اللمعة البيضاء

التبريزي الأنصاري


[ 1 ]

اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام) تأليف المولى محمد علي بن أحمد القراچه داغي التبريزي الأنصاري توفي 1310 ه‍. ق تحقيق دار فاطمة عليها السلام للتحقيق - السيد هاشم الميلاني


[ 2 ]

بمساعدة معاونية شئون التعليم والارشاد الاسلامي اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء التأليف: المولى محمد علي بن أحمد القراچه داغي التبريزي الأنصاري التحقيق: السيد هاشم الميلاني الناشر: دفتر نشر الهادي مطبعة: مؤسسة الهادي طبعة الاولى 1000 نسخة 21 رمضان 1418 ه‍ ق شابك ISBN 469 - 004 - 710 - X ايران - قم، شارع صفائيه، پلاك 759، تليفون 737001


[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم


[ 5 ]

لمحة عن حياة المؤلف إسمه ونسبه: هو المولى محمد علي بن أحمد الاونساري القراچة داغي التبريزي الأنصاري (1)، فقيه متبحر، وعالم بارع، وله مقام منيع ويد طولى في شتى العلوم الدينية، والأونسار - بالواو والنون والسين - من قرى قراچة داغ في تبريز. حياته العلمية: خرج المولف (رحمه الله) إلى العراق، وأخذ في النجف عن الشيخ مرتضى الأنصاري أصولا، وعن الشيخ مهدي الجعفري فقها ويروي عنه بالإجازة (2). ثم رجع إلى إيران وذهب إلى زيارة مولانا علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بعد سنة 1300 ه‍ ق، فطلب منه الميرزا عبد الوهاب آصف الدولة حاكم خراسان البقاء هناك لترويج الشريعة ونظم أمور الامة، فلبى المترجم له ذلك الطلب وقطن بها زمانا.


(1) وجدنا هذا اللقب في مقدمة كتاب اللمعة البيضاء حيث قال المؤلف (رحمه الله): (فيقول المحتاج إلى لطف ربه الباري ابن أحمد محمد علي الحافظ الأنصاري) ووجدناه أيضا في بعض المعاجم، لكن اعتقد صاحب مفاخر آذربايجان ان هذا اللقب تصحيف (الاونساري)، والله العالم. (2) أعيان الشيعة 10: 5، معجم المؤلفين 11: 35، مفاخر آذربايجان 1: 176. (*)

[ 6 ]

ثم هبط طهران وتصدر للتدريس في مدرسة سپهسالار مدة، تلمذ عليه خلالها كثيرون، ثم طلبه أهل تبريز فرجع إليهم وظل قائما بالوظائف الشرعية من تدريس وإمامة ووعظ وتأليف. ومن تلاميذه في تبريز العلامة السيد ميرزا باقر القاضي الطباطبائي، كما ذكره ولده السيد محمد علي (الطباطبائي) في كتابه حديقة الصالحين (1). أقوال أصحاب التراجم في حقه: قال في نقباء البشر: هو الشيخ محمد علي بن أحمد الأونساري القراچه داغي التبريزي فقيه متبحر، وعالم بارع (2). وقال محمد حسن خان إعتماد السلطنة في المآثر والآثار: الحاج ميرزا محمد على القراچه داغي من أجلة المجتهدين ومروجي الشريعة والدين، له مقام منيع ورتبة رفيعة في الفقه، والاصول، والأخبار، والعلوم العربية، والفنون الأدبية، وله تصانيف فيها غالبا (3). وقال صاحب معجم المؤلفين: آية الله الشيخ محمد علي القراجه داغي فقيه، أصولي، متكلم، مفسر، عروضي، عارف باللغة العربية (4). وقال صاحب ريحانة الأدب: من علماء آذربايجان، وله باع في الفقه، والأصول، والحديث، والرجال، والعلوم العربية، والفنون الأدبية، وتأليفاته خير دليل على مرتبته العلمية (5). وقال السيد محمد مهدي الإصفهاني الكاظمي في أحسن الوديعة (تتميم روضات الجنات): كان (رحمه الله) عالما، فاضلا، ثقة، عارفا، عابدا، زاهدا،


(1) نقباء البشر 4: 1341 رقم 1870، المآثر والآثار: 175، العلماء المعاصرين للخياباني: 343. (2) نقباء البشر 4: 1341 رقم 1870. (3) المآثر والآثار: 175، العلماء المعاصرين: 343. (4) معجم المؤلفين 11: 35، مفاخر آذربايجان 1: 176. (5) ريحانة الأدب 3: 438، مفاخر آذربايجان 1: 177. (*)

[ 7 ]

رئيسا مشارا إليه، نافذ الكلمة، وكان للعلوم جامعا، وفي فنونها بارعا، وكانت له اليد الطولى في معرفة الأدب، والباع الممتد في حفظ لغات العرب، وكان عارفا بالتفسير والحديث والرجال، وبالجملة كان أحد الأئمة الأعلام المجتهدين، وركن العلماء العاملين، بل إمام دهره بلا مدافعة، وفقيه عصره بلا منازعة، اشتهر اسمه السامي فملأ الأقطار والأصقاع، وشاع ذكره في جميع الديار والبقاع، رحلت الطلبة من قرى تبريز إليه وحضروا عليه (1). أولاده وذراريه: خلف المؤلف (رحمه الله) ولدين فاضلين هما الميرزا أحمد، والميرزا محمود (2). قال الملا علي الواعظ الخياباني التبريزي في العلماء المعاصرين: كان [ الميرزا أحمد ] من أعاظم علماء عصره، وأفاخم مجتهدي وقته، جامع المآثر الفاضلة، وصاحب المفاخر العالية، وكان له حظ كامل في المعقول والمنقول، واطلاع واسع في الحديث والتفسير والفنون الأدبية، وقل نظيره في قوة العقل، وسعة الخلق، وصفاء النظر، ولطف القريحة. وكان له في تبريز مدة طويلة منصب القضاء والمحاكمة والأمور الشرعية، ولم يعترض عليه ولم يرده في أمر أحد من العلماء المعاصرين، ولي إجازة منه ذكرتها في كتاب وقايع الأيام (3). آثاره وتأليفاته: للمؤلف (رحمه الله) آثار وتأليفات كثيرة تكشف عن مدى تسلطه واطلاعه بالنسبة إلى العلوم المختلفة، وقل علم من العلوم لم يألف فيه كتابا، فانه كتب كتبا


(1) أحسن الوديعة 2: 72، مفاخر آذربايجان 1: 175. (2) نقباء البشر 4: 1341 رقم 1870. (3) العلماء المعاصرين: 345. (*)

[ 8 ]

ورسائل وشروحا في الفقه، والأصول، والمنطق، والتفسير، والحديث، واصول الدين، وغيرها، فنحن نذكر ما عثرنا عليه في كتب التراجم: 1 - اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام): ولقد فرغ منه في سنة (1286) ه‍ ق، وطبع بايران عام (1297) ه‍ ق، وهو هذا الكتاب الذي بين يديك، كتاب فريد في نوعه يعرب عن سعة اطلاع المؤلف باللغة العربية والفنون الأدبية، وهو كتاب جامع لكثير من فضائلها (عليها السلام) معتمدا على المصادر الخاصة والعامة، وقد شرح الخطبة الشريفة شرحا لغويا، ثم أورد بعده بحثا مفصلا حول غصب فدك، ورد فيه شبه وشكوك المبطلين. قال صاحب الذريعة: وصدر الكتاب بشطر واف من مناقبها وفضائلها وأحوالها وما يتعلق بها من ذكر أدعيتها وأحرازها وعدد أولادها (1). وقال هو (رحمه الله) في مقدمة الكتاب: اعلم ان هذه الخطبة الغراء، والدرة البيضاء، خطبة في نهاية الفصاحة، وغاية البلاغة من حيث عذوبة ألفاظها الكافية، ومضامينها الشافية، وجزالة معانيها الوافية، مع ما عليها من البهاء والجلالة، والرواء والديباجة، بحيث لو خوطب بها الجبال الشامخة لرأيتها خاشعة متصدعة، وإن لم تؤثر في تلك القلوب القاسية التي كانت كالحجارة أو أشد قسوة، وهي كلام دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق....، ونسبتها إلى سائر الكلمات الفصيحة نسبة الكواكب المنيرة الفلكية إلى الحجارة المظلمة الأرضية، وعليها مسحة من نور النبوة، وعبقة من أرج الرسالة، وحق لها أن تكون بهذه المثابة فإن متاع البيت يشبه صاحبه، والأثر يشبه مؤثره، فإنها صادرة من بضعة الرسول، سلالة النبوة، وعصارة الفتوة، الصديقة الكبرى، والإنسية الحوراء، مشكاة الضياء، ام الأئمة النقباء النجباء، سيدة النساء فاطمة الزهراء صلوات الله عليها. 2 - تفسير القراچه داغي (2).


(1) الذريعة 18: 350. (2) الذريعة 4: 301. (*)

[ 9 ]

3 - تفسير سورة (يس): قال صاحب الذريعة: رأيته ضمن مجموعة في مكتبة السيد عبد الحسين الحجة بكر بلاء، ذكر في أوله انه كان مولعا بعلم التفسير، وعزم على تصنيف كتاب في التفسير، فبدأ بتفسير سورة (يس) لأنها كانت قلب القرآن، وجعله في جزء مستقل، وعزم على انه إن سهل الله له تأليف التفسير أن يجعله من أجزائه (1). 4 - شرح صيغ العقود: فارسي مع بيان وتحقيق، فرغ منه في ثامن ذي القعدة 1288، وهو مطبوع متداول مع متنه الفارسي (2). 5 - الصراط المستقيم في شرح الأربعين حديثا في فضائل أمير المؤمنين، (عليه السلام) طبع عام (1300) وهو شرح فارسي (3). 6 - رسالة في العروض والقافية، قال صاحب الذريعة: فارسية رأيتها في مكتبة الخوانساري (4). 7 - الفتوحات الرضوية في الأحكام الفقهية الإستدلالية (5). 8 - فضائل قم. 9 - رسالة في فضل المساجد مطلقا وخصوص مسجد إستاد شاگرد في تبريز. 10 - رسالة في الطينة وشرح أخبارها: قال صاحب الذريعة: أولها (الحمد الله على آلائه ونواله، والشكر على نعمه وإفضاله) رأيت نسخة كتابتها 2 شعبان 1287 في مجموعة وفيها تفسير سورة يس أيضا (6). 11 - التحفة المحمدية في علم العربية، تقرب من ثمانين ألف بيت (7).


(1) الذريعة 4: 344، أحسن الوديعة 2: 73. (2) الذريعة 13: 363، أحسن الوديعة 2: 73. (3) الذريعة 15: 36. (4) الذريعة 15: 259. (5) الذريعة 16: 116. (6) الذريعة 15: 197. (7) الذريعة 3: 467. (*)

[ 10 ]

12 - حاشية على شرح اللمعة (1). 13 - حاشية على القوانين (2). 14 - حواشي على الرسائل للشيخ الأنصاري (رحمه الله) (3). 15 - حواشي على الرياض للسيد علي الطباطبائي (4). 16 - حواشي على الفصول في علم الأصول (5). 17 - رسالة في أسرار الحج (6). 18 - رسالة في الأمر بين الأمرين (7). 19 - رسالة في مناسك الحج (8). 20 - الرسالة التمرينية في المنطق. 21 - الأصول المهمة في أصول الدين. 22 - زين المعابد (9). 23 - كتاب الأربعين المشتمل على المدائح والنصائح. شعره وأدبه: كان المؤلف (رحمه الله) متسلطا على اللغة العربية والفنون الأدبية، وله قصيدة طويلة لطيفة حينما هاجر النجف الأشرف قاصدا الروضة الرضوية، ذكرت في آخر كتاب اللمعة البيضاء، نوردها هنا تتميما للفائدة، قال (رحمه الله): يا نجفا هجرت عنه بالجفا * خرجت منك مكرها لا بالرضا يا حبذا أيامنا التي مضت * فيك وهل يرجع يوم قد مضى سموت يا خير البقاع مسكنا * من الثرى إلى السماوات العلى يغبطك السبع الشداد دائما * لأن فيك الحق بالعرش استوى أتى إليك المجد طرا إذ أتى * إليك من أتى عليه هل أتى


(1 و 2) أعيان الشيعة 10: 5، العلماء المعاصرين: 344. (3 - 8) العلماء المعاصرين: 344، مفاخر آذربايجان 1: 175. (9) نقباء البشر 4: 1341. (*)

[ 11 ]

شرفت بالكنز الذي قد خلق * الخلق لكي يعرف بعدما اختفى فيك انجلى نور الإله زاهرا * طوبى فطوبى لك يا وادي طوى يا أيها الوادي المقدس الذي * أتاك موسى راجيا منك الهدى ثم انثنى في يده البيضا عصا * كأنه الثعبان حيثما رمى يا أيها الفلك الذي لجا إلى * سكان بابك المنيع والتجى نوح النبي إذا ارتمى الماء حوله * لما طما (1) حذار طوفان البلا فيك انزوى يا كهف كل عاجز * ضيغم آجام القضاء والمضا لا يرتقى العقل إليك حيثما * أنت من العقول أعلى مرتقى يا منبع الجود لكل مجتد * يا معدن الخير لكل مهتدى منك بدئنا واليك ننتهي * يا خير كل مبدء ومنتهى إن ذكر الخير ففيك كله * يا مبدأ الفيض لكل ما سوى سأركب البيد وأطوي متنها * بيعمل يعمل سيرا وسرى إلى جنابك الذي علا إلى * ذروة عرش الله مجدا وعلى ما عاقني اليوم سوى قصدي إلى * تربة مولاي معين الضعفا علي الرضا الذي استشهد في * طوس بسم منقع على الحشا وجهت وجهي لكم يا وجهة * الحق ويا قبلة أرباب النهى أوجه الوجه إليكم أبدا * فالحق منكم وإليكم انتهى لقد برى شوقي إليك أعظمي * يا طوس يا مشهد مولاي الرضا وكلما أومض برق ومضى * مضى بقلبي المبتلى إذ ومضا نحو سنابد إذا ما قد سنى * شعلة نار منه في جو الفضا ذاب فؤادي من جوى شوقك إذ * إشتعلت منه به نار الغضا لقد حويت جوهر المجد وقد * فقت على جملة أطباق السما وإن حرمت زمنا يا أملي * من أملي فيك بتقبيل الذرى


(1) طما الماء يطمو: إرتفع وعلا وملأ النهر / لسان العرب. (*)

[ 12 ]

فجار لي صرف زمان قلب * جرى على خلاف قصدي واعتدى فقادني مكبلا بما بدت * من الخطوب الحادثات في النوى بقيت في أسوء حال ولقد * جرى علي ما جرى من العدى لكنني أخال اني لم يفت * مني ما أدركه ذووا التقى لحسرة بات بقلبي نارها * ولوعة تسعر في نفسي اللظى يا رب حسرة حوت ما لم يحط * به العقول من فيوضات الهدى لابد يا مولاي من تفضل * حتى أجوب جوز تيار الفلا به إلى فنائكم فإنني * معتقل بقيد خطب عرضا فليس في نفسي إليكم أبدا * من فترة في السير توجب الونى لعلني أسعى بنور فيضكم * إليكم أيا ينابيع الندى فإن ربي لا يضيع سعي من * سعى إليه دائبا طول المدى وقد أتى على لسان جدكم * أن ليس للإنسان إلا ما سعى دارت بكم دوائر الإمكان يا * مراكز المجد وأقطاب العلى أنتم عتادي في معادي حيثما * إليكم الأياب في يوم الجزا كذا إليكم استنادي أينما * عشت فلا ابالي نأي من نأى يا خير عدة لشر كربة * أعددته لكل خطب قد دهى يا سبط ختم الرسل يا نتيجة * الأطهار يا قرة عين المرتضى عليك أزكى الصلوات كلما كر الجديدان ظلاما وضيا وقال (رحمه الله) أيضا: لقد بات ليلي ساهرا فيه مقلتي * إلى الصبح من طوفان أمواج عبرتي تلهب وجدي وارتمى موجها به * فوا غرقي إن لم تكن فيه حرقتي فيصعد نار القلب كالبرق لامعا * ويرعد صدري من شهيق وزفرة فتقطر من عيني الدموع كهاطل * من السحب في أقطار تلك البسيطة فجسمي غريق في الدموع وانه * حريق بنار تلتظي حول مهجتي


[ 13 ]

فواعجبا من حال نفسي فإنني * غريق حريق كل آن ولحظة يذوب فؤادي من جوى الحب والهوى * ويذرف دمعي قطرة بعد قطرة أذاب سويدا مهجتي فتحولت * دموعا ترى اسكوبها فوق وجنتي إذا ما تجلى وانجلى ضوء وجهه * تحول يومي مظلما مثل ليلتي وبالي في البلبال بال وانني * قتيل بسيف الحب في كل حالة فطوبى لحالي حيثما هدني الهوى * وأهوى ببالي ذرة بعد ذرة فوا أسفا إن لم أكن منه في الجوى * ووا حسرتا إن لم يكن فيه حسرتي أرى وجهه من كل شئ كأنما * تمثل لي محياه في كل صورة أراه بعيني كل حين ولا أرى * سوى وجهه في كل مطمح رؤيتي أرى كل ما في الكون مرآة وجهه * فلم أر شيئا غيره في الخليقة نسيت هواه في الهوى حيث انه * حجاب عظيم عند أهل المحبة ولابد من رفع الحواجب كلها * ليبصر مرآه بعين البصيرة وقد عميت عين ترى غيره ولا * ترى وجهه الوضاح في كل وجهة أراه بعين الحب في كل مشهد * عيانا فيا طوبى لعين الأحبة تعالى عن التشبيه والوصف جل من * براه فأبدى فضله للبرية علي بن موسى فائض الجود والندى * على كل موجود بفاضل طينة سرى فيضه الجاري إلى جملة الورى * ولم يخل منه ذرة تحت درة أحاط بما في الكون حيطة مالك * له بسطة في ملكه كل بسطة يدور رحى الأكوان من فيض كونه * وحاشاه عن إمكان شوب النقيصة وليس قضاء غير ما قد قضى به * قضاء فيا طوبى لتلك الفضيلة يطيع له الأقدار في كل ما يشاء * إذا شاء إمضاء لحكم المشية ترى جملة الأكوان طوع يمينه * يدبر فيها الأمر في كل لمحة ولو شاء طي العرش والفرش والثرى * طواها كطي السجل في لمح طرفة ولو قال للأشياء كوني تكونت * ولو قال لا عادت كما هي كانت تجلى به النور القديم وانه * لنور قديم حادث بالإرادة


[ 14 ]

وليس سواه في الوجود ولو ترى * وجودا سواه لا بعين الحقيقة هو الدرة البيضاء والجوهر الذي * تجوهر منه نور كل خليقة ألا كل شئ الك غير وجهه * تراه بعين الحق في كل طرفة هو الملأ الأعلى تعالى جلاله * عن الوهم أو إدراكه بالمظنة يصور في الأرحام ما شاء خلقه * فيحدثه فيها بمحض المشية إليه إياب الخلق ثم حسابهم * فيصدر فيهم حكم كل قضية على طبق ما شاء الإله فإنه * يد الله في إجراء كل حكومة يجل عن الإمكان كنه جلاله * ويكبر عن تشبيهه بالصنيعة صنيعة باري الخلق والخلق صنعه * فيا خير مصنوع ويا خير صنعة له المثل الأعلى له المجد والعلى * فيا شرفا أوفى لكل مزية تطائر أملاك السماء بأمره * لإنفاذ أمر الله في كل بقعة هو الجوهر القدسي يلمع نوره * كمشكاة زيت نير في الزجاجة يكاد ولو لم يمسس النار فتلها * يضئ سناها مثل نجم الدجية بدا نوره من كل شئ فلا ترى * سوى نوره في كل كور ودورة إذا نظرت عين إلى غير نوره * رأته كآل أو سراب بقيعة وقد ملأ الأكوان آثار فيضه * وفاضت عليها دفعة بعد دفعة وليس جميع الكون من سحب جوده * سوى قطرة أو ديمة بل كرشحة ولو جاد بالأضعاف منه لما طرى * له النقص حتى مثل مثقال ذرة إليه انتهاء الكون مثل ابتدائه * فيا خير بدء مثل خير نهاية إمام هدى تسري بنور ولائه * البرية في بيداء غي الضلالة سفينة نوح قد نجا كل من أتى * إليها فيا طوبى لأهل السفينة إمام بأرض الطوس مثواه انه * شهيد بها في دار ذل وغربة أيا قبر طوس كيف بالله حاله * بأرضك هذا اليوم ما دار كربة وأحشاؤه مسمومة يلتوي بها * على كبد حراء قد نضيجة ويرعم فوق الترب أطراف بطنه * فيا خير بطن مسه خير تربة


[ 15 ]

يضج ويشكو من جوى كان في الحشا * محيطا به أنواع ذل ومحنة فواعجبا من صانع قد أباده * صنيع له يا سوء تلك الصنيعة تطاول للمولى الرعية واعتلى * عليه بما أتاه من سوء فطرة رماه بسهم قد براه بصنعه * فأهدف باريه لقبح السريرة وما ذاك إلا أن للحق دولة * يدال إليها كل باطل دولة كما قد قضى بالظلم والجور قبله * حسين شهيدا في هوان وذلة تجول عليه الصافنات فياله * مصابا عظيما فاق كل مصيبة وتلقي عليه السافيات رداءة * لها من رمال الطف طاقات لحمة وقد كان مسلوب العمامة والرداء * طريحا بأرض الطف في سوء صرعة مقطعة الأوداج مذبوحة القفا * مجرحة الأعضاء تحت الأسنة تنوح عليه الطير والوحش في الفلا * وتبكي عليه سكانات البرية وتذري عيون الأنجم الزهر دمعها * على جسمه في كل يوم وليلة تجود عليه وهي تنظر حاله * صباح مساء من سواكب عبرة تقاطر نحو الأرض من كل جانب * بدمع يضاهي الوبل حال إنصبابة ترى أهله يقتادهم كل مشرك * اسارى سبايا مثل روم ونوبة فيا لهف نفسي للحسين وقد غدا * صريعا على وجه الثرى نحو رمية أحاط به الأخلاط من كل جانب * تقوم إليه زمرة بعد زمرة يريدونه بالقتل وهو مجدل * ينادي ألا يا قوم هل من حمية لقد وقعت في الدين من أمر قتله * بأيدي عداه ثلمة بعد ثلمة مصاب جليل هدم العرش والثرى * وخطب عظيم فوق كل عظيمة بكته جلاميد الصخور وما بكت * قلوب أعاديه لشدة قسوة وإني لأبكي حسرة بعد حسرة * وأذري دموعي قطرة بعد قطرة لأجل مصاب صب آل محمد * خصوصا حسينا دفعة بعد دفعة وما أنس لا أنس الحسين وقد غدا * وحيدا بأرض الطف طف بلية طريحا جديلا في العرى لا ترى له * أنيسا سوى رمي وطعن وضربة


[ 16 ]

ولم يبق فيها ناصر عنده سوى * حواسر يلطمن الوجوه بندبة يصحن وللأعداء حول خبائه * ضجيج يريدون الخيام لغادة بنات رسول الله يضرعن للعدى * ويدعون ويلا في ثبور وكربة كذلك حال الدهر يا ويل حاله * تراه بهذي الحال في كل حالة لقد حال من تصريفه حال مالك * يدبر فيه الأمر تدبير حكمة يصرفه طبق الإرادة ياله * مليكا عزيزا قادرا كل قدرة علي أمير المؤمنين الذي علا * على كل ذي علياء تحت المشية فلما أراد الله قرب لقائه * رماه شقي القوم من قوس قسوة بضربة سيف شق رأس العلى بها * فزلزل منها العرش زلزال رعشة وكيف وقد خرت معاقد عزه * فحلت عرى أركانه المشمخرة تزلزل عرش الحق لما تقطعت * قوائمه من سيف عاقر ناقة حسام سقاه السم من نسل ملجم * شقيق قدار في رضاعة شقوة فجدل مغشيا عليه وقد أتى * إليه رسول الموت في سوء حالة وخضب في المحراب بيضاء شيبه * بأحمر قان سائل فوق وجنة فصار عمود الدين منشقة العصا * وعاد صلاة الصبح في جوف ظلمة بكته طوير الدار قبل خروجه * صوائح تتلوها نوائح نسوة بل الدار والأبواب والحلق التي * انيطت عليها بل جميع الخليقة فقد ضجت الأكوان واسود جوها * كليلة ديجور بتلك الصبيحة تصايح أملاك السماء وأصبحت * صبيحتهم ظلماء مثل الدجية تنوح بأعلى الصوت في ملكوتها * وتدعو ثبورا في عويل وكربة وصاح أمين الوحي جبريل صيحة * تزلزلت الأكوان منها بجملة فصاحوا جميعا واعلياه والتوى * على الدهر هذا الصوت من كل وجهة فأقبل أهل البيت يبكون حوله * كهاطل غيم ممطر يوم ظلة فيادهر لا سقيا لربعك إنه * لمنزل سوء عند أهل البصيرة


[ 17 ]

ولا ضحكت سن الزمان فانه * بدا كاشرا عنها بشر وفتنة لآل رسول الله من بدء أمره * فتعسا له من دار ذل ومحنة عليهم سلام الحق مادام حقهم * عليه بما نالتهم من مصيبة وصلى عليهم كلما فاض جودهم * على كل موجود بقبض وبسطة وفاته: لقد قضى المؤلف (رحمه الله) عمره الشريف في نشر أحكام الدين، وترويج المذهب الحق، فألف وكتب ونشر ودرس كل ذلك لأجل إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام)، ونشر فضائلهم ومناقبهم، إلى أن أجاب داعي ربه في يوم الجمعة ثاني ربيع الثاني سنة (1310 ه‍ ق) (1)، ولم أعثر في كتب التراجم على مدفنه، والظاهر انه دفن في آذربايجان لأنه كان مقيما فيها في آخر عمره، والله العالم. منهج التحقيق: إعتمدنا في تحقيق هذا الكتاب الشريف على نسخة حجرية طبعت في تبريز بتصحيح المؤلف (رحمه الله) وكتابة محمد هاشم في عام (1298). وحاولنا تخريج الأحاديث من مصادر الخاصة والعامة حسب الإمكان، وبذلنا الجهد في ضبط إعراب الخطبة الشريفة، وشرحنا بعض الكلمات المبهمة، ولا يفوتني في الختام أن أقدم شكري الجزيل لسماحة العلامة المحقق الاستاذ السيد محمد رضا الحسيني الجلالي حيث ساعدنا كثيرا في ضبط الكلمات المغلوطة أو غير المقروءة، فله سهم كبير وجهد مشكور في إنجاز هذا العمل، فتقبل الله منا ومنه ووفقنا جميعا لما يحب ويرضى. السيد هاشم الميلاني 1418 ه‍ ق صفر


(1) نقباء البشر 4: 1341 رقم 1870. (*)

[ 19 ]

الحمد لله الذي أقام أعلام الهدى، ونصب رايات التقى، ولم يترك عباده هملا وسدى، الذي فطرهم على معرفته، وألهمهم بعبادته، وندبهم الى طاعته، خلق الانسان علمه البيان، وأودع فيه سر العلم والعرفان، ونور الحكمة والايقان. الفرد البديع، الملك المنيع، ذو العرش الرفيع، والكرسي الوسيع، الذي خلق من كل شئ زوجين اثنين، وأدرج سر الوحدانية في البين، فمشج بين هذين (1)، ومزج الأمرين، ومرج البحرين مع برزخ بينهما لا يبغيان، يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان. والصلاة والسلام على مظهر الايمان، وسيد الانس والجان، الذي نزل عليه الفرقان ليكون للعالمين نذيرا وداعيا الى الله باذنه وسراجا منيرا، فجعله مشكاة علمه، وزجاجة هدايته، ومصباح رحمته. وهو أصل الاصول، وقطب الأقطاب، ومبدأ النزول، ومنتهى الأياب، اس الوجود، وفص خاتم الموجود، ساحب أذيال الكرم والجود، وصاحب لواء الحمد والمقام المحمود، ثم على آية قدرته، وباب علمه، ومفتاح حكمته، ام الكتاب، وباب الأبواب، وفصل الخطاب، وميزان الحساب، تمام الفيض والجود، وجهة العابد وجهة المعبود، ومفتاح الغيب ومصباح الشهود، على رغم العدو الكنود.


(1) المشج والمشج والمشج والمشيج: كل لونين اختلطا....، وقيل: هو كل شيئين مختلطين / لسان العرب. (*)

[ 20 ]

وعلى سائر خزنة الوحي وحفظته، وأمنة الذكر وتراجمته، والأئمة الدعاة الى جنته، والقادة الهداة الى رحمته، الأطياب الأنجاب الذين إليهم الاياب وعليهم الحساب، حبهم الايمان، ومعرفتهم الأمان، وموالاتهم الجنان، ومعاداتهم النيران، من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله، ومن أحبهم فقد أحب الله، ومن أبغضهم فقد أبغض الله، صلى الله عليهم ما دام الفلك الدوار، والليل والنهار، والظلم والأنوار. وبعد: فيقول المحتاج الى لطف ربه الباري، ابن احمد محمد علي الحافظ الأنصاري، اوتي كتابه بيمناه، وجعل عقباه خيرا من اولاه: ان حضرة الجناب العالي الشأن، والنواب الوثيق الأركان، والحصن المنيع البنيان، زينة الزمان وحلية الدوران، وفجر النور إذا استبان، باسط العدل والاحسان، ماهد الأمن والأمان، حامي حوزة الاسلام، ودافع معرة الأيام، ملجأ الأنام، ومرجع الخواص والعوام، ذو القوة القاهرة، والهيبة الباهرة، قوام الدولة العلية العالية، ونظام الملة البهية الباهية، كعبة الأماني والآمال، كريم الأقوال والأعمال والأحوال، الفيض الجاري في عالم الطين، وسلالة طين السلاطين، وقد قلت فيه: مؤيد الملة البيضاء والدين * ذا ماء فيض جرى في عالم الطين مهذب طيب طابت ارومته * سلالة الطين من طين السلاطين المؤيد بالتأييدات الربانية، والمسدد بالتسديدات السبحانية، الجناب الأعظم المعلى، والنواب الأشرف الأعلى، مؤيد الدولة والملة، أدام الله تأييده وامداده، وأوصله بما أحبه وأراده، وختم له بالخير والسعادة، وأصلح معاشه ومعاده، رحم الله من قال آمين فان في ذلك صلاح الدنيا والدين. قد أمر داعيه بالاخلاص والارادة أن يكتب شرحا للخطبة الشريفة المنيفة، الصادرة من المصدر الأعلى تبارك وتعالى، أعني الدرة البيضاء، والانسية الحوراء، صلوات الله وسلامه عليها وعلى أبيها وزوجها وبنيها، في مقام التظلم


[ 21 ]

والشكاية عن الخلفاء، وغصبهم لفدك والعوالي عنها بعد وفاة أبيها، شرحا يوضح مغلقاتها، ويكشف معضلاتها، مبينا لمبهماتها، مفصلا لمجملاتها، موضحا لبعض ما يحتاج الى الايضاح من ألفاظها، ومبينا لبعض ما يقتضيه الحال من باطنها وتأويلها، بيانا مشتملا على نوع من التحقيق، وشرحا على طور التعمق والتدقيق بقدر ما يقتضيه المقام والحال، ويساعد عليه المجال. واني وإن لم أكن من فرسان هذا الميدان وأهل هذا الشأن، لتراكم أمواج الفتن والحدثان، حتى كنت مدة مديدة من الزمان نسج علي عناكب (1) النسيان، ولم يكن لي وجدان من جهة اختلال حال الزمان والاخوان، الا أن توجهه العالي رفع الموانع والأستار، ودفع عني واردات الهموم والأكدار. فقمت على ساق الامتثال مع ما علي من دواعي الأشغال والاشتغال، فأتيت على سبيل العجالة بما تيسر لي من تلك المقالة مع قلة البضاعة في هذه الحالة، وكثرة الاضاعة، وقلت: أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر، وجئنا ببضاعة مزجاة، فألحظها بعين الرضا، وتلقها بيد القبول والارتضاء، فان الهدايا على قدر مهديها، وأسأل الله أن يعصمنا من الزلل والخطل (2) في القول والعمل. أقول وبالله التوفيق وهو الهادي الى سواء الطريق: اعلم ان هذه الخطبة الغراء، والدرة البيضاء، خطبة في نهاية الفصاحة وغاية البلاغة، من حيث عذوبة ألفاظها الكافية، وغرابة مضامينها الشافية، وجزالة معانيها الوافية مع ما عليها من البهاء والجلالة، والرواء والديباجة، بحيث لو خوطب بها الجبال الشامخة لرأيتها خاشعة متصدعة، وإن لم تؤثر في تلك القلوب القاسية التي كانت كالحجارة أو أشد قسوة. وهي كلام دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق، وهي موضع المثل: (في كل


(1) عناكب: جمع العنكبوت / لسان العرب. (2) الخطل: خفة وسرعة، خطل خطلا فهو خطل وأخطل. والخاطل: الأحمق العجل / لسان العرب. (*)

[ 22 ]

شجرة نار، واستمجد المرخ والعفار (1)، ونسبتها الى سائر الكلمات الفصيحة نسبة الكواكب المنيرة الفلكية الى الحجارة المظلمة الأرضية، وعليها مسحة من نور النبوة، وعبقة من أرج الرسالة. وحق لها أن تكون بهذه المثابة، فان متاع البيت يشبه صاحبه، والأثر يشابه مؤثره، فانها صادرة من بضعة الرسول...، سلالة النبوة، وعصارة الفتوة، الصديقة الكبرى، والانسية الحوراء، مشكاة الضياء، ام الأئمة النقباء النجباء، سيدة النساء فاطمة الزهراء صلوات الله عليها. ولابد أولا من الاشارة الى بعض فضائلها، والتنبيه على نبذة يسيرة من مآثرها، حتى يتبين لأرباب البصر والبصيرة ان تلك الخطبة الشريفة من عين صافية غير كدرة، لا يشوبها شبهة عيب، ولا يعتريها وصمة ريب، هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب. [ بعض فضائل خديجة الكبرى ] فنقول: لا يخفى ان مصدر هذه الخطبة الغراء هي سيدة النساء، بضعة خير الأنبياء، وزوجة خاتم الأولياء، ومشكاة أنوار أئمة الهدى، البتول العذراء فاطمة الزهراء، وامها هي خديجة الكبرى التي هي أشرف أزواج النبي وأفضلها، وفضائلها مشهورة بين أهل الأرض والسماء. وكفى في فضلها انها سيدة النساء، كما ورد في الأخبار الكثيرة التي تأتي إليها الاشارة ان أربعة من النساء سيدة النساء، إحداهن خديجة وهي في مرتبة مريم وآسية، وزاد على كونها سيدة النساء كونها ام سيدة النساء في الدنيا والاخرة والاولى. ويدل على جلالة شأنها عند الله تعالى ما روي عن الصادق (عليه السلام) ان


(1) المرخ: شجر كثير الوري سريعه، وفي المثل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، أي دهنا بكثرة دلك. واستمجد: استفضل / لسان العرب. (*)

[ 23 ]

خديجة لما توفت جعلت فاطمة تلوذ برسول الله (صلى الله عليه وآله) وتدور حوله وتسأله وتقول: يارسول الله أين امي ؟ فجعل النبي (صلى الله عليه وآله) لا يجيبها، فجعلت تدور على من تسأله ء ورسول الله (صلى الله عليه وآله) ما يدري ما يقول. فنزل جبرئيل (عليه السلام) يقول: ان ربك يأمرك أن تقرأ على فاطمة السلام وتقول لها: امك في بيت من قصب، كعابه من ذهب، وعمده من ياقوت أحمر، بين آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، فقالت فاطمة: ان الله هو السلام ومنه السلام واليه السلام (1). وعن النبي (صلى الله عليه وآله) لفاطمة حين كانت منزعجة لافتخار عائشة على امها خديجة، بانها لم تعرف رجلا قبل النبي (صلى الله عليه وآله) بخلاف خديجة: يا فاطمة ان بطن امك كان وعاء للأئمة (2). وكان جبرئيل قد أتى من الله تعالى بالسلام الى خديجة مرارا متعددة، وان الله يقرئها السلام، وكانت خديجة تقول في الجواب: ان الله هو السلام، ومنه السلام، واليه السلام، وعلى جبرئيل السلام (3)، علما منها بان العلام لا يصح بالنسبة الى الله السلام، فكانت تجيب بما ذكر من الكلام، فانظر الى أدبها التام، وفضلها التمام. [ بعض فضائل الزهراء (عليها السلام) ] واما فضائل أبيها وبعلها وبنيها فأجل من أن يحيط بها الأفكار، ويصل إليها الأنظار، وقد امتلأت منها صحائف الأدوار، وصفحات الأكوار، وملأت منها الطوامير والصحف والأساطير، ولهم شرف ظاهر على صحائف الدهور والأعوام، وفضائل سارية على ألسن الخاص والعام، ومناقب يرويها كابر عن كابر، وسجايا


(1) الخرائج 2: 529 ح 4، عنه البحار 43: 27 ح 31، وفي أمالي الطوسي: 175 ح 294، عنه البحار 16: 1 ح 1. (2) المناقب لابن شهرآشوب 3: 335، عنه البحار 43: 43 ضمن حديث 42. (3) راجع ينابيع المودة: 199، في فضائل خديجة (عليها السلام). (*)

[ 24 ]

يهديها أول الى آخر. مفاخرهم مشهودة مأثورة، ومآثرهم في صحائف الأيام مسطورة، وبألسنة الكتاب والسنة مشكورة، قضى لهم القدر والقضاء بعلو القدر في كل القضاء، ولهم العز الأعلى على أهل الدنيا والاخرة والاولى. لا يحيط بوصفهم ألسنة الأوائل والأواخر، وكل منهم مصداق قول الشاعر: صفاتك لا تحصى ونطقي عاجز * ويقصر ألفاظي كما قال شاعر وان لباسا خيط من نسج تسعة * وعشرين حرفا عن معاليك قاصر وبالجملة فمن تتبع الأخبار، وجاس خلال تلك الديار، علم ان سيدتنا الزهراء قد حازت من الكمالات النفسانية، والفضائل العقلانية ما لم يحزها أحد من نوع النسوة من الأولين والآخرين، وأنها ولية الله تعالى في السماوات والأرضين، وأنها أشرف من جميع الأنبياء والمرسلين عدا أبيها خاتم النبيين. ولم يبق لأحد شبهة في شرف محلها وعلو رتبتها، وسمو مكانتها ونبلها وفضلها، وما أعد الله لها من المزية التي ليست لأحد قبلها ولا بعدها، وان الشرف قد اكتنفها من جميع أقطارها، وان المجد قد أوصلها الى غاية يعجز المجارون عن خوض غمارها، ومهما ذكره ذاكر فهو في الحقيقة دون مقدارها. وإن شئت فانظر الى نفسها الكريمة وأطرافها وجوانبها حتى تجدها قد استولت على موجبات الفضل والشرف كلها، وحازت قصبات السبق، وفازت بخصلها. وان لها فضائل أصلية ذاتية من جهة نفسها، وفضائل خارجية من جهة امها وأبيها وزوجها وبنيها، فلها إذا نور على نور من ربها، وزاد على طيب فرعها طيب أصلها، وهي غصن الشجرة الطيبة التي ثابت أصلها وفي السماء فرعها، تؤتي اكلها كل حين باذن ربها، بل هي تلك الشجرة بنفسها، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) أصلها، وأمير المؤمنين (عليه السلام) ساقتها، والأئمة المعصومون أغصانها،


[ 25 ]

والشيعة أوراقها، وعلوم الأئمة (عليهم السلام) أثمارها، وهي أصل ماهية الشجرة وهويتها. روى العياشي عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: * (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة - الى قوله تعالى - ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة) * (1) الاية، أنها مثل ضرب الله لأهل بيت العصمة والطهارة، ولمن عاداهم من أهل البغي والخسارة (2). وفي الكافي عنه (عليه السلام) حين سئل عن تلك الشجرة الطيبة، انه قال: هي شجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصلها، وأمير المؤمنين (عليه السلام) فرعها، والأئمة (عليهم السلام) من ذريتهما أغصانها، وعلم الأئمة (عليهم السلام) أثمارها، وشيعتهم المؤمنون أوراقها، ثم قال (عليه السلام): والله ان المؤمن ليولد فتورق ورقة فيها، وان المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها،... الخ (3). وفي الاكمال: ان الحسن والحسين (عليهما السلام) ثمرها، والتسعة من ولد الحسين أغصانها (4).


(1) ابراهيم: 24 و 26. (2) تفسير العياشي 2: 225 ح 15، عنه البحار 24: 142 ح 9، وفي تفسير البرهان 2: 311، وتفسير الصافي 3: 85. (3) الكافي 1: 428 ح 80، عنه البحار 24: 142 ح 12، بصائر الدرجات 78، وفيه عدة أحايث، وتفسير القمي 1: 369، وتفسير الصافي 3: 85، والوافي 3: 899 ح 1563. وأورد نحوه في بشارة المصطفى ص 41، ثم قال: وقد نظم هذا الخبر أبو يعقوب البصرائي، فقال: يا حبذا دوحة في الخلد نابتة * ما مثلها أبدا في الخلد من شجر المصطفى أصلها والفرع فاطمة * ثم اللقاح علي سيد البشر والهاشميان سبطاه لها ثمر * والشيعة الورق الملتف بالثمر هذا مقال رسول الله جاء به * أهل الرواية في العالي من الخبر اني بحبهم أرجو النجاة غدا * والفوز في زمرة من أفضل الزمر. (4) كمال الدين: 345 ح 30، عنه البحار 67: 38، تفسير الصافي 3: 85، وتفسير كنز الدقائق 7: 52. (*)

[ 26 ]

وفي المعاني: غصن الشجرة فاطمة (عليها السلام)، وثمرها أولادها، وورقها شيعتها (1). وزاد في الاكمال: * (تؤتي اكلها كل حين) * ما يخرج من علم الامام (عليه السلام) اليكم في كل سنة من كل فج عميق (2). ولا منافاة بين هذه الأخبار لصحة كل منهما بنوع من الاعتبار، وأعداؤهم الأشرار هي الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، وهم الشجرة الملعونة في القرآن، * (ونخوفهم فما يزيدهم الا طغيانا كبيرا) * (3) أي يزيدهم الطغيان الكبير الذي كان شره مستطيرا، في تفسير ظاهر ظاهرها، فأبوبكر أصل هذه الشجرة، وعمر ساقتها، وخلفاء بني امية وبني العباس أغصانها، وشيعتهم المنافقون أوراقها، وآثارهم وأفعالهم أثمارها. وبالجملة ففاطمة الزهراء (عليها السلام) ام الأئمة النقباء النجباء، الذين هم فروع تلك الشجرة الطيبة وأغصانها، وكفى في حقها انتساب أولادها الأطهار بوساطتها الى النبي المختار (صلى الله عليه وآله). وقد ورد في الأخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: من فصل بيني وبين آلي بعلي فليس من امتي، على قراءة (علي) على وزن فعيل، مراد به أمير المؤمنين (عليه السلام)، لا قراءته بلفظ (على) حرف جر، اشارة الى رد ما هو معروف بين العامة عند الصلاة على نبي الامة من قولهم: " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد " زعما منهم ان الآل ليسوا في تلك المرتبة، فأوهموا باقحام على ايقاع الفصل بينه وبين الذرية الطاهرة.


(1) معاني الأخبار: 400 ح 61، باب نوادر المعاني، عنه البحار 16: 363 ح 65، وتفسير كنز الدقائق 7: 53. (2) كمال الدين: 345 ح 30، عنه البحار 67: 38، تفسير الصافي 3: 85. (3) الاسراء: 60. (*)

[ 27 ]

وصل في توضيح الحال في عدم جواز الفصل بعلى بين النبي (صلى الله عليه وآله) والآل قد ثبت من الأخبار والآثار، واستفاض في كلمات الأئمة الأطهار بحيث لا يعتريه شبهة الانكار، ان أنوار هؤلاء الأبرار من جنس نور النبي المختار، كما قال (صلى الله عليه وآله): كنت أنا وعلي من نور واحد (1). وفي خبر آخر: أنا من علي وعلي مني (2). وقال أيضا: أنا من حسين وحسين مني (3). وقال (صلى الله عليه وآله): أولنا محمد وأوسطنا محمد وآخرنا محمد وكلنا محمد (4)، الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة بل المتواترة. وقد روي في العلل عن النبي (صلى الله عليه وآله): يا علي ان الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه المرسلين على الملائكة المقربين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا علي وللأئمة من بعدك، فان الملائكة لخدامنا وخدام محبينا. يا علي لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء، ولا الجنة ولا النار، ولا السماء ولا الأرض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم الى معرفة ربنا وتسبيحه وتقديسه وتهليله، لان اول ما خلق الله عزوجل أرواحنا فأنطقها بتوحيده وتحميده، ثم خلق الملائكة فلما شاهدوا أرواحنا نورا واحدا استعظموا أمرنا،


(1) الخصال: 31 ح 108 باب الواحد، عنه البحار 35: 34 ح 33، وفيه: خلقت أنا و.... (2) فردوس الأخبار 3: 61 ح 4171، وفي البحار 38: 149 ح 118، عن جامع الاصول لابن الأثير، وفي سنن ابن ماجة 1: 44 ح 119، وسنن الترمذي 5: 401 ح 3740. (3) سنن الترمذي 5: 429 ح 3800، سنن ابن ماجة 1: 51 ح 144، كشف الغمة 2: 216، مناقب ابن شهرآشوب 4: 71، عنه البحار 43: 295 ح 56، والصواعق المحرقة: 291. (4) راجع البحار 26: 3 ضمن حديث 1، ومشارق أنوار اليقين: 160. (*)

[ 28 ]

فسبحنا لتعلم الملائكة انا خلق مخلوقين، فسبحت الملائكة بتسبيحنا... الخ (1). والأخبار في هذا المعنى اكثر من أن تحصى، الا ان بعض هؤلاء الأنوار مقدم على بعض كما نطق به الأخبار، مثل ما ورد عن علي (عليه السلام): أنا من محمد (صلى الله عليه وآله) كالضوء من الضوء، أو كالسراج من السراج (2). ولكن كلهم أهل دائرة واحدة ليس في رتبتهم ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما قال (صلى الله عليه وآله): لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل (3). وقالوا (عليهم السلام) أيضا: لنا مع الله حالات هو فيها نحن ونحن هو، وهو هو ونحن نحن (4).


(1) علل الشرائع: 5 ح 1، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 498 ح 215، عنهما البحار 18: 345 ح 56. (2) نحوه البحار 26: 6 ح 1، وأيضا 38: 78 ح 1. (3) راجع البحار 18: 36 ح 66. (4) راجع الكلمات المكنونة للفيض الكاشاني: 114 / في معنى الفنآء في الله، وأورده أيضا الامام الخميني (قدس سره) في كتاب مصباح الهداية صفحة 67، وقال بعده: وكلمات أهل المعرفة - خصوصا الشيخ الكبير، محيي الدين - مشحونة بأمثال ذلك، مثل قوله: " الحق خلق، والخلق حق، والحق حق، والخلق خلق ". وقال في فصوصه: " ومن عرف ما قررناه في الأعداد وأن نفيها عين ثبتها، علم ان الحق المنزه هو الخلق المشبه وإن كان قد تميز الخلق من الخالق، فالأمر الخالق المخلوق، والأمر المخلوق الخالق " الى أن قال: فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا * وليس خلقا بذلك الوجه فادكروا من يدر ما قلت لم تخذل بصيرته * وليس يدريه الا من له البصر جمع وفرق فان العين واحدة * وهي الكثيرة تبقي ولا تذر أقول: وورد في الزيارة الرجبية: "... فجعلتهم معادنا لكلماتك، وأركانا لتوحيدك وآياتك ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان، يعرفك بها من عرفك، لا فرق بينك وبينها الا انهم عبادك وخلقك... ". وفي ذلك يقول الشاعر: رق الزجاج ورقت الخمر * فتشابها وتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح * وكأنما قدح ولا خمر (*)

[ 29 ]

وورد أيضا في الأخبار المستفيضة ان الأنبياء خلقوا من شعاع نورهم، وظهروا من آثار ظهورهم، وفي بعضها انهم خلقوا من شعاع أجسامهم (1). فيكون الأنبياء من جملة شيعتهم وأشعتهم. ولا شك ان اول ما يخلق من الانسان هو عقله، كما ورد ان اول ما خلق الله العقل (2)، فان هذا المعنى كما انه منطبق على العالم الكبير بالنسبة الى العقل الكلي، كذلك على العالم الصغير بالنسبة الى العقل الجزئي، فيكون حينئذ عقول الأنبياء مخلوقة من أشعة أجسامهم الشريفة، لا أن عقولهم من أشعة عقولهم مثلا، وأجسامهم من أشعة أجسامهم مع كون أجسامهم من سنخ الأجسام البشرية لا من غير هذا السنخ كما هو مبنى الوجه الأول، فان ذلك يستلزم وجودهم في عالم الأجسام قبل أجسام الأنبياء (عليهم السلام)، وهذا خلاف الظاهر في الأنظار، وإن أمكن فرضه بنوع من الاعتبار. وبالجملة ولما كان المنافقون يزعمون جهلا أو تجاهلا في حق آل الله وآل رسول الله (صلى الله عليه وآله) انهم ليسوا من جنس طينة رسول الله


(1) ورد في البحار عن جابر بن عبد الله قال: قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله): أول شئ خلق الله تعالى ما هو ؟ فقال: نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير، ثم أقامه بين يديه في مقام القرب ما شاء الله ثم جعله أقساما، فخلق العرش من قسم، والكرسي من قسم، وحملة العرش وخزنة الكرسي من قسم... وأقام القسم الرابع في مقام الحياء ما شاء الله، ثم نظر إليه بعين الهيبة، فرشح ذلك النور وقطرت منه مائة ألف وأربعة وعشرون ألف قطرة، فخلق الله من كل قطرة روح نبي ورسول، ثم تنفست أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسها أرواح الأولياء والشهداء والصالحين. [ البحار 25: 22 ح 37 ]. قال العلامة الطباطبائي (قدس سره) في الميزان عند تفسير آية 33 من سورة البقرة بعد ذكر هذا الحديث ما لفظه: أقول والأخبار في هذه المعاني كثيرة... واياك أن ترمي أمثال هذه الأحاديث الشريفة المأثورة عن معادن العلم ومنابع الحكمة بانها من اختلاقات المتصوفة وأوهامهم فللخلقة أسرار، وهو ذا العلماء من طبقات أقوام الانسان لا يألون جهدا في البحث عن أسرار الطبيعة منذ أخذ البشر في الانتشار، وكلما لاح لهم معلوم واحد بان لهم مجاهيل كثيرة، وهي عالم الطبيعة أضيق العوالم وأخسها، فما ظنك بما ورائها وهي عوالم النور والسعة. (2) الفردوس 1: 13 ح 4، البحار 1: 97 ح 8. (*)

[ 30 ]

(صلى الله عليه وآله)، بل جعلوهم من جنس سائر الرعية، والتزموا أمرين في المرحلة، أحدهما الفصل بلفظ (على) عند الصلاة على النبي وآله، اشارة الى حط رتبتهم عن تلك المرتبة المحمدية، وعدم كونهم من أهل هذه السلسلة النورية. والثاني انهم ليسوا من آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لانهم أولاد البنت، وولد البنت ليس بولد بل هم أولاد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو من الأجانبة، وتمسكوا في ذلك بنحو قول الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الأباعد وغيره من الكلمات السخيفة والاستدلالات الضعيفة، فورد الخبر في التنبيه على ردهم والاشارة الى ردعهم، ان من فصل بيني وبين آلي بعلى فليس من امتي. فنسب الآل الى نفسه وجعل الآل آل نفسه، لا آل علي (عليه السلام) الذي هو أيضا في الحقيقة نفسه أو كنفسه، ومنع من فصلهم عنه بلفظ (على) اسما على فعيل، أو حرف جر اشارة الى الوصل أي اتصالهم (عليهم السلام) به (صلى الله عليه وآله)، وكونهم من نوره وجنس طينته. ويدل على ذلك على انهم من أهل تلك المرتبة فلا يجوز الفصل بين أجزاء السلسلة، كما انه اشارة الى انهم آل الرسول المنتسبون إليه من جهة البتول، والدلالة على كلا الأمرين حاصلة على كل من القراءتين. ويدل على ذلك أيضا أخبار كثيرة، كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: كل بني آدم ينتمون الى عصبتهم الا ولد فاطمة، فاني أنا أبوهم وعصبتهم (1). وفي خبر آخر: لكل نبي عصبة ينتمون إليه، وفاطمة عصبتي التي تنتمي


(1) ذخائر العقبي: 121، الفردوس 3: 264 ح 4787، الصواعق المحرقة: 284، كنز العمال 12: 98 ح 34168، والبحار 43: 228 ح 1، فرائد السمطين 2: 77 ح 398. (*)

[ 31 ]

الي (1). وروى في البحار انه خرج زيد ابن موسع أخو أبي الحسن الرضا (عليه السلام) بالمدينة في عهد المأمون، وأحرق وقتل خلقا كثيرا من تبعته - وكان يسمى زيد النار - فبعث إليه المأمون فاسر وحمل الى المأمون، فقال المأمون: اذهبوا به الى أبي الحسن الرضا. قال ياسر: فلما دخل إليه قال أبو الحسن (عليه السلام): يا زيد أغرك قول سفلة أهل الكوفة - وفي رواية اخرى: قول بقالي أهل الكوفة - ان فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، ذاك الحسن والحسين خاصة - وفي خبر آخر مع زيادة زينب وام كلثوم - إن كنت ترى انك تعصى الله وتدخل الجنة، وموسى بن جعفر أطاع الله ودخل الجنة، فأنت إذا أكرم على الله عزوجل من موسى بن جعفر. والله ما ينال أحد ما عند الله عزوجل الا بطاعته، وزعمت انك تناله بمعصيته، فلبئس ما زعمت، فقال له زيد: أنا أخوك وابن ابيك، فقال له أبو الحسن (عليه السلام): أنت أخي ما أطعت الله عزوجل، ان نوحا (عليه السلام) قال: * (رب ان ابني من أهلي وان وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين) * (2). فقال الله عزوجل: * (يا نوح انه ليس من أهلك انه عمل غير صالح) * (3) فأخرجه الله عزوجل من أن يكون من أهله بمعصيته (4). وفي خبر آخر: كلا لقد كان ابنه ولكن لما عصى الله عزوجل نفاه الله عن أبيه، كذا من كان منا لم يطع الله فليس منا ولا من أولاد رسول الله، وأنت إذا أطعت الله فأنت منا أهل البيت (5).


(1) دلائل الامامة: 76 ح 16، عنه البحار 43: 230، ونحوه في بشارة المصطفى: 40. (2) هود: 45. (3) هود: 46. (4) البحار 43: 231 ح 6، عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام). (5) معاني الأخبار: 106 ح 1، عنه البحار 43: 230 ح 2. (*)

[ 32 ]

فصل في بيان الفرق بين ذرية فاطمة (عليها السلام) غير الأئمة وبين سائر الرعية روي في البحار عن الحسن بن راشد قال: ذكرت زيد بن علي بن الحسين عند الصادق (عليه السلام) - وهو الذي خرج على عبد الملك بن مروان، فقتل بالكوفة وقد نهاه الباقر (عليه السلام) عن الخروج فلم ينته ولم يقبل قوله - فتنقصت فيه من هذه الجهة. فقال الصادق (عليه السلام): لا تفعل - أو لا تقل كذا - رحم الله عمي زيدا، أتى أبي فقال: اني اريد الخروج على هذه الطاغية، فقال: لا تفعل اني أخاف أن تقتل وتصلب على ظهر الكوفة، أما علمت يا زيد انه لا يخرج أحد من ولد فاطمة على أحد من السلاطين قبل خروج السفياني الا قتل، فلم يقبل وفعل ما فعل. ثم قال أيضا: يا حسن ان فاطمة (عليها السلام) أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، وفيهم نزلت الآية: * (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله ذلك هو الفضل الكبير) * (1). والظالم لنفسه الذي لا يعرف الامام، والمقتصد هو العارف بحق الامام، والسابق بالخيرات هو الامام، ثم قال: يا حسن انا أهل بيت لا يخرج منا أحد من الدنيا حتى يقر لذي فضل بفضله (2). وبين هذا الخبر والرواية السابقة منافرة في الجملة، وتحقيق الحال هنا بحيث ترتفع المنافرة بينهما، ان المؤمن مشرف على محل الخطر والهلاكة في مقامين،


(1) فاطر: 32. (2) الخرائج 1: 281 ح 13، عنه البحار 46: 185 ح 51، وكشف الغمة 2: 357، في فضائل الامام الباقر (عليه السلام). (*)

[ 33 ]

أحدهما مقام المعرفة في مرتبة اصول الدين إذ الشيطان عدو مبين، فهو في مرصاد عباد الله المؤمنين ليوقعهم في الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي، فهو في جميع حالات الحياة الدنيوية يريد إغواء الانسان بالوساوس النفسانية، والهواجس الشيطانية، ليوقعه في الحيرة والضلالة في أمر المعرفة وتحصيل اصول الدين الذي هو مبنى الشريعة، فان فات ذلك منه ويئس انتظر لذلك الى أن يتراكم على الانسان شدائد سكرات الموت، والأهوال الطارئة له عند الفوت، فينتهز الفرصة ليوقعه حينئذ في الشبهة، ويخرجه من الدنيا كافرا مستحقا للعذاب الأبدي في البرزخ والاخرة. فرب عابد زاهد في مدة عمره لم يتسلط عليه الشيطان بالمرة، تسلط عليه عند الموت فأوبقه وأهلكه، كالعابد برصيصا (1) وغيره، ولهذا ورد ان الايمان قسمان: ايمان مستقر وايمان مستودع (2)، والثاني هو الذي يسلب عند الموت من جهة اغواء الشيطان وتلبيسه في تلك الحالة. وورد دعاء العديلة دفعا لتلك الرزية، والعديلة اسم شيطانة موكلة من جانب ابليس ليعدل الانسان حين الموت من الاعتقاد الحق الى الباطل، فعيلة بمعنى


(1) روى في البحار 14: 486، عن ابن عباس قال: كان في بني اسرائيل عابد اسمه برصيصا، عبد الله زمانا من الدهر حتى كان يؤتى بالمجانين يداويهم ويعوذهم فيبرؤون على يده، وانه أتى بامرأة في شرف قد جنت، وكان لها اخوة فأتوه بها وكانت عنده، فلم يزل الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت، فلما استبان حملها قتلها ودفنها، فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقى أحد اخوتها، فأخبره بالذي فعل الراهب وانه دفنها في مكان كذا، ثم أتى بقية اخوتها رجلا رجلا فذكر ذلك له، فجعل الرجل يلقى أخاه فيقول: والله لقد أتاني آت ذكر لي شيئا يكبر علي ذكره، فذكره بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم، فسار الملك والناس فاستنزلوه فأقر لهم بالذي فعل، فأمر به فصلب، فلما رفع على خشبته تمثل له الشيطان فقال: أنا الذي ألقيتك في هذا، فهل أنت مطيعي فيما أقول لك، اخلصك مما أنت فيه ؟ قال: نعم، قال: اسجد لي سجدة واحدة، فقال: كيف اسجد لك وأنا على هذه الحالة ؟ فقال: أكتفي منك بالايماء، فأومأ له بالسجود، فكفر بالله وقتل الرجل. (2) عقد العلامة المجلسي بابا مستقلا في البحار ج 69 ص 212، تحت هذا العنوان، فراجع. (*)

[ 34 ]

مفعلة، والمراد دفع العديلة، أو بمعنى المصدر أي دعاء دفع العدول المذكور، وذكر في زبدة المعارف الوجه الأول وحده في وجه التسمية. والثاني مقام العمل بالشريعة، فيريد الشيطان أبدا أن يضل الانسان ويغويه، ويوقعه في المعصية ويوبقه، وهذا هو الهلاك العارضي والعذاب المنقرض، فهناك هلاكة كبرى وهلاكة صغرى، وأولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما سوى الأئمة المعصومين وإن كانوا مأمونين من الهلاكة الكبرى من جهة الانتساب الى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والانتماء الى فاطمة الزهراء (عليها السلام) من جهة كونها أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار أي الخلود في العذاب، حيث انه لا يخرج أحد منهم من الدنيا الا مؤمنا خالص الايمان والايقان، ولا يجئ فيهم شبهة الكفر عند عروض سكرة الموت وطرو حسرة الفوت، لكنهم على خطر عظيم من الهلاكة الصغرى. كما قال السجاد (عليه السلام) للأصمعي: يا أصمعي خلقت النار لمن عصى الله ولو كان سيدا قرشيا، وخلقت الجنة لمن أطاع الله ولو كان عبدا حبشيا، على ما ذكر عن كتاب المناقب انه روى الأصمعي فقال: كنت ليلة في الطواف بعد موهن من الليلة، فرأيت شابا متعلقا بأستار الكعبة يناجي ربه ويقول: " الهي ومولاي نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت ملك حي قيوم، وقد أغلقت الملوك عليها أبوابها، وطاف عليها حراسها، وأنت يا مولاي بابك مفتوح للداخلين، ورفدك مبذول للسائلين، يا من يجيب دعاء المضطر في الظلم، يا كاشف الضر والبلوى مع السقم، قد نام وفدك حول البيت قاطبة، وأنت يا حي يا قيوم لم تنم، أدعوك يا رب حزنا دائما قلقا، فارحم بكائي بحق البيت والحرم، وهب لي بجودك فضل العفو عن جرمي، يامن أشار إليه الخلق في الحرم، إن كان عفوك لا يرجوه ذو سرف، فمن يجود على العاصين بالنعم ". ثم قال: ألا يا رجائي أنت كاشف كربتي * فهب لي ذنوبي كلها واقض حاجتي


[ 35 ]

فزادي قليل لا أراه مبلغي * على الزاد أبكي أم لبعد مسافتي أتيت بأعمال قباح ردية * وما في الورى عبد جنى كجنايتي أتحرقني بالنار يا غاية المنى * فأين رجائي ثم أين مخافتي فكرر البيت الى أن غشي عليه، فقلت: من هذا ؟ قيل: هو السجاد زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام). فذهبت إليه فرفعت رأسه ووضعته على حجري، وبكيت عليه رحمة له، فوقع من قطرات دمعي على وجنتيه، ففتح عينيه وقال: من هذا الذي أشغلني عن ذكر مولاي ؟ فقلت: عبدك الأصمعي، ثم قلت: يا مولاي مم هذا الحزن والعويل والبكاء الطويل، وأنتم أهل بيت العصمة والطهارة، وفيكم نزلت آية التطهير ؟ !. فقال: يا أصمعي هيهات هيهات، خلقت النار لمن عصى الله - الى آخر ما مر - ثم قال (عليه السلام): أما سمعت قوله تعالى: * (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) * (1)، انتهى (2). وعن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) انه: كان علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: لمحسننا كفلان من الأجر، ولمسيئنا ضعفان من العذاب (3). وكذا الحكم في أزواج النبي (صلى الله عليه وآله)، قال تعالى: * (يا نساء النبي


(1) المؤمنون: 101. (2) المناقب لابن شهراشوب 4: 150، باختلاف كثير. قال المقرم (رحمه الله) في كتاب (الامام زين العابدين (عليه السلام) ص 259: وهذا لا يصح عن الأصمعي، لأن السجاد (عليه السلام) - كما في ارشاد الشيخ المفيد - توفي بالمدينة سنة (95)، والأصمعي - كما في تاريخ بغداد ج 10 ص 419 - توفي سنة (216) عن ثمان وثمانين سنة، فتكون ولادته سنة (128) تقريبا بعد شهادة السجاد (عليه السلام) بثلاث وثلاثين سنة، نعم يمكن أن تصح القصة مع الامام الكاظم (عليه السلام)، فانه ولد سنة (128) واستشهد سنة (183)، أو الرضا (عليه السلام) المولود سنة (148) والمستشهد سنة (203). (3) معاني الأخبار: 106 ح 1، عنه البحار 43: 230 ح 2. (*)

[ 36 ]

من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا * ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما) * (1). وذلك لزيادة العلم والمعرفة، وتفاوت القرب والمنزلة، فصار الذنب منهن أقبح، والطاعة منهن أحسن، وكذلك الحكم في العلماء للعلة المذكورة، حتى ورد انه يغفر من الجاهل سبعون سيئة، وقد لا يغفر من العالم سيئة واحدة (2). واما سائر الرعية فهم في محل الخطر في كل مرحلة، قال (صلى الله عليه وآله): هلك العالمون الا العالمون، وهلك العالمون الا العاملون، وهلك العاملون الا الموحدون، وهلك الموحدون الا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم. " تتميم ": [ الكلام في ان ولد البنت ولد ] عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): يا أبا الجارود ما يقولون في الحسن والحسين (عليهما السلام) ؟ قلت: ينكرون علينا انهما ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال (عليه السلام): فبأي شئ احتججتم عليهم ؟ قلت: بقول الله تعالى في عيسى بن مريم: * (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين) * (3). فجعل عيسى (عليه السلام) من ذرية ابراهيم (عليه السلام). واحتججنا عليهم بقوله تعالى: * (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم...) * (4) الآية، قال (عليه السلام): فأي شئ قالوا ؟ قلت: قالوا: قد يكون ولد البنت من الولد ولا


(1) الاحزاب: 30 و 31. (2) البحار 2: 27 ح 5. (3) الأنعام: 84 - 85. (4) آل عمران: 61. (*)

[ 37 ]

يكون من الصلب. قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): والله يا أبا الجارود لأعطينك من كتاب الله آية لا يردها الا كافر، قال: قلت: جعلت فداك وأين ؟ قال: حيث قال الله تعالى: * (حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم وأخواتكم - الى قوله تعالى - وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) * (1) وسلهم يا أبا الجارود هل يحل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) نكاح حليلتهما، فان قالوا نعم فكذبوا، وان قالوا لا فهما والله ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما حرمت عليه الا للصلب (2). وفي احتجاجات الكاظم (عليه السلام) مع الرشيد على ما روى الطبرسي (رحمه الله) من جملة حديث طويل الذيل، انه سأل الرشيد في جملة ما سأل في هذا المجلس مخاطبا له (عليه السلام): لم جوزتم للخاصة والعامة أن ينسبوكم الى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويقولوا لكم: يا بني رسول الله، وأنتم بنو علي، وانما ينسب المرء الى أبيه، وفاطمة هي وعاء والنبي جدكم من قبل امكم ؟ !. فقال (عليه السلام): يا أمير المؤمنين لو ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نشر فخطب اليك كريمتك هل كنت تجيبه ؟ فقال: سبحان الله ولم لا اجيبه ؟ بل افتخر على العرب والعجم وقريش بذلك، فقال له: لكنه (صلى الله عليه وآله) لا يخطب الي ولا ازوجه، قال الرشيد: ولم ؟ قال (عليه السلام): لانه ولدني ولم يلدك، فقال: أحسنت يا موسى. ثم قال: كيف قلتم انا ذرية النبي والنبي (صلى الله عليه وآله) لم يعقب، وانما العقب للذكر لا للانثى، وأنتم ولد للبنت ولا يكون لها عقب ؟. فقال (عليه السلام) له (عليهم السلام): أسألك بحق القرابة والقبر ومن فيه الا أعفيتني عن هذه المسألة، فقال: لا أو تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي، وأنت يا


(1) النساء: 23. (2) الاحتجاج 2: 175 ح 204، عنه البحار 43: 232 ح 8، وفي الكافي 8: 317 ح 501، وتفسير القمي 1: 209. (*)

[ 38 ]

موسى يعسو بهم وامام زمانهم، كذا انهى الي، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه حتى تأتيني فيه بحجة من كتاب الله، وأنتم تدعون معشر ولد علي انه لا يسقط عنك منه شئ ألف ولا واو الا تأويله عندكم، واحتججتم بقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (1) واستغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم. فقال (عليه السلام): تأذن لي في الجواب ؟ قال: هات، فقال (عليه السلام): أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، * (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين) * (2) من أب عيسى يا أمير المؤمنين ؟ فقال: ليس لعيسى أب. فقال (عليه السلام): انما ألحقناه بذراري الأنبياء من طريق مريم (عليها السلام)، وكذلك الحقنا بذراري النبي (صلى الله عليه وآله) من قبل امنا فاطمة (عليها السلام)، وازيدك يا أمير المؤمنين، قال: هات، قال (عليه السلام): قول الله تعالى: * (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم...) * (3) الاية، ولم يدع أحد أنه أدخل النبي (صلى الله عليه وآله) تحت الكساء عند مباهلة النصارى الا علي بن أبي طالب، وفاطمة، والحسن، والحسين (عليهم السلام)، أبناءنا: الحسن والحسين، ونساءنا: فاطمة، وأنفسنا: علي بن أبي طالب (عليه السلام)... الحديث (4). وعن يحيى بن يعمر العامري قال: بعث الي الحجاج فقال: يا يحيى أنت الذي تزعم ان ولدي علي من فاطمة ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قلت له: إن


(1) الانعام: 38. (2) الانعام: 84 و 85. (3) آل عمران: 61. (4) الاحتجاج 2: 338 ح 271، وفي البحار 48: 125 ح 2 عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 225 ح 91. (*)

[ 39 ]

أمنتني تكلمت، قال: أنت آمن. قلت: نعم، أقرأ عليك كتاب الله، ان الله تعالى يقول: * (ووهبنا له اسحاق ويعقوب كلا هدينا - الى أن قال - وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين) * (1) وعيسى كلمة الله وروحه ألقاها الى العذراء البتول، وقد نسبه الله تعالى الى أبراهيم (عليه السلام). قال: ما دعاك الى نشر هذا وذكره ؟ قلت: ما استوجب لأهل العلم في علمهم ليبينوه للناس ولا يكتموه، قال: صدقت ولا تعودن لذكر هذا ونشره (2). وفي خبر آخر مرسل عن عامر الشعبي قال: بعث الي الحجاج ذات ليلة، فخشيت فقمت وتوضأت وأوصيت ثم دخلت عليه، فنظرت فإذا نطع (3) منشور وسيف مسلول، فسلمت عليه فرد علي السلام. فقال: لا تخف فقد أمنتك الليلة وغدا الى الظهر، وأجلسني عنده، ثم أشار فأتى برجل مقيد مكبول بالأغلال والكبول، فوضعوه بين يديه فقال: ان هذا الشيخ يقول: ان الحسن والحسين كانا ابني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ليأتيني بحجة من القرآن والا لأضربن عنقه. فقلت: يجب أن تحل قيوده فانه إذا احتج فانه لا محالة ذاهب، وإن لم يحتج فان السيف لا يقطع هذا الحديد، فحلوا قيوده وكبوله فنظرت فإذا هو سعيد بن جبير، فحزنت بذلك وقلت في نفسي: كيف يجد حجة على ذلك من القرآن. فقال له الحجاج: ايتني بحجة من القرآن على ما ادعيت والا أضرب عنقك، فقال له: انتظر، فسكت ساعة ثم قال له مثل ذلك، فقال: انتظر، فسكت ساعة، ثم قال مثل ذلك، فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم * (ووهبنا له اسحاق ويعقوب


(1) الانعام: 84 و 85. (2) البحار 43: 228 ضمن حديث 1، عن بعض كتب المناقب، وفي فرائد السمطين 2: 75 ح 397 ونحوه في الدر المنثور 3: 311 / سورة الانعام. (3) النطع - بالكسر وبالفتح وبالتحريك -: بساط من الأديم. (*)

[ 40 ]

- الى قوله - وكذلك نجزي المحسنين) *. ثم سكت وقال للحجاج اقرأ ما بعده، فقرأ: * (وزكريا ويحيى وعيسى) * (1) فقال سعيد: كيف يليق هاهنا عيسى، قال: انه كان من ذريته، قال: إن كان عيسى من ذرية ابراهيم (عليه السلام) ولم يكن له أب، بل كان ابن بنته فنسب إليه مع بعده، فالحسن والحسين (عليهما السلام) أولى أن ينسبا الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع قربهما منه، فأمر له بعشرة آلاف دينار، وأمر بأن يحملوا ما معه الى داره، وأذن له في الرجوع. قال الشعبي: فلما أصبحت قلت في نفسي: قد وجب علي أن آتي هذا الشيخ فأتعلم منه معاني القرآن، لاني كنت أظن اني أعرفها فإذا أنا لا أعرفها، فأتيته فإذا هو في المسجد وتلك الدنانير بين يديه يفرقها عشرا عشرا ويتصدق بها، ثم قال: هذا كله ببركة الحسن والحسين (عليهما السلام)، لئن كنا أغممنا واحدا لقد أفرحنا ألفا وأرضينا الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) (2). ويدل على ذلك أيضا ما في الخبر النبوي (صلى الله عليه وآله) للحسنين (عليهما السلام): ابناي هذان امامان قاما أو قعدا (3). وقوله (صلى الله عليه وآله) للحسن (عليه السلام): ابني هذا سيد (4). وقوله (صلى الله عليه وآله) أيضا في الحسين (عليه السلام): لا تزرموا ابني، أي لا تقطعوا عليه بوله (5) لما بال في حجره وأراد بعض نسائه - وهي ام سلمة كما في بعض الأخبار - أن ترفعه من حجره.


(1) الانعام: 84 و 85. (2) البحار 43: 229 ضمن حديث 1، عن بعض كتب المناقب. (3) البحار 37: 7، مناقب ابن شهرآشوب 3: 367. (4) صحيح البخاري 5: 92 ح 257، عنه العمدة: 396 ح 796، مناقب ابن شهرآشوب 4: 20، عنه البحار 43: 298 ح 61، كنز العمال 12: 115 ح 34263. (5) مناقب ابن شهرآشوب 4: 71، عنه البحار 43: 296 ح 57، ومستدرك الوسائل 2: 556 ح 2712، نحوه. (*)

[ 41 ]

وقوله (صلى الله عليه وآله): ارموا بني اسماعيل فان أباكم كان راميا (1). وقوله تعالى: يا بني آدم يا بني اسرائيل، وقوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم) * (2). وانه كان يقال للصادق (عليه السلام) كثيرا: أنت ابن الصديق، لان امه ام فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وزوجة القاسم كانت بنت عبد الرحمان بن أبي بكر، وكان (عليه السلام) يقول: ولدني أبو بكر مرتين (3). وانه ورد في الأخبار انه ينادي يوم القيامة مناديا: أهل الجمع غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة (عليها السلام) (4)، فلا يغض من كان هو من نسلها مطلقا، وان الولد انما يخلق من نطفة الأب والام معا، وان أهل العرف مجتمعون على اطلاق الولد والعقب والذرية ونحو ذلك على ولد البنت بلا شبهة. وقد حكى ان الرشيد أمر وزيره علي بن يقطين أن يخيط لأولاده ثيابا جديدة ليوم العيد، وكان له بنت مزوجة مات زوجها فرجعت الى دار أبيها الرشيد، وعندها أولاد صغار هم أحفاد الرشيد، وكان ابن يقطين (رحمه الله) شيعيا مشهورا، وكان يسمع من الرشيد وتبعته كثيرا في مقام رد اطلاق أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ذرية فاطمة (عليها السلام) ان أولاد، البنت ليسوا بأولاد استدلالا بقول الشاعر: بنونا بنوا أبنائنا.... فأحضر ليوم العيد ثيابا جديدة لجميع أولاده سوى هؤلاء الصغار، فجاؤوا يوم العيد الى الرشيد باكين محزونين، فغضب الرشيد على علي بن يقطين وقال: لم تركت هؤلاء الصغار، ولم تحضر لهم ثيابا جديدة مثل سائر أولادي ؟ قال: ما أمرتني بذلك، قال: ألم آمرك بتجديد ثياب أولادي ؟ قال: نعم ولكن


(1) مستدرك الحاكم 2: 103 ح 2465، جامع الأحاديث 1: 416 ح 2843. (2) النساء: 11. (3) كشف الغمة 2: 374. (4) راجع البحار 43: 220 ح 4، مستدرك الحاكم 3: 166 ح 4728. (*)

[ 42 ]

أنتم تقولون أولاد البنت ليسوا بأولاد، فتنبه الرشيد. والبيت المذكور قيل من مجعولات العامة في ترويج هذه الشبهة، وعلى فرض عدم الجعل فهو محمول على المبالغة، أو على النظر العرفي، أو على المجازية بملاحظة طرف قوة الابن، أو بلحاظ ان أولاد البنت تكون في دار رجل آخر غالبا، أي عند أبيهم وخيرهم وشرهم معه، ولا يكون للجد انس كثير بهم بخلاف أولاد الابن في ذلك غالبا. [ كلام ابن أبي الحديد في ان الحسنين (عليهما السلام) ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ] وقال ابن أبي الحديد في شرح قول علي (عليه السلام) في بعض أيام صفين حين رأى ابنه الحسن (عليه السلام) يتسرع الى الحرب: املكوا عني هذا الغلام لا يهدني، فاني انفس بهذين، أعني الحسن والحسين، لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله). فان قلت: أيجوز أن يقال للحسن والحسين (عليهما السلام) وولدهما أبناء رسول الله، وولد رسول الله، وذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ونسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قلت: نعم لأن الله سماهم أبناءه في قوله تعالى: * (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) * (1). وانما عنى الحسن والحسين (عليهما السلام)، ولو أوصى لولد فلان بمال دخل فيه أولاد البنات، وسمى الله عيسى ذرية ابراهيم (عليه السلام)، ولم يختلف أهل اللغة في ان ولد البنات من نسل الرجل. فان قلت: فما تصنع بقوله تعالى: * (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) * (2) ؟ فقلت: أسألك من ابوته لابراهيم بن مارية، فكلما تجيب به عن ذلك فهو جوابي عن


(1) آل عمران: 61. (2) الاحزاب: 40. (*)

[ 43 ]

الحسن والحسين. والجواب الشامل للجميع انه عنى زيد بن حارثة، لأن العرب كانت تقول زيد ابن محمد (صلى الله عليه وآله) على عادتهم في تبني العبد، فأبطل الله ذلك ونهى عن سنة الجاهلية وقال: ان محمدا (صلى الله عليه وآله) ليس أبا لواحد من الرجال البالغين المعروفين بينكم، وذلك لا ينفي (1) كونه أبا الأطفال الذين لم يطلق عليهم لفظة الرجال كابراهيم والحسن والحسين (2)، الى آخر ما ذكره، وفي هذا المقام تفصيلات مذكورة في الأخبار وكلمات العلماء الأخيار، ولا حاجة الى ذكرها والتعرض لها في المضمار. [ الكلام في بعض فضائل الزهراء (عليها السلام) ] وقد ورد في فضل الزهراء (عليها السلام) من أخبار الخاصة والعامة مالا يدفعها يد الانكار، حتى صار فضلها في الاشتهار مثل الشمس في رابعة النهار، فأقر بفضلها الأخيار والأشرار، والأبرار والفجار، واعترف بنبلها الأولياء والأعداء، والأجانبة والأقرباء: والفضل ما شهدت به الأعداء * والحسن ما اعترفت به الضراء وقد قال ابن أبي طلحة الشافعي (3) وهو من أعاظم العامة العمياء: ان كل واحد من الأئمة الأحد عشر عليهم صلوات الله الملك المتعال في أعلى درجة الكمال، ولهم من جهة انتسابهم الى فاطمة الزهراء (عليها السلام) شرف فوق الشرف، وكمال فوق الكمال، فزادهم الله فضل شرف وشرف فضل، ونيل قدر وقدر نيل، ومحل علو وعلو محل، وأصل تطهر وتطهر أصل.


(1) أثبتناه من المصدر، وفي النسخة: لا يخفى. (2) شرح نهج البلاغة 11: 26 باب 200، عنه البحار 43: 234 ح 10. (3) مطالب السؤول: 6. (*)

[ 44 ]

فان فاطمة (عليها السلام) قد خصت بفضل سجايا منصوص عليها بانفرادها، وفضلت بخصائص مزايا صرح اللفظ النبوي بايرادها، وميزت قرة عين الرسول بصفات شرف يتنافس الأنفس النفيسة في آحادها. وروى أبو داود الترمذي ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما يؤذيها ويسرني ما يسرها (1). وفي حديث آخر انه قيل لعائشة: من أحب النساء الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قالت: فاطمة، قيل: من الرجال ؟ قالت: زوجها (2). وعن عمر بن الخطاب، عن النبي (صلى الله عليه وآله): ان عليا وفاطمة والحسن والحسين يكونون في حظيرة القدس في قبة بيضاء، سقفها عشر الرحمان عزوجل (3). وعن أنس انه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بينا أهل الجنة في الجنة يتنعمون، وأهل النار في النار يعذبون، إذا لأهل الجنة نور ساطع، فيقول بعضهم لبعض: ما هذا النور ؟ لعل رب العزة اطلع علينا فنظر الينا ؟ ! فيقول لهم رضوان: لا ولكن علي مازح فاطمة فتبسمت، فأضاء ذلك النور من ثناياها (4). وفي فضائل أبي السعادات، وكشف الثعلبي في تفسير قوله تعالى: * (لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا) * (5) انه قال ابن عباس: بينا أهل الجنة في الجنة بعد ما سكنوا، رأوا نورا أضاء به الجنان، فيقول أهل الجنة: يا رب انك قلت في كتابك المنزل على نبيك المرسل: * (لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا) *.


(1) سنن الترمذي 5: 465 ح 3895، صحيح البخاري 5: 83 ح 232، كنز العمال 12: 108 ح 34223، مستدرك الحاكم 3: 172 ح 4747. (2) سنن الترمذي 5: 467 ح 3900، جامع الاصول 9: 125 ح 6671، ينابيع المودة: 203، الطرائف: 157 ح 244، عنه البحار 38: 313 ح 15، ذخائر العقبى: 35. (3) كنز العمال 12: 98 ح 34167، وفي البحار 43: 76 عن الفردوس. (4) البحار 43: 75 ح 62 مقتل الحسين للخوارزمي: 70، والعوالم 11: 1164 ح 4. (5) الانسان: 13. (*)

[ 45 ]

فينادي مناد: ليس هذا نور الشمس والقمر، وان عليا وفاطمة تعجبا من شئ فضحكا، فأشرقت الجنان من نورهما (1). وروى العامة عن علي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: إذا كان يوم القيامة قيل: يا أهل الجمع غضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد، فتمر الى الجنة وعليها ريطتان خضراوان (2). وفي رواية: فتمر على الصراط ومعها سبعون ألف جارية من الحور العين (3). وعن نافع بن أبي الحمراء: شهدت النبي (صلى الله عليه وآله) ثمانية أشهر إذا خرج الى صلاة الغداة مر بباب فاطمة (عليها السلام) فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته * (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (4). وعن أبي هريرة قال: نظر النبي (صلى الله عليه وآله) الى علي والحسن والحسين وفاطمة وقال: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم (5). وروى الترمذي والبخاري ان عائشة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) قالت: ما رأيت أحدا أشبه برسول الله (صلى الله عليه وآله) من فاطمة، وكانت إذا دخلت على النبي (صلى الله عليه وآله) قام إليها وقبلها وأجلسها في مجلسه (6).


(1) مناقب ابن شهرآشوب 3: 329 في منزلتها عند الله، البحار 43: 45 ح 44 والعوالم 11: 1165 ح 7، عن الفضائل والكشف، ونحوه أمالي الصدوق: 216 مجلس 44 ضمن ح 11، وتأويل الايات: 727. (2) المناقب لابن المغازلي: 356 ح 405، كفاية الطالب: 364، كشف الغمة 2: 87، مستدرك الحاكم 3: 175 ح 4757، الخصائص الكبرى للسيوطي 2: 225. (3) كشف الغمة 2: 84، عنه البحار 43: 53 ح 48، كنز العمال 12: 105 ح 34209، ذخائر العقبى: 48، مقتل الحسين: 55، الصواعق المحرقة: 289. (4) كفاية الطالب: 376، نور الأبصار: 225، كشف الغمة 2: 84، عنه البحار 43: 53 ح 48. (5) المناقب لابن المغازلي: 63 ح 90، مسند احمد 3: 187 ح 9405، كنز العمال 12: 97 ح 34164، كشف الغمة 2: 79، وفي سنن الترمذي 5: 465 ح 3896، وينابيع المودة: 202 عن زيد بن أرقم، وفي مستدرك الحاكم 3: 161 ح 4713، الصواعق المحرقة: 284. (6) سنن الترمذي 5: 466 ح 3898، ينابيع المودة: 203، كشف الغمة 2: 80، عنه البحار 37: 71 ح 38، مستدرك الحاكم 3: 167 ح 4732. (*)

[ 46 ]

وعن عائشة أيضا انه: كن أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) عنده في مرض موته لم يغادر منهن هناك واحدة، فأقبلت فاطمة (عليها السلام) تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما رآها رحب بها وقال: مرحبا يا بنتي، ثم أجلسها عن يمينه ثم سارها، فبكت بكاء شديدا، فلما رآى جزعها سارها الثانية فضحكت. قلت: قد خصك رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بين نسائه بالسرار، فلماذا بكيت ثم ضحكت ؟ فقالت: اني إذا البذرة، وما كنت لأفشي سر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما مات النبي (صلى الله عليه وآله) قلت: عزمت عليك بحق النبي (صلى الله عليه وآله) لما حدثتيني ما قال رسول الله لك عند وفاته. قالت: اما المرة الاولى فأخبرني ان جبرئيل كان يعرضني القرآن في كل سنة مرة، وانه عرضني في هذه السنة - أو هذا الآن - مرتين، واني لأرى الأجل قد اقترب فاتقي الله واصبري، فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: يا فاطمة أنت أول أهلي لحوقا بي، وأما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، فضحكت ضحكي الذي رأيت (1). الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة. وبالجملة فلا ريب انها كانت سيدة نساء العالمين، وأحب الى النبي (صلى الله عليه وآله) من جميع نساء المؤمنين، وانها كانت بضعة الرسول، والعذرآء البتول، ومشكاة النبوة، ومصباح الفتوة، الى غير ذلك من صفاتها الباهرة، وكمالاتها الظاهرة مما هو من أعظم المناقب وأعلاها، وأقوم المذاهب الى ذروة الشرف وأسناها، بحيث تود نفوس المفاخرين لو سمعت بواحدة منها وتتمناها.


(1) صحيح مسلم 16: 5 في فضائل فاطمة (عليها السلام)، عنه العمدة: 386 ح 764، والبحار 37: 66 ح 38، وجامع الاصول 9: 129 ح 6677، ونحوه في مسند احمد 7: 401 ح 25874، في أحاديث فاطمة (عليها السلام)، صحيح البخاري 5: 53 ح 149، سنن الترمذي 5: 466 ح 3898، ينابيع المودة: 203، كشف الغمة 2: 80، ذخائر العقبي: 39. (*)

[ 47 ]

[ ما نقل من كتاب كشف الغمة في فضل الزهراء (عليها السلام) ] قال في كشف الغمة: (1) ولقد أشرق عوالم الغيب والشهود باشراق أنوارها، وأضاء لآلائها بتشعشع ضيائها، وسحت (2) سحب العز بسح أنوائها، واعتلى نورها على كل موجود بعلو منارها، متعالية عن أعين النظار، سابقة من يجاريها الى المضمار، الكريمة الكريمة الأنساب، الشريفة الشريفة الأحساب، الطاهرة الطاهرة الميلاد، الزهراء الزاهرة الأولاد، السيدة الجليلة باجماع أهل السداد، الخيرة من أهل الخير والرشاد، ثالثة الشمس والقمر، بنت خير البشر، ام الأئمة الغرر، الصافية من الشوب والكدر، الصفوة على رغم من جحد أو كفر، الحالية بجواهر الجلال، الحالة في أعلى رتب الكمال، المختارة على النساء والرجال، صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها السادة الأنجاب، وراث النبوة والحكمة والكتاب. قال: وحكى لي السيد تاج الدين محمد بن نصر العلوي الحسيني ان بعض الوعاظ ذكر فاطمة (عليها السلام) ومزاياها، وكون الله تعالى وهبها من كل فضيلة مرباعها وصفاياها، وذكر بعلها وأباها وأبناءها، فاستخفه الطرب وأنشد: خجلا من نور بهجتها * تتوارى الشمس في الشفق وحياء من شمائلها * يتغطى الغصن بالورق فشق كثير من الناس ثيابهم، وأوجب وصفها بكاءهم وانتحابهم (3). وفاطمة أحد الأسماء الخمسة التي هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه إياها،


(1) كشف الغمة 2: 76. (2) السح: الصب، والسيلان من فوق / القاموس. (3) كشف الغمة 2: 92. وقال في حلية الأولياء 2: 39: قال الشيخ: ومن ناسكات الأصفياء، وصفيات الأتقياء فاطمة، السيدة البتول، البضعة الشبيهة بالرسول، ألوط أولاده بقلبه لصوقا، وأولهم بعد وفاته لحوقا، كانت عن الدنيا ومتعتها عازفة، وبغوامض عيوب الدنيا وآفاتها عارفة. (*)

[ 48 ]

كما في الأخبار الكثيرة، وهي مكتوبة على ساق العرش قبل أن يخلق الله آدم بسبعة آلاف سنة، وهي أكرم الخلق على الله، وما سأل الله عبد بحقهم الا استجاب له، قال النبي (صلى الله عليه وآله): والله لو أقسم أهل الأرض بهذه الأسماء لأجابهم الله (1). وذكر أيضا في الكتاب المسطور الحديث السابق المذكور في بكاء فاطمة عند وفاة أبيها، ثم ضحكها وسرورها وبيان وجه البكاء، وهو خبر وفاة أبيها، وسر الضحك والسرور، وهو اخباره (صلى الله عليه وآله) بعدم طول حياتها بعده ولحوقها به بعد ايام قليلة، واستبشارها بتلك البشارة، ثم قال: فدل مضمون هذا الخبر على ان فاطمة (عليها السلام) سليلة النبوة، ورضيعة در الكرم والفتوة، ودرة صدف الفخار، وغرة شمس النهار، وذبالة مشكاة الأنوار، وصفوة الشرف والجود، وواسطة قلادة الوجود، ونقطة دائرة المفاخر، وقمر هالة المآثر، الزهرة الزهراء، والغرة الغراء، العالية في المحل الأعلى، الحالة في المرتبة العلياء، السامية بالمكانة المكينة في عالم السماء. المضيئة بالأنوار المنيرة، المستغنية باسمها عن عدها ورسمها، قرة عين أبيها، وقرار قلب امها، الحالية بجواهر علاها، العاطلة من زخرف دنياها، سيدة النساء، جمال الآباء وشرف الأنبياء، يفخر آدم بمكانها، ويفرح نوح بعلو شأنها، ويسمو ابراهيم بكونها من نسله، ويتبجح (2) اسماعيل بها على إخوته إذ هي فرع أصله. وكانت ريحانة النبي (صلى الله عليه وآله) من بين أهله بل روحه وقلبه، فما يجاريها في مفخر الا مغلب، ولا يباريها في مجد الا مؤنب، ولا يجحد حقها الا مأفون (3)، ولا يصرف عنها وجه إخلاصه الا مغبون (4).


(1) الخصال: 639 ح 13 باب ما بعد الألف، كشف الغمة 2: 94، عنه البحار 94: 20 ح 15. (2) البجح: الفرح، وتبحح به: فخر / لسان العرب. (3) رجل أفين ومأفون أي ناقص العقل / لسان العرب. (4) كشف الغمة 2: 81. (*)

[ 49 ]

ثم ذكر كلاما طويلا حاصله ان مضمون هذا الخبر يدل على كونها (عليها السلام) أشرف من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ما خلا خاتم النبيين وسيد المرسلين، وزوجها أمير المؤمنين وأولاده المعصومين (عليهم السلام). وذلك لانها قد ضحكت بوعد لقاء ربها، وتبشرت بقرب زمان موتها، ولم يظهر هذا الشأن من أحد من الأنبياء العظام، فان آدم (عليه السلام) أبا البشر بعد ملاحظة أعمار الأنبياء من أولاده حين أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، رأى ان عمر داود (عليه السلام) قليل في الغاية، فترحم ووهب له من مدة عمره المقرر له ثلاثين سنة - أو أربعين سنة -. فلما آن وفاته مع ما كان عليه من طول عمره وامتداد حياته، حضر ملك الموت عنده ليقبض روحه، وكان عمره المقرر له معينا عنده بتعيين الله له، فقال: قد بقي من عمري مدة ثلاثين سنة، قال ملك الموت (عليه السلام): قد وهبتها في الذر لابنك داود، فهل ترجع في هبتك في هذه النشأة ؟ فقال آدم (عليه السلام): أنا لا أتذكر ما ذكرته. وفي خبر عن النبي (صلى الله عليه وآله): انه جحد فجحدت ذريته (1). وورد في الأخبار ان بعد هذه المقدمة قرر الله تعالى على بني آدم الحكم بكتابة الكتابة في المعاملات الواقعة بينهم حتى تكون حجة عند عدم المذاكرة، وان من وصل رحمه زاد في عمره ثلاثون سنة، ومن قطعه نقص منه بقدر تلك المدة (2). وان نوحا الذي كان شيخ الأنبياء، وأطولهم عمرا وأكثرهم سنا، حتى ورد ان عمره بلغ ألفين وخمسمائة سنة، ولبث من تلك المدة في قومه ألف سنة الا خمسين عاما يدعوهم الى الايمان فلا يجيبونه، قال في مرض موته استقلالا لما مر عليه من الحياة الدنيوية: ما رأيت الدنيا الا مثل دار لها بابان، دخلت من أحدهما


(1) تاريخ الطبري 1: 98 / في وفاة آدم (عليه السلام). (2) الانوار النعمانية 4: 202 عن الصدوق. (*)

[ 50 ]

وخرجت من الآخر، فاستقل العمر الطويل الذي به عمر (1). وان ابراهيم (عليه السلام) سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يسأله، ولم يسأله ذلك حتى رأى يوما رجلا في غاية الكهولة على هيئة منكرة، يسيل لعاب فمه الى لحيته، ويتلطخ به سبلته، وقد حضر على ضيافة ابراهيم ومائدته، وكان كلما يضع لقمة في فيه ويزدردها سقطت من الجانب الأسفل من ساعته بلا تحليل في اللقمة، على غير اختيار من الرجل. فقال له (عليه السلام): يا شيخ ما حالك وما بالك حتى صرت كذلك ؟ فقال: اني ابتليت بغاية الهرم والكبر، فزال مني القوة الماسكة والهاضمة والقوى الاخر فصرت كما ترى، فقال: هذا آخر الهرم لكل من الورى ؟ قال: نعم، فاستنكر ابراهيم (عليه السلام) هذا الحال وسأل حينئذ من الله الموت والارتحال، وكان الرجل ملكا أتى إليه في تلك الصورة (2). وفي خبر آخر قال ابراهيم (عليه السلام) له: كم عمرك ؟ فأخبره بما يزيد على عمر ابراهيم (عليه السلام) سنة، فاسترجع وقال: أنا أصير بعد سنة الى هذه الحالة، فسأل الموت من الله سبحانه (3). وفي خبر آخر انه لم يرض بقبض ملك الموت لروحه في بادى الحالة، فقال ملك الموت: يا ابراهيم الخليل ألا يرضى الخليل بلقاء الخليل، فرضى بعده (4). وان موسى (عليه السلام) لما جاءه ملك الموت لقبض روحه لم يرض بذلك، ورجع ملك الموت فقال: رب انك أرسلتني الى عبد لا يحب الموت، فأوحى الله الى موسى أن ضع يدك على متن ثور، فلك بكل شعرة دارات يدك عليها عمر سنة، فقال (عليه السلام): ثم ماذا ؟ فقال: الموت، فقال لملك الموت: انته الى أمر


(1) كشف الغمة 2: 82 / في فضائل فاطمة (عليها السلام). (2) تاريخ الطبري 1: 187 / في وفاة ابراهيم (عليه السلام)، نحوه. (3) كشف الغمة 2: 82 / في فضائل فاطمة (عليها السلام). (4) الأنوار النعمانية 4: 204. (*)

[ 51 ]

ربك، فقبضه (1). وروى العامة في هذا الخبر ان موسى (عليه السلام) لطم ملك الموت في اول الحالة أو وكزه، فأعوره فأعطاه الله عينه، وأرجعه بالوحي المذكور إليه، الى آخر الرواية (2). وفي رواية اخرى ان موسى لما لم يطع ملك الموت في قبض روحه سار ذاهبا في الأرض، فرأى أحدا يحفر قبرا، فقال: لمن تحفر هذا القبر ؟ قال: لأحد من أولياء الله، قال موسى (عليه السلام) فأعينك على حفره. فلما تم الحفر قال موسى (عليه السلام): فأنا أرقد فيه فأنظر هل بقي منه نقصان لنتمه، فلما رقد في القبر مستلقيا نزل ملك الموت فقبضه هناك، وكان هذا الحافر واحدا من الملائكة (3). فانظر ما نسبه اولئك الأنعام الى الأنبياء العظام، امناء الملك العلام سيما اولو العزم منهم، وليس ذلك بعجيب ممن رأسهم الذنب. وبالجملة فليس نفس من النفوس الانسانية الا وهي كارهة للموت لا محالة، إذ هو هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وموتم البنين والبنات مع استيناس الأرواح الى الأبدان العنصرية، وميل الطباع البشرية الى الحياة الدنيوية، ولو مع صفة النبوة والرسالة كطباع الأنبياء والكرام (عليهم السلام) حيث انهم على شرف مقاديرهم، وعظم أخطارهم ومكانتهم من الله تعالى، ومنازلهم من محال قدسه، وعلمهم بما يؤول إليه أحوالهم، وتنتهي إليه امورهم، أحبوا الحياة ومالوا إليها، وكرهوا الموت ونفروا منه لما اشير إليه من الاستيناس، إذ انقطاع الانس خطب جسيم وعذاب أليم، بل جميع الآلام الدنيوية والاخروية راجعة الى انقطاع الانس البتة.


(1) كشف الغمة 2: 82 / في فضائل فاطمة (عليما السلام). الأنوار النعمانية 4: 205. (2) راجع تاريخ الطبري 1: 256 / في وفاة موسى (عليه السلام). (3) نحوه الأنوار النعمانية 4: 204. (*)

[ 52 ]

وفاطمة (عليها السلام) كانت فتاة فتية في عنفوان الشباب والفتوة، ولها زوج كريم، وأولاد صغار أطياب أطهار مع تعلق قلبها بهم في الغاية، وميلها إليهم في النهاية، ولم تقض من الدنيا اربا، ولا من لذائذها وطرا، ومع ذلك كله فإذا بشرت بسرعة اللحاق الى دار القرار، والمفارقة من الدنيا وزوجها وأطفالها الصغار تبشرت، ومن غاية السرور الطارئ لها ضحكت. فلاحظ حالها مع حال اولئك الأنبياء العظام، والرسل الكرام، وامناء الملك العلام، فهم في أي واد وهي (عليها السلام) في أي واد (1)، وان هذا والله أمر عظيم لا يحيط الانس بصفته، ولا يهتدي القلوب الى معرفته، وما ذلك الا لأمر جعله الله في أهل هذا البيت الكريم، وسر أوجب لهم مزية التقديم، فخصهم بباهر معجزاته، وأظهر فيهم آثار بيناته، وأيدهم ببراهينه الصادعة، ودلالاته الساطعة، والله أعلم حيث يجعل رسالته. تتميم الكلام في بعض فضائل الزهراء (عليها السلام): قد اتفق المخالف والمؤالف على انه كلما جاءت فاطمة (عليها السلام) الى مجلس أبيها قام إليها وقبلها وأجلسها في مكانه وعظمها، وهي أيضا كانت تفعل كذلك بأبيها كلما جاء إليها، ولكن العجب من الأمر السابق لا اللاحق، وما ذلك الا من جهة ان لها عند الله فضلا عظيما ومقاما كريما، والا فقد أمر الله بتعظيم الولد للوالد لا بعكس القضية، وهو بضد ما أمر به امته. قال علي بن عيسى الأربلي في هذا المقام: ولولا ان فاطمة (عليها السلام) سرا الهيا ومعنى لاهوتيا لكان لها اسوة بسائر أولاده (صلى الله عليه وآله)، ولقاربوا منزلتها عنده، ولكن الله يصطفي من يشاء (2). قال: وفضل فاطمة (عليها السلام) مشهور، ومحلها من الشرف من أظهر


(1) ولنعم ما قيل بالفارسية: ميان ماه من تا ماه گردون * تفاوت از زمين تاآسمان است (2) كشف الغمة 2: 90 / في فضائل فاطمة (عليها السلام). (*)

[ 53 ]

الامور، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يعظم شأنها، ويرفع مكانها، وكان يكنيها بام أبيها، ويحلها من محبته محلا لا يقاربها فيه أحد ولا يوازيها (1). وعن عائشة انه قال علي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لما جلس بين علي وفاطمة وهما مضطجعان: أينا أحب اليك أنا أو هي ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): هي أحب الي منك، وأنت أعز لي منها (2). وفي خبر آخر لفاطمة (عليها السلام): لك حلاوة الولد وله ثمر الرجال، وهو أحب الي منك (3). وعن عائشة أيضا: ما كان أحد أصدق لهجة من فاطمة الا الذي ولدها (4). وعنها أيضا: ما كان أحد أشبه برسول الله (صلى الله عليه وآله) كلاما وحديثا منها (5). وعن ام سلمة: كانت فاطمة (عليها السلام) أشبه الناس شبها ووجها برسول الله (صلى الله عليه وآله) (6). وعن حذيفة بن اليمان قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) لا ينام حتى يعرض وجهه الى فاطمة، أو يجعل وجهه بين ثدييها (7). وعن الصادق (عليه السلام) مثله، وكان (صلى الله عليه وآله) يقول كثيرا:


(1) المصدر نفسه. (2) مقتل الحسين للخوارزمي: 69، مناقب ابن شهرآشوب 3: 331، عنه البحار 43: 38 ح 40، كشف الغمة 2: 90. كفاية الطالب: 309، كنز العمال 6: 393، ذخائر العقبي 29، الصواعق: 290. (3) مناقب ابن شهرآشوب 3: 331، عنه البحار 43: 38 ح 40. (4) مستدرك الحاكم 3: 175 ح 4756، ذخائر العقبى: 44، مقتل الحسين للخوارزمي: 56، الاستيعاب 4: 377، حلية الاولياء 2: 41، كشف الغمة 2: 100. (5) الذرية الطاهرة: 140 ح 175، ذخائر العقبى: 41، أمالي الطوسي: 400 ح 892، عنه البحار 43: 25 ح 22. (6) كشف الغمة 2: 100، عنه البحار 43: 55 ح 48. (7) مقتل الحسين للخوارزمي: 66، كشف الغمة 1: 95، عنه البحار 43: 55 ح 48. (*

[ 54 ]

فداها أبوها ثلاثا أو أكثر (1). وعن طرق أصحابنا، عن ابن عباس انه (صلى الله عليه وآله) قال: لن يركب يوم القيامة الا أربعة، أنا وعلي وفاطمة وصالح نبي الله، فأنا على البراق، وعلي على الدلدل، وفاطمة ابنتي على ناقتي العضباء، وصالح نبي الله على ناقته (2). وعن ابن عمر وغيره: ان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا أراد سفرا كان آخر الناس عهدا بفاطمة، وإذا قدم كان اول الناس عهدا لفاطمة (عليها السلام) (3). وعن ثوبان مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا سافر كان آخر عهده بانسان من أهله فاطمة، واول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة (عليها السلام)، قال: فقدم من غزاة فأتاها فإذا هو بمسح على بابها، ورأى على الحسن والحسين (عليهما السلام) قلبين من فضة، فرجع ولم يدخل عليها. فلما رأت ذلك فاطمة (عليها السلام) ظنت انه لم يدخل عليها من أجل ما رأى، فهتكت الستر، ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما، فبكى الصبيان فقسمته بينهما فانطلقا الى النبي (صلى الله عليه وآله) وهما يبكيان، فأخذه النبي (صلى الله عليه وآله) منهما وقال: يا ثوبان اذهب بهذا الى بني فلان - أهل بيت في المدينة - واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج، وفرق الباقي على بني فلان - أهل بيت فقراء بالمدينة - فان هؤلاء أهل بيتي ولا احب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا (4).


(1) راجع البحار 43: 20 ضمن حديث 7. (2) الخصال: 204 ح 20 باب الاربعة، عنه البحار 11: 380 ح 6. (3) مناقب ابن شهرآشوب 3: 333، عنه البحار 43: 40 ح 41، السنن الكبرى 1: 26 ح 3 باب المنع من الادهان في عظام الفيلة، ذخائر العقبى: 37، نظم درر السمطين: 177. (4) مسند احمد 6: 370 ح 21858، عنه كشف الغمة 2: 78، عنه البحار 43: 89 ح 10، مناقب ابن شهرآشوب 3: 343 / في سيرتها (عليها السلام)، الصواعق المحرفة: 277، المحجة البيضاء 4: 208. (*)

[ 55 ]

وعن طرق العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله): اول شخص يدخل الجنة فاطمة (1). وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضا عن جبرئيل: ان الله تعالى لما زوج فاطمة عليا (عليهما السلام) أمر رضوان فأمر شجرة طوبى، فحملت رقاعا لمحبي آل محمد (صلى الله عليه وآله)، ثم أمطرها ملائكة من نور بعدد تلك الرقاع، فأخذ تلك الملائكة الرقاع، فإذا كان يوم القيامة واستوت بأهلها أهبط الله الملائكة بتلك الرقاع، فإذا لقى ملك من هؤلاء الملائكة رجلا من محبي آل محمد (صلى الله عليه وآله) دفع إليه رقعة براءة من النار (2). وفي خبر الأعرابي عن النبي (صلى الله عليه وآله) بعد دعاء الأعرابي لفاطمة حين أعطته عقدها، وأخذه منه عمار بقدر كفاف الأعرابي من الذهب والفضة والزاد والراحلة، وأمره النبي (صلى الله عليه وآله) بدعائه لفاطمة (عليها السلام)، فقال: " اللهم انك إله ما استحدثناك، ولا إله لنا نعبده سواك، وأنت رازقنا على كل الجهات، اللهم اعط فاطمة مالا عين رأت، ولا أذن سمعت ". فأمن النبي (صلى الله عليه وآله) على دعائه، ثم أقبل الى أصحابه فقال: ان الله تعالى قد أعطى فاطمة في الدنيا ذلك، أنا أبوها وما أحد من العالمين مثلي، وعلي بعلها ولولا علي ما كان لفاطمة كفو أبدا، وأعطاها الحسن والحسين وما للعالمين مثلهما، سيدا أسباط الأنبياء، وسيدا شباب أهل الجنة (3). وعن الصادق (عليه السلام): إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش:


(1) مقتل الحسين للخوارزمي: 56، الفردوس 1: 38 ح 81، نظم درر السمطين: 180، الخصائص الكبرى للسيوطي 2: 225، مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 52 ح 114، مناقب ابن شهرآشوب 3: 329، عنه البحار 43: 44 ح 44. (2) مقتل الحسين للخوارزمي: 60، ينابيع المودة: 208 في تزويج فاطمة، مناقب ابن شهرآشوب 3: 328، عنه البحار 43: 45 ح 44. (3) البحار 43: 57 ح 50، عن بشارة المصطفى: 138 - 139. (*)

[ 56 ]

يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) حبيب الله الى قصرها، فتمر امي فاطمة وعليها ريطتان خضراوان، حواليها سبعون ألف حوراء، فإذا بلغت الى باب قصرها - وفي خبر آخر: الى باب الجنة - رأت جدي الحسين (عليه السلام) قائما عنده مقطوع الرأس ومعه الحسن (عليه السلام)، فتقول للحسن (عليه السلام): من هذا ؟ فيقول: هذا أخي، ان امة أبيك قتلوه وقطعوا رأسه. فيأتيها النداء من عند الله سبحانه: يا بنت حبيب الله اني انما أريتك ما فعلت به امة أبيك لأني ادخرت لك عندي تعزية بمصيبتك فيه، اني جعلت تعزيتك اليوم اني لا أنظر في محاسبة العباد حتى تدخلي الجنة أنت وذريتك وشيعتك، ومن أولاكم معروفا ممن ليس هو من شيعتك، قبل أن أنظر في محاسبة العباد. فتدخل فاطمة (عليها السلام) امي الجنة وذريتها وشيعتها، ومن أولاهم معروفا ممن ليس هو من شيعتها، وهو قول الله تعالى: * (لا يحزنهم الفزع الاكبر - أي هول يوم القيامة - وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون) * (1) هي والله فاطمة وذريتها وشيعتها، ومن أولاهم معروفا ممن ليس من شيعتها (2). وعن جابر قال: قلت للباقر (عليه السلام): جعلت فداك حدثني بحديث في فضل جدتك فاطمة (عليها السلام) إذا أنا حدثت الشيعة فرحوا بذلك. قال (عليه السلام): حدثني أبي عن جدي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه إذا كان يوم القيامة نصب للأنبياء والرسل منابر من نور، فيكون منبري أعلى منابرهم يوم القيامة، ثم يقول الله: يا محمد اخطب، فأخطب بخطبة لم يسمع أحد من الأنبياء والرسل بمثلها. ثم ينصب للأوصياء منابر من نور، وينصب لوصيي علي بن أبي طالب في أوساطهم منبر من نور، فيكون منبره أعلى منابرهم، ثم يقول الله تعالى: يا علي


(1) الأنبياء: 102 و 103. (2) تفسير الفرات: 269 ح 362 عنه البحار 43: 62 ح 54. (*)

[ 57 ]

اخطب فيخطب بخطبة لم يسمع أحد من الأوصياء والرسل بمثلها. ثم ينصب لأولاد الأنبياء والمرسلين مثلها، ثم ينادي المنادي وهو جبرئيل: أين فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) ؟ أين خديجة بنت خويلد ؟ أين مريم بنت عمران ؟ أين آسية بنت مزاحم ؟ أين كلثوم ام يحيى بن زكريا ؟ فيقمن، فيقول الله تعالى: يا أهل الجمع لمن الكرم اليوم ؟ فيقول محمد وعلي والحسن والحسين: لله الواحد القهار. فيقول الله تعالى: يا أهل الجمع اني قد جعلت الكرم لمحمد وعلي والحسن والحسين وفاطمة، يا أهل الجمع طأطئوا الرؤوس وغضوا الأبصار، فان هذه فاطمة تسير الى الجنة. فيأتها جبرئيل بناقة من نوق الجنة، مدبجة الجنبين، خطامها من اللؤلؤ المخفق الرطب، عليها رحل من المرجان، فتناخ بين يديها فتركبها، فيبعث إليها مائة ألف ملك فيسيرون عن يمينها، ويبعث إليها مائة ألف ملك أيضا فيسيرون على يسارها، ويرسل إليها مائة ألف ملك يحملونها على أجنحتهم حتى يصيرونها على باب الجنة. فإذا صارت عند باب الجنة تلتفت، فيقول الله تعالى: يا بنت حبيبي ما التفاتك وقد أمرت بك الى الجنة ؟ فتقول: يا رب أحببت أن يعرف قدري في مثل هذا اليوم، فيقول الله تعالى: يا بنت حبيبي ارجعي فانظري من كان في قلبه حب لك ولأحد من ذريتك خذي بيده فأدخليه الجنة. قال أبو جعفر (عليه السلام): والله يا جابر انها ذلك اليوم لتلقط شيعتها ومحبيها كما تلتقط الطير الحب الجيد من الردي، فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنة يلقى الله في قلوبهم أن يلتفتوا، فإذا التفتوا فيقول الله تعالى: يا أحبائي ما التفاتكم وقد شفعت فيكم فاطمة بنت حبيبي ؟ فيقولون: يا رب أحببنا أن يعرف قدرنا في مثل هذا اليوم، فيقول الله: يا أحبائي ارجعوا وانظروا من أحبكم لحب فاطمة، انظروا من أعطاكم شيئا لحب


[ 58 ]

فاطمة، انظروا من سقاكم شربة في حب فاطمة، انظروا من رد عنكم غيبة في حب فاطمة، خذوا بيده وأدخلوه الجنة. قال أبو جعفر (عليه السلام): والله لا يبقى في الناس الا مشرك أو كافر أو منافق، فإذا صاروا بين الطبقات نادوا كما قال الله تعالى: * (فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم) * (1) (2). وحديث اتحاف فاطمة (عليها السلام) لسلمان من تحف الجنة مشهور، حيث أتت إليها ثلاث من الحور العين: مقدودة لمقداد، وذرة لأبي ذر، وسلمى لسلمان، مع رطب من الجنة، فأعطت شيئا منه لسلمان وقالت: افطر عليه عشيتك وجئني غدا بنواه - وكان يفور منه رائحة المسك -. فلما أفطر به الليل فلم يجد له نواة، فمضى إليها من الغدو وأخبرها بذلك قالت: يا سلمان ولن يكون له عجم ولا نوى، وانما هو نخل غرسه الله في دار السلام بكلام علمنيه أبي محمد (صلى الله عليه وآله)، كنت أقوله غدوة وعشية. قال سلمان: قلت: علميني الكلام يا سيدتي، فقالت: إن سرك أن لا يمسك أذى الحمى ما عشت في دار الدنيا فواظب عليه، ثم قال سلمان: علميني هذا الحرز، فقالت: " بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله النور... " الى آخر ما يأتي في جملة أدعيتها (عليها السلام) (3). وروي عن علي (عليه السلام) في خبر طويل ما حاصله انه قال: كنا جلوسا عند النبي (صلى الله عليه وآله) فقال لنا: أي شئ خير للنساء ؟ فعجز الحاضرون عن الجواب، فرجعت أنا الى فاطمة (عليها السلام) وقصصت لها الواقعة، فقالت: ان أولى الأشياء بالمرأة أن لا يراها أحد ولا ترى أحدا، فرجعت الى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبرته ذلك، فقال: يا علي من أخبرك بذلك ؟ فقلت: فاطمة،


(1) الشعراء:، 100 و 101. (2) تفسير فرات: 298 ح 403، عنه البحار 43: 64 ح 57. (3) مهج الدعوات: 5 / حرز فاطمة (عليها السلام)، عنه البحار 43: 67 ح 59. (*

[ 59 ]

فقال (صلى الله عليه وآله): فاطمة بضعة مني... (1). توضيح: ولا يذهب عليك ان عليا (عليه السلام) لم يكن جاهلا بجواب المسألة البتة، بل انما فعل كذلك ليظهر للناس مرتبة فاطمة (عليها السلام) في الفضيلة، ويظهر النبي (صلى الله عليه وآله) بعض فضلها على الناس ليكون ذلك حجة فيما بعده لمن بعده. قيل: وفي قوله (صلى الله عليه وآله): (فاطمة بضعة مني)، اشارة لطيفة الى ان فاطمة (عليها السلام) مرتبة من مراتب ظهوره (صلى الله عليه وآله)، ومقام من مقامات نوره، فهي (عليها السلام) كانت تتكلم من علومه، وتخبر عن مكنونات ضميره الذي هو البحر المستدير على نفسه. آب از دريا به دريا مى رود * از همانجا كآمد آنجا مى رود وقد قال (صلى الله عليه وآله) في الخبر المروي عن مجاهد ان النبي (صلى الله عليه وآله) خرج يوما وبيده يد فاطمة (عليها السلام)، قال: من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد، وهي بضعة مني، وهي قلبي وروحي التي بين جنبي، فمن آذاها فقد آذاني... (2). والحال انه (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): يا علي أنت نفسي التي بين جنبي، فجعل عليا (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) روحه. وقد اطلق النفس على علي كثيرا في الايات والأخبار، تارة بالنسبة الى النبي المختار كالخبر السابق، وقوله تعالى: * (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) * (3) فان المراد هنا من النفس المنسوب الى النبي (صلى الله عليه وآله) هو علي (عليه السلام)، كما ورد في الأخبار من طرق


(1) كشف الغمة 2: 94، عنه البحار 43: 54 ح 48، شرح الأخبار 3: 30 ح 970، مناقب ابن شهرآشوب 3: 332. (2) كشف الغمة 2: 94، عنه البحار 43: 54 ح 48. (3) آل عمران: 61. (*)

[ 60 ]

الخاصة والعامة، وسيأتي بيانه فيما بعد في توجيه الحديث المشهور المنسوب الى الرضا (عليه السلام) مع المأمون، حيث قال المأمون: ما الدليل على ولاية جدك ؟ قال (عليه السلام): آية أنفسنا. وتارة بالنسبة الى الله تعالى، مثل قوله (عليه السلام) في الزيارة السابعة من كتاب تحفة الزائرين للمجلسي (رحمه الله): " السلام على نفس الله القائمة فيه بالسنن " (1). وفي الزيارة الاخرى: " السلام على نفس الله العليا، وشجرة طوبى، وسدرة المنتهى، والمثل الأعلى "، ومثل قوله تعالى: * (ويحذركم الله نفسه) * (2) أي يحذركم أن تعتدوا عن طاعة علي (عليه السلام)، أو أن تغصبوا خلافته، أو أن تنكروا ولايته. وفسر نفس الله بالنبي (صلى الله عليه وآله) أيضا ولا منافاة بينهما ولا مغايرة، سيما مع ما اشير إليه ان عليا (عليه السلام) هو نفس النبي (صلى الله عليه وآله) في الخبر والآية، وعلى هذا النحو قوله تعالى حكاية عن عيسى (عليه السلام): * (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) * (3). وبالجملة فالغرض ان عليا (عليه السلام) اطلق عليه لفظ النفس، وفاطمة (عليها السلام) اطلق عليها لفظ الروح، والروح وإن كان في الظاهر أعلى مرتبة من النفس الا انها أمر اعتباري في البين، وبرزخ حاجز بين البحرين، بخلاف النفس فان لها تأصلا في عالمها، واستقلالا في مقامها، وهي مظهر تفاصيل الآثار، وبحر الفيض الذي منه تنشعب الأنهار، في مقام قول علي (عليه السلام): " ينحدر عني السيل، ولا يرقى الي الطير " (4) فلا يلزم أن تكون فاطمة (عليها السلام) أشرف من


(1) تحفة الزائر: 106، البحار 100: 330 ح 29. (2) آل عمران: 28. (3) المائدة: 116. (4) نهج البلاغة، الخطبة: 3. (*)

[ 61 ]

علي (عليه السلام). وكذا الكلام في اطلاق روح الله على عيسى (عليه السلام)، ونفس الله على علي (عليه السلام)، وهذا المعنى جار في المقام سواء جعل الاضافة للاعظام، أو لنحو التشبيه في المقام، كما ان اطلاق روح الله على عيسى (عليه السلام)، وروح النبي (صلى الله عليه وآله) على فاطمة لا يدل على كون عيسى أفضل منها، فان هذه امور اعتبارية نظير الذكورة والانوثة، فان الإتسام بصفة الانوثية انما هو من جهة ترتيبها (عليها السلام) (1) بالنسبة الى العوالم الكونية من حيث كونها آخر الأنوار الأربعة عشر، ومنها تظهر وتنشأ الفيوضات الالهية. فهي مظهر التفاصيل الجارية، ومنشأ الاثار السارية، فهذه الانوثية أشرف من ألف ذكورية، والا ففي عالم الأرواح والعقول والنفوس لا ذكورية ولا انوثية، سيما بالنسبة الى تلك الأشباح النورية، ولذا قيل: وانكه از تأنيث جانرا باك نيست * روح را با مرد وزن اشراك نيست از مؤنث وز مذكر برتر است * اين نه آن جان است كز خشك وتراست فليس في مطلق الذكورية شرف بالنسبة الى الانوثية، كما ترى ان الشمس مؤنث بالنسبة الى الأحكام الظاهرة، والقمر مذكر، فهل ترى فيها جهة نقص من هذه الجهة. وما ورد في نهج البلاغة ان النساء نواقص الايمان، نواقص العقول، نواقص الحظوظ، فأما نقصان ايمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن، واما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين منهن تعدل شهادة الرجل الواحد، واما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال، فاتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر (2). فهذا ونحوه انما هو بالنظر الى ما سواها (عليها السلام) من سائر الرعية، فان


(1) كذا الظاهر، وفي الأصل: تربيتها. (2) نهج البلاغة، الخطبة: 80، عنه البحار 32: 247 ح 195. (*)

[ 62 ]

جهات النقص لا تلحق ذراها ولا تبلغ مرقاها، فان شهادتها تعدل شهادة العالمين حتى الأنبياء، ولا حيض لها (عليها السلام)، ولا قعود عن الصلاة والصيام، وجميع مواريث أبيها لها في الاولى والاخرى. وعروض جهات النقص للنساء ليس الا لما ورد في الآثار المروية من ان المرأة فيها ثلثان من القوة النفسانية، وثلث واحد من القوة العقلانية، والمرء بالعكس، وجميع جهات الفيض من الارث وغيره تابعة للقوة العقلانية. واما هذه المعصومة المطهرة فليس فيها جهة نفسانية بالمرة حتى توجب النقائص المذكورة، بل هي صرف عقل وعقل صرف، ليس فيها شائبة الكدورة النفسية، ونور محض بلا شوب ظلمة بالمرة ولو مثقال ذرة: فلو كان النساء كمثل هذي * لفضلت النساء على الرجال [ ذكر المقامات الأربعة للمعصومين ] وذكر بعضهم في بيان كون علي (عليه السلام) بمنزلة نفس النبي (صلى الله عليه وآله)، بل كونه (عليه السلام) نفس الحقيقة المحمدية في كونه مظهر تفاصيل الفيوضات الالهية، ان للنبي (صلى الله عليه وآله) مقامات أربعة - كما ورد في بعض الأخبار المأثورة - وهي مقام البيان، والمعاني، والأبواب، والامامة. فالأول مقامه اللاهوتي في مرتبة الفؤاد، أي الجهة العالية من العقل الكلي، وهو مقام " لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل " واليه الاشارة في قولهم (عليهم السلام): " لنا مع الله حالات هو فيها نحن ونحن هو، وهو هو ونحن نحن "، ومن هذا المقام تنحدر سيول الفيوضات الالهية، ولا ترقى إليه طيور العقولات الكلية والجزئية. والثاني مقامه الجبروتي، وهو مرتبة العقل الكلي بنفسه من حيث هو مقام الحقيقة المحمدية، ومقام اول ما خلق الله العقل (1)، وأول ما خلق الله روحي (2)،


(1) الفردوس 1: 13 ح 4، والبحار 1: 97 ح 8. (2) البحار 57: 309، الانوار النعمانية 1: 13، كلمات مكنونة للفيض: 70. (*)

[ 63 ]

واول ما خلق الله نوري أو نور نبيك يا جابر (1)، ولا منافاة بين تلك الأخبار لصحة كل منها بوجه من الاعتبار. عباراتنا شتى وحسنك واحد * وكل الى ذاك الجمال يشير وهو محل اجتماع الفيوضات السارية والسيول الجارية، وجبرئيل وسائر الملائكة الأربعة حملة العرش دون هذه المرتبة، وبالنسبة إليها قال جبرئيل: " لو دنوت انملة لاحترقت " (2). اگر يك سر موى برتر برم * فروغ تجلى بسوزد پرم وهو اول موجود من الموجودات، واليه ينتهي الكائنات، وفيه قيل ما قيل: احمد ار بگشايد آن پر جليل * تا آبد مدهوش ماند جبرئيل والثالث مقامه الملكوتي، وهو مرتبة النفس الكلية، ومن هذا المقام تنشعب الفيوضات الالهية الى محل قرارها كالطيور الى أوكارها، وجبرئيل من أهل هذه المرتبة وخدام تلك الرتبة. والرابع مقامه الناسوتي، وهو مرتبة الجسم الكلي في عالم البشرية، فالنبوة وتبليغ الأحكام الالهية من صفات هذه المرتبة، وهي مقام * (انما أنا بشر مثلكم يوحى الي أنما إلهكم واحد) * (3). گربه ظاهر مثلكم باشد بشر * با دل يوصى الي ديده ور وبشريته هذه أعلى رتبة وصفاء ونورية بمراتب كثيرة من هذه العقول البشرية في الأنبياء والرعية. وهذه المراتب الأربعة تجري في بواقي الأنوار الأربعة عشر أيضا، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، وهم من أجزاء هذه الدائرة العالية، وسكان تلك الرتبة السامية، وإن كان بعضهم مقدما على بعض في المرتبة مع اتحاد الذوات في


(1) البحار 15: 24 ح 43 و 44، عن رياض الجنان. (2) البحار 18: 382 ح 86، عن مناقب ابن شهرآشوب 1: 179 / في معراجه (صلى الله عليه وآله). (3) فصلت: 6. (*)

[ 64 ]

الحقيقة، تقدم السراج المشتعل اولا على السراج المشتعل منه ثانيا. كما قال علي (عليه السلام): أنا من محمد كالضوء من الضوء (1)، والا فهم من نور واحد وحقيقة واحدة، كما قال (صلى الله عليه وآله): أنا وعلي من نور واحد (2). وفي حديث آخر نقله المقدس الأردبيلي (رحمه الله) قال (صلى الله عليه وآله): كنت أنا وعلي نورا بين يدي الرحمان قبل أن يخلق عرشه بأربعة عشر ألف عام - وفي رواية العوالم: قبل آدم بأربعين ألف عام - فلم نزل نتمحض في النور حتى إذا وصلنا الى حضرة العظمة في ثمانين ألف سنة، ثم خلق الله الخلائق من نورنا، فنحن صنائع الله والخلق كلهم صنائع لنا. وفي حديث آخر: والخلق بعد صنائعنا (3)، وفي خبر آخر: أنا من علي وعلي مني (4)، كما ورد: أنا من حسين وحسين مني (5)، وغير ذلك. فهم (عليهم السلام) من صنف البشر في الصورة، واما في الباطن فيعجز عن درك معناهم العقول والأفهام، ولا يبلغ إليهم طامحات الأوهام، كما قال علي (عليه السلام): ظاهري ولاية ووصاية، وباطني غيب لا يدرك (6). وقال (عليه السلام) أيضا - كما حكي عن معاني الأخبار للعلامة (رحمه الله) -: يا سلمان نزلونا عن الربوبية، وادفعوا عنا حظوظ البشرية، فانا


(1) أمالي الصدوق: 511 ح 10 مجلس 77، عنه البحار 21: 26 ح 25، وفي علل الشرائع: 172 ح 1. (2) الفردوس 2: 191 ح 2952، عنه البحار 38: 150 ح 120. (3) البحار 53: 178 ح 9 عن الاحتجاج 2: 536 ح 342، والغيبة للطوسي: 285 ح 245. (4) شرح الأخبار 1: 93 ح 8، كفاية الطالب: 274، المناقب للمغازلي 223 ح 268، كنز العمال 6: 399. الصواعق المحرقة: 188، الباب التاسع. (5) سنن الترمذي 5: 429 ح 3800، سنن ابن ماجه 1: 51 ح 144، الصواعق المحرقة: 291، كشف الغمة 2: 216، البحار 43: 295 ح 56. (6) مشارق أنوار اليقين: 70. (*)

[ 65 ]

عنها مبعدون، وعما يجوز عليكم منزهون، ثم قولوا فينا ما شئتم، فان البحر لا ينزف، وسر الغيب لا يعرف، وكلمة الله لا توصف، ومن قال هناك: لم ومم، فقد كفر. كار پاكان را قياس از خود مگير * گر چه ماند در نوشتن شير شير آن يكى شير است كآدم مى خورد * وآن يكى شيراست كآدم مى خورد جمله عالم زين سبب گمراه شد * كم كسى ز ابدال حق آگاه شد هم سرى با أنبيا برداشتند * جسم ديدند آدمى انگاشتند والمرتبة الأخيرة من الأربعة تشريعية، والثلاث الاول تكوينية، وعلي (عليه السلام) حامل المرتبة الثانية، أي مظهر آثار تلك المرتبة، وواسطة الفيوض الى جميع الموجودات ممن هو دونه، وهو مقام النفس الكلي المظهر لآثار العقل الكلي. ولا يخفى ان اطلاق نفس الله على علي (عليه السلام) في معنى اطلاق نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واطلاق نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليه في معنى ترتيب احكامها وآثارها عليه، والا فنفس علي (عليه السلام) غير نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) البتة. ولا نفس بالنسبة الى الله تعالى، فان الله تعالى أجل عن أن يكون له عقل أو نفس أو غير ذلك، وانما هي اطلاقات واقعة في عالم الامكان على معان خاصة منتسبة الى الله تعالى، واقعة في ملك الله هي مظاهر أمر الله، ولهذا نسبت الى الله تعالى، فلا يذهب بك المذاهب الباطلة، والاعتقادات الفاسدة، فان الأمر أوضح من أن يشتبه على أرباب العقول الكاملة، والأفهام الفاضلة. فصل: في تحقيق الحديث المشهور الدائر في الألسنة، المستدل به على كون علي أمير المؤمنين (عليه السلام) هو نفس النبي (صلى الله عليه وآله)، وانه المراد من أنفسنا في الاية. وهو ما نقل انه سأل المأمون الرضا (عليه السلام)، فقال: ما الدليل على ولاية


[ 66 ]

جدك ؟ قال (عليه السلام): آية أنفسنا، فقال المأمون: لولا نساءنا، فقال الرضا (عليه السلام): لولا أبناءنا، فسكت المأمون (1). وفي نقل آخر بالعكس في الفقرتين الاخيرتين، أي انه قال المأمون: لولا أبناءنا، فقال الرضا (عليه السلام): لولا نساءنا. وهذا الخبر وإن لم يذكر في شئ من الكتب المعتمدة المعروفة، وانما اسند الى حاشية نسخة من كتاب عيون أخبار الرضا في الخزانة الرضوية في المشهد الرضوي. وذكر لي بعض العلماء في المشهد الحسيني: انه رآه في بعض كتب السيد الجزائري (رحمه الله)، ونقل والدي (طاب ثراه) انه وجده في حاشية نسخة من كتاب مصباح الكفعمي، كانت عند بعض الأعيان في بلدة تبريز. وسمعت من بعض علماء تلك البلدة: انه موجود في بعض مصنفات الشيخ الحر العاملي (رحمه الله)، وبالجملة لم أظفر أنا بهذا الخبر في شئ من الكتب المعروفة أو غير المعروفة، وكلما ذكر مجرد سماع وحكاية، الا انه لابد من التأمل في معنى الخبر وتوجيهه بناء على وروده وصحته. فنقول: لا اشكال في وجه الاستدلال بآية أنفسنا، وهي قوله تعالى: * (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) * (2)، والآية نازلة في مقام مباهلة النبي (صلى الله عليه وآله) مع نصارى نجران من مضافات اليمن حين جاؤوا إليه للمعارضة، والقصة مشهورة. ووجه عدم الاشكال في وجه الاستدلال: انه قد قام الاجماع من الامة على ان المدعوين في هذا اليوم للمباهلة لم يكونوا الا أربعة نفر، وهم علي والحسنان وفاطمة، لا غيرهم من الامة، وظاهر الدعوة أيضا أن يكون الداعي غير المدعو،


(1) راجع أسرار الشهادة: 148. (2) آل عمران: 61. (*)

[ 67 ]

فلابد أن لا يراد من أنفسنا الا علي وحده، كما ادعي الاجماع على ذلك منا ومن العامة أيضا. كما ان المراد من (أبناءنا) الحسنان وحدهما، كما اعترف به ابن أبي الحديد أيضا في شرح نهج البلاغة، مدعيا عليه الاجماع (1)، ويكون المراد من (نساءنا) هو فاطمة (عليها السلام)، وهو الظاهر من سياق الاية أيضا في المرحلة، فيكون حينئذ علي (عليه السلام) نفس الرسول حقيقة بنوع من التوجيه، كما هو ظاهر الاطلاق، أو مجازا من باب الاستعارة. فعلى الأول فالدلالة على ولايته (عليه السلام) واضحة، وعلى الثاني كذلك بملاحظة انه جعل علي مشبها بنفس الرسول، فاطلق عليه النفس، فيثبت عليه جميع أوصاف الرسول (صلى الله عليه وآله) الا ما خرج بالدليل، أو الأوصاف الظاهرة التي من جملتها الولاية، فان عموم التشبيه في الجملة أمر ثابت بالأدلة كعموم المنزلة في قوله (صلى الله عليه وآله): يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي (2). وذلك كما لو قيل: زيد أسد، فيقال: قد شبه زيد بالأسد، ولابد أن يثبت للمشبه جميع الأوصاف الظاهرة في المشبه به كالشجاعة وغيرها، وهي وجه الشبه، فان لم تكن هناك أوصاف ظاهرة مشهورة، فيحمل على كون وجه الشبه جميع الأوصاف الثابتة من باب عموم الحكمة. ومن هذا الباب قوله (عليه السلام): الطواف بالبيت صلاة (3). ولهذا استدلوا به على كون الطواف مشروطا بالطهارة أيضا كالصلاة، وكذلك الحال في الاستعارة،


(1) شرح نهج البلاغة 11: 26 باب 200. (2) لهذا الحديث مصادر كثيرة، منها: صحيح مسلم 4: 108، صحيح البخاري 5: 3 و 24، مسند احمد 1: 170 و 173 صحيح الترمذي 2: 30، ذخائر العقبى: 120، كنز العمال 6: 402، نهج الحق: 216، الفردوس 5: 327 ح 8331. (3) التهذيب للطوسي 5: 116 ح 51، والاستبصار 2: 241 ح 2، والوسائل 9: 445 ح 6. (*)

[ 68 ]

وهي ما لم يذكر فيه المشبه، وانما اطلق المشبه به واريد به المشبه، كما في نحو: (رأيت أسدا) مرادا به زيد، وإن كان نحو زيد أسد استعارة على وجه ضعيف، وبالجملة فالاستعارة أيضا كالتشبيه لكونها مبتنية عليه أيضا كما قرر في محله. واما اعتراض المأمون على النقل الأول المشهور الظاهر بملاحظة سوق الاية، فوجهه ان مراده ان (نساءنا) ظاهر في نفسه في معنى الطائفة الاناثية، فيكون المراد من (أنفسنا) هي الذكور بقرينة المقابلة، فيكون المراد دعوة الذكور والاناث بلا خصوصية صفة النفسية مجازا أو حقيقة. فقال الامام (عليه السلام) عند اعتراضه هذا: لولا أبناءنا، يعني لو كان المراد من النساء الاناث مطلقا، ومن أنفسنا الذكور لدخل الحسنان (عليهما السلام) في أنفسنا أيضا، فلم يبق وجه لذكرهما على حدة بلفظ (أبناءنا)، فليس لفظ (نساءنا) مستعملا في معنى اناثنا مطلقا ليكون (أنفسنا) في مقابله مستعملا في معنى ذكورنا، فبقى الاستدلال السابق في محله، ولم يقدح فيه الاحتمال اللاحق. ويجوز أن يكون مراد الرضا (عليه السلام) دخول علي (عليه السلام) في (أنفسنا) مع النبي (صلى الله عليه وآله)، ويكون مراد المأمون بقوله: لولا (نساءنا) ان لفظ نساء جمع اطلق على الواحد للتعظيم أو لمطابقة المضاف إليه، فليكن (أنفسنا) كذلك، ويراد به نفس النبي (صلى الله عليه وآله) وحده بلا دخول علي (عليه السلام) فيه، ويكون الدعوة حينئذ مبتنية على المسامحة، فيكون مراد الرضا (عليه السلام) من قوله: لولا (أبناءنا) ان لفظ الأبناء اطلق على الاثنين، فليكن (أنفسنا) أيضا كذلك، لكونه أنسب لمعنى الجمعية المناسبة للتعدد، مع كون الدعوة حينئذ بعيدا عن المسامحة في الجملة. أو يكون مراد الرضا (عليه السلام) ان ظاهر الاطلاق في (أنفسنا) الذي اريد به علي (عليه السلام) البتة، هو الحقيقة ولو بالادعاء لا الحقيقة، فيترتب عليه الأحكام التي منها الولاية، ويكون مراد المأمون ان (نساءنا) في البنت مجاز، فليكن الأنفس مجازا في علي (عليه السلام)، فلا يترتب عليه أحكام الحقيقة، إذ الاطلاق


[ 69 ]

المجازي مبناه على المسامحة، ويكون مراد الرضا (عليه السلام) ان (أبناءنا) حقيقة في الحسنين، فكذلك (أنفسنا) في علي (عليه السلام) لتقدم الحقيقة. أو يكون مراد الرضا (عليه السلام) ان المراد من (أنفسنا) في ابتداء الحالة عند عدم استعمال اللفظة هو علي (عليه السلام)، فيثبت له الولاية باعتبار الحقيقة، أو مجازا أيضا على ما مرت إليه الاشارة. ويكون مراد المأمون انه يحتمل في لفظ النساء ارادة نساء الامة، وإن لم يتفق الا مجئ فاطمة (عليها السلام)، فيسري هذا الاحتمال على لفظ (أنفسنا) أيضا، فيكون المراد به ذكور الامة مطلقا، وان لم يتفق الا مجئ علي (عليه السلام) وحده، ويكون مراد الرضا (عليه السلام) ان (أبناءنا) لم يرد به ابتداء الا الحسنان لا أبناء الامة باجماع المسلمين حتى العامة، فليكن المراد من (أنفسنا) أيضا في ابتداء الحالة هو عليا (عليه السلام) وحده مع ظهور كون المدعو هو الحاضر لا غير. وذكر الفاضل الدربندي (رحمه الله) في أسرار الشهادة ما حاصله يرجع الى الوجه الأخير أو يغايره في الجملة، ولفظه بعد ايراد السؤال في حل معنى الخبر بقوله: فان قلت...، قلت: ان الجواب الأول من الامام (عليه السلام) مبني على جملة من المقدمات، وذلك من ان الحاضر عند النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن في يوم المباهلة الا أصحاب الكساء، وذلك مما عليه الاجماع من الامة، ومن انه لا يجوز تقديم المفضول على الأفضل، وهذا مما يقول به العدلية، وكان المأمون يعد نفسه منهم، ومن انه لا يجوز حمل (أنفسنا) على نفس النبي (صلى الله عليه وآله)، وذلك لوجوه عديدة. واما الاعتراض من المأمون، فالمقصود انه لم لا يجوز أن يكون المدعو جماعة من الأصحاب الا انه لم يحضر الا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإذا احتمل هذا الاحتمال يكون من اطلق عليه (أنفسنا) جمعا من الصحابة، فحينئذ إذا قدم واحد منهم على أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يتمشى قاعدة عدم جواز


[ 70 ]

تقديم المفضول على الأفضل. فهذا الاحتمال يسده (نساءنا)، فان المدعوات كانت جماعة لولا انه لم يحضر الا فاطمة الزهراء، فإذا كانت في فقرة (نساءنا) المدعوات أعم، والحاضرة أخص لزم حمل فقرة (أنفسنا) أيضا على هذا النمط، لئلا يلزم التفكيك بين فقرات الاية. فأجاب الامام (عليه السلام) ان فقرة (أبناءنا) توجب حمل الفقرتين على كون المدعو عين الحاضر، والحاضر عين المدعو، وهكذا المدعوة عين الحاضرة، والحاضرة عين المدعوة، لأن في فقرة (أبناءنا) المدعوين عين الحاضرين، والحاضرين عين المدعوين، فخذ الكلام بمجامعه ولا تغفل (1). انتهى ما ذكره في المقام أعلى الله مقامه في دار المقام. وعلى النقل الثاني يكون مراد الرضا (عليه السلام) جعل علي نفس الرسول حقيقة لظاهر الاطلاق، وقول المأمون: لولا أبناءنا، بمعنى ان الأبناء في الحسنين مجاز، لأنهما إبنا البنت، فكذا كون علي (عليه السلام) نفسه مجاز، لا يترتب عليه حكم الحقيقة وهو الولاية، لابتناء المجاز على المسامحة. أو انه يدخل علي (عليه السلام) حينئذ في الأبناء مجازا، فقال (عليه السلام): لولا نساءنا، أي ان (نساءنا) حقيقة فكذلك (أنفسنا)، لان الأصل الحقيقة فكذلك (أبناءنا)، أو أنه يتعارض قرينتا المجاز في الأبناء والحقيقة في النساء، فيتساقطان فيبقى (أنفسنا) محتملا للأمرين ويرجح الحقيقة. أو أنه لو كان الأبناء مجازا، لكان دخول فاطمة فيها أولى من دخول علي (عليه السلام)، لكون البنت ولدا كالابن بخلاف ابن العم، ولا أقل من المناسبة الواضحة في دخولها في (أبناءنا)، فلم يبق وجه في ذكر (نساءنا) على حدة، ويمكن ابداء بعض الاحتمالات الاخر هنا بسبب التأمل في الوجوه المذكورة، ولكن فيما ذكر كفاية لأرباب البصر والبصيرة.


(1) أسرار الشهادة: 148. (*)

[ 71 ]

" تمهيد مقال لبيان حال " اعلم أن إطلاق نفس الله على علي (عليه السلام)، ومثله إطلاق روح الله على عيسى (عليه السلام)، وإن كان له وجه ظاهر يفهمه الخواص والعوام، وهو كون النسبة لمحض الإعظام والإكرام، كما يقال لبيت الله، وناقة الله، ونحو ذلك أي بيت عظيم مثلا، لأن الله تعالى عظيم، والمنسوب الى العظيم عظيم. لكن قيل ان هناك معنى على حدة لتصحيح هذه النسبة وتوجيهها، وهو ان للعالم الصغير - وهو الانسان الذي هو انموذج العالم الكبير - عوالم متدرجة مرتبة بعضها فوق بعض في الرتبة. عالم الجسم الناسوتي، ثم عالم النفس الملكوتي، ثم العقل الجبروتي، والروح غير معدود من المراتب، بل هو برزخ بين العالمين وحاجز بين البحرين، ثم الفؤاد اللاهوتي، وهو مقام مظهريته للاثار الالهية بالنسبة الى ما دونه بالتدبير والتربية، وهو عنوان لفظ الجلالة، وهو الذات المستجمع لصفات الالوهية والربوبية، أي الذات الظاهرة في عالم العنوانية، وهو عالم توجه الفؤاد الى العقل الذي هو أول مخلوقات الباري سبحانه. ثم الفؤاد اللاهوتي، أي هاهو باعتبار وجهه العالي بلا اعتبار شئ من الصفات معه، وانما يشار إليه بهو، ثم المعنى الأزلي الذي لا اسم له ولا رسم له، واطلاق المعنى عليه من جهة ضيق العبارة، والا فهو منقطع الاشارات، ومنتهى الاعتبارات. آن مگو كاندر عبارت نايدت * وين مگو كاندر اشارت نايدت وهو عالم الذات البحت البات في أزل الآزال بالنسبة الى هذا الذات، وهي الذات الحقيقية الباطنية لا الظاهرة الصورية. وهذه المراتب الستة ملحوظة في العالم الكبير أيضا، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه، على الوجه الذي مر إليه الاشارة، وهو وجه من الوجوه المنتهية الى العشرين بل الى السبعين، كما أشرنا إليها في معنى الرواية في كتابنا المسمى


[ 72 ]

ب‍ (الأصول المهمة في المعارف الدينية). فعالم الناسوت في العالم الكبير هو ما تحت الجسم الكلي الذي يدخل فيه السماوات والأرضون وما بينهما، وعالم الملكوت وهو عالم النفس الكلي بالنسبة الى هذا العالم، وعالم الجبروت، أي عالم العقل الكلي والحقيقة المحمدية. وعالم اللاهوت، أي عالم اتصاف تلك الحقيقة بصفات الربوبية والالوهية، وعالم الهاهوت، وهو عالم " لنا مع الله حالات هو فيها نحن... "، وهو عالم الوجه الأعلى من الفؤاد الذي هو الطرف الأعلى من الحقيقة المحمدية، مع قطع النظر عن النظر الى ما تحته، وهو الأزل الأسفل، والعنوان الأعلى. ثم عالم الأزل الأصلي، أي عالم الذات البحت البات الذي لا اسم له ولا رسم له، وهو في العالم وليس في العالم، ليس في مكان ولا يخلو منه مكان، لا يجري عليه الزمان ولا يخلو منه زمان. قال السيد أبو القاسم الفندرسكي: نيست حدى ونشانى كرد گار پاك را * نى برون از ماونه با ما ونه بى ماستى صورت عقلي وبى پايان وجاويدان بود * با همه وبى همه مجموعه ويكتاستى مى توانى گر ز خورشيد اين صفتها كسب كرد * روشن است وبر همه تابان وخود تنهاستى جان عالم گويمش گر ربط جان دانى به تن * در دل هر ذره هم پنهان وهم پيداستى ومقام النفس الكلي هو مقام ظهور آثار الربوبية، ومنه يجري الفيوضات الالهية الى العوالم الروحانية والجسمانية، وهذا مقام علي (عليه السلام) في العوالم التكوينية، لكونه (عليه السلام) مظهر صفات الربوبية، كما ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مجمعها في مقام الاجمال، وهو مقام البطن المفصل فيه السعادة والشقاوة. وباعتبار هذه المرتبة يطلق على علي (عليه السلام) نفس الله العليا، وشجرة طوبى، وسدرة المنتهى، وباعتبارها قال علي (عليه السلام): أنا وجه الله، وعين


[ 73 ]

الله، ويد الله، وقلب الله (1)، وغير ذلك، ويكون النبي (صلى الله عليه وآله) بهذا الاعتبار عقل الله كما قيل على نحو ما اعتبر كون علي (عليه السلام) نفس الله، وإن كان اطلاق العقل هنا غير مأنوس ولا معهود ولا مأثور، فتأمل. والعقل أب والنفس ام، فهو (صلى الله عليه وآله) في مقام الاجمال أبو الامة، وعلي (عليه السلام) في مقام التفصيل امها، وجميع ما في الكون امة لهما في عالم التكوين، كهذه الامة في عالم التشريع أيضا في هذه النشأة، فهما (عليهما السلام) أبوا هذه الامة تشريعا، وأبوا جميع الامم تكوينا. فإذا كان علي (عليه السلام) نفس الله سبحانه، ظهر وجه قول عيسى (عليه السلام): * (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) * (2) لأن عيسى (عليه السلام) أسفل مرتبة من علي (عليه السلام)، فلا يحيط هو بعلوم علي (عليه السلام)، وهو يحيط بعلومه، وكذا قوله تعالى: * (ويحذركم الله نفسه) * (3) أي يحذركم الله أن تولوا بغير علي، أو تتبعوا غيره. وفي الزيارة: " السلام على نفس الله العليا، وشجرة طوبى، وسدرة المنتهى، والمثل الأعلى ". قيل: وأما قول علي (عليه السلام): " أنا الذي أتقلب في الصور كيف أشاء " (4) فانما هو باعتبار مقام الامامة في عالم البشرية لا غيره، فان أجسامهم (عليهم السلام) كما اشير إليه فيما سبق أنوار لطيفة في غاية اللطافة - كما اشير إليه في الجملة - فيتصورون من جهة غاية اللطافة في أي صورة ما شاؤوا، ويكون لهم تصرف وحيطة في الكون كيفما أرادوا، ولكن لا يريدون الا أن يريد الله، ولا يشاؤون الا أن يشاء الله.


(1) التوحيد للصدوق: 164 ح 1 باب 22، عنه البحار 24: 198 ح 25. (2) المائدة: 116. (3) آل عمران: 28. (4) مشارق أنوار اليقين: 171. (*)

[ 74 ]

واستبعاد كونه (عليه السلام) متصورا كما شاء مردود بما قيل في الملك: انه جوهر مجرد نوراني يتشكل بأشكال مختلفة الا الكلب والخنزير، وفي الجن انه جوهر مجرد ناري يتشكل بأشكال مختلفة حتى الكلب والخنزير. ونقل في مجمع البحرين في مادة (خضر) ما حاصله: ان الله تعالى أعطى خضرا (عليه السلام) من القوة مالو شاء أن يتصور بأي صورة شاء لتصور من جهة شدة اللطافة. قيل: ومن ذلك تصور علي (عليه السلام) في كربلاء بصورة الأسد، فعانق جسد الحسين (عليه السلام) (1). ولا يلزم من ذلك عيب ولا قدح كما توهمه بعض من لا تحصيل له، إذ لو عمل الدر، أو الياقوت، أو الذهب، أو الفضة مثلا على صورة الأسد لم يضر الصورة في حقيقة شئ منها ولو مثقال ذرة، وكذا لو عمل من السكر الأبيض بهذه الصورة، وكذا النور المحض لو انقلب صورا مختلفة. نعم يلزم العيب والقدح لو تبدل الحقيقة أيضا كالصورة، وانقلبت الطبيعة بتنزل الماهية الانسانية مثلا الى الحيوانية، ولا كلام في عدم جواز القول بذلك، وما نحن فيه ليس من هذا الباب كما ظهر من الأمثلة، فلا حاجة لنا بناء على ما مر من التوجيه الى تأويل تصوره. اولا: بأن عليا (عليه السلام) ظهر متلبسا بصورة الأسد في ظاهر الصورة بظهور صورة أسدية فوق سطح الصورة الانسانية. وثانيا: بانه (عليه السلام) تصرف في جليدية البصر، أي بصر المبصرين الناظرين، فصور فيها الصورة الأسدية، وهو في الخارج في غير هذه الصورة. وثالثا: ان هذا الأسد المرئي لم يكن عليا (عليه السلام)، وانما كان من جنس الأسد المعروف، وله قصة مشهورة حاصلها: ان عليا (عليه السلام) وصاه بأن


(1) راجع أسرار الشهادة: 439، مجلس 17. (*)

[ 75 ]

يكون في حوالي الطف الى عاشوراء، ويكون حافظا لجسد الحسين (عليه السلام) عما تخيله المنافقون في خصوص تلك الجثة الشريفة. والى هذه اللطافة المستلزمة لسرعة السير، يستند معراج النبي (صلى الله عليه وآله) الى السماوات والأرضين مع التفاصيل المشهورة، بل الى النار والجنة والدنيا والاخرة، ولا يلزم الخرق والإلتئام أيضا ولو قلنا بعدم جوازهما، كما ذهب إليه جماعة، ولهذا أيضا يكون لهم شهود وحضور عند كل درة وذرة من جهة شروق آثار نورهم، وطلوع أنوار ظهورهم، شهود شعلة السراج عند ذرات الأشعة المنتشرة. جهان را سر بسر آئينه ائى دان * به هر يك ذره صد خورشيد تابان اگر يك ذره را دل بر شكافى * برون آيد از أو صد بحر صافى به زير پرده ء هر ذره پنهان * جمال جان فزاى روى جانان ولسرعتهم الحاصلة من جهة اللطافة لا يشغلهم شأن عن شأن، ولا مكان عن مكان، لارتفاع عوالمهم عن عالم التدريج والزمان، ولذا كان لسان علي (عليه السلام) يختم القرآن في دقيقة واحدة، بل لو شاء لختم ألف ألف قرآن في دقيقة، إذ لسانه الشريف الملكوتي كان من جهة اللطافة لا يمنعه حرف عن حرف لا محالة. وهو الوجه لحضورهم في جميع الأزمنة والأمكنة، بل في جميع الذرات الوجودية، كحضور عقولنا في بلاد بعيدة متعددة من السرعة المسندة الى اللطافة، والشئ كلما كان ألطف كان أسرع، كما ترى ان سرعة الماء أكثر من سرعة التراب، والهواء من الماء، والنار كضوء الشمس مثلا من الهواء، وأجسامهم الشريفة ألطف من جميع ذلك بمراتب كثيرة، كما اشير إليه غير مرة. ألا ترى ان الحرف الملقاة من طرف التلكراف تكتسب اللطافة من قوته الباطنية، فتسير في جميع أجزاء التلكراف في دقيقة واحدة، فتصل الى الطرف الاخر أسرع من رجع الطرف ومد البصر، بل تحركه في هذا الطرف عين تحركه


[ 76 ]

في الطرف الاخر ولو كان بين الطرفين ألف فرسخ البتة، فاجعله عنوانا لحضور الامام (عليه السلام) وشهوده عند كل درة وذرة. وبالجملة فنفس الله العلياء هو العلي الأعلى، وقد يعبر عنه ب‍ (عند ربه) الذي ذكر في قوله تعالى: * (قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) * (1) وهو الامام المبين الذي أحصى الله فيه كل شئ، والكتاب المبين الذي بأحرفه يظهر المضمر من كل نور وفئ. وروح الله هو عيسى (عليه السلام)، وهو مظهر الروح الكلي، ولذا كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، لكن الروح ليس فيها تفصيل الفيوضات الالهية، ولا هي مجمع آثار الربوبية، بل هي ناظرة الى العقل والنفس بالتبعية، ولذا لا يسند إليها الأثر البتة الا أن تؤول بالنفس أو العقل مثلا. فلم يلزم حينئذ من هذا الاطلاق أن يكون عيسى (عليه السلام) أفضل من علي (عليه السلام)، لأن مرتبة النفس وإن كانت سافلة عن الروح في الصورة الا أن الروح ليست بنفسها مرتبة من المراتب الأصلية، ولذا كانت ناقصة، كما أن ذكورية عيسى (عليه السلام) لا توجب كونه أفضل من فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وإن كان ماهية المؤنث من حيث هي تقتضي المفضولية بالنسبة الى ماهية الذكر من حيث هي، بمقتضى قوله تعالى: * (الرجال قوامون على النساء) * (2) لوضوح كون بعض النساء أعقل من بعض الرجال وأفضل، فليس المدار على الرجولية الظاهرية، والانوثية الصورية. صورتش ديدى ز معنى غافلى * از صدف دري گزين گر عاقلي اين صدفهاى قوالب در جهان * گر چه جمله زنده اند از بهر جان ليك اندر هر صدف نبود گهر * چشم بگشا در دل هر يك نگر كأن چه دارد وين چه دارد واگزين * زانكه كم يابست اين در ثمين


(1) طه: 52. (2) النساء:، 34. (*)

[ 77 ]

" تتميم كلام في توضيح مرام " [ صور الوضع اللفظي ] اعلم ان المؤنث تطلق عرفا على ماهية يكون لها ما هي معروفة به عرفا، بالوضع العام للموضوع له العام بالنسبة الى هذا المعنى الكلي بملاحظة افراده الواقعة تحته، وبالوضع الخاص للموضوع له الخاص بملاحظة كونها ماهية متميزة عما سواها من الماهيات وغيرها. وأرباب القواعد العربية اللفظية ذكروا ان للوضع صورا أربعة، لأن اللفظ الذي اريد وضعه اما ان يلاحظ في مقابله معنى كلي أو جزئي في ابتداء وضع اللفظة، فان كان المعنى المتصور كليا فإن وضع اللفظ بازاء هذا المتصور الكلي كان الوضع عاما والموضوع له عاما أيضا، كالانسان والحيوان وسائر أسماء الأجناس، والتسمية بعموم الوضع انما هي باعتبار المعنى المتصور عنده، نظير الوصف بحال المتعلق، واما عموم الموضوع له فوجهه واضح بملاحظة الكلية الموجودة فيه. وإن وضع بازاء أفراد هذا الكلي الملحوظ بجعله عنوانا للأفراد ومرآة لملاحظتها، فالوضع عام لما ذكر والموضوع له خاص، كوضع المبهمات الثلاثة أي المضمرات، والموصولات، وأسماء الاشارة، فيكون كل من الأفراد هنا بخصوصه موضوعا له لا نفس الكلي، غاية الأمر انه لما كانت الأفراد غير محصورة جعل الكلي مرآة لها عند الملاحظة. وإن كان المعنى المتصور جزئيا كذات زيد المشخصة، ووضع اللفظ بازائه، فالوضع خاص والموضوع له خاص، وإن جعل الجزئي الخاص مرآة لملاحظة كلية كالانسان وعنوانا له، وضع اللفظ بازائه، كان الوضع خاصا والموضوع له عاما. وهذه هي الشقوق المتصورة في المرحلة، وكان مذهب القدماء صحة شقين منها، وهما الوضع العام والموضوع له العام، والوضع الخاص والموضوع له الخاص، حتى جعلوا المبهمات أيضا من باب الوضع العام والموضوع له العام، وجعلوا استعمالها في الأفراد من باب استعمال الكلي في الفرد كالانسان في زيد


[ 78 ]

مثلا، زعما منهم ان كل معنى لوحظ في حال الوضع لابد أن يكون هو الموضوع له، ولا معنى بل لا وجه في تصور معنى هناك، وجعله عنوانا لمعنى آخر ووضع اللفظ بازائه. فبقى الأمر كذلك الى زمان السيد الشريف، الملقب باستاذ البشر، والعقل الحادي عشر، فجوز هو الوضع العام والموضوع له الخاص، بملاحظة صحة جعل الكلي عنوانا لأفراده الغير المحصورة، وجعل منه المبهمات الثلاثة. واشتهر هذا بعده في كلمات المتأخرين، فأجمعوا على صحة الأقسام الثلاثة، وعلى عدم صحة القسم الرابع، أي الوضع الخاص والموضوع له العام، بملاحظة ان الخاص أمر جزئي لا يمكن أن يكون آلة لملاحظة الكلي بخلاف عكس القضية، فان الكلي لكونه أمرا عاما شاملا لأفراده يجوز جعله آلة لملاحظة جزئياته، وتفصيل الحال محقق في الاصول. ولكن الحكماء بنوا على صحة القسم الرابع أيضا، بأنه يجوز أن يجعل الجزئي عنوانا للكلي أيضا، مثلا بأن يجعل قطرة من الماء أو كوز منه عنوانا لملاحظة كلي الماء، فان الجزئي بعد طرح مشخصاته اعتبارا يكون هو الكلي لا محالة، فان زيدا بعد عدم اعتبار خصوصيته بلا اعتبار عدمها يرجع الى كلي الماهية الانسانية. ولذا ذكر في مقدمات التفسير الصافي ان الألفاظ موضوعة للمعاني الكلية، فقال: ان لكل معنى من المعاني حقيقة وروحا، وله صورة وقالب، وقد يتعدد الصور والقوالب لحقيقة واحدة، وانما وضعت الألفاظ للحقائق والأرواح، ولوجودهما في القوالب تستعمل الألفاظ فيهما على الحقيقة لا تحاد ما بينهما. مثلا لفظ القلم انما وضع لالة نقش الصور في الألواح، من دون أن يعتبر فيها كونها من قصب أو حديد أو غير ذلك، بل ولا أن يكون جسما، ولا كون النقش محسوسا أو معقولا، ولا كون اللوح من قرطاس أو خشب، بل مجرد كونه منقوشا فيه وهذا حقيقة اللوح وحده وروحه، وإن كان في الوجود شئ يتسطر بواسطته نقش العلوم في ألواح القلوب فأخلق به أن يكون هو القلم، فان الله تعالى علم


[ 79 ]

بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم، بل هو القلم الحقيقي حيث وجد فيه روح القلم وحقيقته وحده من دون أن يكون معه ما هو خارج عنه. وكذلك الميزان مثلا فانه موضوع لمعيار يعرف به المقادير وهكذا، وله معنى واحد هو حقيقته وروحه، وله قوالب مختلفة وصور شتى بعضها جسماني وبعضها روحاني، كما يوزن به الأجرام والأثقال مثل ذي الكفتين والقبان وما يجري مجراهما، وما يوزن به الشعر كالعروض، وما يوزن به الفلسفة كالمنطق، وما يوزن به بعض المدركات كالحس والخيال، وما يوزن به العلوم والأعمال كما يوضع ليوم القيامة، وما يوزن به الكل كالعقل الكامل، الى غير ذلك من الموازين. وبالجملة ميزان كل شئ يكون من جنسه، ولفظة الميزان حقيقة في كل منها باعتبار حد وحقيقة فيه، وعلى هذا القياس كل لفظ ومعنى. انتهى ما ذكره (1). وأنا أقول: يمكن أن يقال ان جميع الصور الثلاثة التي صححها القوم كلها باطلة، وليس وضع الألفاظ مطلقا الا من باب الوضع الخاص والموضوع له العام الذي أبطلوه بالمرة، مثلا لوحظ في وضع الانسان أولا فرد من أفراده أو أكثر، وجعل الملحوظ عنوانا لكلية فوضع لفظ الانسان بازاء هذا الكلي، إذ بدون رؤية شئ من أفراده لا يتصور الصورة النوعية الكلية. وعند وضع لفظ (هذا) مثلا لوحظ فرد مشار إليه، ووضع اللفظ بازاء كليه، ولو بملاحظة اعتبار تحقق الكلي في ضمن كل فرد منه بعد ذلك، ولوحظ في وضع لفظ (زيد) مثلا هذا الشخص الخاص، ووضع اللفظ بازاء كلي هذا الشخص باعتبار تعدد حالاته في الأزمنة والأمكنة وغير ذلك، ولذا يصدق لفظ (زيد) حقيقة عليه في كل من الحالات المختلفة. وصدق القرآن حقيقة على جميع هذه الأفراد الملفوظة أو المكتوبة انما هو مبتن على المقدمة المذكورة، إذ القرآن النازل أولا من القلم الى اللوح لوحظ على هيئة الخاصة، ووضع لفظ القرآن لكل ذلك الفرد الملحوظ، ولو باعتبار وجوده في


(1) تفسير الصافي 1: 31، المقدمة الرابعة. (*)

[ 80 ]

ضمن الأفراد الجزئية، فيكون حقيقة في كل من الأفراد الموجودة الى يوم القيامة. فلا يبقى الاشكال حينئذ في ترتيب الآثار الشرعية من الثواب المقرر، أو الأمر بقراءته، أو العقاب على مسه بلا طهارة ونحو ذلك عليه، والا فيحتاج الى ادعاء الحقيقة العرفية في المراتب المتأخرة، أو جعله مجازا مشهورا من باب الاستعارة، إذ الكلام الصادر من زيد مثلا الذي هو صورته، لا يصدق عليه الكلام المنزل على سبيل الاعجاز حقيقة، الا أن يجعل المراد الكلام المنزل فرد منه ونحو ذلك، وذلك تكلف البتة، وليس وضعه مثل وضع (زيد) الصادق في حالات مختلفة، فان الفرد الشخصي المنزل منه أولا ليس هو الدائر في الألسنة. وبالجملة فإذا عرفت هذه المقدمة، فاعلم انه قد وقع في عبارات بعض أهل الحكمة اطلاق لفظ المؤنث أو المرأة بالنسبة الى الأئمة (عليهم السلام)، فاستنكر ذلك أهل الشريعة، واستوحشوا منه، ونسبوا صاحب العبارة الى الكفر والزندقة، ورموه بشئ لعله برئ منه في الحقيقة. قال بعض من يدعي كونه من أهل الباطن، الذين قطعوا أنظارهم عن الظاهر: ان ظاهر هذا الاطلاق وإن كان مستهجنا في الأنظار الجلية، الا ان ايجابه الكفر والزندقة لا وجه له، وذلك لأن لفظة (المرأة) أو ما في معناها انما وضعت لهذا المعنى الظاهري باعتبار معنى التأثر والانفعال الموجود فيها بالنسبة الى الرجل، لا من جهة كونه بهذه الخصوصية. فاطلاق لفظ (المرأة) على النوع المعروف باعتبار وجود هذا المعنى الكلي، أي معنى المنفعل والمتأثر في هذا النوع، وكذلك اطلاق الرجل على هذا النوع باعتبار معنى التأثير والفعل فيما تحته لا لكونه ذا خصوصية معروفة مثلا، فكل مؤثر في العالم مذكر، وكل متأثر مؤنث. وقد يكون الشئ متأثرا بالنسبة الى ما فوقه، ومؤثرا بالنسبة الى ما تحته، فمعنى الرجل والمرأة هو المؤثر والمتأثر، ففي نحو " كسرت الكوز فانكسر " الكاسر مذكر والمكسور مؤنث وهكذا، ولهذا يطلق على الأفلاك الآباء العلوية،


[ 81 ]

وعلى الاسطقسات الامهات السفلية. وورد قوله (صلى الله عليه وآله): " أنا وعلي أبوا هذه الامة " (1) أي أنا أبو الامة وعلي امها. وعلى هذا يحمل الخبر المشهور " الشقي شقي في بطن امه " (2) أي يظهر شقاوة الشقي بالولاية مثلا على وجه من الوجوه، إذ هناك وجوه اخر أيضا، مثل أن يكون المراد من الام هو الامكان، أو الماهية، أو الطبيعة، أو ام الكتاب، أو الام الانسانية، أو الدنيا، أو الأرض وبطنها هو القبر، بل الامهات كثيرة، وكل مرتبة سابقة ام بالنسبة الى اللاحقة لتولدها من السابقة تولد النتيجة من المقدمة، بل كل قشر ام بالنسبة الى اللب، وكل ظاهر ام بالنسبة الى الباطن، وهكذا. ولذا قيل: تن چو مادر طفل جان را حامله * مرگ درد زادن است وزلزله وبالجملة، فكذا على الاصطلاح السابق ما روي " ان المؤمن أخو المؤمن، أبوه النور وامه الرحمة " (3)، وما ذكروا في الحكمة من ان الوجود مذكر، والماهية مؤنث، الى غير ذلك. وقد فسر بعضهم بيتي المثنوى المعنوي، وهما قوله في ديباجة النسخة: بشنو از نى چون حكايت مى كند * وز جدائيها شكايت مى كند كز نيستان تا مرا ببريده اند * از نفيرم مرد وزن ناليده اند بقوله: كيست مرد اسماء خلاق ودود * كأن فاعل در اطوار وجود


(1) مفردات راغب: 7 / مادة: (أبا)، عنه مناقب ابن شهرآشوب 3: 105 / في انه المعني بالوالد، عنه البحار 36: 11 ح 12 وفي معاني الأخبار: 52 ح 3، علل الشرائع: 127 ح 2 باب 106. (2) البحار 5: 153 ح 1، عن أمالي الصدوق. (3) المحاسن 1: 223 ح 396، عنه البحار 67: 75 ح 6، ونحوه بصائر الدرجات: 99 ح 1 و 2. (*)

[ 82 ]

چيست زن أعيان جمله كائنات * منفعل گشته ز أسماء وصفات چون همه أسماء وأعيان بى قصور * وارد اندر رتبه ء انسان ظهور جمله را در ضمن انسان ناله هاست * كه چرا هريك ز أصل خود جداست شد گريبان گيرشان حب الوطن * اين بود سر نفير مرد وزن فعلى هذا إذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) أعلى مرتبة من علي (عليه السلام) ومؤثرا فيه بكونه مخلوقا بوساطته، وكذا سائر الأئمة بالنسبة الى علي، وفاطمة (عليها السلام) بالنسبة الى الأئمة - بناء على تدرج المراتب في الفضيلة - أمكن الاطلاق المذكور بحسب الاصطلاح المسطور، ولا يلزم من ذلك قدح ولا كفر البتة، إذ لا مشاحة في الاصطلاح، ولكن نعم ما قيل: " رب اصطلاح ليس بصلاح ". هر كسى را سيرتي بنهاده ام * هر كسى را اصطلاحي داده ام هنديان را اصطلاح هند مدح * سنديان را اصطلاح سند مدح ولا يناسب أن يتفوه العاقل بما يتسارع العقول الى انكاره وإن أمكنه اعتذاره، وقال (صلى الله عليه وآله): " نحن معاشر الأنبياء لا نكلم الناس على قدر عقولنا بل على قدر عقولهم " (1) وفي خبر آخر: " كلموا الناس على قدر عقولهم "، وعلى أي حال فمعلوم ان الجاهل بل المجنون لا يطلق على من هو مذكر بالمعنى العرفي انه مؤنث كذلك فضلا عن العالم العاقل. فعلى ما ذكر هذا القائل تكون فاطمة (عليها السلام) مع تأنيثها بالمعنى العرفي في ظاهر الصورة مذكر بالمعنى السابق في الحقيقة، أي بمعنى المؤثر بالنسبة الى الموجودات السافلة، لما مر من كون الأنبياء مخلوقين من نورها (عليها السلام)، أي من نور جسدها الشريف وجسمها اللطيف.


(1) نحوه الكافي 1: 23 ح 15، عنه البحار 16: 280 ح 122، وفي المحاسن 1: 310 ح 615، عنه مستدرك الوسائل 11: 208 ح 12759. (*)

[ 83 ]

فهم (عليهم السلام) من جملة أشعة ظهورها، وموادهم العالية من بعض ذرات نورها، لكونها آخر جزء من السلسلة النورية في الدائرة العالية التي لا دائرة فوقها من الدوائر الكونية، وان أجزاء تلك الدائرة وقسيها متدرجة في التقدم والتأخر الموجب للتدرج في الفضيلة. فهي (عليها السلام) مذكر مؤثر بالنسبة الى ما تحت تلك الدائرة من المراتب السافلة، وهي النور المتأخر في تلك المرتبة المتقدمة، والجزء الأخير من العلة التامة، ومؤنث متأثر بالنسبة الى سائر الأنوار العالية أي متأثرة منها في تلك المرتبة، ولذا ظهرت في صورة المؤنث في هذه النشأة السافلة الصورية. فإذا كان أنوار المعصومين (عليهم السلام) بهذه المثابة، وكان أشعة أجسامهم الشريفة مواد خلقة الأنبياء العظام والرسل الكرام، ويدخل في جملة أجسامهم لحومهم ودماؤهم وجلودهم وعظامهم، فكل هذه الأجزاء منهم أنوار طيبة صافية تصورت بتلك الصور الصورية البشرية، وليس من شأن الأنوار أن يعرض عليها الظلمة والأكدار، أو الخباثة والكثافة، أو ما ينافي اللطافة، ولذا لم يكن يقع للنبي (صلى الله عليه وآله) ظل بالمرة، بل لسائر المعصومين (عليهم السلام) أيضا، وإن كان يقع لهم في بعض الأحيان ظل في الجملة للفرق بين النبي والأئمة. فهذه الأنوار الشعشعانية من اشراقات شمس الأزل، طلعت في العالم الكونية دون أن يعرض عليها الكدورات النفسانية، والخباثات البشرية الجسمانية، وإن نزلوا في هذه النشأة. نور خورشيدار بيفتد بر حدث * آن همايون نپذيرد زو خبث ارجعي بشنود نور آفتاب * سوى أصل خويش باز آمد شتاب نى ز گلخنها بر أو ننگى بماند * نى ز گلشنها بر أو رنگى بماند بل الحق ان للنور مقاما شامخا، ومحلا باذخا لا يتنزل منه الى المراتب السافلة، وإن تروئي في النظر انه وقع على الحجر والمدر، فتدبر وتبصر. اين سخن را در نيابد هيچ فهم ظاهري * گر أبو نصر استى وگر بوعلى سينا ستى


[ 84 ]

در ثمين في تحقيق طهارة دم المعصومين وفي حكمة بولهم ونجوهم اعلم انه قد وقع النزاع في ان دم المعصوم (عليه السلام) طاهر أو لا، وهذه المسألة وإن كان العلماء غير محتاجين الى البحث عنها لعدم حصول الابتلاء بها في هذه الأزمنة، فلو اتفق حضور المعصوم، واتفق الملاقاة بدمه المطهر، فهو حاضر يسأل عن حكم المسألة. بل يمكن أن يقال بعدم جواز البحث عنها في حال الغيبة، لأن المعصوم (عليه السلام) غير حاضر حتى يؤخذ منه الأحكام الشرعية، فباب العلم بها مسدود في حال الغيبة، وانما يلزم استنباط الأحكام بالظنون المطلقة أو الخاصة من باب أكل الميتة والعمل بحكم الضرورة، حيث انا نعلم بعدم ارتفاع التكليف حينئذ، وانه لابد من العمل بالأحكام الشرعية، وباب العلم بها مسدود، والأدلة لا تفيد الا الظن، والأخذ بالموهوم ترجيح للمرجوح، والأخذ بالمشكوك ترجيح بلا مرجح. فلابد من العمل بالظن حينئذ بحكم القواعد العقلية التي لا تفرق بين الظنون المطلقة والخاصة، أو تعين الظنون الخاصة على الخلاف في المسألة، وفي مسألة حكم دم الامام (عليه السلام) لا ضرورة داعية الى تحقيقها واستنباط حكمها، وان الضرورات تتقدر بقدرها. ولكن لما كانت تلك المسألة مشتملة على بعض المطالب الاصولية، والمعارف الدينية مع اشتهار البحث عنها في هذه الأزمنة، لا بأس في الاشارة الى بعض ما قيل فيها دفعا للشبهة عن الأذهان الضعيفة. فنقول: قيل ان الحكم في مسألة الدماء بقول مطلق بحسب ظواهر الأدلة هو النجاسة، حيث انها دالة على ان الدم مطلقا نجس، أو ان الدم يجب غسله ونحو ذلك، وقد عمل بها العامة والخاصة، ودم المعصوم (عليه السلام) داخل في جملة الدماء، فيكون من جزئيات تلك المسألة. وغاية الدليل لمن قال في دم المعصوم (عليه السلام) بعدم الطهارة، هو


[ 85 ]

إطلاقات تلك الأدلة، ولكن هذه المسألة ليست باجماعية بل خلافية بين الامة، ولمن قال بالطهارة أيضا أدلة يأتي إليها الاشارة. وقد سئل الاقا محمد علي البهبهاني في كتاب المقامع (1) عن طهارة دم النبي (صلى الله عليه وآله)، فأفتى بعدم الطهارة، وادعى عليه الشهرة بين الخاصة مع بعض العامة، وانه قال أكثر العامة مع بعض الخاصة بالطهارة، ومن أعاظم العامة المفتين بالطهارة هو الشافعي (2). وذكر العلامة (رحمه الله) في التذكرة (3) في جملة فضائل النبي (صلى الله عليه وآله) انه يتبرك بدمه وبوله، وظاهره الطهارة أيضا. وادعى الفاضل الدربندي (رحمه الله) الاجماع - بل الضرورة - على طهارة دم المعصوم (عليه السلام)، وقال: ان المخالف كان ضعيفا نادرا، مع انه انقرض الخلاف في هذه الأزمنة أيضا، بل سرى حكم الطهارة الى دماء المستشهدين بين يدي سيد الشهداء (عليه السلام) أيضا، ولكن دماؤهم التي سفكت في كربلاء، ثم حول بسط المسألة الى كتابه شرح المنظومة في فقه الامامية (4). ولسنا هنا بصدد بيان تفصيل هذه المسألة، واستدلالات الطرفين، والترجيح بين الأدلة الموهونة وغير الموهونة الصادرة من الفريقين، وذكر أسماء القائلين من الطائفتين، ولكن نبين هنا دقيقة لطيفة يتبين بها حقيقة المسألة. فنقول: ان الأحكام الشرعية جعليات صادرة من الشارع، طارئة بجعله (عليه السلام) على الموضوعات الخارجية التي هي أفعال المكلفين، فان فعل المكلف هو محل تعلق الأحكام الشرعية الجعلية، ولو اسند الحكم الى الأعيان في بعض الأحيان.


(1) مقامع الفضل: 98 / رعه، باختلاف. (2) فتح العزيز 1: 179، الوجيز 1: 7، على ما في هامش التذكرة 1: 57. (3) التذكرة (الحجرية) 2: 568، كتاب النكاح، في بيان خصائص النبي (صلى الله عليه وآله). (4) أسرار الشهادة: 147. (*)

[ 86 ]

مثلا نقول تارة: ان شرب الخمر حرام، وتارة اخرى: ان الخمر حرام، والثاني أيضا راجع الى الأول، إذ لا معنى لحرمة ذات الخمر، فان الحرام ما يترتب عليه العقاب، ولا يترتب العقاب على ذات الخمر بل على شربه، وهو الفعل المتعلق به، وكذا قولنا: المغصوب حرام معناه ان التصرف فيه حرام، والام والاخت حرام أي نكاحهما وهكذا، فكلما تعلق الحكم على العين يراد بها الفعل الذي اشتهر تعلقه بها. مثلا في قوله تعالى: * (حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم...) * (1) يراد نكاحها لا النظر إليها ونحو ذلك، ولا أكلها ولا غير ذلك، و * (حرمت عليكم الميتة والدم...) * (2) أي أكلها وهكذا. ولما كانت الأحكام جعلية حاصلة بانشاء الشارع، فقد أنشأ الشارع حكم الحرمة في أكل لحم الخنزير، وحكم الحلية في أكل لحم الغنم، فلو عكس كان الأمر بعكس القضية، لكن هذا التخصيص من الشارع ليس بمحض الهوى، بل هو وحي يوحى تابع للمصالح والمفاسد الكامنة في الأشياء فعلا أو تركا. مثلا إذا كان في الفعل مصلحة ملزمة كالصلاة التي هي مطهرة للباطن، وجاعلة للطينة الانسانية نورانية قابلة لدخول الجنة دار قرب الجبار، ومحل مصاحبة الأخيار، وكان تركها جاعلا للطينة الظلمانية مستحقة لدخول النار، والانتظام في سلك الأشرار، جعلها واجبة لاشتمالها على المصالح الباطنية مما ذكر وغيره من المصالح الكثيرة، والخمر بالعكس فعلا وتركا، فجعلها محرمة للاشتمال على المفاسد الباطنية، وكونها ام كل خبيثة ورذيلة. وإن كانت المصلحة جزئية غير ملزمة جعل الفعل مندوبا، أو المفسدة كذلك جعله مكروها، أو تساوى الطرفين جعله مباحا، وكذا الكلام في الطهارة والنجاسة وغير ذلك، فمباشرة الماء مثلا لا توجب الخباثة الباطنية، ولا تبطل الصلاة، ولا تمنعها عن الصحة المطلوبة اللازمة، فحكم فيه بالطهارة بخلاف الدم والخمر


(1) النساء: 23. (2) المائدة: 3. (*)

[ 87 ]

والميتة وهكذا. ثم اختلفوا في ان تلك المصالح والمفاسد الكامنة في الأشياء الموجبة لترتب الأحكام المخصوصة، هل هي ذاتية أو عارضية من جهة الصفات اللازمة، أو بالوجوه والاعتبارات الخارجية أو لا كلية في المرحلة، وتفصيل المسألة موكول الى محله. والقول الرابع الذي اختاره المحققون من المتأخرين هو التفصيل، وان الأشياء في أنفسها مختلفة، فالمصالح والمفاسد في بعضها ذاتية كالايمان والشرك مثلا، وحب آل محمد (عليهم السلام) وبغضهم، والذاتي لا يختلف ولا يتخلف، ولا يتبدل ما بالذات في حال من الحالات، وفي بعضها باعتبار الأوصاف اللازمة كالكذب النافع المنجي للنبي (صلى الله عليه وآله) من الهلاك، والكذب الذي ليس كذلك سيما إذا كان مضرا. وبعضها بالوجوه والاعتبارات كالخبز الأبيض الجيد في غاية الجودة، والعسل الشافي، والسكر الصافي في غاية الحلاوة واللطافة، إذا كان شئ من ذلك مغصوبا فان الحرمة في نحو ذلك ليست لخباثة ذاتية فيه ولا لصفة لازمة، بل هي من جهة الوجوه والاعتبارات الخارجية، وذلك بملاحظة ان الرخصة في نحو ذلك توجب المفسدة الخارجية الطارئة من جهة اختلال نظام العالم مثلا، فيختل به امور معاش بني آدم، ويؤدي الى اختلال امور معادهم. ثم ان معنى النجاسة في الشئ ليس الا وجوب الاحتراز عنه في الصلاة مثلا، أو الأكل والشرب ونحو ذلك، ووجوب الاحتراز فيه اما من جهة خباثة في نفسه ذاتا أو صفة، أو من جهة المصالح الخارجية، فدم المعصوم (عليه السلام) يجب غسله البتة بحسب القواعد الشرعية من جهة المصالح الخارجية، إذ لو بني على عدم غسله مثلا بالحكم بالطهارة لزم الهرج والمرج في الشريعة، فكان يقول بعض الناس بطهارة دم سلمان، وبعضهم بطهارة دم أبي ذر، ومريد العالم الفلاني بطهارة دمه، ومريد العارف الفلاني كذلك، وكذا في البول والغائط من الخاصة


[ 88 ]

أو من العامة. وهذا باب عظيم يدخل منه الشيطان، فيفسد على الناس أحكام الدين والملة، كما ترى ان مع استقرار الحكم ظاهرا بنجاسة الدماء مطلقا، يحكم بعض السفهاء في عصرنا بطهارة دم العارف الفلاني وبوله وغائطه، فكيف إذا كان هناك روزنة للدخول في هذه المسألة، فسدوا هذا الباب من صدر الشريعة، وحكموا باطلاقات كلامهم بوجوب غسل الدماء بالمرة، وكانوا (عليهم السلام) يغسلون الدم ونحوه من أنفسهم أو من غيرهم. واما من حيث الحقيقة فليس في دم المعصوم (عليه السلام) خباثة بالمرة لا ظاهرية ولا باطنية، بل هو طهر طاهر مطهر من طهر طاهر مطهر في غاية الطهارة، وآية التطهير أيضا تدل على حكم المسألة، كما ان السكر المغصوب ليس فيه خباثة ذاتية بل هو في غاية اللطافة، لكن عرض عليه حكم الاجتناب عنه من جهة المصالح الخارجية، فيقال: ان وجوب الاجتناب فيه انما هو من الأحكام التعبدية لا انه من جهة الخباثة والنجاسة. وأي خبيث يتجاسر أن يقول بخباثة دم المعصوم (عليه السلام) في عرض الخمر ودم الخنزير ولحم الميتة مثلا - نعوذ بالله من سماع تلك المقالة - فدماؤهم (عليهم السلام) أطهر وألطف من كل لطيف ونظيف بمراتب كثيرة. وقد مر ان الأنبياء (عليهم السلام) خلقوا من نور أجسامهم اللطيفة، وأجسادهم الشريفة، ودماؤهم من جملة أجزائهم في عالم الجسمية، ولا معنى لطروء النجاسة بالنسبة الى العقول الصافية، فكيف بما هو أعلى منها مرتبة ؟ ! فالأنوار اللطيفة في غاية اللطافة لا تعرضها الخباثة والكثافة، وكذا الحكم في البول والغائط، ولذا كان رائحتهما من المعصوم (عليه السلام) كالمسك الأذفر. وكذا النطفة منهم (عليهم السلام)، وإن كان مادة هذه الامور من الأغذية الدنيوية الكثيفة، الا انها بمجاورة جسم المعصوم (عليه السلام) ومخالطته ومصاحبته تكتسب اللطافة الكاملة بالتبعية، ولذا كان اللباس والعباء على جسم


[ 89 ]

النبي (صلى الله عليه وآله) لا يقع منهما أيضا ظل تبعا له. هيزم تيره حريف نار شد * تيرگى رفت وهمه أنوار شد فكل شئ منهم نور حتى الدم والبول والغائط والنطفة، فأجسامهم البشرية المرئية مظاهر الصفات اللاهوتية، والصورة لا تضر في الحقيقة، وإذا كان جبرئيل (عليه السلام) يتصور بصورة دحية الكلبي، كان له لحم ودم وعظام بمقتضى الصورة الجسمية، لكن المتبدل لم يكن الا الصورة والا كان كل جزء منه نورا محضا البتة. وما ورد ان المعصوم (عليه السلام) لا يغفل ولا ينام، ويرى من خلف كما يرى من أمام، فهل يجوز ذلك الا بأن يكون كل أعضائه نورا بالتمام، فلا يذهب بك الصورة عن الحقيقة الى الصورة. گر به ظاهر مثلكم باشد بشر * با دل يوحى الى ديده ور أي بسا كس را كه صورت راه زد * قصد صورت كرد وبر الله زد كل شئ من المليح مليح * كل شئ من القبيح قبيح ووجه الطهارة في جميع ما ذكر منهم (عليهم السلام) من حيث الحكمة، ان أصل منشأ النجاسة ونحوها انما هو جهة النفسانية، ولذا كان فضلة الحيوان المأكول اللحم كالغنم مثلا طاهرة دون الانسان، وليس في تلك الأنوار الأسفهيدية جهة النفسانية بالمرة ولو مثقال ذرة، وما ورد في طهارة أجسادهم الشريفة انما هو محمول على أجزائها الظاهرية والباطنية من كل حيثية، والا فظواهر الأجساد طاهرة من كل مسلم أيضا، فلا يكون لهم (عليهم السلام) حينئذ فضل من هذه الجهة. واما الاستدلال على طهارة دمائهم (عليهم السلام) بالخبر الذي ورد، انه ما من مسجد بني الا على قبر نبي أو وصي نبي، فأصابت تلك البقعة رشة من دمه فأحب الله أن يذكر فيها (1)، بتقريب ان الله لا يحب الرجس فلابد أن يكون الدم


(1) الكافي 3: 370 ح 14، عنه البحار 14: 463 ح 31، التهذيب 3: 258 ح 43، الوسائل 3: 501 ح 1. (*)

[ 90 ]

منهم طاهرا حتى يحب الله محل ملاقاته لحبه، فضعيف كما لا يخفى، لجواز أن يكون هذه المحبة من جهة كون هذا الدم مصبوبا مراقا في سبيل الله من أجساد هؤلاء الأنبياء العظام والأوصياء الكرام، لا لذات تلك القطرة. والى هذا الخبر أشار بحر العلوم في الدرة النجفية بقوله: والسر في فضل صلاة المسجد * قبر لمعصوم به مستشهد بقطرة من دمه مطهرة * طهره الله لعبد ذكره وهي بيوت أذن الله بأن * ترفع حتى يذكر اسمه الحسن (1) [ الأخبار الدالة على طهارة دم المعصوم ] نعم يشير إليها، أي الى طهارة دم المعصوم (عليه السلام)، بل يدل عليها ما رواه المجلسي (رحمه الله) في البحار عن الراوندي في قصص الأنبياء، والحسين بن بسطام في طب الأئمة، عن أبي طيبة الحجام، قال: حجمت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأعطاني دينارا وشربت دمه، فلما اطلع على ذلك قال: ما حملك على ذلك ؟ قلت: أتبرك به، قال: أخذت أمانا من الأوجاع، والأسقام، والفقر، والفاقة، ولا يمسك النار أبدا (2). وقد علل حرمة الدم في الأخبار بكثرة مضاره، مثل انه يمرض البدن، ويغير اللون، ويورث البخر، والصفراء، والجنون، وسوء الخلق، والقسوة ونحو ذلك، وإذ ليس في دم المعصوم (عليه السلام) هذه المفاسد، بل صرح باشتماله على المصالح المقابلة لها، فلا حرمة. وفي مرسل المناقب عن عبد الله بن الزبير قال: احتجم النبي (صلى الله عليه وآله) فأخذت الدم لاهريقه، فلما برزت حسوته، فلما رجعت قال (صلى الله عليه وآله): ما صنعت ؟ قلت: جعلته في أخفى مكان - وفي رواية اخرى: جعلته في وعاء


(1) الدرة النجفية: 100 / المشاهد. (2) طب الأئمة: 56، عنه البحار 62: 119 ح 39 ومستدرك الوسائل 13: 74 ح 14791، ولم نعثر عليه في قصص الأنبياء للراوندي. (*)

[ 91 ]

حريز (1) - قال (صلى الله عليه وآله): ألفيك - أي أجدك - شربت الدم، وفي خبر آخر: لا تعد الى مثله (2). وابن شهرآشوب في كتاب المناقب عن ام أيمن - وهي كانت جارية ورثها النبي (صلى الله عليه وآله) من أبيه، فأعتقها وجعلها حاضنة أولاده، وقد حلف (صلى الله عليه وآله) بأنها من أهل الجنة - قالت: أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا ام أيمن قومي واهرقي ما في الفخارة - يعني البول - قلت: والله شربت ما فيها وكنت عطشى، قالت: فضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بدت نواجذه، ثم قال: أما انك لا يجع (3) بطنك، وفي خبر آخر بعد هذا: فلا تعودي (4). فيستفاد تقريره (صلى الله عليه وآله) لشرب دمه وبوله، وتقرير المعصوم (عليه السلام) حجة كفعله وقوله، فالظاهر من سكوت النبي (صلى الله عليه وآله) وعدم نهيه سيما مع ذكر منافعه الرضا به المستلزم للطهارة لحرمة شرب النجس وأكله. واما ان الأخبار الدالة على الأمر بغسل الدم والبول مطلقة أو عامة، فيشمل دم المعصوم أيضا وبوله مع انهم (عليهم السلام) كانوا يغسلون دماءهم وأبوالهم أيضا - كما ورد في الأخبار المستفيضة - ففيه انه لا كلام في لزوم اجراء هذه الأحكام الشرعية في ظاهر المرحلة، لما مر من المصالح الخارجية بلا فرق بين دم المعصوم وغيره، ولكن وجوب الغسل أعم من النجاسة المعروفة، أي المستلزمة للخباثة لما مر، ولجواز كونه تعبديا كالأمر بالاحتراز عن استصحاب مالا يؤكل لحمه في الصلاة مع كونه طاهرا أيضا. وانما الكلام في هذه النجاسة، واما النجاسة بمعنى وجوب الغسل ولزوم


(1) راجع البحار 16: 409، عن مناقب ابن شهرآشوب 1: 220 / في اللطائف. (2) وجدناه في الخرائج 1: 67 ح 122، عنه البحار 22: 113 ح 80. (3) في المناقب: لا ينجع. (4) مناقب ابن شهرآشوب 1: 125 / في معجزاته في ذاته، عنه البحار 16: 178 ح 19. (*)

[ 92 ]

الاحتراز للمصالح الخارجية مع كونه بالذات طاهرا في غاية النظافة فلا كلام فيها، وإن كان اطلاق النجاسة مستهجنا حينئذ أيضا لانصراف الأنظار من النجاسة الى الخباثة من جهة الغلبة، فلعل المنازعة حينئذ لفظية، فلا خلاف في المسألة. واطلاق الدم المسفوح الذي استشكل به العلامة في المنتهى (1) لا ينصرف الى الأفراد النادرة، ودعوى العموم ممنوعة، ولو سلم فمخصص بالأدلة، وانكار النبي (صلى الله عليه وآله) لام أيمن بقوله: " ولا تعودي " ونحو ذلك غير معلوم المأخذ، ولو سلم فيمكن أن يحمل على المنع من التكرار، كما يشعر به الأخبار وسنشير إليه. ومن الزيارة الجامعة التي رواها ابن طاووس: (ان الله طهركم من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ومن كل ريبة ورجاسة ودنية ونجاسة) (2). وورد في الأخبار الكثيرة كون بولهم ونجوهم في رائحة المسك الأذفر، وأمر الأرض بابتلاعهما مطلقا، وان ذلك احدى خواص المعصوم (3). وفي زيارة الحسين (عليه السلام): وأشهد ان دمك سكن في الجنة (4)، وورد في الأخبار: تخضب فاطمة (عليها السلام) في الجنة بدم ولدها الحسين (عليه السلام). وفي تفسير الامام (عليه السلام) - وهو من الكتب المعروفة بين الطائفة، وفي أوائل البحار انه اعتمد عليه الصدوق، وروى عنه أكثر العلماء من غير غمض


(1) المنتهى 1: 164، الفرع الخامس في نجاسة الدم المسفوح. قال (رحمه الله): الخامس: في نجاسة دم رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشكال ينشأ من انه دم مسفوح، ومن ان أبا طيبة الحجام شربه ولم ينكر عليه، وكذا في بوله (عليه السلام) من حيث انه بول، ومن ان ام أيمن شربته. (2) مصباح الزائر: 462 فصل 18، عنه البحار 102: 164 ح 6. (3) راجع من لا يحضره الفقيه 4: 418 ح 5914، الأنوار النعمانية 1: 34. (4) كامل الزيارات: 197، عنه البحار 101: 152 ح 3، ونحوه في الكافي 4: 576 ح 2، ومن لا يحضره الفقيه 2: 594 ح 3199، وتهذيب الأحكام 6: 55 ح 1، والوسائل 10: 382 ح 1. (*)

[ 93 ]

فيه (1) - ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) احتجم مرة فدفع الدم الخارج منه الى أبي سعيد الخدري، وقال له: غيبه، فذهب فشربه ورجع. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ماذا صنعت به ؟ قال: شربته يا رسول الله، قال: أولم أقل لك غيبه ؟ فقال: فقد غيبته في وعاء حريز، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اياك وأن تعود لمثل هذا، ثم اعلم ان الله قد حرم على النار لحمك ودمك لما اختلط بدمي ولحمي. فجعل أربعون من المنافقين يهزأون برسول الله (صلى الله عليه وآله) ويقولون: زعم انه قد أعتق الخدري من النار لاختلاط دمه بدمه، وما هو الا كذاب مفتر، اما نحن فنستقذر دمه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما ان الله يعذبهم بالدم ويميتهم به، وإن كان لم يمت القبط به، فلم يلبثوا الا يسيرا حتى لحقهم الرعاف الدائم، وسيلان دماء من أضراسهم، فكان طعامهم وشرابهم يختلط بذلك فيأكلونه، فبقوا كذلك أربعين صباحا معذبين ثم هلكوا (2). وفيه أيضا من التقرير مالا يخفى حيث لم يصرح بكونه حراما ولو في اول مرة مع التنبيه على ان الاستقذار من أثر النفاق لا الاخلاص والوفاق. واما النهي فيه عن العود إليه، وكذا في خبر المناقب على ما روى ان أبا طيبة الحجام شرب دم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: لا تعد ان الدم حرام أكله، فهذا تحذير محمول على جعله عادة، فيكون مرة واحدة للاستشفاء جائزا والزائد حراما لا للنجاسة، لعدم الملازمة بين الحرمة أو وجوب الغسل أيضا وبين النجاسة، كما صرح به في الرياض، وفي بحث الاجماع من القوانين، لما مر ولجواز التعبدية. كما ورد النهي عن أكل التربة الحسينية زائدا على قدر الاستشفاء، وورد ان


(1) البحار 1: 28. (2) تفسير الامام العسكري (عليه السلام): 419 ح 286، عنه البحار 17: 270 ح 6، وتفسير البرهان 2: 32 ح 4، ونحوه مناقب ابن شهرآشوب 1: 220 / في اللطائف. (*)

[ 94 ]

من اكل أزيد من قدر الحمصة فكأنما أكل لحومنا ودماءنا (1)، مع انها طاهرة البتة بلا شبهة. وكما ورد في المكاتبة عن الصادق (عليه السلام) انه سئل هل اغتسل أمير المؤمنين (عليه السلام) حين غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال (عليه السلام): كان طاهرا مطهرا، ولكن فعل أمير المؤمنين ذلك وجرت به السنة (2)، مع ان علة الحكم في حكم مطلق غسل الميت النجاسة. وأورد جمال المحققين في حاشية الروضة على ما ادعاه الشهيد (رحمه الله) في الذكرى من استلزام غسل الميت لنجاسته بوجوب غسل المعصوم (عليه السلام) بدونها (3)، وأشار إليه في الدرة بقوله: والنص في المعصوم بالغسل ورد * تعبدا بالغسل مع طهر الجسد (4) فإذا ثبت في أحد المعصومين (عليهم السلام) حكم ثبت في الاخر أيضا لعدم القول بالفصل في المسألة، بل لا معنى له لكونهم من طينة واحدة، وعدم تصريح العلماء بالطهارة في المسألة اما لعدم الابتلاء بها، أو لكونها معلومة الحالة مما بين في محله من أحوال أبدانهم الطاهرة، وهذه الجملة تكفي في المرحلة لمن كان له أدنى بصيرة، والعاقل تكفيه الاشارة، والجاهل لا تنفعه ألف عبارة.


(1) كامل الزيارات: 286، عنه البحار 60: 154 ح 12، وفي تهذيب الأحكام 6: 74 ح 14 والوسائل 10: 414 ح 1، مستدرك الوسائل 16: 204 ح 19596. (2) التهذيب 1: 107 ح 13، والاستبصار 1: 99 ح 3، والوسائل 2: 928 ح 7، والبحار 22: 540 ح 50. (3) التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية للآقا جمال الخوانساري: 79 / مس الميت. (4) الدرة النجفية: 41 / مس الأموات. (*)

[ 95 ]

فصل [ في ذكر جملة من أسماء فاطمة الزهراء (عليها السلام) ] ثم ان لسيدتنا الزهراء أسماء نزلت من السماء، وتحت كل اسم أسرار كما نطق به الأخبار، ولكل منها جهة تسمية - بل جهاتها - سميت به بذلك الاعتبار، ونحن نذكر معدودة منها تيمنا وتبركا بذكرها مع جملة من الأخبار الواردة فيها، ومرادنا من الأسماء هنا أعم من الاسم واللقب والكنية على نحو ما ورد في الاخبار المروية. [ الأخبار في تسميتها بفاطمة ] فمنها فاطمة (عليها السلام)، قد ورد في التسمية بذلك أخبار متكثرة من طرق الخاصة والعامة، في انها سميت بذلك لأن الله تعالى قد فطم من أحبها من النار (1). ومن طرق أصحابنا عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) انه قال: سميت فاطمة فاطمة لأن الله تبارك وتعالى علم ما كان قبل كونه، فعلم ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتزوج في الأحياء، وانهم يطمعون في وراثة هذا الأمر من قبله، فلما ولدت فاطمة سماها الله تعالى فاطمة لما أخرج منها من ولدها، فجعل الوراثة في أولادها، فقطع غير أولادها عما طمعوا، فبهذا سميت فاطمة أي فطمت


(1) لهذا الحديث مصادر كثيرة، منها: الفردوس 1: 426 ح 1395، والصواعق المحرقة: 235، وينابيع المودة: 240، ومقتل الحسين: 51، والمناقب لابن المغازلي: 65 ح 62، وكنز العمال 13: 94 ح 534، ونور الأبصار: 52، وفرائد السمطين 2: 57 ح 384. (*)

[ 96 ]

طمعهم وقطعت (1). وفي العلل عن الصادق (عليه السلام) انه قال: لفاطمة (عليها السلام) تسعة أسماء عند الله عزوجل: فاطمة، والصديقة، والمباركة، والطاهرة، والزاكية، والراضية، والمرضية، والمحدثة، والزهراء. ثم قال (عليه السلام) للراوي: أتدري أي شئ تفسير فاطمة ؟ قال الراوي: قلت: أخبرني يا سيدي، قال (عليه السلام): فطمت من الشر، قال: ثم قال: لولا ان أمير المؤمنين تزوجها ما كان لها كفو الى يوم القيامة على وجه الأرض، آدم فمن دونه (2). قال الفاضل المجلسي (رحمه الله): يمكن أن يستدل به على كون فاطمة وعلي (عليهما السلام) أشرف من سائر اولى العزم سوى نبينا (صلى الله عليه وآله)، واما احتمال أن يكون عدم كفوية نوح وابراهيم لها من جهة كونهما من أجدادها، ففيه ان ذكر آدم (عليه السلام) يدل على ان المراد عدم كونهم أكفائها مع قطع النظر عن الموانع الاخر، على انه يمكن أن يتشبث بعدم القول بالفصل، انتهى (3). واما ان الرجل أفضل من المرأة لا محالة مع حصول الكفوية المعلومة، فلا يتعين فضل فاطمة (عليها السلام) عليهم، ففيه ان المفضولية في المرأة انما هي من جهة ما فيها من قوة جهة النفسانية بخلاف الرجل، ولا نفسانية في فاطمة (عليها السلام) كما مرت إليه الاشارة، وسيأتي أيضا بعض ما يتعلق بالمسألة. وروى يزيد بن عبد الملك عن الباقر (عليه السلام) قال: لما ولدت فاطمة (عليها السلام) أوحى الله عزوجل الى ملك، فأنطق به لسان محمد (صلى الله عليه وآله) فسماها فاطمة، وقال: اني قد فطمتك بالعلم، وفطمتك عن


(1) علل الشرائع 178 ح 2، عنه البحار 43: 13 ح 7، والعوالم 11: 72 ح 12. (2) علل الشرائع: 178 ح 3، أمالي الصدوق: 474 ح 18 مجلس 86، والخصال: 414 ح 3، عنها البحار 43: 10 ح 1، والعوالم 11: 66 ح 1، وفي دلائل الامامة: 79 ح 19، وروضة الواعظين: 148، وكشف الغمة 2: 91، والمحجة البيضاء 4: 212. (3) البحار 43: 10، ذيل حديث 1. (*)

[ 97 ]

الطمث، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): والله لقد فطمها الله تعالى بالعلم وعن الطمث في الميثاق (1). وفي العلل انه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا فاطمة أتدرين لم سميت فاطمة ؟ فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله لم سميت فاطمة ؟ قال: لأنها فطمت هي وشيعتها من النار (2). وعن محمد بن مسلم الثقفي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) انه إذا كان يوم القيامة كتب بين عيني كل رجل (مؤمن) أو (كافر)، فتقف فاطمة (عليها السلام) على باب جهنم، فيؤمر بمحب قد كثرت ذنوبه الى النار، فتقرأ فاطمة (عليها السلام) بين عينيه انه محب مؤمن، فتقول: الهي وسيدي سميتني فاطمة، وفطمت بي من تولاني وتولى ذريتي من النار، ووعدك الحق، وأنت لا تخلف الميعاد. فيقول الله عزوجل: صدقت يا فاطمة، اني سميتك فاطمة وفطمت بك من أحبك وتولاك، وأحب ذريتك وتولاهم من النار، ووعدي الحق، وأنا لا اخلف الميعاد، وأنا أمرت بعبدي هذا الى النار لتشفعي له فاشفعك، ليتبين لملائكتي وأنبيائي ورسلي وأهل الموقف موقفك مني، ومكانك عندي، فمن قرأت بين عينيه مؤمنا فخذي بيده وأدخليه الجنة (3). وفي خبر آخر انها سميت فاطمة لأنها فطمت شيعتها من النار، وفطمت أعداءها عن حبها (4). وفي البحار، عن الصادق (عليه السلام) انه قال: * (انا أنزلناه في ليلة القدر) *


(1) علل الشرائع 179 ح 4، عنه البحار 43: 13 ح 9، وانظر الكافي 1: 460 ح 6، وكشف الغمة 2: 91، والعوالم 11: 70 ح 6، والمحجة البيضاء 4: 212. (2) علل الشرائع 179 ح 5، عنه البحار 43: 14 ح 10، وكشف الغمة 2: 91، والمحجة البيضاء 4: 212، ومناقب ابن شهرآشوب 3: 329 / في منزلتها عند الله. (3) علل الشرائع: 179 ح 6، عنه البحار 43: 14 ح 11، والعوالم 11: 69 ح 5، وكشف الغمة 2: 91. (4) تفسير فرات: 322 ضمن حديث 435، عنه البحار 43: 18 ضمن حديث 17. (*)

[ 98 ]

الليلة: فاطمة، والقدر: الله، فمن عرف فاطمة حق معرفتها فقد أدرك ليلة القدر، وانما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها (1). وفي الحديث القدسي: اني خلقت فاطمة وشققت لها اسما من أسمائي، فهي فاطمة وأنا فاطر السماوات والأرض (2). وفي الأدعية المشهورة: " الهي بحق محمد وأنت المحمود، وبحق علي وأنت الأعلى، بحق فاطمة وأنت فاطر السماوات والأرض، وبحق الحسن وأنت المحسن، وبحق الحسين وأنت قديم الاحسان ". وفي الأخبار الكثيرة انه قال النبي (صلى الله عليه وآله) لفاطمة (عليها السلام): ان الله شق لك يا فاطمة اسما من أسمائه، وهو الفاطر وأنت فاطمة (3). بيان: هذه جملة من الأخبار الواردة في المقام، وقد تلخص منها وجوه متعددة لتسميتها (عليها السلام) بتلك التسمية، مثل فطم نفسها بالعلم، وفطمها عن الشر، وفطمها عن الطمث، وفطم ذريتها وشيعتها من النار، وكذلك فطم من تولاها وأحبها منها، وفطم الأعداء عن طمع الوراثة في الملك وعن حبها ونحو ذلك. ولا منافات بين الأخبار لأن الفطم معنى يصدق مع كل من الوجوه المذكورة، واختلاف الأخبار من جهة اختلاف حال الرواة والحضار من حيث الاستعدادات الذاتية، واختلاف المصالح في الأزمنة والأمكنة، وكل هذه المعاني مرادة من اللفظ عند التسمية. ولا يلزم من ذلك استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، الذي هو مخالف


(1) تفسير فرات: 581 ح 747، عنه البحار 43: 65 ح 58 والعوالم 11: 99 ح 7. جاء في المقتطفات الولائية ص 94:... لاحظوا هنا ان كلمة الخلق أوسع نطاقا من الناس، وهي فضلا عن كونها تشمل الانس والجن، فان افق الحديث يبلغ حد ملائكة أسكنتهم سماواتك، ورفعتهم عن أرضك، فهؤلاء فطموا عن معرفتها أيضا، ما الأمر ؟ ومن تكون هذه المرأة ؟ وأي حقيقة استترت فيها حتى كانت على هذا الحد من الرفعة والسمو عن متناول العقول وافق الأفكار. (2) تفسير الامام العسكري (عليه السلام): 220 ح 102، عنه البحار 11: 150 ح 25. (3) معاني الأخبار: 55 ح 3، عنه البحار 37: 47 ح 23. (*)

[ 99 ]

للقواعد الظاهرية اللفظية، لأن فاطمة مشتق من الفطم بمعنى الفصل، ومنه الفطام في الطفل بمعنى فصله عن اللبن والارتضاع، يقال: فطمت المرضع الرضيع فطما - من باب ضرب - فصلته عن الرضاع، فهي فاطمة والصغير فطم بمعنى المفطوم. وأفطم الرجل: دخل في وقت الفطام، مثل أحصد الزرع إذا حان حصاده، وفطمت الحبل: قطعته، وفطمت الرجل عن عادته: إذا منعته عنها. وليس الفطم مخصوصا بالفصل عن اللبن وإن كثر استعماله فيه، بل هو مطلق الفصل عن الشئ، ومعنى القطع والمنع راجع إليه أو متفرع منه، فيكون معنى فاطمة فاصلة أو قاطعة أو مانعة، وكل منها معنى كلي وماهية مطلقة تصدق مع القيود الكثيرة، فسميت من عند الله بها. ويلزم في تحقيق معنى الفصل أن يكون هناك فاصل ومفصول ومفصول عنه ومفصول به، مثلا إذا كانت الام فاطمة لطفلها فهي فاصلة، والطفل مفصول، واللبن مفصول عنه، والغذاء مفصول به، فيكون معنى فاطمة انها تفطم نفسها ولو بسبب قابليتها الذاتية عن الجهل بالعلم، وعن الشر بالخير، وعن الطمث بالطهارة عن الحمرة، وتفطم ذريتها وشيعتها ومن تولاها وأحبها عن النار بالجنة، وتفطم أعداءها عن طمع الوراثة باليأس عنها وعن حبها ببغضها. فلوحظ في وجه تسميتها بهذا الاسم وجوه متعددة، وهي غير داخلة في مفهوم الاسم حتى توجب تعدد معاني اللفظة، بل هي لحاظات خارجية باعتبارها وقعت التسمية، مثلا لو كان مجئ زيد من جهة أغراض مختلفة، وأسباب متعددة، فقيل: جاء زيد، لم يوجب ذلك كون لفظ المجئ مستعملا في المعاني المتعددة. نعم لو جعل فاطمة بالنسبة الى فطم الأعداء أو الأحباء بمعنى كونها ذات فطم - من المبني للفاعل، كما هو كذلك - أي ذات فاطمية، وفي فطمها عن الشر بمعنى ذات فطم - من المبني للمفعول - أي ذات مفطومية لزم المحذور المذكور، ولكن على التقرير المسطور لا يلزم ذلك المحذور. ويمكن جعلها بمعنى ذات الفطم مطلقا من باب النسبة، فيكون جامدا يستوي فيه المذكر والمؤنث، ويجعل التاء حينئذ للمبالغة كما في نحو اللابن، والدارع،


[ 100 ]

والتاجر، والعاشق، والضامر، والحائض، والطالق وغيرها. وإن قيل: في نحو الحائض وجهان آخران أيضا، مثل ان اختصاصه بصفة النساء يؤدي معنى التاء، لأن التاء انما هي للفرق بين المذكر والمؤنث، والفرق حاصل فيه بنفس اللفظة من جهة ما في معناها من الاختصاص والخصوصية، أو انه بتقدير موصوف مذكر، أي انسان حائض مثلا. ويرد على الأول منهما طردا وعكسا الأسماء المشتركة السابقة ونحو المستحاضة، وعلى الثاني جواز نحو هذا في كل مادة، فلا وجه لتخصيص أسماء معدودة، ويمكن جعل فاطمة بالنسبة الى المعاني المذكورة من باب عدم المجاز الجائز من حيث القواعد اللفظية. والتحقيق هو ما فصلناه من ان فاطمة بمعنى الفاصلة مطلقا على التقريب الذي أسلفناه، والمعنى بالنسبة الى نحو الفطم عن الشر مثلا انها فطمت نفسها عنه بالاقتضاء الذاتي، والاستعداد الأصلي، فصارت مفطومة من حيث المآل والحقيقة، فلا حاجة الى جعل الفاعل بملاحظة هذا المعنى بمعنى المفعول، نظير سر كاتم، ومكان عامر، وماء دافق، وعيشة راضية، على بعض الوجوه الجارية. أو جعل فاطمة لازمة مشتقة من أفطم الطفل إذا حان زمان فطمه عن الرضاع، كما ذكر الفاضل المجلسي (رحمه الله) حيث قال في بيان معنى قوله (صلى الله عليه وآله) " فطمتك بالعلم " الوارد في الخبر: ان معناه أرضعتك بالعلم حتى استغنيت وفطمت، أو قطعتك عن الجهل بسبب العلم، أو جعلت فطامك من اللبن مقرونا بالعلم كناية عن كونها في بدو فطرتها عالمة بالعلوم الربانية. وعلى التقادير يكون الفاعل بمعنى المفعول أو يقرأ: (فطمتك) على بناء التفعيل، أي جعلتك قاطعة الناس من الجهل، أو المعنى انه لما فطمها عن الجهل فهي تفطم الناس عنه، والوجهان الاخيران يشكل إجرائهما في قوله: " فطمتك عن الطمث " الا بتكلف، بأن يجعل الطمث كناية عن الأخلاق والأفعال الذميمة، أو يقال على الثالث فطمتك عن الأدناس الروحانية والجسمانية، فأنت تفطمي الناس


[ 101 ]

عن الأدناس المعنوية (1). وقد جعل الفاضل المذكور فاطمة في بعض الأخبار الاخر لازمة على نحو ما مر، وكل ما ذكره في توجيه اللفظ والمعنى في المرحلة تكلف مستغنى عنه بالنسبة الى ما أسلفناه كما لا يخفى، مع انه يرد عليه المحذور الذي ذكرنا أي استعمال اللفظ في أكثر من معنى، نعم يمكن جعل فاطمة في جميع الوجوه بمعنى المفعول أي المفطومة من باب الصفة بحال المتعلق بلحاظ المآل والحقيقة، أو جعله بمعنى ذات الفطم من المصدر المبني للفاعل أو المفعول، لكن على سبيل القضية الكلية لا الجزئية، كما لا يخفى. وبالجملة فاختلاف الأخبار في بيان وجه التسمية اشارة الى عدم انحصاره في شئ، أو كون معناها معنى كليا يشمل على وجوه كثيرة، فيحتمل احتمالا ظاهرا أن يكون ملحوظا في وجه التسمية امور على حدة أيضا، كفطمها عن الأخلاق الرذيلة بالأخلاق الفاضلة، وعن الأحوال الخبيثة بالأحوال الطيبة الزكية، وعن الأفعال القبيحة بالأفعال الحسنة، وعن الظلمانية بالنورانية، وعن السهو والغفلة بالذكر والمعرفة، وعن عدم العصمة بالمعصومية، وبالجملة عن جميع جهات النقيصة بالكمالات العقلانية والروحانية والنفسانية والجسمانية ولوازمها الظاهرية والباطنية. فيلزم حينئذ أن تكون لها العصمة الكبرى في الدنيا والاخرة والاولى، فتكون حينئذ معصومة، تقية، نقية ولية، صديقة، مباركة، طاهرة الى آخر الأسماء المذكورة في الرواية وغير الرواية. وتخصيص أسمائها بالتسعة في الخبر الصادقي اما من جهة اشتمالها من حيث المعنى على سائر الأسماء أيضا، أو من جهة صدور التسمية بها من جانب الله سبحانه بلا واسطة، كما يشعر به قوله (عليه السلام): " لفاطمة تسعة أسماء عند الله تعالى " مع ان تخصيص الشئ بالذكر لا ينفي الغير ولا يفيد الحصر، ويمكن اثبات


(1) البحار 43: 13، ذيل حديث: 9. (*)

[ 102 ]

معصوميتها (عليها السلام) بملاحظة خصوص معنى فطمها عن الشر أيضا، إذ لا خير في المعصية كما لا معصية في الخير، كما لا خير في الخباثة الحالية والرذالة الخلقية بل كلها شر لا محالة. تنبيه: بقي هنا شئ وهو ان معنى الفطم يستلزم ثبوت المفطوم عنه في المفطوم، بل رسوخه حتى يفطم عنه بشئ آخر يجعل بدله، واعتبار هذا المعنى يستلزم عدم المعصومية في الحالة السابقة. ووجه دفع الاشكال على نحو الاجمال، ان معنى الفطم وإن كان كذلك في أصل اللغة الا انه يستعمل كثيرا - ولو من جهة القرائن الخارجية - فيما كان ثبوت هذا المعنى فيه بالشأن والقوة لا بالفعل، ولما كانت فاطمة (عليها السلام) من جملة أفراد الممكنات، وماهية الممكن من حيث هي من شأنها الظلمة وصدور المعصية مثلا، كما قيل: سيه روئى ز ممكن در دو عالم * جدا هرگز نشد والله اعلم فصح اطلاق الفطم حينئذ بالنظر الى هذه الصفة اللازمة الامكانية، فبعد ملاحظة ثبوت الفطم في المرتبة الثانية يثبت معصوميتها الأصلية وطهارتها الجبلية، فينتفي عنها الكدورات الامكانية، والشوائب الكونية، فتكون كما قيل: چو ممكن گرد امكان بر فشاند * بجز واجب دگر چيزى نماند ومن جهة ما اشير إليه كانت معصومية المعصومين اختيارية، يستحقون بها الحمد والفضيلة لا جبرية وقهرية، والا لم يبق لهم الفضيلة في العصمة، ولكانت مستندة على الجبر، ولا فضيلة في العصمة القهرية. ويمكن أن يكون ذلك بملاحظة ما كان الناس يتصورونه من جواز صدور المعصية عنهم (عليهم السلام) مثلا، كما هو شأن البشرية ولو من جهة الشبهة، حيث انهم رأوهم في صورة البشر فتوهموا كونهم متصفين بلوازم البشرية، ولهذا: هم سرى با انبيا برداشتند * جسم ديدند آدمى انگاشتند اين ندانستند ايشان از عمى * هست فرقى در ميان بى منتهى اين زمين پاك وآن شوراست وبد * اين فرشته پاك وآن ديواست ودد


[ 103 ]

هر دو صورت گر بهم ماند رواست * آب تلخ وآب شيرين را رواست رحمة الله اين عمل را در قفا * لعنة الله آن عمل را در جزا ونظير ذلك دلالة آية التطهير على الطهارة الخلقية الأصلية كما استدلوا بها على ذلك، أي اثبات طهارتهم الذاتية ونظافتهم الجبلية، مع ان ظاهر التطهير أيضا هو طروا الطهارة بعد الخباثة، سيما بملاحظة قوله تعالى: * (يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (1) بذكر الارادة والاذهاب بصيغة المضارع. ويشعر بل يدل على نظافتها الأصلية ان تسميتها بفاطمة انما وقعت في زمان الولادة، وفي هذه الحالة لا تكليف ولا معصية البتة حتى ترد الشبهة، لانه إذا حصل الطهارة بالفطم عن الشر في أيام الطفولية، فلا يبقى معنى لطروا الطهارة المستلزم لسبق الخباثة. واما وجه كون اشتقاق فاطمة من فاطر مع مغايرة المادة، فهو اما من باب الاشتقاق الكبير، مثل نعق من النهق، وثبت من الثلم، بقلب بعض الحروف بعضا والمعنى على حاله، أو بتفاوت في الجملة، فان الفطر اما بمعنى الشق، أو الابتداء، أو نحوهما، ومعنى الفطم - وهو الفصل - مستلزم لهما ولا يخلو منهما أيضا، ويكون هذا اشارة الى كونها (عليها السلام) مظهر صفات الربوبية كسائر الأنوار المطهرة. أو هو مثل اشتقاق بكة اسم مكة من البكاء لبكاء آدم (عليه السلام) فيها، واشتقاق مكة من المكاء، كما قال تعالى: * (وما كان صلاتهم عند البيت الا مكاء وتصدية) * (2)، والشيعة من الشعاع لكونهم خلقوا من شعاع أنوارهم، وهو المراد من " فاضل طينتهم "، والطبيب من الطيب. كما روي في العلل ان الداء من الله، والدواء أيضا من الله، وانما سمي الطبيب طبيبا لأنه يطيب به نفوس الناس (3)، وهذا قسم من الاشتقاق ثابت شرعا بملاحظة مناسبة اللفظ في الجملة، وهو غير الاشتقاق الشائع بين أهل الظاهر.


(1) الأحزاب: 33. (2) الانفال: 35. (3) علل الشرائع: 525 ح 1 باب 304، عنه البحار 62: 62 ح 1، والكافي 8: 88 ح 52. (*)

[ 104 ]

ويمكن تطبيق كل ذلك على القواعد اللفظية أيضا، لأن المضاعف كما ذكروا يلحقه الابدال والحذف مثل المعتل، مثل: أحسيت وأحست في أحسست، وأمليت في أمللت، وتقضى البازي وأصله تقضض لثقل الفعل بالتضعيف، فاعطي حكم حرف العلة، والحرفان المتقاربان مخرجا يقلب أحدهما الى الآخر كالراء والميم مثلا، ونحو ذلك. [ الأخبار في تسميتها بالزهراء ] ومنها الزهراء سميت بذلك لما ورد في الأخبار. منها ما روى الصدوق (رحمه الله) في العلل، عن أبان بن تغلب، عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: يا ابن رسول الله لم سميت الزهراء زهراء ؟ فقال: لأنها كانت تزهر لأمير المؤمنين (عليه السلام) ثلاث مرات بالنور، في كل يوم يزهر نور وجهها وقت صلاة الغداة والناس على فرشهم، فيدخل بياض ذلك النور الى حجراتهم بالمدينة، فتبيض حيطانهم فيعجبون من ذلك، فيأتون النبي (صلى الله عليه وآله) فيسألونه عما رأوا، فيرسلهم الى منزل فاطمة، فيأتون منزلها فيرونها قاعدة في محرابها تصلي والنور يسطع في محرابها من وجهها، فيعلمون ان الذي رأوه كان من نور فاطمة (عليها السلام). فإذا نصف النهار وتزينت للصلاة - وفي بعض النسخ تربت أي ثبتت، أو تهيأت للصلاة - زهر نور وجهها بالصفرة، فيدخل الصفرة حجرات الناس، فتصفر ثيابهم وألوانهم، فيأتون النبي (صلى الله عليه وآله) فيسألونه عما رأوه، فيرسلهم الى منزل فاطمة فيرونها قائمة في محرابها وقد زهر نور وجهها بالصفرة، فيعلمون ان الذي رأوا كان من نور وجهها. فإذا كان آخر النهار وغربت الشمس احمر وجه فاطمة (عليها السلام)، فأشرق وجهها بالحمرة فرحا وشكرا لله تعالى، فكان يدخل حمرة وجهها حجرات القوم وتحمر حيطانهم، فيعجبون من ذلك ويأتون النبي ويسألونه عن ذلك، فيرسلهم الى منزل فاطمة، فيرونها جالسة تسبح الله وتمجده ونور وجهها يزهر بالحمرة، فيعلمون ان الذي رأوا كان من نور فاطمة (عليها السلام).


[ 105 ]

ولم يزل ذلك النور في وجهها حتى ولد الحسن، فهو يتقلب في وجوهنا الى يوم القيامة في الأئمة منا أهل البيت، امام بعد امام (1). وفي رواية اخرى عن محمد بن عمارة، عن أبيه، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن فاطمة (عليها السلام) لم سميت زهراء ؟ فقال (عليه السلام): لأنها كانت إذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض (2). وعن العسكري (عليه السلام): سميت فاطمة زهراء لأنه كان نور وجهها يزهر لأمير المؤمنين (عليه السلام) من أول النهار كالشمس الضاحية، وعند الزوال كالقمر المنير، وعند غروب الشمس كالكوكب الدري (3). وفي خبر آخر في بيان كيفية ولادتها (عليها السلام) انه حدث عند ولادتها في السماء نور ظاهر لم تره الملائكة قبل ذلك، بل في مكة وجميع الأرض، كما في الخبر الآخر (4). وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) اني رأيت ليلة الاسراء امرأة في الجنة في غاية البهاء والجلالة قد بهر نورها جميع الموجودات، وهي جالسة على سرير من أسرة الجنة، وعلى رأسها تاج مكلل، وفي أذنيها قرطان يزهران لأهل الأرض والسماء، أحدهما من الزمردة الخضراء والاخر من الياقوتة الحمراء، فسألت جبرئيل عنها فقال: هذه بنتك فاطمة الزهراء، والتاج على رأسها هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) زوجها، والقرطان في اذنيها الحسن والحسين (عليهما السلام) ولداها (5).


(1) علل الشرائع: 180 ح 2، عنه البحار 43: 11 ح 2، والعوالم 11: 76 ح 6، والانوار النعمانية 1: 72. (2) معاني الأخبار 64 ح 15، علل الشرائع 181 ح 3، عنهما البحار 43: 12 ح 6، والعوالم 11: 77 ح 7، ودلائل الامامة: 149 ح 59، ودلائل الزهراء: 111 ح 59. (3) مناقب ابن شهرآشوب 3: 330 / في منزلتها عند الله، عنه البحار 43: 16 ضمن حديث 14، والعوالم 11: 78 ح 10. (4) أمالي الصدوق: 476 ح 1 مجلس 87، عنه البحار 43: 3 ح 1، والعوالم 11: 56 ح 1. (5) لم نعثر على هذا النص لكن هناك عدة أحاديث في ان الله تعالى لما خلق آدم وحواء تبخترا = (*)

[ 106 ]

وروى جابر عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: لم سميت الزهراء زهراء ؟ فقال (عليه السلام): لأن الله تعالى خلقها من نور عظمته، فلما أشرقت أضاءت السماوات والأرضين، وغشيت أبصار الملائكة، وخرت الملائكة لله تعالى ساجدين، وقالوا: إلهنا وسيدنا ما هذا النور ؟ فأوحى الله إليهم: هذا نور من نوري، أسكنته في سمائي، خلقته من عظمتي، أخرجته من صلب نبي من أنبيائي، افضله على جميع الأنبياء، واخرج من ذلك النور أئمة يقومون بأمري، ويهدون الى حقي، وأجعلهم خلفائي في أرضي بعد انقضاء وصي نبيي (1). وعن الصادق (عليه السلام): سميت فاطمة الزهراء لأن لها في الجنة قبة من ياقوتة حمراء ارتفاعها في الهواء مسيرة سنة متعلقة بقدرة الجبار، لا علاقة لها من فوقها فتمسكها، ولا دعامة لها من تحتها فتلزمها، لها مائة ألف باب، وعلى كل باب ألف من الملائكة يراها أهل الجنة كما يرى أحدكم الكوكب الدري الزاهر في افق السماء، فيقولون: هذه الزهراء لفاطمة. انتهى (2). أقول: وعلى هذا الخبر يجوز إضافة فاطمة الى الزهراء بمعنى فاطمة القبة الزهراء، سوى الوجه المشهور في اجتماع الاسم واللقب المشار إليه في ألفية ابن مالك بقوله: وإن يكونا مفردين فأضف * حتما والا اتبع الذي ردف وعن سلمان في حديث طويل سأل فيه العباس عم النبي (صلى الله عليه وآله) وقال له: ما سبب فضل علي على ما سواك يا رسول الله مع ان المعادن واحدة، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ان الله خلقني وعليا إذ لا سماء ولا أرض ولا غير


= فرءيا جارية... الى اخر الحديث، راجع مقتل الحسين للخوارزمي: 65، وميزان الاعتدال للذهبي 2: 73 ومودة القربى: 100، وينابيع المودة: 309، احقاق الحق 9: 259. (1) علل الشرائع: 179 ح 1، عنه البحار 43: 12 ح 5، والعوالم 11: 76 ح 5، والمحجة البيضاء 4: 213، كشف الغمة 2: 92. (2) مناقب ابن شهرآشوب 3: 330 / في منزلتها عند الله، عنه البحار 43: 16 ضمن حديث 14، والعوالم 11: 78 ح 8. (*)

[ 107 ]

ذلك - الى أن قال: - فلما أراد الله بدء خلقتنا تكلم بكلمة فكانت نورا، ثم تكلم بكلمة ثانية فكانت روحا، فمزج بينهما وخلقني وعليا منهما. ثم فتق من نوري نور العرش، فأن&#