الباب الثاني

الإنسان الكامل خليفة الله

«أُولئِكَ خُلَفَاءُ اللهِ فِي أَرْضِهِ، وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ»(1)

(ب) مثل هذا الإنسان هو خليفة الله كما يدل على ذلك قوله تعالى: (إنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) حيث ان الوصف دائمي لحقيقة الحقائق «جاعل» ، اذن يجب أن يكون المجعول دائماً كذلك لأنه تعالى يقول: جاعل وهي غير جعلت وأجعل ونحوهما، وجاعل ليس مقيداً بشخص ما أو زمان خاص حتى تكون عبارات مثل: (إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً) (يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً)محدودة.

والخليفة يجب أن يكون على صفات المستخلف عنه وفي حكمه، وبخلافه فانّه ليس بخليفة، لذا قال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا) حيث استخدم الجمع المحلى بالألف واللام المؤكدة بـ «كلّ» وقدم كلّ ذلك على «الخليفة» لأهميته.

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «الحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق».

اذن فان الآية في دلالتها على لزوم وجود الخليفة إلى يوم القيامة من الاُمهات والمحكمات، وكما أن ذلك يدل على المعنى المذكور فإنه يدل أيضاً على أن تعيين الخليفة ليس من مسؤولية الاُمة فافهم.

تعريف الاسم وتوقيفه واشتقاقه

المطلب المهم في هذا المقام هو المعرفة بمعنى الاسم في اصطلاح أهل التحقيق أعني أهل المعرفة والولاية، والّذي هو نفس الاسم الوارد في الكتاب والسنّة. نقول في بيان ذلك.

محض الوجود البحت مبني على أساس المفهوم القويم للوحدة الشخصية للوجود بحيث يكون مبرءاً عن ممازجة ومخالطة الغير ويعبرون عن ذلك بغياب الهوية واللاتعيّن، ويقولون أيضاً (حضرة الاطلاق الذاتي) والّذي لا مجال لأي وجه من الاعتبارات فيه حتى اعتبار عدم الاعتبار أيضاً لا يوجد فيه، وغير مشوب بأي نوع من اللواحق الاعتبارية وان التركيب والكثرة لا طريق لهما إليه اطلاقاً. وهذا المقام هو اللااسم واللارسم، (لأن اسم الذات مأخوذ بصفة ونعت ما، أي أن يؤخذ متن الذات وعينها باعتبار معنى من المعاني (سواء كانت تلك المعاني وجودية أو عدمية)، فذلك المعنى يسمونه صفة أو نعتاً، وإن شئت قلت: الذات باعتبار تجل من تجلياته هو الاسم كما في الرحمن والرحيم والراحم والعليم والعالم والقاهر والقهار حيث أن عين الذات مأخوذة بصفات الرحمة والعلم والقهر، وان الأسماء المحفوظة والمتداولة هي أسماء هذه الأسماء العينية.

والفرق بين التعبيرين كما يلي:

ان الأوّل وبما أن حقيقة الوجود مأخوذة بتعيّن من تعيّنات صفاته الكمالية فهو اسم ذاتي أما الثاني فلأن الذات مأخوذة باعتبار تجل خاص من التجليات الالهية فهو اسم فعلي، والّذي سيأتي تفصيله لاحقاً.

من هذا البيان المذكور في تعريف الاسم، يتضح مراد الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة(عليهم السلام) من أن الاسم غير المسمى، وكذلك مراد أهل التحقيق في الصحف العرفانية في أن الاسم عين المسمى. فهو غير صحيح وهو عين الصحيح أيضاً. يقول عارف الجندي في رسالته:

«مقتضى الكشف والشهود أن الاسم الله ليس عين المسمّى من جميع الوجوه بل من وجه كسائر الأسماء»(2).

فكلام الجندي هذا ناظر لمقام الواحدية لا الأحدية. ويقول القيصري في بداية شرح (الفص الآدمي) من فصوص الحكم:

«ان جميع الحقائق الأسمائية في الحضرة الأحدية عين الذات وليست غيرها، وفي الواحدية عينها من وجه وغيرها من آخر»(3) يعني عينها من وجه المصداق والوجود، وغيرها من وجه المفهوم والحدود.

وكذلك يعرف المراد من توقيفية الأسماء الالهية في المنظر الأعلى لأهل المعرفة كما أفاد بذلك صائن الدين عليّ بن تركه في «تمهيد القواعد» في شرحه لرسالة جده أبي حامد:

«ان لكل اسم مبدأً لا يظهر ذلك إلاّ في موطن خاص من مواطن تنوعات الذات ومرتبة مخصوصة من مراتب تنزلاتها لا يطلق ذلك الاسم عليها إلاّ بذلك الاعتبار وهذا معنى من معاني ما عليه أئمة الشريعة رضوان الله عليهم أنّ أسماء الحقّ توقيفية»(4).

نقول توضيحاً: الأسماء حقائق عينية، والظهورات والبروزات هي تجليات الهوية المطلقة. وهذه هي هوية مطلق الوجود والوجود المطلق باطلاق السعي الكلي وهي الصمد، يعني (لا جوف ولا خلاء له) وهذا الظهور وبروز التجلي يعبّر عنه بالاسم، وبحسب غلبة أحد الأسماء في مظهر ما، يسمى ذلك المظهر بذلك الاسم الغالب.

لقد ذكرنا قيد الغلبة لنبين أن سلطان الوجود أنّى نزل بجلاله فإن جميع عساكر الأسماء والصفات تكون بمعيته لأنها من لوازمه حيث ان هذه اللوازم تكون ظاهرة في بعض المظاهر وباطنة في بعضهاالآخر كما سيأتي بحثه التفصيلي لاحقاً.

الاسم على قسمين: أحدهما: اسم تكويني عيني خارجي والّذي هو شأن من شؤون الذات الواجبة الوجود (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأن)(5).

والاسم الآخر: هو الاسم الّذي هو عبارة عن اللفظ.

والمرتبة العالية للاسم القرآني والعرفاني هو الأوّل وليس الثاني (وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا)(6).

وان كان لكل من الاسم واسم الاسم أحكامه الخاصة وفق حكم الشرع.

(قُلِ ادْعُوا اللهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَِ أيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى)(7).

ولما لم يكن ثمة مرجع للضمير في كلمة (فله) ـ في هذه الآية الكريمة ـ فإنه يُحكم بأن كلمة «هو» هي الأسماء الحسنى، نعم (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)(8).

وتمثيلا نقول: ان الذات مع الصفة المعينة الّتي هي الاسم مثل أمواج البحر الّتي تعكس تطورات تكسرات ماء البحر، فكل موج هو ماء متشئن بحد وهو الانكسار فليس لهذه الأمواج وجودات استقلالية على الرغم من أن كلا منها ليس بحراً لكنها ليست منفصلة عن البحر أيضاً. فذات الماء بتكسر خاص هو موج، وهذا الموج هو أحد الأسماء، وموج آخر هو اسم آخر، وإذا أردنا أن نضع لهذه الأسماء الشؤونية لبحر الألفاظ بما تقتضيه خواص الماء في هذه المظاهر، وبحسب غلبة وصف من أوصافها فإن هذه الألفاظ هي أسماء لتلك الأسماء الشؤونية والّتي هي أسماء الأسماء.

ولزيادة التبصر والفهم نرى من الصواب أن ننقل بعضاً من أقوال أساطين فن العرفان في تعريف الاسم. قال عبدالرزاق القاساني في الاصطلاحات: «ان الاسم باصطلاحهم هو اللفظ بل هو ذات المسمى باعتبار صفة وجودية، كالعليم والقدير، أو سلبية كالقدوس والسلام».

قال القيصري في الفصل الثاني من مقدمات شرح فصوص الحكم:

«والذات مع صفة معينة، واعتبار تجل من تجلياته تسمى بالاسم فإنّ الرحمن ذات لها الرحمة، والقهار ذات لها القهر. وهذه الأسماء الملفوظة هي أسماء الأسماء. ومن هنا يعلم أن المراد بأن الاسم عين المسمى ما هو»(9) انتهى ما أردنا من نقل كلامه.

متى ما أخذ عين الذات يعني حقيقة الوجود مع صفة معينة من صفاته الكمالية فهو اسم ذاتي، ومتى ما أخذ الذات مع اعتبار تجل خاص من تجلياته فهو اسم فعلي. وفي هذا المجال يُنقل الكثير من التحقيقات والتوضيحات المستفيضة من كلام المتأله السبزواري. ولقد ذكرنا في تعبيراتنا العين والمتن لغرض التمييز بينها وبين الاسم المشتق المستخدم في العلوم الرسمية، فتبصّر.

وتأتي أهمية الّذي فعله القيصري بعد تعريف الاسم انّه قال: «ومن هنا يعلم أن المراد أن الاسم عين المسمى ما هو» بسبب ما كان موجوداً من نزاع كلامي متجذّر في المؤلفات حول ما إذا كان اسم العين مسمى أو غير ذلك، ولهذا السبب أيضاً طُرحت أسئلة على الأئمة الهداة المهديين بخصوص هذا الباب وهو هل ان الاسم عين المسمى أم غير ذلك. وفي المجامع الروائية ـ مثلا ـ في باب معاني الأسماء في كتاب التوحيد في اُصول الكافي روى باسناده.

«عن هشام بن الحكم انّه سأل أبا عبدالله(عليه السلام) عن أسماء الله واشتقاقها، الله مما هو مشتق؟ فقال: يا هشام الله مشتق من اله واله يقتضي مألوها، والاسم غير المسمى فمن عبد الإسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئاً. ومن عبد الإسم والمعنى فقد أشرك وعبد اثنين. ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد. أفهمت يا هشام؟ قال: قلت زدني. قال: لله تسعة وتسعون اسماً فلو كان الاسم هو المسمّى لكان لكلّ اسم منها الهاً ولكن الله معنىً يدلّ عليه بهذه الأسماء وكلها غيره. يا هشام الخبز اسم للمأكول، والماء اسم للمشروب، والثوب اسم للملبوس، والنار اسم للمحرق، أفهمت يا هشام فهماً تدفع به وتناضل به أعداءنا المتخذين مع الله عز وجل غيره؟ قلت: نعم، فقال: نفعك الله به وثبتك يا هشام. قال: فهو الله ما قهرني أحد في التوحيد متى قمت مقامي هذا».

قال الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي في الفص الشيثى من «فصوص الحكم».

«وعلى الحقيقة فما ثمة إلاّ حقيقة واحدة تقبل جميع هذه النسب والإضافات الّتي كنّى عنها بالأسماء الإلهية».

 

قال صدر المتألهين في شرح آية الكرسي

«والتكثّر في الأسماء بسبب تكثر الصفات، وذلك التكثّر أنما يكون باعتبار مراتبها الغيبية الّتي هي مفاتيح وهي معان معقولة في عين الوجود الحقّ بمعنى أن الذات الإلهية بحيث لو وجد في العقل أو أمكن أن يلحظها الذهن لكان ينتزع منه هذه المعاني ويصفها به فهو في نفسه مصداق لهذه المعاني» انتهى.

 

قال الفيض المقدس في علم اليقين

«إنما يفيض الله سبحانه الوجود على هياكل الموجودات بواسطة أسمائه الحسنى قال عزّ وجلّ (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) والاسم هو الذت من حيث تقيده بمعنى، أي الذات الموصوفة بصفة معينة كالرحمن، فإنه ذات لها الرحمة، والقهار ذات لها القهر، ومن هنا قال (سبّح اسم ربّك) فاسمه سبحانه ليس بصوت فإنه لا يسبّح بل يسبّح به، وقال: (تبارك اسم ربّك ذو الجلال والاكرام) فوصفه بذلك يدلّ على أنه حيّ لذاته فالاسم هو عين المسمّى باعتبار الهوية والوجود وإن كان غيره باعتبار المعنى والمفهوم فهذه الأسماء الملفوظة هي أسماء الأسماء. سئل الإمام الرضا(عليه السلام) عن الاسم ماهو؟ قال: «صفة لموصوف» وعن الصادق(عليه السلام) : «من عبد الله بالتوهم فقد كفر، ومن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك، ومن عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته الّتي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه به ونطق به لسانه في سرّ أمره وعلانيته فاُولئك هم المؤمنون حقّاً»(10).

قال المتألّه السبزواري في شرح الأسماء (بند 56 يا من له الأسماء الحسنى):

«الاسم عند العرفاء هو حقيقة الوجود مأخوذة بتعين من التعينات الصفاتية من كمالاته تعالى، أو باعتبار تجلّ خاص من التجليات الإلهية (وهذا اسم فعل والأوّل اسم ذاتي. وهذا ظهور على الماهية الإمكانية كماهية العقل الكلي، والأوّل ظهور بمفهوم الصفة الواجبة الذاتية) . فالوجود الحقيقي مأخوذاً بتعين الظاهرية بالذات والمظهرية للغير الاسم النور، وبتعين كونه ما به الانكشاف لذاته ولغيره الاسم العليم، وبتعين كونه خيراً محضاً وعشقاً صرفاً الاسم المربد، وبتعين الفياضية للنورية عن علم ومشية الاسم القدير، وبتعين الدراكية والفعالية الاسم الحي، وبتعين الاعراب عمّا في الضمير المخفي والمكنون الغيبي الاسم المتكلم وهكذا . وكذا مأخوذاً بتجل خاص على ماهية خاصة بحيث يكون كالحصة الّتي هي الكلي المضاف إلى خصوصية تكون الاضافة بما هي اضافة وعلى سبيل التقيد لا على سبيل كونها قيداً داخلة والمضاف إليه خارجاً لكن هذه بحسب المفهوم، والتجلي بحسب الوجود اسم خاص، والمقصود أنه كما أنّ مغايرة الكلي والحصة اعتبارية اذ التغاير ليس إلاّ بالاضافة وهي اعتبارية والمضاف إليه خارج كذلك التجلي ليس إلاّ ظهور المتجلى وظهور الشيء لا يباينه، إلاّ أن الكلي والحصة يطلقان في عالم المفاهيم والمتجلي والتجلي يطلقان على الحقيقة.

فنفس الوجود الّذي لم يلحظ معه تعين ما بل بنحو اللا تعين البحت هو المسمى، والوجود بشرط التعين هو الاسم، ونفس التعين هو الصفة، والمأخوذ بجميع التعينات الكمالية اللائقة به المستتبعة للوازمها من الأعيان الثابتة الموجودة، بوجود الأسماء كالأسماء بوجود المسمى هو مقام الأسماء والصفات الّذي يقال له في عرفهم المرتبة الواحدية كما يقال للموجود الّذي هو اللاتعين البحت: المرتبة الأحدية. والمراد من اللاتعين عدم ملاحظة التعين الوصفي (قد يطلق التعين ويراد به التشخص أي ما به يمنع عن الصدق على الكثرة، ويقال له الهوية ولا هو إلاّ هو، وقد يطلق ويراد به الحد والضيق، واللاتعين هنا بهذا المعنى ومنه:

وجود اندر كمال خويش سارى است *** تعيّنها امور اعتبارى است(11)

وأما بحسب الوجود والهوية فهو عين التشخص والتعيّن والمتشخص بذاته والمتعين بنفسه. وهذه الألفاظ ومفاهيمها مثل الحي العليم المريد القدير المتكلم السميع البصير وغيرها أسماء الأسماء.

إذا عرفت هذا عرفت أنّ النزاع المشهور المذكور في تفسير البيضاوي وغيره من أن الاسم عين المسمّى أو غيره مغزاه ماذا، فإنّ الاسم علمت أنه عين ذلك الوجود الّذي هو المسمى، وغيره باعتبار التعيّن واللاتعين، والصفة أيضاً وجوداً ومصداقاً عين الذات ومفهوماً غيره، فظهر أنّ بيانهم في تحرير محل النزاع غير محرر بل لم يأتوا ببيان، حتى ان شيخنا البهائي أعلى الله مقامه قال في حاشيته على ذلك التفسير: قد تحيّر نحارير الفضلاء في تحرير محل البحث على نحو يكون حرباً بهذا التشاجر حتى قال الإمام في التفسير الكبير: ان هذا البحث يجري مجرى العبث وفي كلام المؤلف ايماءً إلى هذا أيضاً انتهى كلامه رفع مقامه.

(قوله: «حتى قال الإمام...» لانه ان اريد به اللفظ فلا ريب انّه غير المسمى، أو المعنى فلا شك أنه عينه، أو الصفة فهو مثلها في العينية والغيرية والواسطة عند الأشعري. والفرق بين الاسم والصفة كالفرق بين المشتق ومبدئه فالعليم والقدير مثلا اسم والعلم والقدرة صفة فالنزاع عبث لا طائل تحته).

وأنا أقول: لو تنزلنا عمّا حرّرنا على مذاق العرفاء الشامخين نقول: يجري النزاع في اللفظ بل في النقش إذ لكلّ شيء وجود عيني وذهني ولفظي وكتبي والكل وجوداته وأطواره وعلاقتها معه أما طبيعية أو وضعية فكما أنّ وجوده الذهني وجوده، كذلك وجوده اللفظي والكتبي إذا جعلا عنوانين له آلتين للحاظه فإنّ وجه الشيء هو الشيء بوجه وظهور الشيء هو هو فإذا سمع لفظ السماء مثلا أو نظر إلى نقشه يستغرق في وجوده الذهني الّذي هو أربط وأعلق به ولا يلتفت إلى أنه كيف مسموع أو مبصر بل جوهر بجوهريته وظهور من ظهوراته وطور من أطواره، ومن ثم لا يمسّ نقش الجلالة بلا طهارة ويترتب على تعويذه وتعويذ أسماء الأنبياء والأئمة(عليهم السلام) الآثار.

(وكذا خطّ المصحف ومن ثم يصحّح قول المتكلم القائل بأن كلام الله قديم حتى ما بين الدفتين لأن القرآن له منازل عالية ومجالي شامخة إلى العلم العنائي حتى ان المشائين عندهم الصور العملية القديمة كلمات الله وكلّ واحدة منها كالكاف والنون لأنها علة لما يكون وخطاب لم يزل بما لا يزال ان الكلام لفي الفؤاد، والحروف في نقطة المداد).

ثم انّه يمكن أن يراد بالأسماء الحسنى في هذا الاسم الشريف الأئمة الأطهار كما ورد عنهم(عليهم السلام) «نحن الأسماء الحسنى الذين لا يقبل الله عملا إلاّ بمعرفتنا» وفي كلام أميرالمؤمنين عليّ(عليه السلام): «إنا الأسماء الحسنى» فإن الاسم من السمة وهي العلامة ولا شك أنهم علائمه العظمى وآياته الكبرى كما قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : «من رآني فقد رأى الحقّ». ولأن مقام الأسماء والصفات مقامهم(عليهم السلام) وحقّ معرفته حاصل لهم والتحقق بأسمائه والتخلّق بأخلاقه حقهم فهم المرحومون برحمته الصفتية، والمستفيضون بفيضه الأقدس كما أنهم مرحومون برحمته الفعلية والفيض المقدس، وأما معرفة كنه المسمّى والمرتبة الأحدية فهي مما استأثرها الله لنفسه. (قولنا ولأن مقام الأسماء والصفات مقامهم أي الأسماء والصفات الّتي في المرتبة الواحدية كما يقال لها «سدرة المنتهى» لأنها منتهى مسير الكمل وظهور الذات بها رحمته الصفتية كما أن أشراقه على الماهيات الإمكانية رحمته الواسعة الفعلية ولا يقبل الله عملا بمعرفتنا لأنا وسائط الحادث بالقديم والأسماء الحسنى روابط ومخصصات لفيضه المطلق ولولاها لم يتحقق عالم الكثرة) »(12).

وخاتمة كلام المرحوم الحاجي في شرح الأسماء مع تعليقاته ما نقلناه بين هلالين، ولهذه الشخصية مطالب مفيدة في تبيين مراتب وجود الشيء في «اللئالي المنظومة» في المنطق وكذلك في الشرح والحواشي حيث يقول:

وإنّ في وجودات الاُمور رابطة *** ترشدكم صناعة المغالطة

وتلك عيني وذهني طبع *** ثمة كتبي ولفظي وضع

ويقول الشيخ البهائي في الكشكول:

«اعلم أن أرباب القلوب على أن الاسم هو الذات مع صفة معينة، وتجل خاص وهذا الاسم هو الّذي وقع فيه التشاجر مع إنه هو عين المسمى أو غيره، وليس التشاجر في مجرد اللفظ كما ظنّه المتكلمون فسوّدوا قراطيسهم وأفعموا كراديسهم بما لا يجدي بطائل ولا يفوق العالم به على الجاهل»(13).

كانت تلك بعضاً من مقولات أساتيذ هذا الفن بخصوص تعريف الاسم والصفة رأينا أن ننقلها لغرض المزيد من التبصر في رفع أي ابهام في معنى الاسم والّذي يعتبر من أهم الاُمور في مسائل موضوع الرسالة.

وخلاصة القول ان وحدة الظاهر وكثرة وتعدد المظاهر والّتي هي في الواقع من شؤون وظهورات وبروزات وتجليات الهوية المطلقة أي نفس تلك الوحدة الحقة الحقيقية، يلزم تدقيق الفكر وتلطيف السريرة وكذلك هو ما نقله العلاّمة الشيخ البهائي في الكشكول.

«قال السيدالشريف في حاشية شرح التجريد:إن قلت:ما تقول في من يرى أن الوجود مع كونه عين الواجب وغير قابل للتجزّي والانقسام قد انبسط على هياكل الموجودات وظهر فيها فلا يخلو منه شيء من الأشياء بل هو حقيقتها وعينها وإنما امتازت وتعينت بتقيدات وتعينات وتشخصات اعتبارية ويمثل بالبحر وظهوره في صورة الأمواج المتكثرة مع أنه ليس هناك إلاّ حقيقة البحر فقط؟

قلت: هذا طور وراء طور العقل لا يتوصل إليه إلاّ بالمجاهدة الكشفية دون المناظرات العقلية وكلّ ميسر لما خلق له»(14).

ان الاسم الّذي يكون موجباً لارتقاء واعتلاء الجوهر الإنساني هو اسم عيني

ان الاسم الّذي يكون موجباً لارتقاء واعتلاء الجوهر الإنساني والّذي بارتقائه درجة درجة يصل إلى منزلة يكون قادراً فيها على التصرف بمادة الكائنات هو الاسم العيني حيث ان الإنسان وبحسب الوجود والعين إذا اتصف بأي اسم من الأسماء الإلهية والّتي هي كلمات «كن» الباري فإن سلطان ذلك الاسم وخواصه العينية تظهر فيه، فيصبح هو الاسم، وعندها يمكنه أن يفعل ما كان يفعله المسيح.

وهذا حديث شريف رواه الصدوق بإسناده في معاني الأخبار عن أبي إسحاق الخزاعي عن أبيه عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «دخلت مع أبي عبدالله(عليه السلام)على بعض مواليه يعوده، فرأيت الرجل يكثر من قوله آه، فقلت: يا أخي اُذكر ربّك واستغث به، فقال أبو عبدالله(عليه السلام): «وان آه من أسماء الله عزّوجلّ فمن قال آه فقد استغاث بالله تبارك وتعالى»(15).

التجليات الأسمائية وغاية الحركة الوجودية والايجادية

لقد عبّر القرآن الكريم وروايات أهل العصمة والوحي(16) عن التجليات والّتي هي الظهورات نفسها بتعبير اليوم: (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأن)(17) هذه التجليات والظهورات، هي عبارة عن انفطار الموجودات عن ذات الواجب تعالى، وان اشتقاق هذه الكلمات الوجودية يكون من مصدرها والّذي هو الوجود الواجب، والجميع قائم به على نحو قيام الفعل بالفاعل، والمعلول بالعلة، والفرع بالأصل، كما يقال: (انفطر النور من الشجر).

ان الأسماء الالهية تعريف للصفات الجمالية والجلالية للذات المقدسة للحقّ تعالى وهذه الأسماء باعتبار الجامعية يتميز بعضها على البعض الآخر بالفضل والمزية والمرتبة حتى تنتهي بكلمة الجلالة «الله» وهي الاسم الأعظم والكعبة لجميع الأسماء حيث الجميع طائف حولها، وكذلك فإن مظهر الاسم الأعظم وتجلّيه الأتم (الإنسان الكامل) هو كعبة الجميع، ولا يوجد فرد آخر أليق منه بذلك، بل هو في الحقيقة الاسم الإلهي الأعظم، وهو في زمان الغيبة خاتم الأولياء قائم آل محمّد المهدي الموعود (الحجة بن الحسن العسكري) صلوات الله عليهم أجمعين.

ولبقية الأوتاد والأبدال الكمّل، وكذا الأفراد غير الكمّل القرب المعنوي من مركز دائرة الكمال، كلٌّ حسب حظه ونصيبه من التحقق بالأسماء الحسنى والصفات الإلهية العليا وبالشكل الّذي سنوضحه لاحقاً في هذه الرسالة، بعد امداد الممدّ والمفيض وبالاعتماد على أولياء الحقّ والاستمداد من تلك الأرواح القدسية كالشمس في السماء الصاحية.

والأهم من ذلك هو اتصاف الإنسان وتخلقه بحقائق الأسماء الّتي تمثل الثروة الواقعية والسعادة الحقيقية له.

وإن كان معرفة لغات الأقوام وألسنتهم فضلا، إلاّ أن الّذي يكون منشأ للآثار الوجودية وموجباً لقدرة وقوة النفس الناطقة وسبباً لقربها من الجمال والجلال المطلق هو أن تكون مظهر الأسماء وتصير حقائقها الوجودية صفات وملكات في النفس.

فلو كان تعلّم الأسماء (وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا)(18) تعليماً للألفاظ واللغات فكيف يمكن أن يكون ذلك سبباً لتفاخر آدم واعتلائه على الملائكة. ان المرحلة العليا الّتي يبلغها إنسان ما إذا كان مطلعاً وعارفاً بلغة أجنبية هي أن يكون بمستوى فلاّح عامي من أهل تلك اللغة، وقد لا يصل إلى هذه المرتبة. لذا قال أمين الإسلام الطبرسي في المجمع في تفسير هذه الآية: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا): أي علّمه معاني الأسماء إذ الاسم بلا معان لا فائدة فيها ولا وجه لإشارة الفضيلة بها». ثم يقول: «وقد رُوي عن الصادق(عليه السلام) أنه سُئل عن هذه الآية فقال: «الأرضين والجبال والشعاب والأودية. ثم نظر إلى بساط تحته فقال: وهذا البساط مما علمه».

نستنتج من البيان الّذي قدمناه في الاسم والمسمى بأن هذه التجليات والظهورات هي انفطار الموجودات من الذات الواجبة، وان اشتقاق هذه الكلمات الوجودية يكون من مصدرها والّذي هو الوجود الواجب، والجميع قائم به بنحو قيام الفعل بالفاعل، والمعلول بالعلة، والفرع بالأصل كما يقال (انفطر النور من الشجر) وكم لحديث الاشتقاق من عذوبة في هذا المقام!

 

حديث الاشتقاق وبعض الاشارات واللطائف المستفادة منه

من خلال المطالب الّتي قدمناها في بحث الاسم يمكن أن نفهم معنى اشتقاق الأسماء من الذات الواجبة تعالى وكذلك حديث «نحن الأسماء الحسنى» ونظائره المروية عنهم(عليهم السلام) في المجاميع الروائية عن الوسائط بين القديم والحادث.

ان الاشتقاق الصرفي والأدبي هو مظهر أو صورة لهذا الاشتقاق، فالسلسلة الطولية للعوالم وفي جميع أحكامها الوجودية تحكي بصورة رقيقة وحقيقية عن أحدها الآخر أن المرتبة العالية هي الحقيقة الدانية وأن المنزلة الدانية هي الرقيقة العالية.

وفي تفسير الصافي للمرحوم الفيض جاء ضمن تفسير الآية الكريمة: (إنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) ورد هذا الحديث الشريف الّذي نرجو التبرك بنقله:

«قال عليّ بن الحسين(عليه السلام) : حدّثني أبي، عن أبيه، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: يا عباد الله ان آدم لما رأى النور ساطعاً من صلبه إذ كان الله قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره، رأى النور ولم يتبيّن الأشباح فقال يا ربّ ما هذه الأنوار؟ فقال عزّوجلّ: أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك، ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح. فقال آدم: يا ربّ لو بينتها لي، فقال الله عزّوجلّ: اُنظر يا آدم إلى ذروة العرش. فنظر آدم(عليه السلام) ووقع نور أشباحنا من ظهر آدم على ذروة العرش فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا الّتي في ظهره كما ينطبع وجه الإنسان في المرأة الصافية فرأى أشباحنا فقال: ما هذه الأشباح يا ربّ؟ قال الله: يا آدم هذه أشباح أفضل خلائقي وبرياتي هذا محمّد وأنا الحميد المحمود في فعالي شققت له اسماً من اسمي.

وهذا عليّ وأنا العليّ العظيم شققت له اسماً من اسمي.

وهذه فاطمة وأنا فاطر السموات والأرض فاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي وفاطم أوليائي عمّا يعيرهم ويشينهم، فشققت لها اسماً من اسمي.

وهذا الحسن والحسين وأنا المحسن المجمل شققت اسميهما من اسمي.

هؤلاء خيار خليقتي وكرام بريتي بهم آخذ وبهم اُعطي وبهم اُعاقب وبهم اُثيب، فتوسّل بهم إليَّ. يا آدم دهتك داعية فاجعلهم الي شفعاءك فإنّي آليت على نفسي قسماً حقّاً إلاّ اُخيّب بهم أملا ولا أرد بهم سائلا فلذلك حين زلت منه الخطيئة دعا الله عزّوجلّ بهم فتيب عليه وغُفرت له».

من هذا الحديث الشريف يظهر أن العرش مراتب ودرجات، ولذلك قال: «من ذروة العرش، من أشرف بقاع عرشي» وكم هو عظيم المنزلة تقابل الظهر والوجه وخاصة كلمة الظهر الّتي تشعر أيضاً ان ظهور تلك الأشباح في النشأة العنصرية هي في ظهر ووراء آدم اضافة إلى أنه أظهر آدم على أنه مرآة قابلة لانطباع الصور وحقائق الأنوار المجردة فاظهر بعد ذلك على أنه يملك جهازاً ومعملا لتمثيل الأنوار المجردة واظهارها على صورة أشباح (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً)(19) فسبحان الله الّذي أعظم شأن الإنسان أي تعظيم.

في باب الروح من توحيد الكافي(20) باسناده عن محمّد بن مسلم قال:

سألت أبا جعفر(عليه السلام) عما يروون أن الله خلق آدم على صورته، فقال: «هي صورة محدثة مخلوقة واصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة، فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه فقال بيتي ونفخت من روحي».

والحديث بعد ذلك عن «شققت له اسماً من اسمي» حيث قال: (شققت) ولم يقل (جعلت) أو تعبيرات اُخرى مشابهة فهذا الاشتقاق هو انشقاق وانفطار اسمي من الذات السبحانية الّتي لا نظير ولا قبيل لها. اسم بذلك المعنى السابق بخصوص الاسم الأسمى والكلمة العليا الّتي يكون ذاته وصفاته وأفعاله المصدر الأتم، والناطق بـ «اُوتيت جوامع الكلم» إذ يكون المصدر ومصدره في فعاله حميداً ومحموداً.

في الاشتقاق الأدبي الّذي هو ظل لهذا الاشتقاق كلّ صيغة مشتقة هي مصدر متعين بتعيّن خاص وصيغة لفعله تبين هيئة وكيفية الفعل والّتي هي صياغة خاصة، وإنما يطلق على الصائغ كذلك لأن عمله صياغة الذهب واظهاره بصيغ وهيئات مختلفة.

فالاشتقاق الآخر هو اسم الوصيّ(عليه السلام) من الاسمين الأعظمين عليّ وعظيم.

الحديث الثاني من باب حدوث الأسماء من توحيد الكافي(21) مسنداً عن ابن سنان قال: سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) هل كان الله عزّوجلّ عارفاً بنفسه قبل أن يخلق الخلق؟ قال: نعم، قلت يراها ويسمعها؟ قال: «ما كان محتاجاً إلى ذلك لأ نّه لم يكن يسألها ولا يطلب منها، هو نفسه ونفسه هو، قدرته نافذة فليس يحتاج أن يسمّى نفسه ولكنّه اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها لأ نّه إذا لم يدع باسمه لم يعرف. فأول ما اختار لنفسه: العليّ العظيم، لأ نّه أعلى الأشياء كلها فمعناه الله واسمه العليّ العظيم هو أول أسمائه علا على كلّ شيء».

الملاحظة الاُخرى الملفتة للنظر هي ان اسمي الإمامين الحسن والحسين(عليهما السلام) كلاهما مشتقان من اسم محسن ومجمل أي أن الإمام الحسن(عليه السلام)محسن ومجمل في سيرته وكذلك الإمام الحسين(عليه السلام) سواء في ذلك الإمام الحسن(عليه السلام) في مواجهة بني اُمية لمصلحة الدين والاُمة، وثورة الإمام الحسين(عليه السلام)، قال النبيّ الأكرم: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»(22) وقال أبو جعفر(عليه السلام) إنّه «يعني الحسن(عليه السلام)» أعلم بما صنع لولا ما صنع لكان أمر عظيم» وقال الحسن(عليه السلام): «ما تدرون ما فعلت والله للذي فعلت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس»(23).

كما سكت الإمام عليّ عن حقه حفاظاً على الإسلام والمسلمين ويمكن اعتبار الخطبة الشقشقية وثيقة مهمة في هذا المجال.

والاحسان على مراتب والإنسان الكامل حائز لهذه المراتب كلها. وقد تحدث الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي في (الفتوحات المكية) باب أربعمائة وستون عن الإسلام والإيمان والإحسان، ومن جملة ما قاله ما يلي:

«ورد في الخبر الصحيح الفرق بين الإيمان والإسلام والإحسان فالإسلام عمل والإيمان تصديق والإحسان رؤية أو كالرؤية فالإسلام انقياد والإيمان اعتقاد والإحسان اشهاد فمن جمع هذه النعوت وظهرت عليه أحكامها عم تجلي الحقّ له في كلّ صورة».

وله بحث مفيد في الباب 558 حول الاحسان قال فيه:

«قال جبرائيل(عليه السلام) لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : الاحسان أن تعبد الله كأ نّك تراه فإنك إن لا تراه فإنه يراك. وفي رواية: فإن لم تكن تراه فإنه يراك فأمره أن يخيله ويحضره في خياله على قدر علمه به فيكون محصوراً له، وقال تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ) فمن علم قوله: «ان الله خلق آدم على صورته»، وعلم قوله عليه الصلاة والسلام: «من عرف نفسه عرف ربّه» ، وعلم قوله تعالى: (وَفِي أنفُسِكُمْ أ فَلا تُبْصِرُونَ) (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآ فَاقِ وَفِي أ نْفُسِهِمْ) علم بالضرورة أنه إذا رأى نفسه هذه الرؤية فقد رأى ربّه بجزاء الإحسان وهو أن تعبد الله كأنّك تراه إلاّ الاحسان وهو أنك تراه حقيقة كما أريته نفسك... الخ.

ذكر ابن الفناري في كتابه (مصباح الانس) في الفصل الأوّل لسورة الفاتحة بحثاً مفصلا حول الاحسان ومراتبه، ونقل شواهد نقلية في هذا المجال، وذكر العلاّمة القيصري خلاصة ذلك في شرح الفص الشعيبي (ص 282) وفي بداية الفص الإسحاقي (ص 189) وفي بداية الفص اللقماني من «فصوص الحكم»:

الإحسان لغة فعل ما ينبغي أن يفعل من الخير بالمال والقال والفعل والحال كما قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «وإن الله كتب الإحسان على كلّ شيء فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، الحديث». وفي ظاهر الشرع: «أن تعبد الله كأنك تراه» كما في الحديث المشهور، وفي باطنه والحقيقة شهود الحقّ في جميع المراتب الوجودية إذ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): كأنك تراه تعليم وخطاب لأهل الحجاب.

فللإحسان مراتب ثلاث:

أولها: اللغوي وهو أن تحسن على كلّ شيء على من أساء اليك وتعذره وتنظر على الموجودات بنظر الرحمة والشفقة.

وثانيها: العبادة بحضور تام كأنّ العابد يشاهد ربّه.

وثالثها: شهود الربّ مع كلّ شيء وفي كلّ شيء كما قال تعالى: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى) أي مشاهد لله تعالى عند تسليم ذاته وقلبه إليه.

قال الوصيّ(عليه السلام): «قيمة كلّ امريء مايحسن» يقول الجاحظ في (البيان والتبيين)(24) بعد نقله النص المذكور: «فلو لم نقف من هذا الكتاب إلاّ على هذه الكلمة لوجدناها شافية كافية ومجزئة مغنية، بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، وغير مقصرة عن الغاية، وأحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره ومعناه في ظاهر لفظه، وكان الله عزّوجلّ قد ألبسه من الجلالة وغشّاه من نور الحكمة على حسب نيّة صاحبه وتقوى قائله».

ومن النكت المهمة في حديث الاشتقاق المذكور هو ما جاء في آخره في وصف تلك الأنوار حيث يقول: «هؤلاء خيار خليقتي وكرام بريتي بهم آخذ وبهم اُعطي وبهم اُعاقب وبهم اُثيب».

نفس هذا التعبير جاء بخصوص العقل أيضاً كما روى ذلك ثقة الإسلام الكليني في بداية اُصول الكافي وبداية الحديث هو: روى بسنده عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إليَّ منك ولا أكملتك إلاّ فيمن اُحب، أما اني إياك آمر وإياك أنهي وإياك اُعاقب وإياك اُثيب».

روي هذا الحديث في كتب الفريقين بأسانيد وصور متعددة، ونُقل بشكل مفصل ومبسوط في الباب الثالث والخمسين من إرشاد القلوب للديلمي، وهو الحديث الأوّل في ذلك الباب، وذُكرت فيه ملاحظات غاية في الدقة والأهمية.

والغرض من كلّ ذلك هو أن أوصاف وسائط الفيض الإلهي ذُكرت في حديث الاشتقاق، وفي هذا الحديث جاءت بخصوص العقل، ومن خلال التأليف بين هذين الحديثين نحصل على هذه النتيجة وهي ان الإنسان الكامل هو العقل، وكذلك فإن النتائج الكثيرة الاُخرى الّتي يصل إليها مستنتج الحقائق من التأليف بين هاتين المقدميتن أعني الحديثين المذكورين ـ هو أن الأحاديث كالآيات يفسر بعضها بعضاً، وبعضها شاهد على البعض الآخر وحاك عنه.

قال الصادق(عليه السلام): «أحاديثنا يعطف بعضها على بعض فإن أخذتم بها رشدتم ونجوتم، وإن تركتموها ضللتم وهلكتم، فخذوا بها وأنا بنجاتكم زعيم»(25).

ان لسان ولغة السفراء الإلهيين كلها أسرار، نسأل الله أن يرزقنا توفيق فهم أسرارهم ورموزهم ويمكن الاستفادة من نكت اُخرى في حديث الاشتقاق المذكور ولكن الخوض في بحثها قد يؤدي بنا إلى الخروج عن موضوع هذه الرسالة.

المراد من تعليم الأسماء مما أفاضه الفيض المقدس في تفسير تعليم الأسماء هو:

«المراد بتعليم آدم الأسماء كلها خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متبائنة حتى استعدّ لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات وإلهامه معرفة ذوات الأشياء وخواصها واُصول العلم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها والتميز بين أولياء الله وأعدائه فتأتي له بمعرفة ذلك كله مظهريته لأسماء الله الحسنى كلها وبلوغه مرتبة أحدية الجمع الّتي فاق بها سائر أنواع الموجودات ورجوعه إلى مقامه الأصلي الّذي جاء منها وصار منتخباً لكتاب الله الكبير الّذي هو العالم الكبير».

هذا البيان يوضح ما ذكرناه من أن المراد من تعليم الأسماء هو امتلاك استعداد وجبلة تمكنان الإنسان أن يمثل الكون الجامع، وكان الحديث في أنّ دلالة الآية الكريمة: (إنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) صريحة على استمرار وجود الخليفة المنصوب من قبل الله تعالى وأ نّه يجب أن يكون الخليفة وفقاً لصفات المستخلف عنه وبما أن واجب الوجود مستجمع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العليا فإن الخليفة أيضاً يجب أن يتصف بصفاته لذا قال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا) ومثل هذا الشخص مطاع من قبل الملائكة.

خليفة الله جامع لجميع أسماء الله

في هذه الآية الكريمة: (إنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) وبلحاظ تعدد الأسماء الإلهية وأتصاف الخليفة بصفات المستخلف عنه، يتمّ وجوب استمرار وجوب الإنسان الكامل على الأرض الموجود دائماً في أفراد نوع الإنسان وهو الفرد الأكمل من جميع أفراد الكائنات في جميع الأسماء والصفات الجمالية والجلالية حتى يكون ممثلا لحضرة الاله تعالى.

فمثلا أن الحقّ واحد أحد مما يدل على اكمال وحدانية ذاته، وبناءً على ذلك فإنّه يجب أن يكون في أفراد النوع الإنساني (الّذي هو أكمل وأتم وأشرف الأنواع) من هو متميز عنهم ومنفرد في اتمام الكمال.

والحقّ جلّ وعلا عالم وعليم وأن ذلك يدل على احاطته بجميع ما سواه اذن يجب أن نجعل لله تعالى مظهراً وعلامةً في أفراد النوع الإنساني يكون علمه أتم من علم ما سواه، وهكذا في صفات القادر القدير السامع السميع البصير الخبير وبقية أسمائه اللامتناهية (وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا) وحتى في الأسماء الالهية المستأثرة بمعنىً.

*الله* ليس مكرراً في «الفاتحة»

ان الأسماء الالهية معرّفة للصفات الجمالية والجلالية للذات المقدسة للحقّ تعالى، وهذه الأسماء ـ باعتبار جامعيتها ـ لبعضها الفضل والمزية والمرتبة على البعض الآخر حتى تنتهي جميعها بكلمة الجلالة المباركة ألا وهي كلمة الله الذاتية «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وهذه الكلمة الذاتية (ببرهان التوحيد في الذات، وفي الالهية بحسب الوجود)، وصف وهو ربّ العالمين(الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ) .

لذا فإن «الله» ليس مكرراً في الفاتحة، واسم الجلالة هو الاسم الأعظم وكعبة جميع الأسماء، وأن الجميع طائف حوله، وكذلك الإنسان فهو مظهر الاسم الأعظم وتجليه الأتمّ وهو كعبة الجميع، ولا يوجد فرد آخر أولى منه بذلك.

اذن فالإنسان هو الاسم الإلهي الأعظم. وقال بعض العلماء بأنّ «علم» اسم أعظم وقال أحد أكابر أهل المعنى: لدي عقيدة بأن «اليقين» هو الاسم الأعظم. وكلها حقّ وإن تعددت من ناحية المفهوم إلاّ أنها ليست سوى شيء واحد بحسب الوجود العيني، وهذا منقوش في الفصل الآدمي الثمين ويا له من نقش لطيف بخط الحبيب ألا وهو:

«فسمي هذا المذكور ـ يعني الكون الجامع ـ انساناً وخليفةً: فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها وهو للحقّ بمنزلة إنسان العين من العين الّذي به يكون النظر وهو المعبّر عنه بالبصر فلهذا سمّي إنساناً فإنه به نظر الحقّ إلى خلقه فرحمهم فهو الإنسان الحادث الأزلي والنشأ الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة، فتمّ العالم بوجوده فهو من العالم كفصّ الخاتم من الخاتم الّذي هو محل النقش والعلامة الّتي بها يختم الملك على خزائنه وسمّاه خليفة من أجل هذا لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ بالختم الخزائن، فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلاّ بإذنه فاستخلفه في حفظ العالم فلا يزال العالم محفوظاً ما دام فيه هذا الإنسان الكامل، ألا تراه إذا زال وفكّ من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحقّ فيها وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعض وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختماً على خزانة الآخرة فكان ختماً على خزانة الآخرة ختماً أبدياً.

فظهر جميع ما في الصورة الالهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الاحاطة والجمع بهذا الوجود وبه قامت الحجة على الملائكة.

الخلافة مرتبة جامعة لجميع مراتب العالم

لا جزم أن ذلك هو الّذي حوّل آدم إلى مرآة للمرتبة الإلهية حتى يكون قابل ظهور جميع الأسماء، وكانت تلك هي مرتبة الإنسان الكامل بالفعل لكي توصل الإنسان غير الكامل وحسب قابليته واستعداده في ظهور الأسماء من القوة إلى الفعل، علاوة على أن الإنسان هو فوق مقام الخلافة الكبرى كما أشار لذلك ابن الفناري في (مصباح الانس) حيث قال:

«إن للإنسان أن يجمع بين الأخذ الأتمّ عن الله تعالى بواسطة العقول والنفوس بموجب حكم إمكانه الباقي، وبين الأخذ عن الله تعالى بلا واسطة بحكم وجوبه فيحلّ مقام الإنسانية الحقيقية الّتي فوق الخلافة الكبرى»(26).

الإنسان الكامل هو الاسم الالهي الأعظم:

تحدثنا بعض الشيء عن كلمة «الله» الذاتية والوصفية و «الاسم الأعظم» ويطلب برهان المطلب الأوّل من الفصل الأوّل إلى الثامن من بداية آلهيات الأسفار، حيث أن الموقف الأوّل هو في التوحيد ومعرفة الله الذاتية، وثامنه في التوحيد ومعرفة الله الوصفية، الّتي تعني بالالوهية الوصف العنواني للآله وربّ العالم كما يقول في افتتاحية الفصل: «في اثبات وجوده والوصول إلى معرفة ذاته» ويقول في افتتاحية الثامن: «في أن واجب الوجود لا شريك له في الإلهية وإن إله العالم واحد»(27) وكذلك فسر معنى الالوهية في الموقف الثاني للالهيات في نهاية الفصل الرابع. والقصد من هذا التشعيب ان ذات واجب الوجود الأحد هو نفسه إله وربّ العالمين فافهم.

ويجب أن تطلب سلطان بحث الالوهية وبشكل مستوف في شرح خاتمة التمهيد(28) من كتاب (مصباح الانس) وفي شرح القيصري على (فصوص الحكم)(29) حول (الفص النوحي، والإبراهيمي(30) واليعقوبي)(31).

ولابدّ من التدبر في قول الإمام الصادق(عليه السلام) في الوصول لهذا السر المقنع حيث يقول: «اسم الله غيره ... الخ»(32).

ولأن موضوع الرسالة هو الإنسان الكامل نكتفي بهذه الإيماءة في المطلب الأوّل ونتحدث باختصار واجمال حول الاسم الأعظم فنقول:

اعلم بأن الأسماء اللفظية هي أسماء الأسماء وظلالها، والأساس هي نفس الأسماء، والّتي هي الحقائق النورية والأعيان الكونية، وقد أشاروا لهذا الظل وذي الظل بالقول «للحروف صور في عوالمها» كما ذكر الشيخ محي الدين بن عربي ذلك في الدار المكنون والجوهر المصون في علم الحروف، وقال الشيخ مؤيد الجندي في شرح الفصوص:

«اعلم أنّ الاسم الأعظم الّذي اشتهر ذكره وطاب خبره ووجب طيّه وحرم نشره من عالم الحقايق والمعاني وحقيقة ومعنى ومن عالم الصور والألفاظ صورة ولفظاً... الخ»(33).

وكيف ما كان نقول في الاسترواح من هذا السر المقنع: أن سرّ كلّ شيء هو حقيقته اللطيفة المخفية والّذي يعبرون عنه أيضاً بـ «الحصة الوجودية» ونفس هذا السر والحصة الوجودية هو جدول الارتباط بالبحر اللامتناهي لمتن الاعيان.

واعلم الآن بأن الالوهية ربما انّها تمثل ظل حضرة الذات وان اُمهات أسماء الالوهية وهي الحي والعالم والمريد والقادر هي بمنزلة ظلالات أسماء الذات لذا فإن أعظم أسماء حقيقة الالوهية هو اسم (الله).

والاسم الأعظم في مرتبة الأفعال هو عبارة عن أسماء «القادر» و «القدير» وهما من الأسماء الاُم، لأن أسماء «الخالق» «الباري» «المصور» «القابض» «الباسط» وأمثالها بمنزلة السدنة.

وتوجد مرتبة اُخرى أيضاً لأعظمية الأسماء وهي مختصة بالتعريف. لذا فإن كلّ اسم كان أتمّ من غيره في تعريف الحقّ سبحانه فإنّه أعظم منه، سواءً أكان التعريف بمرتبة اللفظ والكتابة أو في مرتبة خارجة عن ذلك حيث ستكون العين الخارجي، وهذا يعود لذلك السر والحصة المذكورة والّتي يختص الاسم الأعظم فيها بالإنسان الكامل «من رآني فقد رأى الله».

وبالنتيجة فإن وجود خاتم الرسل هو أعظم أسماء الله وهكذا بالنسبة لبقية الكلمات التامة والأسماء الإلهية الحسنى (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض )(34) (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْض)(35).

وفي الكافي روى باسناده عن معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) «في قول الله عزّوجلّ (ولله الأسْمَاءُ الحُسْنَى فادعوه بها). قال: نحن والله الأسماء الحسنى الّتي لا يقبل الله من العباد عملا إلاّ بمعرفتنا»(36).

ان الاسم الأعظم لخاتم الرسل(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يمكن أن يصبح من نصيب أي شخص آخر. نعم بالقدر الّذي يمكنك أن تقترب منه عينياً لا أينيّاً فإنك تقترب من الاسم الأعظم للحقّ تعالى، ولأنّ القرآن الّذي بين الدفتين هو الصورة الكتبية للخاتم، فإن هذا الاسم الكتبي هو الاسم الأعظم أيضاً، كما تمت معرفته.

من خلال هذا البيان التعريفي حصلت على المراد من جمع هذه الروايات العديدة حول الاسم الأعظم، والآن، ومع أخذ الاُصول المذكورة بنظر الاعتبار يستحسن النظر بدقّة إلى هذه الروايات المنقولة:

أ ـ في تفسير الاخلاص في «مجمع البيان» روى:

«عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنه قال: رأيت الخضر في المنام قبل بدر بليلة فقلت له: علّمني شيئاً أنتصر به على الأعداء. فقال، قل: يا هو يا من لا هو إلاّ هو، فلمّا أصبحت قصصت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا عليّ علّمت الاسم الأعظم... الحديث».

ب ـ والكافي بإسناده، عن أبي جعفر(عليه السلام):

«أن اسم الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفاً وإنّما كان عند آصف منها حرف واحد، فتكلّم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة العين، ونحن عندنا من الاسم الأعظم اثنان وسبعون حرفاً، وحرف واحد عند الله تعالى استأثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم»(37).

ج ـ وفي الباب التاسع عشر من مصباح الشريعة:

«سئل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن اسم الله الأعظم، فقال: كلّ اسم من أسماء الله أعظم ففرّج قلبك عن كلّ ما سواه وادعه بأي اسم شئت فليس في الحقيقة لله اسم دون اسم بل هو الله الواحد القهّار».

إن مخاطبة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث المعراجي بـ يا أحمد يا أحمد كان أمراً منه تعالى بـ «عظّم اسمائي» وكأن عارف البسطامي قد اقتبس من هذه الكلمة السامية حين سأله أحد الأشخاص ما هو الاسم الأعظم؟ قال: بيّن لي الاسم الأصغر حتى اُبيّن لك الاسم الأعظم، فاحتار ذلك الشخص فقال له: كلّ أسماء الحقّ عظيمة.

د ـ قال باقر علوم الأولين والآخرين(عليه السلام) في دعاء السحر العظيم لشهر الله المبارك وغيره: «اللّهمّ إنّي أسألك من أسمائك بأكبرها وكلّ أسمائك كبيرة».

هـ ـ في تفسير أبي الفتوح الرازي:

«سئل الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) عن أهم أسماء الله الأعظم فقال: ادخل إلى هذا الحوض البارد، فدخل في ذلك الماء وكلما أراد أن يخرج منعه حتى قال: «يا الله أغثني» فقال: هذا هو الاسم الأعظم، فالاسم الأعظم يرتبط بحالة الإنسان نفسه».

و ـ «وفي البحار بإسناده إلى أبي هاشم الجعفري قال: سمعت أنا محمّد(عليه السلام)يقول: بسم الله الرحمن الرحيم أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها»(38) وقريب من هذا الحديث جاء في تفسير الصافي في بداية الفاتحة «العياشي عن الرضا(عليه السلام): انها أقرب إلى اسم الله الأعظم من ناظر العين إلى بياضها، ورواه في التهذيب عن الصادق(عليه السلام)».

ر ـ نقل السيد الأجل عليّ خان الشيرازي المدني في كتاب (الكلم الطيب) أن الاسم الأعظم لله تعالى هو ذلك الاسم الّذي يفتتح بـ «الله» وختامه «هو» ولا توجد نقاط في حروفه «ولا تَتغير قراءته أعرب أم لم يعرب» ويوجد ذلك في ذلك في آيات مباركة في خمس سور من القرآن المجيد هي: البقرة، آل عمران، النساء، طه، التغابن.

يقول الراقم: انّها ست آيات في ست سور واحد منها في سورة النمل أيضاً:

(اللهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ) إلى آخر آية الكرسي.

(اللهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ* نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَـيْنَ يَدَيْهِ وَأنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأنْزَلَ الفُرْقَانَ)(39).

اللهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً)(40).

(اللهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى)(41).

(لا إلَهَ إلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ)(42).

(اللهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَـلْيَـتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ)(43).

بل يجب أن نقول بأنّ الاسم الأعظم موجود في سبع آيات من القرآن الكريم حيث ان الآية 63 من سورة «غافر» المباركة ـ والّتي هي سورة المؤمن من جملة تلك الآيات (ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْء لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَأ نَّى تُؤْفَكُونَ).

هذه الآية الكريمة هي نفس الآية الّتي أشار إليها العالم الجليل محمود دهدار الملقب بالعياني في كتاب (كنوز الأسماء) في تحصيل الاسم الأعظم.

ح ـ وفي غالب مقامات مقالات بين الوحي الّتي تناولت الاسم الأعظم في زبور آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) نرى لها اشتراكاً في (الحَيُّ القَيُّومُ) يقول في كتاب (الفتوحات المكية) الباب 73 من جواب السؤال 131:

«ما رأس أسمائه الّذي استوجب منه جميع الأسماء؟ الجواب: الاسم الأعظم الّذي لا مدلول له سوى عين الجمع وفيه الحي القيوم»(44).

ان الحياة شرط لكل اسم من أسماء الذات والصفات والأفعال، وان اُمهات الأسماء والصفات سبع: الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام والّتي يسمونها بالأئمة السبعة. والحياة إمام أئمة الصفات. وإمام أئمّة الأسماء هو الحي والّذي هو درّاك فعّال، فتبصّر.

ان الاسم المفرد المحلى بالألف واللام يفيد الاستغراق والشمول، والجملة الاسمية بخصوص الخبر المحلى بالألف واللام وخاصة إذا كان كناية بين الفواصل فإنّه يفيد الانحصار بشكل تام فافهم القيّوم فوق القائم، كمثل حاكمية كثرة المبانى والّذي هو قائم بذاته وحافظ لغيره، أي ان ما سواه قائم به. هذا المعنى الّذي هو متن الاعيان، والاعيان هي شؤون وأطوار الله سبحانه عما يصفون إلاّ عباد الله المخلصين.

«فهو سبحانه قيّوم كلّ شيء مما في السموات والأرض، الممسك لهما أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد بعده».

يقول الخواجه نصيرالدين الطوسي في تفسير ذلك في آخر النمط الرابع من شرح إشارات الشيخ الرئيس:

«القيوم بريٌ عن العلائق أي عن جميع أنحاء التعلّق بالغير، وعن العهد أي عن أنواع عدم الإحكام والضعف والدرك وما يجري مجرى ذلك، يقال في الأمر عهدتي لم يُحكم بعد، وفي عقل فلان عهدة أي ضعف، وعهدته على فلان أي ما أدرك فيه من درك فاصلاحه عليه، وعن المواد أي الهيولي الاُولى وما بعده من المواد الوجودية، وعن المواد العقلية كالماهيات، وعن غيرها مما يجعل الذات بحال زائدة أي عن المشخصات والعوارض الّتي يصير المعقول بها محسوساً أو مخيّلا أو موهوماً».

هذا التفسير ليس خالياً من الاشكال، علماً بأنّه حسب اُصول التوحيد لدى المتأخرين يعتبر من المشائية والّذي هو تنزيه في عين التشبيه (سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ) فتدبّر.

والغرض من ذلك هو بما أن الذات الواجبية هي الحي القيّوم، والحي إمام الأئمة، والقيّوم قائم بالذات ومقيم لما سواه ، لذا فإن الحي القيوم هو الاسم الأعظم (اللهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ).

ط ـ يقول في كتاب (خشبتان وصخرة واحدة): التقرير المهم الّذي قرره بعض العظماء هو قولهم بأن العلم هو الاسم الإلهي الأعظم، وسمعت أن بعض أكابر أهل المعنى قد تخيل في أطراف الاسم الأعظم ثم قال: عندي اعتقاد بأن «اليقين» هو الاسم الأعظم ولكن بشرط اليقين. واليقين قسمان طريقي وموضوعي وكذلك فعلي وأفعالي، فليتدبر.

والمرحوم الكفعمي في المصباح أورد اليقين في عداد أسماء الحقّ تعالى وفي الحرف أو الفصل الثاني والثلاثين المختص بخواص الأسماء الحسنى وشرحها يقول «اللّهمّ إنّي أسألك باسمك يا يقين يا يد الواثقين يا يقظان لا يسهو... الخ».

اذن ما حكي عن بعض الأكابر في كتاب «خشبتان وصخرة واحدة» هو وفق هذا المعنى الرصين. وما قاله: ولكن بشرط اليقين لأنّ اليقين نفسه هو وزين ورصين جداً. اُنظروا بدقة في هذين الحديثين الشريفين:

الحديث الأوّل في الكافي(45) عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) وساق الحديث إلى أن قال: فقال (أي رجل من الزنادقة) : أوجدني كيف هو وأين هو؟ فقال: ويلك ان الّذي ذهبت إليه غلط هو أيّن الأين، الكيّف الكف بلا كيف فلا يعرف بالكيفوفية ولا بأينونية ولا يدرك بحاسة ولا يقاس بشيء».

فقال الرجل: فإذاً انّه لا شيء إذا لم يدرك بحاسة من الحواس، فقال أبو الحسن(عليه السلام): «ويلك لما عجزت حواسك عن ادراكه نكرت ربوبيته، ونحن إذا عجزت حواسنا عن ادراكه أيقنا أنه بخلاف شيء من الأشياء».

اذن فاعلم بأن اليقين هو اسم الحقّ تعالى باعتبار خروجه عن حد التشبيه ووجوده بخلاف شيء من الأشياء فتدبر.

الحديث الثاني: في الكافي بإسناده عن إسحاق بن عمار، قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول:

«إن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفرّاً لونه، قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول الله مُوقناً، فعجب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله، وقال: إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟ فقال: إنّ يقيني يا رسول الله هو الّذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتى كأ نّي أنظر إلى عرشي ربّي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم، وكأ نّي أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذَّبون مصطرخون، وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه: هذا عبدٌ نور الله قلبه بالإيمان، ثم قال له: الزم ما أنت عليه، فقال الشاب: ادع الله يا رسول الله أن اُرزق الشهادة معك، فدعا له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر»(46).

يستفاد من ظاهر هذا الحديث أن الشاب المذكور هو (حارثة بن مالك) حيث قال في هذا الحديث لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «وكأني أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون في الجنّة، وكأني أسمع عواء أهل النار في النار».

وهذه الحادثة مسندة في كتاب المثنوي لعارف الرومي إلى زيد بن حارثة.

ان الأسماء الالهية تنتهي أحياناً بـ (هو) أو (ذو الجلال والاكرام) وأحياناً بـ (الله) و (تبارك وتعالى) وأحياناً بـ (هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن) والأوّل جاء في الحديث المذكور عن الخضر(عليه السلام) والثاني في سورة الرحمن والثالث في بداية سورة الحديد، وأحياناً بالأئمة السبعة (الحي العالم المريد القادر السميع البصير المتكلم) وأحياناً بتسع وتسعين (المأثور عن الفريقين بصور عديدة): «ان لله تسعة وتسعين اسماً مائة اسماً مائة إلاّ واحداً من أحصاها دخل الجنّة» وأحياناً بألف، وألف وواحد كما في دعاء الجوشن الكبير وأحياناً بأربعة آلاف كما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ لله أربعة آلاف اسم، الحديث»(47) وأحياناً (وَلا يَعْلَمُ جُـنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُوَ)(48).

ويمكن الرجوع إلى الكافي(49) باب ما اُعطي الأئمة(عليهم السلام) من اسم الله الأعظم من المجلد 19 من البحار(50) حيث أن الروايات الصادرة عن مخزن الولاية في الاسم الأعظم كلها نور.

وفي كتاب (مصباح الانس) في المقام الثالث من الفصل الثاني (تمهيد الجمل)(51) . من المنصف أن نقول بأنه يحتوي على تحقيق دقيق وشريف وعميق حول الاسم الأعظم وقد يكون لدفتري العاشق في هذا المقام نصيب من هذا اللطف، وكذا في الأسف ار ج 4 ص 168 ط 1 والله سبحانه ولي التوفيق.

(1) نهج البلاغة: الحكمة 47.

(2) مصباح الانس: 333 ط حجرية .

(3) فصوص الحكم: 62 ط 1 ط حجرية.

(4) تمهيد القواعد: 78 ط حجرية .

(5) الرحمن: 31.

(6) البقرة: 33.

(7) الاسراء: 112.

(8) الشورى: 11.

(9) شرح فصوص القيصري: 13.

(10) علم اليقين: 311 ط حجرية.

(11) أي أن الوجود سار في كماله الذاتي وان التعينات اُمور اعتبارية .

(12) شرح الأسماء للسبزواري: 214 ط الحجرية.

(13) كشكول الشيخ البهائي: 542 الدفتر الخامس ط 1 .

(14) معاني الأخبار: 101 ط حجرية.

(15) فافهم المراد من هذه الرواية .

(16) والّتي هي المرتبة النازلة للقرآن وبدنه والقرآن مرتبتها الصاعدة وأصلها وروحها .

(17) الرحمن:31 .

(18) البقرة: 32.

(19) مريم: 17.

(20) اصول الكافي: 1/134.

(21) اصول الكافي: 1/88.

(22) بحار الأنوار: 10/101.

(23) الإمامة والسياسة للدينوري: 203.

(24) 1/83 ط مصر.

(25) الخصائص الفاطمية: 25.

(26) مصباح الانس: 33 ط حجرية.

(27) 3/19 ط 1.

(28) مصباح الانس: 119 ط حجرية.

(29) فصوص الحكم: 148 ط 1.

(30) فصوص الحكم: 173.

(31) فصوص الحكم: 217.

(32) اصول الكافي: 1/88.

(33) فصوص الحكم: 70 ط 1.

(34) البقرة: 254.

(35) الاسراء: 56.

(36) الكافي اُصول الكافي: 1/111.

(37) أُصول الكافي المعرب: 1/179.

(38) بحار الأنوار: ط كمپاني 19/18.

(39) آل عمران: 2 ـ 4.

(40) النساء: 88 .

(41) طه: 9.

(42) النمل: 27.

(43) التغابن: 14.

(44) الفتوحات المكية: 2/133 ط بولاق.

(45) الحديث الثالث باب حدوث العالم واثبات المحدث من كتاب التوحيد في اُصول الكافي: 1/61.

(46) اُصول الكافي المعرب: 2/44 باب حقيقة الإيمان واليقين من كتاب الإيمان والكفر.

(47) بحار الأنوار: 2/164 ط كمپاني.

(48) المدثر: 32.

(49) اصول الكافي: 1/179.

(50) 18 ط 1 .

(51) مصباح الانس: 115 ـ 117 ط 1.