على مائدة الكتاب والسُّنّة

 

14

 

 

 

 

صفاة الله جلّ جلاله

 

 

 

 

 

 

 

تأليف

السيد مرتضى العسكري

 


 


الوحدة حول مائدة الكتاب و السنّة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، و الصَّلاة على محمّد و آله الطاهرين ، و السلام على أصحابه البرره الميامين .

و بعد : تنازعنا معاشر المسلمين على مسائل الخلاف في الداخل ففرّق أعداء الإسلام من الخارج كلمتنا من حيث لا  نشعر ، وضعفنا عن الدفاع عن بلادنا ، و سيطر الأعداء علينا ، و  قد قال سبحانه و تعالى : (وَأَطِيعُوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ)(الانفال / 46)

و ينبغي لنا اليوم و في كل يوم أن نرجع إلى الكتاب والسنّة في ما اختلفنا فيه و نوحّد كلمتنا حولهما ، كما  قال  تعالى :( فإنْ تَنَازَعْتُم في شَىْء فَرُدُّوهُ إلَى اللّهِ وَ الرَّسُولِ )(النساء / 59)

و في هذه السلسلة من البحوث نرجع إلى الكتاب و  السنّة و  نستنبط منهما ما ينير لنا السبيل في مسائل الخلاف ، فتكون بإذنه تعالى وسيلة لتوحيد كلمتنا .

راجين من العلماء أن يشاركونا في هذا المجال ، و  يبعثوا إلينا بوجهات نظرهم على عنوان :

 

بيروت - ص.ب 124/24 العسكري

 


مخطط البحث

 

l بعض صفات اللّه جلّ اسمه و منشأ الخلاف حولها 7

1ـ خلق آدم على صورته  . 7

2 ـ أنّ لله يداً : 8

3ـ إنّ لله ساقاً و قدماً : 13

4ـ مكان الله وعرشه : 16

5 ـ و إنّ الله يُرى في يوم القيامة وفي الجنة  : 19

l الخلاف على تأويل تلكم الأحاديث  : 26

l صفات اللّه عند مدرسة أهل البيت (ع)  : 30

1 ـ خلق آدم على صورته : 30

أوّلاً : حذف بداية الحديث : 32

ثانياً ـ إضافتان في حديث أبي هريرة : 32

2 ـ يد الله : 34

3ـ الساق والقدم لله : 38

4ـ ما جاء عن أهل البيت (ع) في موضوع العرش والكرسي : 42

l مقارنة بين روايات المدرستين : 43

أوّلاً : العرش و الكرسي عند مدرسة الخلفاء : 43

ثانياً : معنى العرش والكرسي في روايات أهل البيت (ع) . 46

5ـ المكان والحركة والانتقال لله : 50

l جواب كلّي في ردّ شبهة المكان إليه : 55

l بحث و مقارنة الروايات : 55

6ـ رؤية الله على ضوء روايات أهل البيت (ع) : 58

 

 

 


 

 

 

بعض صفات اللّه جلّ اسمه

و منشأ الخلاف حولها

 

في المسلمين من يرى أنّ اللّه  :

1ـ خلق آدم على صورته  .

في صحيحي البخاري و مسلم و توحيد ابن خزيمة واللّفظ للبخاري :

عن أبي هريرة عن النّبي (ص) قال : خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال : السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل

الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعد حتّى الآن([1]) .

و في صحيح مسلم ومسند أحمد و اللّفظ لمسلم :

عن أبي هريرة قال رسول الله (ص) إذا قاتل أحدكم أخاه فليتجنب الوجه فإنّ الله خلق آدم على صورته ([2])

2 ـ أنّ لله يداً :

جاء في صحيحي البخاري و مسلم و سنن أبي داود وتوحيد ابن خزيمة و اللّفظ لمسلم :

عن أبي هريرة يقول قال رسول الله (ص) :

إحتج آدم و موسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا ، خيّبتنا وأخرجتنا من الجنّة فقال له آدم أنت موسى اصطفاك الله بكلامه و خطّ لك بيده أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة فقال النبي :   يحجّ آدم موسى ، فحجّ آدم موسى ([3])

وفي صحيحي البخاري و مسلم وسنن الترمذي وسنن أبي داود وتفسير الطبري و تفسير ابن كثير وتفسير  زاد  المسير لابن الجوزي وتفسير السيوطي :

عن عبد الله بن مسعود قال جاء حبر من اليهود الى النبي (ص) فقال يا محمد يا أبا القاسم إنّ الله تعالى يمسك السموات يوم القيامة على إصبع ثمّ يهزّهن فيقول أنا الملك. فضحك رسول الله تعجباً مما قال الحبر تصديقاً له ثم قرأ (  وَ ما قَدَروا اللهَ حَقّ قَدرِهِ و الأرض جميعاً قبضتهُ يوم القيامة و السّموات مطويّاتٌ بيمينه سبحانَهُ و تَعالى عَمّا يُشرِكون )([4]) .

وفي صحيح البخاري وكنز العمال :

عن أبي هريرة أنّ رسول الله (ص) قال : يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحّاءُ الليل و النهار وقال أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات و الأرض فإنّه لم يغض ما في يده وقال : وعرشه على الماء وبيده الأخرى والميزان يخفض ويرفع([5])  .

و عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله (ص) يقول :   يقبض الله الأرض و يطوي السموات بيمينه ثم يقول : أنا الملك أين ملوك الأرض([6]) .

وجاء في كتاب التوحيد لابن خزيمة في باب إثبات اليد للخالق البارىء جلّ وعَلا ، أنّ الله تعالى له يدان كما أعلمنا في محكم تنزيله([7])... ثمّ ذكر مجموعة من الآيات منها :

1ـ ( وقالت اليَهودُ يَدُ اللهِ مَغلولَة غُلّت أيديهِم ولُعِنوا بِما قالوا بَل يَداهُ مَبسوطَتان يُنفِقُ كيفَ يَشاءُ )(  المائدة / 64  )

2ـ ( فَسُبحانَ الّذي بيَدهِ مَلَكوت كُلّ شيء و إلَيهِ تُرجَعون ) ( يس / 83 )

3ـ ( تُعِزُّ مَن تَشاءُ و تُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخير إنّكَ على كُلِّ شيء قَدير ) ( آل عمران / 26 )

 


3ـ إنّ لله ساقاً و قدماً :

==

جاء في صحيحي البخاري ومسلم ومسند أحمد وتوحيد ابن خزيمة وتفاسير الطبري وابن كثير والسيوطي واللفظ للبخاري :

عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال تحاجت النار والجنة فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين و المتجبرين وقالت الجنة : فما لي لا يدخلني إلاّ ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم فقال الله للجنة أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكم ملؤها فأما النار فلا تمتلىء فيضع قدمه عليها فتقول قط قط ([8]) .

==

وفي صحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داود ومسند أحمد ، واللّفظ للبخاري :

عن أبي سعيد قال سمعت رسول الله (ص) يقول :   يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاءً وسمعةً فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً ([9]) .

وجاءت هذه الرواية مفصلة في صحيح البخاري في كتاب التوحيد عن أبي سعيد الخدري قال قلنا لرسول الله  (ص) هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : هل تضارون في رؤية ربكم يومئذ الا كما تضارون في رؤيتهما ثم قال ينادي مناد ليذهب كل قوم الى ما كانوا يعبدون ... ويبقى من كان يعبد الله من برٍّ أو فاجر فيقال لهم ما يحبسكم وقد ذهب الناس فيقولون فارقناهم و نحن أحوج منّا إليه اليوم و إنّا سمعنا منادياً ينادي ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون وإنّما ننتظر ربنا قال فيأتيهم الجبار فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فلا يكلمه إلاّ الانبياء فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها فيقولون الساق فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن([10]) .

 

4ـ مكان الله وعرشه :

أنّ لله مكاناً ، وأ نّه ينتقل من مكان إلى مكان ، ويجلس على عرشه وينزل الى الارض ويرجع الى السماء.

جاء في سنن ابن ماجه والترمذي ومسند أحمد واللفظ لابن ماجه :

عن أبي رزين قال : قلت : يارسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ؟ قال : كان في عماء ـ أي ليس معه شيء  ـ ما تحته هواء ، وما  فوقه هواء ، وما ثمّ خلق عرشه على الماء([11]) .

وفي روياة اُخرى قال (ص) :

إنّ عرشه على سماواته كهكذا ـ  وقال بأصابعه مثل القبّة عليه  ـ وإنّه ليئط به أطيط الرحل بالراكب([12]) .

==

والترمذي وابن ماجه والدارمي وموطأ مالك ومسند أحمد

عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال : ينزل اللّه في آخر الليل إلى السماء الدنيا فيقول  : من يسألني فأستجيب له ، ومن يسألني فاُعطيه ...([13])  .

==

الدنيا فيغفر ...([14]) .

وأ نّه قال عن يوم القيامة  :

يقال لجهنّم  : هل امتلأتِ  ؟ وتقول  : هل من مزيد  ؟ فيضع الربّ تبارك وتعالى قدمه عليها فتقول  : قطّ قطّ .

وفي رواية  :

فأمّا النار فلا تمتلىء حتّى يضع رجله فتقول  : قطّ قطّ . فهنالك تمتلىء و يزوى  بعضها إلى بعض([15]) .

 

5 ـ و إنّ الله يُرى في يوم القيامة وفي الجنة  :

رووا أنّ رسول اللّه (ص) يرى ربّه يوم القيامة . فقد قال  (ص)  : يأتيني المؤمنون للشفاعة بعد إباء الأنبياء من الشفاعة . فأنطلق فأستأذن على ربّي ، فيؤذن  لي ، فإذا رأيت ربّي وقعت ساجداً  ... ـ  إلى قوله  :  ـ ثمّ أشفع فيحدّ لي حدّاً فاُدخلهم الجنّة ، ثمّ أرجع ، فإذا رأيت ربّي وقعت ساجداً ـ الحديث([16]) .

وأ نّه قال  :

إنّ اللّه تبارك وتعالى ينزل يوم القيامة إلى العباد ليقضي بينهم([17]) .

وأ نّه قال  :

إنّكم سترون ربّكم عياناً([18]) .

وإنّ المسلمين يرون ربّهم يوم القيامة كما يرون القمر لا يضامّون في رؤيته([19]) .

وإنّ اللّه يقول يومئذ  :

من كان يعبد شيئاً فليتّبع . فمنهم من يتّبع الشمس ومنهم من يتّبع القمر ، ومنهم من يتّبع الطواغيت ، وتبقى هذه الاُمّة فيها منافقوها فيأتيهم اللّه في  غير  الصورة التي يعرفون ، فيقول  : أنا ربّكم . فيقولون  : نعوذ باللّه منك ، هذا  مكاننا حتّى يأتينا ربّنا ، فإذا أتانا ربّنا عرفناه ، فيأتيهم اللّه في الصورة التي  يعرفون ، فيقول  : أنا ربّكم . فيقولون  :  أنت ربّنا فيتّبعونه ...([20]) .

وفي رواية  :

حتّى إذا لم يبقَ إلاّ من كان يعبد اللّه من برّ وفاجر ، أتاهم ربّ العالمين في  أدنى صورة من التي رأوه فيها ، فيقال  : ماذا تنتظرون  ؟ تتبع كلّ اُمّة ما كانت تعبد ، قالوا  : ... نحن ننتظر ربّنا الذي نعبد . فيقول  : أنا ربّكم . فيقولون  : لا نشرك باللّه شيئاً ، مرّتين أو ثلاثاً ... فيقول  : هل بينكم وبينه علامة فتعرفونه بها  ؟ فيقولون  : ... الساق . فيكشف عن ساق ( ثمّ يسجدون )([21]) ثمّ يرفعون رؤوسهم وقد  تحوّل في صورته التي رأوه فيها أوّل مرّة ، فقال  : أنا ربّكم . فيقولون  : أنت  ربّنا([22]) .

في الجنّة  :

وأ نّه قال عن المؤمنين في الجنّة  :

ما بينهم وما بين أن ينظروا إلى ربّهم إلاّ رداء الكبر على وجهه في جنّة عدن([23]) .

وأنّ أهل الجنّة إذا دخلوها يقول اللّه تبارك وتعالى  :

تريدون شيئاً أزيدكم  ؟ فيقولون  : ألم تبيّض وجوهنا  ؟ ألم تدخلنا الجنّة وتنجنا من النار  ؟ فيكشف الحجاب ، فما اُعطوا شيئاً أحبّ إليهم من النظر إلى  ربّهم  عزّ وجلّ([24]) .

وأنّ رسول اللّه (ص) قال  :

بينا أهل الجنّة في نعيمهم إذ سطع لهم نور ، فرفعوا رؤوسهم ، فإذا الربّ قد  أشرف عليهم من فوقهم فقال  : السلام عليكم يا أهل الجنّة  ؟ قال  : وذلك قول اللّه  : (  سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيم  ) . قال  : فينظر إليهم وينظرون  إليه ، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ، ما داموا ينظرون إليه ، حتّى يحتجب  عنهم ويبقى نوره وبركته([25]) .

وأ نّه قال  :

... أكرمهم على اللّه من ينظر إلى وجهه غدوة وعشياً . ثمّ قرأ رسول  اللّه  (ص)  : (  وُجُوهٌ يَوْمَئِذ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَة  )([26]) .

وأنّ رسول اللّه (ص) أخبر وقال  : إنّ أهل الجنّة يزورون اللّه عزّ وجلّ ويبرز لهم عرشه ويتبدّى لهم في روضة من رياض الجنّة ، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلاّ حاضره اللّه عزّ وجلّ محاضرة حتّى أ نّه يقول للرجل منكم  : ألا تذكر يا  فلان يوم عملت كذا وكذا  ؟ فيقول  :

يا ربّ أفلم تغفر لي  ؟ فيقول  :

بلى ... ثمّ ننصرف إلى منازلنا فتلقانا أزواجنا فيقلن  :

أهلا ومرحباً ، لقد جئت وإنّ بك من الجمال والنور والطيب أفضل ممّا فارقتنا عليه . فنقول  : إنّا جالسنا اليوم ربّنا عزّ وجلّ ويحقّنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا([27]) .

نكتفي بإيراد ما أوردنا من الأحاديث الكثيرة الوفيرة في صفات أعضاء اللّه ورؤية العباد ربّهم يوم القيامة ، لأ نّنا بصدد ضرب المثل لبيان منشأ الخلاف ، ولسنا  بصدد الإحصاء . وندرس في ما يأتي الخلاف حول تأويل هذه الأحاديث .

 

الخلاف على تأويل تلكم الأحاديث  :

في المسلمين من يؤمن بظواهر تلك الأحاديث ويرى الإيمان بها إيماناً باللّه ودليلا على القول بتوحيده تعالى ، ويسمّون من يؤوّلها إلى غير معنى الجسمية بمعطّلة  الصفات ، أي معطّلة صفات اللّه .

وقد دوّن مسلم تلك الأحاديث في كتاب الإيمان من صحيحه ، والبخاري في  كتاب التوحيد من صحيحه .

وأ لّف ابن خزيمة كتاباً سمّاه  : ( التوحيد وإثبات صفات الربّ عزّ وجلّ التي  وصف بها نفسه في تنزيله وعلى لسان نبيّه ، نقل الأخبار الصحيحة نقل العدول عن العدول من غير قطع في إسناد ولا جرح في ناقل الأخبار الثقات )([28]) .

وهذا فهرس بعض أبواب الكتاب كما جاء في آخره  :

 

أبواب كتاب ابن خزيمة  :

إثبات النفس للّه .

إثبات الوجه للّه .

باب ذكر صورة ربّنا جلّ وعلا .

باب ذكر إثبات العين للّه جلّ وعلا .

باب إثبات السماع والرؤية للّه جلّ وعلا .

باب إثبات اليد للخالق البارىء جلّ وعلا .

باب ذكر إثبات الرجل للّه عزّ وجلّ .

باب ذكر البيان أنّ اللّه عزّ وجلّ ينظر إليه جميع المؤمنين .

باب ذكر البيان أنّ جميع المؤمنين يرون اللّه يوم القيامة مخلياً به .

وأ لّف الإمام الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي (ت : 280 هـ ) كتاب  : الردّ  على الجهمية ، ومن أبوابه  :

باب استواء الربّ على العرش وارتفاعه إلى السماء وبينونته من الخلق .

باب النزول ليلة النصف من شعبان .

باب النزول يوم عرفة .

باب نزول الربّ يوم القيامة للحساب .

باب نزول اللّه لأهل الجنّة .

باب الرؤية([29]) .

وأ لّف الذهبي كتاب ( العُلوّ العال للعليّ الغفّار )([30]) أورد فيه الآيات والأحاديث التي يفهمون منها أنّ مكان اللّه في العلوّ المكاني ، ثمّ ذكر أقوال الصحابة  والتابعين والعلماء والمحدّثين في تأييد ذلك .

 


 

صفات اللّه عند مدرسة أهل البيت (ع)  :

في المسلمين من درسنا آراءهم في صفات اللّه المذكورة استناداً لروايات أبي هريرة وغيره و قد أجاب أئمة أهل البيت (ع) في الردّ على مثل هذه الشّبهات الناتجة عن انتقال بعض الأفكار التوراتية والتمسّك بظاهر القرآن وحمله على معانيه اللغوية . وفيما يلي دراسة تلك الروايات على ضوء هدي أهل البيت (عليهم السلام) :

 

1 ـ خلق آدم على صورته :

و قد كشف أهل البيت حقيقة روايات أبي هريرة في أنّ الله خلق آدم على صورته :

عن الحسين بن خالد قال قلت للرضا (ع) يا ابن رسول الله إنّ الناس يروون أنّ رسول الله (ص) قا إنّ الله خلق آدم على صورته ، فقال : قاتلهم الله لقد حذفوا أوّل الحديث أنّ رسول الله (ص) مر برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه قبّح الله وجهك و وجه من يشبههك فقال : يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك فإنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم على صورته([31]) .

و في رواية اُخرى قريبة من الأولى : عن أبي الورد بن ثمامة عن علي (ع) قال : سمع النبي (ص) رجلاً يقول لرجل قبّح الله وجهك و وجه من يشبهك ، فقال (ص) : مه لا تقل هذا فإنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم على صورته([32]) .

عن بعض أصحابنا قال : كتبت الى أبي الحسن (ع) أسأله عن الجسم و الصورة فكتب سبحان من ليس كمثله شيء لا جسم و صورة([33]) .

و عند دراسة الحديث يتضح ما يلي :

أوّلاً : حذف بداية الحديث :

حذفت من رواية أبي هريرة بداية حديث الرسول و  هي رأى النبي (ص) رجلان يتخاصمان يتنازعان و  يسب أحدهما الآخر قبّح الله وجهك و وجه من يشبهك فقال : لا تقل هذا لأخيك .

حذفت بداية الحديث الهامّة و لم يتبقّ منها سوى آخر الخبر و هو أنّ الله خلق آدم على صورته . و بهذا الحذف يتوهم أنّ الضمير في كلمة صورته يعود الى الله و يتصور السامع أن الرسول (ص) قال : إنّ الله خلق آدم على صورته ، أي صورة الله .

 

ثانياً ـ إضافتان في حديث أبي هريرة :

الأولى : جاء في بداية الحديث الثاني للرسول أيّما رجل تشاجر مع أخيه فليتجنب ضربه على وجهه . وقد تكون هذه العبارة تحريفاً آخر لذلك الجزء من الرواية التي أشرنا الى حذفها .

الثانية : في نهاية الرواية الأولى عن الرسول (ص) ذكر أبو هريرة أنّ الرسول (ص) قال : إنّ الله خلق آدم بطول ستين ذراعاً . و هذا الكلام لا ينطبق و نتائج الأبحاث العلمية العصرية .

و يلاحظ على هذا الجزء من حديث أبي هريرة أنّه متأثر بالأساطير التوراتية عن بداية الخلق . تلك الأساطير التي كان أبو هريرة متشبعاً بها .

و استناداً لما ذكرنا من حذف أبي هريرة لجزء من حديث الرسول (ص) و جعله يتلائم و ما جاء في التوراة بل و إضافة للحديث أساطير من عنده لتتطابق مع أساطير التوراة حول بداية الخلق ، ويمكن القول أنّ روايتي أبي هريرة هي من جملة ما تغلغل من الإسرائيليات الى ثقافة المسلمين .

و بما أنّ هذا الحديث مروي عن صحابي شهير كأبي هريرة فإنّ أتباع مدرسة الخلفاء قد تمسكوا به فتصوروا أنّ لله شكلاً و أعضاءً مثل الإنسان ولذلك في كل مكان من القرآن جاء به لفظ وجه مضافً الى الباري تعالى مثل وجه ربك فإنّهم يفسرون معنى الوجه بالمعنى اللّغوي الذي هو عضو من جسم الإنسان و الحيوان .

 

2 ـ يد الله :

و جاء في الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) حول تفسير ما المراد من يد الله :

عن محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر (ع) فقلت قوله عزّ وجلّ ( يا إبليسُ ما مَنَعَكَ أن تَسجُدَ لِما خَلَقتُ بِيَدي ) فقال اليد في كلام العرب القوة و النعمة ، قال : (  واذكُر عبدَنا داودَ ذا الأيْدِ ) ، وقال : ( و الَّماءَ بَنَيناها بأيْد ) ، أي بقوة ، وقال : ( وَ أيَّدَهُم بِروح مِنهُ ) ، أي قواهم . ويقال لفلان عندي أيادي كثير أي فواضل وإحسان وله عندي يد بيضاء أي نعمة([34]).

وعن محمد بن عبيدة قال : سألت الرضا (ع) عن قول الله عزّ وجلّ لإبليس ( َ ما مَنَعَكَ أنْ تَسجُدَ لِما خَلَقتُ بِيَدي أسْتَكْبَرْتَ ) ، قال : يعني بقدرتي وقوتي([35]) .

وعن محمد بن عيسى بن عبيد قال سألت أبا الحسن علي بن محمد العسكري عن قوله تعالى ( و الأرضَ جَميعاً قَبْضَتُهُ يَومَ القِيامَة والسّمواتُ مَطوِيّات بِيَمينِهِ ) ، فقال ذلك تعبير الله تبارك وتعالى لمن شبهه بخلقه ألا ترى أنّه قال ( و ما قَدَروا اللهَ حَقَّ قَدرِهِ ) ، ومعناه إذ قالوا إنّ الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة و السموات مطويات بيمينه كما قال عزّ وجلّ ( و ما قَدَروا اللهَ حَقَّ قَدرِهِ ) إذ قالوا ( ما أنزَلَ اللهَ على بَشَر مِن شَيء ) ، ثم نزه عزّ وجلّ عن القبضة واليمين فقال : ( سُبحانَ اللهِ وتعالى عَمّا يُشرِكونَ )([36]) .

وما جاء عن أهل البيت يدركه كل ملم باللغة العربية لانّه مطابق لاستعمالاتها وأدواتها التعبيرية .

يقول الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن وعلماء مصريّين في معجم ألفاظ القرآن الكريم أنّ اليد تعني عضو البدن وقد استعملت في معاني اُخر مثل الشيء تحت تصرّف أحد ما يقال في يده وكذلك الأمر إذا كان الشيء في ملكه أو تحت أمره و اختياره .

ثمّ يذكر هؤلاء العلماء المصريين تسعة معان مجازية لكلمة اليد ، منها ما جاء في الآيات الثلاثة السابقة و منها الآية الكريمة ( بِيَدِهِ مَلَكوت كُلّ شيء ) ، التي تعني زمام أمر الوجود و الحكم خاضعين له وكذلك الحال في (بِيَدِكَ الخَيرُ ) ، أي إنّ الخير في إختيارك ، و ( يَدُ اللهِ مَغلولَة )عند اليهود تعني يده التي هي عضو من بدنه مكبلة فلا يتمكن من الإنفاق ، وإن مبسوطة يعني يده مفتوحة ويمكنه الإنفاق ونظير الآية التي تخاطب النبي (ص) (يدك مغلولة ) .

ما أعجب سلوك أتباع مدرسة الخلفاء فهؤلاء يفسرون اليد في الآية النازلة بشأن النبي (ص) ( وَ لا تَجعَل يدَكَ مَغلولَة ) بالمعنى المجازي عبر به عن البخيل الذي لا يقدر من قبله على إخراج شيء من ماله([37]) .

لكنهم يفسرون اليد في الآية ( يَدُ اللهِ مَغلولَة ) بأنّها عضو من أعضاء البدن !! فما هو سبب سوء الفهم هذا عند بعض علماء مدرسة الخلفاء .

و بالتحقيق و المتابعة يعرف السبب الرئيسي بالتأويل الخاطىء لكلمة يد عندهم فالسبب هو وجود أحاديث مروية في مدرسة الخلفاء نقلاً عن صحابة الرسول (ص) .

كما وإنّهم ينهجون ذات الطريقة في نسبة وجود (رجل وساق ) لله ـ معاذ الله ـ .

 

3ـ الساق والقدم لله :

وقد بين أهل البيت (ع) المراد من الساق في طائفة من الروايات .

عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال سألته عن قول الله عزّ وجلّ ( يَومَ يُكشَفُ هَن ساق ) قال : كشف اِزاره عن ساقه و يده الاُخرى على رأسه فقال : سبحان ربي الأعلى .

قال الصدوق معنى قوله ( سبحان ربي الأعلى ) تنزيه لله عزّ وجلّ أن يكون له ساق([38]) .

و عن محمد بن علي الحلبي عن أبي عبد الله (ع) في قوله عزّ وجلّ ( يَومَ يُكشَفُ عَن ساق ) ، قال : تبارك الجبار ثم أشار الى ساقه فكشف عن الأزرار قال : ويدعون الى السجود فلا يستطيعون . قال : أفحمه القوم و دخلتهم الهيبة و شخصت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون الى السجود وهم سالمون([39]) .

وعن الحسين بن سعيد عن أبي الحسن (ع) في قوله (  يَومَ يُكشَفُ عَن ساق ) ويدعون الى السجود ، قال : حجاب من نور يكشف فيقع المؤمنون سجداً وتدمج أصلاب المنافقين فلا يستطيعون السجود([40]) .

 

 

نقد أحاديث كشف الساق :

جاء في القرآن الكريم ( يَومَ يُكشَفُ عَن ساق ) . وكشف الساق في اللغة العربية كناية عن شدة الأمر .

عن ابن عباس أنه سئل عن قوله ( يَومَ يُكشَفُ عَن ساق ) ، قال إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعت قول الشاعر :

وقامت الحرب بنا على ساق .

ثم يقول ابن عباس :

( يَومَ يُكشَفُ عَن ساق ) معناه بأنه يكشف يوم القيامة عن أمر شديد وخوف عظيم .

يفسر الراغب الأصفهاني في كتابه مفردات القرآن الآية ـ أيضاً ـ مثل تفسير ابن عباس وأتباعه .

كما وفسرها العلماء المصريون في عصرنا الحاضر في معجم ألفاظ القرآن الكريم بقولهم :

الكشف عن الساق كناية عن شدة الأمر وصعوبته.

إذاً يتضح من خلال بحث الأقوال في هذه الآية الكريمة منذ عصرالصحابة و حتى اليوم بأنّ هذا المعنى مشهورٌ عند العرب وهناك تعبير شبيه بالكشف عن الساق وقامت الحرب على قدم وساق فالحرب هنا ليست قائمة كما يقوم الإنسان على رجليه بل أن معناها بأنّ الحرب بدأت بشدة ومقابل هذا المعنى المشهور عند العرب هناك روايات لأبي هريرة وأصحاب آخرين يحملون أفكار موجودة في كتب الحديث والتفسير ، إنّ النبي (ص) فسّر الآية ( يَومَ يُكشَفُ عَن ساق ) بقوله إنّ الله يُري ساق رجله فيسجد له المؤمنون

وقد فهم أتباع مدرسة الخلفاء من ذلك بأنّ لله رجلاً وساقاً نعوذ بالله من هذا القول .

 

 

 

4ـ ما جاء عن أهل البيت (ع) في موضوع العرش والكرسي :

عن زرارة قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عزّ  وجلّ ( وَسِعَ كُرسِيُّهُ السّمواتِ و الأرضَ ) ، السموات والأرض وسعن الكرسي أم الكرسي وسع السموات والأرض ؟ فقال : بل الكرسي وسع السموات و الأرض والعرش وكل شيء في الكرسي([41]) .

وعن داود الرقي قال : سألت أبا عبدالله (ع) عن قوله عزّ وجلّ ا( وَ كانَ عَرشُهُ على الماءِ ) فقال لي : ما يقولون في ذلك ؟ قلت : يقولون إنّ العرش كان على الماء و الرب فوقه قال : كذبوا من زعم هذا فقد صيره محمولاً و وصفه بصفة المخلوقين ولزمه أنّ الشيء الذي يحمله أقوى منه([42]).

وعن أبي الصلت ( عبد السلام بن صالح الهروي ) قال  : سأل المأمون أبا الحسن علي بن موسى الرضا عن قوله عزّ  وجلّ : ( و هُوَ الّذي خَلَقَ السّمواتِ و الأرضَ في سِتّةِ أيّام و كانَ عرشُهُ على الماءِ لِيَبلُوَكُم أيُّكُم أحسَنُ عَمَلاً ) ، فقال : إنّ الله تبارك وتعالى خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السموات والأرض ....([43]) .

 

مقارنة بين روايات المدرستين :

أوّلاً : العرش و الكرسي عند مدرسة الخلفاء :

ذكرت عبارة العرش الإلهي في القرآن الكريم عشرين مرة مثل ( الرّحمنُ على العَرشِ استَوى ) ، كما ذكرت كلمة (كُرسيُّهُ) مرة واحدة .

ويعتبر ابن خزيمة و آخرون من مدرسة الخلفاء العرش والكرسي أجساماً ماديةً يجلس تعالى ـ معاذ الله ـ فوقها وقد استدلوا على كلامهم بسبع آيات قرآنية ذكرت فيها لفظ (العرش) و (استوى) ... .

كما توهّموا أنّ معنى آية ( وَسِعَ كُرسِيُّهُ السّمواتِ والأرضَ ) أنّ كرسي الربّ كبير الى حدّ يسع السموات والأرض .

و قد وجدنا من خلال البحث أنّ سبب تأويل مثل هذه الآيات في مدرسة الخلفاء يعود الى :

1ـ وجود رواية عن النبي (ص) إنّ الله كان عرشه على الماء قبل خلق الموجودات .

2ـ رواية منسوبة للنبي (ص) تذكر أنّ الأرض تحت السماء الاُولى و أنّ السماء الاُولى تحت السماء الثانية وهكذا الى سبع سموات وفوق السماء السابعة بحر فوقه سبعة وعول وفوق الوعول عرش الله و إنّ الله فوق العرش .

3ـ رواية منسوبة للنبي (ص) فيها أنّ عرش الله فوق السموات و إنّ فوق السموات والعرش وإنّها تزمجر من شدة ثقل الله و لها صوت كالصوت الصادر من هودج البعير المثقل بالأحمال .

و الآن لنتساءل من راوي هذه الروايات :

1 ـ هل إنّ الله الذي يصفه في روايته ذو أربع جهات أم إنّ للعرش جهات أربع ؟

2 ـ هل إنّ الأربع أصابع التي تقول الرواية بأنّ الله أكبر من الكرسي أربعة أصابع من كل جهة مثل أصابع الخلق أم إنّها أصابع أكبر ؟ تعالى الله عما يقول الجاهلون !

3 ـ كل روايات مدرسة الخلفاء تذكر إن العرش موجود فوق السماء السابعة والسماء السابعة فوق السادسة وهكذا أن السماء الاُولى التي تقع فوق الأرض وفوق كل هذه العرش وفوق العرش يقع مكان الله نعوذ بالله !

كل هذه الروايات تتلائم وما كان سائداً في علم الهيئة القديم الذي كان يصور العالم بناء ذو سبع أو ثمان طوابق ويصور الأرض تحت الطابق الأسفل و السموات فوقها . وإنّ السموات السبع فكرة توحيدية إلاّ أنّ علماء الهيئة صوروا هذه الفكر تصويراً مادياً يتناسب مع ذهنيّتهم .

و لكن استناداً الى علم الفلك الحديث الذي يعتبر كواكب المجموعة الشمسية التي تدور حول الشمس إحدى ملايين النجوم الموجودة في مجرتنا و إنّ مجرّتنا هي إحدى المجرات فكيف يمكن تفسير هذه الأحاديث ؟

كان هذا معنى العرش والكرسي في تأويل الآيات والروايات عند مدرسة الخلفاء .

 

ثانياً : معنى العرش والكرسي في روايات أهل  البيت (ع) .

الروايات التي نقلناها آنفاً جعلت علماء من مدرسة الخلفاء يتصورون أنّ عرش و كرسي الله المذكورين في القرآن جسمان ماديان .

إلاّ أنّ أئمة أهل البيت (ع) لا يقرّون ذلك فالآية (وَكانَ عَرشُهُ على الماءِ ) تعني أنّ الماء مخلوق قبل خلق السماء والأرض و كان قبل كل ذلك تحت أمر الله ، و أنّ كرسي الله يعني علم الله . إذاً فالآية ( وَسِعَ كُرسِيُّهُ السّمواتِ والأرضَ  ) تعني أنّ علم الله يسع السموات و الأرض .

و جاء معنى العرش واستوى و الكرسي في اللّغة كمايلي :

1ـ العرش : في الأصل شيء مسقّف و جمعه عروش . قال وهي خاوية على عروشها و منه قيل عرشت الكرم وعرشته إذا جعلت له كهيئة سقف وسمي مجلس السّلطان عرشاً إعتباراً بعلوه وكني به العزّ والسلطان والمملكة([44]) .

2ـ معنى استوى : جاءت عبارة ( استوى على العَرشِ ) ست مرات في القرآن الكريم و مرة واحدة (  الرحمنُ على العَرشِ استَوى  ) .

و قال الراغب في مفردات القرآن : متى عُدِّي بعلى اقتضى معنى الإستيلاء كقوله ( الرحمنُ على العَرشِ استَوى ) .

و قيل و معناه استوى له ما في السموات و الأرض أي استقام الكل على مراده يستويه الله تعالى إياه كقوله ( ثُمّ استوى الى السّماءِ فسوّاهنّ ) ، و جاء في هذا المعنى في شعر العرب كما قال الشاعر في مدح بشر بن مروان أمير العراق :

قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراقِ([45])

3ـ معنى الكرسي : وأصل الكرسي العلم و منه قيل للصحيفة يكون فيها علماً مكتوباً كراسه و يقال للعالم بالكراسي .

يحف بهم بيض الوجوه وعصبة *** كراسي بالأحداث حين تنوب

محل الشاهد كراسي بالأحداث و يعني بذلك علماء بحوادث الأمور ونوازلها .

و العرب تسمى أصل كل شيء الكرس يقال منه فلان كريم الكرس أي كريم الأصل([46]) .

وفي الآية الكريمة : ( وَسِعَ كُرسِيُّهُ السّموات و الأرض ) (البقرة / 255) ، يعني وسع علمه السموات والأرض .

و قد جاء هذا المعنى في آيات عديدة :

كما في سورة الأنعام على لسان إبراهيم : ( وَسِعَ رَبّي كُلّ شيء عِلماً ) (الانعام / 80) .

و قول نبي الله شعيب ( وَسِعَ رَبّنا كُلّ شَيء عِلماً )(الاعراف / 89) .

و قول حملة العرش من الملائكة : ( رَبّنا وَسِعتَ كُلّ شيء رَحمَةً و عِلماً ) (غافر / 7) .

و خطاب نبي الله موسى لقومه : ( إنّما اِلهُكُمُ اللهُ الّذي لا اِلهَ إلاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيء عِلماً ) (طه/98) .

كانت تلكم المصطلحات وتفسيرها إحدى المعارك الفكرية الموجودة عند أتباع المدرستين و من الملفت إنّ الإله عند مدرسة الخلفاء ينزل في مكان أحياناً و ينتقل من العرش في السّماء الى الأرض و من الجنة الى النار يضع رجله حتى تمتلىء .

 

5ـ المكان والحركة والانتقال لله :

ما جاء عن الإمام الرضا (ع) من الأخبار في التوحيد بإسناده الى علي بن الحسين بن علي بن فضالة عن أبيه قال سألت الرضا (ع) عن قول الله عزّ وجلّ ( وَ جاءَ رَبُّكَ و المَلَكُ صَفّاً صَفّاً ) ، فقال سبحانه لا يوصف بالمجيء والذهاب تعالى عن الانتقال إنّما يعني بذلك وجاء أمر ربّك([47]).

وعن إبراهيم بن أبي محمود قال : قلت للرضا (ع) يا ابن  رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول الله (ص) كذلك إنّما قال : إنّ الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة الى السماء الدنيا ؟

فقال لعن الله المحرّفين الكَلِم عن مواضعه و الله ما قال رسول الله (ص) كذلك إنّما قال (ص) : إنّ الله تبارك وتعالى يُنزِل ملكاً الى السّماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير وليلة الجمعة في أوّل الليل فيأمره فينادي هل من سائل فأعطيه هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ ياطالب الخير أقبِل يا طالب الشر أقصِر فلا يزال ينادي بهذا حتى يطلع الفجر فإذا طلع الفجر عاد الى محله من ملكوت السماء . حدّثني بذلك أبي عن جدّي عن رسول  الله (ص)([48]).

وعن يونس بن عبد الرحمن قال قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (ع) لأيّ علّة عرج الله بنبيّه (ص) الى السّماء منها الى سدرة المنتهى و منها الى حجب النور وخاطبه وناجاه هناك و الله لا يوصف بمكان فقال (ع) : إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان و لا يجري عليه زمان ولكنه عزّ وجلّ أراد أن يشرّف به ملائكته و سكان سماواته ويكرمهم بمشاهدته ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه وليس ذلك على ما يقول المشبهون سبحان الله تعالى عما يشركون([49]) .

وعن زيد بن علي (ع) قال : سألت أبي سيّد العابدين  (ع) فقلت له : يا أبه أخبرني عن جدّنا رسول الله  (ص) لمّا عُرج به الى السماء و أمَره ربّه عزّ وجلّ بخمسين صلاةً كيف لم يسأله التّخفيف عن اُمّته حتّى قال له موسى بن عمران (ع) : إرجع الى ربّك فاسألهُ التّخفيف فإنّ اُمّتك لا تُطيق ذلك ؟ فقال (ع) : يا بُنيّ ، إنّ رسول الله  (ص) كان لا يقترحُ على ربّه عزّ وجلّ ولا يراجعه في شيء يأمُرُهُ به ، فلمّا سأله مُوسى (ع) ذلك و صار شفيعاً لاُمّته إليه لم يَجُز له ردّ شفاعة أخيه موسى (ع) فرجع الى ربّه عزّ وجلّ فسأله التّخفيف الى أن ردّها الى خمس صلوات ، قال : فقلتُ : يا أبَه فَلِمَ لم يرجع الى ربّه عزّ وجلّ و لم يسألهُ التّخفيف بعد الخمس صلوات فقال : يا بنيّ أرادَ (ص) أن يحصل لاُمّته التّخفيف مع أجر خمسين صلاة لِقَولِ الله عزّ وجلّ : ( مَن جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أمثالِها )ألا ترى أنّهُ (ص) لمّا هبط الى الأرضِ نَزل عليه جَبرئيلُ  (ع) فقال : يا محمّد إنّ ربّك يُقرئُكَ السّلام ، ويقول: إنّها خَمسٌ بخَمسينَ ( ما يُبَدَّلُ القَولُ لَدَيَّ وَ ما أنا بِظَلاّم للعَبيدِ ) قال : فقلت له يا أبَه أليس الله تعالى ذِكرُهُ لا يوصَفُ ؟ فقال : بلى ، تعالى الله عن ذلك ، فقلتُ : فما معنى قول موسى (ع) لرسول الله (ص) : إرجَع الى ربّك ؟ فقال : معناهُ معنى قول إبراهيم (ع) : ( إنّي ذاهِبٌ الى ربّي سَيَهدينِ ) ومعنى قول موسى (ع) : ( وَ عَجِلتُ إلَيكَ رَبِّ لِتَرضى ) ومعناه قوله عزّ وجلّ : ( فَفِرُّوا الى اللهِ ) يعني حُجُّوا الى بيت الله ، يا بنيّ إنّ الكعبة بيتُ الله فَمَن حَجّ بيت الله فقد قصد الى الله ، و المساجد بيوت الله ، فَمَن سعى إليها فقد سعى الى الله و قَصَد إليه ، والمُصلّي ما دامَ في صلاته فهو واقف بين يديّ الله جلّ جلالُه ، و أهل موقف عرفات وقوفٌ بين يديّ الله عزّ وجلّ و إنّ الله تبارك وتعالى بقاعاً في سماواته ، فَمَن عُرِجَ به إليها فقد عُرِجَ به إليهِ . ألا تسمع الله عزّ وجلّ يقول : ( تَعرُجُ المَلائِكةُ و الرُّوحُ إلَيهِ )ويقول عزّ وجلّ : ( إلَيهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطَيِّبُ و العَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ )([50]) .

 

جواب كلّي في ردّ شبهة المكان إليه :

عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال : إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بزمان و لا مكان و لا حركة و  لا انتقال و لا سكون بل هو خالق الزمان و المكان و  الحركة و السكون تعالى عما يصفون علوّاً كبيراً([51]) .

 

بحث و مقارنة الروايات :

يتصور أتباع مدرسة الخلفاء ـ و بخاصة السلفيين منهم و الوهابيين ـ بأنّ الله جسم مادي يقبع فوق العرش و الكرسي وذلك نتيجة لاستنادهم على الروايات الآنفة الذكر ـ معاذ الله ـ ، كما يتصوّرون بأنّ الله ينتقل من مكان الى آخر خاصة و أنّهم يعتمدون على روايات أبي هريرة التي تصوّر و بأشكال مختلفة بأنّ الله ينزل من مكان بعد مرور جزء من الليل أو في الثلث الأخير من الليل الى السماء الاُولى و يفتح يديه ويخاطب عباده ... و أنّه ينزل يوم عرفه ... .

و استدلّ بعض العلماء أمثال ابن خزيمة على رواية أبي هريرة التي جاء فيها ما معناه بأنّ الملائكة تصعد بصلاة المصلين و تنقلها الى الله بأن لله مكاناً في السماء .

و كما سببت هذه الروايات المنقولة عن أبي هريرة أنّ يأوّل علماء مدرسة الخلفاء وعبارات في القرآن الكريم مثل وجاء ربّك و يأتيهم الله و ... بطريقة تبيّن وكأنّ للباري تعالى ذهاباً وإياباً .

أما الحال في مدرسة أهل البيت (ع) فقد رأينا أنّ الإمام الرضا (ع) يفسّر و جاء ربّك تعني وجاء أمر ربّك أي حكم ربّك .

و يكذّب حديث نزول الله الى السماء ويعتقد بأنّه محرّف .

و يسأل الراوي الإمام الكاظم (ع) إذا كان الله ليس له مكان فلماذا أخذ رسوله الى سدرة المنتهى .

فيجيب : إنّ الله أخذ رسوله الى السماء ليشرّف ملائكته به ليتعرّف الرسول على عظمة الله فيبين ذلك للناس في أرضه .

و إنّ الإمام زين العابدين يقول رداً على سؤال ولده زيد عن معنى قول موسى لنبينا (ص) ارجع الى ربك فاسأله التخفيف ... إنّ ذلك الكلام يرادف معنى قول موسى في نجواه مع ربه بأنّه التجأ إليه لكسب رضاه ، وإنّ الكعبة بيت الله ، وكذا الحال بالنسبة الى المساجد فكل من قصد بيت الله فكأنّما قصد الله وتوجه إليه وكذا الحال للمصلي والداعي في عرفه فإنّه واقف بين يد الله .

ويقول الإمام الصادق أنّ الله لا يوصف بزمان ومكان وحركة وسكون فهو الخالق للزمان و المكان و الحركة و  السكون .

 

6ـ رؤية الله على ضوء روايات أهل البيت (ع) :

عن أبي الحسن الموصلي عن أبي عبد الله (ع) قال جاء حبر الى أمير المؤمنين (ع) فقال : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته فقال ويلك ما كنت أعبد رباً لم أره وقال وكيف رأيته قال ويلك لا تدركه العيون في المشاهدة ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان ([52]).

وعن صفوان بن يحيى قال سألني أبو قرة المحدث أن أدخله على أبي الحسن الرضا فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه حتى سأله عن الحلال والحرام والاحكام حتى بلغ سؤاله التوحيد فقال أبو قرة : إنّا روينا أنّ الله عزّوجل قسم الرؤية والكلام بين اثنين فقسم لموسى (ع) الكلام ولمحمد (ص) الرؤية فقال أبو الحسن (ع) فمن بلغ الثقلين لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، ولا يحيطون به علماً ، وليس كمثله شيء أليس محمد (ص) قال : بلى قال فكيف يجيء رجلٌ الى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله وإنّه يدعوهم الى الله وبأمر الله ويقول   لاتدركه الابصار و يدرك الأبصار ، ولا يحيطون به علماً ، ليس كمثله شيء ثم يقول أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً وهو على صورة البشر أما تستحيون ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن الله بشيء ثم يأتي بخلافه من وجه آخر !!

قال أبو قرة : فإنّه يقول : ولقد رآه نزلة اُخرى فقال أبو الحسن : إنّ بعد هذه الآية يدل ما رأى حيث قال ما كذب الفؤاد ما رأى من آيات ربه الكبرى فآيات الله عزّوجلّ غير الله وقد قال لا يحيطون به علماً فإذا رأته الابصار فقد أحاطت به علما ووقعت المعرفة .

فقال أبو قرة فتكذب بالروايات فقال أبو الحسن إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبت بها وما أجمع المسلمون عليه أنّه لا يحاط به علم ولا تدركه الابصار وليس كمثله شيء([53]) .

هناك نوعان من الرؤية يبحثان في هذا الموضوع :

1ـ رؤية النبي (ص) الله في الحياة الدنيا .

2ـ رؤية أمة النبي ( المسلمين ) لله يوم القيامة .

وتختلف روياات مدرسة الخلفاء بالنسبة لموضوع رؤية النبي (ص) الباري تعالى ، فقد رأينا أنّ رواية من كعب الاحبار تقول إنّ الله قسم الرؤية وكلامه بين نبيه موسى الذي أكرم بالكلام ومحمد الذي اكرم بلقائه معه .

وعن رؤية المسلمين لله يوم القيامة اكتفينا بنقل رواية صحيحة معتبرة عن أبي هريرة ( إنّكم ترون الله كرؤيتكم للشمس والقمر في السماء الدنيا وهي صافية وفي ذلك اليوم سيمشي كل وراء معبوده ويحشرون في جهنم ويبقى المسلمون ويجيء الله فيراه المسلمون في غير الهيئة التي كانوا يتصورونها يقول لهم : أنا ربكم ! فيقولون نعوذ بالله منك نحن باقون هنا ولن نتحرك حتى يأتي ربنا نحن نعرفه ثم يأتي الله بالشكل الذي كانوا يعرفونه بينهم فيقولون أجل فأنت ربنا فيتبعونه ويدخلون الجنة ) .

وجاء في آخر الرواية : يبقى رجل في المحشر مول وجهه نحو النار يقدم طلبات تلو الاُخرى يخدع فيها الله الى أن يصل باب الجنة فعند ذاك يضحك الله ويسمح له بدخول الجنة ويقول له الله وهو في الجنة : اطلب ما شئت فيطلب ما يشاء وعند الانتهاء من سرد طلباته ، يعطيه الله ضعف طلبه .

وهناك أسئلة يمكن طرحها على من يسلم بصحة هذه الرواية وهي :

1ـ إن أبا هريرة يقول في روايته أنّ الله يغير هيئته فكيف يكون هذا التغير هل لكل دور يقوم به يكون بشكل يختلف عن الاول .

2ـ إنّ أبا هريرة يقول ثم يأتي بالشكل الذي كانوا يعرفونه . وهذا القول يدل على أنّ المسلمين كانوا قد رأوا الله سابقاً فكيف هي هيئة الله التي يراه فيها المؤمنون من أهل السنة .

3ـ وهل أن الله جسم كما هو الحال بالنسبة للانسان وله هيئة خاصة به ويسير فيشيعه المؤمنون .

4ـ وهل أنّ الله يضحك فيعفو عن المسيء بضحكه ويدخله الجنة ؟ فأين الحساب يوم القيامة إذاً ؟ وأين ثواب وعقاب الأعمال ؟ وما هي فائدته والحال هذه ؟

والعجب أن ينقل علماء الحديث عند مدرسة الخلفاء أمثال هذه الروايات في كتب (الإيمان) و(التوحيد) عندهم .

ونتيجة الاعتقاد بصحة تلك الروايات تعتبر السلفية والوهابية أن لله جسماً .

كانت تلك روايات مدرسة الخلفاء في رؤية المؤمنين الله تعالى .

وأما روايات أوصياء النبي (ص) في هذا الموضوع :

فقد نقلنا أول دليل عن وصي النبي الذي أثبت رؤية الله بالقلب ونفي رؤيته بصرياً ، وبذلك عرفنا بأن عبارء رؤية الله إن وجدت في أي من المصادر الإسلامية فإنّها تعني رؤيته بالقلب بحقائق الإيمان لا رؤيته بالعين . ونقول استناداً الى روايات الشيخ الصدوق المنقولة عن الإمام الرضا (ع) .

إنّ الرؤية أمر يتعلق بالأجسام المادية وإنّ الموجودات التي ليس لها جسمية ـ كالروح والكهرباء ـ لا ترى بالعين بل انّها تُعرف بآثارها .

وإنّ الله ـ جلت عظمته ـ ليس بجسم مادي كمي يرى بالعين المجردة بل انه يُعرف من آثاره في قدرته وعلمه وحكمته وسائر آثار صفاته الربوبية .

وفي رواية اُخرى عن الامام الرضا (ع) في إجابته للسائل عن صحة أو خطأ ما يقال ( بأنّ الله قسم التحدّث معه ورؤيته بين موسى وخاتم الأنبياء وتكذيبه هذا الخبر وسؤاله عمّن بلّغ آيات الله الى الجن والانس ورد بقوله إنّ الله لا يُدرك بالأبصار وهو يُدرك الأبصار وإنّ المخلوقات عاجزة عن إدراك ذاته وليس كمثله شيء .

و ردّ السائل بقوله بأنّ كلام الامام يعني تكذيب روايات لقاء الله بنبيّه (ص) وقول الإمام له أن يكذب كل رواية تتعارض وما جاء في القرآن .

إنّ الرسول (ص) قد جعل ( من قبل الله تعالى ) القرآن وأهل بيته مقياساً لمعرفة الاسلام ولكن ( من المسلمين من لا يعتبر أهل البيت جزءً من المقياس إلاّ أنّ جميع المسلمين يقرّون الجانب الأوّل من المقياس وهو القرآن .

ورغم ذلك فإنّ العلماء من مدرسة الخلفاء أوّلوا القرآن وفق الروايات ولم يعرضوها على الآيات القرآنية لمعرفة صحتها بل العكس جعلوا أحاديث أبي هريرة وكعب الأحبار وأمثاله مقياساً أسموه السنّة النبوية وأطلقوا على أنفسهم اسم أهل السنّة وحرّفوا آيات قرآنية محكمة الدلالة من ظاهرها بهذا العمل انتهكوا حرمة المقياس القرآني .

ولقد رأينا أنّ الامام الرضا يصرّ على جعل القرآن مقياساً للروايات ويدعو الى عدم الأخذ بها حال تعارضها مع القرآن ([54]).

وهكذا فيهم من يتلو في  ردّ تلكم الأقوال قول اللّه تعالى  : (  لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ  )الأنعام/103 .

ويقول  : إنّ قول اللّه  : (  وُجُوهٌ يَوْمَئِذ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَة  ) ، أي  : إلى  أمر  ربّها ناظرة ، أي  : منتظرة ، وذلك مثل قوله تعالى في حكاية قول أولاد يعقوب لأبيهم  : (  وَاسْألِ القَرْيَةَ التي كُنّا فِيها  ) يوسف / 82 . أي  : واسأل أهل  القرية ، قدّر في تلك الآية ( أمر ) وفي هذه الآية ( أهل ) ، وهكذا تؤوّل سائر  الآيات التي ظاهرها يدلّ على أنّ اللّه تبارك وتعالى جسم .

ويسمّون أهل تلك الأقوال بالمجسّمة والمشبّهة ; أي الذين يشبّهون ربّهم بمخلوقاته ويقولون إنّه جسم .

و قد بيّن أئمة أهل البيت : تفسير الآيات وكشفوا عن المقصود من  الساق واليد والعرش ونظائرها في الآيات الكريمة ، وأنّ اللّه خلق آدم على  صورته في الحديث([55]) ، وتركنا إيرادها كلّها لأ نّا لسنا بصدد إيراد أدلّة المدرستين واستقصاء أدلّتهما في ما ارتأيا ، بل أردنا أن نورد أمثلة ممّا ورد من الأحاديث المتعارضة في صفات اللّه لدى

المدرستين ، وأنّ أحاديث كلّ مدرسة تؤوّل آيات  القرآن باتّجاهها الخاص ، وأ نّه هكذا نشأ الخلاف حول صفات اللّه .

 

aaa


بعض صفات اللّه جلّ اسمه 7

و منشأ الخلاف حولها 7

1ـ خلق آدم على صورته  . 7

2 ـ أنّ لله يداً : 8

3ـ إنّ لله ساقاً و قدماً : 13

4ـ مكان الله وعرشه : 16

5 ـ و إنّ الله يُرى في يوم القيامة وفي الجنة  : 19

في الجنّة  : 23

الخلاف على تأويل تلكم الأحاديث  : 26

صفات اللّه عند مدرسة أهل البيت (ع)  : 30

1 ـ خلق آدم على صورته : 30

أوّلاً : حذف بداية الحديث : 32

ثانياً ـ إضافتان في حديث أبي هريرة : 32

2 ـ يد الله : 34

3ـ الساق والقدم لله : 38

نقد أحاديث كشف الساق : 40

4ـ ما جاء عن أهل البيت (ع) في موضوع العرش 42

والكرسي : 42

مقارنة بين روايات المدرستين : 43

أوّلاً : العرش و الكرسي عند مدرسة الخلفاء : 43

ثانياً : معنى العرش والكرسي في روايات 46

أهل  البيت (ع) . 46

5ـ المكان والحركة والانتقال لله : 50

جواب كلّي في ردّ شبهة المكان إليه : 55

بحث و مقارنة الروايات : 55

6ـ رؤية الله على ضوء روايات أهل البيت (ع) : 58

 



([1]) صحيح البخاري ، كتاب الاستئذان ، باب بدء السلام  2/59 . وصحيح مسلم ، كتاب الجنّة وصفة  نعيمها ، باب يدخل الجنّة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير ، ح 28  ، ص2183ـ2184 ، وتوحيد ابن خزيمة ص40ـ41 .

([2]) صحيح مسلم كتاب البر و الصلة و الآداب ، باب النهي عن ضرب الوجه ح 112ـ116 ، ص 2016ـ2017 . وقريب منه في مسند أحمد 2/244 و251 و315 و323 و434 و463 و519 .

([3]) صحيح مسلم كتاب القدر باب حجاج آدم موسى ص2042ـ2043 ح13 ، 14 ، 15 . وصحيح البخاري كتاب القدر باب تحاج آدم وموسى عند الله 4/98 . وكتاب التوحيد باب قوله وكلّم الله موسى تكليما 4/199 . وسنن أبي داود كتاب السنة باب في القدر 4/222 توحيد ابن خزيمة ص54ـ57 .

([4]) صحيح البخاري كتاب التفسير سورة الزمر باب ما قدروا الله حقّ قدره 3/22 . وكتاب التوحيد باب إنّ اللهَ يمسك السموات و الأرض أن تزولا 4/192 . وصحيح مسلم كتاب صفة القيامة الجنة والنار ح 19 و ح20 و ح24 و ح25 ص2147ـ2148 . سنن الترمذي كتاب التفسير سورة الزمر 5/371. وسنن أبي داود 4/234. وتفسير الطبري 5/18ـ19. وتفسير ابن كثير 4/62ـ63 تفسير زاد المسير لابن الجوزي7/195ـ196 . وتفسير السيوطي 5/334ـ335 .

([5]) صحيح البخاري كتاب التوحيد باب قول الله بما خلقت بيدي 4/186 . وكنز العمال 1/224 ح1130 و 1131 . والترغيب و التهذيب 2/48 ، وتفسير ابن كثير 3/126 ، وتفسير القرطبي 6/240 ، وتفسير السيوطي 2/526 .

([6]) البخاري 3/122 كتاب التفسير باب تفسير سورة الزمر . وصحيح مسلم كتاب صفاة المنافقين ح23 ص2148 .

([7]) توحيد ابن خزيمة ص53 .

([8]) صحيح البخاري ، تفسير سورة ق ، وكتاب التوحيد ، باب  (  أنَّ رَحْمَةَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الُمحْسِنِينَ  ) 4 / 191 . والترمذي ، كتاب صفة الجنّة ، باب ما جاء في خلود أهل الجنّة وأهل  النار 692 . وصحيح مسلم ، كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها ، باب النار يدخلها الجبّارون والجنّة يدخلها الضعفاء ، ح35 ، 36 ، 37 و  38  ص2186 و 2187 . وتوحيد ابن خزيمة ص92 ـ 98 . ومسند أحمد 2 / 276 و 314 و 507 و 3 / 13 و141 و 230 . وتفسير الطبري 26 / 105 . وتفسير ابن كثير 4/226/228 . وتفسير السيوطي 6 / 106 .

([9]) صحيح البخاري كتاب التفسير باب تفسير سورة القلم يكشف الله عن ساق 3/139 . وصحيح مسلم كتاب الإيمان باب معرفة طريق الرؤية ح302 ص167ـ168 . وسنن أبي داود كتاب الرفاق باب في سجود المؤمنين يوم القيامة 2/326. ومسند أحمد 3/17 . وتفسير الطبري 29/24 . وتفسير ابن كثير 4/407 . تفسير السيوطي 6/254 ، 256 .

([10]) صحيح البخاري كتاب التوحيد باب قوله وجوه يومئذ ناضرة .

([11]) سنن ابن ماجة ، المقدمة ، باب في ما أنكرت الجهمية ، ح182 . وسنن الترمذي ، تفسير سورة هود ، الحديث الأوّل وفيه  : العماء ـ  أي ليس معه شيء  ـ  . ومسند أحمد 4/11و  12 .

([12]) سنن أبي داود ، كتاب السنّة ، باب في الجهمية ، ح 4726 . وسنن ابن ماجة ، المقدمة ، باب  في  ما أنكرت الجهمية . وسنن الدارمي ، كتاب الرقائق ، باب في شأن الساعة ونزول الربّ تعالى .

وراجع كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب ( ت  : 1206هـ ) ، ومنهاج السنّة لابن  تيمية .

([13]) صحيح البخاري ، كتاب التهجّد ، باب الدعاء والصلاة في آخر الليل . وكتاب التوحيد ، باب قوله تعالى  : (  يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللّهِ  ) ، وكتاب الدعوات ، باب الدعاء نصف  الليل . وصحيح مسلم ، كتاب الدعاء ، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل . وسنن أبي داود ، كتاب السنّة ، باب في الردّ على الجهمية ، ح 4733 . وسنن الترمذي ، كتاب  الصلاة ، باب ما جاء في نزول الربّ إلى السماء الدنيا كلّ ليلة 2 / 233 و  235 ، وكتاب  الدعوات ، باب حدّثني الأنصاري 13 / 30 . وسنن ابن ماجة ، كتاب إقامة الصلاة ، باب ما جاء في أيّ ساعات الليل أفضل ، ح 1366 . وسنن الدارمي ، كتاب الصلاة ، باب ينزل  اللّه إلى السماء الدنيا . وموطأ مالك ، كتاب القرآن ، باب 30 . ومسند أحمد 2 / 264 ، 267 ، 282 ، 419 ، 433 ، 487 ، 504 و  521 ، و  3 / 34 ، و  4 / 16 .

([14]) سنن الترمذي ، أبواب الصوم ، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان . وسنن ابن ماجة ، كتاب إقامة الصلاة ، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان . ومسند أحمد 2 / 433 .

([15]) كلتا الروايتين عن الصحابي أبي هريرة في تفسير سورة ق من صحيح البخاري 3 / 128 ،

وفي باب ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذ ناضِرَة) من كتاب التوحيد منه 4/191 .

وعن أنس حديث القدم في باب قول اللّه تعالى  : (  وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ سُبْحانَ رَبِّكَ ...  ) من كتاب التوحيد منه 4 / 129 .

وراجع سنن الترمذي ، كتاب الجنّة ، باب ما جاء في خلود أهل الجنّة وأهل النار ، 10  /  29 . ومسند أحمد 2 / 396 .

([16]) صحيح البخاري ، كتاب التوحيد ، باب قول اللّه تعالى  : (  لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ  )4/185 ، وفي باب قول اللّه تعالى  : (  وُجُوهٌ يَوْمَئِذ ناضِرَة  ) بتفصيل أوفى ، راجع 4/190 منه .

([17]) سنن الترمذي ، كتاب الزهد ، باب ما جاء في الرياء والسمعة 9 / 229 .

([18]) صحيح البخاري ، كتاب التوحيد ، باب قول اللّه تعالى  : (  وُجُوهٌ يَوْمَئِذ ناضِرَة  )4  /  188 .

([19]) صحيح البخاري ، كتاب التوحيد ، باب قول اللّه تعالى  : (  وُجُوهٌ يَوْمَئِذ ناضِرَة  ) ، وكتاب الصلاة ، باب فضل صلاة العصر ، وباب وقت العشاء إلى نصف الليل ، وكتاب التفسير ، باب سورة ق . وصحيح مسلم ، كتاب الصلاة ، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما . والترمذي ، كتاب صفة الجنّة ، باب ما جاء في رؤية الربّ تبارك وتعالى 10/18 و 20 .

([20]) صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب معرفة طريق الرؤية . وصحيح البخاري ، كتاب التوحيد ، باب قول اللّه تعالى  : (  وُجُوهٌ يَوْمَئِذ ناضِرَة  ) 4 / 188 ، وراجع تفسير سورة ق منه .

([21]) ما بين القوسين ملخّص من لفظ الحديث في السجدة .

([22]) صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب معرفة طريق الرؤية ، ح229 ، واللفظ منه . وصحيح البخاري في تفسير سورة النساء ، باب قوله  : (  إنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّة  ) 3 / 80  ، واللفظ فيه مختصر ، وكذلك في كتاب التوحيد منه ، باب قول اللّه تعالى  : (  وُجُوهٌ يَوْمَئِذ ناضِرَة  ) 4 / 189 .

لو تفضّل الراؤون ربّهم ووصفوا لنا صورة ربّهم التي رأوه عليها وساقه التي هي علامة بينهم وبين ربّهم لكان ذلك فضلا منهم كبيراً يشكرون عليه ويحمدون .

([23]) صحيح البخاري ، كتاب التوحيد ، باب قول اللّه تعالى  : (  وُجُوهٌ يَوْمَئِذ ناضِرَة  )4  /  191 . وفي صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربّهم ، ح  296 .

([24]) صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربّهم ، ح 297 .

([25]) سنن ابن ماجة ، كتاب المقدمة ، باب في ما أنكرت الجهمية ، ح 184 .

([26]) سنن الترمذي ، كتاب صفة الجنّة ، باب رؤية الربّ 10/18ـ19 .

([27]) سنن ابن ماجة ، كتاب الزهد ، باب صفة أهل الجنّة ، ح 4336 ، ص 1451 ـ 1452 . وسنن  الترمذي ، أبواب صفة الجنّة ، باب ما جاء في سوق الجنّة 10 / 16 ـ 17 .

([28]) هو الحافظ الكبير إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة ( ت  : 311 هـ ) اُستاذ البخاري ومسلم في الحديث ، طبع الكتاب سنة 1378 هـ ، نشر مكتبة الكليات الأزهرية بميدان الأزهر في القاهرة . راجع ترجمة المؤلّف في مقدمة الكتاب .

([29]) ط . ليدن ، سنة 1960 م .

([30]) الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي ( ت  : 748 هـ ) ، نشر  المكتبة السلفية في المدينة المنوّرة ، باب الرحمة ، ط . الثانية ، سنة 1388 هـ  .

([31]) كتاب توحيد الصّدوق طبع طهران 1387 هـ.ق ص 153 . وبحار الأنوار كتاب التوحيد باب 2 ، 14 / 11 .

([32]) توحيد الصّدوق ص 152 . و بحار الأنوار 14 / 12 .

([33]) توحيد الصدوق ص 102 ح 16 .

([34]) توحيد الصدوق ص153 ح1 .

([35]) توحيد الصدوق ص153 ـ 154 ح 2 .

([36]) توحيد الصدوق ص161 ح 1 .

([37]) تفسير القرطبي 10 / 250 تفسير الآية . وتفسير ابن كثير 5/63 ، جاء فيه أي لا تكن بخيلاً منوعاً لا تعطي أحد شيئاً كما قالت اليهود يد الله مغلولة أي نسبوه الى البخل .

([38]) توحيد الصدوق ص 155 ح3 . وكتاب بحار الأنوار 4/7،ح16 .

([39]) توحيد الصدوق ص 155 ح2 . كتاب بحار الأنوار 4/7 ح15.

([40]) عيون الأخبار . وتفسير نور الثقلين 5/395 .

([41]) توحيد الصدوق ص 327 ح4 و ح5 .

([42]) توحيد الصدوق ص319 ح1 .

([43]) التوحيد ص319 ح1 .

([44]) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ، كلمة عرش وقريب منه كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية تأليف أبو هاشم أحمد بن حمدان الرازي (م:322هـ) . ولسان العرب وصحاح اللغة للجوهري لفظه عرش .

([45]) بشر بن مروان أخو الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان والي العراق من قبله في سنة 74 هـ وتوفي في البصرة / تاريخ مدينة دمشق .

([46]) تفسير الطبري 3/8 و أساس البلاغة ص390 لفظ كرس .

([47]) تفسير نور الثقلين 5/574 ح20 عن عيون الأخبار للصدوق .

([48]) كتاب التوحيد ص176 ح7 .

([49]) توحيد الصدوق ص 175 ح5 .

([50]) توحيد الصدوق ص 176 ـ 177 ح8 .

([51]) توحيد الصدوق ص 183 ـ 184 ح20 .

([52]) توحيد الصدوق ص 109 ح6 .

([53]) التوحيد ص110 - 112 ح9 . والبحار 4/31 ح4 . والكافي كتاب التوحيد باب إبطال الرؤية ح2 .

([54]) توحيد الصدوق ص 110 - 112 ح9 .

([55]) يراجع بشأن صفات اللّه كتب  : الكافي للشيخ الكليني ، كتاب التوحيد . والتوحيد للشيخ  الصدوق . وعيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق ، الباب رقم 11 ، ما جاء عن الرضا من الأخبار في التوحيد .