حديث حبة العرني عن حرب الجمل :

و روى منصور بن أبي الأسود عن مسلم الأعور عن حبة العرني قال : و الله إني لأنظر إلى الرجل الذي ضرب الجمل ضربة على عجزه فسقط لجنبه فكأني أسمع عجيج الجمل و ما سمعت قط عجيجا أشد منه قال و لما عقر الجمل انقطع بطان الهودج فزال عن ظهر الجمل فانفض أهل البصرة منهزمين و جعل عمار بن ياسر و محمد بن أبي بكر يقطعان الحقب و الأنساع و احتملاه أي الهودج فوضعاه على الأرض فأقبل علي بن أبي طالب حتى وقف عليها و هي في هودجها فقرع الهودج بالرمح و قال يا حميراء أ رسول الله أمرك بهذا المسير و نادى عمار بن ياسر يومئذ لا تجهزوا على جريح و لا تتبعوا موليا و أسر يومئذ سعيد و أبان ابنا عثمان فجي‏ء بهما إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلما وقفا بين يديه قال بعض من حضر اقتلهما يا أمير المؤمنين فقال علي (عليه السلام) بئس ما قلتم آمنت الناس كلهم و أقتل هذين الرجلين ثم أقبل عليهما و قال لهما ارجعا عن غيكما و انزعا و انطلقا حيث شئتما فإن أحببتما فأقيما عندي أصل أرحامكما فقالا يا أمير المؤمنين نحن نبايع و ننصرف فبايعا و انصرفا .

[383]

باب ذكر مقتل طلحة بن عبيد الله

روى إسماعيل بن عبد الملك عن يحيى بن شبل عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) قال حدثني أبي علي زين العابدين (عليه السلام) قال قال لي مروان بن الحكم لما رأيت الناس يوم الجمل قد انكشفوا قلت و الله لأدركن ثاري و لأفوزن به الآن فرميت طلحة فأصبت نساه فجعل الدم لا يرقأ فرميت ثانية فجاءت به فأخذوه حتى وضعوه تحت شجرة فبقي تحتها ينزف الدم حتى مات .

و روى ابن أبي سليمان عن ابن خيثمة قال قال عبد الملك بن مروان يوما و قد ذكر عثمان و قتلته و طلحة و لو لا أن أبي قتله لم يزل في قلبي جرح منه إلى اليوم و قال عبد الملك سمعت أبي يقول نظرت إلى طلحة يوم الجمل و عليه درع و مغفر لم أر منه إلا عينيه فقلت كيف لي به فنظرت إلى فتق في درعه فرميته فأصبت نساه فقطعته فإني أنظر إلى مولى له يحمله على ظهره موليا فلم يلبث أن مات.

[384]

و روى عبد الحميد بن عمران عن ابن كعب القرظي عن رواح بن الحارث عن عمير قال : لقيت طلحة بن عبيد الله فقلت له يا أبا محمد ما أخرجك إلى هاهنا أ لم تبايع عليا بالمدينة طائعا غير مكره قال دعني و الله ما بايعته إلا و اللج على عنقي فلما التقى الناس يوم الجمل جاءه سهم غرب قطع نساه فنزف الدم حتى مات.

و روى أبو سهل عن الحسن قال : لما رمي طلحة ركب بغلا و قال لغلامه التمس لي مكانا أدخل فيه فقال الغلام ما أدري أين أدخلك فقال طلحة ما رأيت كاليوم أضيع من دم شيخ مثلي قال الحسن وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً.

و روى علي بن زيد بن جدعان قال : لما بلغ طلحة أن الزبير قد اندفع ذهب في طلبه و قد التقى و هم لا يعلمون برجوع الزبير فمر مروان بن الحكم فرآه فقال لا أطلب ثاري بدم عثمان بعد اليوم و الله و قاتل عثمان بين أعجاز الإبل و صدورها ثم رماه بسهم فقتله.

و روى سفيان بن عيينة عن أبي موسى عن الحسن بن أبي الحسن قال : خرج

[385]

طلحة بن عبيد الله من رساتيق أقطعه إياها عثمان بن عفان أن كان بعضها ينيخ به ألف راكب ثم يروحون فلم يعرف له ذلك حتى سعى في دمه فلما كان يوم البصرة خرج للقتال و قد لبس درعا استجن بها من السهام إذ أتاه سهم فأصابه وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً و رأيته يقول حين أصابه السهم ما رأيت كاليوم مصرع شيخ أضيع من مصرعي قال الحسن و قد كان له قبل ذلك جهاد مع رسول الله و وقاه بيده فضيع أمر نفسه و لقد رأيت قبره مأوى السقاءين فيضع عنده أحدهم قربته ثم يقضي حاجته فما رأيت أعجب من هؤلاء القوم و أما الزبير فإنه أتى حيا من أحياء العرب فقال أجيروني و قد كان قبل ذلك يجير و لا يجار عليه ثم قال الحسن و ما الذي أخافك و الله ما أخافك إلا ابنك قال فاتبعه ابن جرموز في تلول من أتاليل العرب و الله ما رأيت مثله أحدا قط فضاع دمه و هذا قبره بوادي السباع مخراة الثعالب خرجا و لما خرجا لم يدركا ما طلبا و لم يرجعا إلى ما تركا فعز علي هذه الشقوة التي كتبت عليهما.

و روى قيس بن أبي حازم قال : رمي طلحة بسهم في ركبتيه فجعل يعدو و الدم يفور فإذا أمسكوا رأس الجرح انتفخت ركبته فصاح دعوه فإنه سهم أرسله الله فلم يزل الدم ينزف حتى مات فدفنوه على شاطئ الفرات فرأى بعض الناس في

[386]

النوم طلحة يقول أريحوني من هذا الماء فإني منه في أذى شديد رأى الرجل تلك الرؤيا ثلاث ليال فنبشوه فإذا قبره قد أخضر كأنه السلق فاستخرجوه فأخذ ما يلي الأرض من لحيته و وجهه قد أكلته الأرض فاشتريت له دار من دور آل بكر بعشرة آلاف درهم فدفن فيها.

فهذه الأخبار جملة مختصرة صحيحة في قتل طلحة بن عبيد الله طريقها من العامة من أوضح طريق و أسنادها أصح أسانيد و ليس بين الأمة فيها اختلاف و كل يدل على أن طلحة قتل و هو مصر على الحرب غير نادم و لا مرعو و كل غير وفاق لمذهب الحشوية و خلاف على مذهب المعتزلة و شاهد ببطلان ما ادعوه من توبته .

[387]

باب ذكر مقتل الزبير بن العوام

روى المفضل بن فضالة عن يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم قال هرب الزبير على فرس له يدعى بذي الخمار حتى وقع بسفوان فمر بعبد الله بن سعيد المجاشعي و ابن مطرح السعدي فقالا له يا حواري رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنت في ذمتنا لا يصل إليك أحد فأقبل معهما فهو يسير مع الرجلين إذ أتي الأحنف بن قيس برجل فقال له أريد أن أسر إليك سرا فقال ادن مني فدنا منه فقال هذا الزبير قد هرب و إني رأيته بين رجلين من بني مجاشع و منقر أظنه يريد التوجه إلى المدينة فرفع الأحنف صوته و قال ما أصنع إن كان الزبير ألقى

[388]

الفتنة بين المسلمين حتى ضرب بعضهم بعضا ثم هو يريد أن يرجع إلى أهله بالمدينة سالما فسمعه ابن جرموز فنهض و معه رجل يقال له فضالة بن حابس و علما أن الأحنف إنما رفع صوته بذكر الزبير لكراهته أن يسلم و إيثاره أن يقتل فاتبعاه جميعا فلما رآهما من كان مع الزبير قالوا له هذا ابن جرموز و إنا نخافه عليك فقال لهم الزبير أنا أكفيكم ابن جرموز فاكفوني ابن حابس فحمل عمرو على الزبير فعطف عليه فقال يا فضالة أعني فإن الرجل قاتلي فأعانه و حمل ابن جرموز فقتله و اجتز رأسه و أتى به إلى الأحنف فبعثه الأحنف إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فلما رآه العسكر أنكروه و قالوا له من أنت قال أنا رسول الأحنف بن قيس فمن قائل يقول مرحبا بك و بمن جئت من عنده و من قائل يقول لا مرحبا بك و لا بمن جئت من عنده حتى انتهى إلى فسطاط أمير المؤمنين (عليه السلام) فخرج إليه رجل ضخم طوال عليه درع يتجسس فإذا هو الأشتر فقال من أنت قال أنا رسول الأحنف قال مكانك حتى أستأذن لك فاستأذن له فدخل و أمير المؤمنين (عليه السلام) متكئ و بين يديه ترس عليه أقراص من طعام الشعير فسلم عليه و هنأه بالفتح عن الأحنف فقال أنا رسوله إليك و قد قتلت الزبير و هذا رأسه و سيفه فألقاهما بين يديه .

فقال (عليه السلام) كيف قتلته و ما كان من أمره فحدثته كيف صنعت به فقال ناولني سيفه فناولته إياه فتناوله و استله قال سيفه أعرفه أما

[389]

و الله لقد قاتل بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غير مرة و لكنه الحين و مصارع السوء .

و روى منصور بن أبي الأسود عن عطاء بن السائب عن أبي البختري قال : لما بعث الأحنف بن قيس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) برأس الزبير و سيفه و جاءه الرسول يهنئه بالفتح تلا عليه الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ .

و روى عن زيد بن فراس عن غزال بن مالك قال : لما قتل الزبير و جي‏ء برأسه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال أما و الله لو لا ما كان من أمر حاطب بن أبي بلتعة ما اجترأ طلحة و الزبير على قتالي و أن الزبير كان أقرب إلي من طلحة و ما زال منا أهل البيت حتى بلغ ابنه فقطع بيننا .

و روى عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون قال : سمعت مروان بن الحكم يقول لما كان يوم الجمل قلت و الله لأدركن ثار عثمان فرميت طلحة بسهم فقطعت نساه و كان كلما سد الموضع غلب الدم و ألمه فقال لغلامه دعه فهو سهم أرسله الله إلي ثم قال له ويلك اطلب لي موضعا أحترز فيه فلم يجد له مكانا فاحتمله عبيد الله بن معمر فأدخله بيت أعرابية ثم ذهب فصبر هنية و رجع فوجده قد

[390]

مات و هرب الزبير فارا إلى المدينة حتى أتى وادي السباع فرفع الأحنف صوته و قال ما أصنع بالزبير قد لف بين غارين من الناس حتى قتل بعضهم بعضا ثم هو يريد اللحاق بأهله فسمع ذلك ابن جرموز فخرج في طلبه و اتبعه رجل من مجاشع حتى لحقاه فلما رآهما الزبير حذرهما فقالا يا حواري رسول الله أنت في ذمتنا لا يصل إليك أحد و سايره ابن جرموز فبينا هو يسايره و يستأخر و الزبير يفارقه قال يا أبا عبد الله انزع درعك و اجعلها على فرسك فإنها تثقلك و تعييك فنزعها الزبير و جعل عمرو بن جرموز ينكص و يتأخر و الزبير يناديه أن يلحقه و هو يجري بفرسه ثم ينحاز عنه حتى اطمأن إليه و لم ينكر تأخره عنه فحمل عليه و طعنة بين كتفيه فأخرج السنان من ثدييه و نزل فاجتز رأسه و جاء به إلى الأحنف .

فأنفذه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فلما رأى رأس الزبير و سيفه قال ناولني السيف فناوله فهزه و قال سيف طالما قاتل به بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و لكن الحين و مصارع السوء ثم تفرس في وجه الزبير و قال لقد كان لك برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صحبة و منة قرابة و لكن الشيطان دخل منخريك فأوردك هذا المورد .

[391]

حرب الجمل