على مائدة الكتاب والسُّنّة

ــــــــــــــــــــــــــــــ

10

 

 

 

دِراسَةٌ حَوْلَ

 

الجَبْر و التّفويض

 

و القَضاءِ و القَدر

 

 

 

 

تأليف

 

السيد مرتضى العسكري

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قال الإمام الصادق (ع) :

لا جَبرَ و لا تفويض و لكن أمرٌ بين أمرين (الكافي 1:160)


 


 

الوحدة حول مائدة الكتاب و السنّة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، و الصَّلاة على محمّد و آله الطاهرين ، و  السلام على أصحابه البرره الميامين .

و بعد : تنازعنا معاشر المسلمين على مسائل الخلاف في الداخل ففرّق أعداء الإسلام من الخارج كلمتنا من حيث لا  نشعر ، وضعفنا عن الدفاع عن بلادنا ، و سيطر الأعداء علينا ، و  قد قال سبحانه و تعالى : (وَ  أَطِيعُوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ)(الانفال / 46)

و ينبغي لنا اليوم و في كل يوم أن نرجع إلى الكتاب و السنّة في ما اختلفنا فيه و نوحّد كلمتنا حولهما ، كما  قال  تعالى : ( فإنْ تَنَازَعْتُم في شَىْء فَرُدُّوهُ إلَى اللّهِ وَ الرَّسُولِ )(النساء / 59)

و في هذه السلسلة من البحوث نرجع إلى الكتاب و  السنّة و  نستنبط منهما ما ينير لنا السبيل في مسائل الخلاف ، فتكون بإذنه تعالى وسيلة لتوحيد كلمتنا .

راجين من العلماء أن يشاركونا في هذا المجال ، و  يبعثوا إلينا بوجهات نظرهم على عنوان :

 

بيروت - ص.ب 124/24 العسكري

 


 

مخطط البحث

 

الجبر و التفويض و الاختيار 7

أ ـ الجَبْرُ في اللغة : 7

ب ـ الجَبْرُ في مصطلح علماء العقائد الإسلامية : 7

ج ـ التفويض في اللغة : 7

د ـ التفويض في مصطلح علماء العقائد الإسلامية : 8

هـ ـ الاختيار في اللغة : 8

و ـ الاختيار في مصطلح علماء العقائد الإسلامية : 8

القضاء و القدر 9

أ ـ معاني القضاء والقدر : 9

ب ـ روايات من أئمة أهل البيت في القضاء و القدر : 13

شرح الروايات : 18

أسئلة و أجوبة 21

 


 

 

 

الجبر و التفويض و الاختيار

 

أ ـ الجَبْرُ في اللغة :

جَبَرَهُ على الأمر وأجبَرَهُ : قَهَرَهُ عليه ، وأكْرَهَهُ على الإتيان  به.

 

ب ـ الجَبْرُ في مصطلح علماء العقائد الإسلامية :

الجَبْرُ : اجبارُ الله تعالى عبادَه على ما يفعلون ، خيراً كان أو شراً ، حسناً كان أو قبيحاً ، دون أنْ يكون للعبد إرادة و اختيارُ الرفض و الامتناع ، و يرى الجبرية الجبر مذهباً يرى أصحابُه أنّ كلّ ما يحدث للإنسان قُدّر عليه أَزَلاً ، فهو مُسيّر لا مُخيّر ، و هو قول الأشاعرة([1]) .

 

ج ـ التفويض في اللغة :

فَوَّضَ إليه الأمرَ تفويضاً : جَعَلَ له التَّصَرُّفَ فيه .

د ـ التفويض في مصطلح علماء العقائد الإسلامية :

هو أنّ الله تعالى فوّض أفعال العباد إليهم ، يفعلون ما يشاؤون ، على وجه الإستقلال ، دون أن يكون لله سلطان على أفعالهم ، (و هو قول المعتزلة)([2]) .

 

هـ ـ الاختيار في اللغة :

خيّره : فوّض إليه الاختيار بين أمرين أو شيئين أو أكثر .

 

و ـ الاختيار في مصطلح علماء العقائد الإسلامية :

إنّ الله سبحانه كلّف عباده بواسطة الأنبياء و الرسل ببعض الأفعال و نهاهم عن بعض آخر ، و أمرهم بطاعته في ما أَمَرَ به و  نهى عنه بعد أن منحهم القوّة و الإرادة على الفعل و الترك و جعل لهم الاختيار في ما يفعلون دون أن يجبر أحداً على الفعل ، و سيأتي الاستدلال عليه بحوله تعالى .

 

 

 

 

القضاء و القدر

 

أ ـ معاني القضاء والقدر :

تستعمل مادّتا القضاء و القدر لعدّة معان .

منها في ما يخصّ البحث من مادّة القضاء :

أ ـ قضى أو يقضي بين المتخاصمين ، كقوله تعالى :

( إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )(يونس/93) و(الجاثية/17)

 

ب ـ قضى الله الأمر : أنْبَأه به ، كقوله تعالى في ما أخبر به لوطاً عن مصير قومه في سورة الحجر/66 : ( وَ قَضَيْنَا إِلَيْهِ ذلِكَ الاْ َمرَ أَنَّ دَابِرَ هؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ) .

أي أنبأناه .

 

ج ـ قضى الله الشيء ، و به : أوجبه ، أمر به ، كقوله تعالى في سورة الإسراء/23 : ( وَ قَضَى رَبُّكَ أَ لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ) .

أي أمر بّذك و أوجب عليكم أ لاّ تعبدوا إلاّ إيّاه .

د ـ قضى الله الأمر أو الشيء : تعلّقت إرادته به ، قدّره ، كقوله تعالى في سورة البقرة/ 117 : ( وَ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) .

أي إذا أراد أمراً .

و قوله تعالى في سورة الأنعام/ 2 : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِين ثُمَّ قَضَى أَجَلاً ) .

أي قدّر لكلّ انسان مدّة يحيا فيها .

و منها فيما يخصّ البحث من مادّة القدر :

 

أ ـ قدر على الشيء أو العمل : استطاع أن يفعله ، يتغلّب عليه فهو قادر ، و القدير : ذو القوّة ، كقوله تعالى :

1- في سورة يس :

( أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّموَاتِ وَ الاَْرْضَ بِقَادِر عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) (الآية 81) .

2- في سورة البقرة :

( وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ) (الآية 20) .

أي ذو قدرة على فعل كلّ شيء على قدر ما تقتضي الحكمة .

ب ـ قَدَرَ :

1- قَدَرَ الرِّزق عليه و يَقْدِر : ضيّقه ، كقوله تعالى في سورة سبأ :

(قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)(الآية 36) .

2- قدر الله الأمر بقدره : دبَّره أو أراد وقوعه ، كقوله تعالى في سورة المرسلات :

( فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ) (الآية 23) .

 

ج ـ قدّر :

1- قدّر الله الأمر : قضى به أو حكم بأنْ يكون ، كقوله تعالى في شأن زوجة لوط ، في سورة النمل / 57 :( فَأَنْجَيْنَاهُ وَ أَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ ) .

أى حكمنا ، أو قضينا عليها بأن تكون من الهالكين .

2- قَدَّرَ في الأمْرِ : تَمَهَّلَ و تروّى في إنجازه ، كقوله تعالى في سورة سبأ / 11 مخاطباً داود (ع) : ( وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ ) .

أي تمهّل و تروَّ في صُنعه كي تحكم عمله .

د ـ القَدَر :

1- القَدَر : المقدار و الكميّة ، كقوله تعالى في سورة الحجر/21 : (وَ إِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم).

أي بمقدار و كميّة معلومة .

2- قَدَرُ الشيء : زمانه أو مكانه ، كقوله تعالى في سورة المرسلات / 20 - 22 : ( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاء مَهِين l فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَار مَكِين l إِلى قَدَر مَعْلُوم ) .

أي إلى زمان محدّد معلوم .

3- قَدَرُ اللهِ : قضاؤُه المحكم ، أو حكمهُ المبرَم على خَلقه ، كقوله تعالى في سورة الأحزاب / 38 : ( سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذينَ خَلَوْا مَنْ قَبْلُ وَ كَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقدُوراً ) .

أي قضاءً محكماً ، و حُكماً مُبْرَماً .

لعلّ تعدّد معاني ما يُنسبُ إلى الله من مادَّتَي القضاء و القدر ، قد أدّى إلى لبسِ معنى ما ورد منهما في القرآن و الحديث ، و اعتقاد بعض المسلمين بأنّ الإنسان يسيّر في حياته ، في كلّ ما يعمل من خير أو شرّ وفق ما قضى الله عليه و قدّر قبل أنْ يخلقَ .

و يطلق في الأخبار لفظ القدري على الجبريّ و التفويضي كليهما([3]) ، و عليه فإنّ القَدَرَ اسمٌ للشيءء و ضدّه كالقُرْء ، اسمٌ للحيضِ و الطُّهر معاً .

و لا نُطيل البحث بإيراد أقوال المعتقدين بذلك ، و الإجابة عليها ، و إنّما نكتفي بإيراد الأحاديث التي نجد فيها جواباً لتلكم الأقوال توضيحياً و بياناً للأمر بحوله تعالى :

 

ب ـ روايات من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في القضاء و القدر :

أولاً : عن أوّل أئمة أهل البيت عليّ بن أبي طالب (ع) ، روي في توحيد الصدوق بسنده إلى الإمام الحسن (ع) ، و في تاريخ ابن عساكر بسنده إلى ابن عبّاس و اللفظ للأوّل قال :

دخل رجل من أهل العراق على أمير المؤمين (ع) ، فقال : أخبرنا عن خروجنا إلى أهل الشام أبقضاء من الله و قدر ؟ فقال له أمير المؤمين (ع) : أجل يا شيخ ، فو الله ما علوتم تلعةً و لا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من الله و قدر ، فقال الشيخ : عند الله أحتسبُ عنائي([4]) يا أمير المؤمنين ، فقال : مهلاً يا شيخ ، لعلّك تظنُّ قضاءً حتماًو قدراً لازماً([5])، لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب و الأمر و  النهي و الزّجر ، و لسقط معنى الوعيد و الوعد ، و لم يكن على مُسيء لائمةٌ و لا لمحسن محمدةٌ ، و لكان المحسن أولى باللاّئمة من المذنب و المذنب أولى بالإحسان من المُحسن([6]) ، تلك مقالةُ عبدةِ الأوثانِ و خُصماءِ الرحمن و قدريّة هذه الأُمّة و مجوسها . يا  شيخ إنّ الله عزّ و جلّ كلّف تخييراً ، و نهى تحذيراً ، و أعطى على القليل كثيراً ، و لم يُعصَ مغلوباً ، و لم يُطَع مُكرهاً ، و لم يخلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلاً ، ( ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ) ([7]) .

 

قال : فنهض الشيخ و هو يقول :

أنت الإمام الذي نرجو بطاعته *** يوم النجاة من الرحمن غفراناً

أوضحْتَ من ديننا ما كان مُلتبساً *** جزاك ربّك عنّا فيه إحساناً

فليس معذرةً في فعل فاحشة *** قد كُنْتُ راكبها فسقاً و عصياناً([8])

 

ثانياً : عن السادس من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، الامام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) :

إنّ الناس في القَدَرِ على ثلاثة أوجه : رجلٌ يزعمُ أنّ الله عزّ و جلّ أجبر الناس على المعاصي ، فهذا قد ظلم الله في حُكمه فهو كافر .

و رجلٌ يزعمُ أنّ الأمر مفوّضٌ إليهم ، فهذا قد أوهن الله في سلطانه فهو كافر .

و رجل يزعمُ أنّ الله كلّف العباد ما يطيقون و لم يكلِّفهم لا يُطيقونه و إذا أحسن حمد الله و إذا أساء استغفر الله فهذا مسلمٌ بالغ  ([9]).

 

ثالثاً : و عن الثامن من أئمة أهل البيت الإمام أبي الحسن الرضا (ع) قال :

أ ـ إنّ الله عزّ و جلّ لم يُطَعْ بإكراه ، و لم يُعصَ بغلبة ، و لم يُهمل العباد في مُلكه ، هو المالك لما ملّكهم و القادرُ على ما أقدرهم عليه ، فإن ائتمرالعبادُ بطاعته لم يكن الله منها صادّاً ، و لا منها مانعاً، و إن ئتمروا بمعصيته فشاءَ أنْ يحول بينهم و بين ذلك فعل ، و إنْ لم يَحُلْ و فعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه ([10]).

يعني أنّ الإنسان الذي أطاع الله لم يكن مجبراً على الطاعة ، و  الإنسان الذي عصاه لم يغلب مشيئة الله ، بل الله شاء أن يكون العبد مختاراً في فعله .

ب ـ قال :

قال الله تبارك و تعالى :

يا ابن آدم بمشيئتي كنتَ أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاءُ ، و  بقوَّتي أدَّيتَ إليَّ فرائضي ، و بنعمتي قويتَ على معصيتي ، جعلتُك سميعاً بصيراً قويّاً ، ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيّئة فمن نفسك ([11]) .

و في رواية : عملت بالمعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك ([12]).

و عن الإمام أبي عبد الله الصادق (ع) قال :

أ ـ لا جبر و لا تفويض و لكن أمرٌ بين أمرين . قال : قلت  : و ما أمر بين أمرين ؟ قال : مثل ذلك رجل رأيته على معصية فنهيته فلم يَنْتَهِ فتركته ففعل تلك المعصية ، فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية ([13]) .

ب ـ ما استطعت أنْ تلوم العبد عليه فهو منه و ما لم تستطع أن تلوم العبد عليه فهو من فعل الله .

يقول الله للعبد : لِمَ عصيت ؟ لِمَ فسقتَ ؟ لِمَ شربتَ الخمر ؟ لِمَ زنيت ؟ فهذا فعل العبد ، و لا يقول له : لِمَ مرضتَ ؟ لِمَ قصُرتَ ؟ لِمَ ابيضضْتَ ؟ لِمَ اسودَدْتَ ؟ لأنّه من فعل الله تعالى ([14]) .

 

شرح الروايات :

إنّ للجبر و التفويض جانبين :

أ ـ ما كان منهما من صفات الله .

ب ـ ما كان منهما من صفات الإنسان .

فما كان منهما من صفات الله فينبغي أخذه منه بوساطة الأنبياء  ، و أوصياء الأنبياء عن الأنبياء ، و ما كان من صفات الإنسان فإن قولنا : أفعل هذا أو لا أفعله دليل على أنّا نَفْعَل ما نفعله باختيارنا ، و قد عرفنا ممّا سبق أنَّ سير الإنسان في حياته لا يشابه سير الذرّة و الكواكب و المجرّات المسخّرات بأمر الله في كلّ حركاتها و ما يصدر منها من آثار .

و لم يفوّض الله إليه أمر نفسه . كلّ ما سخّر له ليفعل ما يشاء كما يُحبُّ ، و كما تهوى نفسه ، بل إنّ الله أرشده بوساطة أنبيائه كيف يؤمن بقلبه بالحقّ ، و هداه إلى الصالح النافع في ما يفعله بجوارحه ، و الضارِّ منه ، فإذا اتبع هدى الله ، و سار على الطريق المستقيم خطوة أخذ الله بيده و سار به عشر خطوات ثُمَّ جزاه بآثار عمله في الدنيا والآخرة سبعمائة مرّة أضعاف عمله ، و الله يضاعف لمن يشاء بحكمته و وفق سُنَّتِه .

 

و قلنا في المثل الذي ضربناه في ما سبق ، بأنّ الله أدخلَ الإنسانَ المؤمن و الكافر في هذا العالم في مطعم له من نوع ( سلف  سرويس) ، كما قال سبحانه في سورة الإسراء/20 : (  كُلاًّنُمِدُّ هؤُلاَءِ وَ هؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَ مَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) .

فلولا إمدا الله عبيده بكل ما يملكون من طاقات فكرية و  جسديّة ، و ما سخَّر لهم في هذا العالم لما استطاع المؤمن أن يعمل عملاً صالحاً ، و لا الضالّ الكافر أن يعمل عملاً ضارّاً فاسداً ، و لو سلبهم لحظة واحدة أيّ جزء ممّا منحهم من الرؤية و العقل و الصحّة و ... و ... لما استطاعوا أن يفعلوا شيئاً ، إذاً فإنّ الإنسان يفعل ما يفعل بما منحه الله بمحض اختياره ، و بناءً على ما بيّنّاه ، أنّ الإنسان لم يفوّض إليه الأمر في هذا العالم ، و لم يجبر على فعل بل هو أمر بين الأمرين ، و هذه هي مشيئة الله و سنّته في أمر أفعال العباد ، و لن تجد لسنّة الله تبديلاً .

 


 

 

أسئلة و أجوبة

 

و في هذا المقام ترد الأسئلة الأربعة الآتية :

 

السؤال الأوّل و الثاني : كيف يكون الإنسان مختاراً في ما يصدر منه من فعل ، مع تسلّط الشيطان عليه من حيث لا يراه ، و  إغوائه بما يوسوس إلى قلبه و يدعوه إلى فعل الشرّ ؟!

و كذلك شأن الإنسان الذي يعيش في المحيط الفاسد الذي لا يرى فيه غير الشرّ و الفساد أمراً ؟!

 

السؤال الثالث : ماذا يستطيع أن يفعل الإنسان الذي لم تبلغه دعوة الأنبياء في بعض الغابات ؟

 

السؤال الرابع : ما ذنب ولد الزِّنا ، و ما جُبل عليه من حبّ فعل الشرّ بسبب فعل والديه ؟!

و الجواب عن السؤالين الأوّل و الثاني : إنّ الله تبارك و تعالى أتمّ الحجّة على الإنسان بما أودع فيه مِنْ غريزة البحث عن سبب وجود كلّ ما رآه و التي توصله إلى معرفة مسبّب الأسباب ، و لذلك قال سبحانه و تعالى في سورة الأعراف / 172 : ( أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذَا غَافِلَينَ ) ، فكما أنّ الإنسان لن يغفل عن غريزة الجوع في حال من الأحوال حتى يملأ جوفه بالطعام ، كذلك لن يغفل عن غريزة طلب المعرفة حتى يعرف مُسَبِّب الأسباب .

و الجواب عن السؤال الثالث نقول : قال الله سبحانه و تعالى : ( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) (البقرة/286) ،و أمّا السؤال الرابع فجوابه : إنّ ولد الزنا ـ أيضاً ـ ليس مجبوراً على فعل الشرّ ، و كلّ ما في الأمر أنّ الحالة النفسيّة للوالدين في حال ارتكابهما الزّنا و ما يريان من نفسهما بأنّهما باشرا بفعلهما خيانة المجتمع ، و إنّ المجتمع يتقذّر من فعلهما و يحتقرهما و يعاديهما لو اطّلع على فعلهما ، و أنّهما عند ارتكابهما الرذيلة في حالة معاداة للنزيهين من تلك الفعلة في المجتمع و الذين هم أبرار المجتمع و أخياره و المتمسِّكون بفضائل الأخلاق و المعروفون بكلّ ذلك في المجتمع .

و عليه فإنّ تلك الحالة النفسيّة العدائيّة منهما للمجتمع و أبراره تؤثِّر على النطفة حين انعقادها و تنتقل بالوراثة إلى ما يتكوّن من تلك النطفة ، فإنّه يجبل على حبّ الشرّ و العداء للخيّرين والمعروفين بالفضيلة في المجتمع .

و من الأمثلة على ذلك زياد بن أبيه و ولده ابن زياد في ما ارتكباه زمان إمارتهما في العراق([15]) ، و خاصّة ما فعله ابن زياد بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) ، مع جسده الشريف و أجساد المستشهدين معه من آل الرسول (ص) و أنصارهم : من التمثيل بهم  ، و حمله رؤوسهم من بلد إلى بلد ، و سوقه بنات الرسول (ص) سبايا إلى الكوفة و سائر ما عاملهم بها ، في حين أنّه لم يبق بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) أىّ مقاوم لحكمهم و لم يكن أي مبرِّر له عندئذ في كلّ ما فعل من ظلم و استهانة بمقامهم في المجتمع ، عدا حبّه في كسر شوكة أشرف بيت في العرب و أفضله و تهوينهم ، و حبّه للشرّ و عدائه الجبليِّ الفطري للأكرمين في المجتمع .

و بناءً على ذلك يكون حبّ الشرّ و الرغبة في إيذاء الخيِّرين و  المعروفين بالفضيلة في المجتمع فطريّ في ولد الزّنا ، على عكس ولد الزواج الحلال و الذي ليس من فطرته حبّ الشرّ و الرغبة في إيذاء الخيّرين في المجتمع ، و لكنّهما مع كلّ ذلك ليسا مجبورين على القيام بكلّ ما يفعلانه و يتركانه من خير و شرّ ، و إنّما مثلهما في ما جُبِلا عليه مثل شابّ مكتمل الرجولة في الجسد و ما يتمتّع به من حيويّة دافقة و شهوة عارمة للجنس ، مع شيخ هرم ناف على التسعين و تهدّمت قواه ، يعاني الفتور و فقدان القوى الجسديّة ، منصرف عن الشهوة الجنسية و في عدم تمكّن الأخير من ارتكاب الزّنا و توفّر القوى الجنسيّة في الأوّل ; فإنّ الشابّ القويّ مكتمل الرجولة ـ أيضاً ـ غير مجبور على ارتكاب الزّنا في ما إذا ارتكب ذلك ليكون معذوراً في ارتكابه الرذيلة ، و أمّا إذا تيسّر له ارتكاب الزّنا و خاف مقام ربّه و نهى النفس عن الهوى فإنّ الجنّة هي المأوى([16])، على عكس الشيخ الهرم ، فإنّه لا يُثاب على تركه الزّنا ، لأنّه لم يترك الزّنا مع قدرته عليه .

و هكذا كلّما تعمّقنا في دراسة أي جانب من جوانب حياة الإنسان ، وجدناه مختاراً في ما يصدر منه من فعل ، عدا ما يصدر منه عن غفلة و عدم تنبّه .



([1]) راجع تعريف الأشاعرة في الملل و النحل للشهرستاني بهامش الفصل في الملل و الأهواء ; و النحل لابن حزم 1:119 - 153 .

([2]) راجع تعريف المعتزلة في الملل و النحل للشهرستانى بهامش الفصل في الملل و الأهواء ; و النحل لابن حزم 1: 55-57 .

([3]) البحار 5 : 5 .

([4]) أي إن كان خروجنا و جهادنا بقضائه تعالى و قدره لم نستحق أجراً ، فرجائي أن يكون عنائي عند الله محسوباً في عداد أعمال من يتفضّل عليهم بفضله يوم القيامة .

([5]) بالمعنى الذي زعمته الجبرية .

([6]) لأنّهما في أصل الفعل سيّان ، إذ ليس بقدرتهما و إرادتهما ، مع أنّ المحسن يمدحه الناس و هو يرى ذلك حقاً له و ليس كذلك فليستحق اللائمة دون المذنب ، والمذنب يذمّه الناس و هو يرى ذلك حقاً عليه و ليس كذلك فليستحقّ الاحسان كي ينجبر تحمّله لأذى ذمّ الناس دون المحسن .

([7]) كما في سورة ص : 27 .

([8]) توحيد الصدوق : 380 ; و ترجمة الامام علي (عليه السلام) في تاريخ ابن عساكر 3:231 تحقيق الشيخ المحمودي .

([9]) توحيد الصدوق : 360 - 361 .

([10]) توحيد الصدوق : 361 .

([11]) توحيد الصدوق 328 - 340 ، 344 ، 362 ; و الكافي 1 : 160 .

([12]) التوحيد : 362 .

([13]) الكافي 1 : 160 ; و التوحيد : 362 .

([14]) الطرائف .

([15]) راجع بحث استلحاق زياد في المجلّد الأوّل من كتاب عبد الله بن سبأ للمؤلف ; وبحث استشهاد الإمام الحسين (ع) في المجلّد الثالث من معالم المدرستين .

([16]) إشارة إلى قوله تعالى في سورة النازعات / 40 : ( وَ أَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإنَّ الْجَنَّةَ هَيَ الْمَأْوَى ) .