دستور معالم الحكم

ابن سلامة


[ 1 ]

دستور معالم الحكم ومأثور مكارم الشيم (من كلام أمير المؤمنين على ابن أبى طالب كرم الله وجهه)

(تأليف) (الامام القاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة) (القطاعي رحمة الله عليه) (رواية الشيخ أبي عبد الله محمد بن بركات بن هلا ل السعيدي النحوي رحمه الله عنه) (رواية الشريف الخطيب أبي الفتوح ناصر بن الحسن بن اسماعيل الحسيني الزيدي رحمه الله عنه) رواية القاضي الأجل الأسعد أبي بن محمد العامري العدل أدام الله نعمائه . وحرسه حوباءه) (سماع منه لمحمد بن منصور بن خليفة بن منهال ولصاحبه ولده منهال ولصاحبه ولده منهال نفعهما الله به عنه) (حقوق الطبع محفوظة لملتزمه وشارحه) محمد سعيد الرافع صاحب المكتبة الأزهرية (فمن تجارى على طبعه يكلف بابراز نسخة قديمة مخطوطة غير هذه النسخة)


[ 2 ]

(مقدمة) التقطت في بعض اسفارى هذا السفر بل اليتيمة التى لم يغص عليها باحث . ولا خزنت في خزانة . وهى مع كونها فريدة فقد تفردت بمحاسن نادرة . منها أنها منمقة بقلم القاضي عز القضاة أبي عبد الله محمد بن أبي الفتح منصور بن خليفة بن منهال من جهابذة القرن السادى فرغ من كتابتها يوم الاربعاء ثامن ذي القعدة سنة احدى عشرة وستمائة منقولة عن نسخة عليها الشريف الخطيب راوي الكتاب عن ابن بركات بن هلال النحوي عن مؤلفه . ومنها أنها ملتقطة بسماع من آخر راو التقطها بسماع وهكذا عن الحبر البحر مؤلفها الامام القاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعى . ومنها أنها موشحة بصور سماع رواتها أولهم السيد الشريف القاضي الخطيب فخر الدولة أبو الفتوح ناصر بن الحسن بن اسمعيل الحسيني الزيدي . ثم القاضي الأجل الاسعد أبو عبد الله محمد بن القاضي الأجل رضي الد ولة أبو علي الحسن بن حد العامري العدل . ثم كاتب هذه النسخة القاضي عز القضاة بن نهال الذي تقد م ذكره . وهي مسطورة بخط واضح حسن مضبوط بشكل كامل . فهي بذلك قد استوفت المحاسن كما انفردت فيما أعلم بالتفرد . وزد الى هذه المحاسن أنها من حكم أبي الحسن باب مدينة العلم ومفتاح خزائن الحكمة . فإذا ضمت هذه الفريدة الى أخواتها أعني درر الكلم ونهج البلاغة والامثال كانت العقد الجامع لفرائد حكم ذلك البحر العباب . والسبيكة الجامعة لشذور كلم أبي تراب .


[ 3 ]

ومن ثم خشيت كر الغداة على هذه الجوهرة الثمينة التي سلمت من يد ذواتي ، ولم تتغير محاسنها غير الاحقاب . وارتأيت أن أجرد منها بالطبع صورا تمثل صفاتها حتى إذا ألم بها ملم أو أبلاها البلى مثلها الصور وحفضتها الامثال للأجيال . فرغب لطبعها وحل ألفاضها على نفقته حضرة الاديب الفاضل الشيخ محمد عبد القادر سعيد الرافعي الفاروقي فاجبت رغبته . وشكرت له همته . فغدت (حقوق الطبع محفوظة له) منوطة به . والله الموفق للسداد في الرأي والملهم للصواب في العمل . وبه الحول والقوة وهو المستعان في كل قصد . جميل العظم


[ 4 ]

(ترجمة المؤلف من وفيات الأعيان لابن خلكان) طبع بولاق ص 585 ج 1 هو . أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي بن حكمون بن ابراهيم بن محمد بن مسلم القضاعي الفقيه الشافقي صاحب كتاب الشهاب . ذكره الحافظ بن عساكر في تاريخ دمشق . وقال روى عنه أبو عبد الله الحميدي وتولى القضاء بمصر نيابة من جهة المصريين وتوجه عنهم رسولا الى جهة الروم ، وله عدة تصانيف منها كتاب الشهاب (1) وكتاب مناقب الامام الشافعي وأخباره . وكتاب الانباء عن الانبياء وتواريخ الخلفاء وله كتاب خطط مصر . وذكره الأمير أبو نصر بن ما كولا في كتاب الاكمال (2) وقال كان متفننا في عدة علوم وتوفى بمصر ليلة الخميس السادس عشر من ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة وصلى عليه يوم الجمعة بعد العصر في مصلى النجار . وذكر السمعاني في كتاب الذيل في ترجمة الخطيب أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ صاحب تاريخ بغداد انه حج سنة خمس وأربعين وأربعمائة وحج تلك السنة أبو عبد الله القضاعي المذكور وسمع الحديث منه رحمه الله تعالى . ثم قال والقضاعي بضم القاف


(1) هو شهاب الأخبار الذي جمع فيه حكما من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم لم يطبع يوجد منه نسخ في بعض المكاتب العمومية وبقية مصنفاته المذكورة نادرة (2) هو كتاب الاكمال في معرفة الرجال (*)

[ 5 ]

وفتح الضاد المعجمة وبعد الالف عين مهملة هذه النسبة الى قضاعة ويقال هو من معد بن عدنان ويقال هو من حمير وهو الاكثر والأصح وذكر في ترجمة الظاهر بن الحاكم العبيدي انظر ج 1 ص 464 س 8 ان العلامة القضاعي كان يكتب لنجيب الدولة أبي القاسم على بن أحمد الجرجرائي وزير الظاهر العبيدي : انتهى (تنبيه) النقط التي وضعت في أثناء الاجازات والسماعات هي المواضع التي أخلق طول الدهر جدتها من النسخة الاصلية بيد اننا قد تحرينا استنباط بعض الكلمات بالقرينة والاستقراء


[ 6 ]

(صور السماعات والاجازات الاجازات المكتوبة على) (الصحيفة الاولى والأخيرة من النسخة) (النفيسة التي طبع هذا الكتاب عنها) صورة سماع سيدنا القاضي الاجل الاسعد أبي عبد الله محمد ابن القاضي الاجل رضي الدولة أبي علي الحسن بن محمد العامري العدل زاد الله في أزمنة حياته قال رضي الله عنه قرأت كتاب الدستور للقاضي أبي عبد الله القضاعي على سيدنا الشريف القاضي العالم الخطيب فخر الدولة ومجدها أبي الفتوح ناصر بن الحسن بن اسمعيل الحسيني الزيدي أدام الله سعده . وسمع بقراءتي القاضي الاسعد أبو عبد الله ابن القاضي رضي الدولة أبي علي الحسن بن محمد بن عبيد الله المقدسي والفقيه . . . الفهري المالكي وقد أذن لنا في روايته عنه بسنده الى أبي عبد الله محمد بن بركات عن المصنف . وكتبه على بن صادق سنة ثمان وخمسين وخمسمائة سمع هذا الكتاب علي القاضي عز القضاة أبو عبد الله محمد بن الشيخ أبي الفتح منصور بن خليفة بن منهال أدام الله توفيقه وولده أبو الغيث منهال وفقه الله ومن ذكر في طبقة السماع آخره وأجزت لهم روايته عني إن أرادوا عن الشيخين الشريف الخطيب أبي الفتوح ناصر وأبي محمد العلاء عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بركات عن المؤلف وكتبه محمد بن الحسن بن محمد بن عبد الله العامري المقدسي حامد الله تعالى ومصليا على رسوله وآله وصحبه ومسلما عليهم أجمعين وذلك في مدة آخرها . . . التاسع من . . . سنة احدى عشرة وستمائة


[ 7 ]

(وفي ذيل الورقة التي فيها خط الشريف الخطيب رحمه الله) بخط القاضي الاشرف شرف الدين بن عثمان أيده الله ما مثاله) أخبرني بهذا الكتاب القاضي الشريف الفاضل أبو محمد عبد الله بن القاضي أبي الفضل عبد الرحمن العثماني مناولة الديباجي عن الشيخ أبي الحسن علي بن المؤمل علي بن غسان الكاتب قراءة منه عليه . وعن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بركات بن هلال الصوفي السعدي النحوي اجازة . كلاهما عن مؤلفه حمزة بن علي بن عثمان المخزومي في الحادي عشر من شهر ربيع الاول سنة تسع وستمائة . مثال خط المناول . صح للقاضي الاشرف أبي القاسم حمزة نفعه الله والمسلمين به وكتبه عبد الله بن عبد الرحمن العثماني في التاريخ المذكور (صورة خط الشريف الخطيب تحت هذه الطبقة) كتبه أبو الفتوح ناصر بن الحسن بن اسمعيل الحسيني الزيدي ووجدت في آخر كتاب الشيخ القاضي الاسعد المنتسخ بخطه وذكره . . . على هذه الطريق وهذا صورة خطه وفقه الله ورويت أيضا عن الفقيه أبي محمد . . . بن عبد الغالب الانصاري في شوال سنة ثمانين وخمسمائة عن الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن بركات بن هلال النحوي . . . قرأت جميع هذا الكتاب على . . أبي بكر محمد بن الحافظ أبي . . عبد الله الانصاري . . من الشيخ أبي عبد الله . . بن محمد . . . وجماعة


[ 8 ]

اسماؤهم مثبتة في النسخة التي نقلت منها هذه النسخة وعارضت بها غير واحد في الحادي من شهور سنة احدى وثمانين وستمائة كتبه العبد احمد بن علي بن أبي عبد الله الشر . ، . عفا الله والحمد لله بلغ السماع لجميع الدستور على القاضي الاجل العالم الاوحد الاسعد الأمين سناء الدين . . . بن الاجل ، . بن علي الحسن بن محمد بن عبيد الله المقدسي أيده الله بحق سماعه من الشريف الخطيب عن أبي عبد الله محمد بن بركات النحوي عن مؤلفه . . . (صورة ما كتب في آخر النسخة الاصلية التي طبعنا عليها هذه النسخة) كتبه محمد بن منصور بن خليفة بن منهال برسم ولده منهال نفعه الله بالعلم وزينه بالحلم . وكان الفراغ من نقله يوم الاربعاء ثامن ذي القعدة من سنة إحدى عشرة وستمائة ونقلت هذه النسخة من نسخة عليها خط الشريف الخطيب رحمه الله


[ 9 ]

الفهرس آخر الكتاب (طبع بمطبعة السعادة بجوار محافظة مصر) سنة 1332 من الهجرة النبوية توافق 1914 من ميلاد المسيح


[ 10 ]

بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا القاضي الاجل الأوحد . العالم الفاضل الاسعد سناء الدين أبو عبد الله محمد بن القاضي الأجل رضي الدولة أبي الحسن بن محمد بن عبيد الله العامري أدام الله نعماءه وحرس حوباءه (1) قراءة عليه وانا اسمع بفسطاط (2) مصر في ذي القعدة من سنة إحدى عشرة وستمائة قال أخبرنا سيدنا الشريف الاجل القاضي الخطيب فخر الدولة ومجدها أبو الفتوح ناصر بن الحسن بن إسماعيل الحسيني الزيدي رضي الله عنه


(1) الحوباء هي النفس (2) الفسطاط مجتمع أهل الكورة وعلم مصر العتيقة التي بناها عمرو بن العاص (*)

[ 11 ]

في المحرم الذي من سنة ثمان وخمسين وخمسمائة قال قرأت هذا الكتاب على شيخنا أبي عبد الله محمد بن بركات بن هلال السعيدي النحوي اللغوي رضي الله عنه قال قال القاضي الأجل أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي القضاعي رحمه الله الحمد لله الذي وسع كل شئ علمه ونفذ كل مصنوع قضاؤه وحكمه . وعم جميع العباد عفوه وحلمه . الذي يختص بالحكمة (1) من يشاء من اوليائه . ويختار لها المخلصين من اصفيائه . نعمة منه جلت قدرته . وفضلا كبيرا . ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا . فتعالى الله الحكيم الخبير الذي ليس كمثله شئ وهو السميع البصير . وصلى الله على المخصوص من الحكمة بأفصحها لسانا . واوضحها دلالة وبيانا وأظهرها حجة وسلطانا . محمد نبي الرحمة . والمؤيد بالهداية والعصمة . والكاشف لغياهب (2) العمى والظلمة . حتى أشرقت


(1) الحكمة هي العلم النافع (2) الغياهب الظلمات جمع غيهب (*)

[ 12 ]

أحكام الايمان . وبسقت (1) أعلام القرآن . ونطقت الالسنة مخلصة بتوحيد الرحمن . وزهقت (2) أباطيل الضلالة والبهتان وعلى آله الذين اصطفاهم لوراثة كتابه . وحباهم بالنصيب الاوفى (2) من ثوابه . وجعلهم للأمة هداة وأعلاما . وباحكام دينه قواما وحكاما . وسلم عليه وعليهم تسليما (أما بعد) فاني لما جمعت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف كلمة ومائتي كلمة في الوصايا والأمثال والمواعظ والآداب وضمنتها كتابا وسميته بالشهاب سألني بعض الإخوان أن أجمع من كلام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب صلوات الله عليه نحوا من عدد الكلمات المذكورة وأن أعتمد في ذلك على ما ارويه . وأجده في مصنف من أثق به وارتضيه . وأن أجعله مسرودا (4) محذوف الأسانيد (5) كفعلي


(1) بسقت أي طالت وارتفعت (2) زهقت أي اضمحلت وذهبت (3) حباهم بالنصيب الاوفى أي أعطاهم أوفى نصيب (4) مسرودا أي جيدا حسن السياق (5) محذوف الاسانيد أي غير مرفوع الى قائله (*)

[ 13 ]

في كتاب الشهاب فاستخرجت الله جلت قدرته وجمعت من كلامه عليه السلام وبلاغته وحكمه وعظاته (1) وآدابه وجواباته وأدعيته ومناجاته (2) والمحفوظ من شعره وتمثيلاته تسعة أبواب منوعة أنواعا فالباب الأول (فيما روى عنه من فوائد حكمه) والباب الثاني (فيما روى عنه في ذمه الدنيا وتزهيده فيها) والباب الثالث (فيما روى عنه من المواعظ) والباب الرابع (فيما روى عنه من وصاياه ونواهيه) والباب الخامس (في المروي عنه من أجوبته عن المسائل وسؤالاته) والباب السادس (في المروي عنه من غريب كلامه) والباب السابع (في المروي عنه من نوادر كلامه) والباب الثامن (في ادعيته ومناجاته) والباب التاسع (فيما انتهى إلى من شعره)


(1) العظات جمع عظة وهي الموعظة (2) المناجاة المسارة بالكلام (*)

[ 14 ]

وقد أعلمت عند الكلمة التي أرويها علامة يستدل بها على راويها على ما ابينه آخر هذا الكتاب وذكرت أسانيد الأخبار الطوال وأعلمت على ما كان منها وجادة (1) جميعا وأنا ارغب إلى الله تعالى في حسن التوفيق لما يرضيه . والمعونة على العمل بما يزلف لديه . وهو حسبي ونعم الوكيل الباب الاول (فيما روى عنه عليه السلام من فوائد حكمه) خير ما جربت ما وعظك . خير أهلك من كفاك . خير المقال ما صدقه الفعال (2) . خير البلاد ما حملك . خير الامور أوساطها . لكل أمر عاقبة . لكل حياة أجل . التاجر مخاطر التثبت حزم . الصاحب مناسب . القلة ذلة . الإنصاف راحة واللجاج (3) وقاحة (4) . التواني (5) إضاعة . الحرص محقرة


(1) الوجادة هي أن تجد أحاديث بخط يعرف كاتبه (2) وفي نسخة ما صدق به (3) اللجاج هو دوام الخصام (4) الوقاحة قلة الحياء (5) التواني التقصير في الأمور (*)

[ 15 ]

الزنا مفقرة . السخاء قربة . اللؤم غربة (1) . التذلل مسكنة العجز مهانة . العجز آفة . العجلة زلل . الإبطاء ملل . الصبر شجاعة . الجبن منقصة . البخل عار . الكذب ذل . الحزم كياسة . الأدب رياسة . الفاحشة كاسمها . الصدود آية المقت كثرة العلل آية البخل . التجرم (2) وجه القطيعة . العبادة انتظار الفرج . الفكرة مرآة صافية . البشاشة مح (3) المودة (4) . الصبر جنة من الفاقة (5) . الحرص علامة الفقر . التخلي جلباب المسكنة (6) المودة قرابة مستفادة . الإعجاب ضد الصواب . الإعتبار منذر ناصح الإعتبار يفيدك الرشاد . الشح يجلب الملامة (7) الصديق من صدق غيبه . الهوى شريك العمى . عاقبة الكذب الذم . المزاح يورث الضغائن . الإجتهاد أربح بضاعة . الاقتصاد (8) ينمي اليسير (9)


(1) أي اللئيم غريب حتى في بلده (2) التجرم هو ان يدعي الانسان على غيره ما لم يفعله (3) ويروي حبالة المودة وهي الرواية الصحيحة (4) مح المودة أي خالصها (5) جنة من الفاقة أي وقاية من الفقر (6) جلباب المسكنة أ ي لباس الذل (7) ويروي الملامة وهي الرواية الصحيحة (8) الاقتصاد هو أمر متوسط بين الاسراف والتقتير (9) ينمي اليسير أي يزيده (*)

[ 16 ]

الفساد يبيد الكثير . صدر العاقل صندوق سره . الغريب من ليس له حبيب . المقل (1) غريب في بلدته . الإحتمال قبر العيوب . رأس الدين صحة اليقين . رأس العلم الرفق . وآفته الخرق (2) . رأس الأمر معرفة الله تعالى وعموده طاعة الله عزوجل . السلامة مع الا ستقامة . العجل مع الزلل . الدعاء مفتاح الرحمة . الصدقة دواء منجح . تمام الإخلاص تجنب المعاصي . الهدى يجلي العمى . رسولك ترجمان عقلك . منك من اعتبك (3) . العاقل من وعظته التجارب . المخاف شره يخاف . المرء أحفظ لسره . ظلم الضعيف أفحش الظلم العقل حفظ التجارب . العفاف زينة الفقر . الشكر زينة الغنى الشكر والورع جنة (4) . الزهد في الدنيا قصر الأمل . الزهد قربة . الحلم سجية فاضلة . العلم وراثة كريمة . الفكرة نور والغفلة ضلالة . الحق مثال . والباطل خبال . الحق ينجي . والباطل


(1) المقبل هو الفقير المعدم (2) الخرق ضد الرفق (3) منك من أعتبك أي من اعتبك بالاسترضاء وأرضاك فهو منك (4) الجنة الوقاية (*)

[ 17 ]

يزدي . دواء كل داء كتمانه . الآداب حلل مجددة . حسن الخلق خير قرين . التوفيق خير قائد . الآداب خير ميراث إمام عادل . خير من مطرو ابل (1) . مواصلة المعدم خير من جاف مكثر (2) . سبع حطوم أكول خير من وال غشوم (3) ظلوم . ووال غشوم ظلوم خير من فتنة تدوم . رأي الشيخ خير من مشهد الغلام (4) . كدر الجماعة خير من صفو الفرقة (5) العفة مع الحرفة (6) خير لك من سرور مع فجور . قرنت الهيبة بالخيبة . والحياء بالحرمان . حسن الياس خير من الطلب إلى الناس . حسن التدبير مع الكفاف (7) أكفى لك من


(1) الوابل هو المطر الشديد (2) من جاف مكثر أي من جاف غني (3) الغشوم هو الظلوم (4) رأي الشيخ خير من مشهد الغلام معناه ان رأ ي الشيخ المجرب خير من مشهد الغلام (5) كدر الجماعة خير من صفو الفرقة يعني ان الاجتماع والاتحاد مع الكدر خير من التفرق والشقاق مع الصفو (6) معنى هذه الحكمة ان العفة مع تعب الا حتراف ونصبه خير من الراحة والسرور مع الفجور (7) الكفاف هو الرزق الذي يكفي الانسان وهو ما فوق النزر ودون السعة (*) (2)

[ 18 ]

الكثير مع الإسراف . المعروف أفضل الكنوز وأحصن الحصون . الفرصة تمر مر السحاب فانتهزوا فرص الخير حفظ ما في يدك أحب ما في يدك أحب اليك من طلب ما في يد غيرك . تلا فيك (1) ما فرطت من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك تذل الامور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير . قلة الثقة بعز الله ذلة . قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل . كفر النعمة لؤم . وصحبة الجاهل شؤم . أخلق بمن غدر ان لا يوفى له . في القنوط التفريط . في الصمت السلامة من الندامة . في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق . في خلاف النفوس رشد . في التجارب علم مستأنف . لقاء أهل الخير عمارة القلوب . إن من الكرم الوفاء بالذمم . لبعض إمساكك عن أخيك مع لطف خير لك من بذل مع حيف (2) . من الكرم صلة الرحم . من الكرم منع (3) الحرم . من الحزم العزم


(1) تلافيك أي تداركك (2) من بذل مع حيف أي من اعطاء مع ظلم (3) المنع هنا بمعنى الصون (*)

[ 19 ]

من خير حظ امرئ قرين صالح . من سبب الحرمان التواني . من الفساد إضاعة الزاد . من شر ما صحب المرء الحسد . من التوفيق الوقوف عند الحيرة . مرتبة الرجل بحسن عقله . عز المؤمن غناه عن الناس . المؤمن لا يحيف على من يبغض (2) . المؤمن أخو المؤمن فلا يغشه ولا يعيبه ولا يدع نصرته (3) الحكمة ضالة المؤمن فاطلب ضالتك ولو في اهل الشرك . الموعظة كهف لمن وعاها . التواضع يرشد إلى السلامة . الساعات تهضم عمرك . الرغبة مفتاح التعب ومطية النصب . الشره (4) جامع لمساوى (5) العيوب الحسد آفة الدين . خسر مروءته من ضعفت نفسه أزرى بنفسه من استشعر الطمع . هانت عليه نفسه من أمر عليها لسانه . رضي بالذل من كشف ضره . قد خاطر


(1) المراد بالزاد هنا التزود (2) لا يحيف على من يبغض اي لا يجور على من يبغضه (3) الحكمة ضالة المؤمن يعني ان الحكمة كالشئ الضائع من الانسان يلزمه ان يطلبه حتى يجده (4) الشره غلبة الحرص (5) المساوي هي العيوب والنقائص (*)

[ 20 ]

بنفسه من استغنى برايه . قد يدرك بشكر الشاكر ما يضيع بجحود الكافر . قد يكون اليأس إدراكا إذا كان الطمع هلاكا . أ وحش الوحشة العجب . أكر م الحسب حسن الخلق . الحرص داع الى التقحم في الذنوب (1) . أنفع الكنوز محبة القلوب . الفقر يخرس الفطن عن حجته التدبير قبل العمل يؤمنك من الندم . أغنى الغنى ترك المنى أفضل الزهد إخفاء الزهد . التواضع يكسوك السلامة . أبى الله إلا خراب الدنيا وعمارة الآخرة . المغبون من غبن نصيبه من الله عز وجل . الحياء سبب إلى كل جميل . اوكد سبب أخذ ته سبب بينك وبين الله . أعمال العباد في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم . بر الوالدين من أكرم الطبائع . لم يهلك من اقتصد ولم يفتقر من زهد . تنبئ عن امرئ دخلته (2) . شكر كل نعمة الورع عن محارم الله


(1) الى التقحم في الذنوب اي إلى الدخول فيها في عواقبها (2) دخله الرجل مثلثة نيته ومذهبه (*)

[ 21 ]

إذا كان الرفق خرقا (1) وكان الخرق رفقا . إذا قويت فاقو على طاعة الله وإذا ضعفت فاضعف عن معصية الله عزوجل إذا تغير السلطان تغير الزمان . إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما اسرع الملتقى . إذا ظهر الربا في قوم بلوا بالوباء (2) وإذا منعوا الخمس (3) بلوا بالسنين الجدبة . إذا هديت لقصدك فكن اخشع ما تكون لربك . إذا فارفت سيئة (4) فعاجل محوها بالتوبة . إن كنت جازعا على ما يفلت من يديك فاجزع على ما لم يصل اليك . إن اغنى الغنى العقل واكثر الفقر الحمق نعم القرين الرضى . نعم الخلق الصبر . نعم حظ المؤمن القنوع . نعم طارد الهم اليقين . نعم الخلق التكرم . نعم وزير العلم سمت صالح (5) . نعم عوين الدين الصبر . بئس الطعام الحرام . بئس القلادة للخير العفيف قلادة الدين


(1) الخرق ضد الرفق (2) بلوا بالوباء أي أصيبوا بالمرض العام الوبئ (3) إذا منعوا الخمس أي منعوا خمس الغنيمة عن الفقراء (4) إذا فارقت سيئة أي قاربتها وخالطتها (5) سمت صالح السمت هيئة أهل الخير والصلاح (*)

[ 22 ]

قل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان . قل ما تصدقك الامنية (1) . ما كل ما تخشى يكون . ما أقرب النقمة من أهل البغي . ما كل مفتون يعاتب . ما خير خير بعده النار . ماشر شر بعده الجنة . ما خير خير لا ينال إلا بشر ويسر لا ينال إلا بعسر . ما أقبح القطيعة بعد الصلة والجفاء بعد الإخاء (2) والعداوة بعد المودة والخيانة لمن ائتمنك والغدر لمن استسلم إليك . ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى . ما أهمني ذنب امهلت بعده حتى اصلي ركعتين . الرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك فإن لم تاته اتاك . كم من عاكف على ذنبه تاب في آخر عمره . كم من دنف (3) قد نجا وصحيح قد هوى . ألأم اللؤم البغي عند القدرة . ويل للباغين من أحكم الحاكمين . لو كان الصبر رجلا لكان رجلا صالحا . إن من كنوز البر الصبر على الرزايا وكتمان * (هامش) (1) الامنية أي التمني (2) الا خاء أي المؤاخاة (3) الدنف هو المريض مرضا ملازما (*)


[ 23 ]

المصائب . إن من الغرة (1) بالله ان يصر العبد على المعصية ويتمنى على الله المغفرة . إن القلوب تمل كما تمل الابدان فابتغوا لها طرائف الحكمة (2) . إن الله تعالى ليدخل الفاسق في دينه الجرئ على خلقه الجنة بسخائه . إن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل . إذا مات العالم انثلم بموته في الاسلام ثلمة لا تسد (3) إلى يوم القيامة . إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر ان اليسير من الله أكبر واعظم من الكثير من خلقه وإن كان كل منه . ما انعم الله على عبد نعمة فشكرها بقلبه إلا استوجبت المزيد منها قبل أن يظهر شكرها على لسانه ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر من فلتات لسانه وصفحات وجهه . ما أوضح الحق لذي عينين . إن الرحيل حق أحد اليومين (4) . ما أبالي باليسير رميت أم بالعسير لأن حق الله


(1) الغرة أي الاغترار (2) طرائف الحكمة أي الحكم اللطيفة الحسنة (3) ثلمة لا تسد أي فرجة لا تسد (4) في نسخة حق أحد اليومين (*)

[ 24 ]

تعالى في العسر الرضى وفي اليسر الشكر . يا بردها على الكبد إذا سئل العالم عما لا يعلم أن يقول الله اعلم . العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا من ذكر الله تعالى وواحدة في ترك مجالسة السفهاء (1) . ما المبتلي وإن اشتد بلاؤه بأحق بالدعاء من المعافى لأنه لا يأمن من البلاء . الجهاد ثلاثة أول ما يغلب عليه من الجهاد اليد ثم اللسان ثم القلب فإذا كان القلب لايعرف معروفا ولا ينكر منكرا نكس فجعل اعلاه اسفله أ ربع يمتن القلب الذنب على الذنب وملاحاة الا حمق (2) وكثرة مثافنة النساء (3) والجلوس مع الموتى قالوا ومن الموتى يا امير المؤمنين قال كل عبد مترف (4) . كفى بالعلم شرفا أنه يدعيه من لا يحسنه ويفرح به إذا انسب إليه . الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك . الداهية من الرجال (5)


(1) السفهاء أي الجهال (2) وملاحاة الأحمق أي منازعته (3) مثافنة النساء أي مجالستهن (4) مترف أي متنعم (5) الداهية من الرجال أي العاقل الجيد الرأي منهم (*)

[ 25 ]

من كتم سره ممن يحب كراهية أن يشهره عند غضب من المستودع . والصلب من اشتدت عارضته في اليقين وظهر حزمه في التوكل . الخير الذي لا شر فيه الشكر مع النعمة والصبر عند النازلة . أول عوض الحليم من حلمه أن الناس أنصار له على الجاهل . العالم أفضل من الصائم القائم الغازي في سبيل الله . العالم بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شئ . العالم بلا عمل كالرامي بلا وتر . من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب (1) . إذ ا أقبلت الدنبا على رجل اعارته محاسن غيره وإذا ادبرت عنه سلبته محاسن نفسه . العالم من عرف ان ما يعلم في جنب ما لا يعلم قليل فعد نفسه بذلك جاهلا فازداد بما عرف من ذلك في طلب العلم اجتهادا والجاهل من عد نفسه بما جهل في معرفة العلم عالما وكان برأيه مكتفيا . إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك . إنما قلب الحدث (2) كالارض


(1) والتنفيس عن المكروب أي التفريج عنه وفي نسخة والتنفس (2) الحدث هو (*)

[ 26 ]

الخالية ما القى فيها من شئ قبلته . إني لأستحي من الله تعالى أن يكون ذنب أعظم من عفوي أو جهل أعظم من حلمي أو عورة لا يواريها ستري أو خلة لا يسدها جودي (نوع منه) رب ساع فيما يضره . رب مشير بما يضير (1) رب طمع خائب وأمل كاذب . رب رجاء يؤؤل إلى الحرمان . ورب أرباح تؤؤل الى الخسران . رب طلب قد جر الى حرب . رب باحث عن حتفه (2) . رب هزل قد عاد جدا . رب بعيد أقرب من قريب . رب أمر قد طلبته وفيه هلاك دينك لو أتيته . ربما كان الدواء داء . ربما أكدى الحريص (3) . ربما نصح غير ناصح وغش غير المتنصح (4) . ربما أخطأ البصير قصده واصاب العمى رشده . ربما سألت الشئ فلم تؤته أو أوتيت خيرا منه * (هامش) الشاب ضد المسن (1) بما يضير أي بما يضر (2) عن حتفه أي عن موته (3) ربما أكدى الحريص أي خاب وانقطع (4) المتنصح هو المتشبه بالنصحاء (*)


[ 27 ]

عاجلا أو اجلا وصرف عنك بما هو خير لك . ربما أخر عنك الإجابة ليكون أطول للمسألة وأجزل للعطية (نوع منه) من اكثر أهجر (1) . من تفكر أبصر . من اشتاق سلا من استطال . من مزح استخف به . من أكثر من شئ عرف به . من زنا زني به . من جفا طغى . من ترك القصد (2) جار . من سل سيف البغي قتل به . من حفر بئرا وقع فيها . من تهاون بالدين ارتطم (3) . من أحسن السؤال علم ومن علم عمل ومن عمل (4) سلم . من كابد الامور عطب ومن اقتحم اللجج (5) غرق . من أعجب برايه ضل ومن استغنى بعمله زل


(1) من اكثر اهجر اي من اكثر كلامه فقد افحش في منطقه لان خير الكلام ما قل ودل (2) القصد هو الاستقامة والوقوف عند الحد (3) ارتطم اي وقع في كرب لا يخرج منه (4) وفي رواية صحيحة عمل (5) من اقتحم اللجج اي دخل فيها بغير تذكر في عواقبها (*)

[ 28 ]

ومن تكبر على الناس ذل . من اطلق طرفه كثر اسفه . من صارع الحق صرعه . من تعدى الحق ضاق مذهبه . من حصن شهوته صان قدره . من غلب لسانه امره قومه . من ضاق خلقه مله أهله . من طلب شيئا ناله أو بعضه . من كثر كلامه كثر خطؤه ومن كثر خطؤه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه ومن مات قلبه دخل النار . من حمل ما لا يطيق عجز . من دخل مداخل السوء اتهم . من تحرى الصدق خفت عليه المؤن . من تشبه بقوم عد منهم . من اقتصر على قدره كان ابقى له . من طلب الكيمياء (1) افتقر . من طلب علم النجوم تكهن . من تفكر في ذات الله تعالى تزندق . من رضى زلة نفسه كثر الساخطون عليه . من خالط العلماء وقر . من خالط الأنذال حقر . من لم يملك غضبه لم يكمل عقله . من استقبل وجوه الاراء عرف


(1) الكيمياء اسم صنعة معروفة (*)

[ 29 ]

مواقع الخطأ . من ضيعه الاقرب اتيح له (1) الأبعد . من جرى في عنان (2) أمله عثر باجله . من ابصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره . من رضي بقسم الله (3) لم يحزن على ما في يد غيره . من اكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير . من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه . من نظر في عيوب الناس ورضيها لنفسه فذاك الاحمق بعينه . من قلب الاحوال عرف جواهر الرجال . من تلذذ بمعصية الله اورثه الله ذلا . من عرف الايام لم يغفل الاستعداد . من عرف بالحكمة لا حظته العيون بالوقار . من اصبح والاخرة همه استغنى بغير مال واستأنس بغير اهل وعز بغير عشيرة . من علم من اخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه الاقاويل . من اقتصر على بلغة الكفاف (4) فقد تعجل الرحمة (5) وتبوأ خفض


(1) أتيح اي قدر له (2) العنان هو السير الذي تمسك به الدابة (3) وفي رواية برزق الله (4) على بلغة الكفاف اي على ما يتبلغ به من العيش الذي على قدر القوت (5) وفي نسخة الراحة (*)

[ 30 ]

الدعة (1) . من تورط في الامور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لفادحات النوائب (2) . من سرق من الارض شبرا كلفه الله تعالى يوم القيامة نقله . من كان مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وان كان لا يسير . من امن الزمان خانه ومن تعظم عليه أهانه ومن ترغم عليه ارغمه ومن لجا إليه اسلمه . من حسنت علانيته فنحن لسريرته أرجى . من عزفت نفسه عن دنئ المطامع (3) كملت محاسنه ومن كملت (4) محاسنه حمد والمحمود محبوب ولن يحب العباد عبدا إلا بعد حب الله تعالى إياه . من هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته . من يثق بك أو يرجو صلتك إذا قطعت صلة قرابتك (5)


(1) وتبوأ خفض الدعة اي نزل منزل الراحة (2) لفادحات النوائب اي غوائلها (3) من عزفت نفسه عن د نئ المطامع اي زهدت فيه وانصرفت عنه (4) كمل كمنصر وكرم وعلم (5) من هنا للا ستفهام الا نكاري (*)

[ 31 ]

(نوع منه) لا شرف اعلى من الإسلام ولا كنز اعز من التفوى ولا لباس اجمل من العافية ولا كنز اغنى من القناعة ولا معقل (1) أحصن من الورع ولا شفيع انجح من التوبة ولا وقاية أمنع من السلامة . ولاكنز اغنى من القنوع . ولا مال اذهب للفاقة (2) من الرضا بالقوت . لا خير في معين مهين (3) لا خير في زلة تورث ندما . لا خير في الدنيا إلا لرجلين رجل اذنب ذنوبا فهو يتدارك ذلك بتوبة ورجل يسارع في الخيرات . لاحسب إلا بتواضع . ولا كرم إلا بتقوى . ولا عمل إلا بنية ولا عبادة إلا با ليقين (نوع منه) ليس كل طالب يصيب ولا كل غائب يؤوب (4) . ليس كل


(1) ولا معقل اي لا ملجأ (2) للفاقة اي للفقر (3) مهين اي حقير (4) يؤوب اي يرجع (*)

[ 32 ]

من طلب وجد ولا كل من توفى نجا . ليس كل من رمى أصاب ليس كل عورة تصاب . ليس في البرق اللامع مستمتع لمن يخوض في الظلمة . ليس مع الفجور نماء ولا مع العدل ظلم ولا مع القتل عدل ولا مع القطيعة غنى . ليس مع الاختلاف ائتلاف . ليس جزاء من سرك أن تسوءه . ليس الدين بالراي إنما هو اتباع (الباب الثاني) (ماروى عنه كرم الله وجهه في ذم الدنيا وتزهيده فيها) فمن ذلك قوله كرم الله وجهه الدنيا أولها عناء وآخرها فناء حلالها حساب وحرامها عذاب من صح فيها أمن ومن مرض فيها ندم ومن استغنى فيها فتن ومن افتقر فيها حزن ومن ساعاها (1) فاتته ومن قعد عنها أتته ومن نظر إليها أعمته ومن نظر بها (2) بصرته . لله


(1) ومن ساعاها اي جاراها (2) ومن نظر بها اي استبدل باحوالها (*)

[ 33 ]

امرؤ عمل صالحا وقدم خالصا واكتسب مذخورا (1) واجتنب محذورا وبنى غرضا واحرز عوضا كابر هواه وكذب مناه وجعل الصبر مطية نجاته والتقوى عدة وفاته (وقال كرم الله وجهه) الدنيا دار فناء وعناء وغير (2) وعبر (3) فمن الفناء ان الدهر موتر قوسه مفوق نبله (4) لا تطيش سهامه (5) ولا تؤسى جراحه (6) يرمي الشباب بالهرم والصحيح بالسقم والحياة بالموت شارب لا يروى وآكل لا يشبع ومن العناء ان المرء يجمع ما لا يأكل ويبني ما لا يسكن ثم يخرج إلى الله تعالى بلا بناء نقل ولا مال حمل ومن غيرها أنها تلفيك المرحوم مغبوطا والمغبوط (7)


(1) مذخورا اي ذخيرة (2) وغير اي حوادث لا تدوم على حال (3) وعبر اي اعتبار (4) موتور سهمه مفوق نبله اي مستعد لرمي ابنائه بالسهام (5) لا تطيش سهامه اي لا تخطئ (6) ولا تؤسى سهامه جراحه اي لا تداوى (7) المغبوط هو من كان في نعمة (*)

[ 34 ]

مرحوما ليس بين إلا نعيم زال وبؤس نزل ومن غيرها ان المرء يشرف على أمله فيقطعه دونه أجله فلا امل مدرك ولا مؤمل مدرك . فسبحان الله ما اغر سرورها واظمأ ريها (1) واضحى فيأها (2) كأن الذي كان من الدنيا لم يكن وكأن الذي هو كائن منها قد كان لا جاء يرد ولا ماض يرتجع وان الاخرة هي دار القرار ودار المقام وجنة ونار صار أولياء الله الى الاخرة بالصبر وإلى الامل با لعمل جاوروا الله في داره ملوكا خالدين (وقال كرم الله وحهه) الدنيا دار غرور حائل . وزخرف (3) نائل . وظل آفل وسند مائل . تردى مستزيدها . وتضر مستفيدها . فكم من واثق بها راكن إليها قد ارهقته إيثاقها . واعطته أرباقها (4) .


(1) وأظمأ اي اعطش ارتواءها (2) واضحى فيأها اي احر ظلها (3) الزخرف هو الذهب والحسن من كل شئ (4) قد ارهقته إيثاقها (*)

[ 35 ]

واشربته خناقها . وألزمته وثاقها (وقال كرم الله وجهه) إن الدنبا قد أدبرت وآذنت بوداع . وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت با طلاع . والمظمار (1) اليوم وغدا السباق (وقال كرم الله وجهه) طوبى (2) للزاهدين في الدنيا . والراغبين في الاخرة . أولئك قوم اتخذوا أرض الله بساطا . وترابها فراشا . وماء ها طيبا . والكتاب شعارا . والدعاء دثارا (3) . وقرضوا الدنيا قرضا * (هامش) واعلقته ارباقها واشربته خناقها وألزمته وثاقها هذه السجعات الأ ربع كلها بمعنى واحد وهو ان الدنيا أوثقته بحبال الهوان . الارباق جمع ربقة وهي العروة التي تشد بها الشاة والخناق الحبل الذي يخنق به . (1) المضمار هو الموضع الذي تضمر فيه الخيل للسباق (2) طوبى اسم شجرة في الجنة (3) والكتاب شعارا والدعاء دثارا الشعار الثوب الذي يلي الجسد والدثار الثوب الذي يكون فوق الشعار (*)


[ 36 ]

على منهاج المسيح بن مريم (وقال له كرم الله وجهه رجل صف لنا الدنيا فقال) وما اصف لك من دار من صح فيها أمن ومن سقم فيها ندم . ومن افتقر فيها حزن . ومن استغنى فيها فتن . في حلالها الحساب . وفي حرامها العذاب (1) (وقال عليه السلام) إعلموا انكم ميتون . ومبعوثون من بعد الموت . وموقوفون على اعمالكم . ومجزيون بها . فلا تغرنكم الحياة الدنيا . فإنها دار بالبلاء محفوفة . وبالفناء معروفة . وبالغدر موصوفة . وكل ما فيها إلى زوال . وهي بين اهلها دول (2) وسجال (3) . لا تدوم احوالها . ولن يسلم من شر نزالها . بينا اهلها منها في رخاء


(1) وفي احوالها رواية النار (2) دول جمع دولة اي يتداولونها بينهم (3) وسجال اي ان تكون تارة على هؤلاء وتارة على هؤلاء (*)

[ 37 ]

وسرور . إذا هم منها في بلاء وغرور . أحوال مختلفة . وتارات متصرفة . العيش فيها مذموم . والرخاء فيها لا يدوم . وإنما اهلها فيها أغراض مستهدفة فترميهم بسهامها . وتقصمهم بحمامها (1) . وكل حتفه مقدور . وحظه منها موفور (وقال عليه السلام) الدنيا دار ممر إلى دار مقر . والناس فيها رجلان رجل باع نفسه فأوبقها (2) . ورجل ابتاع نفسه (3) فأعتقها (كتب عليه السلام الى سلمان الفارسي رحمه الله) أما بعد فإن مثل الدنيا مثل الحية . لين مسها . قاتل سمها يهوي إليها الصبي الجاهل . ويحذرها اللبيب العاقل . فاعرض عما يعجبك فيها . لقلة ما يصحبك منها . وضع عنك همومها . لما لقيت من فراقها . وكن آنس ما تكون فيها أحذر


(1) بحمامها اي بموتها (2) فاوبقها اي اهلكها (3) ابتاع نفسه اي اشتراها (*)

[ 38 ]

ما تكون لها فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصة (1) عنه مكروه والسلام (وقال عليه السلام في ذم الدنيا) احذروا هذه الدنيا الخداعة الغرارة التي قد تزينت بحليها (2) وفتنت بغرورها . وغرت بآمالها . وتشوقت لخطأ بها . فأصبحت كالعروس المجلوة . العيون إليها ناضرة . والنفوس بها مشغوفة والقلوب إليها تائقة (3) وهي لازواجها . كلهم قاتلة . فلا الباقي بالماضي معتبر . ولا الاخر بسوء أثرها على الاول مزدجر . ولا اللبيب فيها با لتجارب منتفع . أبت القلوب لها الا حبا . والنفوس بها الا ضنا (4) . فالناس لها طالبان . طالب ظفر بها فاغتر فيها ونسى التزود منها للظعن عنها فقل فيها لبثه حتى خلت منها يده وزلت عنها قدمه وجاءته اسرما كان بها منيته * (هامش) (1) اشخصه عنه اي اذهبه وأبعده (2) وفي رواية بحليها (3) تائقة اي مشتاقة (4) الا ضنا اي الا بخلا (*)


[ 39 ]

فعظمت ندامته . وكثرت حسرته . وجلت مصيبته . فاجتمعت عليه سكرات الموت . فغير موصوف ما نزل به . وآخر اختلج عنها (1) قبل ان يظفر بحاجته . ففارقها بغرته واسفه . ولم يدرك ما طلب منها . ولم يظفر بما رجا فيها . فا رتحلوا جميعا من الدنيا بغير زاد . وقدما على غير مهاد (2) . فاحذرو ا الدنيا الحذر كله . فإنما مثلها مثل الحية لين مسها . قاتل سمها . فا عرض عما يعجبك فيها . لقلة ما يصحبك منها . وضع عنك ثقل همومها . لما تيقنت من وشك زوالها (3) . وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها . فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه (4) عنها مكروه . وكلما اغتبط منها باقبال (5) . نغصه عنها إدبار . وكلما ثنى عليه منها رجلا طوت عنه كشحا (6) . فالسار فيها غار . والنافع فيها ضار . وصل


(1) اختلج عنها اي انتزع منها (2) المهاد هو الفراش والمراد به هنا ما يمهده لنفسه في أخراه من العمل الصالح في دنياه (3) من وشك زوالها اي قرب انقضائها (4) اشخصه اي اذهبه (5) اغتبط منها باقبال اي تمتع منها بنعمة (6) كشحا الكشح هو ما بين الخاصرة الى الضلع الخلف (*)

[ 40 ]

رخاؤها بالبلاء . وجعل بقاؤها إلى الفناء . فرحها مشوب بالحزن (1) وآخر غمومها إلى الوهن (2) . فانظر إليها بعين الزاهد المفارق ولا تنظر إليها بعين الصاحب الوامق (3) . إعلم يا هذا أنها تشخص الوادع الساكن (4) . وتفجع المغتبط (5) الآمن . لا يرجع منها ما تولى فأدبر . ولا يدري من هو آت فيحذر . أمانيها كاذبة . وآمالها باطلة . صفوها كدر . وابن آدم فيها على خطر . إ ما نعمة زائلة . وإما بلية نازلة . وإما معظمة جائحة (6) وإما منية قاضية . فلقد كدرت عليه المعيشة إن عقل . وأخبرته عن نفسها إن وعى . ولو كان خالقها جل وعز (7) لم يخبر عنها خبرا . ولم يضرب لها مثلا . ولم يأمر بالزهد فيها . والرغبة عنها . لكانت وقائعها وفجائعها قد انبهت النائم . ووعظت الظالم وبصرت العالم . وكيف وقد جاء عنها من الله عز وجل زاجر * (هامش) (1) مشوب بالحزن اي مختلط به (2) الوهن هو الضعف (3) الوامق اي المحب (4) تشخص الوادع الساكن اي تقلقه وتزعزعه والوادع والساكن بمعنى واحد فهما مترادفان (5) المغتبط اي المتنعم المتمتع (6) جائحة الجائحة هي الشدة التي تحتاج المال اي تهلكه (7) وفي رواية وعلا (*)


[ 41 ]

وأتت منه فيها البينات والبصائر (1) . فمالها عند الله عز وجل قدر ولا وزن . ولا خلق قسما بلغنا خلقا أبغض إليه منها . وما نظر إليها مذ خلقها . ولقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك من حظه من الآخرة فأ بى ان يقبلها لعلمه ان الله جل ثناؤه أبغض شيئا فابغضه وصغر شيئا فصغره وان لا يرفع ما وضع الله جل ثناؤه وان لا يكثر ما اقل الله جل وعز ولو لم يخبرك عن صغرها عند الله إلا ان الله جل وعز اصغرها عن ان يجعل خيرها ثوابا للمطيعين . وان يجعل عقوبتها عقابا للعاصين . ومما يدلك على دناءة الدنيا ان الله جل ثناؤه زواها عن اوليائه (2) واحبائه نظرا واختيارا . وبسطها لاعدائه فتنة واختبارا . فاكرم عنها محمدا نبيه صلى الله عليه وسلم حين عصب على بطنه من الجوع . وحماها مو سى (3) نجيه المكلم . وكانت ترى


(1) البصائر جمع بصيرة وهي الحجة والا ستبصار في الشئ (2) زواها عن اوليائه اي صرفها عنهم (3) وحماها موسى اي منعها إياه (*)

[ 42 ]

خضرة البقل من صفاق (1) بطنة من الهزال . وما سأل الله جل ثناؤه يوم اوي الى الظل إلا طعاما يأكله لما جهده من الجوع . ولقد جاءت الرواية عنه انه كان اوحى إليه إذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته وإذا رايت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين . وصاحب الروح والكلمة عيسى بن مريم عليه السلام إذ قال أدمي الجوع (2) وشعاري الخوف ولباسي . الصوف ودابتي . رجلاي وسراجي با لليل القمر . وصلائي في الشتاء (3) مشارق الشمس . وفاكهتي ما أنبتت الارض للانعام . أبيت وليس لي شئ وليس أحد اغنى مني أو سليمان بن داوود وما أوتي من الملك إذ كان يأكل خبز الشعير ويطعم أهله الحنطة وإذا جنه الليل لبس المسوح وغل يده إلى عنقه وبات باكيا حتى يصبح ويكثر أن يقول رب إني ظلمت نفسي كثيرا وإلا تغفر لي وترحمني


(1) الصفاق هو جلد البطن (2) أدمي الجوع اي إدامي الجوع والادام كل ما يؤكل به الخبز (3) وصلائي في الشتاء اي ما استدفى به في الشتاء (*)

[ 43 ]

أكن من الخاسرين لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . فهولاء أنبياء الله وأصفياءه وأولياءه تنزهو ا عن الدنيا وزهدوا فيما زهدهم الله جل ثناؤه فيه منها . وابغضوا ما ابغض . وصغروا ما صغر . ثم اقتص الصالحون آثارهم (1) . وسلكوا مناهجهم (2) . وألطفوا الفكر . وانتفعوا بالعبر . وصبروا في هذا العمر القصير عن متاع الغرور الذي يعود الى الفناء . ويصير الى الحساب . نظروا بعقولهم الى آخر الدنيا ولم ينظروا الى اولها . والى باطن الدنيا ولم ينظروا الى ظاهرها . وفكروا في مرارة عاقبتها . فلم تستهزهم (3) حلاوة عاجلها . ثم ألزموا انفسهم الصبر . وانزلوا الدنيا من انفسهم كالميتة التي لا يحل لاحد ان يشبع منها الا في حال الضرورة إليها . وأكلوا منها بقدر ما ابقى لهم النفس . وامسك الروح وجعلوها بمنزلة الجيفة التي اشتد نتنها فكل من مر


(1) اقتص الصالحون آثارهم اي تتبعوها (2) وفي رواية منهاجهم (3) فلم تستهزهم اي لم تحركهم الى السرور بها والا رتياح إليها (*)

[ 44 ]

بها أمسك على انفه منها . فهم يتبلغون منها بادنى البلاغ ولا ينتهون الى الشبع من النتن . ويتعجبون من الممتلئ منها شبعا والراضي بها نصيبا . اخواني والله لهى في العاقبة والآجلة (1) لمن ناصح نفسه في النظر . وأخلص له الفكر . أنتن من الجيفة . وأكره من الميتة . غير أن الذي نشأ في دباغ الاهاب (2) لا يجد نتنه ولا يؤذيه من رائحته ما يؤذي المار به والجالس عنده . وقد يكفي العاقل من معرفتها علمه . فان من مات وخلف سلطانا عظيما سره أنه عاش فيها سوقة (3) خاملا أو كان فيها معافى سليما سره انه كان فيها مبتلى ضريرا . فكفى بهذا على عوراتها والرغبة عنها دليلا . والله لو ان الدنيا كانت من اراد منها شيئا وجده حيث تنال يده من غير طلب ولا تعب ولا مؤنة ولا نصب ولا ظغن ولا دأب (4)


(1) وفي رواية والعاجلة (2) نشأ في دباغ الاهاب اي شب في دبغه والاهاب هو الجلد الذي لم يدبغ ، وفي نسخة إهاب (3) السوقة بضم السين الرعية ضد الملك يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث (4) ولا دأب اي اجتهاد في عمل (*)

[ 45 ]

غير أن ما أخذ منها من شئ لزمه حق الله فيه . والشكر عليه وكان مسؤولا عنه محاسبا عليه (1) لكان يحق على العاقل ان لا يتناول منها إلا قوته وبلغة يومه (2) . حذر السؤال وخوفا من الحساب وإشفاقا من العجز (3) عن الشكر فكيف بمن تجشم في طلبها (4) من خضوع رقبته . ووضع خده . وفرط عنائه . والاغتراب عن أحبائه . وعظيم خطاره . ثم لا يدري ما أخر ذلك الظفر أم الخيبة وإنما الدنيا ثلا ثة أيام . يوم مضى بما فيه فليس بعائد . ويوم أنت فيه فحق (3) عليك اغتنامه . ويوم لا تدري أ من أهله ولعلك راحل فيه فأما غد فإنما في يديك منه الامل فإن يكن أمس سبقك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمته وإن يكن يومك هذا آنسك بمقدمه عليك فقد كان طويل الغيبة (هامش) * (1) نسخة به (2) وبلغة يومه اي ما يتبلغ به من العيش في يومه (3) واشفاقا من العجز اي حذرا منه (4) بمن تجشم في طلبها اي تكلف فيه (5) وفي رواية فحق (6) فاما امس فحكيم مؤدب يعني ان اليوم الذي أ تاك ومضى عنك علمك من الحكمة والتجارب ومحاسن الاداب ما لم تكن تعلم (*)


[ 46 ]

عنك وهو سريع الرحلة فتزود منه وأحسن وداعه . جد (1) بالثقة في العمل . وإياك والا غترار بالأمل . ولا يدخل عليك اليوم هم غد يكفي اليوم همه وغد داخل عليك بشغله إنك إن حملت على اليوم هم غد زدت في حزنك وتعبك وتكفلت أ ن تجمع ما يكفيك أ ياما . فعظم الحزن . وزاد الشغل واشتد التعب . وضعف العمل للأمل . ولو أخليت قلبك من الامل لجدد لك العمل . والأمل منك في اليوم قد ضرك في وجهين سوفت به العمل (2) . وزدت به الهم والحزن . أولا ترى أ ن الدنيا سا عة بين ساعتين . ساعة مضت . وساعة أ نت فيها . فأما الماضية والباقية فلست تجد لرخائهما لذة ولا لشدتهما ألما فأنزل السا عة الماضية والساعة التي أنت فيها منزلة الضيفين نزلا بك فظعن الراحل عنك بذمه إ ياك . وحل النازل بك بالتجربة لك فإ حسانك إلى الثاوي يمحو (3)


(1) وفي نسخة خذ (2) سوقت به العمل اي أخرت به عملك (3) فاحسانك إ لى الثاوي يمحو اساءتك إلى الماضي معناه ان احسانك (*)

[ 47 ]

إ سائتك إلى الماضي . فادرك ما استطعت بإعتابك (1) فيما استقبلت واحذر أ ن بجمع عليك شهادتهما فيوبقاك (2) ولو أ ن مقبورا من الاموات قيل له هذه الدنيا أولها إلى آخرها تخلفها لولدك الذي لم يكن لك هم غيرهم أ ويوم نرده إليك فتعمل فيه لنفسك لا ختار يوما يستعتب فيه (3) من سيئ ما أسلف على جميع الدنيا يورثها ولده خلفه فما يمنعك أيها المغتر المضطر المؤتنف (4) أ ن تعمل على مهل قبل حلول الأ جل وما يجعل المقبور أ شد تعظيما لما في يديك منك . ألا تسعى في تحرير رقبتك وفكاك رقك . وو قاء نفسك من النار التي عليها ملا ئكة غلاظ شداد . * (هامش) في الساعة الحاضرة يمحو اساءتك في السا عة الماضية . والثاوي هو المقيم (1) باعتابك أي فيه ارضائك (2) فيوبقك اي يهلكك (3) يستعتب فيه اي يطلب فيه الرضى والمسامحة (4) المؤتنف اي المبتدئ وهو الذي يأكل من الشئ قبل أ ن يأ كل منه غيره (*)


[ 48 ]

(وقال كرم الله وجهه) أيها الناس ا نظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها الماقتين لها فما خلق امرؤ عبثا فيلهو (1) . ولا أ مهل سدا فيلغو (2) . وما دنياه التي تزينة بخلف من الاخرة على سهمته (3) لا يرجع بما تولى منها فا دبر . ولا يدري ما هو آت منها فينتظر . فا عتبروا وانظروا إدبار ما قد أدبر . وحضور ما قد حضر . فكان ما هو كائن لم يكن . وكأن ما هو آت قد نزل . (وقال كرم الله وجهه) انظروا الى الدنيا نظر الزاهدين فيها . فأنها والله عن قليل تزيل الثاوي (4) الساكن . وتفجع المترف (5) الامن لا يرجع ما تولى عنها فادبر ولا يدري ما هو آت منها فينتظر


(1) فيلهو اي يلعب (2) فيغلو اي يتكلم بما لا فائدة فيه (3) على سهمته السهمة القرابة والنصيب (4) الثاوي اي المقيم (5) المترف هو المتنعم (*)

[ 49 ]

سرورها مشوب بالحزن (1) . وآ خر الحياة فيها الى الضعف والوهن (2) . فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم منها لقلة ما يصحبكم منها . رحم الله عبدا تفكر فاعتبر . واعتبر فابصر إدبار ما قد أدبر . وحضور ما قد حضر . وكأن ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن . وكأن ما هو كائن من الآخرة لم يزل . وكل ما هو آت قريب (وقال كرم الله وجهه) أوصيكم عباد الله بتقوى الله جل وعز . واغتنام ما استطعتم عملا به من طاعة الله جل وعز . في هذه الايام الخالية لجليل ما يشفي عليكم (3) به الفوت بعد الموت . وبالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم وإن لم تكونوا تحبون تركها . والملبية لكم وإن لم تكونوا تحبون تجديدها (4) . فإنما مثلكم ومثلها


(1) مشوب بالحزن اي مختلط به (2) والوهن اي الضعف (3) لجليل ما يشفي عليكم اي لعظيم ما يشرف ويطلع عليكم (4) وفي نسخة تجريدها وليست الرواية (*)

[ 50 ]

كركب سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه . وأ مو ا علما (1) فكأن قد بلغوه . وكم عسى الجاري الى الغاية ان تجري حتى يبلغها . وكم عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه (2) ومن ورائه طالب حثيث يحدوه في الدنيا حتى يفارقها . فلا تتنافسوا في الدنيا وفخرها . ولا تعجبوا بزينتها . ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها . فإن عز الدنيا وفخرها إلى انقطاع . وإن زينتها ونعيمها إلى زوال . وإن ضرائها وبؤ سها إلى نفا د . وكل مدة فيها إلى منتهى . وكل حي فيها إلى فناء . أو ليس لكم في آ ثار الا ولين . وفي آبائكم الما ضين . معتبر وتبصرة إن كنتم تعقلون . الم تروا الى الماضين منكم لا يرجعون . والى الخلف الباقي منكم لا يبقون . قال الله جل وعز (وحرام على قرية أهلكناها (3) أ نهم لا يرجعون) الآ ية والتي بعدها وقال جل وعز (كل نفس ذائقة الموت وإنما تو فون


(1) وأ موا علما اي قصدوه (2) لا يعد وه اي لا يتجاوزه (3) وحرام على قر ية أ هلكناهم حرام في هذه الآ ية بمعنى واجب (*)

[ 51 ]

اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحيا ة الدنيا إلا متاع الغرور) ألستم ترون أ هل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى . ميت يبكي . وآ خر يعزى وصريع (1) مبتلى . وعائد يعود (2) . وآخر بنفسه يجود (3) . وطالب والموت يطلبه . وغافل وليس بمغفول عنه . وعلى أ ثر الماضي منا يمضي الباقي . (فلله الحمد رب السموات السبع ورب العرش العظيم) الذي يبقى ويفنى ما سواه . وإليه موئل الحق ومرجع الامور (وقال كرم الله وجهه) أ ما بعد فا ني احذركم الدنيا فإنها حلو ة خضر ة . حفت با لشهوات . وراعت بالقليل (4) . وتحجبت بالعاجلة . وعمرت


(1) وصريع اي طريح على الا رض (2) وعائد المراد با لعائد هنا من يعود الا نسان في مرضه فهو من العياد ة لا من العود (3) بنفسه يجود اي قارب ان يموت (4) وراعت بالقليل اي اعجبت بقليها (*)

[ 52 ]

با لآمال . وتزينت با لغرور . فلا تدوم حبرتها (1) . ولاتؤ من فجائعها . غدارة . ضرارة . خاتلة . (2) زائلة . نافذة . با ئدة (3) أكالة . غوالة . لا تعدو (4) إذا هي تناهت إلى أ منية أ هل الرغبة فيها . والرضى بها . أن تكون كما قال الله جل وعز (كماء أنزلناه من السماء فا ختلط به نبات الا رض فا صبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا) مع أن امرأ لم يكن فيها في حبرة (5) . إلا اعقبه منها بعد بعبرة (6) . ولم يلق من سرائها بطنا . إلا اعقبته من ضرائها ظهرا . ولم تطله (7) فيها ديمة (8) رخاء إلا هتنت عليه منها مزنة بلاء وحرى (9) . إذا اصبحت لك مهتزة (10) ان تمسى لك متنكرة (11) . وان جانب منها اعذوذب


(1) حبرتها اي سرورها (2) خاتلة اي خادعة (3) نافذة بائدة اي فانية هالكة (4) لا تعدو اي لا تتجاوز (5) في حبرة اي في سرور (6) بعبرة العبرة هي دمعة العين قبل ان تسيل (7) ولم تطله اي لم تقطر عليه (8) ديمة الديمة المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق (9) وحرى اي حقيق (10) مهتنزة اي مرتاحة مقباة عليك (11) متنكرة اي متغيرة لك معرضة عنك (*)

[ 53 ]

لامرئ واحلولي . أمر منها جانب فأوبأ . وإن لبس إنسان من غضارتها (1) رغبا أرهقته من بوائقها (2) تعبا . ولم يمس امرؤ منها في جناح أمن إلا اصبح في جوف خوف . غرارة غرور ما فيها . فإن من عليها . لا خير في شئ من زادها إلا التقوى . من أ قل منها استكثر مما يوبقه (2) . ومن استكثر منها لم تدم له وزالت عنه . كم من واثق بها فجعته . وذي طمأنينة إليها صرعته (4) . وذي خدع فيها قد خد عته . وكم من ذي أبهة (5) فيها قد صيرته حقيرا . وذي نخوة (6) فيها قد ردته خائفا فقيرا . وكم من ذي تاج قد ردته خائفا فقيرا . وكم من ذي تاج قد أ كبته لليدين وللفم . سلطانها دول . وعيشها رنق (7) وعذ بها أ جاج (8) وحلوها صبر (9)


(1) غضارتها الغضارة النعمة والسعة (2) أرهقته من بوائقها اي أغشته من غوائلها (3) مما يوبقه اي يهلكه (4) صرعته اي طرحته على الارض (5) ذي ابهة اي صاحب عظمة وكبر (6) وذي نخوة النخوة الا فتخار والعظمة (7) وعيشها رنق اي عيشها متكدرة (8) وعذبها أجاج الأجاج الماء الملح المر (9) وحلوها صبر الصبر دواء مر (*)

[ 54 ]

وغذائها سمام . وأسبابها رمام (1) . وقطافها سلع (2) . حيها بعرض موت . وصحيحها بعرض سقم . ومنيعها بعرض اهتضام . وملكها مسلوب . وعزيزها مغلوب . وضيفها منكوب . وجارها محروب (3) . مع أن وراء ذلك سكرات الموت وزفراته . وهول المطلع (4) . والوقوف بين يدي الحكم (ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين احسنوا با لحسني) ألستم في مساكن من كان قبلكم . كانوا أطول منكم اعمارا . وأبقى آثارا . وأعد منكم عديدا (5) . وأكثف منكم جنودا . وأشد منكم عنودا (6) . تعبدوا للدنيا أي تعبد . وآثروها (7) أي إيثار . ثم ظعنوا عنها بالصغار . فهل


(1) وأسبابها رمام اي حبالها بالية متقطعة (2) وقطافها سلع القطاف وقت قطف الثمار والسلع شجر مر يعني ان كل ما احلو لى من الدنيا يجده العاقل الزاهد فيها مرا (3) محروب اي مسلوب ماله (4) وهول المطلع المطلع موضع الاطلاع والمراد به هنا موضع الاطلاع على امور الاخرة (5) واعد منكم عديدا اي اكثر منكم عددا (6) عنودا اي عنادا (7) وآثروها اي اختاروها (*)

[ 55 ]

بلغكم ان الدنيا سخت لهم نفسا بفدية . أو عدت (1) عنهم فيما قد أهلكتهم به بخطب . بل اوهمتهم بالقوارع . وضعضعتهم بالنوائب . وعقرتهم با لمناحر . وأعانت عليهم ريب المنون . فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها (2) . واثرها (3) وأخلد إليها (4) حين ظعنوا عنها لفراق أبد . أو إلى آخر زوال . هل زودتهم إلا الشغب (5) . أو أحلتهم إلا إلى الضنك . أو نورت لهم إلا الظلمة . أو أ عقبتهم إلا النار . أفهذه تؤثرون . أم عليها تحرصون . أم إليها تطمئنون . يقول الله عز وجل (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم اعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * اولئك الذين ليس لهم في الاخرة إلا النار وحبط ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون) فبئست الدار لمن لم يتهمها (6) . ولم يكن فيها على وجل منها . اذكروا عند


(1) أوعدت عدت هنا بمعنى تجاوزت (2) لمن دان لها اي ذل لها وخضع (3) وآثرها اي اختارها (4) واخلد إليها اي إليها واطمان بها (5) الا الشغب الشغب هو تهييج الشر وهو بسكون الغين واختلفوا في فتحها (6) لمن لم يتهمها اي لمن لم يدخل عليها بما تخيله له من زخارفها (*)

[ 56 ]

تصرفها بكم . سرعة انقضائها عنكم . ووشك زوالها (1) وضعف مجالها . ألم تحذكم على مثال من كان قبلكهم (2) وحذت من قبلكم على مثال من كان قبلهم جيل بعد جيل . وامة بعد امة . وقرن بعد قرن . وخلف بعد خلف . فلا هي تستحي من العار . ولا تبتغي (3) من المندبات (4) . . ولا تخجل من الغدر . اعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بد وإنما هي كما نعت الله (5) جل وعز (لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والأولاد) فا تعظوا فيها بالذين كانوا يبنون بكل ريع آية يعبثون (7) . ويتخذون مصانع (8) لعلهم يخلدون (9) . وبا لذين قالوا من أشد منا قوة . واتعظوا


(1) ووشك زوالها اي قرب انقضائها (2) ألم تحذكم على مثال من كان قبلكم أي ألم تقدركم على مثالهم وتفعل مثل ما فعلت بهم (3) الرواية تنتهي (4) من المندبات اي المؤلمات الموجعات (5) كما نعت الله اي كما وصف الله عز وجل (6) بكل ريع الريع المرتفع من الا رض وقيل هو الجبل (7) يعبثون اي يلعبون (8) ويتخذون مصانع المصانع الحصون (9) لعلهم يخلدون اي يدوم لهم البقاء في الدنيا وهم قوم هود عليه السلام الذين قالوا من أشد منا قوة قالوا ذلك لأنه لم يكن في زمانهم من هو اشد منهم قوة (*)

[ 57 ]

بمن رأيتم من إخوانكم . فكيف حملوا الى قبورهم لا يدعون ركبانا . وأنزلوا لا يدعون ضيفانا . وجعل (1) لهم من الضريح أجنانا (2) . ومن التراب اكفانا . ومن الرفات جيرانا (3) . فهم جيرة لا يجيبون داعيا . ولا يمنعون ضيما . ولا ينالون مندبة . ولا يعرفون سيئا . ولا حسنا . ولا يشهدون زورا (4) . إن جيدوا (5) لم يفرحوا (6) . وإن قحطوا (7) لم يقنطوا . جميع وهم ابعاد . ومتنادون (8) لا يتزاورون ولا يزورون . حلماء قد بادت أضغانهم (9) جهلاء . قد ذهبت أحقادهم . لا يخشى فجعهم . ولا يرجى دفعهم . وهم كمن لم يكن وكما قال جل ثناؤه (فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا * (هامش) (1) الرواية وجعل (2) من الضريح اجنانا الضريح الشق في وسط القبر والاجان جمع جنن وهو القبر (3) ومن الرفات جبرانا الرفات الحطام اي الشي الذي تحطم وتكسر (4) زورا بالتحريك اي ميلا (5) ان جيدوا اي اصابهم الجود بفتح الجيم وهو المطر الغزير يعنى ان اخصبوا بها (7) الرواية قحطوا (8) ومتنادون اي مجتمعون في ناديهم وهو مجلسهم (9) قد بدت أضغانهم اي ذهبت أحقادهم (*)


[ 58 ]

نحن الوارثين) إن الدنيا وهل مطلبها . (1) رنق مشربها (2) ردغ مشرعها (3) غرور مائل (4) . ووشيج قاتل (5) . وسناد مائل (6) . يونق مطرفها (7) . ويعجب مونقها (8) . وتردى مستزيدها وتصرع مستفيدها . بإنفاد لذتها وموبقات شهوتها . وأسر نافرها . قنصت بأحبلها . وقصدت بأ سهمها . فناثل لهناتها (9) . وتعلل بهباتها (10) ليالي عمره وايام حياته وقد علقته وهاق المنية (11)


(1) ان الدنيا وهل مطلبها الوهل الضعف والفزع (2) رنق مشربها الرنق الماء الكدر (3) ردغ مشرعها الردغ ككتف المكان الكثير الردغة وهي الماء والطين والوحل الشديد والمشرع مورد الشاربة (4) غرور مائل المائل القائم المنتصب يعني ان غرورها لا يزال نصب أعين ابنائها (5) ووشيج قاتل الوشيج شجر الرماح (6) وسناد مائل السناد المعاضدة والمؤازرة يريد ان الدنيا لا يستند إليها ولا يستعان بها (7) يونق مطرفها اي يعجب والمطرف رداء من الخز مربع فيه اعلام (8) ويعجب مونقها المونق هو الشئ الحسن (9) قنائل لهناتها اي ناشرة لها ومذيعة والهنات الداهية والجمع هنوات يعني لم تزل الدنيا تخرج من دواهيها كل مدفون وتوقظ من فتنتها كل نائم (10) وتعلل بهباتها اي تعطي قليلا مثل تعليل الطفل بيسير الطعام كي يستغني به عن اللبن (11) قد وهاق المنية اي تعلقت به حبال المنون (*)

[ 59 ]

فأردته بمرائرها . قائدة له بحتوفها . الى ضنك المضجع . ووحشة المرجع . ومجاورة الاموات ومعاينة المحل . وثواب العمل . ثم ضرب على آذانهم فينات الدهور (1) فهم لا يرجعون قد ارتهنت الرقاب . بسالف الاكتساب . واحصيت الآثار لفصل الخطاب . وقد خاب من حمل ظلما . الباب الثالث (فيما روى عنه عليه السلام من المواعظ) فمن ذلك قوله عليه السلام إنكم مخلوقون اقتدارا . ومربوبون اقتسارا (2) . ومضمنون أجداثا (3) وكائنون رفاتا . ومبعوثون أفرادا . ومدينون حسابا فرحم الله عبدا اقترف (4) فاعترف . ووجل فعمل . وحاذر فبادر . وعمر فاعتبر . وحذر فاذدجر . وأجاب فاناب .


(1) فينات وفي نسخة فتنات الدهور الفينات جمع فينة وهي الساعة والحين (2) اقتسارا الا قتسار الاكراه (3) اجداثا الأ جداث القبور جمع جدث بفتح الدال (4) اقترف اي اكتسب (*)

[ 60 ]

وراج فتاب . واقتدى فاحتذى (1) . فباحث طلبا . ونجا هربا . وأفاد ذخيرة . وأطاب سريرة . وتأهب للمعاد (2) . واستظهر بالزاد (2) . ليوم رحيله . ووجله سبيله . وحال حاجته . وموطن فاقته . فقدم أمامه . لدار مقامه . فمهدوا لأنفسكم في سلامة الأبدان فهل ينتظر أهل أ هل غضارة الشباب (4) إلا حواني الهرم وأهل بضاضة الصحة إلا نوازل السقم . وأهل مدة البقاء إلا مفاجأة الفناء . واقتراب الفوت . ودنو الموت . وأزف الإنتقال (5) وإشفاء الزوال (6) . وحفز الأنين (7) . ورشح الجبين وامتداد العرنين (8) . وعلز القلق (9) . وفيظ الرمق (10) * (هامش) (1) فاحتدى اي اتبع غيره في الصلاح واقتدى به (2) وتأهب للمعاد اي استعد للآخرة بتقديم العمل الصالح في الدنيا (3) واستظهر با لزاد اي استعان به والمراد بالزاد هنا التقوى قال الله تبارك وتعالى وتزود وا فان خير الزاد التقوى (4) غضارة الشباب الغضارة النعمة والسعة (5) وأزف الا نتقال اي قرب التحول (6) واشفاء الزوال الاشفاء الاشراف على الشئ (7) وحفز الانين الحفز الدفع من الخلف والا نين التأوه فالمراد بحفر الانين شدة التوجع (8) العرين اي الا نف (9) وعلز القلق العلز قلق وخفة وهلع يصيب المريض فيمنعه النوم (10) وفيظ الرمق اي خروج بقية الروح (*)


[ 61 ]

وألم المضض (1) وغصص الجرض (2) إعلموا عباد الله أنكم وما انتم فيه من هذ ه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم اعمارا . واشد منكم بطشا . واعمر منكم ديارا . وابعد اثارا . فاصبحت اصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلبها واجسادهم بالية . وديارهم خالية . وآثارهم عافية (3) واستبدلوا بالقصور المشيدة . والسرر والنمارق (4) الممهددة الصخور والأحجار المسندة في القبور اللاطية (5) الملحدة التي فذ بين الخراب فنائها . وشيد التراب بناءها . فحملها مقترب وساكنها مغترب . بين أهل عمارة موحشين . وأهل محلة متشاغلين . لا يسأنسون بالعمران ولا يتواصلون كتواصل الجيران والإخوان على ما بينهم من قرب الجوار ودنو الدار


(1) وألم المضض المضض وجع المصيبة (2) وغصص الجرض الغصص الغصة والجرض الريق فالمراد بغصص الجرض الغصة بالريق (3) عافية اي دراسة (4) والنمارق النمارق جمع نمرقة وهي الوسادة اي المخدة الصغيرة التي يتكأ عليها (5) اللاطية اي الملتصقة بالا رض (*)

[ 62 ]

وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله (1) البلى فأكلهم الجنادل والثرى . فأصبحوا بعد الحياة أمواتا . وبعد غضارة العيش (2) رفاتا . فجع بهم الاحباب وسكنوا التراب وظعنوا فليس لهم إياب هيهات هيهات (كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ (2) إلى يوم يبعثون) وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى . والوحدة في د ار الموتى . وارتهنتم في ذلك المضجع . وضمكم ذلك المستودع . فكيف بكم لو قد تناهت الا مور . وبعثرت القبور (4) . وحصل ما في الصدور (5) ووفقتم للتحصيل . بين يدي الملك الجليل . فطارت القلوب . لإشفاقها (6) من سالف الذنوب . وهتكت عنكم الحجب والا ستار . وظهرت منكم العيوب والا سرار .


(1) بكلكله اي بصدره (2) غضارة العيش الغضارة النعمة والسعة (3) برزخ البرزخ الحاجز بين الشيئين وهو هنا من وقت الموت الى البعث فمن فقد دخل البرزخ (4) وبعثرت القبور اي قلب ترابها وبعث موتاها (5) وحصل ما في الصدور اي ميز وبين ما فيها من خير أو شر (6) لا شفاقها اي حذرها (*)

[ 63 ]

هنالك تجزى كل نفس ما أسلفت . إن الله يقول (ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أ حسنوا بالحسنى) إغتنموا أيام الصحة قبل السقم . والشبيبة قبل الهرم . وبادروا بالتوبة قبل الندم . ولا تحملنكم المهلة على طول الغفلة فإن الاجل يهدم الامل . والايام موكلة بتنقيص المدة وتفريق الاحبة . فبادروا رحمكم الله بالتوبة . قبل حضور النوبة (1) وبرزوا للغيبة (2) التي لا تنتظر معها الاوبة (3) . واستعينوا على بعد المسافة بطول المخافة . فكم من غافل وثف بغفلته . وتعلل بمهلته . فامل بعيدا . وبنى مشيدا (4) فنقص بقرب اجله بعد امله . وفاجاته منيته با نقطاع امنيته . فصار بعد العز والمنعة (5) والشرف والرفعة مرتهنا بموبقات عمله قد غاب


(1) قبل حضور النوبة النوبة احدى نوائب الدهر التي تنزل بالانسان والمراد بها هنا منيته (2) وبرزوا للغيبة اي استعدوا لها ونهضوا إليها وهي هنا الغيبة عن الدنيا (3) الاوبة اي الرجوع الى الدنيا (4) وبنى مشيدا اي قصرا مشيدا (5) بعد العز والمنعة اي مع كونه في العز مع من يمنعه من ان يضام ويهان (*)

[ 64 ]

فما رجع . وندم فما انتفع . وشقي بما جمع في يومه . وسعد به غيره في غده . وبقى مرتهنا بكسب يده . ذاهلا عن اهله وولده . لا يغنى عنه ما ترك فتيلا (1) . ولا يجد إلى مناص (2) سبيلا . فعلام (3) عباد الله المنعرج والدلج (4) وإلى اين المفر والمهرب . وهذا الموت في الطلب يخترم الاول فالاول لا يتحنن على ضعيف . ولا يعرج (5) على شريف . والجديدان (6) يحثان الاجل (7) تحثيثا . ويسوقانه سوقا حثيثا (8) . وكل ما هو آت فقريب . ومن وراء ذلك العجب العجيب . فأعدوا الجواب ليوم الحساب . وأكثروا الزاد ليوم المعاد . عصمنا الله واياكم بطاعته . وأ عاننا وإياكم على ما يقرب إليه ويزلف لديه (9) * (هامش) (1) ما ترك فتيلا اي لم يترك قدر فتيل والفتيل ما في شق النواة (2) إلى مناص المناص الفرار (3) فعلام اي على اي شئ (4) المنعرج والدلج المنعرج المنعطف وهو منحنى الوادي يمنه ويسره والدلج من صفته كيت وكيت (5) ولا يعرج اي لا يعطف ولا يميل (6) والجديدان اي الليل والنهار (7) يحثان الاجل اي يحضانه على ان ينقضى بسرعة (8) حثيثا اي سريعا (9) ويزلف لديه اي يقرب عنده (*)


[ 65 ]

فإنما نحن وله إن الله وقت لكم الآجال . وضرب لكم الامثال . وألبسكم الرياش (1) . وارفع لكم المعاش (2) وآثركم بالنعم السوابغ (3) وتقدم إليكم با لحجج البوالغ وأوسع لكم في الرفد الرافع (4) . فشمروا فقد أحاط بكم الاحصاء . وارتهن لكم الجزاء . القلوب قاسية عن حظها لاهية عن رشدها . سالكة في غير مضمارها (5) . كأن المعنى سواها . اتقوا الله تقية من شمر تجريدا . وجد تشميرا وانكمش (6) في مهل . وأشفق (7) في وجل . ونظر في كرة الموئل (8) وعافية الصبر ومغبة المرجع (9) وكفى بالله منتقما ونصيرا (10) وكفى بالجنة ثوابا ونوالا . وكفى بالنار عقابا ونكالا . وكفى


(1) الرياش هو اللباس الفاخر (2) وارفع لكم المعاش اي اوسعه لكم (3 وآثركم بالنعم السوابغ اي أكرمكم بالنعم الكاملة الوافية (4) في الرفد الرافع اي العطاء الواسع (5) في غير مضمار ها المضمار المكان الذي تضمر فيه الخيل للسباق (6) وانكمش اي اسرع (7) واشفق اي حذر (8) في كره الموئل الكرة الرجوع والموئل الملجأ (9) ومغبة المرجع اي عاقبته (10) بالاصل بالباء والنون معا (*) (5)

[ 66 ]

بكتاب الله حجيجا وخصيما . رحم الله عبدا استشعر الحزن وتجلب الخوف (1) واضمر اليقين وعرى من الشك في توهم الزوال فهو منه على بال فزهر مصباح الهدى في قلبه . وقرب به على نفسه البعيد . وهون الشديد . فخرج من صفة العمى ومشاركة الموتى . وصار من مفاتيح الهدى . ومغاليق ابواب الردى . واستفتح بما فتح به العالم ابوابه . وخاض بحاره . وقطع غماره (2) . ووضحت له سبله ومناره . واستمسك من العرى بأوثقها . واستعصم من الجبال بأمتنها (3) . كشاف غمرات . فتاح مهمات . دافع معضلات (4) . دليل مضلات (5) لا يدع للخير مطلبا إلا امه . ولا مظنة إلا قصدها (6) .


(1) وتجلبب الخوف اي جعله لباسا له (2) وقطع غماره الغمار جمع غمر وهو الماء الكثير (3) بامتنها اي با قواها وارساها (4) دافع معضلات المعضلات الشدائد (5) دليل مضلات الفتن جمع مضلة وهي التي يضل فيها (6) ولا مظنة الا قصدها اي ولا موضعا يظن فيه الخير الا اتاه وقصده (*)

[ 67 ]

الباب الرابع (فيما روى عنه عليه السلام من وصاياه ونواهيه) أحسن كما تحب ان يحسن اليك . انصف الناس من نفسك قبل ان ينتصف (1) منك . اطلب فانه يأتيك ما قسم لك . ساهل الدهر ماذل قعوده (2) بادر الفرصة . قبل ان تكون غصة . أدب نفسك بما كرهته لغيرك . اصلح مثواك . واتبع اخرتك بدنياك لن لمن خالطك . فإنه يوشك ان يلين لك . اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك . أحب لغيرك ما تحب لنفسك . واكره له ما تكره لها . استقبح من نفسك ما استقبح من غيرك . خذ الفضل . واحسن البذل . وقل للناس حسنا . دع عنك أظن واحسب وارى . دع القول فيما لا تعرف . والخطاب فيما لا تكلف . إرض من الناس لك . ما ترضى لهم به منك . ألحح بالمسألة تفتح لك أبواب الرحمة . أنفق في


(1) في نسخة ينصف (2) ماذل قعوده اي ما انقادت مطيته معناه در مع الدهر كيفما دار ولا تكلف الايام غير طباعها تسترح من كيد الزمان (*)

[ 68 ]

حق ولا تكن خازنا لغيرك . أخر الشر فانك إذا شئت تعجله إحتمل أخاك (1) على ما فيه . استعتب من رجوت إعتابه . أطع أخاك وإن عصاك . وصله وإن جفاك . إقبل عذر من اعتذر إليك . خف الله في سرك . يكفيك ما يضرك . ذك قلبك بالادب . كما تذكي تذكي النار بالحطب (2) . تباعد من السلطان ولا تأمن من خدع الشيطان . تخير لنفسك من كل خلق احسنه فان الخير عادة . إقطع عنك دابرات الهموم بعزائم الصبر . أقم الحدود في القريب يجتنبها البعيد . قارن أهل الخير تكن منهم . وباين اهل الشر (2) تبن عنهم . امحض اخاك النصيحة (4) حسنة كانت أو قبيحة . ساعد اخاك على كل حال وزل معه حيث زال . خض الغمرات الى الحق . كن من الدنيا


(1) احتمل اخاك اي خذ العفو من اخلاقه ولا تسنقص عليه تستدم بذلك مودته فأي الاخوان المهذب (2) كما تذكي النار بالحطب اي كما توقد به معناه ان الا دب إذا حل في القلب زاده حدة ونشاطا (3) باين اهل الشر اي فارقهم واهجرهم (4) امحض اخاك النصيحة اي اخلصها له قبلها أو لم يقبل لانها مطلوبة منك شرعا (*)

[ 69 ]

على قلعة (1) . عود نفسك السماح . تخير لوردك . إقبل العفو من الناس . احذر التلون في الدين . عظم من يكرمك . اعف عمن ظلمك . اكرم من اهانك . احسن إلى من اساء اليك . وكافئ من أحسن اليك أدع لمن اعطاك . اشكر الله على ما اولا ك . واحمده على ما ابلا ك . أجمل . (2) لمن أدل عليك (3) واقبل عذر من اعتذر اليك . خذ العفو من الناس . ولا تبلغ من احد ما تكرهه . تعفف عن اموال الناس واستشعر منها اليأس . غلس با لفجر (4) تلقى الله تعالى أبيض الوجه . تفقه في الدين . وعود نفسك الصبر على المكروه أخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان . ألجي نفسك في الامور كلها إلى إلهك فإنك تلجئها إلى كهف حريز


(1) على قلعة اي على رحلة وانتقال عنها لأن الدنيا ليست بدار قرار ولا خلود (2) الرواية أجمل وفي نسخة الاصل إجمل (3) لمن ادل عليك اي لمن عمل عليك الدلال (4) غلس بالفجر المراد بالفجر هنا صلا ة الصبح والتغليس بها هو ان يصليها في وقت الغلس وهو ظلمة آخر الليل ولا يؤ خرها إلى انكششاف الظلام (*)

[ 70 ]

ومانع عزيز . أغتنم من استقرضك () في حال غناك . واجعل قضائك في يوم عسرتك . خذ من الدنيا ما اتاك . وتولى عما تولى عنك . فإن أنت لم تفعل فأجمل في الطلب . أكرم نفسك عن كل دنيئة وإن سافتك إلى الرغب فإنك لن تعتاض (2) بما تبذل من نفسك عوضا . اعرف الحق لمن عرفه لك رفيعا كان أو وضيعا إطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين أحسن العفو فإن العفو مع العذل أشد من الضرب لمن كان له عقل . استغن با لله جل وعز على أمرك . فأنه اكفى معين . ابذل لصديقك كل المودة . ولا تبذل له الطمأنينة (3) . واعطه كل المواساة (4) ولا تفض إليه بكل الا سرار . إحذر دمعة المؤمن (5) في السحر فإنها تقصف


(1) اغتنم من استقرضك الخ اي اغتنم ثواب من طلب منك القرض في زمن غناك ولا ترده محروما من اقراضك اياه وإذا اقرضته فلا تعجل عليه باقتضاء دينك منه ما دمت غنيا (2) لن تعتاض اي لن تتعوض (3) الطمأنينة اي السكون (4) وأعطه كل المواساة اي أ نله من مالك واجعله فيه أسوة (5) احذر دمعة المؤمن الخ اي اعرف للمؤمن حقه ولا تهضم جانبه (*)

[ 71 ]

من دمعها . وتطفئ بحور النيران عمن دعا بها . ارفق بالبهائم ولا توقف عليها احمالها . ولا تسقى بلجمها . ولا تحمل فوق طاقتها امسك عن طريق إذا خفت ضلا لة (1) فإن الكف عند حيرة الظلال خير من ركب الاهوال . مر بالمعروف تكن من أهله . وانكر المنكر بلسانك ويدك . وبا ين من فعله (2) بجهدك . ابذل لصديقك مالك . ولمعرفتك (3) معونتك وللعامة التحية والسلام . أحمل نفسك (4) عن اخيك عند صرمه على الصلة . وعند صدوده على لطف المسألة . وعند جموده على * (هامش) فيدعو عليك في السحر ويجاب دعاؤه فلا تنجو منه واعلم علم اليقين ان دمعة المؤمن لها اختصاص عند الله تعالى لا يدركه عباده وانه يرى فيها مالا يرون حتى ان من دعا بها وتوسل أطفأت عنه بحور النيران (1) إذا خفت ضلالة ان لا تهدي به (2) وباين من فعله اي فارقه واهجره واحمل من نفسك على صلته عند صرمه اي عند قطعه مودتك وان صد عنك فلاطفه وابذل من مالك ما استطعت عند بخله وجموده وان تباعد فاقترب انت وكن هينا لينا عند شدته واعذره عند تجريه وتطاوله وانظر نفسك بالنسبة إليه كعبد لا يقدر على شئ وهو صاحب نعمة (*)


[ 72 ]

البذل . وعند تباعده على الدنو . وعند شدته على اللين . وعند تجريه على الا عذار . حتى كأنك عبد وكأنه ذو نعمة . لتكن مسألتك فيما يعنيك مما يبقى عليك جماله . ولا يبقى عليك وباله . لا ما لا يبقى لك ولا تبقى له فإنه يوشك (1) أن ترى عاقبة أمرك محسنا أو مسيئا أو يعفو العفو الكريم . (نوع منها) لا تخن من ائتمنك وإن خا نك . لا تذع سرمن أذاع سرك . لا تصرم أخاك على ارتياب . ولا تقطعه دون الا ستعتاب (2) . لا تيأسن من الذنب وباب التوبة مفتوح . لا تظلم كما لا تحب ان تظلم لا تقل ما لا تعلم . بل لا تقل كلما علمت . لا تكثر العتب في غير ذنب . لا تضيع الفرائض وتتكل على النوافل لا تعمل بالخديعة فإنها خلق لئيم لا تدع أن تنصح أهلك فإنك


(1) فانه يوشك اي فانه يسرع (2) دون الاستعتاب اي الاستقالة والا سترضاء (*)

[ 73 ]

عنهم مسئول . لا تكن كحاطب الليل (1) وغثاء السيل (2) . لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حرا لا تكثر العتاب فإنه يورث الضغينة . ويحرك البغضة . لا تقض وانت غضبان ولا من النوم سكران . لا تحضر مجلسك من لا يشبهك . لا تهن من يكرمك . لا تعود نفسك الضحك . فإنه يذهب با لبهاء . ويجرئ الخصوم على الا عتداء . لا تتول أهل السخط ولا تسخط أهل الرضا . لا تشاقق مؤمنا فتلح كما يلحى القضيب من لحائه (3) ولا تأخذ الناس بالإحن . فليس أ خو الدين ذا إحن (4) لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك . لا تستريبن بثقة رجاء . لا تطلبن مجازاة أخيك . وان


(1) ولا تكن كحاطب الليل اي ليكن قولك سديدا ولا تخلط في كلامك مثل حاطب الليل يخلط بين جيد الحطب ورديئة وربما يلسع ولا يدري (2) وغثاء السيل الغثاء ما يحمله السيل مما على وجه الارض (3) كما يلحى القضيب من لحائه اي كما يجرد الغصن من قشره معناه لا تخالف المؤ من ولا تعاديه فتلام وتشتم وتصير كالعود المجرد من قشره (4) ذا إحن الاحن إحنة وهي الحقد والغضب (*)

[ 74 ]

حثا التراب (1) بفيك . لا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه (2) فإنه ليس بأخ من اضعت حقه . لا تكونن على الإساءة أقوى منك على الا حسان . ولا على البخل أقوى منك على البذل . ولا التقصير اقوى منك على الفضل . لا تكونن ممن لا ينتفع ممن لا ينتفع من العظة إلا بما لزمه فألمه فإن العاقل يتعظ بالادب (3) . والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب . لا تكونن كمن يعجز عن شكر ما اوتي . ويبتغي الزيادة فيما بقي . لا تكفرن ذا نعمة . فإن كفر (4) النعمة من ألأم الكفر لا يغلبن عليك سوء الظن فإنه لا يدع بينك وبين خليلك صلحا . لا يكن أهلك أشقى الناس بك . ولا ترغبن فيمن زهد فيك . لا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته لا يكبر عليك ظلم من ظلمك فإنه إنما يسعى


(1) حثا التراب اي رماه (2) على ما بينك وبينه اي على ما بينكما من محكم المودة وشدة الرابطة (3) يتعظ بالادب اي يتعظ بمجرد سماع الموعظة ولا يكلف الواعظ بكونه يهدده ويحمل في وعظه فوق طاقته (4) في نسخة كفران (*)

[ 75 ]

في مضرته ونفعك (1) لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ صديقه في غيبه . ويحفظه عند نكبته . ويحفظه بعد وفاته في مخلفيه وتركته . لا يقنطك إن أبطأت عليك الإجابة فإن العطية (2) على قدر المسألة . لا يعد منك من شفق (3) سوء ظن . لا يزهدنك في المعروف كفر من كفر (4) فقد يشكرك عليه من لم يستمع منه بشئ . لا تمار سفيها (5) ولا فقيها . اما الفقيه فتحرم خيره وأما السفيه فيحزنك شره (نمط منه) إياك أن تجمع مطية اللجاج (6) . اياك ان توجف بك (7) مطايا الطمع . اياك ان تعتذر من ذنب تجد إلى تركه سبيلا


(1) يسعى في مضرته ونفعك اي يسعى في مضرة نفسه بعقابها على ظلمك ويسعى في نفعك بما تأخذه من حسناته منضما الى حسناتك أو يسعى في نفعك بما تناله من الاجر والثواب بصبرك على ظلمه مع تفويض امرك لله عزوجل (2) في نسخة الا جابة (3) لا يعدمنك من شفيق اي لا يمنعنك منه (4) في نسخة من كفره (5) لا تمار سفيها اي لا تجادله (6) اللجاج هو التمادي في الخصومة (7) توجف بك اي تيسر بك (*)

[ 76 ]

فإن أحسن حالك في الاعتذار ان تبلغ منزلة السلامة من الذنوب . إياك والملامة (1) فانها من السخف (2) والنذالة . إياك والاتكال على المنى فانها بضائع النكوى (3) وتثبط عن الاخرة والدنيا (4) إياك والوقوف عما عرفته فإن كل ناظر مسئو ل عن عمله وقوله وإرادته . عن عمله وقوله وإرادته . إياك ومصادقة الاحمق فإنه يريد ان ينفعك فيضرك . وإرادته . إياك . ومصادقة الكذاب فإنه يقرب عليك البعيد . ويعد عليك القريب . إياك ومصادقة البخيل فانه يقعد بك عند أحوج ما تكون إليه . اياك ومصادقة الفاجر فانه يببعك في نفاقه (5) . اياك ومقارنة من رهبته (6) على دينك وعرضك . اياك ومشاورة النساء فان رأيهن الى أفن (7) وعزمهن الى وهن (8) . اياك وقبول تحف الخصوم (9) .


(1) إياك والملالة اي احذر السآمة (2) من السخف السخف رقة العقل (3) بضائع النكوى اي اموالهم التي يتجرون بها والنوكى اهل الحماقة (4) وتثبط عن الاخرة والدنيا اي تشغل عنهما (5) وفي نسخة بالتافه (6) من رهبته اي خفته (7) الى أفن الأفن ضعف الرأي والعقل (8) الى وهن الوهن الضعف والعجز (9) تحف الخصوم اي ما يتحفونك به (*)

[ 77 ]

اياكم وكفر النعم فتحل بكم القم (نوع منه) لا تكن ممن يرجو الاخرة بغير عمل . ويرجو التوبة بطول الامل . ويقول في الدنيا قول الزاهدين . ويعمل فيها عمل الراغبين . ان أعطي منها لم يشبع . وان منع منها لم يقنع . يعجز عن شكر ما اوتي . ويبتغي الزيادة فيما بقي . وينهى ولا ينتهي . ويأمر بما لا يأتي ولا ينتهي . ويأمر بما لا ياتي . يحب الصالحين ولا يعمل بعملهم . ويبغض الطالحين وهو منهم . ويكره الموت لكثرة ذنوبه . ويقيم على (1) على ما يكره الموت له . ان سقم ظل نادما وان صح قام لاهيا (3) . يعجب بنفسه إذا عوفي . ويقنط إذا ابتلي تغلبه نفسه على ما يظن . ولا يغلبها على ما يستيقن . لا يثق من الرزق بما ضمن له . ولا يعمل من العمل بما فرض


(1) ويقيم الخ اي يقيم على معاصيه التي يكره الموت من أجلها خوفا من عقابه عليها (2) قام لا هيا اي صار لا عبا (*)

[ 78 ]

عليه . ان استغنى بطر . وان افتقر قنط ووهن . فهو من الذنب والنعمة موقر (1) . يبتغي الزيادة ولا يشكر . يتكلف من الناس ما لم يؤمر . ويضيع من نفسه ما هو أكثر . يبالغ إذ ا سال ويقصر إذ ا عمل . يخشى الموت . ولا يبادر الفوت . يستكثر (2) من معصية غيره ما يستقل اكثر منه من نفسه . ويستكثر من طاعته ما يحقره من غيره . وهو على الناس طاعن . ولنفسه مداهن (3) . وللغو مع الاغنياء . احب إليه من الذكر مع الفقراء يحكم على غيره لنفسه . ولا يحكم عليها لغيره . وهو يطاع ويعصى ويستوفي ولا يوفى اخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر المعدل قال اخبرنا أبو الطاهر محمد بن عبد الغني قال اخبرنا أبو طالب الخشاب قال اخبرنا أبو عبد الله بن يزيد قال اخبرنا احمد بن محمد


(1) موقر اي مثقل (2) يستكثر الخ اي يرى معاصي غيره كثيرة ويستقل ما هو اكثر منها من معاصي نفسه ويرى القليل من طاعته كثيرا ويستقل الكثير من طاعة غيره (3) ولنفسه مداهن اي غاش لها ومصانع (*)

[ 79 ]

البغداذي قال يروي عن الحسن بن علي بن ابي طالب صلى الله عليهما قال اوصاني ابي رضي الله عنه قبل موته بثلاثين خصلة قال يا بني (1) إن أنت عملت بها في الدنيا سلمك الله من شر الدنيا والاخرة . قال قلت وما هي يا ابه (2) فقال احذر من الامور ثلاثا . وخف من ثلاث . وارج ثلا ثا . ووافق ثلاثا . واستحي من ثلاث . وافزع الى ثلاث (3) . وشح على ثلاث . وتخلص الى ثلاث . واهرب الى ثلاث . واهرب من ثلا ث . وجانب ثلاثا . يجمع الله لك بذلك حسن السيرة في الدنيا والاخرة فا ما الذي امرتك ان تخدرها فاحذر الكبر والغضب والطمع فأما الكبر فانه خصلة من خصال الا شرار والكبرياء (4) رداء الله عز وجل ومن اسكن الله قلبه مثقال حبة من كبر اورده النار والغضب


(1) يا بني هو تصغير ابن (2) يا ابه بالهاء ويقال في النداء ايضا بفتح الثاء وكسرها ويا ابتاه ويا اباه كلها بمعنى يا ابي (3) وافزع الى ثلاث اي التجئ اليهن وتحصن بهن (4) والكبرياء اي العظمة وهي من الصفات التي قد خص الله تعالى بها نفسه فلا يتصف بها غيره لخلوص هذه الصفة الشريفة له عز وجل (*)

[ 80 ]

يسفه الحليم . ويطيش العالم . ويفقد معه العقل . ويظهر معه الجهل . والطمع فخ من فخاخ ابليس وشرك من عظيم احتباله يصيد به العلماء والعقلاء وأهل المعرفة وذوي البصائر قال قلت صدقت يا ابه فا خبرني عن قولك . خف ثلاثلا . قال نعم يا بني . خف الله وخف من لا يخاف الله . وخف لسانك (1) فانه عدوك على دينك يؤمنك (2) الله جميع ما خفته قال صدقت يا ابه . فأخبرني عن قولك وارج ثلاثا . قال يا بني ارج عفو الله عن ذنوبك . وارج محاسن عملك . وارج شفاعة نبيك عليه السلام قلت صدقت يا ابه . فأخبرني عن قولك وافق ثلاثا قال نعم . وافق كتاب الله . ووافق سنة نبيك عليه السلام . ووافق ما يوافق الحق والكتاب قلت صدقت يا ابه . فأخبرني عن قولك . استحى من ثلاث قال نعم يا بني


(1) وخف لسانك اي احذر عثراته ولا تجعل له عليك سلطانا وانظر الى ما ورد في ذلك من الا حاديث النبوية والحكم البالغة بخصوصيات حفظه فمن لم يحفظ لسانه لا يلومن إلا نفسه (2) في نسخة يؤمنك (*)

[ 81 ]

استحي من مطالعة الله . إياك وأنت مقيم على ما يكره . واستحي من الحفظة الكرام الكاتبين . واستحي من صالح المؤمنين قلت صدقت يا ابه . فاخبرني عن قولك وافزع إلى ثلاث قال نعم افزع الى الله في ملمات امورك (1) وافزع الى التوبة في مساوي عملك (2) . وافرغ الى اهل العلم واهل الادب قلت صدقت يا ابه . فأخبرني عن قولك شح على ثلاث قال نعم شح على عمرك ان تفنيه مما هو عليك لا لك ولا عليك قلت صدقت يا ابه . فاخبرني عن قولك تخلص الى ثلاث قال نعم يا بني تخلص الى معرفتك نفسك وإظهار عيوبها . ومقتك إياها . وتخلص الى تقوى الله ثم تخلص الى إخمال نفسك (3) . وإخفاء ذكرك (4) . قلت صدقت يا ابه . فاخبرني


(1) في ملمات امورك اي فيما نزل بك من امورك (2) في مساوي عملك اي في عيوبه (3) إلى اخمال نفسك اي الى قعودها عن الا فتخار والتعاظم وحب الرياسة فالمراد من ذلك التواضع (4) واخفاء ذكرك اي اخفاء شهرته بين الناس تسلم من حقدهم عليك وحسدهم لك (*)

[ 82 ]

عن قولك واهرب من ثلاث . قال نعم يا بني اهرب من الكذب . واهرب من الظلم . واهرب من الظالم . وإن كان ولدك أو والدك . واهرب من مواطن الإمتحان التي يحتاج فيها الى صبرك . قلت صدقت يا ابه فاخبرني عن قولك حانب هواك واهل الاهواء . وجانب الشر واهل الشر . وجانب الحمقى وان كانوا متقربين أو مشيخة مختصين والسلام اخبرني محمد بن منصور بن عبد الله عن ابي عبد الله التستري إجازة . قال اخبرنا أبو الفضل محمد بن عمر بن محمد الكوكبي الاديب . قال حدثنا سليمان بن احمد بن ايوب قال حدثنا محمد بن عثمان بن ابي شيبة قال حدثنا ضرار بن صرد قال حدثنا عاصم بن حميد قال حدثنا ثابت بن ابي صفية ابي حمزة (1) الثمالي عن عبد الرحمن بن جندب عن كميل بن زياد قال اخذ امير المؤ منين على بن ابي طالب عليه السلام


(1) أبي حمزة هكذا نسخة الاصل وصوا به أبو حمزة بالرفع لانه كنية ثابت لا أبى صفية (*)

[ 83 ]

بيدي فاخرجني الى ناحية الجبان (1) فلما اصحر (2) تنفس صعداء (2) ثم قال يا كميل إن هذ ه القلوب اوعية فخيرها اوعاها للعلم . إحفظ عني ما اقول لك . الناس ثلاثة عالم رباني . ومتعلم على سبيل نجاة . وهمج رعاع (4) اتباع كل ناعق غا ويميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤا الى ركن وثيق . يا كميل العلم خير من المال . العلم يحرسك وانت تحرس المال والمال تنقصه النفقة . والعلم يزكو على الانفاق . يا كميل محبة العالم دين يدان به يكسبه العلم الطاعة لربه عز وجل في حياته . وجميل الاحدوثة بعد وفاته . ومنفعة المال تزول بزواله . والعلم حاكم والمال محكوم عليه . يا كميل مات خزان المال وهم احياء والعلماء باقون ما بقي الدهر اعيانهم مفقودة . وامثالهم في القلوب موجودة . ها إن ها هنا لعلما جما (5) (وأشار إلى صدره)


(1) إلى ناحية الجبان اي الى جهة الصحراء (2) فلما اصحر اي خرج الى الصحراء (3) تنفس صعداء الصعداء التنفس الطويل (4) وهمج رعاع الهمج ذباب صغير كالبعوض يقع على وجوه الغنم والرعاع الاحداث الطضام اي اوغاد الناس (5) لعلما جما اي علما كثيرا (*)

[ 84 ]

لو اصبت له حملة . اللهم بلى اصبته لقنا (1) غير مأمون يستعمل آلة الدين في الدنيا . ويستظهر بحجج الله (2) على اوليائه وبنعمه على كتابه أو منقادا لجملة الحق (3) لا بصيرة له في إحيائه يقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة . اللهم لا ذا ولا ذاك أو منهوما باللذات (4) سلس القياد (5) للشهوات أو مغرما بجمع الاموال والا دخار ليسا من رعاة الدين اقرب شبها بهما الانعام السائمة (6) كذلك يموت العلم بموت حملته . اللهم بلى لن تخلوا الارض من حجة قائم لله بحجة إما ظاهر مشهور وإما خائف مغمور (7) . كي لا تبطل حجج الله وبيناته . وكم واين اولئك الاقلون عددا . الاعظمون عند الله قدرا . بهم


(1) بلى اصبته لقنا اللقن هو السريع الفهم يعنى انه وجد حاملا للعلم سريع الفهم له لكنه غير مأمون على العلم بسبب انه لا يصور ولا يعمل به (2) ويستظهر يحجج الله اي يستعين بها (3) لجملة الحق بضم الميم اي جماعته وفي نسخة لحملة بالحاء (4) أو منهوما باللذات اي مولعا بها منهمكا فيها (5) سلس القياد اي سهل الانقياد (6) السائمة اي الراعية (7) مغمور اي خامل بين الناس (*)

[ 85 ]

يحفظ الله حججه حتى يودعها نظراءهم . ويودعها في قلوب اشباههم . هجم بهم العلم على حقيقة الايمان . فباشروا روح اليقين . واستسهلوا ما استوعر منه المترفون (1) وانسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا با بدان ارواحها معلقة بالمحل الاعلى اولئك خلفاء الله في ارضه الدعا ة الى دينه هاه شوقا (2) إلى رؤ يتهم واستغفر الله لي ولك يا كميل إذا شئت فقم . (وصيته كرم الله وجهه لما ضربه ابن ملجم) لما ضرب امير المؤمنين عليه السلام إجتمع إليه اهل بيته وجماعة من خاصة اصحابه فقال الحمد لله الذي وقت الآ جال (3) وقدر أرزاق العباد وجعل لكل شئ قدرا ولم


(1) المترفون اي المتنعمون (2) هاه شوقا لفظ هاه معناه حكاية ضحك الضاحك والمراد انه يسره النظر الى الخلفاء المذكورين الداعين الى دين الله عز وجل (3) وقت الآجال اي جعل لكل أجل وقتا (*)

[ 86 ]

يفرط في الكتاب من شئ فقال (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) وقال عز وجل (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) وقال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم (وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما اصابك إن ذلك من عزم الامور) لقد خبرني حبيب الله وخيرته من خلقه وهو الصادق المصدوق عن يومي هذا وعهد إلي (1) فيه فقال يا علي كيف بك إذا بقيت في حثالة (2) من الناس تدعو فلا تجاب وتنصح عن الدين فلا تعان وقد مال أصحابك وشنف لك نصحاؤ ك (3) فكان الذي معك أشد عليك من عدوك إذا استنهضتهم صدوا معرضين وإن استحثثتهم (4) أدبر وا نافرين يتمنون فقدك لما يرون من قيامك


محددا إذا جاء ساعة لا يستأخر صاحبه ساعة ولا يستقدمون) (1) وعهد الى اي اوصاني (2) في حثالة اي في قوم من الناس لا خير فيهم (3) وشنف لك نصحاؤ ك اي تنكروا لك واعرضوا عنك كل الاعراض (4) وان استحثهم اي حصضضتهم على تأييدك ونصرك (*)

[ 87 ]

بأمر الله عز وجل وصرفك إياهم عن الدنيا فمنهم من قد حمست طمعه (1) فهو كاظم على غيظه . ومنهم من قلت اسرته (2) فهو ثائر (2) متربص (3) بك ريب المنون وصروف النوائب وكلهم نغل الصدر (5) ملتهب الغيظ فلا تزال فيهم كذلك حتى يقتلوك مكرا أو يرهقوك شرا (6) وسيسمونك بأسماء قد سموني بها فقالوا كاهن وقالو ا ساحر وقالوا كذاب مفتر فاصبر فإن لك في اسوة (7) وبذلك أمر الله إذ يقول (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة) يا علي إن الله عز وجل امرني ان ادنيك ولا اقصيك وان اعلمك ولا اهملك وان اقربك ولا اجفوك فهذه وصيته الي وعهده لي . ثم إني اوصيكم ايها النفر الذين قاموا بأمر الله وذبوا عن دين الله


(1) حسمت طمعه اي قطعته وازلته (2) اسرته اي رهطه الاقربون الذين يتقوى بهم (3) فهو ثائر اي طالب للثأر (4) متربص اي منتظر (5) نغل الصدو اي حاقد عليك متغيظ منك (6) أو يرهقك شرا اي يكلفوك اياه (7) فان لك في اسوة اي لك في قدوة معناه انظر الى صبري على ما اصابني من قريش واقتد بي في ذلك (*)

[ 88 ]

وجدوا في طلب حقوق الارامل والمساكين . اوصيكم بعدي بالتقوى وأحذركم الدنيا والإغترار بزبرجها وزخرفها (1) فإنها متاع الغرور وجانبوا سبيل من ركن إليها وطمست الغفلة على قلوبهم وهم لا يشعرون وقد كان قبلكم قوم خلفوا أنبيائهم باتباع آثارهم فإن تمسكتم بهديهم واقتديتم بسنتهم لم تضلوا إن نبي الله صلى الله عليه وسلم خلف فيكم كتاب الله واهل بيته فعندهم علم ما تأتون وما تتقون (2) وهم الطريق الواضح والنور اللائح واركان الارض القوامون با لقسط (3) بنورهم يستضاء وبهديهم يقتدى من شجرة (4) كرم منبتها فثبت اصلها وبسق فرعها (5) . وطاب جناها (6) . نبتت في مستقر الحرم


(1) بزبرجها وزخرفها اي بزينتها وبهجتها يعني لا تغرنكم الحياة الدنيا ولا تنظروا إليها نظر المعجب بها إذا اخذت زخرفها وازينت فان جميع مائرون عن ذلك صائر للزوال (2) وما تتقون اي ما تحذرون (3) بالقسط اي العدل (4) من شجر المراد بالشجرة هنا النخلة (5) وبسق فرعها اي طال فرعها وارتفع في السماء (6) وطاب جناها اي طاب ثمرها (*)

[ 89 ]

وسقيت ماء الكرم . وصفت من الا قذاء (1) والادناس . وتخيرت من أطيب مواليد الناس . فلا تزولوا عنهم فتفرقوا (2) . ولا تتحرفوا عنهم فتمزقوا (3) . والزموهم تهتدوا وترشدوا . واخلفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم بأحسن الخلافة فقد اخبركم انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض اعني كتاب الله وذريته . استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه . بلغكم الله ما تأملون . ووقاكم ما تحذرون . إقرؤا على اهل مودتي السلام والخلف وخلف الخلف حفظكم الله وحفظ فيكم نبيكم والسلام (وصيته كرم الله وجهه للحسن لما ضربه ابن ملجم ايضا) ولما ضربه ابن ملجم دخل عليه الحسن وهو باك فقال له ما يبكيك يا بني (4) فقال له مالي لا ابكى


(1) من الا قذاء جمع قذى وهو ما يسقط في العين والشراب (2) فتفرقوا اي تفرقوا فتذهب قوتكم (3) فتمزقوا اي تصيروا متمزقين في كل واد لا يهديكم هاد ولا يجمكم جامع (4) يا بني هو تصغير ابن (*)

[ 90 ]

وأنت في اول يوم من ايام الاخرة وآخر يوم من ايام الدنيا فقال له يا بني احفظ عني أربعا واربعا لا يضرك ما عملت بهن شئ قلت وما هن يا ابه (1) قال إن اغنى الغنى العقل . واكثر الفقر الحمق . واوحش الوحشة العجب . واكرم الحسب حسن الخلق قلت يا ابه هذه اربع فأعطني الا ربع قال يا بني وإياك ومصادقة الاحمق (2) فإنه يريد ان ينفعك فيضرك . وإياك ومصادقة الكذاب فإنه يريد يقرب عليك البعيد ويبعد عليك القريب . وإياك ومصادقة البخيل فإنه يقعد بك عند احوج ما تكون إليه . وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك في نفاقه (3) * اخبرني أبو عبد الله محمد بن منصور التستري فيما أجازه لي قال اخبرنا الحسن بن محمد بن سعيد ابن حمدان قال حدثنا احمد بن محمد بن الفضل النحوي


(1) يا أبه بالهاء في النداء ايضا يا أبت بفتح التاء وكسرها ويا ابتاه ويا أباه كلها بمعنى يا ابي (2) إياك ومصادقة الاحمق اي احذر مصاحبة الجاهل ولا تتخذه لك صديقا فانه لا يعرف طريق النفع لنفسه فينفعها فكيف يعرفه لغيره ويهديه سبيل الرشاد (3) في نفاقه اي في رواجه (*)

[ 91 ]

قال حدثنا محمد بن ابراهيم بن قريش الحكيمي قال حدثنا عبد العزيز بن ابان قال حدثنا سهل بن شعيب النهمي عن عبد الاعلى عن نوف البكالي قال رأيت علي بن ابي طالب عليه السلام ليلة النصف من شعبان فأكثر الخروج والنظر الى السماء فقال أنائم أنت يا نوف قال قلت بل رامق أرمق امير المؤمنين (1) بعيني فقال يا نوف طوبى (2) للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة فإن اولئك قوم اتخذوا أرض الله بساطا . وترابها فراشا . وماءها طيبا . والقرآن شعارا (2) . والدعاء دثارا . ثم قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح بن مريم فان الله عز وجل اوحى الى عبده المسيح ابن مريم ان مر بني اسرائيل ان لا يدخلوا بيتا من بيو تي إلا بقلوب طاهرة . وابصار خاشعة . وأيد نقية . فإني لا استجيب


(1) ارمق أمير المؤمنين اي انظر إليه (2) طوبى اسم شجرة في الجنة أو هي الجنة بالهندية (3) شعارا الشعار الثوب الملاصق لشعر البدن والدثار يكون فوق الشعار (*)

[ 92 ]

لأحد منهم دعوة من خلقي قبله مظلمة يا نوف لا تكونن شاعرا . ولا عشارا (1) ولا شرطيا . (2) ولا عريفا (3) . ولا صاحب كوبة (4) . ولا صاحب عرطبة (5) . فإن نبي الله داود عليه السلام خرج في مثل هذه الليلة فقال ما من عبد يدعو الله عز وجل إلا استجا ب دعوته في هذه الساعة إلا ان يكون شاعرا أو عشارا . أو شرطيا . أو عريفا . أو صاحب كوبة . أو صاحب عرطبة . اوصيكم عباد الله بتقوى الله والتنافس في الحظ النفيس . والإشفاق من اليوم العبوس (6) . والجد في خلاص النفوس والسعي في فكاكها قبل هلا كها . والاخذ لها قبل الاخذ منها . إغتنموا أيام الصحة قبل السقم . والشبيبة قبل الهرم . وبا دروا بالتوبة قبل الندم . ولا تحملنكم المهلة على طول الغفلة فان الأجل . يهدم الأمل . والأيام موكلة


(1) ولاعشارا العشار الذي يقبض عشر الاموال (2) ولا شرطيا الشرطي احد اعوان الولا ة (3) ولا عريفا العريف النقيب وهو دون الرئيس (4) كوكبة الكوكبة الطبل (5) عرطبة العرطبة العود وهو من آلات الطرب (6) والاشفاق من اليوم العبوس اي الحذر من يوم القيامة (*)

[ 93 ]

بتنقيص المدة تفريق الاحبة . فبادروا رحمكم الله بالتوبة قبل حضور النوبة (1) وبرزوا للغيبة التي لا تنتظر معها الاوبة (2) واستعينوا على بعد المسافة بطول المخافة . فكم من غافل وثق بغفلته وتعلل بمهلته . فامل بعيدا . وبنى مشيدا . (3) فنغص بقرب اجله . بعد امله . وفاجأه منيته . بانقطاع امنيته . فصار بعد العز (4) والمنعة . والشرف والرفعة . مرتهنا بموبقات عمله . قد غاب فما رجع . وندم فما انتفع . وشقي بما جمع في يومه . وسعد به غيره في غده . وبقى مرتهنا بكسب يده . ذاهلا عن اهله وولده . لا يغني عنه ما ترك فتيلا . ولا يجد إلى مناص سبيلا فعلام (5) عباد الله المنعرج (6) والدلج (7) وإلى اين المفر والمهرب


(1) قبل حضور النوبة اي قبل ان تنزل بكم احدى نوائب الدهر (2) الاوبة اي الرجوع الى الدنيا بعد الغيبة عنها (3) وبنى مشيدا اي بنى قصرا مشيدا (4) بعد العز اي بعد كونه في العز بين من يمنعه من ان يضام ويهان (5) فعلام اي على اي شئ (6) المنعرج اي المنعطف وهو منحنى الوادي يمنه ويسره (7) والدلج هو السير من أول الليل معناه على اي شئ عباد الله المنعرج والدلج من صفته كيت وكيت (*)

[ 94 ]

وهذا الموت في الطلب . يخترم الاول فالاول لا يتحنن على ضعيف . ولا يعرج (1) على شريف . والجديدان (2) يحثان الاجل (3) تحثيثا . ويسوقانه سوقا حثيثا (4) . وكل ما هو آت فقريب . ومن وراء ذلك العجبب العجيب . فاعدوا الجواب ليوم الحساب . واكثروا الزاد . ليوم المعاد . عصمنا الله واياكم على ما يقرب إليه . ويزلف لديه (5) . فإنما نحن به وله . اوصيكم عباد الله بتقوى الله فإن تقوى الله منجاة من كل هلكة . وعصمة من كل ضلالة . وبتقوى الله فاز الفائزون . وظفر الراغبون . ونجا الهاربون . وادرك الطالبون . وبتركها خسر المبطلون (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) الله الله (6) عباد الله قبل جفوف الاقلام . وتصرم الايام . ولزوم الآثام . (7) وقبل الدعوة


(1) ولا يعرج اي لا يعطف (2) والجديدان اي الليل والنهار (3) يحثان الاجل اي يحضانه على ان ينقضي بسرعة (4) حثيثا اي سريعا (5) ويزلف لديه اي يقرب عنده (6) الله الله اي اتقوا الله (7) الآثام اي العقوبة على الاثم (*)

[ 95 ]

بالحسرة . والويل والشقوة . ونزول عذاب الله بغتة أو جهرة . اوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ضرب لكم الامثال . (1) ووقت لكم الاجال وفتق لكم اسماعا لتعي ما عناها . (2) وابصارا لتجلو عن عشاها . (2) وافئدة لتفهم ما دهاها لم يخلقكم عبثا . ولم يمهلكم (4) سدا . ولم يضرب عنكم الذكر صفحا . بل اكرمكم بالنعم السوابغ (5) . وقطع عذركم بالحجج البوالغ . ورفدكم باحسن الروافد . (6) واعم الزوائد . واحاط بكم الاحصاء . وارصد لكم الجزاء في السراء والضراء . فاتقوا الله عباد الله وجدوا في الطلب وبادروا بالعمل قبل حلول الاجل . إقطعوا التهمات واحذروا هادم اللذات . تجهزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل . واقلوا العرجة على الدنيا (7) وانقلبوا بصالح


(1) ضرب لكم الامثال اي وصفها وبينها لكم (2) لتعي ما عناها اي لتحفظ ما اهمها (3) عن عشاها العشا بالقصر ضعف البصر بالليل والنهار (4) وفي نسخة يهملكم (5) بالنعم السوابغ اي النعم الوافية (6) ورفدكم باحسن الروافد اي اعطاكم احسن العطاء والروافد خشب السقف (7) واقلوا العرجة على الدنيا اي اتركوا الميل والانكباب عليها (*)

[ 96 ]

ما بحضرتكم من الزاد (1) فإن امامكم عقبة كودا (2) ومنازل مخوفة مجهولة لابد من الممر عليها (3) والوقوف عندها فإما رحمة من الله جل وعز فنجوتم من فظاعتها . وشدة مختبرها وكراهة منظرها وإما بهلكة ليس بعدها انجبار (وصيته كرم الله وجهه لابن عباس) قال ابن عباس ما انتفعت بشئ بعد النبي صلى الله عليه وسلم إنتفاعي بكلمات كتبهن إلي امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام قال كتب إلي (بسم الله الرحمن الرحيم) اما بعد فإن المرء يفرح بإدراك ما لم يكن ليفوته ويغتم لفوت ما لم يكن ليدركه فإذا اتاكل الله (4) من الدنيا


(1) بصالح ما بحضرتكم من الزاد اي بصالح ما عندكم من التقوى (2) عقبة كؤودا اي عقبة المصعد (3) لابد من الممر عليها اي لا محالة من مروركم عليها ووقوفكم عندها حتى يدرككم الله عز وجل برحمته فتكونوا من الناجين يومئذ (4) أتاك الله الخ اي لا تكن كثير الفرح إذا اعطاك الله (*)

[ 97 ]

شيئا فلا تكثرن به فرحا . وإذا منعك منها فلا تكثرن عليه حزنا . وليكن همك لما بعد الموت والسلام . الباب الخامس (في المروي عنه منه أجوبته عن المسائل وسؤالاته عليه السلام) قال امير المؤمنين عليه السلام أما بعد أيها الناس إذا سأل سائل فليعقل . وإذا سئل فليتثبت فو الل لقد نزلت بكم نوازل البلاء وحقائق الامور لفشل كثير (1) من المسؤولين وإطراق كثير (2) من السائلين . (قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله وجهه) ما أول نعمة انعمها الله عليك . قال ان خلقني ذكرا ولم


شيئا من متاع الدنيا ولا تكن كثير الحزن إذا منعك شيئا منها فان متاعها قليل وان بلغ ما بلغ لانه صائر للزوال فاجعل همك كله لما بعد الموت والسلام (1) لفشل كثير الفشل الضعف والجبن (2) واطراق كثير الاطراق سكوت الانسان فلم يتكلم وارخاء عينيه الى الارض (*)

[ 98 ]

يخلقني انثى ثم ماذا . قال ان هداني للاسلام وعرفنيه ومن علي بك يارسول الله قال ثم ماذا . قال (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) . (وإن عليا ساءل ابنه الحسن) عليهما الرحمة عن اشياء من المروءة فقال يا بني مالسداد قال يا أبه السداد دفع المنكر بالمعروف . قال فما الشرف . قال اصطناع العشيرة وحمل الجريرة (1) . قال فما المروءة . قال النظر في اليسير ومنع الحقير . قال فما اللؤم . قال احتقار المرء نفسه وبذله عرسه (2) من اللؤم . قال فما السماحة . قال البذل من العسر واليسر . قال فما الشح . قال ان ترى ما انفقته تلفا . قال فما الاخاء . قال المواساة (4) في الشدة والرخاء . قال فما الجبن


(1) وحمل الجريرة الجنابة (2) عرسه اي زوجته (3) الأخاء اي المؤاخاة (4) المواساة هي ان يعطي الانسان غيره من ماله ويجعله اسوته فيه وفي نسخة المساعدة (*)

[ 99 ]

قال الجرأ ة على الصديق والنكول عن العدو . قال فما الغنيمة قال الترغيب في التقوى . والزهادة في الدنيا هي الغنيمة الباردة قال فما الحلم . قال كظم الغيظ وملك النفس . قال فما الغنى قال رضى النفس بما قسم الله جل وعز وإن قل . وإنما الغنى غنى النفس (1) قال فما الفقر . قال . شره النفس (4) . في كل شئ . قال فما المنعة (2) . قال سداد النفس (4) ومنازعة عز اليأس . قال فما الذل . قال الفزع عند المصدوقة (5) . قال فما العي . قال العبث باللحية وكثرة التبزق . قال فما الجرأة (6) . قال موافقة الاخوان قال فما الكلفة . قال كلامك فيما لا يعنيك . قال فما المجد . قال ان تعطي في الغرم (7) . وتعفو عن الجرم . قال فما العقل . قال حفظ القلب كلما استرعيته . قال فما الخرق (8) . قال معازتك


(1) غنى النفس اي رضاها بما قسم الله تعالى فذلك هو غناها وحياتها الطيبة واما المال فلا يغنيها مادامت حريصة غير قانعة (2) شره النفس اي حرصها الغالب عليها (3) المنعة اي العز والشرف (4) سداد النفس اي توفيقها للصواب والعمل بالسداد (5) المصدوقة اي الصدق (6) فما الجرأة اي الشجاعة (7) ان تعطي في الغرم اي تعطي فيما يلزم أداؤه (8) الخرق بالضم وبالتحريك ضد الرفق (*)

[ 100 ]

إمامك (1) ورفعك عليه كلامك . قال فما السناء (2) . قال إيثار الجميل (2) وترك القبيح . قال فما الحزم . قال طول الاناة (4) والرفق بالولاة والاحتراس من الناس بسوء الظن وهو الحزم . قال فما الشرف . قال موافقة الإخوان . وحفظ الجيران . قال فما السفه (5) . قال اتباع الدنات (6) . ومصاحبة الغواة . قال فما الغفلة . قال تركك المسجد وطاعتك المفسد . قال فما الحرمان قال تركك حظك وقد عرض عليك . قال فما السيد . قال الاحمق في ماله المتهاون عن عرضه يشتم فلا يجيب . المحتزم بأمر عشيرته (7) وهو السيد . سئل عليه السلام من العالم . فقال من اجتنب المحارم قيل فمن العاقل . قال من رفض الباطل . قيل فمن السيد . قال من فعاله جيد . قيل فمن السعيد . قال من خشى الوعيد . قيل


(1) معازتك امامك اي مغالبتك إياه (2) السناء اي الشرف والرفعة (3) ايثار الجميل اي اختياره (4) الاناة اي الحلم (5) فما السفه اي الجهل والحمق (6) وفي رواية الدناءة (7) المحتزم بأمر اي المتمسك بها المحامي عليها (*)

[ 101 ]

فمن الكريم . قال من نفع العديم (1) . قيل فمن الشريف . قال من انصف الضعيف . قيل فمن الغر (2) . قال من عرف بالكبر قيل فمن الغمر (3) . قال من وثق بالعمر . قيل فمن الهالك . قال من دفع إلى مالك (4) (قام إليه عليه السلام زيد بن صوحان العبدي فقال) يا امير المؤمنين اي سلطان اغلب واقوى . قال الهوى . قال فاي ذل اذل . قال الحرص على الدنيا . قال فأي فقد أشد . قال الكفر بعد الايمان (5) . قال فأي دعوة اضل . قال الداعي بما لا يكون . قال فاي عمل افضل قال التقوى . قال فأي عمل أنجح . قال طلب ما عند الله . قال فأي صاحبك اشر (6)


(1) من نفع العديم اي اعان المسكين بماله (2) فمن الغر الغر هو الشاب الذي لاتجربة له ضد المجرب (3) الغمر اي الذي لم يجرب الامور (4) من دفع إلى مالك اي من اخذه سيدنا مالك خازن النار عليه السلام (5) قال الكفر بعد الايمان معناه ان العبد إذا كفر بعد إيمانه والعياذ بالله تعالى كان فقده لأيمانه هو الفقد الحقيقي الذي لاعوض له بخلاف فقدان ماله لانه يجد له عوضا (6) وفي نسخة صاحب شر (*)

[ 102 ]

قال المزين لك معصية الله . قال فأي الخلق أقوى . قال الحليم . قال فأي الخلق اشقى . قال من باع دينه برضى غيره . قال فأي الخلق اشح . قال من اخذ المال من غير حله فجعله في غير حقه . قال فأي الناس أكيس (1) قال من ابصر رشده من غيه . فمال الى رشده . قال فمن احلم الناس . قال الذي لا يغضب . قال فاي الناس اثبت رأيا . قال من لم يغره الناس من نفسه ولم تغره الدنيا بشنوفها (2) . قال فأي الناس احمق . قال المغتر بالدنيا وهو يرى ما فيها وتقلب أحوالها . قال فاي الناس اشد حسرة . قال الذي حرم الدنيا والاخرة . ذلك هو الخسران المبين . قال فأي الخلق اعمى (3) قال الذي عمل لغير الله يطلب بعمله الثواب من الله تعالى . قال فاي القنوع أفضل . قال القانع بما أعطاه الله عز وجل .


(1) أكيس اي أعقل (2) بشنوفها الشنوف شنف بفتح الشين وهو القرط الذي يعلق في اعلى الاذن فالمراد بشنوفها زينتها وبهجتها (3) فأي الخلق اعمى أي فأي الناس اعمى بصيرة عن طريق الهدى والنجاة (*)

[ 103 ]

قال فاي المصائب اشد . قال المصيبة في الدين . قال فأي الاعمال احب إلى الله عزوجل . قال انتظار الفرج . قال فأي الناس خير عند الله . قال أخوفهم لله واصبرهم على التقوى (1) وازهدهم في الدنيا . قال فأي الكلام افضل عند الله . قال كثرة ذكر الله والتضرع إليه ودعاؤه . قال فاي القول اصدق . قال شهادة ان لا الله الا الله . قال فأي الايمان افضل عند الله . قال التسليم والورع . قال فأي الناس اكرم . قال من صدق في المواطن وكف لسانه عن المحارم وامر بالمعروف ونهى عن المنكر


(1) على التقوى اي على تقوى الله عز وجل إنما خص الصبر على التقوى لانها من التكاليف التي لا يقوى عليها ولا يقوم بحقوقها إلا عباد الله المخلصين الذين اجتباهم سبحانه واصطفاهم ولاسيما ماقاله فيها امير المؤمنين سيدنا علي كرم الله تعالى وجهه . قال لو كانت السموات والارض رتقا على عبد ثم اتقى الله تعالى لجعل له منهما مخرجا فيا طوبى ثم يا طوبى لمن صبر على تقوى الله عزوجل (*)

[ 104 ]

(قال كرم الله وجهه) سلوني قبل ان تفقدوني فإن بين كتفي (1) علما جما خبرني به حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه صعصعه بن صوحان فقال له يا امير المؤمنين متى يخرج الدجال . فقال له اقعد يا صعصعة فقد علم الله جل ثناؤه مقامك ولكن له علامات وهنات (1) واشياء يتلو بعضها بعضا . حذو النعل بالنعل (2) تكون في حول واحد . فإن شئت نبأتك بعلاماته . فقال عن ذلك سألتك يا امير المؤمنين . قال له اعقد بيدك يا صعصعة . إذا أمات الناس الصلاة (4) واضاعوا الامانة . واستحلوا الكذب واكلوا الربا . واخذوا الرشا . وشيدوا البناء . واتبعوا الاهواء وباعوا الدين بالدنيا . واستخفوا بالدماء . وكان الحلم ضعفا (5)


(1) ويروى جنبي (2) وهنات اي اشياء لا يحسن ذكرها (3) حذو النعل بالنعل يعني انها امور متماثلات في الباطل (4) أمات الناس الصلاة اي تركوها واتبعوا الشهوات (5) وكان الحلم ضعفا اي لا يحلم الانسان إلا إذا كان غير قادر على الانتقام (*)

[ 105 ]

والظلم فخرا (1) والامراء فجرة . ووزراؤهم وامناؤهم خونة وقراؤهم فسقة ويظهر الجور ويكثر الطلاق . وموت الفجأة (2) وحليت المصاحف . وزخرفت المساجد . وطولت المنابر . وخربت القلوب . ونقضت العهود . واستعملت المعازف (4) . وشربت الخمور . وفشا الزنا وأتمن الخائن . وخون الامين . وشاركت المرأة زوجها في التجارة حرصا على الدنيا . وركب ذوات الفروج السروج . والسلام للمعرفة (5) والشاهد من غير ان يستشهد (6) ولبسوا (7) جلود الضان . على قلوب الذئاب . قلوبهم يومئذ امر من الصبر . وانتن من


(1) والظلم فخرا اي يفتخر الظالم بظلمه ليصفه بالشجاعة وشدة البأس فلا يستطيع غيره ان يهضم جانبه (2) وفي نسخة ويظهرون الجور (3) وموت الفجأة اي يأتيهم الموت بغتة وهم لا يشعرون (4) المعازف اي الملاهي كالعود ونحوه (5) والسلام للمعرفة معناه ان الانسان لا يسلم الا على من يعرفه (6) من غير ان يستشهد اي من غير ان يدعى للشهادة لينال جاها عند من يشهد له (7) ولبسوا الخ هذا كناية عن حسن ظاهرهم وقبح طوياتهم وفساد قلوبهم (*)

[ 106 ]

الجيفة فالنجاء النجاء (1) والوحا الوحا (2) والجد الجد (3) نعم المسكن يومئذ بيت المقدس (4) (فقام إليه الاصبغ بن نباته فقال) يا امير المؤمنين وما الدجال . فقال له يا أصبغ ألا إن الدجال صيفي بن عائذ . الشقي من صدفه . والسعيد من كذبه . يقتل على عقبة بالشام يقال لها عقبة فيق في الساعة الثالثة من النهار على يدي المسيح عيسى بن مريم عليه السلام . ألا ومن بعد ذلك الطامة الكبرى . طلوع الشمس من المغرب تطلع مكورة (5) (فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من


(1) فالنجاء النجاء اي النجاة النجاة (2) والوحا الوحا اي العجلة العجلة (3) والجد الجد اي الاجتهاد الاجتهاد في الخلاص هذا كله حث وحض على الفرار والهرب من فتنة المسيخ الدجال فما ادهاها من فتنة تقع في الدين امام الساعة وتحيط بالناس فيهلك فيها من يهلك ويحيا فيها من يحيا (4) بيت المقدس اي البيت المطهر ويقال له القدس إنما خص بيت المقدس بالسكنى فيه يومئذ لان الدجال لا يدخله ولا يدخل مكة المشرفة ولا المدينة المنورة على ساكنها افضل الصلاة والسلام لان الملائكة تطرده عن هذه الاماكن الشريفة لاختصاصها عند الله عز وجل (5) مكورة اي غير مضيئة (*)

[ 107 ]

قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) فيومئذ لا توبة تقبل . ولا عمل يصعد . ولا رزق ينزل . ثم قال عهد الي (1) حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لا اخبر بما يكون بعد ذلك . (جاء إليه كرم الله وجهه فقال) يا امير المؤمنين اخبرني عن القدر . فقال بحر عميق فلا تلجه (2) . فقال يا امير المؤمنين . اخبرني عن القدر . قال سر الله عزوجل قد خفي عليك فلا تفشه (3) قال يا أمير المؤمنين اخبرني عن القدر فقال عليه السلام . ايها السائل إن الله عز وجل خلقك لما شاء . أو لما شئت . قال بل لما شاء . قال فيستعملك لما شاء . أو لما شئت . قال بل لما شاء . قال ايها السائل ألست تسأل ربك العافية . قال بلى . قال فمن اي شئ تسأله العافية من البلاء الذي ابتلاك به . أو البلاء الذي ابتلى به غيرك . قال


(1) عهد إلي اي اوصاني (2) فلا تلجه اي لا تخاطر بنفسك وتدخله فيغشاك من الحيرة والهم ما غشى فرعون وجنوده من اليم (3) فلا تفشه اي لا تذكره ولا تتشدق به فتصبح في حيرة لاتجد إلى الخلاص منها سبيلا (*)

[ 108 ]

بل من البلاء الذي ابتلاني به هو . قال ايها السائل ألست تقول لاحول ولاقوة إلا . بمن . قال إلا بالله العلي العظيم . قال ايها السائل اتعلم ما تفسيرها (1) . قال علمني مما علمك الله يا امير المؤمنين . قال فإن تفسيره ان العبد لا يقدر على طاعة الله ولا تكون له قوة في معصية في الامرين جميعا إلا بالله جل وعز . ايها السائل ألك مع الله (2) جل وعز مشيئته . أو فوق الله مشيئة أو دون ذلك مشيئة . فإن زعمت ان لك دون الله مشيئته فقد اكتفيت بها عن مشيئة الله . وإن زعمت ان لك فوق مشيئة فقد زعمت ان قوتك ومشيتك غالبتان على قوة الله ومشيئته وان زعمت ان لك مع الله عز وجل مشيئته فقد زعمت ان لك مع الله شركا في مشيئته . ايها السائل ان الله عز وجل


(1) ما تفسيرهااي تفسير لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم (2) ألك مع الله الخ اي ليس للعبد مشيئة مستقلة دون الله لان مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله عز وجل قال الله تبارك وتعالى (وما تشاؤن إلا ان يشاء الله إن الله كان عليما حكيما) (*)

[ 109 ]

يصح ويداوي . منه الداء ومنه الدواء (1) أعقلت . قال نعم . فقال علي بن ابي طالب عليه السلام الان اسلم اخوكم فقوموا فصافحوه وثم قال عليه السلام لو ان عند ي رجلا من القدرية لاخذت بصليف رقبته (2) ثم لا ازال احزها حتى اقطعها فإنهم يهود هذه الامة (2) ونصارها ومجوسها . (جاء رجل من اليهود الى علي بن ابي طالب عليه السلام فقال) يا أمير المؤمنين متى كان ربنا عز وجل فقال له عليه السلام يا يهودي (4) لم يكن ربنا جل وعز فكان . وانما يقال متى كان لشئ لم يكن فكان . هو كائن بلا كينونة . كائن لم يزل ليس له قبل فهو القبل وقبل الغاية . انقطعت الغايات عنده فهو غاية كل غاية .


(1) منه الداء يعني ان السقم والصحة من الله قال الله سبحانه وتعالى (وان يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو) (2) بصليف رقبته اي عرض عنقه (3) فانهم يهود هذه الامة اي زنادقة هذه الامة الشاقون عصا الجماعة المارقون من الكتاب والسنة (4) يا يهودي اي يا زنديق (*)

[ 110 ]

(سأله رجل عن تفسير لا حول ولا قوة الا بالله) فقال عليه السلام تفسيرها إنا لانملك مع الله شيئا ولانملك من دونه شيئا ولانملك إلا ما ملكنا مما هو املك به فمتى ملكنا ما هو املك به كلفنا ومتى اخذ منا وضع عنا ما كلفنا إن الله عز اسمه امرنا مختبرا (1) ونهانا تحذيرا . واعطانا على قليل كثيرا . لن يطاع ربنا مكرها . ولن يعصى مغلوبا . (جاء رجل الى امير المؤمنين عليه السلام فقال له) يا امير المؤ منين إني رجل فقير لامال لي ولا ولد . فقال له فأين انت عن كتاب الله عز وجل في قوله تبارك وتعالى (فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا (2) ويمددكم باموال وبنين ويجعل لكم جنات (2) ويجعل


(1) أمرنا مختبرا اي امر عباده مختبرا لهم هل يطيعون امره ام يعصونه وفي نسخة تخييرا (2) مدرارا اي كثيرة الدرور بالمطر (3) جنات اي بساتين (*)

[ 111 ]

لكم أنهارا) فقال له علمني كيف استغفر . فقال تقول أللهم إني استغفرك من كل ذنب قوى عليه بدني بعافيتك أو نالته قدرتي بفضل نعمتك . أو بسطت إليه يدي بسابغ رزقك (1) أو اتكلت فيه عند خوفي منه على أناتك (2) أو عولت (2) فيه على كرم عفوك أو وثقت منه بحلمك . اللهم واستغفرك من كل ذنب خنت فيه أمانتي . أو بخست بفعله نفسي أو خطئت به على بدني أو قدمت فيه لذتي أو آثرت فيه شهوتي أو قهرت فيه من منعني . أللهم واستغفرك من كل ذنب سبق على في علمك اني فاعله فدخلت فيه بإرادتي واجترحته (4) بمحبتي أو اتيته بشهوتي ثم أحلت عليك ربي فلم اغالبك بفعلي إذ كنت كارها لمعصيتي لكن سبق علمك في فحملت عني (5) فلم تدخلني فيه لمعصيتي لكن سبق علمك في فحملت عنى (5) فلم تدخلني فيه جبرا . ولم تحملني عليه قسرا (6) ولم تظلمني فيه شيئا فاغفر لي


(1) بسابغ رزقك اي بواسع رزقك (2) على أناتك اي على حلمك (3) أو عولت اي اعتمدت (4) واجترحته اي اكتسبته (5) فحملت عني اي لم تعاقبني في الحال وانت قادر على عقابي فنعم الحليم انت (6) قسرا اي اكراها واجبارا (*)

[ 112 ]

ياإلهي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . (وسئل كرم الله وجهه كم بين السماء والارض فقال) دعوة مستجابة (1) . قيل فكم بين المشرق والمغرب . قال مسيرة يوم للشمس (البراء بن عازب قال) دخلت على علي عليه السلام فقلت يا امير المؤمنين سألتك بالله ألا خصصتني باعظم ما خصك به رسول الله صلى الله عليه وسلم مما خصه به جبريل مما ارسله به الرحمن عز وجل فقال لولا ما سألت (2) ما نشرت دكر ما اريد ان استره حتى اضمن لحدي . إدا أردت ان تدعو باسم الله الاعظم فاقرأ من اول الحديد ست آيات وآخر الحشر هو الله الذي لا إله إلا هو إلى آخرها فإذا فرغت فتكلمت فقل


(1) دعوة مستجابة يعني ان الدعوة المستجابة تصعد من الارض الى السماء كالسهم الصائب لا يرده راد ولا يمنعه مانع حتى يستجيب الله لصاحبها (2) لوما سألت اي لو لا سؤالك إياي (*)

[ 113 ]

يامن هو كذلك افعل بي كذا وكذا فو الله لو دعوت به على شقي لسعد . قال البراء بن عازب فو الله لا ادعو بها لدنيا (1) ابدا . قال علي عليه السلام اصبت . كذا اوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم غير انه امرني ان ادعو بها في الامور الفادحة (2) . (وقال أبو عطاء) خرج امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام محزونا يتنفس فقال . كيف أنتم وزمان قد أظلكم (3) تعطل فيه الحدود ويتخذ المال (4) فيه دولا . ويعادي اولياء الله ويوالى فيه اعداء الله قلنا فإن ادركنا الزمان فكيف نصنع . قال


(1) لا ادعو بها لدنيا يعني اني لا اطلب بهذه الآيات الشريفة شيئا من حطام الدنيا بل انزهها عن ذكل لشرفها ورفعتها وخسة الدنيا ودنائتها (2) الفادحة اي النازلة من نوازل الدهر (3) قد اظلكم اي القي عليكم ظله معناه قرب منكم ودنا (4) وينخذ المال الخ يعني ان الناس لا يكون همهم يومئذ واجتهادهم الا في جمع المال يتداولونه بينهم مرة لهذا ومرة لهذا ولا يعملون للآخرة لانهم اشتروا بها الحياة الدنيا ونبذوها وراء ظهورهم فيا حسرة عليهم (يوم ينظر المرء ما قد مت يداه) (*) (8)

[ 114 ]

كونوا كأصحاب عيسى عليه السلام نشروا بالمناشير (1) وصلبوا على الخشب . موت في طاعة الله عز وجل خير من حياة في معصية الله . (قام إليه كرم الله وجهه عباد بن قيس فقال) يا أمير المؤمنين اخبرنا ما الايمان وما الاسلام فقال نعم يابن قيس إن الله جل ثناؤه ابتدأ الامور بعلمه فيها واصطفى لنفسه ما شاء . واستخلص ما احب فكام ما احب انه اختار الاسلام فجعله دينا لعباده اشتقه من اسمه لا نه السلام ودينه الاسلام الذي ارتضاه لنفسه فنحله من احب (2) من خلقه ثم شرفه فسهل شرائعه لمن ورده وعزز اركانه على من حاربه . هيهات من ان يصطلمه مصطلم (3) جعله عزا لمن والاه وسلما لمن دخله (4) وهدى لمن ائتم به ونورا لمن استضاء به


(1) وفي نسخة بالمآشير (2) فنحله من احب اي اعطاه من احبه (3) من يصطلمه مصطلم اي من ان يبطله مبطل (4) وسلما لمن دخله اي سلاما له وامانا مما يخاف (*)

[ 115 ]

وبرهانا لمن تمسك وزينة لمن تجلله (1) وعونا لمن انتحله (2) وشرفا لمن عرفه . وحجة لمن نطق به . وشاهدا لمن خاصم به . وفلجا (2) لمن حاج به . وعلما لمن وعاه (4) . وفهما لمن رواه وحكما لمن قضى به (5) ولبا لمن تدبره (6) ويقينا لمن عقله . وفهما لمن تفطن به . وعبرة لمن اتعظ به . وحبلا وثيقا لمن تعلق به . ونجاة لمن صدق به . ومودة لمن اصلح . وزلفى لمن اقترب (7) وراحة لمن فوض . ولباسا لمن اتقى . وكيفية لمن آمن وأمنا لمن اسلم . وروحا للصادقين فالاسلام اصل الحق (8) . والحق سبيل الهدى . وصفقته (9)


(1) لمن تجلله اي تلبس به (2) لمن انتحله اي انتسب إليه (3) وفلجا اي فوزا (4) لمن وعاه اي لمن حفظه (5) لمن لحن به اي لمن طرب به وترنم ولم يخرج عن حد القراءة (6) ولبا لمن تدبره اي وعقلا لمن تر فكفيه (7) وزلفى لمن اقترب اي قربة ومنزلة له وفي نسخة اقترف (8) فالاسلام اصل الحق يعني ان الحق اصله الاسلام وكفى الاسلام شرفا ورفعة ان الله لا يقبل غيره من الاديان قال الله تبارك وتعالى (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه) (9) وصفته اي بيعته (*)

[ 116 ]

الحسني . ومأثرته المجد . فهو إبلج المنهج نير السراج . مشرق المنار . ذاكي المصباح رفيع الغاية يسير المسلك جامع الحيلة قديم العدة . متنافس السبقة . أليم النقمة . قصد الصادقين واضح البرهان . عظيم الشان . كريم الفرسان . فا لايمان منهاجه . والتقوى عدته . والصالحات مناره . والعفة مصابيحه والمحبون فرسانه . والموت غايته . والدنيا مضماره (1) والقيامة حلبته (2) والجنة سبقته . والنار نقمته . فمعتصم السعداء بالا يمان وخذلا ن الاشقياء بالعصيان . من بعد إيجاب الحجة عليهم بالبيان . إذا وضح لهم منار الحق . وسبيل الهدى . فتارك الحق مشوهة (3) يوم التغابن (4) خلقته . داحضة حجته (5) عند فوز السعداء با لجنة . فبا لايمان يستدل على التقوى وبالتقوى يرهب الموت وبالموت تختم الدنيا . وفي الدنيا تحرز الآخرة . وفي


(1) مضماره المضمار هو المكان الذي تضمر فيه الخيل للسباق (2) والقيامة حلبته الحلبة خيل تجمع للسباق من كل ناحية لا من اصطبل واحد (3) مشوهة اي مقبحة وفي نسخة مشوه (4) يوم التغابن اي يوم القيامة (5) داحضة حجته اي حجته باطلة معناه لا حجة له (*)

[ 117 ]

القيامة تزلف الجنة (1) وبالجنة تكون حسرة اهل النار . وفي ذكر اهل النار موعظة اهل التقوى . والتقوى غاية لا يهلك من قصدها . ولا يندم من عمل بها . لان بالتقوى فاز الفائزون وبالمعصية خسر الخاسرون . وليذكر اهل التقوى فإن الخلق لا مقصر لهم (2) في القيامة دون الوقوف بين يدي الحكم العدل مزقلين في مضمارها (3) نحو القصبة (4) العليا إلى الغاية القصوى (5) مهطعين باعناقهم (6) نحو داعيها قد شخصوا (7) من مستقر الاجداث (8) والمقابر إلى ضرورة الابد لكل اهلها قد انقطعت با لا شقياء الاسباب . وافضوا إلى عذاب شديد العقاب فلا كرة (9) لهم إلى دار الدنيا وافتقروا من الخيرات ولم يغن عنهم الذين آثروا طاعتهم (10) على طاعة المتعال


(1) تزلف الجنة اي تقرب (2) لا مقصر لهم اي لا انتهاء لهم (3) مرقلين في مضمارها اي مسرعين فيه (4) نحو القصبة اي نحو قصبة السبق (5) القصوى اي البعيدة (6) مهطعين باعناقهم اي مسرعين الى الداعي ما دين اعناقهم خافضين رؤوسهم (7) قد شخصوا اي خرجوا (8) من مستقر الاجداث اي القبور (9) فلا كرة اي لا رجوع (10) آثروا طاعتهم اي اختاروها (*)

[ 118 ]

وفاز السعداء بولاية الايمان فالإيمان يا ابن قيس على اربعة اركان . الصبر . واليقين . والعدل . والجهاد . والصبر من ذلك على اربعة اركان على الشوق . والشفقة . والزهد . والترقب (1) فمن اشتاق الى الجنة سلا عن الشهوات . ومن اشفق من النار (2) رجع عن الحرمات . ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات . ومن ترقب الموت سارع في الخيرات واليقين من ذلك على اربعة اركان على تبصرة الفطنة وموعظة العبرة . وتأويل الحكمة بتبين العبرة . ومن السنة تبين العبرة عرف السنة . ومن عرف السنة فكأنما كان في الاولين فاهتدى إلى التي هي اقوم (4) والعدل من ذلك على اربعة اركان على غامض (5) الفهم (6) وغمرة العلم (7) وزهرة الحكم . وروضة


(1) والترقب اي الانتظار (2) اشفق من النار اي حذر منها (3) بتبين العبرة العبرة الاسم من الا عتبار وفي نسخة تبين (4) لي التي هي به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر (5) وفي نسخة غائص (6) في نسخة الفهم با لتحريك (7) وغمرة العلم اي وفرته وكثرة جمله (*)

[ 119 ]

الحكم فمن فهم فسر جمل العلم . ومن علم شرع غرائب الحكم ومن شرع غرائب الحكم دلته على معادن الحلم فلم يضل . من حلم لم يفرط في امره وعاش في الناس حميدا . والجهاد من ذلك على اربعة اركان على الامر بالمعروف . والنهي عن المنكر . والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين (1) . فمن امر با لمعروف شد ظهر المؤمنين . ومن نهى عن المنكر ارغم انف المنافقين . ومن صدق في المواطن قضى ما عليه . ومن شنئ الفاسقين (2) فقد غضب لله جل وعز . ومن غضب لله جل ثناؤه له ذلك الايمان يا ابن قيس ودعائمه (3) واركانه . افهمت قال نعم يا امير المؤ منين ارشدك الله فقد ارشدت . الباب السادس (في المروي عنه عليه السلام من غريب كلامه) كان عليه السلام يعلم اصحابه الصلاة على النبي صلى الله


(1) وشنآن الفاسقين اي بغضهم (2) ومن شنئ الفاسقين اي ابغضهم (3) ودعائمه الدعائم جمع دعامة وهي عماد البيت (*)

[ 120 ]

عليه وسلم يقول اللهم داحي المدحوات (1) . وبارئ المسموكات (2) وجبار القلوب على فطراتها (3) شقيها وسعيدها . اجعل شرائف صلواتك . ونوامي بركاتك . ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك الفاتح لما اغلق والخاتم لما سبق والمعلن الحق با لحق والدامغ جيشات الاباطيل (4) كما حمل (5) فأضطلع (6) بأمرك لطاعتك مستوفزا في مرضاتك (7) . لغير نكل (8) في قدم . ولا وهن (9) في عزم واعيا لوحيك (10) حافظا لعهدك . ماضيا على نفاذ امرك . حتى اورى قبسا لقابس . وانار علما لحابس . آلاء الله (11) تصل بأهله اسبابه . به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم موضحات الاعلام . ونائرات الاحكام


(1) داحي المدحوات اي باسط الارضين (2) وبارئ المسموكات اي خالق السموات (3) على فطراتها الفطرات جمع فطرة وهي الخلقة (4) الدامغ جيشات الاباطيل اي القاطع حركات الاباطيل الماحي رسومها (5) وفي نسخة حمل (6) فاضطلع اي قوي من الضلاعة وهي القوة (7) مستوفزا في مرضاتك اي ناهضا فيها مسارعا إليها غير متكاسل عنها (8) لغير نكل لغير نكل اي لغير نكوص (9) ولا وهن اي ضعف (10) واعيا لوحيك اي حافظا له (11) آلاء الله اي نعمه (*)

[ 121 ]

ومنيرات الاسلام . فهو امينك المأمون . وخازن علمك المخزون . وشهيدك يوم الدين . وبعيثك نعمة . ورسولك بالحق رحمة . اللهم افسح له مفسحا في عدلك أو عدنك (1) واجزه مضاعفات الخير من فضلك له مهنات غير مكدرات من فوز ثوابك المحاول . وجزيل عطائك المعلول . اللهم اعل على بناء البانين بناءه . واكرم لديك نزله ومثواه (2) . واتمم له نوره وأجره من ابتعاثك له (3) مقبول الشهادة . ومرضى المقالة . ذا منطق عدل . وخطة فصل (4) . وحجة وبرهان عظيم (وقال كرم الله وجهه) ذمتي رهينة وانا به زعيم لمن (5) صرحت له العبر أن لا


(1) اوعدنك اي جنتك (2) نزله ومثواه النزل ما يهيأ للنزيل والمثوى المنزل (3) ابتعاثك له اي بعثك اياه (4) وخطة فصل الخطة بضم الخاء الامر والقصة (5) زعيم اي كفيل (*)

[ 122 ]

يهيج على التقوى زرع قوم . ولا يظمأ علي التقوى سنخ اصل . ألا وإن بغض خلق الله إلى الله رجل قمش علما غارا باغباش الفتنة . عميا بما في غيب الهدنة . سماه اشباهه من الناس عالما . ولم يغن في العلم يوما سالما . بكر فاستكثر مما قل منه . فهو خير مما كثر . حتى إذا ما ارتوى من آجن واكثر (1) من غير طائل . قعد بين الناس قاضيا لتخليص ما التبس على غيره . إن نزلت به إحدى المبهمات هيا حشوا رأيا من رأيه . فهو من قطع الشبهات في مثل غزل العنكبوت (2) لأنه لا يعلم إذا أخطا أأخطا أم اصاب . خباط عشوات . ركاب جهالات لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم . ولا يعض في العلم (3) بضرس قاطع . يذروا الرواية ذرو الريح الهشيم . تبكي منه الدماء . وتصرخ منه المواريث . ويستحل بقضائه الفرج الحرام


(1) في نسخة واكتنز (2) في مثل غزل العنكبوت اي في غاية الضعف والوهن قال الله تبارك وتعالى (وان اوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) (3) في نسخة على العلم (*)

[ 123 ]

لاملئ والله بإصدار ما ورد عليه . ولا اهل لما قرظ به (تفسير غريبه) قوله لا يهيج يريد لا يجف . والسنخ الاصل واضاف احدهما الى الاخر لا ختلاف لفظيهما . واراد انه من عمل لله عملا لم يفسد ذلك العمل ولم يبطل كما يفسد النبت ولكنه لا يزال ناضرا (1) . واغباش الفتنة ظلمها . والهدنة السكون اراد انه لا يعرف ما في الفتنة من الشر . ولا في السكون من الخير . ولم يغن اي لم يلبث قي العلم يوما تاما . والآ جن الماء المتغير . وإحدى المبهمات المسألة المعضلة . وقوله خباط عشوات هو الذي يخبط في الظلم . وقوله ولا يعض في العلم بضرس قاطع اي لم يتقنه ولم يحكمه . وقوله لما قرظ به التقريظ المذح


(1) لا يزال شديد الخضرة ويبالغ بناضر في كل لون فيقال احمر ناضر واصفر ناضر الى آخر الالوان (*)

[ 124 ]

(وروي عن ابن عباس قال) رأيت امير المؤمنين عليا عليه السلام يوم صفين (1) وعلى رأسه عمامة بيضاء وكأن عينيه سراجا سليط وهو يحمش اصحابه إلى ان انتهى إلى وانا في كتف (2) فقال معشر المسلمين استشعروا الخشية . وعنوا الاصوات وتجلببوا السكينة . واكملوا اللؤم . واخفوا الجنن . واقلقو ا السيوف في الغمد (3) قبل السلة . والحظور الشزر . واطعنوا الشزر أو النتر أو اليسر كلا قد سمعت . ونافحوا با لظبي وصلوا السيوف با لخطى . وامشوا إلى الموت مشية سجحا أو سجحاء . وعليكم الرواق المطنب فاضربوا ثبجه (4) فإن الشيطان راكد في كسره (5) . نافج حضنيه (6) . مفترش


(1) يوم صفين هو الموضع الذي كانت به الوقعة العظمى بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما وذلك في غرة صفر سنة 37 هجرية وبسبب ذلك احترس الناس من السفر في صفر (2) وفي نسخة كثف (3) وفي نسخة بضم الغين والميم (4) فاضربوا ثبجه اي وسطه (5) راكد في كسره اي ساكن في جانبه (6) نافج حضينه اي رافعها (*)

[ 125 ]

ذراعيه . قد قدم للوثبة يدا . واخر للنكوص رجلا (تفسير غريبه) السليط الزيت . يحمش اصحابه اي يذمرهم (1) ويغضبهم والكتف الجماعة . وقوله وعنوا الاصوات اي احبسوها واخفوها . واللؤم جمع لأمة وهي الدرع . والجنن الترسة يقول اجعلوها خفاقا . واقلقوا السيوف اي سهلوها قبل ان تحتاجوا الى ذلك لئلا تعسر . والظبي جمع ظبة السيف اي حده وقوله وصلوا السيوف با لخطى اي إذا قصرت عن الضرائب تقدمتم واسرعتم . وقوله والرماح بالنبل اي إذا قصرت الرماح ببعد من تريدون طعنه رميتموه با لنبل . وقوله مشية سجحا اي سهلة . والرواق رواق البيت المشدود با لا طناب (1) والحضنان الجنبان . وقوله والحظوا الشزر هو النظر بموخر العين نظر العدو . والطعن اليسر ما كان حذاء وجهك . والشزر


(1) بالا طناب جمع طنب بضمتين وهو حبل طويل يشد به سرادق البيت (*)

[ 126 ]

عن يمينك وشمالك . والنتر الطعن الخلس (وقال كرم الله وجهه) من اراد البقاء ولا بقاء فليباكر الغداء . وليقل غشيان النساء . وليخفف الرداء . قيل يا امير المؤ منين وما خفة الرداء قال عليه السلام قلة الدين كنى بالرداء عن الظهر لانه يقع عليه . يقول فليخفف ظهره ولا يثقله بالدين (رأى كرم الله وجهه رجلا في الشمس فقال) قم عنها فإنها مبخرة محفرة تتفل الريح . وتبلى الثوب (1) وتظهر الداء الدفين . قوله عليه السلام مجفرة اي تقطع شهوة النساء . وقوله تتفل الريح اي تنتنها والإسم التفل . يقال امرأة تفلة اي


(1) وتبلي الثوب اي تصيره رثا باليا (*)

[ 127 ]

أنتن ريحها . وقوله الداء الدفين هو المستتر الذي قد قهرته الطبيعة . يقول فالشمس تعينه على الطبيعة وتظهره . (قال كرم الله وجهه) (إن من ورائكم امورا متماحلة ردحا وبلاء مكحلا مبلحا) المتماحلة . الطوال يعني فتنا يطول امرها . والردح جمع رداح وهي العظيمة يقال ذلك للكتيبة (1) إذا عظمت وللمرأة إذا كبرت عجيزتها . وقوله مكلحا اي يكلح الناس لشدته (2) يقال كلح الرجل واكلحه الهم . والمبلح من قولك بلح الرجل إذا انقطع من الإعياء فلم يقدر ان يتحرك (وقال كرم الله وجهه) البيت المعمور متاق الكعبه من فوقها . قوله عليه السلام نتاق الكعبة اي مطل عليها من فوقها


(1) للكتيبة اي الجيش (2) وفي نسخة لشدتها (*)

[ 128 ]

من قول الله تعالى (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة (1)) (وقال كرم الله وجهه) خذ الحكمة انى أتتك . فإن الكلمة من الحكمة تكون في صدر المنافق فتلج حتى تسكن إلى صاحبها يقال لجلج اللقمة في فيه إذا أدارها ولم يسعها وارد عليه السلام ان الكلمة قد يعلمها المنافق فلا تزال تتحرك في صدره ولا تسكن حتى يسمعها المؤمن أو العالم فيثقفها (2) فتسكن في صدره إلى اخواتها من كلم الحكمة الباب السابع (في المروي عنه من نوادر كلامه وملح ألفاظه (3) عليه السلام) (صفة المؤمن) قال زيد بن اسلم وصف امير المؤمنين علي بن ابي طالب


(1) كانه ظلة سحابة قد أظلتهم اي قربت منهم ودنت (2) وفي نسخة فيثبتها (3) وملح الفاظه الملح جمع ملحة بضم الميم وهي ما يستملح من الكلام (*)

[ 129 ]

عليه السلام فقال صفة المؤمن قوة في دينه . وجرأة (1) في لينه . وإيمان في يقينه . وخوض في فقه . وبر في استقامة . وعمل في علم . ونشاط في هدى . وكيس في رفق (2) . لا يغلبه فرجه . ولا يفضحه بطنه . نفسه منه في عناء (3) . والناس منه في إعفاء (4) لا يغتاب ولا يتكبر (وقال كرم الله وجهه) اعجب ما في هذا الانسان قلبه . وله مواد من الحكمة واضداد من خلافها . فإن سنح له (5) الرجاء أذله الطمع . وإن هاج به الطمع اهلكه الحرص . وإن ملكه اليأس قتله الاسف وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ . وإن اسعد بالرضى نسى التحفظ (6) . وإن ناله الفزع شغله الحذر . وإن اتسع له


(1) وجرأة اي شجاعة (2) وكيس في رفق اي عقل في ترفق (3) اي في تعب ونصب (4) في اعفاء اي في عافية وراحة (5) فان سنح له اي عرض له (6) نسى التحفظ اي الاحتراز والتيقظ . (*)

[ 130 ]

الامن (1) استلبته الغرة (2) . وإن افاد مالا (3) اطغاه الغنى . وان اصابته فاقة مسه الجزع . وإن نهكه الجوع (5) قعد به الضعف وإن افرط به الشبع كظته البطنة (6) . فكل تقصير به مضر . وكل افراط له مفسد . (كان كرم الله وجهه إذا نظر إلى الهلال قال) ايها الخلق المطيع لله . الدائر السريع المتردد في منازل التقدير . المتصرف في فلك التدبير . آمنت بمن نور بك الظلم . واوضح بك البهم (7) . وجعلك آية من آيات ملكه . وعلامة من علامات سلطانه . فامتهنك (8) بالزيادة والنقصان والطلوع والافول . والإنارة والكسوف . في كل ذلك انت له مطيع . وإلى إرادته سريع . سبحانه فما اعجب ما دبر في


(1) وفي نسخة الامر (2) الغرة اي الغفلة (3) افادة مالا اي استفاده (4) اصابته فاقة اي اصابه فقر (5) نهكه الجوع اي اضناه وجهده (6) كظته البطنة اي جهدته واضنته والبطنة شدة امتلاء المعدة من الطعام فوق الطاقة (7) بك إليهم اي المبهمات (8) فامتهنك اي استعملك (*)

[ 131 ]

امرك . وألطف ما صنع في شأنك . جعلك مفتاح شهر لأمر حادث . جعلك الله هلال بركة لاتمحقه الايام (1) . وطهارة لا تدنسه الاعوام . هلال أمنة (2) من الافات . وسلامة من السيئات . هلال سعد لانحس فيه . ويمن لا نكد فيه . ويسر لا يمازجه عسر . وخير لا يشوبه شر . هلال امن وايمان ونعمة واحسان . وسلامة وإسلام . اللهم اجعلنا من ارضى من طلع عليه . وازكى من نظر إليه . واسعد من تعبد لك فيه اللهم وفقنا للتوبة . واعصمنا من الحوبة (3) واوزعنا شكر النعمة (4) والبسنا خير العافية . واتمم علينا با ستكمال طاعتك فيه المنة (5) لك إنك المنان الحميد (وقال علي كرم الله وجهه في حق العالم) من حق العالم ان لا تكثر عليه السؤال . ولا تنعنته (6)


(1) لا تمحقه الايام اي لا تبطله الايام ولا تمحوه (2) هلال امنة اي هلال امان وسلامة (3) واعصمنا من الحوبة اي احفظنا من الذنب (4) واوزعنا شكر النعمة اي ألهمنا شكرك عليها (5) المنة اي النعمة (6) ولا تعنته في الجواب اي لا تكلفه المشقة فيه (*)

[ 132 ]

في الجواب . ولا تلح عليه إذا كسل . ولا تأخذه بثوبه إذا نهض ولا تفشي له سرا (1) . ولا تغتب (2) عنده احدا . وان تجلس امامه وإذا اتيته قصدته بالتحية . وسلمت على القوم عامة . وان تحفظ سره ومغيبه ما حفظ امر الله (3) عز وجل . فإنما العالم بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شئ . والعالم افضل من الصائم القائم الغازي في سبيل الله . وإذا مات العالم انثلم بموته في الاسلام ثلمة لا تسد الى يوم القيامة . وإذا مات العالم شيعه سبعة وسبعون الفا من مقربي السماء (4) (وقال كرم الله وجهه) ايها الناس إن اول وقوع الفتن اهواء تتبع . واحكام تبتدع . يخالف فيها حكم الله . ويعظم عليها رجال رجالا


(1) ولا تفشى له سرا اي لا تظهر احدا على سره (2) وفي نسخة تغتاب (3) ما حفظ امر الله اي ما دام حافظا امر الله واما العالم الذي لم يحفظ امر الله عز وجل فلا يستحق شيئا من هذه الوصية (4) من مقربي السماء اي من الملائكة المقربين (*)

[ 133 ]

ولو ان الحق اخلص فعمل به لم يخف على ذي حجا (1) ولكنه يؤخذ ضغث من هذ ا وضغث من هذا (2) فيخلط فيعمل به فعند ذلك يستولى الشيطان على اوليائه . وينجوا الذين سبقت لهم منا الحسنى (خبر الناقوس) مر على عليه السلام ومعه الحرث الاعور فإذا ديراني (3) يضرب با لناقوس . فقال علي عليه السلام يا حرث اتعلم ما يقول هذا الناقوس . قال الله ورسوله وابن عم رسوله اعلم . قال انه يصف مثل خراب الدنيا . يقول مهلا مهلا يا ابن الدنيا مهلا مهلا إن الدنيا * (ها مش) * (1) على ذي حجا اي على صاحبه عقل (2) ضغث من هذا وضغث من هذا الكلام اي كلام ملفق الطرفين من هذا ومن هذا والضغث قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس والمراد بذلك البدع والشبهات المخالفة للكتاب والسنة والاجماع (3) ديراني اي صاحب دير (*)


[ 134 ]

قد غرتنا واستهوتنا (1) لسنا ندري ما فرطنا فيها إلا ان قد متنا ما من يوم يمضي عنا إلا هدت منا ركنا زن ما تاتي زن ما تاتي زن ما تاتي زن ما تا تي وزنا وزنا وزنا وزنا تفني الدنيا قرنا قرنا يا ابن الدنيا جمعا جمعا يا ابن الدنيا سرطا سرطا (2) مامن يوم يمضي عنا إلا اثقل منا ظهرا إن المولى قد خبرنا انا نحشر غرلا بهما (3) قد ضيعنا دارا تبقى واستوطنا دارا تفنى (4)


(1) استهوتنا اي ذهبت بعقولنا وزينت لنا هوانا (2) سرطا سرطا السرط هو ابتلاع الشئ (3) نحشر غرلا بهما غير مخنونين ليس معنا شئ سالمين من العاهات والغرل جمع اغرل ضد المختون واهل المحشر عراة لا يرى بعضهم بعضا لا شتغال كل منهم بنفسه (4) روى التبريزي الخطيب في عروضه عن امير المؤمنين علي عليه السلام في خبر الناقوس حقا حقا حقا حقا صدقا صدقا صدقا صدقا يا بن الدنيا جمعا جمعا ان الدنيا قد غرتنا (*)

[ 135 ]

فقال الحرث لعلي عليه السلام أو تعلم النصارى ذلك . قال لا يعلم ذلك إلا نبي أو صديق أو وصي نبي فإن علمي من علم النبي صلى الله عليه وسلم وعلم النبي صلى الله عليه وسلم من علم جبريل عليه السلام . وعلم جبريل عليه السلام من علم الله تبارك وتعالى . (شرط له كرم الله وجهه في شراء دار) إشترى شريح دارا . واشهد شهودا . وكتب كتابا . فبلغ ذلك علي بن ابي طالب عليه السلام فقال له يا شريح اشتريت دارا . واشهدت شهودا . قال نعم . قال احذر ان تكون قد اشتريت من غير مالك . ووزنت مالا من غير حل وسوف ياتيك من لا ينظر في بينتك . ولا يسئلك عن كتابك


يابن الدنيا مهلا مهلا لسنا ندري ما فرطنا ما من يوم يمضي عنا الا أو هي منا ركنا ما من يوم يمضي عنا الا امضي منا قرنا (*)

[ 136 ]

ويزعجك عنها فتكون قد خسرت الدارين الدنيا والاخرة (1) ولو أنك حين اردت شراء الدار أو إذا أراد أحد شراء دار جاءني لكنت اكتب له كتابا ازهد فيه البائع المغرور والمشتري قلت وما كنت تكتب قال كنت أكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا ما اشترى عبد ذليل من ميت (2) قد ازعج با لرحيل اشترى منه دارا من دور الآفات من الجانب الفاني من عسكر الهالكين . ومجمع الغافلين . يجمع هذه الدار حدود اربعة . فالحد الاول ينتهي الى الافات (3) والحد الثاني ينتهي الى عظم المصيبات . والحد الثالث ينتهي الى الغفلات . والحد * (هامش) (1) الدنيا والاخرة اي دار الدنيا ودار الاخرة وذلك هو الخسران المبين (2) من ميت اي ممن يموت ويفنى (3) الى الافات اي العاهات فالمراد من هذ ا الكلام بما انطوى عليه من حدود الدار وغيرها ان الانسان لا يجعل همه كله في عمارة الدنيا وتشييد اركانها بل يكفيه منها ما يقوم بمعاشه وانما العقل والكياسة ان يجتهد في عمارة دار القرار وهي الاخرة بتقديم العمل الصالح في الدنيا (*)


[ 137 ]

الرابع ينتهي إلى الشيطان المغوي . والهوى المردي . واليه يشرع باب هذه الدار التي اشتراها هذا المزعوج بالاجل . من هذا المغرور بالأمل . فما ادرك مشتري هذه الدار . فعلى مبلبل الاجسام (1) وقاصم الجبابرة مثل كسرى وقيصر وسابور الاكبر وتبع وحمير . ما اوضح الحق لذي عينين . إن الرحيل حق احد اليومين (2) (وقال كرم الله وجهه في رسالة لرفاعة) لاحمى الا من ظهر مؤمن وظهر فرس مجاهد . وحريم بئر . وحريم نهر . وحريم حصن (4) . والحرمة بين الرجال والنساء . وهي الحجب . وحريم بين الحلال والحرام . لا مرتع فيه . وحريم لا يؤمن في الاولين والا خرين . وحريم حرمته


(1) مبلبل الاجسام اي محركها ومهيجها (2) احد اليومين اي يوم الرحيل يوم عظيم لان فيه فراقا (3) لا حمى الا من ظهر مؤمن الحمى هو الشئ المحمي الذي لا يستباح لاحد (3) وحريم حصن الحريم ما حرم فلم يمس (*)

[ 138 ]

الرحم . وحريم ما جاوز الاربع من الحرائر . وحريم القضاء (وقال كرم الله وجهه) إني لا ستحي من الله ان يكون ذنب اعظم من عفوي أو جهل اعظم من حلمي . أو عورة لا يوار يها ستري . أو خلة (1) لا يسدها جودي (وقال كرم الله وجهه) إن الجنة موصولة بالشكر . والشكر متعلق بالمزيد وهما مقرونان في قرن (2) . فلن ينقطع المزيد من الله عز وجل حتى ينقطع الشكر من العباد (وقال كرم الله وجهه) أربع يمتن القلب . الذنب على الذنب . وملاحاة الاحمق (3)


(1) أو خلة الخلة الحاجة والفقر (2) في قرن القرن الحبل الذي يقرن فيه البعيران (3) وملاحاة الاحمق اي منازعته (*)

[ 139 ]

وكثرة مثافنة النساء (1) والجلوس مع الموتى ، قال ومن الموتى يا امير المؤمنين ، قال كل عبد مترف (2) (وقال كرم الله وجهه) يا ايها الناس من علم من اخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه الاقاويل (4) . ومن حسنت علانيته فنحن لسريرته ارجى ألا لا يزيدن احدكم نفسه شكا . فإن من علم من اخيه مروءة جميلة فسمع فيه الاقاويل فقد شكك نفسه . ألا وإن الرامي قد يرمي وقد تخطئ السهام وباطل ذلك يبور ، ألا وإن بين الحق والباطل اربع اصابع (واشار باصابعه الاربع) فوضعها بين العين والاذن) فالحق ان تقول رأيته بعيني . والباطل


(1) مثافنة النساء اي مجالستهن وملازمتهن (2) كل عبد مترف اي كل انسان متنعم (3) وفي نسخة أيها (4) فلا يسمعن فيه الاقاويل اي لا يصغي الى ما يبرقشه النمامون من الاقاويل على عادتهم في السعي بين الاخوان بل يلزمه في مواطن العذل فذلك مذهب المحبين (*)

[ 140 ]

ان تقول سمعته باذني (وقال كرم الله وجهه) من عزفت نفسه (1) عن دني المطامع كملت محاسنه ومن كملت محاسنه حمد ، والمحمود محبوب . ولن يحب العباد عبدا إلا بعد حب الله عزوجل (2) إياه . فتكون المحبة درجة إلى نيل صلاح معاشه . مع وفور معاده . ومن اجتمعت له الخصلتان كملت سعادته . والشقي الكامل الشقاء من كان بخلاف ذلك (وقال كرم الله وجهه) ليس الخير ان يكثر مالك وولدك . ولكن الخير (3) أن


(1) من عزفت نفسه اي من زهدت نفسه في دنى المطامع وانصرفت عنه وفي نسخة دنئ (2) الابعد حب الله اي محبته اياه وبضدها تتميز الاشياء فإذا ابغض الله عبدا ابغضه الناس كما ابضغه الله فسبحان مقلب القلوب والابصار (3) ولكن الخير الخ اي ولكن الخير كثرة علمك (*)

[ 141 ]

يكثر علمك . وان يعظم حلمك . وان تباهي الناس بعبادة ربك . فإن احسنت حمدت الله عز وجل . وإن ا سأت استغفرت الله . ولا خير في الدنيا إلا لرجلين . رجل اذنب ذنوبا فهو يتدارك ذلك بتوبة . ورجل يسارع في الخيرات ، ولا يقبل عمل مع تقوى فكيف يقل ما يتقبل (1) (وقال كرم الله وجهه) إن أبغض الخلق الى الله لرجلان . رجل وكله الله عز وجل إلى نفسه فهو جائر عن القصد السبيل مشعوف بكلام بذعة قد لهج منها بالصوم والصلا ة فهو فتنة لمن افتتن به . ضال عن هدى من كان قبله . مضل لمن افتتن به حياته وموته . حمال لخطايا غيره . رهين بخطيئته . ورجل قمش جهلا (2) في جهال


(1) وحلمك ومباهاتك الناس بعبادة الله عزوجل لان هذه الاشياء هي النافعة للعبد (يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم) (1) فكيف يقل ما يتقبل يعني ان العمل المقبول لا يقال له قليل وان كان قليلا قال الله تبارك وتعالى والله يضاعف لمن يشاء (2) قمش جهلا اي جمع من الجهل مالا لا يحصى ومن الاباطيل مالا يستقصى وجعلها حبائل يصيد بها من يشاء (*)

[ 142 ]

الناس با لاباطيل والاضاليل نصبها عدة من حبائل غرور وقول زور . قد حمل الكتاب على رأيه . واستعطف الحق على هواه يزين العظائم . ويهون كبير الجرائم . لم يراقب من خلقه فيسكت حيث لا يعلم . قد اغتر مع ذلك فساقا تصدقه يستجهل بهم اشباه الناس . وجاف متجاف اعمى حيران يدعو إلى العمى (1) ويرى البصر في ترك النظر . يقول اقف عند الشبهات وفيها وقع . ويقول اعتزل البدع وفيها اضطجع . فهو في الناس رجل . الصورة صورة إنسان . والقلب قلب حيران . بهيمة بل البهيمة خير منه . فهو في الاحياء في التقلب والموت اغلب عليه في الصفة . عشوة (2) غار باغباش (3) غمر بما في ريث الهدنة (4) قد سماه اشباه الناس عالما . ولم يغن فيه (5) يوما سالما . تكثر فا ستكثر . وما قل منه خير مما كثر . حتى إذا


من جهال الناس الذين استخفهم فأطاعوه فويل له ثم ويل له (1) يدعو الى العمى اي يدعو الى طريق الضلال (2) عشوة العشوة الظلمة (3) غار بأغباش الاغباش جمع غبش وهو ظلمة آخر الليل (4) غمر بما في ريث الهدنة اي جاهل بما في ابطاء الصلح (5) ولم يغن فيه اي لم يقم فيه (*)

[ 143 ]

ارتوى من غير آجن (1) واكتنز (2) من غير طائل . جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره . وإن خالف قاضيا فسقه . ولم يأتم في حكمه بمن خلفه . وإن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشوا رايا من رأيه ثم قطع . فهو من لبس الشبهات في غزل العنكبوت (3) لانه لا يدرى . اصاب ام اخطأ . لا يحسب العلم في شئ مما انكر ولا يدري ان وراء ما بلغ مذهبا إن قاس شيئا بشئ لم يكذب نظره . وإن اظلم (4) عليه امر اكتتم به . لما يعلم من جهل نفسه . لكي لا يقال له لا يعلم ثم جسر فحكم . فهو مفتاح عشوات . ركاب شبهات . خباط جهالا ت . لا يعتذر مما لا يعلم


(1) من غير آجن الآجن الماء المتغير (2) وفي نسخة اكثر (3) في غزل العنكبوت اي في غاية الضعف والوهن (4) وان اظلم الخ يعنى إذا اعياه فهم مشكلة كتم امره خوفا من ان يصفوه بالجهل ثم تجاسر بعد ذلك فاقتحم عبابها وخاض فيه على غير بيان وحكم بما يراه ليقال له علامة الزمان المشار إليه بالبنان وهو مع ذلك مفتاح الضلالات في بحر الشبهات الحيران في وادي الجهالات (*)

[ 144 ]

فيسلم . ولا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم . يذرو الرواية ذرو الريح الهشيم . تبكي منه المواريث . وتصرخ منه الدماء ويستحل بقضائه الفرج الحرام . لاملئ بإصدار ما اورد عليه (1) ولا هو اهل لما منه فرط من ادعائه في علم الخلق . ألا وإن احب الناس الى الله لعبد أعانه الله جل ثناؤه على نفسه فا ستشعر الخوف . وتجلب الحزن (2) . واضمر اليقين . وتجنب الشك والشبهات وتوهم الزوال فهو منه على بال قد زهرت مصابيح الهدى في قلبه فقرب به البعيد . وهون به الشديد . فكر فاستكثر . ونظر فأبصر . حتى إذا ارتوى من عذب فرات سهلت موارده . فشرب نهلا (3) . وسلك سبيلا سهلا . لم يدع مظلمة إلا ابصر جلاءها . ولا مبهمة إلا عرف مداها قد خلع سرابيل الشهوات (4) وتخلى من الهموم إلا هما واحدا


(1) لا ملئ با صدار ما اورد عليه الخ يعني ليس عنده حسن قضاء فيشفي الغليل بايضاح ما استقضوه فيه ولا هو لما يدعيه في علم الخلق وانما فتنة وعثه لا تقع الا في صوف الايتام (2) وتجلبب الحزن اي تلبس به (3) فشرب نهلا النهل هو الشرب الاول ضد العلل وهو الشرب الثاني (4) قد خلع سرابيل الشهوات اي ترك (*)

[ 145 ]

انفرد به دون الهموم الشاغبة (1) الشاغلة للعقول فخرج من صفة العمى (2) . ومشاركة الهوى . فصار من مفاتيح ابواب الهدى . ومغاليق ابواب الردى . واستفتح (3) بما فتح به العالم ابوابه . فخاض بحاره . وقطع غماره (4) . ووضحت له سبله ومناره قد استمسك من العرى بأوثقها . ومن الحبال بأمتنها (5) فهو من اليقين على مثل ضياء الشمس قد نصب نفسه لله عز وجل في ارفع الامور من اصدار كل وارد عليه ورد كل فرع إلى اصله . فالارض الذي هو فيها مشرفة بيضاء نوره . ساكنة بقضائه . فراج عشوات (6) . كشاف مهمات . دفاع معضلا ت . مصباح ظلمات . دليل فلوات . لا يدع للخير مطلبا فالعلم ثمرة قلبه . ومنى نفسه التي إليها يقصد . وإياها يحاول


شهوات نفسه بمخالفته اياها (1) الشاغبة اي المهيجة للشر والفتن (2) من صفة العمى اي من صفة الجهل والضلال (3) واستفتح الخ اي نهج منهاج العلماء المخلصين (4) وقطع غماره الغمار جمع غمر وهو الماء الكثير (5) بأمثالها اي باقواها وارساها (6) فراج عشوات العشوات جمع عشوة وهي الظلمة (*) (10)

[ 146 ]

بقية ابقاه الله جل وعز لدينه وحجته . خليفة من خلائف انبياء الله بلزوم طريقتهم . والدعاء الى ما كانت عليه دعوتهم . والقيام بحجتهم . قد امكن الكتاب (1) من زمانه فهو قائده وإمامه . يضع رحله . حيث حل ثقله (2) . والناس عن الصراط ناكبون (3) في غمرة (4) ساهون . وفي حيرة يعمهون (5) (وقال علي كرم الله وجهه) ألا وإن الناس سبع طبقات (فالطبقة الاولى) الفراعنة يدعون الناس الى عبادتهم اما إنهم لا يأمرونهم ان يصلوا لهم ولا يصوموا ولكنما يأمرونهم بطاعتهم فيطيعونهم فبطاعتهم لهم في معصية الله جل ثناؤه قد اتخذوهم اربابا من


(1) قد امكن الكتاب الخ اي استمسك به وانقاد لاوامره ونواهيه (2) حيث حل ثقله الثقل متاع المسافر والثقل ايضا كل شئ نفيس مصون ومنه قوله صلى الله عليه وسلم إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي (3) عن الصراط ناكبون اي عادلو ن عن الصراط المستقيم (4) في غمرة اي في اشد غفلة عن الآخرة (5) يعمهون اي يترددون في حيرتهم (*)

[ 147 ]

دون الله جل ثناؤه . (والطبقة الثانية) جبابرة اكلهم الربا وبيعهم السحت (1) . (والطبقة الثالثة) فساق قد تشردوا من الدين كما يتشرد الشارد من الإبل (والطبقة الرابعة اصحاب الرياء ليس يعبدون إلا الدنيا والدرهم (والطبقة الخامسة) قراء مخادعون يطلبون الدنيا بزي الصالحين (2) (والطبقة السادسة) فقراء إنما هم احدهم ان يشبع شبعة من الطعام لا يبالي احلالا اخذها ام حراما (والطبقة السابعة) الذين اثنى الله جل وعز عليهم فقال (وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا (3) وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (4)) ثم قال . والذي فلق الحبة . وبرأ النسمة (5) . إنهم للذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون . ثم التفت الى كميل بن زياد . فقال يا كميل بن زياد اطلبهم . قال كميل واين اطلبهم يا أمير المؤ منين . قال في


(1) السحت اي الحرام (2) بزي الصالحين اي بلباسهم وهيئتهم (3) يمشون على الارض هونا اي يمشون عليها بسكينة ووقار (4) قالوا سلاما اي قالوا سدادا من القول يسلمون فيه من شرهم واذاهم (5) وبرأ النسمة اي خلق النفس (*)

[ 148 ]

أطراف الارض تجدهم قد اتخذوا الارض فراشا . والماء طيبا . والقرآن شعارا . والدعاء دثارا (1) . باكين العيون دنسين الثياب يقرضون العيش قرضا . إن غابوا لم يفتقدوا (2) . وان شهدوا لم يعرفوا (3) . وإن خطبوا لم يزوجوا . وإن قالوا لم ينصت لقولهم يدفع الله عزوجل بهم العاهات واالآفات والبلايا عن الناس . وبهم يسقي الله عزوجل العباد الغيث من السماء . وينزل القطر من السحاب . اولئك عباد الله حقا حقا . (وقال كرم الله وجهه) الناس سبع طبقات لا يصلح بعضها الا ببعض . ولا غنى ببعضها عن بعض . فمنها جنود الله . ومنها كتاب العامة والخاصة . ومنها قضاة العدل . ومنها كتاب الدواوين . ومنها


(1) والقرآن شعارا والدعاء دثارا الشعار الثوب الذي يلي الجسد والدثار يكون فوق الشعار (2) ان غابوا لم يفتقدوا معناه إذا غابوا لم يطلبهم احد عند غيبتهم (3) وان شهدوا لم يعرفوا يعني إذ حضروا لا يعرفهم الناس لانهم ليسوا من ارباب المناصب ولا من ذوي الحيثيات عندهم (*)

[ 149 ]

اهل الجزية والخرج (1) والذمة ومسلمة الناس . ومنها التجار واهل الصناعات . ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجات والمسكنة فكل قد سمى الله سهمه (2) ووقف على حده في فريضته في كتابه أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم عهد الله عندنا محفوظا فالجنود بإذن الله عز وجل حصون الرعية . وزين الولا ة . وعز الدين . وسبيل الامن والخفض وليس تقوم الرعية إلا بهم ثم لا قوام للجند (3) إلا بما يخرج الله جل وعز لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم ويعتمدون عليه فيما اصلحهم ويكون من وراء حاجاتهم . ثم لا نماء لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب بما يحكمون من


(1) والخرج اي الخراج (2) قد سمى الله سهمه اي نصيبه يعني ان الله عز وجل قد بين في كتابه الشريف وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام مالكل طبقة من الطبقات السبع على ما اقتضته الحكمة الربانية والعدالة الالهية فسبحانه من مدبر حكيم (3) ثم لا قوام للجند الخ اي لا نظام لهم ولا قوة الا بما يصرف لهم من مال الخراج لا ن الجند إذا كانوا في سعة وخفض عيش قويت قلوبهم وعلت همتهم فلم يزالوا ظاهرين على عدوهم حامين حوزة مليكهم (*)

[ 150 ]

الامور ويظهرون من الإنصاف . ويجمعون من المنافع ويؤتمنون عليه خواص الامور وعوامها . ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجمعون من مرافقهم (1) ويقيمون من أسواقهم . ويكفونهم من الترفق بأيديهم . مما لا يبلغه رفق غيرهم . ثم الطبقة السفلى من اهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم (2) في الله عز وجل لكل سعة ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه . ولا يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله تبارك وتعالى وتوطين نفسه (3) على لزوم الحق والصبر عليه فيما خف اوثقل (وقال كرم الله وجهه) إنما انت احد رجلين إما امرؤ سخت نفسك بالبذل (4) في الحق ففيم احتجاجك (5) من واجب حق تعطيه وخلق كريم


(1) من مرافقهم اي منافعهم (2) يحق رفدهم اي عطاؤهم (3) وتوطين نفسه اي تمهيدها (4) بالبذل اي العطاء (5) ففيم احتجاجك اي فما الذي (*)

[ 151 ]

تسديه (1) وإما مبتلى بالمنع فما اسرع الناس عن مسئلتك إذ ا يئسوا من بذلك (2) . (وقال عليه السلام) حق المسلم على المسلم سبع خصال . يسلم عليه إذا لقيه . ويجيبه إذا دعاه . ويعوده إذا مرض . ويتبع جنازته إذا مات . ويحب له ما يحب لنفسه . ويكره له ما يكره لها . والمواساة في ماله (3) . (وقال عليه السلام) الناس ثلاثة اصناف . زاهد معتزم (4) وصابر على مجاهدة هواه . وراغب منقاد لشهواته . فالزاهد لا يظلم ما آتاه الله


حججك ومنعك من اعطائك ما يجب نحوك من الحقوق حيث كانت نفسك سخية (1) وخلق كريم تستديه اي خلق حسن تخالق به الناس (2) من بذلك اي عطائك (3) والمواساة في ماله معناه انه يعطيه من ماله ويجعله اسوته فيه (4) معتزم اي عازم (*)

[ 152 ]

فرحا به . ولا يكثر على ما فاته اسفا . والصابر نازعنه الى الدنيا نفسه فقدعها (1) وتطلعت الى لذاتها فمنعها . والراغب دعته الى الدنيا نفسه فأجابها . وأ مرته بإيثارها (2) فأطاعها . فدنس بها عرضه . ووضع لها شرفه . وضيع لها آخرته . (وقال عليه السلام) الجهاد ثلاثة اول ما يغلب عليه من الجهاد اليد . ثم اللسان . ثم القلب . فإذا كان القلب لا يعرف معروفا . ولا ينكر منكرا . نكس فجعل اعلاه اسفله . (وقال عليه السلام) ثلاثة واثنان ليس لهم سادس . ملك يطير بجناحين . ونبي


(1) فقدعها اي كفها وخالفها فاصبحت بعد ما طمحت عينها الى زهرة الحياة الدنيا كليلة الطرف واقفة عند ما رسم لها لا تبتغي غير الآخرة (2) وامرته بإيثارها اي اختيارها فيا بئس ما ختار لنفسه من التجارة البائرة والصفقة الخاسرة (*)

[ 153 ]

أخذ الله عزوجل بضبعية (1) . وساع مجتهد . وطالب يرجو ومقصر في النار . اليمين والشمال مضلة . والطريق المنهج عليه باقي الكتاب . وآثار النبوة هلك بعد من ادعى . وخاب من افترى . إن الله عز وجل ادب هذه الامة بالسيف والسوط ليس لا حد عند الامام فيهما هوادة (2) . فاستروا ببيوتكم . واصلحوا ذات بينكم (3) (وقال عليه السلام في توحيد الله عزو جل) إن اول الديانة معرفة الله (4) وكمال معرفته توحيده وكمال توحيده الإخلاص له والإخلاص نفي الصفات عنه


بضبعيه اي عضديه (2) هوادة الهوادة اللين (3) واصلحوا ذات بينكم اي اصلحوا ما بينكم من الاحوال حتى تكون احوالكم احوال محبة وائتلاف لا احوال تباغض واختلاف (4) معرفة الله اي معرفته بانه لا اله الا هو الواحد الاحد الفرد الصمد المنزه عن الوالد والولد وعن الشريك والمماثل القاهر فوق عباده الفعال لما يريد المقصود عند الحوائج الغني عن عباده فهذا بعض ما يجب معرفته فسبحان من لا يعلم قدره غيره ولا يدرك الواصفون صفته (*)

[ 154 ]

بشهادة كل صفة انها غير الموصوف وشهادة الموصوف انه غير الصفة وشهادتهما جميعا بالتنبيه على أنفسهما بالحدث الممتنع من الازل فمن وصف الله عز وجل فقد حده . ومن حده فقد عده ومن عده فقد ابطل ازله . ومن قال كيف فقد استوصفه . ومن فال فيم فقد ضمنه . ومن قال علام فقد أخلى . منه . ومن قال اين فقد نعته . ومن قال إلى فقد عداه . عالم إذ لا معلوم . وقادر إذ لا مقدور ورب إذ لا مربوب ومصور إذ لا مصور فكذلك ربنا تبارك وتعالى وفوق ما يصفه الواصفون (وقال عليه السلام في مثله من توحيد الله عز وجل) إن الله جل ثناؤه واحد بغير تشبيه ودائم بغير تكوين خالق بغير كلفة (1) قائم بغير منصبة (2) موصوف بغير غاية معروف بغير محدودية باق بغير تسوية عزيز . لم يزل قديم في


(1) بغير كلفة أي تكلف قال الله تبارك وتعالى (انما امره إذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون (2) بغير منصبة المنصبة التعب (*)

[ 155 ]

القدم زاغت القلوب لمهابته . وذهلت الالباب لعزته . وخضعت الرقاب لقدرته . لا يخطر على القلوب له مبلغ كنة (1) ولا يعتقد ضمير التسكين من التوهم في إمضاء مشيئته . لا تبلغه العلماء بالبابها (2) ولا اهل التفكر بتدبير امورها بأ كثر مما وصف جل وعز به نفسه (وقال عليه السلام) إن للمكروه غايات لا بد ان تنتهي إليها . فينبغي للعاقل ان ينام لها . إلى حين انقضائها . فإن إعمال الحيلة فيها . قبل تصرمها (3) . زيادة في مكروهها (وقال عليه السلام) داري عن المؤ من (4) ما استطعت فإن ظهره حمى الله (5)


(1) مبلغ كنه الشئ حقيقته وقدره (2) بالبابها اي عقولها (3) قبل تصرمها اي انقطاعها وانقضائها (4) دارئ عن المؤمن اي دافع عنه (5) فان حمى ظهره الله يعني ان الله عز وجل حمى ظهر المؤمن ومنعه من (*)

[ 156 ]

عز وجل ونفسه كريمة على الله وله يكون ثواب الله سبحانه فظالمه خصم الله فلا يكون خصمك . (وقال عليه السلام) والله ليسبقن إلى جنات عدن يوم القيامة اقوام ما كانوا باكثر الناس صلاة ولا صياما . ولا حجا . ولا عمرة . ولاكن على قدر عقولهم (1) اخبرنا أبو القاسم عبد الملك بن الحسن بن إبراهيم قراءة عليه . قال اخبرنا أبو بكر محمد بن القاسم بن فهد بن احمد بن عيسى بن صالح البزاز . قال اخبرنا أبو الحسن احمد بن مطرف بن سوار البستي . قال حدثنا العباس بن


ان يضام فلا تظلمه ولا تهضم جانبه فتصير بذلك خصم الله ومن كان خصما لله حل عليه غضبه ومن يحلل عليه غضبه فقد هوى (1) على قدر عقولهم اي على قدر ما علم الله في قلوبهم من الخير وجميل الطوايا مع حسن التوكل على الله والاخلاص في العمل لوجهه الاعلى فلا يرون لنفسهم عملا وما عولوا في امرهم الا على طلب العفو من الله مع حسن الظن به عز وجل فاسعد بهم يوم يقال لهم (كلوا واشربوا هنيئا بما اسلفتم في الايام الخالية) (*)

[ 157 ]

الفضل بن شاذان . قال حدثنا محمد بن حميد وحجاج بن حمزة بن سويد العجلي . قال حدثنا زيد بن الحباب . قال حدثنا عيسى بن الاشعث عن جويبر عن الضحاك عن النزال ابن سبرة عن علي بن ابي طالب عليه السلام . قال من ابتدأ غذائه بالملح اذهب الله عنه سبعين بابا من الشر . ومن اكل سبع تمرات عجوة قتلت كل دابة في بطنه . ومن اكل إحدى وعشرين زبيبة حمراء لم ير في جسده شيئا يكرهه واللحم ينبت اللحم . والثريد طعام العرب . والشفارجات تعظم البطن (2) وترخي الاليتين . ولحم البقرداء . وشحمها دواء ولبنها شفاء . والشحم يخرج من الداء مثله . والسمك يذيب الجسد ولن تستشفي النفساء (2) بشئ افضل من الرطب . والمرء


(1) وفي رواية غذاءه (2) والشفارجات تعظم البطن السفارجات الاطباق يكون عليها الصحاف والقصاع والمراد ما فيها (3) تستشفي النفساء اي تطلب الشفاء والنفساء هي المرأة إذا وضعت ووضعها يقال له نفاس ولو لا مزية الرطب على غيره من الثمار والفواكه ماكان مختارا للنفساء ولاسيما كونه من شجرة طيبة (*)

[ 158 ]

يسعى بجده (1) . والسيف يقطع بحده . ومن اراد البقاء ولا بقاء فليباكر الغداء . وليقل النساء (2) وليخفف الرداء قيل يا امير المؤمنين وما خفة الرداء قال قلة الدين . الباب الثامن (في ادعيته ومناجاته) اخبرني أبو عبد الله محمد بن منصور بن شيكان التستري مجيزا . قال اخبرنا محمد بن الحسن بن غراب . قال حدثنا القاضي احمد بن محمد . قال حدثنا القاضي موسى بن اسحق . قال حدثنا عبد الله بن ابي شيبة . قال حدثنا محمد بن فضيل عن عبد الله الأسدي . قال كان امير المؤمنين يقول في مناجاته إلهي لولا ما جهلت من امري ما شكوت عثراتي ولولا ما ذكرت من الإفراط ما سفحت عبراتي (3) . إلهي فامح مثبتات العثرات


(1) يسعى بجده اي بحظه (2) وليقل غثيان النساء اي لا يكثر من جماعهن فان الكثير من ذلك يدعو الى السقام وضعف النظر بخلاف القليل منه (3) ما سفحت عبراتي اي ما صببت دموعي وارسلتها (*)

[ 159 ]

بمرسلات العبرات . وهب كثير السيئات . لقليل الحسنات . إلهي إن كنت لا ترحم إلا المجدين في طاعتك فإلى من يفزع المقصرون . وإن كنت لا تقبل إلا من المجتهدين فإلى من يلتجئ المخطئون (1) وإن كنت لا تكرم إلا أهل الإحسان فكيف يصنع المسيئون (2) وإن كان لا يفوز يوم الحشر إلا المتقون فبمن يستغيث المذنبون . إلهي إن كان لا يجوز على الصراط إلا من اجازته براءة عمله فأنى بالجواز (3) لمن لم يتب قبل حلول اجله . إلهي إن حجب عن موحديك نظر تعمد لجناياتهم اوقعهم غضبك بين المشركين في كرباتهم . إلهي فا وجب لنا بالإسلام مذخور هباتك (4) واستصف لنا ما كدرته الجرائم بصفح صلاتك (5) . إلهي ارحم غربتنا إذا تضمنتنا بطون لحودنا وعميت علينا با للبن (6)


(1) فالى من يلتجئ المخطئون اي الى من يستند المذنبون (2) فكيف يصنع المسيئون اي كيف يكون حال الذين يعملون السيئات (3) فأنى بالجواز اي فكيف به (4) مذخور هباتك اي ذخيرة عطاياك (5) بصفح صلاتك اي بعفو عطاياك (6) وعميت علينا باللبن اي التبست علينا به واللبن (*)

[ 160 ]

سقوف بيوتنا . وضجعنا على الايمان في قبورنا . وخلفنا فرادى في اضيق المضاجع . وصرعتنا المنايا في انكر المصارع . وصرنا في ديار قوم كأنها مأهولة وهي منهم بلا قع (1) . إلهي فإذا جئناك عراة مغبرة من ثرى الاجداث (2) وجوهنا . وخاشعة من اهوال القيامة ابصارنا . وجائعة من طول القيام بطوننا . وبادية هناك (4) للعيون سوأتنا ومثقلة من اعباء الاوزار (5) ظهورنا . ومشغولين بما قد دهانا عن اهلينا واولا دنا . فلا تضاعف (6) علينا المصائب بإعراض وجهك الكريم عنا . وسلب عائدة ما مثله الرجاء منا (7) . إلهي ما حنت هذه العيون إلى بكائها . ولا جادت متسربة بمائها (8) . ولا


جمع لبنة وهو ما يبنى به (1) كأنها مأهولة وهي منهم بلاقع اي كأنهم فيها وهي منهم خلاء (2) من ثرى الاجداث اي من تراب القبور (3) وشاحبة من تراب الملاحد اي متغيرة من تراب القبور (4) وبادية هناك اي ظاهرة (5) من اعباء الاوزار اي احمالها (6) وفي نسخة تضعف (7) وسلب عائدة ما مثله الرجاء اي سلب منفعة ما صوره وحققه الرجاء (8) متسرية بمائها اي سائلة بمائها اسفا لما سلف منها من نفورها وامتناعها (*)

[ 161 ]

ولا شهرت (1) بنحيب المثكلات فقد عزائها . إلا لما سلف من نفورها وإبائها . وما دعاها إليه عواقب بلائها . وانت القادر يا كريم على كشف غمائها (2) . إلهي ثبت حلاوة ما يستعذبه لساني من النطق في بلاغته . بزهادة ما يرفعه قلبي من النصح في دلالته . الهي امرت بالمعروف وانت أولى به من المأمورين . وامرت بصلة السؤال وانت خير المسؤولين . إلهي كيف يقبل بنا اليأس عن الامساك كما لهجنا بطلابه وقد ادرعنا من تأميلنا إياك اسبغ اثوابه (3) إلهي إذا تلونا من صفاتك شديد العقاب اشفقنا (4) وإذا تلونا منا الغفور الرحيم فرحنا فنحن بين امرين لا يؤمنا سخطك (5) . ولا تؤ يسنا رحمتك


(1) ولا شهرت الخ اي اظهرت واوضحت والنحيب رفع الصوت بالبكاء والمثكلات جمع مثكل وهي المقلات اي التي لا يعيش لها ولد (2) على كشف غمائها اي على تفريج كربها (3) اسبغ اثوابه اي اكملها (4) اشفقنا اي حذرنا (5) لا يؤمنا سخطك ولا تؤيسنا رحمتك معناه نحن وان كنا على خوف من سخطك فنحن على رجاء لرحمتك التي وسعت كل شئ (*) (11)

[ 162 ]

إلهي إن قصرت بنا مساعينا عن استحقاق نظرك فما قصرت رحمتك بنا عن دفاع نقمتك . إلهي كيف تفرح بصحبة الدنيا صدورنا . وكيف تلتئم في عمرانها امورنا . وكيف يملكنا با للهو واللعب غرورنا . وقد دعتنا باقتراب آجالنا قبورنا . إلهي كيف نبتهج بدار حفرت لنا فيها حفائر صرعتها . وقبلتنا بايدي المنايا حبائل غدرتها (1) وجرعتنا مكرهين جرع مرارتها . ودلتنا العبر على انقطاع عيشتها . إلهي فاليك نلتجئ من مكايد خدعتها . وبك نستعين على عبور قنطرتها (2) . وبك تستعصم الجوارح على خلاف شهوتها وبك نستكشف (3) جلابيب حيرتها . وبك يقوم من القلوب استصعاب جهالتها . الهي كيف للدور ان تمنع من فيها من طوارق الرزايا (4) . وقد اصيب في كل دار سهم من اسهم


(1) حبائل غدرتها اي حبائل غدرها والحبائل جمع حبالة وهي ما يصاد به (2) على عبور قنطرتها اي على جوازها (3) وبك نستكشف الخ اي نطلب منك ان تكشف عنا ما نزل من الحيرة والجلابيب جمع جلباب وهي المحلفة اي ما يتغطى به من فوق الثياب (4) من طوارق الرزايا اي حوادث الزمان (*)

[ 163 ]

المنايا . الهي ما نفجع با نفسنا عن الديار إن لم توحشنا هناك من مرافقة الابرار . إلهي ما تضرنا فرقة الاخوان ولقرابات إذا قربتنا منك يا ذا العطيات . الهي ارحمني إذا انقطع من الدنيا اثري وامحى (1) من المخلوقين ذكري وصرت في المنسيين كمن قد نسي . الهي كبرت سني . ودق عظمي . ورق جلدي . ونال الدهر مني . واقترب اجلي . ونفذت ايامي . وذهبت شهوتي وبقيت تبعتي (2) . وامتحت (3) محاسني . وبلى جسمي . وتقطعت أوصالي . وتفرقت أعضائي . إلهي فارحمني . إلهي أفحمتني ذنوبي (4) وانقطعت مقالتي . فلا حجة لي ولا عذر فانا المقر بجرمي . والمعترف باساء تي . والاسير بذنبي . والمرتهن بعملي المتهور في خطيئتي . المتحير عن قصدي . المنقطع بي (5) الهي فصل على محمد وآل محمد وارحمني برحمتك وتجاوز عني . إلهي


(1) وامحى اي انمحى (2) وبقيت تبعتي اي بقى ما يتبعني ويتعلق بي من حقوق العباد (3) وامتحت اي انمحت وهي لغة قليلة (4) افحمتني ذنوبي اي اسكنتني (5) المنقطع بي اي ليس لي سند غيرك ولا مولى سواك (*)

[ 164 ]

إن كان صغر في جنب طاعتك عملي . فقد كبر في جنب رجا ئك املي . إلهي كيف انقلب با لخيبة من عندك محروما . وكان ظني بجودك ان تقلبني مرحوما . كلا اني لم اسلط (1) على حسن ظني بك قنوط ظن الايسين . فلا تبطل صدق رجائي لك بين الاملين الهي ان كنا مرحومين فإنا نبكي على ما ضيعناه في جوارك ما نطلبه . الهي عظم جرمي إذ كنت المبارز به وكبر ذنبي إذ كنت المطالب به الا إني إذا ذكرت كثرة ذنوبي وعظيم غفرانك وجدت الحاصل لي بينهما عفو رضوانك . الهي ان اوحشتني الخطايا (2) من محاسن لطفك فقد آ نسني اليقين بمكارم عطفك . الهي إن انامتني الغفلة عن الاستعداد للقائك . فقد


(1) لم اسلط الخ اي لم اجعل للقنوط على حسن ظني بك سبيلا كعادة الضالين الذين لهم ولا بصيرة عندهم (2) ان اوحشتني الخطايا الخ يعني ان صيرتني الذنوب في وحشة من محاسن لطفك بي فقد آنسني ما عندي من اليقين بمكارم عطفك علي (*)

[ 165 ]

انبهتني المعرفة بكريم آلائك (1) . إلهي ان عزب لبي (2) عن تقويم ما يصلحني فما عزب إيقاني (3) بنظرك فيما ينفعني . إلهي جئتك ملهوفا قد البست عد مي وفاقتي (4) واقامني مقام الاذلين بين يديك ذل حاجتي . إلهي كرمت فأكرمني ان كنت من سؤالك . وجد بمعروفك . فا خلطني باهل نوالك . إلهي اصبحت على باب من ابواب منحك (5) سائلا وعن التعرض لغيرك بالمسألة عادلا وليس من جميل امتنانك ان ترد سائلا ملهوفا ومضطرا لانتظار امرك مألوفا . إلهي اقمت على قنطرة الاخطار (6) . مبلوا با لاعمال (7) وبالاعتبار . فأنا الهالك إن لم تعن عليها بنخفيف الآصار (8) . إلهي امن اهل الشقاء خلقتني


(1) بكريم ألائك اي بشريف نعمك (2) ان عزب لبي اي غاب عقلي (3) فما عزب إيقاني اي فما غاب يقيني (4) وفاقتي اي فقري واحتياجي (5) من ابواب عطاياك (6) الاخطار هي جمع خطر وهو الاشراف على الهلاك (7) مبلوا بالا عمال اي ممتحنا بها ومختبرا (8) بتخفيف الآصار اي بتهوينها والآصار جمع إصر وهو الثقل فالآصار لا ثقال والمراد بنخفيفها وضعها عنه (*)

[ 166 ]

فاطيل بكائي . ام اهل من السعادة فابشر رجائي . إلهي لو لم تهدني إلى الاسلام ما اهتديت ولو لم تطلق لساني بدعائك ما دعوت . ولو لم ترزقني الايمان بك ما آمنت ولو لم تعرفني حلاوة نعمتك ما عرفت . ولو لم تبين شديد عقابك ما استجرت . إلهي إن اقعدني التخلف عن السبق مع الابرار (1) . فقد اقامتني الثقة بك علي مدارج الاخيار (2) . إلهي نفسا اعززتها بتاييد ايمانك . كيف تذلها بين اطباق نيرانك . الهي لسانا كسوته من وحدانيتك انقى اثوابها . كيف تهوى إليه من النار شعلات التهابها . إلهي كل مكروب فإليك يلتجي وكل محزون فإليك يرتجى . إلهي سمع العابدون بجزيل ثوابك فخشعوا . وسمع المذنبون بسعة رحمتك فقنعوا . وسمع المولون عن القصد (3) بجودك فرجعوا . وسمع المجرمون


(1) مع الابرار اي اهل البر والخير (2) على مدارج الاخيار اي مسالكهم ومذاهبهم (3) المولون عن القصد اي المعرضون عن طريق الاستقامة (*)

[ 167 ]

بسعة غفرانك فطمعوا . حتى ازدحمت عصائب العصاة (1) من عبادك ببابك . وعج منهم اليك (2) عجيج الضجيج با لدعاء في بلادك . ولكل امل ساق صاحبه إليك محتاجا . ولكل قلب تركه يا رب وجيف الخوف (3) منك مهتاجا (4) . فأنت المسئول الذي لا تسود لديه وجوه المطالب . ولا يرد نائله قاطعات المعاطب . إلهي إذا اخطات طريق النظر لنفسي بما فيه كرامتها . فقد اصبت طريق الفزع إليك بما فيه سلامتها . إلهي إن كانت نفسي استسعدتني (5) . متمردة على ما يرديها . فقد استسعدتها الان بدعائك على ما ينجيها . إلهي إن قسطت في الحكم (6) على نفسي بما فيه حسرتها . فقد اقسطت (7) في تعريفي إياها من رحمتك اسباب رافتها . إلهي إن قطعني قلة الزاد (8)


(1) عصائب العصاة اي جماعاتهم (2) وعج منهم اليك اي رفع صوته اليك (3) وجيف الخوف اي اضطرابه (4) مهتاجا اي هائجا هائما (5) استسعدتني اي رأتني سعيدا (6) ان قسطت في اي جرت فيه (7) فقد اقسطت اي فقد عدلت لا ن قسط بمعنى جار واقسط بمعنى عدل (8) قلة الزاد الخ المراد با لزاهد هنا التقوى (*)

[ 168 ]

في المسير إليك . فقد وصلته بذخائر ما اعددته من فضل لعويلي عليك (1) إلهي إذا ذكرت رحمتك ضحكت لها عيون وسائلي . وإذا ذكرت سخطك بكت له عيون مسائلي . إلهي ادعوك دعاء من لم يرجو غيرك في رجائه . إلهي كيف اسكت با لافحام (2) لسان ضراعتي . وقد اقلقني ما ابهم على (3) من مصير عاقبتي . إلهي قد علمت حاجة جسمي الى ما تكلفت له من الرزق في حياتي . وعرفت قلة استغنائي عنه في الجنة بعد وفاتي . فيامن سمح لي به متفضلا في العاجل . لا تمنعنيه يوم فاقتي إليه (4) في الآجل . إلهي ان عذبتني فعبد خلقته لما اراد ت فعذبته . وان رحمتني فعبد الفيته مسيئا فأنجيته . إلهي لا احتراس من الذنب (5)


(1) تعويلي عليك اي اعتمادي وتوكلي عليك (2) بالافحام اي الاسكات من افحمه إذا اسكته في خصومة أو غيرها (3) ما ابهم على اي ما اشتبه على (4) يوم فاقتي إليه اي يوم فقري واحتياجي إليه (5) لا احتراس من الذنب اي لا تحفظ منه (*)

[ 169 ]

الا بعصمتك . ولا وصول الى عمل الخيرات الا بمشيئتك . كيف لي (1) با فادة ما سلبتني فيه مشيئتك وكيف لي با حتراس من الذنب ما لم تدركني فيه عصمتك . الهي انت دللتني على سؤال الجنة قبل معرفتها فأقبلت النفس بعد العرفان على مسئلتها افتدل على خيرك ثم تمنعه وانت الكريم المحمود في كل ما تصنعه يا ذا الجلال والاكرام . إلهي إن كنت غير مستأهل لما ارجو من رحمتك فانت اهل ان تجود على المذنبين بفضل سعتك . إلهي نفسي قائمة بين يديك وقد اظلها (2) حسن توكلها عليك فاصنع بي ما انت اهله وتغمدني برحمتك (3) إلهي إن كان دنا اجلي ولم يقربني منك عملي فقد جعلت الاعتراف با لذنب وسائل عللي فان عفوت فمن اولى منك بذلك وإن عذبت فمن اعدل منك (4) في الحكم هنالك . إلهي


(1) كيف لي الخ اي كيف استفيد وانال شيئا لم يكن في مشيتك اني استفيده (2) وقد اظلها اي لابسها وقام بها (3) وتغمدني برحمتك اي غمرني بها واستر ما كان مني (4) فمن اعدل منك الخ اي لااحد اعدل منك في الحكم يا احكم الحاكمين وخير الفاتحين (*)

[ 170 ]

إنك لم تزل بارا بي ايام حياتي فلا تقطع برك بي بعد وفاتي إلهي كيف آيس من حسن نظرك بعد مماتي وانت لم تولني إلا الجميل في حياتي . إلهي إن ذنوبي قد اخافتني ومحبتي لك قد اجارتني فتول في امري ما انت اهله وعد بفضلك (1) على من غمره جهله يامن لا تخفى عليه خافية صل على محمد وعلى آل محمد واغفر لي ما خفى عن الناس من امري . إلهي ليس اعتذاري إليك اعتذار من يستغني عن قبول عذره فاقبل عذري ياخير من اعتذر إليه المسيئون . إلهي إنك لو اردت إهانتي لم تهدني ولو اردت فضيحتي لم تعافني فمتعني بما له هديتني وادم لي ما به سترتني . إلهي لولا ما اقترفت (2) من الذنوب ما خفت عقابك ولولا ما عرفت من كرمك ما رجوت ثوابك وانت اكرم الاكرمين بتحقيق آمال الآملين وارحم من استرحم (3)


(1) وعد بفضلك الخ انعم من غلب عليه جهله وقصر به في مضمار السابقين عمله (2) لولا ما اقترفت اي لولا ما اكتسبت (3) وارحم من استرحم اي انت ارحم من كل راحم لان رحمتك فوق كل رحمة فمن رحمته استغني برحمتك عن رحمة غيرك ومن رحمه غيرك (*)

[ 171 ]

في تجاوزه عن المذنبين . إلهي نفسي تمنيني بأنك تغفر لي فاكرم بها امنيتي فقد بشرت بعفوك وصدق كرمك مبشرات تمنيها . وهب لي بجودك مقصرات تجنيها (1) إلهي ألقتني الحسنات بين جودك وكرمك وألقتني السيئات بين عفوك ومغفرتك وقد رجوت ان لا يضيع بين ذين (2) وذين (3) مسئ ومحسن إلهي إذا شهد لي الايمان بتوحيدك وانطلق لساني بتمجيدك ودلني القرآن على فضائل جودك فكيف لا يبتهج رجائي بحسن موعدك . إلهي تتابع إحسانك يدلني على حسن نظرك فكيف يشقى امرؤ اوليته منك حسن النظر . إلهي إن منها عيون رحمتك . الهي ان عرضني ذنبي لعقابك فقد ادناني رجائي من ثوابك . الهي ان غفرت فبفضلك وإن


فهو محتاج الى رحمتك التي وسعت كل شئ يا ارحم الراحمين وخير الغافرين (1) تجنيها التجني هو ان يدعي الانسان على غيره ذنبا لم يفعله (2) بين ذين اي بين جودك وكرمك (3) وذين اي عفوك ومغفرتك (4) بالهلكة الخ يعني ان رحمتك تنجيني من عذابك (*)

[ 172 ]

عذبت فبعدلك . فيامن لا يرجى الا فضله ولا يخاف الا عدله صل على محمد وآل محمد وامنن على بفضلك ولا تستقص (1) على عدلك . إلهي خلقت لي جسما وجعلت لي فيه آلات اطيعك بها واعصيك واغضبك بها وارضيك وجعلت لي من نفسي داعيا الى الشهوات واسكنتني دارا ملئت من الآفات وقلت لي ازدجر (2) . فبك اعتصم . وبك احترز . واستوفقك (3) لما يرضيك . وأسألك فإن سؤالي لا يحفيك (4) . الهي لو عرفت اعتذارا وتنصلا (5) هو ابلغ من الاعتراف به لا تيته فهب لي ذنبي (6) با لاعتراف ولا تردني في طلبي با لخيبة عند الانصراف الهي كأني بنفسي قد اضطجعت في حفرتها وانصرف عنها المشيعون من عشيرتها وناداها من شفير القبر (7) ذوو مودتها


(1) ولا تستقص الخ اي لا تبلغ بي الغاية في عدلك (2) وقلت لي ازدجر اي امرتني بان انزجر (3) واستوقفك اي اسالك التوفيق (4) لا يحيفك يعني ان سؤالي هين عندك وسهل لديك (5) وتنصلا التنصل الخروج من الذنب والتبرأ منه (6) فهب لي ذنبي اي لا تؤاخذني به (7) من شفير القبر اي ناحيته (*)

[ 173 ]

ورحمها المعادي لها في الحياة عند صرعتها ولم يخف على الناظرين إليها ذل فاقتها (1) ولا من قد رآها توسدت الثرى (2) عجز حيلتها فقلت ملا ئكتي (3) قريب نأي عنه الاقربون . وبعيد جفاه الاهلون وخذله المؤملون نزل بي قريبا . واصبح في اللحد غريبا . وقد كان لي في دار الدنيا راعيا . ولنظري إليه في هذا اليوم راجيا . فتحسن عند ذلك ضيافتي . وتكون اشفق على من اهلي وقرابتي . إلهي سترت على في الدنيا ذنوبا ولم تظهرها . فلا تفضحني يوم القاك على رؤوس العالمين . واستزها على هناك يا ارحم الرحمين . إلهي لو طبقت ذنوبي (4) بين السماء والارض وخرقت


(1) ذل فا قها اي ذل فقرها واحتياجها (2) توسدت الثرى اي جعلته تحت راسها كالوسادة وهي المخدة والثرى التراب (3) فقلت ملائكتي اي قلت من باب الرأفة بي ياملا ئكتي هذا قريب نأي عنه الاقربون الخ (4) لو طبقت ذنوبي الخ يعني لو ملأت ذنوبي ما بين السماء والارض وبلغت في كثرتها ما بلغت حتى خرقت الكواكب وبلغت التخوم ما معنى اليأس عن انتظاري غفرانك ولا حال القنوط بيني وبين تطلعي الى رضوانك فسبحانك لا تظيع اجر من احسن عملا (*)

[ 174 ]

النجوم وبلغت اسفل الثرى ماردني اليأس عن توقع غفرانك ولا صرفني القنوط عن انتظار رضوانك . الهي سعت نفسي اليك لنفسي تستوهبها . وفتحت افواه املها تستوجبها . فهب لها ما سألت . وجد لها بما طلبت . فانك اكرم الاكرمين . بتحقيق امل الاملين . الهي قد اصبت من الذنوب ما عرفت واسرفت على نفسي بما قد علمت . . فاجعلني عبدا لك اما طائعا اكرمتني . واما عاصيا فرحمتني . الهي دعوتك با لدعاء الذي علمتني . فلا تحرمني من حبائك (1) الذي عرفتني فمن النعمة ان هديتني لحسن دعائك . ومن تمامها ان توجب لي محمود جزائك . الهي انتظرت عفوك كما ينتظر المسيؤون . ولست ايئس من رحمتك التي يتوقعها المحسنون (2) . الهي جودك بسط املي . وشكرك قبل عملي . فصل على محمد وعلى آل محمد وبشرني بلقائك . واعظم رجائي لجزائك . الهي انت الكريم الذي لا يخيب لديك امل الاملين . ولا يبطل عندك سبق


(1) من حبائك اي من عطائك (2) يتوقعها المحسنون اي ينتظرونها (*)

[ 175 ]

السابقين (1) . الهي ان كنت لم استحق معروفك ولم استوجبه فكن انت اهل التفضل به علي فالكريم لم يضع معروفه عند كل من يستوجبه . الهي مسكنتي لا يجبرها الا عطاؤك . وامنيتي لا يغنيها الا نعماؤك . الهي استوفقك (2) لما يدنيني منك . واعوذ بك مما يصرفني عنك . الهي احب الامور الى نفسي واعودها على منفعة (3) ما ارشدتها بهدايتك إليه . ودللتها برحمتك عليه . عليه . فا ستعملها بذلك عني . إذ انت ارحم بها إليه . الهي ارجوك رجاء من يخافك . واخافك خوف من يرجو ثوابك فقني بالخوف شر ما احذر . واعطني با لرجاء خير ما احاذر . الهي انتظرت عفوك كما ينتظر المذنبون . ولست آيسا من رحمتك التي يتوقها المحسنون . الهي مددت اليك يدا بالذنوب مأسورة (4) وعينا با لرجاء مذرورة (5) . وحقيق لمن دعاك


(1) سبق السابقين اي السابقين الى مغفرتك وجنتك بتقديم العمل الصالح لوجهك الاعلى (2) استوثقك اي اسألك التوفيق (3) واعودها على منفعة اي اكثرها نفعا (4) بالذنوب مأسورة اي اسيرة (5) مذرورة المذرورة ما يطرح فيها الذرور وهو ما يذر في العين (*)

[ 176 ]

بالندم تذللا ان تجيب له (1) بالكرم تفضلا . الهي ان عرضتني ذنوبي لعقابك فقد ادناني رجائي من ثوابك . الهي لم اسلط (2) على حسن ظني بك قنوط الآيسين فلا تبطل صدق رجائي بك بين الآملين . الهي ان انقرضت بغير ما احببت من السعي ايامي . فبالايمان امضتها الماضيات من اعوامي . الهي ان اخطأت طريق النظر لنفسي بما فيه كرامتها فقد اصبت طريق الفزع اليك بما فيه سلامتها . الهي ما اضيق (3) الطريق على منن لم تكن انت دليله . وما اوحش المسلك على من لم تكن انت انيسه . الهي انهملت عبراتي (4) حين ذكرت خطيأتي . وما لها لا تنهمل ولا ادري ما يكون إليه


(1) ان تستجيب له اي تستجيب له دعاءه (2) لم اسلط الخ اي لم اجعل للقنوط على حسن ظني بك سبيلا كعادة الضالين الذين لا يقين لهم ولا بصيرة عندهم (3) ما اضيق الطريق الخ اي ما اصعب الطريق واضيقه على من لم يكن له طوالع نورك هاد يهديه وما اصعب المسلك واوحشه على من لم يكن له من باهي محياك انيس يحييه قال الله تبارك وتعالى ومن يضلل الله فماله من هاد (4) انهملت عبراتي اي فاضت دموعي (*)

[ 177 ]

مصيري . أو ماذا يهجم عليه (1) عند البلاغ مسيري . وارى نفسي تخاتلني . (2) وايامي تخادعني وقد خفقت فوق رأسي اجنحة الموت . ورمتني من قريب اعين الفوت . فما عذري وقد اوجس (2) في مسامعي رافع الصوت . لقد رجوت ممن البسني بين الاحياء ثوب عافيته . ان لا يعريني منه بين الاموات بجود رأفته . ولقد رجوت حين تولا ني باقي حياتي بإحسانه . ان يسعفني عند وفاتي بغفرانه . يا انيس كل غريب آنس في القبر وحشتي . ويا ثاني كل وحيد ارحم في القبر وحدتي . يا عالم السر واخفى . ويا كاشف الضر والبلوى . كيف نظرك لي (4) من بين ساكني الثرى . وكيف صنعك بي في دار الوحشة والبلى . قد كنت بي لطيفا ايام حياة الدنيا يا افضل المنعمين في آلائه (5)


(1) ماذا يهجم عليه اي ماذ ا ينتهي إليه (2) تخاتلني اي تخادعني (3) وقد اوجس الخ اي اخطر في مسامعي من عالي صوته ما انحط به حولي وجاشت له نفسي (4) كيف نظرك لي الخ اي انظر لي بعين الرحمة من بين ساكني الثرى ياخير الناظرين وآنسني في دار الوحشة والبلى يا انيس المنقطعين وامان الخائفين (5) في آلائه اي في نعمه (*) (12)

[ 178 ]

وانعم المفضلين في نعمائه . كثرت عندي (1) اياديك فعجزت عن إحصائها . وضقت ذرعا في شكري لك بجزائها . فلك الحمد على ما أوليت . ولك الشكر على ما ابليت . ياخير من دعاه داع . وافضل من رجاه راج . بذمة الاسلام اقبلت إليك . وبحرمة القرآن اعتمد عليك . وبمحمد صلى الله عليه وسلم اتقرب اليك . فصل على محمد وعلى وآل محمد واعرف لي ذمتي التي بها رجوت قضاء حاجتي واستعملني بطاعتك واختم لي بخير واعتقني من النار واسكني الجنة ولا تفضحني بسريرتي حيا ولا ميتا وهب لي الذنوب (2) التي فيما بيني وبينك وارض عبادك (3) عني في مظالمهم قبلي . واجعلني ممن رضيت عنه


(1) كثرت عندي الخ معناه اني معناه اني لم احط علما بما تفضلت به على من جزيل نعمك لكثرتها وليس في وسعي ان اقوم بواجب شكرك عليها فكيف يستطيع العبد تمام الشكر لسيده قال الله تبارك وتعالى وتعالى (وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (2) وهب لي الذنوب اي لا تواخذني بها (3) وارض عبادك الخ اي اجعل عبادك راضين عني فيما يتعلق بي من حقوقهم الواجبة لهم على واجعلني ممن ادخلتهم ساحة رضوانك فانجيتهم من العذاب (*)

[ 179 ]

فحرمته على النار والعذاب . واصلح لي كل اموري التي دعوتك فيها في الآخرة والدنيا يا حنان يا منان يا ذا الجلال والاكرام يا حي يا قيوم يامن له الخلق والامر تباركت يا احسن الخالقين يا رحيم يا كريم يا قدير صل على محمد وعلى آله الطيبين وعليه وعليهم السلام ورحمة الله وبركاته إنه حميد مجيد . اخبرنا حمزة بن عبد الله . قال اخبرنا الحسين بن خالويه . قال حدثنا ابن دريد . قال حدثنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد الكلبي عن ابيه . قال حدثنا حوثرة بن الهرماس . وكان شيخا هما (1) وذكر وفود بني دارم (2) إلى امير المؤمنين علي صلوات الله عليه وذكر حديث الاستسقاء بطوله وقال فيه فقام منا رجل من حسل (3) فقال يا امير المؤمنين جادتك الانواء (4) . وضفا لديك (5) البلاء .


بفضلك واحسانك (1) شيخا كبير السن جدا (2) وفود بني دارم الوفود هم القادمون من سفر (3) بهامش الاصل جعل بن حسل (4) جادتك الانواء اي امطرتك الانواء وهي النجوم التي كانت العرب تضيف الامطار إليها (5) وضفا لديك اي عم وكثر لديك (*)

[ 180 ]

وتمت بك الآلاء (1) . وكشفت بيمنك اللاواء (2) . أتتك عماعم من افناء دارم (3) تطوي اليك سهوب الاملاء (4) . بالحراجيج (5) الابلاء (6) . تبثك ازبات اللاواء (7) . ولزبات الشهباء (8) . تزدلف بك (9) . وتستمطر بغرتك . وتستدفع البلوى بسنتك . وقام إليه أبو سرادق فتكلم بكلام قال في آخره انت ربيع الايام . وعصرة الانام (10) . ومصباح الظلام . وغاية المعدام (11) . والسيد الهمام . والإمام القمقام (12) . لا معتصر عنك (13) . ولا


(1) وتممت بك الالاء اي كملت بك النعم (2) وكشفت بيمنك اللأوآء اي زالت ببركتك الشدة (3) اتتك عماعم من افناء دارم اي جاءتك جماعات متفرقون من اوباش دارم واخلاطهم (4) تطوي اليك سهوب الاملاء اي تطوي اليك نواحي المفاوز (5) بالحراريج اي بالنياق الطويلة (6) الابلاء اي القوية على الاسفار (7) تبثك ازبات اللاواء اي تظهر لك ما نزل بها وتشكوا اليك منه والزبات الشدائد واللاواء الشدة (8) ولزبات الشهباء اي شدائد الشهباء والشهباء السنة التي لامطر فيها ولا خضرة وهذه السجعة والتي قبلها عبارة عن عوزهم واحتياجهم الى ما يسد مفاقرهم (9) تزدلف بك اي تتقرب (10) وعصرة الانام اي منجاة المخلوقين (11) وغاية المعدام اي غاية المحتاج ومقصده (12) والامام القمقام اي الامام السيد السند (13) لا معتصر عنك اي لا ملتجأ عنك (*)

[ 181 ]

معتصم دونك . فقال امير المؤ منين . صلوات الله عليه . الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وسلام على المصطفين من عباد الله . يا قنبر ناد الصلاة جامعة ثم نهض مضجرا بنصيف مزبرق (1) كأنما غرته البدر لتمه يكاد يعشى الناظرين (2) يؤم المسجد فصلى ثم دنا من القبر فهينم بكلمات (3) لم اوجسهن (4) ثم قام قانتا فقال امير المؤمنين صلوات الله عليه وسلامه . اللهم رب السموات الطباق . والرقع الوثاق (5) . خالق الخلق . وباسط الرزق . عالم الخفيات . وكاشف الكربات . ومجيب الدعوات وقابل الحسنات . وغافر السيئات . ومقيل العثرات . ومنزل


(1) بنصيف مزبرق اي بثوب ملون (2) يعشئ الناظرين اي يرد ابصار الناظرين إليه كليلة لصاحبته وشدة الحياء منه وفي نسخة يغشى (3) فهينم بكلمات اي جعل يقرؤها بصوت خفي (4) لم اوجسهن اي لم اسمعهن (5) والرقع الوثاق اي السموات المحكمات وسميت بالرقع لا ن كل سماء ترتفع بالتي فوقها كما يرقع الثوب بالرقعة وبهامش الاصل ما نصه الرقع الرقع الوثاق يعني طباق السماء كل سماء منها رقعت التي تليها كما يرقع الثوب بالرقعة ويقال الرقيع اسم الدنيا لانها رقعت بالانوار التي فيها (*)

[ 182 ]

البركات . من فوق سبع سموات بعلمك . من خزائن رحمتك واكناف كرامتك . على شاكري آلائك (1) . وكافري نعمائك من عبادك . وقطان بلادك رأفة منك لهم ونعمة عليهم . انت غاية الطالبين . وملاذ الهاربين اتاك ملا من عبيدك بإزاء قبر نبيك تزدلف إليك (2) بعبدك وتشكواما انت اعلم به . أللهم فإنا نسألك بك فلا شئ اعظم منك وبما استقل به عرشك (3) من عظمتك التي وسعت كل شئ السماء والارض وملأت البر والبحر ان تصلي على محمد خاتم النبيين وسيد الاولين والاخرين . اللهم كاشف الضر ومزيل الازل (4) ازل عن عبادك ما قد غشيهم من آياتك وبرح بهم (5) من عقابك . إنه لا يكشف السوء إلا انت إنك رؤف رحيم


(1) على شاكري الائك اي على الشاكرين لانعمك (2) تزدلف اليك اي تتقرب اليك (3) استقل به عرشك اي ارتفع (4) ومزيل الازل اي كاشف الضيق والشدة (5) وبرح بهم اي بلغ بهم الغاية في الجهد والمشقة (*)

[ 183 ]

(تفسير غريب الخبر (1)) بياض بالاصل الباب التاسع (في المحفوظ من شعره) روى أبو عبد الله ابراهيم بن محمد بن عرفة الازدي النحوي نفطويه من شعر امير المؤ منين علي صلوات الله عليه الحمد لله ربي الخالق الصمد فليس يشركه في ملكه احد هو الذي عرف الكفار (2) كفرهم والمؤمنون سيجزيهم بما وعدوا (3) فإن تكن دولة كانت لنا عظة وهل عسى ان يرى في غيها رشد


(1) وفي نسخة الحديث (2) عرف الكفار الخ اي عرفهم وبين لهم عاقبة كفرهم وما يترتب عليه من الجزاء (3) بما وعدوا اي بما وعدهم به من حسن الثواب والنعيم ا