على مائدة الكتاب والسُّنّة

ــــــــــــــــــــــــــــــ

11

 

 

 

 

عصمة الأنبياء و الرُّسُل

 

 

 

 

 

 

تأليف

السيد مرتضى العسكري


 


 

 

 

 

 

 

 

 

( وَ إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (البقرة : 124 )


 


الوحدة حول مائدة الكتاب و السنّة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، و الصَّلاة على محمّد و آله الطاهرين ، و  السلام على أصحابه البرره الميامين .

و بعد : تنازعنا معاشر المسلمين على مسائل الخلاف في الداخل ففرّق أعداء الإسلام من الخارج كلمتنا من حيث لا  نشعر ، وضعفنا عن الدفاع عن بلادنا ، و سيطر الأعداء علينا ، و  قد قال سبحانه و تعالى : (وَ  أَطِيعُوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ)(الانفال / 46)

و ينبغي لنا اليوم و في كل يوم أن نرجع إلى الكتاب و السنّة في ما اختلفنا فيه و نوحّد كلمتنا حولهما ، كما  قال  تعالى : ( فإنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْء فَرُدُّوهُ إلى اللّهِ وَ الرَّسُولِ )(النساء / 59)

و في هذه السلسلة من البحوث نرجع إلى الكتاب و  السنّة و  نستنبط منهما ما ينير لنا السبيل في مسائل الخلاف ، فتكون بإذنه تعالى وسيلة لتوحيد كلمتنا .

راجين من العلماء أن يشاركونا في هذا المجال ، و  يبعثوا إلينا بوجهات نظرهم على عنوان :

 

بيروت - ص.ب 124/24 العسكري


 

 


 

 

مخطط البحث

1- إبليس لا سلطان له على خلفاء الله في الأرض 9

2- أثر العمل و خلوده و انتشار البركة و الشؤم من بعض الأعمال على الزمان و المكان 17

3- عصمة خلفاء الله عن المعصية 22

4- روايات مكذوبة على نبيّ الله داود و على خاتم الأنبياء 24

l زواج داود (ع) في القرآن الكريم : 24

تأويل الآيات في روايات مدرسة الخلفاء : 25

دراسة أسانيد الروايات 31

أ ـ وهب بن منبّه : 31

ب ـ الحسن البصري : 32

ج ـ يزيد بن أبان الرقاشي : 35

دراسة متون الروايات 37

أولاً ـ رواية وهب : 37

ثانياً ـ رواية الحسن البصري : 38

ثالثاً ـ رواية يزيد الرقاشي : 39

نتيجة الدراسة : 41

l خبر زواج الرسول بزينب بنت جحش في الرواية : 42

الآيات في خبر زواج الرسول (ص) بزينب بنت جحش 43

تأويل الآيات في روايات مدرسة الخلفاء : 44

دراسة الروايتين : 45

آيات أخطأوا في تأويلها 50

تفسير بعض الكلمات و المصطلحات : 53

شرح بعض الكلمات : 56

تأويل الآيات بحسب معنى الألفاظ في لغة العرب : 63

تأويل الآيات في روايات أئمة أهل البيت (ع) 67

 


 

 

 

 

 

إبليس لا سلطان له على خلفاء الله في الأرض

أخبر الله سبحانه في سورة الحجر أنّ إبليس لا سلطان له على عباده المخلصين ، في ذكره ما دار بينه و بين إبليس من محاورة ، و  ذلك في قوله تعالى :

( رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لاَُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الاَْرْضِ وَ لاَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الُْمخْلَصِينَ l قَالَ ... إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) (الآيات 30 ـ 42) .

و أخبر تعالى عمّا جرى بين يوسف و زليخا ، و كيف يعصم الله المخلَصين من إغواء الشيطان ، حيث قال تعالى في سورة يوسف  :

( وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الُْمخْلَصِينَ )(الآية24).

 

و عرفنا أنّ الوصف المذكور من شروط الإمامة في ما أخبر الله عمّا دار بينه و بين خليله إبراهيم (ع) في سورة البقرة ، و قال :

( وَ إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )(الآية 124) .

 

و ذكر في سورة الأنبياء أنّ الذين جعلهم أئمة ، يهدون بأمره ، و قال تعالى :

( وَ جَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ... ) (الآية 73 ) .

 

و ذكر منهم في تلك السورة نوحاً و إبراهيمَ و لوطاً و إسماعيلَ و أيّوبَ و ذا الكفل و يونس و موسى و هارون و داود و سليمان و  زكريّا و يحيى و عيسى (ع) .

و كان في من وصفهم بالإمامة في هذه السورة : النبيُّ و  الرسول و الوزير و الوصيّ .

إذاً فقد بان لنا أنّ الله تبارك و تعالى اشترط لمن جعله إماماً أنْ يكون غير ظالم .

و قد وصف الله الإمام بأنّه خليفته في الأرض ، كما ورد في خطابه لداود (ع) في سورة ص :

( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَْرْضِ ) (الآية 26) .

و ورد في وصفه لآدم (ع) في خطابه للملائكة في سورة البقرة  :

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَْرْضِ خَلِيفَة ...)(الآية 30) .

كما سنشرحه بعد تفسير كلمات الآيات إن شاء الله تعالى .

 

شرح الكلمات :

أ - أغْوَيْتَني ، و لأُغوينّهم ، و الغاوين :

غوى فهو غاو : انهمك في الغيّ .

و أغواه : أضلّه و أغراه ، و قصد اللعين بقوله أغويتني : أنّه تعالى بلعنه و قوله له قبل هذه الآية : ( وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّين ) ، أبعده عن رحمته جزاء تمرُّده و امتناعه عن السجود لآدم  ، كما قال تعالى في سورة البقرة : ( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ مَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِين ) (الآية 26) .

ب ـ لأُزيّننّ لهم :

أي : أُحسِّن لهم سوءَ أعمالهم ،كما قال سبحانه و تعالى :

( زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمَالَهُمْ )(الأنفال/48،النحل/24، العنكبوت/37) و  ( زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ) (التوبة/37) .

ج - المخلَصِين :

المخلَصُون : هم الذين أخلصهم الله لنفسه بعدما أخلصوا أنفسهم لله ، فليس في قلوبهم محلٌّ لغيره .

 

د ـ إبتلى :

بلاه بلاءً و ابتلاه ابتلاءً : امتحنه و اختبره بالخير و الشرّ و  النعمة و النقمة .

 

هـ ـ بكلمات :

المقصود من الكلمات هنا قضايا امتحن الله بها إبراهيم (ع) ، مثل ابتلائه بعبّاد الكواكب و الأصنام ، و إحراقه بالنار ، و تضحيته بابنه ، و أمثالها .

 

و ـ فأتمَّهنَّ :

أي : أكمل أداءَهنَّ .

 

ز ـ جاعلك :

وردت جعل بمعنى : خلق و أوجد و حكم و شرّع و قرّر و  صيّر ، و الأخير هو المقصود هنا .

خ ـ إماماً :

الإمام : هو المقتدى للناس في الأقوال و الأفعال .

 

ط ـ الظالمين :

الظّلم : وضع الشيء في غير موضعه ، و الظّلم ـ أيضاً ـ تجاوز الحقّ . و الظّلم ثلاثة أنواع :

أوّلاً : ظلم بين الإنسان و ربّه ، و أعظمه الشِّرك و الكفر ، كما قال سبحانه في سورة لقمان : ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (الآية13) .

و في سورة الأنعام : ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ ... )(الآية 157) .

 

ثانياً : ظلم بين الإنسان و غيره ، كما قال سبحانه و تعالى في سورة الشورى : (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ)(الآية 42) .

 

ثالثاً : ظلم الإنسان نفسه ، كما قال سبحانه و تعالى في سورة البقرة : ( ... وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) (الآية 231) .

و في سورة الطلاق : (وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)(الآية 1) .

و كلّ نوع من الظّلم ظلم للنّفس .

يقال لمن اتّصف بالظّلم في أيّ زمان من عمره المتقدّم منه أو المتأخّر : ظالم .

 

ي ـ همّت به و همّ بها :

همّ بالأمر : عزَمَ على القيام به و لم يفعله .

 

ك ـ رَأى :

رأى بالعين : نظر ، و بالقلب : أبصر ، و أدرك .

 

ل ـ برهان :

البرهان : أوكدُ الأدلّة ، و الحجّةُ البيّنةُ الفاصلة ، و ما رآه يوسف أكثر من هذا .

 

تأويل الآيات :

قال إبليس لربّ العالمين : ربّ بما لعنْتني و أبعدْتني عن رحمتك لأُزيّننّ للناس في دار الدنيا الأعمال السيّئة ، كما قال سبحانه :

أ ـ في سورة النحل : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلى أُمَم مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) (الآية 63) .

ب ـ في سورة الأنفال : ( وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ ... ) (الآية 48) .

ج ـ في سورة النمل : ( ... يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ... ) (الآية24) .

و قال الشيطان : لأُزيِّننَّ للناس أعمالهم و لأُغوينّهم أجمعين إلاّ عبادك الذين اصطفيتهم لنفسك .

و قال الله في جوابه : إنّك لا سُلطةَ لك على مَن اتّبعك من المنهمِكينَ في الغيِّ و الضّلالة ، و أخبر تعالى عن شأن عباده المخلَصين في ما حكاه عن خبر يوسف (ع) و زليخا ، حيث قال : ( وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ ) في بيت خلا عن كلّ إنسان ما عدا يوسف (ع) .

و زليخا عزيزة مصر و مالكة يوسف ، همّت أن تنال مأربها من يوسف ، و لولا أنّ يوسف رأى برهان ربّه لهمّ بقتلها و هو السوء، أو همّ بالفحشاء كما هو مقتضى طبيعة الحال التي كان عليها الفتى مكتمل الرجولة غير المتزوّج مع مالكته الفتاة مكتملة الأُنُوثة المترفة في بيت خلا من كلّ أحد ، و لكنّه رأى برهان ربّه و استعصم ، فقد كان ممّن أخلصه الله لنفسه .

فما هو البرهان الذي رآه يوسف (ع) ؟ و كيف رآه ؟

إنّ يوسف (ع) رأى آثار العملين على نفسه كالآتي بيانه :

 


 

 

 

أثر العمل و خلوده و انتشار البركة و الشؤم

من بعض الأعمال على الزمان و المكان

 

امعرفة معنى عصمة الأنبياء ينبغي أن ندرس كيفية انتشار البركة و الشؤم على الزمان و المكان و آثار أعمال الإنسان في الدنيا و الآخرة ، فنستعين الله و نقول :

قال الله سبحانه و تعالى :

أ - في سورة البقرة :

( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَ الْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصِمْهُ ) (الآية 185) .

 

ب - في سورة القدر :

( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ l وَ مَا أَدْريكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ l لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر l تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر l سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) .

أنزل الله القرآن على خاتم أنبيائه في ليلة من ليالي شهر رمضان ، فأصبحت تلك الليلة ليلة القدر تتنزّل الملائكة و الروح فيها كلّ سنة بأمر ربّهم أبد الدهر ، و انتشرت البركة من تلك اللّيلة إلى كلّ شهر رمضان كذلك أبد الدهر .

و أنَّ الجمعة أصبحت مباركة منذ عهد آدم (ع) ، و أنّ عصر التاسع من ذي الحجّة أصبح مباركاً يغفر الله ذنوب عباده فيه بمنى لنزول المغفرة على آدم  (ع) فيه ، و أصبحت أراضي عرفات و المشعر و منى أراضي مباركةً في التاسع و العاشر كم ذي الحجّة على كلّ بني آدم (ع) بعد ذلك ، و بقي أثرها كذلك أبد الدّهر .

و كذلك أصبح أثر قدمي إبراهيم (ع) في البيت على تلك الكتلة من الطين التي رقى عليها إبراهيم (ع) لبناء جدار البيت مباركاً  ، فأمرنا الله باتّخاذها مصلًّى بعد ذلك أبد الدهر و قال : (وَ  اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى) .

و كذلك الشأن في انتشار الشّؤم كما كان من أمر بيوت عاد في الحِجْرِ بعد نزول العذاب عليهم ، كما أخبرنا رسول الله (ص) عنها عند مروره عليها في غزوة تبوك ، و جاء خبره في كتب الحديث والسيرة ، و قالوا ما موجزه :

لمّا سار رسول الله (ص) إلى غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة مرّ بالحِجْر ـ ديار ثمود بوادي القرى في طريق الشام من المدينة ـ فنزل قبل أن يمرّ بها ، فاستقى الجيش من بئرها ، فنادى منادي النبي أن : لا تشربوا من ماء بئرهم ، و لا تتوضّأوا منه للصلاة  ، فجعل الناس يهريقون ما في أسقيتهم و قالوا : يا رسول الله قد عجنّا ، قال : أعلفوها الإبل خوف أن يصيبكم مثل ما أصابهم .

و لمّا ارتحل و مرّ بالحِجْر ، سجّى ثوبه على وجهه و  استحثّ([1]) راحلته و فعل الجيش كذلك ، و قال رسول الله (ص) :

لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلاّ و أنتم باكون .

و جاء رجل بخاتم وجده في الحجر في بيوت المعذّبين ، فأعرض عنه و استتر بيده أن ينظر إليه ، و قال : أَلْقِهْ! فألقاهُ([2]) .

و وقع نظير ذلك للإمام علي (ع) كما رواه نصر بن مزاحم و  غيره ، و اللفظ لنصر في كتابه وقعة صفّين بسنده ، قال :

كان مخنف بن سليم يساير عليّاً ببابل([3])، فقال الإمام علي  (ع) : إنّ ببابل أرضاً خُسِفَ بها فحرِّكْ دابّتك لعلّنا نصلّي العصر خارجاً منها . قال : فحرّك دابّته و حرّك الناس دوابّهم في أثره ، فلمّا جاز جسر الصّراة نزل فصلّى بالناس العصر([4]) .

و في رواية راو آخر :

قطعنا مع أمير المؤمنين جسر الصّراة في وقت العصر ، فقال :   إنّ هذه أرض معذّبة لا ينبغي لنبيّ و لا وصيّ نبيّ أن يصلّي فيها  ([5]) .

هكذا كان للبركة انتشار من الزمان الذي بارك الله فيه لعبد من عباده المخلصين ، و للشؤم انتشار من الزمان الذي غضب فيه على عبيده الأشقياء .

 


 

 

 

عصمة خلفاء الله عن المعصية

 

إنّ لأعمال النّاس آثاراً خالدةً في الدنيا و في الآخرة تتجسّد لتخلد ناراًوقودها الناس و الحجارة ، أو نعيماً في جنّات عدن ، و  كلّ ذلكم الانتشار و تلكم الآثار يراها عباد الله المخلَصون و  يدركونها ، فتدفعهم إلى الاجتهاد في أداء الأعمال الصالحة و  اجتناب الأعمال السيّئة من الفحشاء و السوء و المنكر .

و تلكم الرؤية هي برهان الله الذي يؤتي الله من عباده من تزكّى و آثر رضى الله على هوى النّفس الأمّارة بالسوء ، و من ثمّ لا تصدر من عباده المخلَصين معصية موبقة ، و مثلُهُم في ذلك مثل إنسان بصير و آخر ضرير يسيران معاً في طريق واحد كثيرة العثرات و المهاوي المردية ، يتجنّبها البصير و ينبّه صاحبه الضرير ليتجنّبها ، أو كمثل أُناس عطاشى أمامهم ماء تتوق أنفسهم إلى شربه ليبرّدوا به حرارة عطشهم ، و فيهم طبيب معه مجهر نظر من خلاله إلى الماء و  أبصر فيه أنواعاً من الجراثيم المهلكة ، و أخبر صحبه بلزوم تصفية الماء قبل الاستفادة منه .

هكذا مثل عباد الله المخلَصين في رؤيتهم البرهان و تبصُّرهم بحقائق الأعمال و آثارها السيّئة أو الحسنة ، فهم مع تلك الرؤية لقبح فعل المعصية و شناعتها في الدنيا و تجسّده ناراً محرقة خالدة في الآخرة ، لا يمكن أن يُقدموا على العمل بها مختارين و غير مجبورين على تركها ، أو ممنوعين من قبل الله من إتيانها .

و ما يوردون من شبهات حول عصمة الأنبياء مستشهدين بآيات متشابهة ، أخطأوا في تأويل بعضها و فسّروا بعضها الآخر بروايات زائفة .

و لكي لا يطول البحث نكتفي بإيراد أمثلة من النوعين في ما يأتي :

 


 

 

 

روايات مكذوبة على نبيّ الله داود

و على خاتم الأنبياء

 

ندرس من هذا النوع من الروايات التي وردت في خبر زواج داود بأرملة أوريا ، و زواج خاتم الأنبياء (ص) بمطلّقة زيد كالآتي :

 

زواج داود (ع) في القرآن الكريم :

قال الله سبحانه في سورة ص :

(اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولونَ وَ اذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الاَْيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ  l إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الاِْشْراقِ l و  الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ l وَ شَدَدْنَا مُلْكَهُ وَ آتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ l وَ هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّروا الِْمحْرَابَ l إِذْ دَخَلُوا عَلى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغى بَعْضُنَا عَلى بَعْض فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَ لاَ تُشْطِطْ وَ اهْدِنَا إِلى سَوَاءِ الصِّراطِ l إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَ عَزَّنِي فِي الْخِطَابِ l قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ مَا هُمْ وَ ظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنَابَ l فَغَفَرْنَا لَهُ ذلِكَ وَ إنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآب l يَا دَاوُدُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاْ َرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ... )(الآيات 17ـ26) .

 

تأويل الآيات في روايات مدرسة الخلفاء :

الروايات بمدرسة الخلفاء في تأويل آيات خبر حكم داود (ع) كثيرة ، و نحن نكتفي في ما يأتي بإيراد ثلاثة نماذج منها بإذنه تعالى  :

 

أ ـ رواية وهب بن منبّه :

روى الطبري في تأويل الآية عن وهب أنّه قال :

لمّا اجتمعت بنو إسرائيل على داود ، أنزل الله عليه الزّبور ، و  علّمه صنعة الحديد ، فألانه له ، و أمر الجبال و الطير أن يسبّحن معه إذا سبّح ، و لم يعط الله ـ فيما يذكرون ـ أحداً من خلقه مثل صوته ، كان إذا قرأ الزبور ـ فيما يذكرون ـ تدنو له الوحوش حتى يأخذ بأعناقها ، و إنّها لمصيغة تسمع لصوته ، و ما صنعت الشياطين المزامير و البرابط و الصنوج إلاّ على أصناف صوته ، و كان شديد الاجتهاد ، دائب العبادة ، فأقام في بني إسرائيل ، يحكم فيهم بأمر الله نبيّاً مستخلفاً ، و كان شديد الاجتهاد من الأنبياء ، كثير البكاء ، ثمّ عرض من فتنة تلك المرأة ما عرض له ، و كان له محراب يتوحّد فيه لتلاوة الزَّبور و صلاته إذا صلّى ، و كان أسفل منه جُنَينة لرجل من بني إسرائيل ، كان عند ذلك الرجل المرأة التي أصاب داود فيها ما أصابه .

و أنّه حين دخل محرابه ذلك اليوم ، قال : لا يدخلنّ عليّ محرابي اليوم أحد حتى الليل ، و لا يشغلني شيء عمّا خلوت له حتى أُمْسي ، و دخل محرابه و نشر زبوره يقرؤه ، و في المحراب كُوَّة تطلعه على تلك الجنينة ، فبينا هو جالس يقرأ زَبوره ، إذ أقبلت حمامة من ذهب حتى وقعت في الكوّة ، فرفع رأسه فرآها فأعجبته  ، ثمّ ذكر ما كان قال : لا يشغله شيء عمّا دخل له ، فنكّس رأسه ، و أقبل على زبوره ، فتصوّبت الحمامة للبلاء و الاختبار من الكوّة ، فوقعت بين يديه ، فتناولها بيده ، فاستأخرتْ غير بعيد ، فأتبعها ، فنهضت إلى الكوّة ، فتناولها في الكوّة ، فتصوّبت إلى الجنينة  ، فأتبعها بصره أين تَقَع ، فإذا المرأة جالسة تغتسل ، بهيئة الله أعلم بها في الجمال و الحُسن و الخلق .

فيزعمون أنّها لما رأته نقضت رأسها فوارت به جسدها منه ، و  اختطفت قلبه ، و رجع إلى زبوره و مجلسه ، و هي من شأنه ، لا يفارق قلبه ذكرها ، و تمادى به البلاء ، حتى أغزى زوجها ، ثمّ أمر صاحب جيشه ـ فيما يزعم أهل الكتاب ـ أن يقدّم زوجها للمهالك ، حتى أصابه بعض ما أراد به من الهلاك ، و لداود تسع و تسعون امرأة  ، فلمّا أصيب زوجُها خطبها داود ، فنكحها ، فبعث الله إليه و هو في محرابه مَلَكين يختصمان إليه ، مثلاً يضربه له و لصاحبه ، فلم يُرَعْ داود إلا ّ بهما واقفين على رأسه في محرابه ، فقال : ما أدخلكما عليّ ؟ قالا : لا تخف ، لم ندخل لبأس و لا لريبة ( خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْض ) فجئناك لتقضي بيننا ( فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَ  لاَ تُشْطِطْ وَ اهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ) أي : احملنا على الحق ، و لا تخالف بنا إلى غيره ، قال الملك الذي يتكلّم عن أوريا بن حنانيا زوج المرأة : ( إِنَّ هذَا أَخِي ) أي : على ديني ( لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا ) أي : احملني عليها ، ثمّ (عَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) أي : قهرني في الخطاب ، و  كان أقوى منّي هو و أعزّ ، فحاز نعجتي إلى نعاجه ، و تركني لا شيء لي .

فغضب داود ، فنظر إلى خصمه الذي لم يتكلّم ، فقال : لئن كان صدقني ما يقول ، لأضربنّ بين عينيك بالفأس ، ثمّ ارعوى داود ، فعرف أنّه هو الذي يُراد بما صنع في امرأة أوريا ، فوقع ساجداً تائباً منيباً باكياً ، فسجد أربعين صباحاً صائماً لا يأكل فيها ولا يشرب ، حتى أنبت دمعه الخُضَرَ تحت وجهه و حتى أندَبَ السجود في لحم وجهه ، فتاب الله عليه و قبل منه .

و يزعمون أنّه قال : أي ربّ غفرت ما جنيت في شأن المرأة ، فكيف بدم القتيل المظلوم ؟ قيل له : يا داود ـ فيما زعم أهل الكتاب  ـ أما إنّ ربّك لم يظلمه بدمه و لكنّه سيسأله إيّاك فيعطيه ، فيضعه عنك ، فلمّا فرّج عن داود ما كان فيه رسم خطيئته في كفّه اليمنى : بطن راحته ، فما رفع إلى فيه طعاماً و لا شراباً قطّ إلاّ بكى إذا رآها ، و ما قام خطيباً في الناس قطّ إلاّ نشر راحته فاستقبل بها الناس ليروا رسم خطيئته([6]) .

ب ـ رواية الحسن البصري :

روى الطبري و السيوطي في تفسير الآية عن الحسن البصريّ أنّه قال :

إنّ داود جَزَّأ الدهر أربعة أجزاء : يوماً لنسائه ، و يوماً لعبادته ، و يوماً لقضاء بني إسرائيل ، و يوماً لنبي إسرائيل ، يذاكرهم و  يذاكرونه ، و يُبْكيهم و يُبْكونه ، فلمّا كان يوم بني إسرائيل قال : ذكِّروا ، فقالوا : هي يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً ؟ فأضمر داود في نفسه أنّه سيطيق ذلك ، فلمّا كان يوم عبادته ، أغلق أبوابه ، و أمر أن لا يدخل عليه أحد ، و أكبَّ على التوراة ، فبينما هو يقرؤها ، فإذا حمامة من ذهب ، فيها من كلّ لون حسن ، قد وقعت بين يديه ، فأهوى إليها ليأخذها ، قال : فطارت ، فوقعت غير بعيد من غير أن تُؤْيسه من نفسها ، قال : فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل ، فأعجبه خلقها و حُسنها ، قال : فلما رأت ظلّه في الأرض ، جلّلت نفسها بشعرها ، فزاده ذلك أيضاً إعجاباً بها ، و  كان قد بعث زوجها على بعض جيوشه ، فكتب إليه يسير إلى مكان كذا و كذا ، مكان إذا سار إليه لم يرجع ، قال : ففعل ، فأُصيب ، فخطبها فتزوّجها([7]) .

 

ج ـ رواية يزيد الرّقاشي عن أنس بن مالك :

أخرج الطبري و السيوطي بتفسير الآية بسندهما عن يزيد الرقاشي ما موجزه :

عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك ، سمعه يقول : سمعت رسول الله (ص) يقول : إنّ داود (ع) حين نظر إلى المرأة قطع على بني إسرائيل و أوصى صاحب الجيش ، فقال : إذا حضر العدو تضرب فلاناً بين يدي التابوت ، و كان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به من قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم منه الجيش ، فقتل و تزوّج المرأة ، و نزل الملكان على داود (ع) ، فسجد فمكث أربعين ليلة ساجداً حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه ، فأكلت الأرض جبينه و هو يقول في سجوده : ربّ زلّ داود زلّة أبعد ممّا بين المشرق و المغرب ، ربّ إنْ لم ترحم ضعف داود و  تغفر ذنوبه جعلت ذنبه حديثاً في المخلوق من بعده .

فجاء جبرئيل (ع) من بعد .ربعين ليلة فقال : يا داود إنّ الله قد غفر لك و قد عرفت أنّ الله عدل لا يميل ، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال : يا ربّ دمي الذي عند داود ؟ قال جبرئيل : ما سألت ربّك عن ذلك فإن شئت لأفعلنّ ، فقال : نعم ، ففرح جبرئيل و سجد داود (ع) ، فمكث ما شاء الله ثمّ نزل فقال : قد سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه ، فقال : قل لداود إنّ الله يجمعكما يوم القيامة فيقول : : هب لي دمك الذي عند داود ، فيقول : هو لك يا ربّ ، فيقول : فإنّ لك في الجنّة ما شئت و ما اشتهيت عوضاً ... ([8]) .

 

* * *

 

هكذا جاءت الروايات عن خبر نبي الله داود (ع) في التفاسير ، و في ما يأتي ندرس أسانيدها :

 

دراسة أسانيد الروايات

أ ـ وهب بن منبّه :

كان أبوه من أبناء الفرس الذين بعث بهم كسرى إلى اليمن ، و  في ترجمته بطبقات ابن سعد ما موجزه :

قال وهب : قرأت اثنين و تسعين كتاباً كلّها أُنزلت من السماء، اثنان و سبعون منها في الكنائس و في أيدي الناس ، و عشرون لا يعلمها إلاّ قليل .

و قال الدكتور جواد علي : يقال إنّ وهباً من أصل يهودي ، و  كان يزعم أنّه يتقن اليونانية و السريانية و الحميرية و قراءة الكتابات القديمة .

و ذكر في كشف الظنون من تآليفه قصص الأنبياء ([9]) .

 

ب ـ الحسن البصري :

أبو سعيد ، كان أبوه مولى زيد بن ثابت الأنصاري ، ولد لسنتين بقيت من خلافة عمر ، و عاش و مات في البصرة 110 هـ ، و كان غاية في الفصاحة و البلاغة ، مهاباً عند الناس و سلطة الخلافة ، و إماماً لأتباع مدرسة الخلفاء بالبصرة([10]) .

 

رأيه :

يظهر من روايات وردت بترجمته في طبقات ابن سعد أنّه كان يقول بالقدر و يناظر فيه ، ثمّ رجع عنه ، و أنّه كان لا يرى الخروج على السلطة الظالمة كسلطة الحجّاج .

قيمة رواياته :

في ترجمته بميزان العتدال([11]) :

كان الحسن كثير التدليس فإذا قال في حديث : عن فلان ضعف لحاجة ، و لا سيّما عمّن قيل إنّه لم يسمع منهم كأبي هريرة ونحوه ، فعدُّوا ما كان له عن أبي هريرة في جملة المنقطع ، و ا لله أعلم .

أي : إنّ الحسن إذا قال في الحديث : عن فلان ضَعُفَت روايته عن فلان لحاجته إلى ذلك القول ، لا سيّما في ما يرويه عمّن لم يسمعهم ، مثل رواياته عن أبي هريرة و نحوها ممّن روى عنهم في حين أنّه لم يشاهدهم .

و برتجمته بطبقات ابن سعد عن علي بن زيد أنّه قال :

حدّثت الحسن بحديث فإذا هو يحدّث به ، قال : قلت : يا أبا سعيد ! من حدّثكم ؟ قال : لا أدري ! قال : أنا حدّثتكم .

و روى ـ أيضاً ـ أنّه قيل له : أرأيت ما تفتي الناس أشياء سمعتها أم برأيك ؟ فقال : لا و الله ما كلّ ما نفتي به سمعناه ، و لكنّ رأينا خيرٌ لهم من رأيهم لأنفسهم([12]) .

تخرّج من مدرسته واصل بن عطاء (ت:131هـ) مؤسّس مذهب الاعتزال ، و ابن أبي العوجاء أحد مشاهير الزنادقة .

قيل له : تركت مذهب صاحبك و دخلت في ما لا أصل له و  لا حقيقة ! قال : إنّ صاحبي كان مخلّطاً ، يقول طوراً بالقدر و  طوراً بالجبر ، فما أعلمه اعتقد مذهباً فدام عليه .

قتله على الزندقة والي الكوفة 155 هـ ، قال عند قتله : لئن قتلتموني لقد وضعت أربعة آلاف حديث أُحرِّم فيه ما أحلّ الله ، و  أُحلّل فيه ما حرَّم الله ، فطّرتكم يوم صومكم و صوّمتكم يوم فطركم([13]) .

ج ـ يزيد بن أبان الرقاشي :

المحدّث القاصّ البصري و الزاهد البكّاء من غير دراية و فقه .

في ترجمته في تهذيب الكمال للمزّي و تهذيب التهذيب لابن  حجر ما موجزه([14]) :

أ ـ عن زهده :

جوّع نفسه و عطّشها ، ذبل جسمه و نهك بدنه و تغيّر لونه ، كان يبكي و يُبكي جلساءه و يقول ـ مثلاً ـ : تعالوا نبكي على الماء البارد يوم الظمأ ، و يقول : على الماء البارد السلام بالنهار ، قال : و  فعل ما لم يقله رسول الله و لم يفعله ، و قال الله سبحانه : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) .

ب ـ عن رأيه :

كان ضعيفاً قدرياً([15]) .

ج ـ عن قيمة رواياته :

رووا عن شعبة أنّه قال : لأن أقطع الطريق أحبُّ إليّ من أن أروي ، و قال : لأن أزني أحبُّ إليّ من أن أروي عنه .

و قالوا في حديثه : منكر الحديث ، متروك الحديث ، لا يكتب حديثه !

و قال أبو حاتم : كان واعظاً بكاءً كثير الرواية عن أنس بما فيه نظر ، و في حديثه ضعف .

و في تهذيب التهذيب : قال ابن حبّان : كان من خيار عباد الله من البكّائين بالّليل ، لكنّه غفل عن حفظ الحديث شغلاً بالعبادة حتى كان يقلب كلام الحسن فيجعله عن أنس عن النبي (ص) ، فلا تحلّ الرواية عنه إلاّ على جهة التعجُّب .

 

وفاته :

توفّي يزيد بن أبان قبل العشرين و مائة هجرية([16]) .

 

دراسة متون الروايات

أولاً ـ رواية وهب :

موجز الرواية : أنّ النبي داود (ع) خلا بنفسه يوماً للعبادة و  أكبّ على التوراة يقرؤها ، إذْ أقبلت حمامة من ذهب فوقعت بين يديه ، فأهوى إليها ليأخذها ، فطارت غير بعيد عنه ، فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة جاره أوريا ، و كانت عارية تغتسل ، فأعجبه جمالها ، فلمّا أحسّت به جلّلت نفسها بشعرها ، فازداد افتتاناً بها ، فدبّر أمر قتل زوجها الذي كان في الغزو ، ثمّ تزوّجها ، فتسوّر عليه الملكان ، و كان من أمرهما ما تحدّث عنه القرآن الكريم .

في هذه الرواية جاء مرّة : قال وهب ، و أخرى : قال في ما يزعم أهل اكتاب ، و بذلك خرج من عهدة روايتها .

و لمّا رجعنا إلى التوراة وجدنا في سفر صموئيل الثاني خبر رؤية داود يستتبع زوجة جاره أوريا من سطح داره ، و إعجابه بها ، و  جلبه إيّاها إلى داره ، و أنّه ضاجعها فحملت سفاحاً ، إلى آخر القصة .

و يظهر من مقارنة رواية وهب هذه بما جاء في خبر داود في سفر صموئيل من التوراة أنّه أخذ بعض القصة من التوراة و بعضاً آخر منها من كتب إسرائيلية أُخرى كان قرأها ـ كما كان يخبر عن قراءته إيّاها ـ ، و هذا النوع من الروايات سُمّي في علم دراية الحديث بـ : الروايات الإسرائيلية أو الإسرائيليات .

 

ثانياً ـ رواية الحسن البصري :

إنّ موجز رواية البصري هو موجز رواية وهب نفسه ، غير أنّ البصري أضاف في أوّل القصّة : أنّ داود كان قد جزّأ الدهر أربعة أيام ، و لسنا ندري هل أضافه إليها من خياله و ابتكاره ، أو أنّه أخذه من راو آخر من رواة الاسرائيليات ؟

و على أيّ حال ، لم يذكر البصري سند روايته هذه ، و إنّما أرسلها إرسالاً ، و لو أنّه حين رواها ذكر مصدرها و قال : إنّه رواها من وهب من منبّه ، أو غيره من رواة الروايات الإسرائيلية ، لهان الأمر و تمكّن الباحثون من العثور على مصدر الرواية و أدركوا بسهولة أنّها من الروايات الإسرائيلية ، و بإرسالها الرواية غُمَّ أمر الرواية على الباحثين ، و بما أنّه أمام الأئمة في العقائد في مدرسة الخلفاء ، فقد كان لروايته أثرٌ مضاعفٌ على فهم العقائد الإسلامية .

و جلّ رواة الروايات الإسرائيلية يفعلون ما فعله البصريّ و  يرسلون ما يروونه من الروايات الإسرائيلية دون ذكر مصدر الرواية ، و من ثمّ يَغمُّ أمر تلك الروايات على غير أهل دراية الحديث .

ثالثاً ـ رواية يزيد الرقاشي :

إنّ يزيد بن أبان قال : إنّه سمعها من الصحابي أنس الذي سمعها من رسول الله (ص) ، و بذلك كذب على أنس و على رسول الله (ص) ، و هو الزاهد العابد البكّاء ، و كم يكون أثر رواية يرويها أمثال يزيد من العُبّادفي وعظهم و قصصهم ؟! و هل يعرف غير المتخصِّصين بعلم دراية الحديث أنّ يزيد الرقاشي أسند ما سمعه من الحسن البصري إلى الصحابي أنس إلى رسول الله (ص) ، و يأتي بعدهم المفسّرون أمثال الطبري (ت310هـ) إلى السيوطي  (ت911هـ) و يوردون تلك الأساطير في تفاسيرهم .

و الأمر لا يقتصر على من ذكرناهم هنا من رواة الروايات الإسرائيلية ، بل يتعدّاهم إلى غيرهم من صحابة و تابعين ، مثل :

1- عبد الله بن عمرو بن العاص : الذي أصاب راحلتين من كتب أهل الكتاب في بعض الغزوات ، و كان يروي عنهما دونما ذكر لمصدر رواياته .

2- تميم الداري : الذي أسلم بعد أن كان راهب النصارى ، و  كان يقصّ في مسجد الرسول (ص) يوم الجمعة قبل خطبة عمر بن الخطاب ، و يقصّ يومين في الأُسبوع على عهد عثمان .

3- كعب الأحبار : كان قد أسلم على عهد عمر ، و أصبح من علماء المسلمين على عهد عمر و عثمان .

ثمّ من أخذ من هؤلاء و ألّف تفسير القرآن مثل :

4- مقاتل بن سليمان المروزي الأزدي بالولاء (ت150هـ) .

كان مشهوراً بتفسير كتاب الله ، و قال الشافعي :

الناس كلّهم عيال على ثلاثة : على مقاتل بن سليمان في التفسير ، و على زهير بن أبي سلمى في الشعر ، و على أبي حنيفة في الكلام .

كم يا تُرى دسَّ مقاتل من الإسرائيليات في رواياته التي اعتمدوها ، و كم اختلق ممّا روى و أسند ؟!([17]) .

نتيجة الدراسة :

نقل وهب الرواية المفتراة على نبيّ الله داود (ع) من كتب أهل الكتاب و صرّح بمصدرها ، و رواها الحسن و أرسلها دون الإشارة إلى مصدرها ، و دلّس المحدّث القاصّ الزاهد العابد البكّاء يزيد بن أبان و قال : سمعها أنس من رسول الله (ص) .

و لا يقتصر هذا النوع من التدليس و إسناد الروايات الإسرائيلية إلى الصحابة بهذا المورد وحده ، و إلى هذا الصحابي وحده ، فقد أكثروا في إسناد أمثالها إلى الصحابي ابن عمّ النبيّ  (ص) عبد الله بن عباس ، و نحتاج لدراستها إلى بحوث مقارنة مبسوطة ، و بمراجعة الصفحة الأخيرة من تفسير السيوطي الدرّ المنثور ينكشف لنا بعض الأمر .

* * *

 

و هكذا نجد منشأ الخبر المفترى على داود (ع) قصص التوراة  ، و كذلك تسرَّبت الأخبار الإسرائيلية إلى تفسير القرآن ، فكوّنت للمسلمين رؤية غير صحيحة عن سيرة الأنبياء ، و كان ذلكم خبر زواج داود (ع) بأرملة أوريا و ما افتروا عليه في ذلك ، و  منشأُهُ ، و الصحيح من خبره ، و في ما يأتي الصحيح من خبر زواج زينب بنت جحش بزيد ثمّ برسول الله (ص) .

 

 

خبر زواج الرسول بزينب بنت جحش في الرواية :

قال الخازن في تفسير آية : ( وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ ... ) .

و أصحُّ ما في هذا الباب ما روي عن سفيان بن عُيينة عن عليّ بن زيد بن جدعان ، قال : سألني زين العابدين عليّ بن الحسين قال : ما يقول الحسن ـ أي البصري ـ في قوله تعالى : (  وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشى النَّاسَ وَ اللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) ؟ قلت : : يقول : لما جاء زيد إلى رسول الله (ص) فقال : يا رسول الله ! إنّي أُريد أن أُطلّق زينب ، أعجبه ذلك و قال : أمسك عليك زوجك و اتّق الله ، فقال عليّ بن الحسين : ليس كذلك ، فإنّ الله عزّ و جلّ أعلمه أنّها ستكون من أزواجه ، و أنّ زيداً سيطلّقها ، فلما جاء زيد قال : إنّي أريد أن أطلّقها ، قال له : أمسك عليك زوجك ، فعاتبه الله و قال : لِمَ قلت أمسك عليك زوجك و قد أعلمتك أنّها ستكون من أزواجك ؟ .

قال الخازن :

و هذا هو الأولى و الأليق بحال الأنبياء ، و هو مطابق للتلاوة  ... .

و تفصيل خبر زواج زينب بزيد أولاً ثمّ بالنبي (ص) في الآيات و الروايات كالآتي :

 

الآيات في خبر زواج الرسول (ص) بزينب بنت جحش

قال الله سبحانه في سورة الأحزاب :

( وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِن وَ لاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً l وَ إِذْ تَقُول لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللهُ أَحَقُّ أنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً l مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَج فِيَما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً l الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ وَ كَفى باللهِ حَسِيباً l مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللهِ وَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَ كَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيء عَلِيماً ) (الآيات 36ـ40) .

 

 

تأويل الآيات في روايات مدرسة الخلفاء :

روى الطبري في تأويل الآية عن وهب بن منبّه : أنّ النبي  (ص) كان قد زوّج زيد بن حارثة زينب بنت جحش ابنة عمّته  ، فخرج رسول الله (ص) يوماً يريده ، و على الباب ستر من شعر ، فرفعت الريح الستر فانكشف و هي في حجرتها حاسرة ، فوقع إعجابها في قلب النبي (ص) ، فلمّا وقع ذلك كرهت إلى الآخر  ، فجاء زيد فقال : يا رسول الله (ص) إنّي أريد أن أُفارق صاحِبَتي ، قال : ما لك ؟ أرابك منها شيء ؟ قال : لا و الله ما رابني منها شيء يا رسول الله و لا رأيت إلاّ خيراً ... الحديث([18]) .

و وردت ـ أيضاً ـ رواية أُخرى في هذا الصدد بالمضمون نفسه عن الحسن البصري ، سوف نوردها ضمن روايات أهل البيت في تأويل الآيات إن شاء الله تعالى .

 

دراسة الروايتين :

أ ـ سندهما :

نقلوا الروايتين عن وهب بن منبّه و الحسن البصري ، و نضيف إلى ما أوردناه في ترجمتها : أنّ كليهما كانا قد ولدا بعد رسول الله  (ص) بأعوام ، فكيف يرويان عمّا حدث في عصر رسول الله  (ص) ويرسلانه إرسالاً دونما ذكر مصدرهما ؟!

 

ب ـ متنهما :

محور الخبر أنّ الرسول (ص) أعجبه جمال زينب عندما رآها بغتةً بلا حجاب ، و رغب في طلاق زيد إيّاها ، و أخفى ذلك في نفسه .

و بيان زَيف ذلك : أنّ زينب كانت ابنة عمّة النبي (ص) ، و قد نزل حكم الحجاب بعد زواج الرسول (ص) بزينب ، و كان قد رآها قبل أن يتزوّجها من زيد مراراً و تكراراً ، و قد افترى على رسول  الله  (ص) من قال ذلك ، و الصحيح في الخبر ما ننقله عن كتب السيرة في ما يأتي بإذنه تعالى :

 

 

خبر زواج زينب بزيد أوّلاً ثمّ النبيّ (ص) بعد طلاق زيد إيّاها :

كان من خبر زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي أنّه أصابه سباء في الجاهلية و بيع في بعض أسواق العرب ، فاشتُرِي لخديجة ، ثمّ وهبته خديجة للنبي (ص) قبل أن يُبعث و هو ابن ثماني سنين ، فنشأ عند النبي (ص) ، و بلغ الخبر أهله ، فقدم أبوه و عمُّه مكة لفدائه ، فدخلا على النبي (ص) و قالا : يا ابن عبد المطلب ! يا ابن هاشم ! يا ابن سيّد قومه ! جئناك في ابننا عندك فامنن علينا و  أحسن إلينا في فدائه ! فقال : من هو ؟ قالا : زيد بن حارثة ، فقال رسول الله (ص) : فهلاّ غير ذلك ؟ قالا : ما هو ؟ قال : أُدعوه و  خيّروه فإن اختاركم فهو لكم ، و إن اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحداً ، قالا : زدتنا على النصف و أحسنت ، فدعاه رسول الله (ص) فقال : هل تعرف هؤلاء ؟ قال : نعم ! هذا أبي  ، و هذا عمّي ! قال : فأنا من عرفت و رأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما . قال : ما أريدهما و ما أنا بالذي أختار عليك أحداً ، أنت منّي مكان الأب و العمّ ! فقالا : ويحك يا زيد ! أتختار العبوديّة على الحريّة و على أبيك و أهل بيتك ؟ قال : نعم ، و رأيت من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختار عليه أحداً أبداً ، فلمّا رأى رسول الله (ص) ذلك أخرجه إلى الحجر ـ في بيت الله ـ فقال : يا من حضر ! اشهدوا أنّ زيداً ابني يرثني و أرثه ، فلمّا رأى ذلك أبوه و  عمّه طابت نفوسهما و انصرفا([19]) .

و نُسِبَ زيد بعد ذلك إلى رسول الله (ص) و قيل له : زيد ابن محمد (ص) ، و زوّجه الرسول (ص) من أمته و حاضنته السوداء الحبشيّة ، و كانت قد تزوّجت قبله من عبيد الحبشي و ولدت له أيمن فكُنِّيَتْ بـ أُمّ أيمن ، فولدت في مكّة أُسامة من زيد([20]) .

كان ذلكم خبر تبنّي الرسول (ص) لزيد ، ثمّ تزوّج النبي (ص) زينب كالآتي خبره :

خبر زواج زيد من زينب إبنة عمّة الرسول (ص) :

بعد الهجرة إلى المدينة خطب زينب إبنة أميمة ابنة عبد المطّلب عدّة من أصحاب النبي (ص) ، فأرسلت أخاها إلى النبي  (ص) تستشيره في أمرها ، فقال : فأين هي ممّن يعلّمهاكتاب ربّها و سنّة نبيّها ؟ فسألت : من هو ؟ فقال : زيد ! فغضبت و قالت : تزوّج ابنة عمّتك مولاك ! لست بناكحته ! أنا خير منه حسباً ! أنا أيِّم قومي([21]) ، فأنزل الله تعالى : ( وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِن وَ لاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً ) (الأحزاب/36) ، فرضيت ، فزوّجها الرسول (ص) من زيد بعد أمّ أيمن السوداء الحبشيّة ، و لها أُسامة بن زيد ، فكانت تعلو على زيد و تشتدّ و تأخذه بلسانها ، فكان يشكوها إلى الرسول (ص) و يحاول تطليقها ، و اقتضت مشيئة الله و  حكمته أن يتزوّجها الرسول (ص) بعد زيد ليُلغي بذلك التبنّي بين المسلمين ، و أشعره الوحي بذلك ، فخشي الرسول (ص) أن يقول الناس : تزوّج حليلة ابنه ، فكتم الوحي في نفسه و قال لزيد : إتّق الله و أمسك عليك زوجك ، و لمّا ضاق زيد ذرعاً بزوجته زينب طلّقها و انقضت عدّتها، فنزلت الآيات على الرسول (ص) مرّة واحدة تخبر عمّا وقع و تبيّن حكم المتبنّي في شريعة الإسلام .

( فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ ... l ... مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللهِ وَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ ... ) (الآيات 37ـ40) . )

و قال عزّ اسمه لسائر المؤمينن : ( وَ مَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَ اللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ  l أُدْعُوهُمْ لاِبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَ مَوَالِيكُمْ ) (الآحزاب/4ـ5) .

 

* * *

 

أوردنا في ما سبق مثالين من آيات أخطأ العلماء في تأويلها بسبب ما ورد في روايات مُفتراة على الأنبياء ، و نورد في ما يأتي أمثلة من آيات أخطأ البعض في تأويلها دونما استناد إلى رواية :

 

 

 

آيات أخطأوا في تأويلها

 

أ ـ نسبة العصيان إلى آدم (ع) في سورة طه حيث قال تعالى :

( وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) (الآية 121) .

ب ـ في سورة الإنبياء : حيث قال إبراهيم عن تكسير الأصنام  :

( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ) ، في حين أنّه هو الذي كان قد كسّرها ، كما قال سبحانه :

( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ l قَالُوا مَنْ فَعَلَ هذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ l قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ l قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ l قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهيمُ l قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ l فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ l ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلآءِ يَنْطِقُونَ )(الآيات 58ـ65) .

 

ج ـ أخبر الله سبحانه في سورة يوسف (ع) أنّ وَزَعَته([22]) قالوا لإخوته :

( إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ) ، في حين أنّهم لم يكونوا قد سرقوا صواع الملك ، حيث قال تعالى :

( فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ l قَالُوا وَ أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ l قَلُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْـمَلِكِ وَ لِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِير وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ l قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الاَْرْضِ وَ مَا كُنَّا سَارِقِينَ l قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ l قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ l فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْـمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجَات مَنْ نَشَاءُ وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْم عَلِيمٌ l قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ l قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْـمُحْسِنِينَ ) (الآيات 70ـ78) .

د ـ أخبر الله سبحانه في سورة الأنبياء أنّ النبيّ ذا النون (ع) ظنّ أنّ الله لن يقدر عليه حيث قال تعالى :

( وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ l فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَ نَجَّيْنَاهُ مِنَ الْـغَمِّ وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْـمُؤْمِنِينَ )(الآيات86ـ88) .

 

هـ ـ أخبر الله تعالى في سورة الفتح أنّه سبحانه غفر بعد الفتح ما تقدّم من ذنب خاتم الأنبياء و ما تأخّر ، و قال سبحانه و تعالى :

( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً l لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْديكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً l وَ   يَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً ) (الآيات 1ـ3) .

* * *

 

هذه إلى آيات أُخرى لم يفطنوا إلى تأويلها ، و سندرسها بَعْدَ تفسير الكلمات و بعض المصطلحات في ما يأتي بإذنه تعالى :

 

تفسير بعض الكلمات و المصطلحات :

أولاً : تعريف مصطلحات البحث :

أ ـ أوامر الله و نواهيه :

مِنْ أوامر الله و نواهيه ما تظهر آثار مخالفتها في الحياة الدنيا فحسب و لا تتعدّاها إلى الحياة الآخرة ، مثل ما ورد في قوله تعالى :

( كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لاَ تُسْرِفُوا ) (الأعراف / 31) .

و الإسراف تجاوز الحدّ في كلّ فعل يفعله الإنسان ، مثل تجاوزه الحدّ في تناول الطّيّبات من المأكول و المشروب ، و يرى الإنسان أثر مخالفته لهذا النوع من أوامر الله و نواهيه في الحياة الدنيا و لا يتعدّاها إلى الآخرة ، و يُسمّيان أمراً إرشادياً و نهياً إرشادياً .

و منها ما يوجب فعل المأمور به و يحرم تركه و يحرم فعل المنهيّ عنه ، و هذان تمتدّ آثار مخالفتهما على الإنسان إلى يوم القيامة و تسبِّب له العذاب ، و يسمِّيان بالأمر و النهي المولويَّين . مثل  :

ب ـ ترك الأُولى :

في ما يصدر من الإنسان من عمل ما يكون فعل خِلافه و  ضدّه أفضل ، مثل الموردين الآتيين من أفعال أنبياء الله تعالى المذكورة في القرآن الكريم .

ج ـ المعصية :

عصى أمره يعصيه عصياناً و معصيةً : خرج من طاعته و لم يُنَفِّذ أمره ، فهو عاص و عصيٌّ .

و لفظ (الأمر) قد يأتي في الكلام بعد ذكر مشتقّات المعصية ، مثل ما جاء :

1- سورة الكهف في حكاية قول موسى لمن أراد أن يصحبه :

( سَتَجَدُنِي إِنْ شَاءَ صَابِراً وَ لاَ أَعْصِي لَكَ أَمْراً ) (الآية 69) .

2- في وصف الملائكة الموكّلين بالنار في سورة التحريم :

( عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَ  يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (الآية 6) .

و لا يأتي لفظ الأمر في الكلام ـ غالباً ـ بوضوح المعنى مثل قوله تعالى في سورة طه : ( فَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ ) (الآية 121) .

و أحياناً لا يذكر من عصى أمره مثل قوله تعالى في ما جاء عن خبر فرعون في سورة النازعات : ( فَكَذَّبَ وَ عَصى ) (الآية 2) .

 

د ـ الذنب :

إنّ حقيقة الذنب هو تبعة كلّ عمل يصيب الإنسان في المستقبل ، و قد تخصّ هذه التبعة بعض الأعمال في الدنيا ، و تردّ على الإنسان ممّن يقدرون على الإضرار بالإنسان ، كما جاء في حكاية قول موسى (ع) في مناجاة ربّه في سورة الشعراء :

( وَ إِذْ نَادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الطَّالِمِينَ l قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ l قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونَ l وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لاَ يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلى هَارُونَ l وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونَ l قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ )(الآيات 10ـ15) .

فإنّ فعل موسى كان قتله القبطي الذي جاء خبره في الآيات من سورة القصص :

( وَ دَخَلَ الْـمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَة مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قَالَ هذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ l قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ l قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ l فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالاَْمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ l فَلَمَّا أَنْ أرَادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالاَْمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الاَْرْضِ وَ مَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ l وَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قَالَ يَا مُوسى إِنَّ الْمَلاََ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ l فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (الآيات 15ـ21) .

 

و كان لفعله ـ قتله القبطي ـ تبعة في الدّنيا ، و هي ائتمار قوم فرعون لقتله .

و تبعة عصيان أوامر الله و نواهيه المولوية تصيب الإنسان في الآخرة ، و أحياناً في الدنيا و الآخرة ، و هي ذنوب العبد تجاه ربّه جلّ اسمه .

 

 

ثانياً : شرح بعض الكلمات :

أ ـ ذَا الاَْيْد :

آدَ ، يئيد ، أيداً : اشتدَّ و قويَ ، و ذا الأيد : صاحب القوّة .

 

ب ـ أوّاب :

أوّب تأويباً : رجع فهو أوّابٌ ، و الأوّاب كالتوّاب : الراجع إلى الله بترك معاصيه و فعل طاعاته .

 

ج ـ تُشْطِطْ :

الشَّطط : الجور في الحكم و تجاوزه القدر المحدود في كلّ شيء .

 

د ـ أكفِلْنيها :

كفله كفلاً و كفالة : عاله و رعاه ، و أكفلنيها : أعطني إيّاها لأرعاها .

 

هـ ـ عزَّني في الخطاب :

عَزَّهُ و عازّه : غلبه ، و عزّني في الخطاب : غالبني في الكلام .

 

وـ الخُلطاءُ :

مفردُهُ الخليط : الصديق و المجاور و الشريك .

ز ـ ظنَّ :

الظّنُّ ما يحصل عن أمارة ، و قد يبلغ الظنّ درجة اليقين مثل قوله تعالى : ( وَ ظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ) أيْ أيقن أنّا فتنّاه ، و قد لا يبلغه و يكون دونه إلى حدّ التوهّم ، مثل قوله تعالى في خبر يونس  (ع) : ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) .

 

ح ـ فَتَنَّاهُ :

الفتنةُ : الامتحان ، و يكون المعنى : أيقن داود أنّا امتحنّاه .

 

ط ـ خرَّ :

خرّ : سقط من علوّ ، و خرّ راكعاً : أي هوى إلى الركوع .

 

ي ـ أنابَ :

ناب إلى الشيء نوباً و نوبة : رجع إليه مرّة بعد أُخرى ، و أناب العبد إلى الله : رجع إليه بالتوبة من المعصية ، و كذلك اعتمد عليه في ما ينزل به ، و كان إبراهيم (ع) منيباً يرجع إليه في أُموره كلّها .

 

ك ـ فغفرنا و لْيغفِر :

غفره مغفرة و غفراً و غفراناً : ستره و غطّاه فهو غافر و غفور ، و للمبالغة غفّار ، و كلّ شيء سترته فقد غفرته ، و سمّي ما ينسج من الدروع على قدر الرأس و يلبس تحت القلنسوة بالمغفر لانّه يستر الرأس و الرقبة ، و غفر الله ذنوبه : أي سترها ، و يكون ذلك بمحو آثار الذّنوب في الدنيا و آثارها في الآخرة .

 

ل ـ لزُلفى :

زلف إليه زلفاً ، زلفى ، و زلفة ، و ازدلف : دنا منه و تقرّب ، و  الزلفة : القرب .

 

م ـ مآب :

آب يؤوب أوباً و إياباً و مآباً : رجع ، و المآب : اسم زمان و  مكان للأوب .

 

ن ـ خليفة :

ليس معنى خليفة الله في القرآن نوع الإنسان على الأرض كما قيل ، بل المراد : الإمام المنصوب من قبل الله لهداية الناس و ليحكم بين الناس ، كما يظهر ذلك في قوله تعالى لداود (ع) : ( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَْرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ) .

 

س ـ الخِيَرَة :

خار الشيء على غيره خِيْرةً و خِيَرَةً و خيراً : فضَّله على غيره.

 

ع ـ وَطَراً :

الوَطَرُ : حاجة للإنسان له عناية بها و اهتمام فإذا بلغها و نالها قيل : قضى وطره .

 

ف ـ أدعياؤهم :

الأدعياء : مفردُهُ الدَّعيُّ : من يُنسَب إلى قوم و ليس منهم ، و  أظهر مصاديقه مصاديقه : المتبنّى .

 

ص ـ سُنَّةُ الله :

النّظام الذي قدّره الله لخلقه ، و ( سُنَّةُ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا )أي حكم الله و شريعته التي أنزلها على مَن سبق خاتم الأنبياء من الرُّسُل .

 

ق ـ قدراً مقدوراً :

قدّر الله الأمر يقدِّرُه : دبَّره أو أراد وقوعه ، و قدَرَ الله الرّزق يَقْدِرُه جَعَله محدوداً ضيّقاً .

 

ر ـ جُذاذاً :

جذّ الشيء جذّاً : قطعه ، فالشيء مجذوذ ، و جذّه كسره و فتّته، و الجذاذ المقطّع أو المكسَّر .

 

ش ـ فَتى :

الفتى : الشابُّ من كلّ شيء ، و يقال للعبد و الأمة تلطُّفاً بهما ، و الفتى : الكامل من الرجال ، و المراد به هنا الشابُّ من الرجال .

 

ت ـ نُكِسُوا :

نَكَسَ رأسه و نُكِسَ على رأسه : طَأْطَأَ رأسه ذُلاًّ و انكساراً .

ض ـ السِّقاية :

السِّقاية : الإناء يُسقى به و قد يكال به .

 

ظ ـ العِير :

القوم معهم حملهم من الميرة ، و قد يقال للرجال و الجمال معاً  ، كما يقال لكلِّ منهما وحده : العِير .

 

غ ـ صُواع :

المراد بالصُّواع هنا : صاع الملك و هو السقاية المذكورة قبله .

 

خ ـ زَعيم :

زعم يزعمُ زعماً و زَعامة : ضمن و كفل فهو زعيم .

 

ثالثاً : تأويل الآيات :

في بيان تأويل الآيات نبدأ أوّلاً ببيان تأويل بعض الموارد ، حسب معناها اللغوي ، و ثانياً بإيراد الروايات عن أئمة أهل البيت  (ع) في ذلك .

 

تأويل الآيات بحسب معنى الألفاظ في لغة العرب :

أ ـ خبر إبراهيم (ع) في كسر الأصنام :

في قوله تعالى ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ) (الأنبياء / 63) تورية ، و المعنى في الكلام : فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون ، و يعرف ذلك من قوله تعالى بعده ( لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ ) (الآية 65) .

 

ب ـ خبر يوسف مع إخوته :

قصدوا من قولهم لاخوة يوسف (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) أنّهم سرقوا يوسف (ع) من أبيه .

أمّا صواع الملك فقد قالوا عنه (نفقد صواع الملك) ، و لم يقولوا سُرق صواع الملك ، و في هذا الكلام ـ أيضاً ـ تورية كما اتّضح ممّا بيّنّاه([23]) .

 

ج ـ خبر رسول الله بعد الفتح :

قال سبحانه في سورة الفتح :

( إِنّا فَتَحْنَا لكَ فَتْحاً مُبِيناً l لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً l وَ يَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً l هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ ... ) (الآيات 1ـ4) .

 

 

 

تفسير الكلمات :

أ ـ فتحنا :

المراد بالفتح هنا : صلح الحديبية ، و قد سمّاه الله فتحاً لما أعقب من كسر شوكة قريش ، و عدم استطاعتهم مناوأة الرسول  (ص) و تجهيز الجيوش لمحاربته ، و فتح الرسول (ص) مكّة بعد ذلك .

 

ب ـ ليغفر :

في اللغة غفر الشيء : ستره .

ج ـ ذنبك :

قال الرّاغب : الذنب في الأصل الأخذ بذنب الشيء ، يقال : أذنبته ، أي : أصبت ذنبه ، و يستعمل في كلّ فعل يستوخم عقباه ، و  لهذا يسمّى الذنب : تبعة اعتباراً بذنب الشيء ، و جمع الذنب : ذنوب .

 

تأويل الآية بحسب معناها اللغوي :

كان من خبر صلح الحديبية ما رواه الواقدي في المغازي و  قال ما موجزه :

وثبَ عمر إلى رسول الله (ص) ، و قال : ألسنا بالمسلمين ؟ قال (ص) : بلى ، قال : فعلامَ نعطي الدنيّة في ديننا ؟ فقال رسول الله (ص) : أنا عبد الله و رسوله و لن أُخالف أمره و لن يضيعني ، و جعل عمر يردّ على رسول الله (ص) الكلام ، و تكلّم مع أبي بكر و  أبي عبيدة في ذلك فردّا عليه ، و كان يقول بعد ذلك : لقد دخلني يومئذ من الشكّ و راجعت النبي (ص) مراجعة ما راجعته مثلها قط  ... الخبر([24]) .

و نزلت السورة تُعلِم بأنّ الصلح فتح للرسول و للمسلمين ، و  أنّ ما كان المشركون يعدّونه ذنباً للرسول في ما تقدّم من قيامه بمكّة بتسفيه أحلامهم و عيب آلهتهم ، و في ما تأخّر من قتله إيّاهم في غزوة بدر و غيرها ، قد ستر الله جميعها بذلكم الصلح الذي أنتج كلّ تلكم الفتوح ، و إنّ قوله تعالى في هذه السورة : ( مَا تَقَدَّمَ مَنْ ذَنْبِكَ وَ مَا تَأَخَّرَ ) كقوله تعالى في حكاية قول الكليم موسى بن عمران (ع) في سورة الشعراء : ( وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونَ  ) (الآية 14) .

و بناءً على ما ذكرناه يكون ذنب الرسول في مقابل قومه كذنب موسى (ع) في مقابل الأقباط بمصر .

 

* * *

 

نكتفي بهذا المقدار من بيان تأويل الآيات بحسب معناها اللغوي ، ونورد في ما يأتي بحوله تعالى تأويل الآيات من الروايات  :

 

تأويل الآيات في روايات أئمة أهل البيت (ع)

روى الصدوق أنّ المأمون العباسي جمع للإمام عليّ بن موسى الرضا (ع) أهل المقالات من أهل الإسلام و الديانات من اليهود و  النصارى و المجوس و الصابئين ، و كان فيهم عليّ بن الجهم من أهل المقالات الإسلاميين ، فسأل الرضا (ع) و قال له : يا ابن رسول الله ! أتقول بعصمة الأنبياء ! قال : بلى ، قال : فما تعمل في قول الله عزّ وجلّ :(وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى)؟وقوله عزّ وجلّ:( وَذَا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ )؟ و قوله في يوسف : ( وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا)؟ و قوله عزّ و جلّ في داود : ( وَ ظَنَّ دَاوُد أنَّمَا فَتَنَّاهُ ) ؟ و قوله في نبيّه محمد (ص) : ( وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيِه وَ تَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) ؟

فقال مولانا الرضا (ع) : ويحك يا عليّ ! إتّق الله و لا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ، و لا تتأوّل كتاب الله برأيك ، فإنّ الله عزّ و  جلّ يقول : ( وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) .

أمّا قوله عزّ و جلّ في آدم (ع) : ( وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى )، فإنّ الله عزّ و جلّ خلق آدم حجّة في أرضه ، و خليفته في بلاده ، لم يخلقه للجنّة ، و كانت المعصيةُ من آدم في الجنّة لا في الأرض ، لتتمَّ مقادير أمر الله عزّ و جلّ ، فلمّا أُهبط إلى الأرض و جُعل حُجّة و خليفة عُصِمَ بقوله عزّ و جلّ : ( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرَانَ عَلى الْعَالَمِينَ ) .

و أمّا قوله عزّ و جلّ : ( وَ ذَا النُّونَ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) ، إنّما ظنّ أنّ الله عزّ و جلّ لا يُضيِّق عليه رزقه ، ألا تسمع قول الله عزّ و جلّ : ( وَ أَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ  ) ؟ أي ضيّق عليه ، و لو ظنّ أنّ الله لا يَقْدِرُ عليه لكان قد كفر .

و أمّا قوله عزّ و جلّ في يوسف : (وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا)، فإنّها همّت بالمعصية ، و همّ يوسف بقتلها إن أجبرتهُ لعظم ما داخله ، فصرف الله عنه قتلها و الفاحشة ، و هو قوله : ( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ ) ، يعني القتل ، ( وَ الْفَحْشَاءَ ) ، يعني الزنا .

و أمّا داود فما يقول من قبلكم فيه ؟

فقال عليّ بن الجهم : يقولون : إنّ داود كان في محرابه يصلّي إذ تصوّر له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطّيور ، فقطع صلاته و قام ليأخذ الطّير ، فخرج إلى الدار ، فخرج في أثره ، فطار الطير إلى السطح ، فصعد في طلبه ، فسقط الطّير في دار أُوريا بن حنان فاطّبلع داود في أثر الطير فإذا بامرأة تغتسل ، فلمّا نظر إليها هواها ، و كان أُوريا قد أخرجه في بعض غزواته ، فكتب إلى صاحبه أن قدّم أُوريا أمام الحرب ، فقدّم ، فظفر أُوريا بالمشركين فصعب ذلك على داود فكتب الثانية أن قدّمه أمام التّابوت ، فقتل أُوريا رحمه الله ، و تزوّج داود بامرأته .

فضرب الرضا (ع) بيده على جبهته و قال : إنّا لله و إنّا إليه راجعون ، لقد نسبتم نبيّاً من أنبياء الله إلى التّهاون بصلاته حتى خرج في أثر الطّير ، ثمّ بالفاحشة ، ثمّ بالقتل !

فقال : يا ابن رسول الله ! فما كانت خطيئته ؟

فقال : ويحك ، إنّ داود إنّما ظنّ أن ما خلق الله عزّ و جلّ خلقاً هو أعلم منه ، فبعث الله عزّ و جلّ إليه الملكين فتسوّرا المحراب فقالا : ( خَصْمَانِ بَغى بَعْضُنَا عَلى بَعْض فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَ لاَ تُشْطِطْ وَ اهْدِنَا إِلى سَوَاءِ الصِّرَاط l إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ ) ، فعجّل داود (ع) على المدّعى عليه فقال : ( لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعَاجِهِ ) ، فلم يسأل المدّعي البيّنة على ذلك ، و لم يقبل على المدّعى عليه فيقول : ما تقول ، فكان خطيئته حُكمه ، لا ما ذهبتم إليه ، ألا تسمع قول الله عزّ و جلّ يقول : ( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَْرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ) إلى آخر الآية ؟ .

فقلت : يا ابن رسول الله فما قصّته مع أوريا ؟

فقال الرضا (ع) : إنّ المرأة في أيّام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوّج بعده أبداً ، و أوّل من أباح الله عزّ و جلّ له أن يتزوّج بامرأة قتل بعلها داود ، فذلك الذي شقّ على أوريا ... الحديث([25]) .

و في خبر داود خاصّةً عن أمير المؤمنين الإمام علي (ع) أنّه قال :

ما أوتي برجل يزعم أنّ داود (ع) تزوّج بامرأة أوريا إلاّ جلدته حدَّين ، حدّاً للنبوّة ، و حدّاً للإسلام ([26]) .

و المعنى : من قال إنّ داود تزوّج بامرأة أوريا ، أي : قبل استشهاده .

و في رواية : من حدّث بحديثِ داود على ما يَرْويه القُصّاص جلدتُهُ مائة و ستّين .

و في رواية : و هو حدّ الفرية على الأنبياء ([27]) .

و روى الصدوق ـ أيضاً ـ عن الإمام الصادق (ع) مثل الوراية الأولى ، و في رواية قال : إنّ المرأة في أيّام داود (ع) كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوّج بعده أبداً ، و أوّل من أباح الله عزّ و جلّ له أن يتزوّج بامرأة قُتِلَ بعلها داود (ع) ، فتزوّج بامرأة أوريا لمّا قتل و انقضت عدّتها ، فذلك الذي شقّ على الناس من قتل أوريا ([28]) .

و لو قيل : إنّ ما أوردتموه معارض بما رواه القمّي في تفسيره أنّه قال ما موجزه :

إنّ داود (ع) كان في محرابه يصلّي ، فإذا بطائر قد وقع بين يديه ، فأعجبه جداً و نسي ما كان فيه ، فقام ليأخذه ، فطار فوقع على حائط بين داود و أوريا ـ كان داود قد بعثه في بعث ـ فصعد داود الحائط ليأخذه ، فرأى امرأة جالسة تغتسل ، فلمّا رأت ظلّه نشرت شعرها و غطّت به بدنها ، فافتتن بها داود و رجع إلى محرابه ، و كتب إلى صاحبه في ذلك البعث أن يسيروا إلى موضع كيت و كيت و يوضع التابوت بينهم و بين عدوّهم و يقدّم أوريا بين يدي التابوت  ، فقدّمه فقتل ... الحديث بطوله([29]) .

قلنا : إنّ هذه الرواية قد جمع فيها راويها الروايات المتعدّدة الواردة في تفسير الآيات بتفاسير مدرسة الخلفاء ، و أضاف إليها من خياله بعض القول ، ثمّ رواها عن الإمام الصادق (ع) .

و نحن ندرس متن الرواية دون التعرّض لسندها و نقول :

ورد بخصوص خبر أوريا عن الإمام الصادق (ع) أنّه عندما سئل عنه و قال له الراوي :

ما تقول في ما يقول الناس في داود و أمرأة أوريا ؟

فقال : ذلك شيء تقوله العامّة ([30]) .

في هذا الحديث صرّح الإمام الصادق (ع) بأنّ منشأ قول اناس في داود و أرملة أوريا هم العامّة ، أي أتباع مدرسة الخلفاء .

إذاً ! فقد انتشر منهم هذا القول إلى مصادر الدراسات بمدرسة أهل البيت ، و قد سمّينا هذا النوع من الروايات بالروايات المنتقلة ، أي المنتقلة من مدرسة الخلفاء إلى مدرسة أهل البيت([31]) .

و إذا بحثنا عن مصدر هذه الرواية بكتب التاريخ و التفسير بمدرسة الخلفاء([32]) وجدنا أنّ رواة هذه الرواية لم يرووها عن رسول اللله (ص) و لم يقولوا أنّ رسول الله (ص) قال ذلك ، ما عدا رواية واحدة رواها السيوطي في تفسير الآية عن يزيد الرقاشي عن أنس ، و قد بيّنّا في هذا البحث زيفها في ما سبق .

 

* * *

 

في قصّة زيد و زينب : كسر الرسول (ص) بتزويجه زينب من زيد قانون التكافؤ في النسب من أعراف الجاهلية و استبدله بقانون التكافؤ في الإسلام ، و بعد هذا الإنجاز العظيم أمره الله تعالى أن يكسر ـ بزواجه من مطلّقة زيد ـ قانون التبنّي من أعراف الجاهليّة ، و في عمله هذا شابه عمل النبيّ داود (ع) في زواجه بأرملة أوريا و  تبديله بذلك قانوناً جاهليّاً بقانون إسلامي ، و كذلك يفعل الأنبياء في إجراء الأحكام الإسلامية ، و هكذا فعل الرسول (ص) ـ أيضاً ـ في إبطاله قانون الرّبا و قانون أخذ الثأر الجاهِلِيَّيْن في حرجّة الوداع بإبطال ربا عمِّه العباس و إهدار دم ابن عمّه([33]) .

* * *

 

هذه هي الحقيقة في أمر زواج النبي داود (ع) بأرملة أُوريا و  زواج خاتم الأنبياء (ص) بمطلّقة ابنه المتبنّى زيد ، غير أنّ انتشار الروايات الإسرائيلية في تأويل قصص الأنبياء السابقين ، و الروايات المختلقة في تأويل ما عداها في بعض كتب التفسير و بعض مصادر الدراسات الإسلامية الأُخرى حجبت رؤية الحقّ عن الباحثين ، و  جعلت من الباطل حقّاً و من الحقّ باطلاً ، و اشتهرت تلك الروايات و راجت في الأوساط الإسلاميّة لما كان فيها من تبرير لتورّط بعض أفراد السلطان الحاكمة في قضايا شهوة الجنس ، كما أنّ صدور المعاصي من أمثال يزيد بن معاوية و أشباهه من خلفاء بني مروان بعده و نظائرهم هو الداعي لعامّة ما نسب إلى الأنبياء و  الرسل ـ صلوات الله عليهم ـ من المعاصي و نفي العصمة عنهم ، و  تأويلهم الآيات في حقّهم بما يدفع النقد عن بعض الخلفاء .

 

 

aaa

 


 



([1]) سجّى ثوبه على وجهه : غطّاه ، و استحثّ راحلته : استعجلها .

([2]) الخبر في مادة الحجر في معجم البلدان ; و خبر غزوة تبوك في سيرة ابن هشام 4:164ـ165 ; و مغازي الواقدي : 1006ـ1008 ; و إمتاع الأسماع :454ـ456 ; و مسند أحمد 2:9 و58 و66 و72 و74 و91 و96

==

==و113 و137 و 3 : 296 ; و صحيح البخاري 3:61و99 ذكر غزوة تبوك == ==  و  تفسير سورة الحِجْر ; وصحيح مسلم ، كتاب الزهد ، الحديثان 39 و 40 .

([3]) بابل في العراق بين الكوفة و بغداد ، و جسر الصّراة كان على نهر الصّراة بالقرب من بغداد .

راجع مادّتي (بابل) و (الصّراة) بمعجم البلدان .

([4]) صفّين : 135 .

([5]) في البحار 41:168 ; عن علل الشرائع :124 ; و بصائر الدرجات :58 .

([6]) تفسير الطبري 23:95ـ96 ط.دار المعرفة ، بيروت .

([7]) تفسير الطبري 23:96 ط.دار المعرفة ، بيروت;و السيوطي 5:148 و اللفظ للأول .

([8]) بتفسير الآية في تفسيرالطبري 23:96 ط.دار المعرفة ، بيروت ; والسيوطي 5:300ـ301 .

([9]) طبقات ابن سعد 5:395 ط.أوربا ; و كشف الظنون :1328 ; و تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي 1:44 .

([10]) ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان 1:354 ط.الأُولى ; و طبقات ابن سعد 7:1/120 ط.أوربا .

([11]) 1:427 رقم الترجمة 1968 .

([12]) الحديثان بطبقات ابن سعد 8:120 ط.أوربا 7:1/120 .

([13]) ترجمة واصل بن عطاء في وفيات الأعيان لابن خلكان ; و ترجمة ابن أبي العوجاء في بحث الزندقة و  الزنادقة في الجزء الأوّل من خمسون و مائة صحابي مختلق ، و الكنى والألقاب 1:192ط.صيدا .

([14]) راجع ترجمته بتهذيب الكمال للمزّي مخطوطة المكتبة الظاهرية مصورة المجمع العلمي الإسلامي 8:264(أـب) ; و تهذيب التهذيب لابن حجر 11:309ـ311 .

([15]) طبقات ابن سعد 7:ق2/13 ط.أوروبا .

([16]) راجع ترجمته في تهذيب التهذيب 11:309ـ311 .

([17]) راجع ترجمة تاريخ بغداد 12:160ـ169 رقم الترجمة 7142 ; وفيات الأعيان 4:240ـ242 رقم الترجمة 4ـ7 ; و تهذيب التهذيب 10:279ـ285 ; و ميزان الاعتدال 4:172 رقم الترجمة 7841 .

([18]) تفسير الطبري 22:10ـ11 ط.دار المعرفة ، بيروت .

([19]) أُسد الغابة 2:224ـ227 .

([20]) ترجمة أُم أيمن في أُسد الغابة 7:303 ; و الاستيعاب :765 رقم الترجمة 2 ; و  الإصابة 4:415ـ417 الترجمة رقم 1145 .

([21]) الأيِّم و جمعه الأيامى : المرأة لا زوج لها و الرجل لا زوجة له .

([22]) الوَزَعَةُ : الموظّفون من قبل ولاة الأمر .

([23]) مجمع البيانت في تفسير القرآن 3:252 .

([24]) نقلته بايجاز من مغازي الواقدي 1:606ـ607 .

([25]) البحار 11:73ـ74 ; عن أمالي الصدوق 55ـ57 و طبعة أُخرى :90ـ92 ; و عيون الأخبار : 108 .

([26]) تفسير الآية بتفسير مجمع البيان ; و نور الثقلين ; و تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى : 92 .

([27]) تفسير الآية بتفسير الخازن 4:35 ; و الفخر الرازي 25:192 ; و نور الثقلين 4:446 .

([28]) البحار 14:24 ; و راجع تفسير نور الثقلين 4:446 نقلاً عن عيون الأخبار .

([29]) البحار 14:20ـ23 ; عن تفسير القمّي :562ـ565 ; و التتمّة في كتاب الإسرائيليات و أثرها في كتب التفسير :233 ط.بيروت الأولى .

([30]) البحار 14:200 .

([31]) راجع بحث الروايات المنتقلة في : القرآن الكريم و روايات المدرستين ج2 .

([32]) راجع تفسير الآية في تفسير الطبري ، و القرطبي و ابن كثير و السيوطي .

([33]) في سيرة ابن هشام 4:275 ط.مصر عام 1356 أنّ رسول الله (ص) قال في خطبته في حجّة الوداع : ... و إنّ كلّ رباً موضوع ، و لكن لكُم رؤوسُ أموالكم لا تَظْلِمُون و لا تُظلَمُون ، قضى الله أنّه لا رباً ، و إنّ ربا العبّاس بن عبد المطّلب موضوعٌ كلّه ، و إنّ كلّ دم كان في الجاهلية موضوع ، و إنّ أوّل دمائكم أضعُ دمُ ابن ربيعة بن الحرث بن عبد المطّلب ، و كان مسترضعاً في بني ليث فقتلهُ هُذيل ، فهو أوّل ما أبدأ به من دماء الجاهلية .