود، وهو اوّل من جهة انّ كلّ زمانى ينسب اليه، والزمان وما فى الزمان منسوبان الى ايجاده واحداثه. وهو آخر، لانّ الاشياء اذا نسبت الى اسبابها ومباديها، وقف عليه المنسوب، وهو آخر لانّه الغاية الحقيقيّة فى كلّ طلب، وكلّ طالب حقيقى يطلبه.

الخطبة 60

(668) قوله: اكملوا الّلأمة، الّلأمة الدّرع. وهذا كلام بلغ من آداب الحروب كلّ مبلغ. (669) قوله: نافحوا بالظّبا، يعنى كافحوا، ويقال نفحه بالسيف اى تناوله من بعيد. (670) قوله: انتم بعين اللّه، اى فى حفظ اللّه ودفاع المكاره عنكم.

قال اللّه، تعالى، أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ، اى فى حفظى. (671) قوله: مشيا سجحا، يقال: مشية سجح اى سهلة، وكلّ شى‏ء مستقيم، فهو سجح. (672) قوله: بالسواد الاعظم، السّواد الاعظم كلّ عدد كثير، مأخوذ من قولهم: لفلان سواد، اى مال كثير. و

قيل: سواد الناس عوامّهم. اى اتّبعوا ما اجتمع عليه العدد الكثير، يعنى اجماع الامّة. وقال رسول اللّه، صلّى اللّه عليه‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 145

و آله: لا يجتمع امّتى على الضّلالة. ولذلك يقال للبلدة التى فيها عدد كثير: السّواد الاعظم.

قوله: اضربوا ثبجه، اى اعلاه. (673) قوله: ولا [استعانة على‏] ندّ مثاور، المثاورة الملاطمة والمراكلة والمراكلة والمخاصمة. قوله: فملكت عليه اى شدّدت وضيّقت البلدة عليه. قال الشاعر:

         ملكت بها كفّى فانهزت فتقها   ***   يرى قائم من دونها ما ورآءها

 

و

قيل: ملكت عليه (73 ر) اى اخذت المملكة منه.

(674) قول: صمدا صمدا، اى قصدا قصدا. لن يتركم اعمالكم اى لن ينقصكم فى اعمالكم، كما تقول: دخلت البيت، والمراد دخلت فى البيت. والاصل وتره حقّه اى نقصه.

الخطبة 61

شرح الكلام الآخر،

(675) قوله: الثّقيفة، صفّة بنى ساعدة كانوا يجلسون فيها.

الخطبة 62

قوله: هاشم بن عتبة يلقّب بالمرقال لسرعته فى الحرب.

الخطبة 63

شرح الكلام الآخر،

(676) قوله: البكار، الابل التى فسد سنامها. يقال عمد البعير اذا انفضح داخل سنامه من الركوب، فظاهره صحيح، فهو بعير عمد.

قال لبيد: يصف مطرا اسال الادوية:

         فبات السّيل يركب جانبه   ***   من البقار كالعمد الثقال‏

 

يعنى: انّ السيل يركب جانبيه سحاب، اى احاط به سحاب من نواحيه بالمطر. (677) قوله: اطلّ بالطّاء، والظاء يروى، والمنسر الخيل، انجحر دخل الجحر. (678) لا ارى اصلاحكم بافساد نفسى، فيه اشارات للحكماء، و

قال واحد من الحكماء: هذا الكلام فهرس فصول مكارم الاخلاق، فانّ من الناس‏

 

---------------------------------------------------------------

 صفحة 146

فئة لا يقبلون التأديب والتهذيب، فيحتاج مقوّمهم ومؤدبهم الى استعمال القوّة الغضبيّة على وجه يخرج عن حدّ الاعتدال. فالاعراض عن هؤلاء اولى من الاشتغال بتهذيبهم فانّهم لا يقبلون التهذيب.

الخطبة 64

املصت اى ازلقت. ورشاء ملص، اذا كانت الكفّ تزلق عنه. قال الشاعر:

         فرّ واعطانى رشاء ملصا   ***   كذنب الذّئب يعدّى هبصا

 

و املصت المرأة بولدها اسقطت، يعنى مات ولدها، ثمّ مات قيّمها اى زوجها، ثمّ طال تأيّمها، وورثها ابعدها اى ذوو ارحامها، فانّهم ابعد الورثة، وهم بعد اصحاب الفروض والعصبات، فهم الدرجة الثالثة فهم ابعد الورثة. (679) شرح الكلام الاخر، قوله ما اتيتكم اختيارا، ولكن جئت اليكم سوقا،

قيل معناه: ساقونى اليكم سوقا. اخبر عن كراهية مجاورتهم.

و انما خرج امير المؤمنين، عليه (73 پ) السلام، بالمدينة بسبب انّ اهل المدينة يذمّونه، ويصيحون خلفه بابيات فيها ذمّه، كما ذكره ابن جرير فى تاريخه.

و قيل خرج امير المؤمنين من المدينة ومحمد بن الحنفيّة بين يديه، واهل المدينة يصيحون خلفه، ويقولون:

         يا رب اعقر لعلىّ جمله   ***   ولا تبارك فى بعير حمله‏

 

فلما سمع امير المؤمنين، عليه السّلام، ذلك قال تعوّد المدنيون سوء الادب، ولا اعود اليهم ما عشت.

و اللهجة اللّسان، وعنى بها نفسه، يريد انّهم يجهلون حاله وصدقه ومنبته. وقد يعبّر عن الجهل بالغيبة. قال الشاعر:

         شهدت جسيمات العلى وهو غائب   ***   ولو كان ايضا حاضرا كان غايبا

 

(680) قوله: ولم يكونوا من اهلها، اى من اهل المتابعة، من هو من اهل الدّين والتّقوى. و

قيل: معناه انها لهجة اى كلمة، يعنى تصديقى كلمة غبتم عنها، يا اهل الكوفة، اى ما حضرتم فى ابتداء مبعث النّبى، عليه السّلام، وما كنتم من المهاجرين والانصار.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 147

(681) قوله: كيلا، اى اكيله كيلا، يعبّر لمن لو كان له قابل ومحل ووعاء. ولكن لا تعرفون قدرى وقدر كلامى وقدر ما ادعوكم اليه. وروى عن عيسى انّه قال: عليه السلام: لا تضعوا الحكمة عند غير اهلها، فيظلموها، ولا تمنعوها اهلها فتظلموهم. و

قال واحد من الحكماء: القمتك قفىّ الحكم فى لطايف اللّقم، فصنه عن الجاهلين، ومن لم يرزق الفطنة الوقّادة.

الخطبة 65

شرح الخطبة الاخرى،

(682) قوله: الجبل، الخلق على الاستعداد، لذلك قال: شقيّها وسعيدها. قوله: المعلن الحقّ بالحقّ

قال الامام الوبرىّ: اعلن الشّرع الحقّ بسبب تحصيل رضوان اللّه الحقّ

و

قيل اعلن الشّرع بالمعجزات،

و

قيل اعلن الدّين الحقّ باللسان الحقّ والبرهان الحقّ.

(683) (قوله:) مقبول الشّهادة، مأخوذ من قول اللّه، تعالى: وَجِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً، مرضىّ المقابلة، يعنى الشفاعة، خطّة فصل، اى امر فصل. (74 ر).

الخطبة 66

شرح الكلام الآخر،

(684) قوله: انّها كفّ يهوديّة، اى لا يوثق بقوله وبيعته، فعبّر عن نكثه للعهد باليهوديّة، لان الغدر فى اليهود امر مشهور و[لهم‏] عرق نزاع. (685) قوله: لغدر باسته او بسبته، اى لو انسدّت عليه ابواب الخيانة، وامكنه من حيث لا يتوقّع، لما قصر، ويروى لغدر بقلبه، وهو الاصحّ. (686) قوله: اما انّ له بذلك امرة كلعقة الكلب انفه، يعنى قليل المدّة لا انتفاع له بذلك الامارة.

و بيان ذلك انّ مروان لما مات ابو ليلى معوية بن يزيد بن معوية، واضطربت الشّام، ومال بعض الناس الى خالد بن يزيد، وبعضهم الى عبد اللّه بن الزّبير، همّ مروان بالمسير الى عبد اللّه بن الزبير، والمبايعة له، فمنعه عن ذلك عبيد اللّه بن زياد خوفا من ان يقتل عبد اللّه بن الزبير عبد اللّه بن الزياد،

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 148

بسبب قصاص الحسين بن على، عليه السلام. فدعا النّاس الى بيعة مروان، فاجتمعوا عليه، وبايعوه. وقد هرم مروان، وتزوّج امّ خالد بن يزيد، وعد خالدا ان يفوّض الامارة اليه بعد بلوغه، وخالفه الضّحاك بن قيس، وكان مايلا الى ابن الزبير، وجرت محاربة بين مروان والضّحّاك بمرج راهط، وقتل الضّحاك.

ثم جعل مروان ولىّ عهده ابنه عبد الملك، وكانت امارته من مروان فى بعض بلاد الشام. لانّ الامارة كانت فى هذا الا وان لعبد اللّه الزبير فى الحجاز واليمن والعراقين وخراسان والمغرب وبعض بلاد الشّام، ولم يكن فى ولاية مروان الا دمشق ونواحيها. فلما قتل الضحّاك، تخلّص له الشّام. وكانت مدة امارة مروان كما ذكرها ابو جعفر محمد بن الحسن الخازن فى جداول تاريخه اربعة اشهر، وكانت كما قال امير المؤمنين فى قصر المدّة كلعقة الكلب انفه. قال: وهو ابو الاكبش الاربعة. اولاد مروان: عبد الملك وعبد العزيز (74 پ) والد عمر بن عبد العزيز ومحمد والد مروان الحمار، وبشر. والكبش سيّد القوم واميرهم، الاكبش الامراء. ولمروان ابناء اخر، لكن الاكبش يعنى الامراء هؤلاء. ولعبد الملك اولاد. الاكبش الاربعة الامراء، الوليد بن عبد الملك [و سليمان ويزيد وهشام‏]. (687) يوما احمر، اى بلاء، كما يقال: موت احمر، يقال: سنة حمراء شديدة.

الخطبة 67

(688) قوله: انا حجيج المارقين، يقال حججته حجّا، فهو حجيج، اذا سبرت شجّته بالميل لتعالجها. قال الشاعر: يحجّ مامومة فى قعرها لجف. والمارقون الخوارج، سمّيت لانّهم مرقوا من الدين كما مرق السّهم من الرّمية. (689) قوله: ولما وعظهم اللّه، اى الّذى [على كتاب اللّه‏]. (690) قوله: تعرض الامثال،

قال الامام الوبرىّ: اى صفات‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 149

المؤمنين، معناه انّ احكام المؤمنين توخذ من كتاب اللّه. فمن شهد الكتاب له باحكام المؤمنين فى الدّنيا والجزاء عند اللّه فى الآخرة يظهره اللّه يوم القيامة.

فهذا معنى قوله: وبما فى الصّدور، يجازى العباد.

و

قيل: معناه انّ الاصل فى الثّواب والعقاب واستحقاقهما التّصديق والتّكذيب، ومهما يستحقّ العبد الثّواب الدائم والعقاب.

الخطبة 68

(691) قوله: رمى غرضا، واحرز عوضا، التّكليف ينقسم الى عقلىّ وسمعىّ. فالعقلىّ منها ما ينبغى ان يفعل على وجهه الّذى وجب وحسن. واما الشرعىّ فللثّواب مدخل فى وجه حسنه. ولهذا يجب علينا ان ننوى الثّواب فى اقامة الصّلوة والصيّام وساير العبادات الشرعيّة، كما يجب علينا به العبادة والصّلاح. فقوله: رمى غرضا واحرز عوضا، يجوز ان يكون اشارة الى كون الثّواب غرضا فى الشرعيّات وداعيا الى العقليّات. و

قال قوم: الغرض هاهنا ليس بمعنى الهدف، وانّما هى استعارة، فالغرض الاوّل تنحية ما دون الحقّ عن مستنّ الايثار، والثّانى تطويع النفس الامّارة للنفس المطمئنّة. والثالث تلطيف السرّ للتنبيه. والغرض الاوّل يعين عليه الزّهد الحقيقىّ. والغرض (75 ر) الثانى يعين عليه العبادة المشفوعة بالفكرة، ثمّ الالحان المستخدمة، ثمّ نفس كلام الواعظ من قايل زكى بعبارة بليغة ونغمة رخيمة وسمت رشيد. واما الغرض الثّالث فيعين عليه الفكر اللّطيف. فهذا معنى قوله: عندهم رمى غرضا واحرز عوضا.

و العوض خلسات من اطلاع نور اليقين يتبع هذه الاغراض.

الخطبة 69

شرح الكلام الآخر،

(692) قوله: لانفضنّهم نفض اللّجام الوذام التّربة، ويروى نفض القصّاب.

قال ابو عبيد: الوذام واحدها وذمة، وهى الحزّة من الكبد والكرش. ومن هذا قيل لسيور الدّلاء الوذم، لانّها مقدودة طوال.

قال: والتّربة الّتى قد سقطت فى التّراب فتترّبت، فالقصّاب ينفضها.

و

قيل واحدة الوذام وذمة، وهى الكرش، لانّها معلّقة، قال: والوذم ايضا لحمات يكون فى رحم النّاقة يمنعها عن الولد. فاذا عولج ذلك منها، قيل وذمّتها

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 150

توذيما. يقول: ان وليتها ازلت بالتّاديب والتّهذيب الانجاس والادناس.

و القصّاب القطّاع، ويقال سمّى قصّابا لتفريقه الاقصاب، وهى الامعاء.

الخطبة 70

(693) قوله: ما رأيت من نفسى، اى ما وعدت.

الخطبة 71

شرح الكلام الآخر،

(694) قوله فى تهجين احكام النجوم، فنقول: صادر عن اليقين والبرهان، فانّه لا طريق للمنجّم الى معرفة السعادة والنّحوسة المتعلّقان بالزّمان. وانا اذكر فى هذا النوع فصولا يتضمّن شروح هذه الكلمات، ان شاء اللّه تعالى.

(695) اقول: كيف يمكن ان يكون انسان يعرف الحوادث واسبابها فى الحال، حتّى يعرف المسبّبات فى المستقبل، كما فى الجزر والمدّ. ومن ادّعى انّه يعرف اسباب الكاينات، فمقدّماته ليست برهانية. وانما هى تجربية او شعريّة او خطابيّة مؤلفة من المشهورات فى الظاهر او المقبولات او المظنونات.

(696) ومع ذلك فلا يمكن ان يتعرّض الا لجنس من اجناس الاسباب، وهو تعرّض بعض الاسباب (75 پ) العلوية. ولا يمكنه ان يتعرّض جميع الاسباب السّماويّة والقوابل. واذا تغيّرت القوابل عن احوالها، تغيّر اثر الفاعل فيها. فانّ النّار فى الحطب باليابس تؤثّر تأثيرا لا تؤثّر فى الرماد.

(697) ولو سلّمنا انّه عرف تفاصيل الاسباب، فحصول المسبّبات لا يعرف بهذا العلم الاوّل، كحصول الاحتراق من النّار فى هذه الحالة، لا يعرف [الّا] بمعرفة ملاقاة القوّة الفاعلة المحرقة المسخّنة الّتى للنّار، والقوّة القابلة التى للحطب.

(698) فكما ان معرفة الاسباب الفاعليّة شرط، فكذلك معرفة القوابل، وبقائها على استعداد القبول شرط. ويمكن ان يكون للقابل عوايق، فلا يعلم تلك الاسباب والمسبّبات الا اللّه، تعالى.

(699) واقول: فالحركات من المقادير المتّصلة وقد قام البرهان‏

 

---------------------------------------------------------------

صفحة 151

الهندسىّ على انّ التشكّلات الفلكيّة لا يقع على نسق واحد، فيكون فى كلّ زمان تشكّل آخر. واذا كان كذلك، لا يكون التشكّلات مجرّبة، فلا يحكم بالتجربة فى احكام النّجوم.

(700) واقول: المنجّم يحكم على مفردات الكواكب، ولا يحكم على جميعها ممتزجة. وكما انّ احكام مفردات التّرياق وساير المعاجين غير احكام المركّب الّذى حصلت له صورة نوعيّة، كذلك حكم الكواكب الموجودة المذكورة فى الافلاك غير افرادها. واذا لم يمكن للمنجّم الحكم الا على المفردات، كان الحكم ناقصا غير موثوق به.

(701) فسل المنجّم وقل: فى هذه الساعة الشمس فى الاسد يقتضى كذا، والزّهرة فيه ايضا يقتضى كذا، وعطارد مع زحل فى السنبلة يقتضى كذا، والقمر فى السّرطان يقتضى كذا، والمرّيخ فى السنبلة يقتضى كذا، والمشترى فى الجدى يقتضى كذا، وجميع هذه التشكّلات اىّ شى‏ء يقتضى، وكما انّ الترياق، وهو مجموع الادوية، يقتضى كذا وكذا، وكلّ مفرد من عقاقيره يقتضى شيئا خاصّا.

(702) وقد ذكرت فى رسالة نار الحطاحب  من انشائى انّه قد اتّفق علماء الاسلام (76 ر) والحكماء القد مآء على انّ بيان احكام النجوم ضعيف البنيان قليل الرّجحان بيّن النقصان عديم البرهان. ان حرّكته بالبحث والامتحان، طار، وان ربطته بالتجربة، فرّ وسار، فهو يفرّ كالسّراب ويمرّ مرّ السّحاب. صاحبه اخفّ ومن ريشة منتوفة. ولو بدّل اللّه قمّله اغناما، لما طمع جاره منها فى صوفة.

(703) وبيان ذلك انّه ربّما يحصل التّوأمان معا فى غشاء، فيكشف عنهما، فاذا فيه صبيّان حيّان. وعلى قوانين الاحكاميين يجب ان يكون مثلين فى الصورة والعمر والحركات، حتّى لا يجوز ان يختلفا فى شى‏ء من الاشياء، ولا يجوز ان يسكت احدهما فى وقت كلام الآخر، ولا يقوم فى وقت‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 152

قعود الاخر ولا ينام فى وقت لا ينام فيه الآخر. واذا ادخلا بيتا له باب ضيّق فلا يمكنهما الدخول، لانّه لا بدّ هاهنا من التقدّم والتأخّر. ولا يجوز ان يمسّ انسان احدهما دون الآخر. ولا يجوز ان يكون فى التزويج امرأة احدهما غير امراة الآخر، ولا يجوز ان يكون مكان احدهما غير مكان الآخر من الارض. وهذا ممّا لا يخفى فساده.

(704) وايضا فانّ الحكم الكلّىّ عند اكثرهم يغلب الجزئىّ.

الا ترى انّ طالع ناحية او بلد اذا كان فاسدا، فانّه لا يفيد عطيّة الكد خذاه لانسان، فكيف يعتمد على الطوالع والاختيارات مع نفى العلم بالكلّيّات.

(705) ومن شنيع قولهم انّهم يقولون: اذا ولد لملك فى حال ولد لسوقىّ ولد، فان الكواكب يدلّ لابن الملك بخلاف ما يدلّ لابن السوقى مع اتّفاقهما فى كمّيّة العمر، لانّ هيلاجهما وكد خذاهما لا يختلفان. فاذا جاز ان يكون دلالة النّجوم مختلفة، واختلفوا [فى سعادة هذين الولدين، فما انكروا ان يكون مقادير اعمارهما ايضا مختلفة. واختلفوا] فى الحدود ومرجع التسيير الى الحدود، ولا برهان لهم على تعيين الحدود. واختلفوا فى مقوّم الكواكب فى اختلاف الزيجات، فلا برهان على فساد بعضها وصواب بعضها. فربّما يوجد فى مقوّم الشمس من التفاوت خمس درج (76 پ)، ويختلف درج الطّوالع، وبروج التحاويل، بسبب ذلك فيفسد الاحكام. واختلفوا فى مطارح الشّعاعات، ولا برهان على صحّة بعضها، وعليها مبانى الاحكام. واختلفوا فى التسيير المستقيم والمعكوس وتسيير الكواكب الّذى فى السابع بمطالع النظير ومطالع برجه. ولا حجة لهم على استقامة بعض الاقوال دون بعض، وبذلك يفسد ثلث الاحكام.

(706) ويرعمون انّ الكواكب المتحيّرة فى الميلاد ربّما لا يدلّ على سعادة المولود، لسقوطها ولرجوعها ولنحوسها. فاذا كان مع ذلك ثابت سعد فى العظم الاوّل فى درجة الطالع، او درجة وسط السّماء، بلغ المولود غاية

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 153

فى السعادة.

(707) وبذلك يبطلون دلايل الكواكب المتحيّرة والبروج. وذلك نوع تعسّف ايضا. لانّهم يقولون من شرايط ذلك ان يكون الثابت على درجة الطالع او درجة وسط السماء او درجة النيّرين، ولا طريق لهم الى معرفة درجة الطالع ومقّوم النيّرين بحسب اختلاف الزيجات.

(708) ونقول لهم: الكواكب الثابتة هل يدلّ على طول العمر، وهل له سنون، كما يدلّ على السعادة والجاه. فان قالوا: يدلّ على الاعمار، نطالبهم باعداد اعوام ثابت. وان قالوا: لا يدلّ، قلنا: كيف ينال السعادة والشّرف مع فقدان البقآء، ويلزمهم ان يقع الثابت على درجة الطالع او وسط السماء والنيّرين، ولا ينال المولود العمر، فلا ينال الشرف والسعادة، فيبطل حكم الثابت ايضا بالمتحيّرة وحكم المتحيّرة بالثابتة. ولا فساد وراء ذلك.

(709) نقول لهم ما تقولون فى الملكين يحاربان، كل واحد منهما سأل منجّمه فى حالة واحدة عن خصمه، فاتّفقت درجة الطالع فى سئوالهما.

فالبرج السّابع دليل الخصم، وهو فى الطالعين واحد، والبرج الثانى دليل العسكر والاعوان، وهو فى الطالعين واحد. والبرج الثامن دليل اعوان الخصم، وهو فى الطالعين واحد. فكيف يصحّ الحكم لهذين المنجّمين على سؤال (77 ر) هذين الملكين، ويعرض هذا السّؤال فى ملكين لا يعرف طالع ولادتهما.

و من هذا يعرف انّ الكواكب فى زمان هذين السّؤالين لا يدلّ على شى‏ء من المقصود. وهذا التعطيل لا يجوز على مذهب الاحكاميين.

(710) ولو سالهم انسان عما فى يده، وقال القيه من يدى فى ساعتى ام لا، فعلى اىّ الطّرفين حكموا. فلا يعجز السايل ان يخالفهم ويبطل احكامهم. فان قالوا: ذلك يبقى فى يديه ساعة مستوية بعد المسالة، فللسّايل ان يلقيه من يده قبل مرور الساعة. وان قالوا: لا يبقى، فللسايل ان يحفظه ويبطل احكامهم.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 154

(711) فاحكام الكواكب ترّهات رثّت حبلها وسافت طلالها، والمغترّ بها يؤول الى شرّ مآل، ويحصل من ظنّه على تخيّل آل. فمن اين ارحل هموم ومحن جرت مسايلها، وسالت جداؤلها، واظلّت سحابتها، وثارت عجاجتها، وما ينسب اليه من منافع الناس خارج عن القياس. (712) قال: فانّها تدعوا الى الكهانة، والمنجم كالكاهن، والكاهن كالسّاحر.

(713) قيل: الغرايب التى فى العالم امّا من هيئة نفسانيّة، والسحر من قبيلها، وامّا من خواصّ اجسام عنصريّة بتقدير اللّه، تعالى، والنيرنجات من قبيلها، وامّا من تأثير سماويّة يكون بينها وبين اجسام ارضية مخصوصة، والطلسمات من قبيلها.

و الكاف كاف التشبيه.

الخطبة 72

شرح الكلام الآخر،

(714) قوله: لا تطيعوه هنّ فى المعروف حتّى لا تطمعن فى المنكر القوة الشهوانيّة غالبة فى النساء، فلذلك كانت ولاية العقل فيهن ناقصة بسبب استيلاء القوّة الشهوانيّة على العقل. ومن عادة الجاهل اذا دعا الى خير فاجيب اليه، اجترأ على الدّعاء الى الشرّ، لانّه امّا ان يعلم انّه خير، فيصير اجابته مفسدة له فى الدعاء الى الشرّ، او يجهل انّه خير، فالشرّ والخير عنده سواء، فيظنّ فى الشرّ انّه خير، فيدعو اليها على حالة واحدة.

فالعقل يقتضى ان لا يجاب الجاهل الى امر من الامور (77 پ).

الخطبة 73

شرح الخطبة الأخرى،

(715) قوله: فلا تغلب الحرام صبركم، معناه المحافظة على العلم بالمحارم، وسوء عاقبتها، فانّ هذين هما الصّارفان عن ارتكابها ويسهّلان السبيل الى الصّبر عنها.

الخطبة 74

(716) قوله: ومن ابصر بها بصّرته، اى [من‏] تفكّر فى الدّنيا، ونظر اليها نظر اعتبار واستدلال، بصّرته، زادته بصيرة وعلما الى العلم، لانّ النظر فى الدليل على وجهه يجب ان يولّد العلم بالمعلوم. فلهذا قال: من ابصر بها بصّرته.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 155

(717) قوله: ومن ابصر اليها اعمته، لانّ الناظر فى الشى‏ء، اذا لم يرد الاستدلال، كان نظره بحدها يعمه نحوه، فاقتضى عمى، ولا يثمر نظره الا ادراكا. واذا كان ادراكا، لم يولّد علما بمعلوم آخر، لا يقتضى علما بغير هذا.

فهذا هو الفرق بين النظرين، اذا كان نظر استدلال، فهو المؤدى الى العلم. وان لم يكن كذلك، اقتصر على المنظور اليه، فلم يثمر علما. ولهذا ينظر الناظران فى دليل واحد، فيعلم احدهما دون الاخر. فهذا معنى قوله: ابصر اليها وابصر بها. و

قيل: بصرت بالشى‏ء علمته. قال اللّه، تعالى: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ

من «ابصر بها» اى علم حالها وزوالها، بصّرته، ومن ابصر اليها، اى نظر اليها نظر مايل الى زخارفها، اعمته. يعنى اعمت بصيرته عن الوقوف على الحقائق. ويمكن. ان يكون المعنى: من ابصر بها، اى جعلها آلة وواسطة لادراك السعادة الكبرى. بصر به لانّها الواسطة. كما قال النبىّ، عليه السلام، الدنيا مزرعة الاخرة. ومن ابصر اليها، اى جعلها مقصودة مطلوبة، اعمته. يعنى منعته عن النظر الى ما وراءها من الباقيات الصالحات.

الخطبة 75

شرح الخطبة الغرّاء،

(718) الاغرّ الرجل الشريف. ويقال لملوك العرب ابو الاغرّ، ابو الشريف. والغّراء الشّريفة. ويقال لهذه الخطبة الغرّاء، اى الشريفة.

قوله: علا بحوله، اى بكونه قادرا على اجناس المقدورات، اذ لا سواه من يقدر على كل شى‏ء.

(719) قوله (78 ر) دنا بطوله: اى قرب نعمته واحسانه ورحمته، كما قال وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ. (720) قوله: على عواطف كرمه اى النعم الداعية للعباد الى العبادة والشكر وميل القلوب الى الانقياد لمن اولاها. ولا يؤخذ العواطف هاهنا من قول العرب ما ينثنى عليك عاطفة من رحم ولا قرابة. (721) قوله: الازل، الضّيق والشدّة.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 156

(722) قوله: وأومن به اوّلا باديا، اى انّ الايمان باللّه اوّل ما ادين به من طاعة اللّه وعبادته، وايمانى به ابتدآء دينى ومفتاحه. (723) قوله واحاطكم الاحصاء، اى بيّن واظهر فى اللوح المحفوظ اعداد حمدكم. و

قيل هو مأخوذ من قول اللّه تعالى: لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا، ومن قوله: تعالى وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ. وقيل: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ، وهى اعمالهم، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ، اى علم جميع المعلومات.

(724) قوله ارفغ لكم المعاش. الرفغ السعة والخصب. يقال رفغ عيشه، بالضمّ، رفاغة، اتّسع فهو عيش رافغ ورفيغ اى واسع طيّب. ومن ذلك الرّفد الروافغ. الرّفد العطاء والصّلة، والرّفد الصلات، رنق مشربها ردغ مشرعها، الرّدغ الوحل الشديد، وكذلك الردغة بتسكين الدال. (725) قوله: مقبوضون احتضارا، اى كثرت آفاتهم، من قولهم: لبن محتضر، اى كثير الآفات، وانّ الجنّ يحضره، قال اللّه، تعالى: وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ان يصيبنى الشّياطين بسوء: (726) قوله مددا، جمع مدّة. (727) قنصت، اى صادت، اقصدت باسهمها، يقال: اقصد السهم، اى اصاب. فقيل: قال الاخطل:

         فان كنت قد اقصدتنى اذ رميتنى   ***   بسهميك، فالرامى يصيب ولا يدرى‏

 

(728) قوله يمضون ادسالا، اى سمع بعضهم بعضا. قوله: صيّور الفناء، صيّور الامر آخره، وما يؤول اليه وهو فيعول. قوله: ومعاينة المحل بتخفيف اللّام اى الشدّة. (729) قوله: (78 پ) الرّعيل، القطعة من الخيل. وضرع الاستسلام، اى الخضوع والذّلّ. (730) قوله: مهينمة، الهينمة الصّوت الخفىّ، والزّبر الزّجر والمنع،

 

---------------------------------------------------------------

 صفحة 157

يقال: زبره، اذا انتهره. (731) قوله الجم العرق ويروى «الفرق». فمن قال: الفرق، يعنى اسكنهم الفرق والرّعب. ومن قال العرق، قال: بلغ العرق افواههم. فشبّه ذلك باللّجام، كانّهم ملجمون على ما ورد الاثر به. مدينون اى مجزيّون محاسبون، ومنه الدّيّان. المستعتب الّذى يطلب الرّضى. سدف اللّيل ظلماته.

فيا لها امثالا اى فيا للامثال. افاد اى ولى الفايدة، وافاد اى تولّى الفايدة. (732) قوله: خلوّ المضمار الجياد، تضمير الفرس ان تعلفه حتّى يسمن، تردّه الى القوّة، وذلك فى اربعين يوما، وهذه المدّة يسمىّ المضمار. (733) قوله: لدار مقامه، المقام بالفتح من الميم، من «قام يقوم» قياما ومقاما، المقام بضمّ الميم من «اقام يقيم اقامة» ومقاما. (734) قوله: حمل لكم اسماعا لتعى ما عناها،

قيل معنى ذلك، انّ الغرض فى خلق السّماع ان يسمع ما ينفعها فى الدين. هذا هو الغرض فى خلق جميع الجوارح للمكلّفين.

(735) قوله وابصارا لتجلو عن عشاها،

المراد بالعشى عمى القلب، وهو الذّهاب عن الحقّ، وانما يتوصّل الى الاستدلال بالاشياء اذا ادركها بعينه.

فاضاف العشى الى الابصار، والمراد ما ذكرنا. كذا ذكره الامام الوبرىّ.

(736) قوله: اشلاء، الشّلو العضو من اعضاء اللّحم، واشلاء الانسان اعضاءه بعد البلى والتفرّق، والاحباء [الجوانب‏]. بارفاقها، اى بسهولة مطالبها، من قولهم: ارفقته، اى نفعته. (737) قوله: مجلّلات نعمه، اى ما عمّ من نعمه. من قولهم جلّل الشّى‏ء تجليلا، اى عمّ. والمجلّل السحاب الّتى يجلّل الارض بالمطر، اى يعمّ.

و اما التشريح وتركيب الانسان والحكمة فى وضع اعضائه، فذكر فى كتاب الطّبّ. وقد سبق التلويح الى طرف منه. (738) قوله: حوانى الهرم، ويروى جوافى الهرم، حنو كلّ شى‏ء

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 158

اعوجاجه والحنوة (79 ر) طأطأة الرّاس وتقويس الظّهر. (739) قوله: حواجز عافية: الحجزة هم الّذين يمنعون بعض الناس عن بعض، ويفصلون فيهم بالحقّ، الواحد حاجز والفئة حاجزة وحواجز. وحواجز عافية هى التى يفصل بين العافية والبلاء. وفى حديث النبىّ، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: وينتصر من وراء الحجز. (740) قوله: فى انف الاوان، يقال: كاس انف، ابتدى الشرب بها، ولم يشرب بها ومنها قبل ذلك. الاوان الحين. والجمع آونة مثل زمان وازمنة. وفى الحديث انّما الامر انف، اى يستانف استينافا. (741) قوله: وعلز القلق، القلق خفّة وهلع يصيب الانسان. وقد علز بالكسر يعلز علزا، او بات فلان علزا اى وجعا لا ينام، واذا له علز الوجع من القلق. المضض وجع المصيبة. وقد مضضت بالرجل بالكسر يمضّ مضضا. (742) قوله غصص الجرض، الجرض ان يبتلع ريقه على همّ وحزن، يقال: مات فلان جريصا، اى مغموما. (743) قوله: النواهك، نهكه المرض ضعّفه، ونهكة السّلطان مبالغته فى عقوبة غيره، ونهكت الثوب، اذا لبسته حتّى خلق. ومنه قوله: ابلت النواهك جدّته. (744) قوله: الاجساد شحبة، اى متغيّرة، من قولهم: شحب جسمه اذا تغيّر. قال النّمر بن: تولب: وفى جسم راعيها شحوب. (745) كانّه اوجف الذكر، بلسانه، اى اعمل من قول اللّه، تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما.

و الايجاف حمل البعير على السّير. (746) قوله: الارواح مرتهنة بثقل اعبائها.

قال قوم: هذه اشارة الى العذاب الرّوحانّى.

(747) قوله: تركبون قدّتهم اى طريقتهم. قال اللّه، تعالى: وَ

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 159

أَنَّا. (748) قوله: تارات اهواله، اى اوقات اهواله. (749) قوله: شغل التفكّر قلبه، اشرنا الى الفكر الحقيقىّ فيما تقدّم. ظلف، اى دفع.

تنكّب المخالج، تنكّب تجنّب الشّوك

و قيل: المخالج الشّوك

و

قيل: المخالج ذوات اليمين وذوات اليسار، وكذلك يقال: طعنة مخلوجة، (79 پ) قال امرؤ القيس:

         نطعنهم سلكى ومخلوجة   ***   كرّك لأمين على نابل‏

 

(750) قوله: اعذر بما انذر، مثل للعرب، قد اعرض، من انذر، الاعذار الاتيان بعذر صحيح. والتعذير التفريط: قال اللّه، تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ، اى الذين يؤمنون انّ لهم عذرا فى التخلّف عنكم، ولا عذر لهم. انذر خوّف. ومعنى المثل: من خوّف اتى بالعذر الصّحيح التامّ، وبلغ العذر الى كلّ غاية. (751) قوله لم تفتله فاتلات الغرور، اى لم تصرفه صوارف الغرور، من قولهم: فتله عن وجهه، اذا صرفه، وهو قلب «لفت». (752) قوله: اكمش فى مهل، الكمش، الرجل السّريع الماضى. (753) قوله: نظر قدما امامه، روى ذلك بكسر القاف، اى دايما.

جعل العرب «قدما» اسما من اسماء الدوام. ومعنى «قدما» بضم القاف والدال، اى تقدّم ولم ينثن. (754) قوله حذركم عدوّا، عنى به ابليس. النجىّ المناجى. نفذ فى القلوب خفيّا، يعنى: يوسوس فى صدور الناس. (755) قوله فاضلّ واردى، ماخوذ من قول اللّه، تعالى وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ. (756) قوله: وعد فمنّى، مأخوذ من قول اللّه، تعالى: يَعِدُهُمْ‏

--------------------------------------------------------------- صفحة 160

 يَعِدُهُمْ وَ، يُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا. (757) قوله زيّن سيّئات الجرائم، ماخوذ من قول اللّه، تعالى: وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ، لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ، والثانى مأخوذ من قول اللّه تعالى: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ، الى آخر الاية... (758) و

قال الامام الوبرىّ فى قوله: ومدد عمرها: أى انّ الاعضاء فى الاكثر تتعادل وتتقارب قواها، فلذلك قال فى تركيب صورها ومدد عمرها.

(759) قوله: بابدان قائمة بارفاقها، قال اى يقوم الابدان بالمنافع. قوله: وقلوب رايدة لارزاقها:

(760) قال الامام الوبرىّ: بالقلوب يعرف مطالب الارزاق. وقال غيره ارزاق القلوب اطمينانها.

قوله: (80 ر) فى مجلّلات نعمها.

(761) قال الامام الوبرىّ: اى انّ هذه الابدان وما فيها من المنافع معدودة فى مجلّلات نعم اللّه، تعالى، وهى السواتر للعباد عمّا يهلكها ويوفقها بلحوق النقائص بها

(762) قوله: من موجبات مننه. اى من نعمه الموجبة لشكره عليكم ويحتمل موجبات زوايد نعمه. لان السّابق من آلاء اللّه، وان كان فضلا، فانّه يفضى الى وجوب نعمته بواسطة الشكر. فيجوز ان يضاف موجب الشكر الى النعمة الاولى. فيقال: انّ الفعل يوجب نعما فى الثانى. (763) قوله: وحواجز عافية، [يعنى الامور المتصلة بالعافية الّتى تحول بين الانسان وبين ما يفسده ويفضحه. فما دام معافا، فانّه يحال بينه وبين ما ينافى العافية]، ولذلك قال: وحواجز عافية. (764) فصل فى خلق الانسان. اعلم انّ اللّه سبحانه، خلق الانسان وجعل طول قامته مناسبا لعرض جبينه، وعرض جبينه مناسبا لعمق تجويفه، وطول ذراعيه مناسبا لطول عنقه وظهره، وكبر راسه مناسبا لكبر جثّته، واستدارة وجهه مناسبا لعرض جبينه وقدر صدره وشكل عنقه مناسبا لشكل فمه، وطول‏

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 161

انفه مناسبا لعرض جبينه، وقدر اذله مناسبا لمقدار خدّيه، وطول اصابعه مناسبا لاصابع رجله، وكبر راسه مناسبا لكبر كبده ومقدار قلبه مناسبا لكبر راسه، وطول معاءه مناسبا لكبر كبده، وشقّ حلقومه مناسبا لكبر رأسه، وغلظ اعضائه مناسبا لكبر عظامه، وطول اضلاعه مناسبا لصندوق صدره، وطول عروقه مناسبا لأظفاره، يعرف ذلك من معرفة علم النسبة، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً. (765) قوله: شغف الاستار، والشغف الغلاف، محاقا اى مرشوشا. (766) هاهنا نذكر مراتب الانسان من طريق اللغة والمعنى.

اقول: ما دام الانسان فى الرّحم، فهو جنين: فاذا ولد فهو وليد، فما دام يرضع فهو رضيع. فاذا قطع عنه اللّبن فهو قطيع وفطيم. ثم اذا دبّ ونمى، فهو دارج. فاذا بلغ طوله خمسة اشبار فهو (80 پ) خماسىّ. فاذا سقطت رواضعه، فهو مثغور. فاذا بلغ الحلم، فهو يافع ومراهق.

و لم يذكر امير المؤمنين سوى ذلك.

(767) وعند الاطبّاء 1 «الاسنان اربعة فى الجملة: سنّ النّموّ، ويسمّى سنّ الحداثة، وهو الى قريب من ثلثين سنة، ثم سنّ الوقوف وهو من الشباب، وهو الى نحو من خمس وثلثين سنة او اربعين. وسنّ الانحطاط مع بقاء من القوة، وهو سن المكتهلين، وهو الى نحو من ستّين سنة. وسنّ الانحطاط مع ظهور الضّعف في القوة، ومن سنّ الشيوخ وآخر العمر. لكن سنّ الحداثة ينقسم الى سنّ الطفولة، وهو ان يكون المولود بعد غير مستعدّ الاعضاء للحركات والنهّوض. والى سنّ الصبى، وهو بعد النهوض وقبل الشدّة، وهو أن لا يكون الاسنان قد استوفت السّقوط والنبات. ثم سنّ الترعرع، وهو بعد الشدّة ونبات الاسنان قبل المراهقة. ثم سنّ الغلاميّة والرهاق، الى ان يبقل وجهه.

ثم سنّ الفتى الى ان يقف النّمو».

(768) وقيل: «انّ النطفة فى القرار المكين يصير علقة بعد خمسة

 

---------------------------------------------------------------

 صفحة 162

عشر يوما، ثم يصير العلقة مضغة بعد ثلثين يوما. واذا كان الجنين ذكرا، صار خلقه تاما بين الثلثين والاربعين. واذا كان انثى، كان بين الاربعين والخمسين. وهذا معنى قوله: فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً، ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ، واذا تمّ خلق الجنين فى احد وثلثين يوما يتحرّك فى البطن فى اثنى وستّين يوما، فيكون ايام الحركة ضعف ايّام تمام الخلق، ويكون مدة الحمل. ثلثة اضعاف مدّة الحركة. الا انّ المولود الذى تولّد فى الشهر الثامن لا يعيش بتقدير اللّه، تعالى. لكن الاصل فى عام الحمل سبعة اشهر».

(769) وخلق اللّه، تعالى، الانسان من الاعضاء المفردة والاعضاء المركّبة كما سبق بيانها. وخلق الانسان مثال مدينة 1 فيها عيون: احديها مأوها حلو، والاخرى ماؤها مالح، والاخرى (81 ر) ماؤها منتن، والاخرى مرّة.

و للجسد حيطان خمسة: الحائط الاول الشعر، والثان الجلد، والثالث اللّحم، والرابع العظم، والخامس المخّ. وفيه من العروق ثلثمائة وستون يشبه الانهار.

و لهذه المدينة ابواب: العينان والاذنان والمنخران، وغير ذلك. والشهوة فى جسد الانسان مثل عامل الخراج. والغضب مثل الشّحنة، والعقل مثال الملك العادل، والحواسّ كالجواسيس. والعظام كالجبال، والشعور كالنبات، والدماغ شبه الأثير. والقوة الّتى فى المعدة التى يطبخ الطّعام يشبه الطّباخ. والتى يوصل الصّافى الى الكبد ويخرج الاثفال كالعصّار. والّتى تصبغ الصافى من الطّعام فى الكبد ويجعله على لون الدم كالصّباغ. والتى يبيّض الدم ويجعله فى الثّدى لبنا خالصا، وفى اوعية المنى منيّا ابيض كالقصّار. والتى تجذب الغذاء من الكبد فى كل جزء كالجّلاب والمسافر. والّتى تسقى من الكبد كالسّقّاء، والّتى يخرج الاثفال كالكنّاس. والتى يهيّج الصفراء والسودآء كالعيّار المنقّد.

و التى يدفع الصفراء والسوداء يشبه الرئيس العادل. فهذه تفاصيل قوله: فى تفاصيل، خلق الانسان، فى هذه الخطبة وفى ما سبقها من الخطبة. (770) قوله: خبط سادرا ماتحا فى غرب هواه، خبط البعير بيده خبطا

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 163

ضربها، وخبط الرّجل، اذا طرح نفسه حيث كان لينام. قال الشاعر: يشدخن بالليل الشجاع الخابطا. السادر المتحيّر. والسادر الّذى لا يهتمّ ولا يبالى ما صنع. والماتح المستقى. الغرب الدلو العظيمة. (771) قولى فى لذّات طربه وبدوات اربه. معناه ما قال الحكيم لا مطمح لبصره فى اولاه واخريه، الّا فى لذات قبقبه وذبذبه. غرّ وغرير اى غير مجرّب، الغيّر البقيّة من كلّ شى‏ء. قال الشاعر:

         ومبرّا من كلّ غيّر حيضة   ***   وفساد مرضعة ودآء مغيل‏

 

(772) السّنن الطريقة. (81 پ) يقال امض على سننك اى على وجهك، ويقال تنحّ عن سنن الخيل، اى عن وجه الخيل.

(773) يقال هذا شقيق هذا، اذا انشقّ الشّى‏ء بنصفين، فكلّ واحد منهما شقيق الآخر، ومنه قيل: فلان شقيق فلان، اى اخوه.

قال الشاعر وقد صغّره:

         يا ابن امّى ويا شقيق نفسى   ***   انت خلّيتنى لامر شديد

 

فهذا معنى قوله بين اخ شقيق. (774) قوله غمرة كارثة، يقال كرثه الغمّ يكرثه بالضم اى اشتدّ عليه وبلغ منه المشقّة، واكرثه مثله. قال الاصمعىّ لا يقال: كرثه، وانّما يقال: اكرته.

قال الاغرّ: وقد تجلّى الكرب الكوارث. فالكارثة هاهنا الّتى تأتى الحزن. ويروى: كاربة، رجيع فعيل بمعنى مفعول. البهتة التحيّر. نزول الحميم، اى نزول العذاب بعضه على بعض، و

قيل النّزول ها هنا الماء النازل من الحميم.

(775) قوله لا قوّة حاجزة ولا موتة ناجزة. مأخوذ من قول اللّه، تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا. (776) اولى الابصار، تقديره يا اولى الابصار. المتاع السّلعة،

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 164

و المتاع المنفعة، وما تمتّعت به.

قال اللّه، تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ. المحار المرجع.

قال الشاعر:

         نحن بنو عامر بن ذبيان   ***   والناس كهام محارهم للقبور

 

(777) قوله: قيد قدّه، اى قبره، الآن عباد اللّه، اى اعملوا الآن. فى فينة الارشاد، اى فى ساعة الارشاد. (778) قوله انف المشيّة، يقال: روضة انف، اى لم يرعها احد، وكاس انف لم يشرب بها قبل ذلك، كانّه استونف شربها ويقال آتيك من ذى انف، كما يقول: من ذى قبل، اى فيما يستقبل.

الخطبة 76

شرح كلامه فى عمرو بن العاص.

(779) روى انّ امير المؤمنين.

عليه السلام، فى صفّين دعا الى البراز، فبرز اليه عمرو بن العاص، فتجاولا فلما تامّله عمرو، عرف انّه علىّ، ولا طاقة له به. ثمّ حمل عليه علىّ، ليقتله، فلما رأى ذلك عمرو، علم انّه يضربه، فالقى نفسه عن فرسه، وكشف (82 ر) عورته مواجها لعلىّ. فلما رأى علىّ ذلك، غضّ بصره. فانصرف عمرو مكشوف العورة، حتّى نجا بسبب ذلك. (780) قوله عجبا لابن النابغة. هو عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعد بن كعب بن لؤىّ. وامّه النابغة. يقال نبغ الرجل اذا لم يكن له ارث الشعر، ثم قال، فاجاد، ويقال: للملوك النوابغ، [اذا] لم يكن فى نسبهم ملك، ثم ملكوا، فاجادوا. والنابغة فى اسامى الرجال، والهاء للمبالغة، وفى اسامى النسآء علامة التانيث. التلعابة الكثير اللعب. والمعافسة المغالبة. وعفسه ضربه على عجزه. واعتفس القوم، اى اضطرعوا. ويقال: المعافسة الممارسة. والتّلعابة بكسر التاء كثير اللعب، والتّلعاب بالفتح المصدر.

فى صحاح اللغة: المعافسة المعالجة

و فى الحديث: وعافسنا النسآء. ويؤتيه اتيّة، يعنى يفوّض اليه ولاية المصرين.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 165

الرّضخ العطاء، ليس بالكسر، وفى الحديث امرت له يرضخ.

الخطبة 77

شرح الكلام الآخر،

(781) قوله: لا تقع الاوهام له على صفة،

قيل: معناه لا مثل له فيشاهد، فذكر الصفة، واراد الموصوف، كانّه قال: لا يتوهّم موصوف مثله، ولا يتصور، لانّه لا مثل له. والثانى انّه ليس بجسم، فيدرك بالحواسّ. والادراك يتعلّق بالمدرك على اخصّ صفاته. وقيل معناه ما تقدّم انّ القوة المتوهّمة من شانها ان تحكم فى كل شى‏ء، ولكن لا تحكم البتّة الّا على ما يجعل الشى‏ء به داخلا فى المحسوسات، لا غير. فلذلك لا تصدّق بما لا يمكن ان يشار اليه اين هو. وبالجملة لا يمكنها ان تعرف ذاتها او يتصوّرها الا بان تغيّر وجودها الى صورة محسوسة. ولما كان الامر على هذا، فانّ الامور الّتى هم اعمّ من المحسوسات او ليست محسوسة بوجه من الوجوه، فانّ احكام القوة المتوهّمة فيها كاذبة لا محالة ان يصدّق بها ولا يتصوّرها الا على نحو محسوس

(782) قوله: ولا يقعد القلوب منه على كيفيّة. الكيفيّة كل صفة متقرّرة فى الموصوف (82 پ) لا يحوج تصورها الى نسبة الى خارج، ولا تجزية. وقد تضادّ وتشتدّ وتضعف. ومثاله بياض وشكل، تعالى اللّه عن ذلك.

الخطبة 78

(783) قوله: قبل ان يؤخذ بكظمه، اى يخرج نفسه كما تقدّم. وسمّى آثاركم،

قيل: اى خصّ، من قولهم سمّى النقمة، اى خصّها.

قال العجّاج:

         هو الّذى انعم نعمى عمّت   ***   على الذين اسلموا وسمّت‏

 

اى بلغت الكلّ باس الرّجل يبأس بأسا، اذا اشتدت حاجته

(784) قوله: بما استحفظكم من كتابه، مأخوذ من قول اللّه، تعالى: عَلَّمَ الْقُرْآنَ. ولما استودعكم من حقوقه من قوله: عَلَّمَهُ الْبَيانَ. (785) قوله: يسير الرّياء شرك، مأخوذ من قول النّبىّ، صلّى اللّه عليه وآله‏

 

---------------------------------------------------------------

 صفحة 166

و سلّم: الشرك اخفى فى امّتى من دبيب النملة السّوداء على الصّخرة الصّماء فى الليلة الظلماء، الّا وهو الرّياء،

قيل: اراد بالشرك العصيان، فشبّه العصيان بالشّرك، كانّ العاصى والمراءى يراءى النّاس، ويحترس منهم كمراقبته للّه.

و قيل انه يضمر من تعظيم الخلق ما يضمره الموحّد من تعظيم اللّه، ويبنى عليه فعلا موافقا لذلك التعظيم.

(786) جانبوا الكذب، فانّه مجانب للايمان، لا يفهم منه انّ كلّ كذب مناف للايمان، وكلّ كذب كفر، بل المراد ان الكذب ليس من الايمان ولا من شرائطه. و

قال قوم: هاهنا اضمار، وهو انّ الكذب على اللّه وعلى رسوله كفر، فانّ المؤمن لا يكذب على اللّه قطّ.

(787) قوله: انّ الحسد يأكل الايمان كما تأكل النّار الحطب، هذه اشارة الى فسق الحاسد، فانّه لا يجوز تشبيهه باكل النار الحطب الّا على هذا المعنى. و

قيل من الحسد ما يكون كفرا وما يكون فسقا.

و

قال قوم: الحسد ضدّ المنافسة، والمنافسة طلب الترقّى والتشبّه بارباب الفضائل، والمنافسة من آداب الموحّدين، والحسد من اخلاق الجهّال.

(788) قوله: فانها الحالقة، الحالقة من اسماء الدّاهية. احدث ذلك من المرأة التى يحلق شعرها عند المصائب، (83 ر) فهى حالقة، ومنها احدث ذلك. حلّاق، وهى مثل قطام، للمنيّة. بنيت على الكسر، لانّها حصل فيها العدول والتأنيث والصّفة الغالبة، وهى معدولة من حالقة. (789) فأكذبوا الامل، معناه ما قال لبيد الشاعر:

         اكذب النفس اذا حدّثتها   ***   انّ صدق النّفس يزرى بالامل‏

 

الخطبة 79

(790) قوله: فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس، عبارة من اعلى مقامات الموحّدين. (791) قوله: وتصيير كلّ فرع الى اصله، مأخوذ من قول اللّه، تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ، و

قيل مأخوذ من قول اللّه، تعالى:

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 167

 ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً

(792) قوله: ولا مظنّة الّا قصدها، مظنة الشى‏ء موضعه ومألفه الذى، يظنّ كونه فيه، والجمع المظانّ. يقال: موضع كذا وكذا مظنّة من فلان، اى معلم فيه. قال النابعة.

         فان يك عامر قد قال جهلا   ***   فانّ مظنّة الجهل الشّباب‏

 

و يروى «مطيّة»، و«السّباب» ايضا رواية. (793) قوله الصورة صورة انسان، والقلب قلب حيوان، يعنى استولت القوّة الشّهوانيّة عليه، كما استولت على البهايم والانعام، والقوة الغضبيّة كما استولت على السّباع. (794) قوله ميّت الاحياء، اى عقله اسير هواه، فصير كانّه ميّت لا ينفعه عقله. (795) قوله خذوها، الهاء عايدة الى هذه الكلمات والحكم التى هو يحكيها. (796) قوله: يموت من مات منّا، وليس بميّت، ويبلى من بلى منّا وليس ببال.

قيل: معناه ما قال اللّه تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وقوله: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ: اللَّهِ، أَمْواتٌ بَلْ.

و

قيل: معناه انّ ذكرهم يبقى وتعظيمهم يثبت مدى الدهر الى يوم القيامة. يقال للميّت العالم فلان حىّ، ويراد بذلك اثره وفوائد علمه وتصانيفه.

(797) قوله: فانّ اكثر الحقّ فيما تنكرون، معناه ما قال الحكيم: ايّاك ان يكون تكسّبك وتبرّؤك من العامّة هو ان تنبرى منكرا لكل شى‏ء، (83 پ) فذلك طيش وعجز وليس الخرق فى تكذيبك ما لم يستبن لك جليّته دون الخرق فى تصديقك بما لم تقم بين يديك بيّنة. المنار علم الطريق. والهاء عايدة فى قوله: منصوبة، الى البقعة التى فيها علم الطّريق.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 168

(798) قوله الثّقل الاكبر والثقل الاصغر.

قيل الاكبر، كتاب الله، والاصغر عترة النّبى، عليه السّلام.

قال النّبىّ، عليه السّلام: انّى تارك فيكم [الثقلين‏]. الثقلان الجنّ والانس، سميّا ثقلين لانّهما ثقلا بالتّمييز الّذى فيهما على ساير الحيوانات. وكلّ شى‏ء له قدر ووزن يتنافس، فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النّعام: ثقل، لانّ آخذه يفرح به وهو قوت وقال ثعلب سمّاها رسول اللّه الثّقلين، لانّ الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل. والعرب يقول: كلّ نفس ثقل.

فجعلهما ثقلين اعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما. (799) قوله: ركوت، اى دخلت فى الارض. قوله لا تستعملوا الرأى فيما لا يدرك قعره البصر، هو النهى عن تكليف طلب ما لا دليل عليه، ولا سبيل للانسان فى هذا العالم الى معرفته من طريق التفصيل، سواء كان عقليّا او سمعيّا. (800) قوله ولا تتغلغل اليه، اى لا يصل. (801) قوله بل هى مجّة، اى قطعة، برهة، اى زمانا.

الخطبة 80

شرح الكلام الآخر

(802)، ما كل ذى قلب بلبيب، اى يستعمل عقله وبصره غالبا على القوى البدنيّة. (803) قوله: فيما ترى، اى فيما تظنّ.

الخطبة 81

شرح الكلام الآخر،

(804) قوله: وطول هجعة من الامم. هذه اشارة الى عموم الجهالة فى اهل الارض قبل مبعث رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وانّ تلك الحالة قد طالت عليهم، وانّهم اشتركوا فيها على اختلاف فرقهم.

فلما بعث اللّه محمدا، جمعهم على شرع واحد. وهجعة اى نومة خفيفة من اوّل الليل. (805) واذكروا تيك، اى الحالة.

الخطبة 82

شرح الكلام الآخر.

(806) قوله: الخالق من غير رويّة، معناه انّ الفاعل انّما يحتاج فى افعاله المحكمة الى التفكّر والتامّل اذا لم يعلم (84 ر)

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 169

ما يريد فعله، او يهمّ بفعله. وانما يصحّ ان يعلم اذا علم بعد ما لم يعلم. واللّه تعالى عالم فيا لم يزل ولا يزال، فلا يحتاج الى التفكّر والتروّى. فيعلم المعدوم كما يعلم الموجود. ولا يعزب عن علمه مثقال ذرّة فى السموات ولا فى الارض. عازّه اى غالبه.

الخطبة 83

شرح الخطبة الّتى يقال لها خطبة الاشباح،

(807) قيل: سمّيت هذه خطبة الاشباح لانّ امير المؤمنين ذكر فيها الاشباح اى الاشخاص.

و قيل: المراد بالاشباح انّها خطبة طويلة، لها امتداد من قولهم: الحرباء تشبّح على العود، اى تمتدّ. ومن قولهم: شبحان اى طويل. فاصل الشبح الطّول والامتداد والعرض. ومن ذلك رجل شبح الذّراعين.

(808) قوله: فغضب امير المؤمنين،

قيل: غضب احمرّ، من قولهم: احمرّ، غضب.

و قيل معناه فى قوله: غضب: انّه عرف انّ السايل متعنّت لا مستفيد، وقد نهى اللّه، تعالى، عن سؤال التعنّت، فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ.

(809) قوله لا يفره المنع، «وفر» لازم ومتعدّ، وهاهنا متعدّ. ويروى «لا يعرّه» اى لا يعيبه. و

قيل: لا يدخل عليه المكروه. وقيل: معناه لا يزداد ما عنده، اذا لم يفعله ولم يعطه احدا من خلقه، فلا يزداد غنى يمنعه.

و تحقيق ذلك انّ الزيادة والنقصان انّما يتناهى فى المحدود. فاذا كانت مقدورات اللّه، تعالى، لا حدّ لها ولا نهاية، لم يجز الزيادة عليها، لانّه يستحيل ان يكون وراء ما لا يتناهى شى‏ء، فينضمّ اليه. واذا استحالت الزيادة فيه، استحال النقصان منه. ويستحيل ان ينقص مقدوراته لو لم يفعل منها شيأ، فيستحيل ايضا ان ينتقص، وان فعل منها، واوجد منها ما لا يحصى كثرة. فذلك معنى قوله: لا يفره المنع، ولا يكديه الاعطاء. وكلّ معط منتقص سواه. الاكداء قلة الخير. يقال: اكدى الرّجل، اذا قلّ خيره. واكدى الحافر اذا ابلغ الكدية، ولا يمكنه ان يحفر.

 

--------------------------------------------------------------- صفحة 170

(810) قوله عياله الخلق، يعنى: يستطعمونه. (811) قوله: (پ 84) وكلّ مانع مذموم ما خلاه،

قيل: لانّ المانع اذا منع رفده، لحاجته اليه، وان كان غيره محتاجا اليه، فانّما يذمّ لا [لانّه‏] ينفع نفسه، بل منعه حقّ غيره. فمنعه لحاجته لا ينفع به دون غيره، وانما تدعوه الى المنع حاجته. واما القديم، تعالى، فانّما يدعوه الى المنع صلاح عباده.

فكما انّ اعطاءه صلاح، فكذلك منعه صلاح، وكذلك يمدح، تعالى، بمنعه كما يمدح باعطائه.

(812) قوله: وليس بما سئل باجود منه بما لم يسئل

قيل: انّما يستوى المسئول وغير المسئول عند اللّه، تعالى، اذا استويا فى الصّلاح. فاذا كان غير المسئول صلاحا، جادبه، واذا لم يكن المسؤول صلاحا، لم يعطه.

و اذا استويا فى الصلاح، أعطاهما. واذا استويا فى الفساد، ما اعطاهما

(813) قوله: الاوّل الّذى ليس له قبل فيكون شى‏ء قبله.

قيل: معناه، ليس له اوّل وابتدآء، فيكون شى‏ء قبله حينئذ، لانّ كلّ حادث يجوز ان يحدث قبله غيره.

(814) قوله: والاخر الّذى ليس له بعد، فيكون شى‏ء بعده،

قيل: لانّه ليس لوجوده انتهاء، فيجوز ان يوجد شى‏ء بعده، او يبقى غيره بعده. وكل ذلك انما استحال عليه، لكونه قديما، لانّه يجب وجوده، فيما لم يزل ولا يزال، فانّما استحال وجود شى‏ء قبله ولا معه، واستحال وجود غيره معه وبعده، لانّه واجب الوجود فى نفسه وهو معنى القديم.

(815) وقال بعض المفسّرين: انّ الاوّل والآخر من الاسماء الّتى يتعلّق معانيها بالاضافات، وليسا باسمين مقصورين على مسمّيين باعيانهما. واذا تعلّقا بالاضافات، صلح ان يكون الاوّل نفسه آخرا، والآخر [اوّلا]، من جهته على اعتبار الاضافات المختلفة. والّذى يراعى من معنى اضافة الآخر اليه فى هذا المكان هو الذى تضمّن ذكره قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى‏ وَجْهُ‏

 

---------------------------------------------------------------

صفحة 171

رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ. واللّه، تعالى، يفنى كلّ حىّ، فلا يبقى احد حيّا.

و اذا وقع الافناء عليهم قبل حشرهم، فقد حصل معنى الاوّل والآخر. لانّ الاسم المضاف اذا حصل له (85 ر) اضافة مّا، فقد استوفى حقّه. الا ترى انّا اذا قلنا: فلان اب، لا يلزمنا ان يكون اب كلّ من يقال له الابن والبنت. بل اذا حصلت الابوّة بوجه من الوجوه، فهو اب لا محالة. وهذا القول متين مقبول.

(816) قوله: الصلوة جامعة، يعنى بذلك اضمار [فعل‏] الصلوة. ايضا بيت يصلّى فيه، وكذلك المصلّى، لذلك يقال حين ارادوا حضور النّاس فى المسجد: الصلوة جامعة، بنصب التّائين ورفعهما. اما الرفع يعنى: نفعه الصلوة جامعة لكم. وقد يذكر العرب المضاف اليه من دون المضاف. وقد يذكر الصلوة والمراد به موضع الصلوة، قال اللّه، تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ. وامّا الصلوة بنصب التاء فمنصوبة باضمار فعل، والمراد: لازموا الصلوة، اى احضروا الصلوة، والمراد موضع الصلوة، جامعة. من ضمّ التاء من جامعة، يعنى: الصلوة جامعة، كما يقال للغّل: جامعة، لانّه يجمع اليد الى العنق. ومن قال: جامعة، يعنى احضروا الصلوة، واجعلوها جامعة لكم. (817) قوله ما اختلف عليه [....] الانتقال، معناه مصاحبة الاوقات الاشياء بناء على مصاحبة الحوادث لها. فما جاز ان يصحبه حادث، جازان يختلف عليه الوقت. وما لم يجز ان يصحبه الحادث، استحال تعاقب الاوقات عليه. فاذا كان اللّه قديما، استحال عليه الحوادث، فاستحال اختلاف الاوقات عليه، لانّ الاوقات حوادث كساير الحوادث. واذا لم يجز اختلاف الاوقات عليه، لم يجز عليه تغيّر الاحوال من صغر الى كبر، ومن نقصان الى زيادة، ومن قوة الى ضعف. و

قال قوم: الدهر هو المعنى المعقول من اضافة الثّبات الى النفس فى الزمان كلّه، والزمان فهو مقدار الحركة من جهة المتقدّم والمتأخّر.

(818) امّا معنى «لا كان فى مكان» لانّ الكاين فى المكان ليس‏</