اهتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر تعيين أُولي الأمر من بعده

 

قبل أن ندرس النصوص الواردة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في تعيين اُولي الأمر من بعده ، ندرس شيئاً من اهتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الأمر في ما يأتي :

إنّ أمر الإمامة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان من الاُمور المهمّة التي لم تغب عن بال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومَن كان حوله ، بل كانوا يفكّرون فيه منذ البدء ; فقد رأينا بيحرة من بني عامر بن صعصعة يشترط على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لإسلامهم أن يكون لهم الأمر من بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ورأينا هوذة الحنفيّ يطلب من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) منحه شيئاً من الأمر([1]) .

وكذلك كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ  أيضاً  ـ يفكِّر في الأمر من بعده ويدبِّر له منذ أوّل يوم دعا إلى الإسلام ، وأوّل يوم أخذ فيه البيعة لإقامة المجتمع الإسلامي .

أمّا تدبيره في أوّل يوم أخذ فيه البيعة لإقامة المجتمع الإسلامي ، فقد كان ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما ، والنسائي وابن ماجة في سننهما ، ومالك في الموطّأ ، وأحمد في المسند ، وغيرهم في غيرها ـ  واللفظ للأوّل  ـ قال :

قال عبادة بن الصامت : بايعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على السمع والطاعة في (العسر واليسر) والمنشط والمكره ، وأن لا ننازع الأمر أهله ... ([2]) .

وعبادة هذا كان أحد النقباء الاثني عشر على الأنصار يوم بيعة العقبة الكبرى([3]) حين قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) للنيف والسبعين من الأنصار الّذين بايعوه : أخرجوا إليَّ اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم بما فيهم . فأخرجوا من بينهم اثني عشر نقيباً ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للنقباء : أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ، ككفالة الحواريّين لعيسى بن مريم (عليه السلام) ...([4]) .

وإنّ عبادة بن الصامت أحد اُولئك النقباء الاثني عشر روى من بنود البيعة التي بايعوا الرسول عليها : «أن لا ينازعوا الأمر أهله» .

وإنّما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من (الأمر) الوارد في هذا الحديث الصحيح ، والذي يذكر فيه أخذ البيعة من اثنين وسبعين رجلا وامرأتين من الأنصار أن لا ينازعوا الأمر أهله ، هو الأمر الذي تنازعوا عليه في سقيفة بني ساعدة([5]) ، وأهل الأمر هم الّذين ذكرهم الله تعالى في قوله : (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ )([6]) .

وإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن لم يشخّص هنا وليّ الأمر من بعده ، لأ نّه لم يكن من الحكمة أن يعرّف وليّ الأمر من بعده وهو من غير قبيلة الأنصار ، ولعلّ نفوس بعض المبايعين لم تكن تتحمّل ذلك يومئذ ، غير أ نّه أخذ البيعة منهم أن لا ينازعوه حين يعيّنه لهم بعد ذلك .


1  راجع معالم المدرستين ، 1 / 216 ـ 217 و 269 .

2  صحيح البخاري ، كتاب الأحكام ، باب كيف يبايع الإمام الناس ، ح 1 ، 4 / 163 . ولفظ العسر واليسر في صحيح مسلم ، كتاب الإمارة ، باب وجوب طاعة الاُمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية ، ح 41 و 42 . وسنن النسائي ، كتاب البيعة على أن لا ننازع الأمر أهله . وسنن ابن ماجة ، كتاب الجهاد ، باب البيعة ، ح 2866 . وموطأ مالك ، كتاب الجهاد ، باب الترغيب في الجهاد ، ح 5 . ومسند أحمد 5 / 314 ، 316 ، 319 و 321 ، وراجع 4 / 411 منه .  وترجمة عبادة بسير أعلام النبلاء 2 / 3 . وتهذيب ابن عساكر 7 / 207 ـ 219 .

3  بترجمة عبادة في الاستيعاب 2 / 412 . واُسد الغابة 3 / 106 ـ 107 .

4  الطبري ، ط . أوربا 1 / 1221 .

5  راجع نزاع الأنصار القَبَلي مع المهاجرين في فصل السقيفة وبيعة أبي بكر، من كتاب عبدالله بن سبأ 1 / 91 ـ 163 للمؤلف .

6  النساء / 59 . ويأتي تفسيرها والأحاديث الواردة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حوله في بحوث الكتاب إن شاء الله تعالى .